← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 199

مدارج السالكين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 526 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

مَن لم يكن، ويبقى مَن لم يزل. قال صاحب "المنازل" (١): (هو اضمحلال ما دون الحقِّ علمًا، ثمّ جحدًا، ثمّ حقًّا. وهو على ثلاث درجاتٍ: الدّرجة الأولى: فناءُ المعرفة في المعروف، وهو الفناء علمًا. وفناءُ العِيان في المُعايَن وهو الفناء جحدًا. وفناءُ الطّلب في الوجود وهو الفناء حقًّا. الدّرجة الثّانية: فناءُ شهود الطّلب لإسقاطه، وفناءُ شهود المعرفة لإسقاطها، وفناءُ شهود العيان لإسقاطه. الدّرجة الثّالثة: الفناءُ عن شهود الفَناء ــ وهو الفَناء حقًّا ــ شائمًا برقَ العين، راكبًا بحرَ الجَمْع، سالكًا سبيلَ البقاء). فنذكر ما في هذا الكلام من حقٍّ وباطلٍ، ثمّ نُتْبِعُه ذكرَ أقسام الفناء، والفرق بين الفناءِ المحمودِ الذي هو فناء خاصَّة أولياء الله المقرَّبين (٢)، والفناءِ المذمومِ الذي هو فناء أهل الإلحاد القائلين بوحدة الوجود، وفناءِ المتوسِّطين الناقصين عن درجة الكمال، بعون الله وحوله وتأييده. فقوله: (الفناء اضمحلالُ ما دون الحقِّ جحدًا)، لا يريد به أنّه يعدَم من الوجود بالكلِّيّة. وإنّما يريد اضمحلالَه في العلم، فيعلَمُ أنَّ ما دونه باطلٌ، وأنَّ وجودَه بين عدمين، وأنّه ليس له من ذاته إلّا العدَم. فعدمُه بالذّات، ووجودُه بإيجاد الحقِّ له، فيفنى في علمه كما كان فانيًا في حال عدمه. فإذا فني في علمه ارتقى إلى درجةٍ أخرى فوق ذلك، وهي جحدُ السِّوى وإنكاره. وهذه أبلغ

стр. 352

من الأولى، لأنّها غيَّبته عن السِّوى، وقد يغيب عنه وهو غيرُ جاحدٍ له، وهذه الثّانيةُ جحدُه وإنكارُه. ومن هاهنا دخل الاتِّحاديُّ، وقال: المرادُ جحدُ السِّوى بالكلِّيّة، وأنّه ما ثَمَّ غيرٌ بوجهٍ ما. وحاشا شيخَ الإسلام من إلحاد أهل الاتِّحاد، وإن كانت عبارته موهمةً بل مفهِمةً (١). وإنّما أراد بالجحد في الشُّهود، لا في الوجود. أي يجحده أن يكون مشهودًا، فيجحد وجودَه الشُّهوديَّ العلميَّ، لا وجودَه العينيَّ الخارجيَّ. فهو أولًا يغيب عن وجوده الشُّهوديِّ العلميِّ، ثمّ ينكر ثانيًا وجودَه في علمه، وهو اضمحلالُه جحدًا، ثمّ يرتقي من هذه الدّرجة إلى أخرى أبلغَ منها، وهو (٢) اضمحلاله في الحقيقة، وأنّه لا وجود له البتّة، وإنّما وجودُه قائمٌ بوجود الحقِّ، فلولا وجودُ الحقِّ لم يكن هذا موجودًا، ففي الحقيقة: الموجود إنّما هو الحقُّ وحده، والكائناتُ من أثر وجوده. هذا معنى قولهم: إنّها لا وجود لها، وإنّها معدومةٌ وفانيةٌ ومضمحلّةٌ. والاتِّحاديُّ يقول: إنّ السّالك في أوّل سلوكه يرى أنّه لا فاعل في الحقيقة إلّا الله، فهذا توحيد العلم، ولا يقدر في طوره على أكثر من ذلك. ثمّ ينتقل من هذا إلى الدّرجة الثّانية، وهو شهودُ عَودِ الأفعال إلى الصِّفات، والصِّفاتِ إلى الذّات، فعاد الأمرُ كلُّه إلى الذّات، فيجحد وجود السِّوى بالكلِّيّة، فهذا هو الاضمحلال جحدًا. ثمّ يرتقي عن هذه الدّرجة إلى ركوب البحر الذي تغرق فيه الأفعال والأسماء والصِّفات، ولا يبقى إلّا أمرٌ مطلقٌ لا يتقيَّد باسمٍ ولا فعلٍ ولا صفةٍ، وقد اضمحلَّ فيه كلُّ معنًى وقيدٍ وصفةٍ ورسمٍ. وهذا

стр. 353

عندهم غاية السّفر الأوّل، فحينئذٍ يأخذ في السّفر الثّاني، وهو البقاء (١). قوله: (الدّرجة الأولى: فناء المعرفة في المعروف). يريد: اضمحلالَ معرفته وتلاشيَها في معروفه، وأن يغيبَ بمعروفه عن معرفته، كما يغيب بمشهوده عن شهوده، وبمذكوره عن ذكره، وبمحبوبه عن حبِّه، وبمَخُوفه عن خوفه. وهذا لا ريب في إمكانه ووقوعه، فإنَّ القلبَ إذا امتلأ بشيءٍ لم يبق فيه متَّسَعٌ لغيره. وأنت ترى الرّجلَ يشاهد محبوبَه الذي قد استغرق في حبِّه، بحيث تخلَّلَ حبُّه جميعَ أجزاء قلبه، أو شاهد المَخُوف الذي (٢) امتلأ بخوفه، فيعترضُه دهشٌ عن شعوره بحبِّه أو خوفه، لاستيلاءِ سلطانِ المحبوب والمخُوف على قلبه، وعدمِ اتِّساعِه لشهود غيرٍ (٣) البتّة. ولكن هذا لنقصه لا لكماله، والكمال وراء هذا. فلا أحدَ أعظمُ محبّةً لله من الخليلين، وكانت حالُهما أكملَ من هذه الحال. وشهودُ العبوديّة أكمَلُ وأتمُّ وأبلَغُ من الغَيبة عنها بشهود المعبود، فشهودُ العبوديَّةِ والمعبودِ درجةُ الكُمَّل، والغَيبةُ بأحدهما عن الآخر للنّاقصين. فكما أنّ الغَيبة بالعبادة عن المعبود نقصٌ، فكذلك الغَيبةُ بالمعبود عن عبادته؛ حتّى إنَّ من العارفين من لا يعتدُّ بهذه العبادة، ويرى إيجادها عدمًا (٤)، ويقول: هي بمنزلة عبوديّة

стр. 354

النّائم وزائل العقل، لا يُعتدُّ بها. ولم يُبعِد هذا القائل. فالحقُّ تعالى (١) مرادُه من عبده: استحضارُ عبوديّته، لا الغَيبةُ عنها. والعاملُ على الغَيبة عنها عاملٌ على مراده من الله وعلى حظِّه والتّنعُّمِ بالفناء في شهوده، لا على مراد الله منه. وبينهما ما بينهما! فكيف يكون قائمًا بحقيقة العبوديّة من يقول: "إيّاك نعبد"، ولا شعور له بعبوديّته البتّة، بل حقيقةِ "إيّاك نعبد" علمًا ومعرفةً وقصدًا وإرادةً وعملًا! وهذا مستحيلٌ في وادي الفناء، ومن له ذوقٌ يعرف هذا وهذا. قوله: (وفَناءُ العِيان في المعايَن، وهو الفَناء جحدًا). لمّا كان ما قبل هذا فناء العلم في المعلوم، والمعرفة في المعروف، والعيانُ فوق العلم والمعرفة، إذ نسبتُه إلى العلم كنسبة المرئيِّ إليه= كان الفناءُ في هذه المرتبة فناءَ عيانه في معاينه، ومحوَ أثره، واضمحلالَ رسمه. قوله: (وفَناءُ الطّلب في الموجود (٢)، وهو الفناء حقًّا). يريد: أنّه لا يبقى لصاحب هذا العيان طلبٌ، لأنّه قد ظفر بموجوده ومطلوبه، وطلبُ الموجود (٣) محالٌ، لأنّه إنّما يُطلَب المفقودُ عن العيان لا

стр. 355

الموجود، فإذا استغرَق في عيانه وشهوده فني الطّلبُ حقًّا. قوله: (الدّرجة الثّانية: فناءُ شهود الطَّلَب لإسقاطه، وفناءُ شهود المعرفة لإسقاطها، وفناءُ شهود العيان لإسقاطه). يريد: أنّ الطَّلَبَ يسقط، فيشهد العبدُ عدمَه. فهاهنا أمورٌ ثلاثةٌ مترتِّبةٌ. أحدها: فناءُ الطّلب وسقوطُه، ثمّ شهودُ سقوطه، ثمّ سقوطُ شهوده. فهذا هو فناء شهود الطّلب لإسقاطه. وأمّا فناء شهود المعرفة لإسقاطها، فيريد به: أنَّ المعرفةَ تسقُط في شهود العيان، إذ هو فوقها، وهي تفنى فيه؛ فيشهد سقوطَها في العيان، ثمّ يسقُط شهودُ سقوطها. وصاحب "المنازل" يرى أنّ المعرفة قد يصحبها شيءٌ من حجاب العلم، ولا يرتفع ذلك الحجاب إلّا بالعيان، فحينئذٍ تفنى في حقِّه المعارفُ، فيشهد فناءَها وسقوطَها؛ ولكن بعدُ عليه بقيّةٌ لا تزول عنه حتّى يسقط شهودُ فنائها وسقوطِها منه. فالعارفُ يخالطه بقيّةٌ من العلم لا تزول إلّا بالمعاينة، والمعايِنُ قد يخالطه بقيّةٌ من المعرفة لا تزول إلّا بشهود سقوطها، ثمّ سقوطِ شهودِ هذا السُّقوط (١). وأمّا فناء شهود العِيان لإسقاطه، يعني (٢) أنَّ العيانَ أيضًا يسقُط فيشهده العبدُ ساقطًا، فلا يبقى إلّا المعايَنُ وحدَه.

стр. 356

قال الاتِّحاديُّ (١): هذا دليلٌ على أنَّ الشَّيخَ يرى مذهب أهل الوحدة، لأنَّ العِيانَ إنّما يسقط في مبادئ حضرة الجمع، لأنّه يقتضي ثلاثة أمورٍ: معايِنٌ، ومعايَنٌ، ومعاينةٌ؛ وحضرةُ الجمع تنفي التَّعداد. وهذا كذبٌ على شيخ الإسلام، وإنّما مراده: فناء شهود العيان، فيفنى عن مشاهدة المعاينة، ويغيب بمُعايَنِه عن معاينته، لا (٢) أنَّ مرادَه انتفاءُ التَّعدادِ والتّغايُرِ بين المعايِن والمعايَن. وإنّما مرادُه: انتفاءُ الحاجبِ عن درجة الشُّهود، لا عن حقيقة الوجود؛ ولكنّه بابُ الإلحاد (٣)، هؤلاء الملاحدةُ منه يدخلون. والفرقُ بينَ إسقاطِ الشَّيء عن درجة الوجود العلميِّ الشُّهوديِّ، وإسقاطِه عن رتبة الوجود الخارجيِّ العينيِّ (٤)؛ فشيخُ الإسلام بل مشايخُ القوم (٥) المتكلِّمين بلسان الفناء، هذا مرادهم. وأمّا أهل الوحدة، فمرادهم: أنّ حضرة الجمع والوحدة تنفي التَّعدادَ (٦)

стр. 357

والتّقييد في الشُّهود والوجود (١)، بحيث يبقى المعروفُ والمعرفةُ والعارفُ من عينٍ واحدةٍ. لا، بل ذلك هو نفسُ العين الواحدة، وإنّما العلمُ والعقلُ والمعرفةُ حجُبٌ، بعضُها أغلَظُ من بعضٍ. ولا يصير السّالكُ عندهم محقِّقًا حتّى يخرِقَ حجابَ العلم والمعرفة والعقل، فحينئذٍ يفضي إلى ما وراء الحجاب من شهود الوحدة المطلقة التي لا تتقيَّد بقيدٍ، ولا تختصُّ بوصفٍ. قوله: (الدّرجة الثّالثة: الفناء عن شهود الفناء). أي يشهد فناءَ كلِّ ما سوى الحقِّ في وجود الحقِّ، ثمّ يشهد الفناءَ قد فني أيضًا، ثمّ يفنى عن شهود الفناء، فذلك هو الفناء حقًّا. وقوله: (شائمًا برقَ العين). يعني ناظرًا إلى عين الجمع، فإذا شام برقَه من بُعدٍ انتقل من ذلك إلى ركوب لجّة بحر الجمع، وركوبُه إيّاها هو فناؤه في جمعه. ويعني بالجمع: الحقيقة الكونيّة القدريّة التي يجتمع فيها جميعُ المتفرِّقات. وتشميرُ القوم إلى شهودها والاستغراق والفناء فيها فهو غاية السُّلوك والمعرفة عندهم. وسنذكر إن شاء الله أنّ العبد لا يدخل بهذا الفناء والشُّهود في الإسلام، فضلًا أن يكون به من المؤمنين، فضلًا أن يكون به من خاصَّة أولياء الله المقرّبين! فإنّ هذا شهودٌ مشتركٌ لأمرٍ (٢) أقرَّت به عبّادُ الأصنام وسائرُ أهل الملل أنّه لا خالق إلّا الله. قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧].

стр. 358

فالاستغراقُ والفناءُ في شهود هذا القدر غايتُه التّحقيقُ لتوحيد الرُّبوبيّة الذي أقرَّ به المشركون ولم يدخلوا به في الإسلام. وإنّما الشّأنُ في توحيد الإلهيّة الذي دعت إليه الرُّسلُ، ونزلت (١) به الكتبُ، وتميَّزَ به أولياءُ الله من أعدائه، وهو أن لا يُعبَد إلّا الله، ولا يُحَبَّ سواه، ولا يُتوكَّلَ على غيره. والفناء في هذا التّوحيد هو فناء خاصَّة المقرَّبين، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. فصل إذا عُرِفَ مرادُ القوم بالفناء، فنذكر أقسامه، ومراتبه، وممدوحه ومذمومه ومتوسِّطه. فاعلم أنَّ الفَناءَ مصدرُ فنيَ يفنى فَناءً، إذا اضمحلَّ وتلاشى وعُدِمَ. وقد يُطلقَ على ما تلاشت قواه وأوصافه مع بقاء عينه، كما قال الفقهاء: لا يُقتَل في المعركة شيخٌ فانٍ. وقال تعالى: ﴿(٢٥) كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا﴾ [الرحمن: ٢٦] أي هالكٌ ذاهبٌ. ولكنَّ القومَ اصطلحوا على وضع هذه اللّفظة لتجريد شهودِ الحقيقة الكونيّة، والغَيبةِ عن شهود الكائنات. وهذا الاسم يُطلَق على ثلاثة معانٍ: الفناء عن وجود السِّوى، والفناء عن شهود السِّوى، والفناء عن إرادة السِّوى (٢).

стр. 359

فأمّا الفناء عن وجود السِّوى، فهو فناء الملاحدة القائلين بوحدة الوجود، وأنّه ما ثَمَّ غيرٌ (١)، وأنَّ غايةَ العارفين والسّالكين الفناءُ في الوحدة المطلقة، ونفيُ التّكثُّر والتّعدُّد عن الوجود بكلِّ اعتبارٍ، فلا يشهد غيرًا أصلًا، بل يشهد وجودَ العبد عينَ وجود الرّبِّ، بل ليس عندهم في الحقيقة ربٌّ وعبدٌ. وفناءُ هذه الطّائفة في شهود الوجودِ كلِّه واحدًا (٢)، وهو الواجب بنفسه، ما ثَمَّ وجودان: ممكنٌ، وواجبٌ. ولا يفرِّقون بينَ كون وجود المخلوقات بالله، وبينَ كونِ وجودها هو عين وجوده. وليس عندهم فرقانٌ بين العالمين وربِّ العالمين، ويجعلون الأمر والنّهي للمحجوبين عن شهودهم وفنائهم، وهو تلبيسٌ عندهم. والمحجوبُ عندهم شهِدَ (٣) أفعاله طاعاتٍ ومعاصي، لأنه في مقام الفرق، فإذا ارتفعت درجته شهِدَ أفعالَه كلَّها طاعاتٍ لا معصية فيها، لشهوده الحقيقةَ الكونيَّةَ الشَّاملةَ لكلِّ موجودٍ. فإذا ارتفعت درجته عندهم فلا طاعة ولا معصية، بل ارتفعت الطّاعات والمعاصي، لأنّها تستلزم اثنينيّةً وتعدادًا (٤)، وتستلزم مطيعًا ومطاعًا وعاصيًا ومعصيًّا؛ وهذا عندهم محض الشِّرك، والتّوحيد المحض يأباه. فهذا فناء هذه الطّائفة. وأمّا الفناء عن شهود السِّوى، فهو الفناء الذي يشير إليه أكثر الصُّوفيّة المتأخِّرين، ويعدُّونه غايةً، وهو الذي بنى عليه أبو إسماعيل الأنصاريُّ كتابه

стр. 360

وجعله الدّرجة الثّالثة في كلِّ بابٍ من أبوابه. وليس مرادهم فناءَ وجود ما سوى الله تعالى في الخارج، بل فناؤه عن شهودهم وحسِّهم. فحقيقتُه: غَيبةُ أحدهم عن سوى مشهوده، بل غَيبتُه أيضًا عن شهوده ونفسه، لأنّه يغيب بمعبوده عن عبادته، وبمذكوره عن ذكره، وبموجوده عن وجوده، وبمحبوبه عن حبِّه، وبمشهوده عن شهوده. وقد يسمّى حالُ مثلِ هذا سكرًا، واصطلامًا، ومحوًا، وجمعًا؛ وقد يفرِّقون بين معاني هذه الأسماء. وقد يغلب شهودُ القلب بمحبوبه ومذكوره حتّى يغيبَ به ويفنى به، فيظنّ أنّه اتّحد به وامتزج، بل يظنُّ أنّه نفسُه، كما يحكى أنّ رجلًا ألقى محبوبُه نفسَه في الماء، فألقى المحبُّ نفسَه وراءه، فقال له: ما الذي أوقعك في الماء؟ فقال: غبتُ بك عنِّي، فظننت أنّك أنِّي (١). وهذا إذا عاد إليه عقلُه يعلم أنّه كان غالطًا في ذلك، وأنّ الحقائق متميِّزةٌ في ذاتها، فالرَّبُّ ربٌّ، والعبدُ عبدٌ، والخالقُ بائنٌ عن المخلوقات، ليس في مخلوقاته شيءٌ من ذاته، ولا في ذاته شيءٌ من مخلوقاته؛ ولكن في حال السُّكر والمحو والاصطلام والفناء قد يغيب عن هذا التّمييز. وفي مثل (٢)

стр. 361

هذه الحال قد يقول صاحبها ما يحكى عن أبي يزيد (١) أنّه قال: "سبحاني" (٢)، أو "ما في الجبّة إلّا الله" (٣)، ونحو ذلك من الكلمات التي لو صدرت عن قائلها وعقلُه معه لكان كافرًا. ولكن مع سقوط التّمييز والشُّعور قد يرتفع عنه قلمُ المؤاخذة. وهذا الفناء يُحمَد منه شيءٌ، ويُذَمُّ منه شيءٌ، ويُعفى منه عن شيءٍ. فيُحمَد منه: فناؤه عن حبِّ ما سوى الله وعن خوفِه ورجائه والتّوكُّلِ عليه والاستعانةِ به والالتفاتِ إليه، بحيث يبقى دينُ العبد ظاهرًا وباطنًا كلُّه لله. وأمّا عدمُ الشُّعور والعلم، بحيث لا يفرِّق صاحبُه بين نفسه وغيره، ولا بين الرَّبِّ والعبد (٤) ــ مع اعتقادِه الفرقَ ــ ولا بين شهوده ومشهوده، بل لا

стр. 362

يرى السِّوى ولا الغيرَ= فهذا ليس بمحمودٍ، ولا هو وصف كمالٍ (١)، ولا هو ممّا يُرْغَب فيه ويؤمَر به. بل غايةُ صاحبه أن يكون معذورًا لعَجزه وضعفِ قلبه وعقله عن احتمالِ التّمييز والفرقان، وإنزالِ كلِّ ذي منزلةٍ منزلتَه موافقةً لداعي العلم، ومقتضى الحكمة، وشهودٍ للحقائق على ما هي عليه، والتّمييزِ بين القديم والمحدَث، والعبادة والمعبود؛ فيُنْزِلُ العبادةَ منازلَها، ويشهدُ مراتبَها ويعطي كلَّ مرتبةٍ منها حقَّها من العبوديّة، ويشهَدُ قيامَه بها فإنّ شهودَ العبد قيامَه بالعبوديّة أكمَلُ في العبوديّة من غَيبته عن ذلك؛ فإنّ أداءَ العبوديّة في حال غَيبة العبد عنها وعن نفسه بمنزلة أداء السّكران والنّائم، وأداؤها في حال كمال يقظته وشعوره بتفاصيلها وقيامه بها أتَمُّ وأكمَلُ وأقوى عبوديّةً. فتأمَّلْ حالَ عبدين في خدمة سيِّدهما: أحدُهما يؤدِّي حقوق خدمته في حال غَيبته عن نفسه وعن خدمته لاستغراقه بمشاهدة (٢) سيِّده. والآخَرُ يؤدِّيها في حالِ كمالِ حضوره وتمييزه، وإشعارِ نفسه بخدمةِ السّيِّد وابتهاجِها بذلك فرحًا بخدمته، وسرورًا والتذاذًا منه، واستحضارًا لتفاصيل الخدمة ومنازلها؛ وهو مع ذلك عاملٌ على مراد سيِّده منه، لا على مراده من سيِّده. فأيُّ العبدين أكمل؟ فالفناءُ حظُّ الفاني ومرادُه. والعلمُ والشُّعورُ، والتّمييزُ والفرقُ، وتنزيلُ الأشياء منازلَها وجعلُها في مراتبها= حقُّ الرَّبِّ ومرادُه. ولا يستوي صاحبُ هذه العبوديّة، وصاحبُ تلك. نعم، هذا أكمل حالًا من الذي لا حضور له ولا مشاهدة، بل هو غائبٌ بطبعه ونفسه عن معبوده وعن عبادته. وصاحبُ

стр. 363

التَّمييز والفرقان ــ وهو صاحب الفناء الثّالث ــ أكمل منهما. فزوالُ العقلِ والتّمييزِ والغَيبةُ عن شهود نفسه وأفعالها لا يُحمَد، فضلًا عن أن يكون في أعلى مراتب الكمال؛ بل يُذَمُّ إذا تسبَّب إليه وباشَرَ أسبابَه، وأعرض عن الأسباب التي توجب له التّمييز والعقل. ويُعذَر إذا ورد عليه ذلك بلا استدعاءٍ، بل كان مغلوبًا عليه، كما يُعذَر النّائمُ، والمغمى عليه، والمجنونُ، والسّكرانُ الذي لا يُذَمُّ على سُكره كالمُوجَرِ (١) والجاهلِ بكون الشَّراب مسكِرًا ونحوهما. وليس أيضًا هذه الحال بلازمةٍ لجميع السّالكين، بل هي عارضةٌ لبعضهم: منهم من يبتلى بها كأبي يزيد وأمثاله، ومنهم من لا يبتلى بها وهم أكمل وأقوى، فإنَّ الصّحابةَ ــ وهم ساداتُ العارفين وأئمّةُ الواصلين، وقدوةُ السَّالكين ــ لم يكن فيهم من ابتُلي بمثل ذلك (٢)، مع قوّة إرادتهم، وكثرة منازلاتهم (٣)، ومعاينة ما لم يعاينه غيرُهم، ولا شَمَّ له رائحةً، ولم يخطُر على قلبه. فلو كان هذا الفناء كمالًا لكانوا هم أحقَّ به وأهلَه، وكان لهم منه (٤) ما لم يكن لغيرهم. ولا كان أيضًا هذا حال نبيِّنا ﷺ (٥). ولهذا، في ليلة المعراج، لمّا أُسري به وعايَنَ ما عايَنَ ممّا أراه الله إيّاه من آياته الكبرى لم تعرض له هذه الحال،

стр. 364

بل كان كما وصفه الله تعالى بقوله: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٧ - ١٨]، وقال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠]. قال ابن عبّاسٍ ﵄: هي رؤيا عينٍ، أُرِيَهَا رسولُ الله ﷺ ليلةَ أُسْري به (١). ومع هذا فأصبح بينهم لم يتغيَّر عليه حالُه، ولم يعرِضْ له صَعَقٌ ولا غَشْي، يخبرهم عن تفاصيل ما رأى غيرَ فانٍ عن نفسه ولا عن شهوده. ولهذا كانت حالُه ﷺ أكملَ من حال موسى بن عمران لمَّا خرَّ صَعِقًا من تجلِّي الله للجبل وجعلِه دكًّا. فصل وهذا الفناء له سببان: أحدهما: قوّة الوارد وضعف المورود. وهذا لا يُذَمُّ صاحبُه. الثّاني: نقصانُ العلم والتّمييز. وهذا يُذَمُّ صاحبُه، ولا سيَّما إذا أعرض عن العلم الذي يحول بينه وبين هذا الفناء، وذمَّه وذمَّ أهلَه، ورأى ذلك عائقًا من عوائق الطّريق، فهذا هو المذمومُ المخوفُ عليه. ولهذا عظُمَتْ وصيّةُ أئمَّة القوم بالعلم، وحذَّروا من السُّلوك بلا علمٍ، وأمَروا بهَجْرِ مَن هَجَرَ العلمَ وأعرضَ عنه وعدمِ القبول منه، لمعرفتهم بمآلِ أمرِه وسوءِ عاقبةِ سَيره (٢). وعامَّةُ من تزندق من السّالكين فلإعراضه عن دواعي العلم، وسيرِه على جادَّة الذَّوق والوجد والفناء، ذاهبةً به الطّريقُ كلَّ مذهبٍ. فهذا فتنته، والفتنةُ به شديدةٌ! وبالله التّوفيق.

стр. 365

فصل وأصل هذا الفناء: الاستغراقُ في توحيد الرُّبوبيّة، وهو رؤيةُ تفرُّدِ الله تعالى بخلق الأشياء وملكها واختراعها، وأنّه ليس في الوجود قطُّ إلّا ما شاءه وكوَّنه. فيشهد ما اشتركت فيه المخلوقاتُ من خلقِ الله إيّاها، ومشيئتهِ لها، وقدرتِه عليها، وشمولِ قيُّوميَّته وربوبيَّته لها؛ ولا يشهد ما افترقت فيه من محبّة الله لهذا وبغضه لهذا، وأمره بما أمرَ به ونهيِه عمّا نهى عنه، وموالاته لقومٍ ومعاداته لآخرين. فلا يشهد التّفرقةَ في الجمع، وهي: تفرقةُ الخلق والأمر في جمع الرُّبوبيّة، تفرقةُ موجَبِ الإلهيّة في جمع الرُّبوبيّة (١)، تفرقةُ (٢) الإرادة الدِّينيّة في جمع الإرادة الكونيّة، تفرقةُ ما يحبُّه ويرضاه في جمعِ (٣) ما قدَّره وقضاه. ولا يشهد الكثرةَ في الوحدة، وهي: كثرةُ معاني الأسماء الحسنى والصِّفات العُلا، واقتضاؤها لآثارها في وحدة الذّات الموصوفة بها؛ فلا يشهد كثرةَ دلالات أسماء الرّبِّ تعالى وصفاته على وحدة ذاته. فهو الله الذي لا إله إلّا هو، الرَّحمن الرَّحيم الملك القدُّوس السَّلام المؤمن المهيمن العزيز الجبّار المتكبِّر. وكلُّ اسمٍ له صفةٌ، وللصِّفة حكمٌ، فهو سبحانه واحدُ الذّات، كثيرُ الأسماء والصِّفات. فهذه كثرةٌ في وحدةٍ. والفرقُ بين مأموره ومنهيِّه، ومحبوبه ومبغوضه، ووليِّه وعدوِّه= تفرقةٌ في جمعٍ.

стр. 366

فمن لم يتّسع شهودُه لهذه الأمور الأربعة، فليس من خاصَّة أولياء الله العارفين؛ بل إن ضاق شهودُه عنها مع اعترافه بها فهو مؤمنٌ ناقصٌ. وإن جحدها ــ أو شيئًا منها ــ فكفرٌ صريحٌ أو بتأويلٍ، مثل أن يجحد تفرقةَ الأمر والنّهي، أو جمعَ (١) القضاء والقدر، أو كثرةَ معاني الأسماء والصِّفات أو وحدة الذّات. فليتدبَّر اللَّبيبُ السَّالكُ هذا الموضعَ حقَّ التَّدبُّر، وليعرف حقَّ قدره (٢)، فإنّه مجامعُ طُرقِ العالَمين وأصلُ تفرُّقهم، قد ضبطتُ لك معاقدَه، وأحكمتُ لك قواعدَه. وبالله تعالى التّوفيق. وإنّما يعرف قدرَ هذا مَن اجتاز (٣) القِفارَ، واقتحم البِحارَ، وعرض له ما يعرض لسالك القفر وراكب البحر. ومن لم يسافر ولم يخرج عن وطن طبعه ومَرْباه، وما ألِفَ عليه أصحابَه وأهلَ زمانه، فبمعزلٍ (٤) عن هذا. فإن عرَف قدرَه، وكفى النّاسَ شرَّه، فهذا تُرجى له السّلامة. وإن عدا طورَه، وأنكر ما لم يعرفه، وكذَّب بما لم يُحِط بعلمه (٥)، ثمّ تجاوز إلى تكفير من خالفَه ولم يقلِّد شيوخه ويرضى (٦) بما رضي هو به لنفسه، فذلك الظّالمُ الجاهل الذي ما ضَرَّ إلّا نفسَه ولا أضاعَ إلّا حظَّه.

стр. 367

فصل ويعرض للسّالك على درب الفناء معاطب ومهالك، لا ينجيه منها إلّا بصيرةُ العلم، التي إن صَحِبَتْه في سَيره، وإلّا فبسبيلِ مَن هلك (١). منها: أنّه إذا اقتحم عقَبةَ الفناء ظنَّ أنَّ صاحبَها قد سقط عنه الأمرُ والنّهيُ، لتشويشِه على الفناء ونقضِه له ــ والفناء عنده غايةُ العارفين ونهاية التّوحيد ــ فيرى تركَ كلِّ ما أبطله وأزاله من أمرٍ أو نهيٍ أو غيرهما. ويصرِّح بعضُهم بأنّه إنّما يسقط الأمر عمَّن شهد الإرادة (٢)، وأمّا من لم يشهدها فالأمرُ والنّهيُ لازمٌ له. ولا يعلم هذا المغرورُ أنَّ غايةَ ما معه: الفناءُ في توحيد أهل الشِّرك الذي أقرُّوا به ولم يكونوا به مسلمين البتّة، كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]. وقال: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ

стр. 368

قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٤ - ٨٩]. وقال: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦]. قال ابن عبّاسٍ ﵄: تسألهم من خلق السّماوات والأرض؟ فيقولون: الله، وهم يعبدون غيره (١). ومن كان هذا التّوحيدُ والفناءُ فيه غايةَ توحيده انسلخ من دين الله ومن جميع رسله وكتبه، إذ لم يتميَّز عنده ما أمر الله به ممّا نهى عنه، ولم يفرِّق بين أولياء الله وأعدائه، ولا بين محبوبه ومبغوضه، ولا بين المعروف والمنكر؛ فسوَّى بين المتّقين والفجّار، والطّاعة والمعصية؛ بل ليس عنده في الحقيقة إلّا طاعةٌ، لاستواء الكلِّ في الحقيقة التي هي المشيئة العامَّة الشَّاملة. ثمّ صاحبُ هذا المقام يظنُّ أنّه صاحب الجمع والتّوحيد، وأنّه وصل إلى عين الحقيقة، وإنّما وصل إلى الحقيقة الشّاملة التي يدخل فيها إبليس وجنوده أجمعون وكلُّ كافرٍ ومشركٍ وفاجرٍ، فإنَّ هؤلاء كلَّهم تحت الحقيقة الكونيّة القدريّة. فغايةُ صاحب هذا المشهد وصولُه إلى (٢) أن يشهد استواءَ هؤلاء والمؤمنين الأبرار وأولياءِ الله وخاصَّةِ عباده في هذه الحقيقة. ومع هذا، فلا بدّ له من الفرقِ والموالاةِ والمعاداةِ ضرورةً، فينسلخُ عن الفرق الشّرعيِّ، فيعود إلى الفرق الطَّبعيِّ بهواه وطبعه، إذ لا بدّ أن يفرِّق بين

стр. 369

ما ينفعه فيميلَ إليه، ويضرُّه فيهربَ منه. فبينا هو منكرٌ على أهل الفرق الشّرعيِّ ناكبًا عن طريقتهم إلى عين الجمع، إذ انتكس وارتكس وعاد إلى الفرق الطَّبعيِّ النّفسيِّ، فيوالي ويعادي ويحبُّ ويبغضُ بحسب هواه وإرادته! فإنّ (١) الفرق أمرٌ ضروريٌّ للإنسان، فمن لم يكن فرقُه قرآنيًّا محمَّديًّا، فلا بدَّ له من قانونٍ يفرِّق به: إمّا سياسةُ سائسٍ فوقه، أو ذوقٌ منه أو من غيره، أو رأيٌ منه أو من غيره، أو يفرِّق فرقًا بهيميًّا حيوانيًّا بحسب مجرّد شهوته وغرضه (٢) أين توجّهت به= فلا بدّ من التّفريق بأحد هذه الوجوه. فلينظر العبد مَن الحاكمُ عليه في الفرق، وَلْيزِنْ به إيمانَه قبل أن يوزن، وَلْيحاسِبْ نفسَه قبل أن يُحاسَب، وليستبدل الذّهبَ بالخزف، والدُّرَّ بالبعر، والماءَ الزُّلال بالسَّرابِ الذي ﴿بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ﴾ [النور: ٣٩] قبلَ أن يسأل الرّجعةَ إلى دار الصَّرف، فيقالَ: هيهات! اليومُ يومُ الوفاء، وما مضى فقد فات، أُحْصِيَ المستخرَجُ والمصروفُ، وستعلم الآن ما معك من النّقد الصّحيح والزُّيوف! وأصحابُ هذه الحقيقة أتباعُ كلِّ ناعقٍ، يميلون مع كلِّ صائحٍ، لم يستضيئوا بنورالعلم، ولم يلجؤوا إلى ركنٍ وثيقٍ. وإذا تناهوا في حقيقتهم وأضافوا الجميعَ إلى الله إضافةَ المحبّة والرِّضا، وجعلوها عينَ المشيئة والخلق، ضاهؤوا الذين قال الله فيهم: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا

стр. 370

أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ (١) [الأنعام: ١٤٨]، وقولهم: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٢) [النحل: ٣٥]، وقولَهم عن آلهتهم: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠]، وقولهم إذا فعلوا فاحشةً: ﴿وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ (٣) [الأعراف: ٢٨]، فاحتجُّوا بإقرار الله لهم قدرًا وكونًا على رضاه ومحبّته وأمره، وأنّه لو كره ذلك لحال بينهم وبينه، ولما أقرَّهم عليه؛ فجعلوا قضاءَه وقدرَه عينَ محبّته ورضاه. ووَرِثهم مَن سوَّى بين المخلوقات ولم يفرِّقْ بالفرق النَّبويِّ القرآنيِّ. وطائفةٌ من المشركين ذكرت ذلك معارضين لأمر الله ونهيه وما بعَثَ به رسلَه بقضائه وقدره، فعارضوا الحقيقةَ الدِّينيَّةَ الشَّرعيَّةَ بالحقيقة الكونيَّة القدريَّة. ووَرِثهم مَن يحتجُّ بالقضاء والقدر في مخالفة الأمر والنّهي. وكلا الطّائفتين (٤) أبطلت أمره ونهيه بقضائه وقدره. وظنّت طائفةٌ ثالثةٌ أنّ إثباتَ القضاء والقدر يُبطل الشّرائع والنُّبوّات، وأنّ المشركين احتجُّوا على بطلانها بإثباته، فجعلت التّكذيبَ به من أصول

стр. 371

الإيمان، بل أعظم (١) أصوله، فردّت قضاء الله وقدره الشّامل العامّ بأمره ونهيه (٢). فانظر إلى اقتسام الطّوائف هذا (٣) الموضعَ، وافتراقهم في مفرَقِ هذه الطّريق علمًا وخبرًا (٤) وسلوكًا وحقيقةً، وتأمَّلْ أحوالَ الخلق في هذا المقام= ينكشِفْ لك أسرارُ العالمين، وتعرف أين أنت وأين مقامك؟ وتعلم ما جنى هذا الجمعُ وهذا الفناءُ على الإيمان، وما خرَّب من القواعد والأركان! وتتحقَّق حينئذٍ أنَّ الدِّينَ كلَّه فرقانٌ في قرآنٍ (٥): فرقٌ في جَمْعٍ، وكثرةٌ في وحدةٍ، كما تقدَّم بيانه؛ وأنّ أولى النّاس بالله ورسله وكتبه ودينه أصحابُ الفرق في الجمع، فيقومون بالفرق بين ما يحبُّه الله ويبغضه، ويأمر به وينهى عنه، ويواليه ويعاديه علمًا وشهودًا، وإرادةً وعملًا، مع شهودهم الجمعَ لذلك كلِّه في قضائه وقدره ومشيئته الشَّاملة العامَّة، فيؤمنون بالحقيقة الدِّينيّة والكونيّة، ويعطون كلَّ حقيقةٍ حظَّها من العبادة. فحظُّ الحقيقة الدِّينيّة: القيامُ بأمره ونهيه، ومحبّةُ ما يحبُّه وكراهةُ ما

стр. 372

يكرهه، وموالاةُ من والاه ومعاداةُ من عاداه؛ وأصلُ ذلك: الحبُّ فيه والبغض فيه. وحظُّ الحقيقة الكونيّة: إفرادُه بالافتقارِ إليه، والاستعانةِ به، والتّوكُّلِ عليه، والالتجاءِ إليه؛ وإفرادُه بالسُّؤالِ والطَّلبِ والتّذلُّلِ له والخضوعِ، والتّحقُّقُ بأنّه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فلا يملكُ أحدٌ سواه لهم (١) ضرًّا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا، وأنّه مقلِّبُ (٢) القلوب، فقلوبُهم ونواصيهم بيده، وأنّه ما من قلبٍ إلّا وهو بين إصبعَين من أصابعه، إن شاء أن يُقيمه أقامه، وإن شاء أن يُزيغه أزاغه. فلهذه الحقيقة عبوديّةٌ، ولهذه الحقيقة عبوديّةٌ (٣)، ولا تُبطِل إحداهما الأخرى (٤)، بل لا تتمُّ إلّا بها، ولا تتمُّ العبوديّة إلّا بمجموعهما. وهذا حقيقة قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ بخلاف من أبطل حقيقة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ بحقيقة ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، وقال: إنّها جمعٌ، و ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ فرقٌ. وإذا غلا في هذا المشهد لم يستحسِنْ حسنةً، ولم يستقبِحْ قبيحةً. ويصرِّح بذلك ويقول: العارف لا يستحسن حسنةً ولا يستقبح قبيحةً لاستبصاره بسرِّ القدر (٥).

стр. 373

ومنهم من يقول: حقيقة هذا المشهد أن يشهد الوجودَ كلَّه حسنًا لا قبيحَ فيه، وأفعالَهم كلَّها طاعاتٍ لا معصيةَ فيها، لأنّهم، وإن عصوا الأمر، فهم يطيعون المشيئة، ويقولون: أصبحتُ منفعلًا لما تختاره ... منِّي ففعلي كلُّه طاعاتُ (١) ويقول قائلهم: من شهد الحقيقةَ سقط عنه الأمرُ. ويحتجُّون بقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩] ويفسِّرون "اليقين" بشهود الحكمِ الكونيِّ، وهي الحقيقةُ عندهم (٢). ولا ريب أنَّ العامَّةَ خيرٌ من هؤلاء وأصحُّ إيمانًا، فإنَّ هذا زندقةٌ ونفاقٌ، وكذبٌ منهم على أنفسهم ونبيِّهم وإلههم. أمّا كذبُهم على أنفسهم، فإنَّهم لا بدَّ أن يفرِّقوا قطعًا، فرغبوا عن الفرق

стр. 374

النّبويِّ القرآنيِّ، فوقعوا في الفرق النّفسيِّ الطّبعيِّ، مثل حال إبليس، تكبَّر عن السُّجود لآدم، ورضي لنفسه بالقيادة لفُسَّاق ذرِّيّته! ومثل المشركين تكبَّروا عن عبادة الله، ورضُوا لأنفسهم عبادةَ الأحجار والأوثان! ومثل أهل البدع تكبَّروا عن تقليد النُّصوص وتلقِّي الهدى من مشكاتها، ورضُوا لأنفسهم بتقليد أقوالٍ مخالفةٍ للفطرة والعقل والشّرع، وظنُّوها قواطع عقليّةً، وقدَّموها على نصوص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهي في الحقيقة شبهاتٌ باطلةٌ مخالفةٌ للسَّمع والعقل. ومثل الجهميَّة الأولى نزَّهوا الرَّبَّ عن عرشه، وجعلوه في أجواف البيوت والحوانيت والحمّامات، وقالوا: هو في كلِّ مكانٍ بذاته، ونزَّهوه عن صفات كماله ونعوت جلاله حذرًا ــ بزعمهم ــ من التَّشبيه، فشبّهوه بالجامدات النّاقصة الخسيسة التي لا تتكلَّم، ولا لها سمع ولا بصر ولا علم ولا حياة، بل شبَّهوه بالمعدومات الممتنعِ وجودُها. ومثل المعطِّلة الذين قالوا: ما فوق العرش إلّا العدم، وليس فوق العرش ربٌّ يُعبَد، ولا إلهٌ يُصلَّى له ويُسْجَد، ولا تُرفَعُ الأيدي إليه، ولا رُفِعَ المسيحُ إليه، ولا تعرجُ الملائكةُ والرُّوح إليه، ولا أُسْري برسول الله ﷺ إليه ودنا منه حتّى كان قاب قوسين أو أدنى، ولا ينزل من عنده شيءٌ، ولا يصعد إليه شيءٌ، ولا يراه أهلُ الجنّة من فوقهم يوم القيامة. واستواؤه على عرشه لا حقيقة له، بل على المجاز الذي يصحُّ نفيُه. وعلوُّه فوق خلقه بالرُّتبة والشّرف، لا بالذّات. وكذلك فوقيَّتُه فوقيَّةُ قهرٍ، لا فوقيّة ذاتٍ. فنزَّهوه عن كمال علوِّه وفوقيّته، ووصفوه بما ساوَوْا (١) به بينه وبين العدم المستحيل،

стр. 375

فقالوا: لا داخلَ العالم، ولا خارجَه، ولا متصلًا به، ولا منفصلًا عنه، ولا محايثًا له، ولا مباينًا له، ولا هو فينا، ولا خارجٌ عنّا. ومعلومٌ أنّه لو قيل لأحد: صِفْ لنا العَدَمَ، لوصفه بهذا بعينه! وانطباقُ هذا السَّلب على العدم المحض أقرب إلى العقول والفِطَر من انطباقه على ربِّ العالمين الذي ليس في مخلوقاته شيءٌ من ذاته، ولا في ذاته شيءٌ من مخلوقاته، بل هو بائنٌ عن خلقه، مستوٍ على عرشه، عالٍ على كلِّ شيءٍ، وفوق كلِّ شيءٍ. والقصد: أنَّ كلَّ من أعرض عن شيءٍ من الحقِّ وجَحَده وقَع في باطلٍ مقابلٍ لما أعرض عنه من الحقِّ وجَحَده، ولا بدَّ؛ حتّى في الأعمال، مَن رغب عن العمل لوجه الله وحدَه ابتلاه الله بالعمل لوجوه الخلق، فرغب عن العمل لِمَن ضرُّه ونفعُه وموتُه وحياتُه ونشورُه وسعادتُه بيده، فابتلي بالعمل لمن لا يملك له شيئًا من ذلك. وكذلك مَن رغِبَ عن إنفاق ماله لله وفي طاعته (١)، ابتُلِيَ بإنفاقه لغير الله، وهو راغمٌ (٢). وكذلك مَن رغِبَ عن التَّعب لله ابتُلِيَ بالتَّعب في خدمة الخلق (٣)، ولا بدّ. وكذلك مَن رغِبَ عن الهدي بالوحي ابتُلِيَ بكُناسةِ الآراء وزُبالةِ الأذهان ووسَخِ الأفكار. فليتأمَّلْ من (٤) يريد نصحَ نفسه وسعادتَها وفلاحَها هذا الموضعَ في نفسه وفي غيره. والله المستعان.

стр. 376

ولا ريب أنّ العامّة ــ مع غفلتهم وشهواتهم ــ أصحُّ إيمانًا من هؤلاء، إذ (١) لم يعطِّلوا الأمر والنّهي؛ فإنَّ إيمانًا مع تفرقةٍ وغفلةٍ خيرٌ من شهودٍ وجمعيّةٍ يصحَبها فسادُ الإيمان والانسلاخُ منه. وأمّا كذبُهم على نبيِّهم، فاعتقادُهم أنّه إنّما كان قيامُه بالأوراد والعبادات لأجل التَّشريع، لا لأنَّها فرضٌ عليه، إذ قد سقط عنه (٢) ذلك بشهود الحقيقة وكمال اليقين؛ فإنّ الله أمَرَه وأمَرَ سائرَ رسله بعبادته إلى حين انقضاء آجالهم، فقال: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩] وهو الموت بالإجماع، كما قال في الآية الأخرى عن الكفّار: ﴿مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦)﴾ [المدثر: ٤٦ - ٤٧]. وقال ﷺ : "أمّا عثمان بن مظعونٍ فقد جاءه اليقينُ من ربِّه" (٣) قاله لمّا مات عثمان. وقال المسيح صلى الله على نبينا وعليه وسلَّم: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣٠ - ٣١]. فهذه وصيّةُ الله تعالى للمسيح ﵇، وكذلك لجميع أنبيائه ورسله وأتباعهم. قال الحسن ﵁: لم يجعل الله لعبادة المؤمن (٤) أجلًا دون الموت (٥).

стр. 377

وإذا (١) جمع هؤلاء التّجهُّمَ في الأسماء والصِّفات إلى شهود هذه الحقيقة والوقوف عندها، فأعاذك الله من تعطيل الرَّبِّ وشرعِه بالكلِّيّة، فلا ربٌّ يُعبَد، ولا شرعٌ يُتّبع بالكلِّيّة! ومن أراد الوقوف على حقيقة ما ذكرنا فليسيِّر طرفَه بين تلك المعالم، وليقف على تلك المعاهد، وليسأل الأحوالَ والرُّسومَ والشَّواهدَ، فإن لم تُجِبْه حِوارًا (٢)، أجابته حالًا واعتبارًا. وإنّما يصدِّق بهذا من رافق السّالكين، وفارق القاعدين، وتبوّأ الإيمان (٣)، وفارق عوائد أهل الزّمان، ولم يرض بقول القائل: دع المعاليَ لا تنهَضْ لبغيتها ... واقعُدْ فإنَّكَ أنت الطَّاعم الكاسي (٤)

стр. 378

فصل الدّرجة الثّالثة من درجات الفناء: فناءُ خواصِّ الأولياء وأئمّة المقرَّبين، وهو الفناء عن إرادة السِّوى شائمًا برقَ الفناء عن إرادة ما سواه، سالكًا سبيلَ الجمع على ما يحبُّه ويرضاه، فانيًا بمراد محبوبه منه عن مراده هو من محبوبه، فضلًا عن إرادة غيره. قد اتَّحَدَ مرادُه بمراد محبوبه ــ أعني المرادَ الدِّينيَّ الأمريَّ، لا المرادَ الكونيَّ القدريَّ ــ فصار المرادان واحدًا. وليس في العقل اتِّحادٌ صحيحٌ إلّا هذا، والاتِّحاد في العلم والخبر، فيكون المرادان والمعلومان والمذكوران واحدًا، مع تباين الإرادتين والعِلمين والخبرين. فغايةُ المحبّة اتِّحادُ مراد المحبِّ بمراد المحبوب، وفناءُ إرادة المحبِّ في مراد المحبوب. فهذا الاتِّحادُ والفناءُ هو اتِّحادُ خواصِّ المحبِّين وفناؤهم، قد فَنُوا بعبادته عن عبادة ما سواه، وبحبِّه وخوفه ورجائه والتّوكُّل عليه والاستعانة به والطّلب منه عن حبِّ ما سواه وخوفه ورجائه والتّوكُّل عليه. ومن تحقيق هذا الفناء: أن لا يحبَّ إلّا في الله، ولا يبغض إلّا فيه، ولا يوالي إلّا فيه، ولا يعادي إلّا فيه، ولا يعطي إلّا له، ولا يمنع إلّا له، ولا يرجو إلّا إيَّاه، ولا يستعين إلّا به. فيكون دينُه كلُّه ظاهرًا وباطنًا لله، ويكون الله ورسوله أحبَّ إليه ممّا سواهما، فلا يوادُّ من حادَّ اللهَ ورسولَه ولو كان أقربَ الخلق إليه، بل: يعادي الذي عادى من النّاس كلِّهم ... جميعًا ولو كان الحبيبَ المصافيا (١)

стр. 379

وحقيقة ذلك: فناؤه عن هوى نفسه وحظوظها بمَراضي ربِّه وحقوقه. والجامعُ لهذا كلِّه: تحقيقُ شهادة أن لا إله إلّا الله علمًا ومعرفةً وعملًا وحالًا وقصدًا. وحقيقةُ هذا النّفي والإثبات الذي تضمَّنته هذه الشّهادةُ هو: الفناء والبقاء، فيفنى عن تألُّهِ ما سواه علمًا وإقرارًا وتعبُّدًا، ويبقى بتألُّهِه وحده. فهذا الفناء وهذا البقاء هو حقيقة التَّوحيد الذي اتفقت عليه المرسلون، وأُنزلت به الكتب، وخُلِقت لأجله الخليقة، وشُرِعت له الشّرائع، وقامت عليه سوقُ الجنّة، وأُسِّس عليه الخلقُ والأمرُ. وحقيقتُه أيضًا: البراء والولاء: البراءُ من عبادة غير الله، والولاءُ لله، كما قال تعالى: ﴿(٣) قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ﴾ [الممتحنة: ٤]. وقال (١) إبراهيم لأبيه وقومه: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف: ٢٦ - ٢٧]، وقال أيضًا: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا﴾ [الأنعام: ٧٨ - ٧٩]. وقال الله لرسوله: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢)﴾ إلى آخر السورة. وهذه براءةٌ منهم ومن معبودهم، وسمَّاها براءةً من الشِّرك (٢).

стр. 380

وهي حقيقة المحو والإثبات، فيمحو إلهيَّةَ ما سوى الله من قلبه علمًا وقصدًا وعبادةً، كما هي ممحوَّةٌ من الوجود، ويُثبِت فيه إلهيّتَه سبحانه وحده. وهي حقيقة الجمع والفرق، فيفرِّق بين الإله الحقِّ ومَن ادُّعِيَتْ له الإلهيّةُ بالباطل، ويجمع تألُّهَه وعبادتَه وحبَّه وخوفَه ورجاءَه وتوكُّلَه واستعانتَه على إلهه الحقِّ الذي لا إله سواه. وهي حقيقة التّجريد والتّفريد، فيتجرَّد عن عبادة ما سواه، ويُفرده وحده بالعبادة. فالتّجريد نفيٌ، والتّفريد إثباتٌ، ومجموعهما هو التّوحيد. فهذا الفناء والبقاء، والولاء والبراء، والمحو والإثبات، والجمع والفرق (١)، والتَّجريد والتَّفريد= المتعلِّقُ بتوحيد الإلهيّة: هو النّافع المثمر المُنجي الذي به تنال السّعادة والفلاح. وأمّا تعلُّقُه بتوحيد الرُّبوبيّة الذي أقرَّ به المشركون عُبَّادُ الأصنام، فغايتُه فناءٌ في تحقيق توحيدٍ مشتركٍ بين المؤمنين والكفّار وأولياء الله وأعدائه، لا يصير به وحده الرّجلُ مسلمًا، فضلًا عن كونه عارفًا محقِّقًا.

стр. 381

وهذا الموضع ممّا غلِطَ فيه من أكابر الشُّيوخ وأصحاب الإرادة مَن غلِط، والمعصوم من عصَمه الله، وبالله المستعان (١). * * * *

стр. 382

فصل فلنرجع إلى ذكر منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ التي لا يكون العبدُ من أهلها حتّى ينزل منازلها . فذكرنا منها اليقظة، والبصيرة، والفكرة، والعزم. وهذه المنازل الأربعة لسائر المنازل كالأساس للبنيان، وعليها مدار منازل السّفر إلى الله تعالى، ولا يتصوَّر السَّفرُ إليه بدون نزولها البتّة. وهي على ترتيب السَّير الحسِّيِّ، فإنَّ المقيمَ في وطنه لا يتأتّى منه السّفر حتّى يستيقظ من غفلته عن السّفر، ثمّ يتبصَّر في أمر سفره وخطره (١) وما فيه من المنفعة والمصلحة، ثمّ يفكِّر في أُهبة السّفر والتّزوُّد وإعداد عدَّته، ثمّ يعزم عليه. فإذا عزَم عليه وأجمَعَ قَصْدَه انتقل إلى منزلة المحاسبة ، وهي التّمييز بين ما له وعليه، فيستصحب ما له، ويؤدِّي ما عليه، لأنّه مسافرٌ سفَرَ من لا يعود. ومن منزل المحاسبة يصحُّ له نزولُ منزلة التّوبة، لأنّه إذا حاسب نفسَه عرَفَ ما عليه من الحقِّ، فخرج منه، وتنصَّل منه إلى صاحبه، وهي حقيقة التّوبة، فكان تقديم المحاسبة عليها لذلك أولى. ولتأخيرها عنها وجهٌ أيضًا، وهو أنّ المحاسبة لا تكون إلّا بعد تصحيح التّوبة. والتَّحقيقُ: أنَّ التَّوبة بين محاسبتين: محاسبةٍ قبلها تقتضي وجوبَها، ومحاسبةٍ بعدها تقتضي حفظَها، فالتّوبةُ محفوفةٌ بمحاسبتين. وقد دلَّ على المحاسبة قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ

стр. 383

نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: ١٨]. فأمر سبحانه العبدَ أن ينظر ما قدَّم لغده (١)، وذلك يتضمَّن محاسبةَ نفسه على ذلك، والنّظرَ هل يصلُح ما قدَّمه أن يلقى الله به أو لا يصلح؟ والمقصود من هذا النّظر: ما يوجبه ويقتضيه من كمال الاستعداد، وتقديم ما ينجيه من عذاب الله ويبيِّضُ وجهه عند الله. وقال عمر بن الخطّاب ﵁: حاسِبُوا أنفسكم قبل أن تُحاسَبوا، وزِنُوها قبل أن تُوزَنوا، وتزيَّنُوا للعرض الأكبر ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ أو قال (٢): على من لا تخفى عليه أعمالكم (٣). قال صاحب "المنازل" ﵀ (٤): (المحاسبة (٥) لها ثلاثة أركانٍ:

стр. 384

أحدها: أن تقيس بين نعمته وجنايتك). يعني: تقايس بينَ ما مِنَ الله وما منك، فحينئذٍ يظهر لك التّفاوتُ، وتعلمُ أنّه ليس إلّا عفوُه ورحمتُه، أو الهلاكُ والعطَبُ. وفي هذه المقايسة تعلم أنَّ الرَّبَّ ربٌّ والعبدَ عبدٌ، ويتبيَّن لك حقيقةُ النّفس وصفاتُها، وعظمةُ جلال الرُّبوبيّة، وتفرُّدُ الرَّبِّ بالكمال والإفضال، وأنَّ كلَّ نعمةٍ منه فضلٌ، وكلَّ نقمةٍ منه عدلٌ. وأنت قبل هذه المقايسة جاهلٌ بحقيقة نفسك، وبربوبيّة فاطرها وخالقها. فإذا قايستَ ظهَر لك أنَّها منبعُ كلِّ شرٍّ، وأساسُ كلِّ نقصٍ، وأنَّ حدَّها الجاهلة الظّالمة، وأنّه لولا فضلُ الله ورحمتُه بتزكيته سبحانه ما زكت أبدًا؛ ولولا هداه ما اهتدت، ولولا إرشادُه وتوفيقُه لما كان لها وصولٌ إلى خيرٍ البتّة، وأنّ حصول ذلك لها من بارئها وفاطرها، وتوقُّفُه عليه كتوقُّفِ وجودها على إيجاده، فكما أنّها ليس لها من ذاتها وجودٌ، فكذلك ليس لها من ذاتها كمالُ الوجود، فليس لها من ذاتها إلّا العدمُ: عدمُ الذّات وعدمُ الكمال، فهناك تقول (١) حقًّا: "أبوء لك بنعمتك عليَّ وأبوء بذنبي" (٢). ثمّ تقيس بين الحسنات والسّيِّئات، فتعلم بهذه المقايسة أيُّهما أكثرُ (٣)

стр. 385

وأرجَحُ قدرًا وصفةً. وهذه المقايسةُ الثّانيةُ مقايسةٌ بين أفعالك وما منك خاصّةً. قال (١): (وهذه المقايسةُ تشقُّ على من ليس له ثلاثة أشياء: نورُ الحكمة، وسوءُ الظّنِّ بالنّفس، وتمييزُ النِّعمة من الفتنة). يعني: أنّ هذه المقايسة والمحاسبة تتوقَّف على نور الحكمة، وهو النُّور الذي نوَّر الله به قلوبَ أتباع الرُّسل، وهو نور الحكمة، فبقدره يرى التَّفاوت، ويتمكَّن من المحاسبة. ونورُ الحكمة هاهنا: هو العلم الذي يميِّز به بين الحقِّ والباطل، والهدى والضّلال، والضَّارِّ والنَّافع، والكامل والنَّاقص، والخير والشَّرِّ؛ ويُبصر به مراتبَ الأعمال: راجحَها ومرجوحَها، ومقبولَها ومردودَها. وكلَّما كان حظُّه من هذا النُّور أقوى كان حظُّه من المحاسبة أكملَ وأتمَّ. وأمّا سوءُ الظّنِّ بالنّفس، فإنّما احتاج إليه لأنَّ حسنَ الظّنِّ بالنّفس يمنع من كمال التّفتيش ويُلبِّس عليه، فيرى المساوئَ محاسنَ، والعيوبَ كمالًا، فإنَّ المحبَّ يرى مساوئ محبوبه وعيوبه كذلك. فعينُ الرِّضا عن كلِّ عيبٍ كليلةٌ ... كما أنَّ عينَ السُّخط تُبدي المَساويا (٢)

стр. 386

ولا يسيءُ الظّنَّ بنفسه إلّا مَن عرفها. ومَن أحسن ظنَّه بها فهو من أجهل النّاس بنفسه! وأمّا تمييزُه النِّعمةَ (١) من الفتنة، ليفرِّقَ (٢) بين النِّعمة التي يراد بها الإحسانُ واللُّطفُ، ويُعانُ بها على تحصيل سعادته الأبديّة، وبين النِّعمة التي يراد بها الاستدراجُ. فكم من مستدرَجٍ بالنِّعم وهو لا يشعُر، مفتونٍ بثناء الجهَّال عليه، مغرورٍ بقضاء الله حوائجَه وسَتْرِه عليه! وأكثرُ الخلق (٣) عندهم أنَّ هذه الثّلاثةَ علامةُ السّعادة والنّجاح. ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [النجم: ٣٠]! فإذا كملت هذه الثّلاثةُ فيه عرَفَ حينئذٍ أنَّ ما كان من نِعَم الله عليه يجمَعُه على الله فهو نعمةٌ حقيقيَّةٌ، وما فرَّقَه عنه وأخَذَه منه فهو البلاءُ في صورة النِّعمة، والمِحْنةُ في صورة المِنْحة؛ فليحذَرْ، فإنَّما هو مستدرَجٌ. ويميِّزْ (٤) بذلك أيضًا بين المنّة والحجّة، فلم تُلَبَّسْ (٥) إحداهما عليه بالأخرى؛ فإنَّ العبدَ بين منّةٍ من الله عليه، وحجّةٍ منه عليه، ولا ينفكُّ منهما. فاعلم أنَّ الحكمَ الدِّينيَّ (٦) متضمِّنٌ لمنّته وحجّته. قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤]. وقال:

стр. 387

﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: ١٧]. وقال: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ [الأنعام: ١٤٩]. والحكمُ الكونيُّ متضمِّنٌ أيضًا لمنّته وحجّته. فإذا حَكَم له كونًا حُكمًا مصحوبًا باتِّصال الحكم الدِّينيِّ به فهو منّةٌ منه عليه. وإن لم يصحبه الدِّينيُّ فهو حجّةٌ منه عليه. وكذلك حكمُه الدِّينيُّ إذا اتَّصل به حكمُه الكونيُّ، فوفَّقه للقيام به، فهو منّةٌ منه عليه. وإن تجرّدَ عن حكمه الكونيِّ صار حجّةً منه عليه. فالمنّةُ باقتران أحد الحكمين بصاحبه، والحجّةُ في تجرُّد أحدهما عن الآخر. فكلُّ علمٍ صَحِبه عملٌ يُرضيه سبحانه فهو منّةٌ، وإلّا فهو حجّةٌ. وكلُّ قوّةٍ ظاهرةٍ أو باطنةٍ صَحِبها تنفيذٌ لمرضاته وأوامره فهي منّةٌ، وإلّا فهي حجّةٌ. وكلُّ حالٍ صَحِبه تأثيرٌ في نصرة دينه والدّعوة إليه فهو منّةٌ (١)، وإلّا فهو حجّةٌ. وكلُّ مالٍ اقترن به إنفاقٌ في سبيل الله وطاعته، لا لطلب الجزاء ولا للشُّكور، فهو منّةٌ من الله عليه، وإلّا فهو حجّةٌ. وكلُّ فراغٍ اقترن به اشتغالٌ بما يريد الرَّبُّ من عبده فهو منّةٌ عليه، وإلّا فهو حجّةٌ. وكلُّ قَبولٍ في النّاس وتعظيمٍ ومحبّةٍ، اتّصل به خضوعٌ للرَّبِّ وذلٌّ

стр. 388

وانكسارٌ، ومعرفةٌ بعيب النّفس والعمل، وبذلُ النَّصيحة للخلق= فهو منّةٌ، وإلّا فهو حجّةٌ. وكلُّ بصيرةٍ وموعظةٍ وتذكيرٍ وتعريفٍ من تعريفات الحقِّ سبحانه إلى العبد، اتّصل به عبرةٌ ومزيدٌ في العقل والمعرفة والإيمان= فهي منّةٌ، وإلّا فهي حجّةٌ. وكلُّ حالٍ مع الله، أو مقامٍ اتّصل به السَّيرُ (١) إلى الله وإيثار مُراده على مراد العبد، فهو منّةٌ من الله. وإن صحِبه الوقوفُ عنده، والرِّضا به، وإيثارُ مقتضاه من لذّة النّفس به، وطمأنينتها إليه، وركونها إليه= فهو حجّةٌ من الله عليه. فليتأمَّلِ العبدُ هذا الموضعَ العظيمَ الخطرِ، ويميِّزْ بين مواقعِ المنَّةِ ومواقعِ الحجَّة (٢)، فما أكثرَ ما يلتبس (٣) ذلك على خواصِّ النّاس وأرباب السُّلوك! والله يهدي من يشاء إلى صراطٍ مستقيمٍ. فصل الرُّكن الثّاني من أركان المحاسبة (٤): أن تميِّزَ بين ما للحقِّ (٥) عليك من

стр. 389

وجوبِ العبوديّة والتزامِ الطّاعة واجتنابِ المعصية، وبين ما لَكَ. والّذي لك هو المباح الشّرعيُّ. فعليك حقٌّ، ولك حقٌّ (١). ولابدَّ من التّمييزِ بين ما لك وما عليك، وإعطاءِ كلِّ ذي حقٍّ حقَّه. وكثيرٌ من النّاس يجعل كثيرًا ممَّا عليه من الحقِّ من قِسْم ما لَه، فيتخيَّر (٢) بين فعله وتركه، وإن فعَلَه رأى أنّه فضلٌ قام به، لا حقٌّ أدَّاه! وبإزاء هؤلاء من يرى كثيرًا ممّا له فعلُه وتركُه، من قِسْمِ ما عليه فعلُه أو تركُه، فيتعبَّد بتركِ ما له فعلُه كترك كثيرٍ من المباحات، ويظنُّ ذلك حقًّا عليه؛ أو يتعبَّد بفعلِ ما له تركُه، ويظنُّ ذلك حقًّا عليه! مثال الأوّل: من يتعبَّد بترك النِّكاح وتركِ أكل اللّحم والفاكهة مثلًا، أو الطّيِّباتِ من المطاعم والملابس، ويرى لِجهله (٣) أنَّ ذلك ممَّا عليه، فيوجب على نفسه تركَه، أو يرى تركَه من أفضل القُرَب وأجلِّ الطّاعات. وقد أنكر النّبيُّ ﷺ على من زعم ذلك. ففي "الصّحيح" (٤) أنّ نفرًا من أصحاب النّبيِّ ﷺ سألوا عن عبادته في السِّرِّ، فكأنّهم تقالُّوها، فقال أحدهم: أمّا أنا فلا آكل اللّحم، وقال الآخر: أمّا أنا فلا أتزوّج النِّساء، وقال الآخر: أمّا أنا فلا أنام على فراشٍ. فبلغ النّبيَّ ﷺ مقالتُهم، فخطَب، وقال: "ما بالُ أقوامٍ يقول أحدهم: أمّا أنا فلا آكل اللّحم، ويقول الآخر: أمّا أنا فلا أتزوّج النساء، ويقول

стр. 390

الآخر: أمّا أنا فلا أنام على فراشٍ؟ لكنِّي أتزوَّج النِّساء، وآكل اللَّحم، وأصوم وأفطر، وأقوم وأنام (١)؛ فمن رغب عن سنَّتي فليس منِّي". فتبرَّأ ممَّن رغِب عن سنّته وتعبَّد لله بترك ما أباحه الله لعباده من الطّيِّبات رغبةً عنه، واعتقادًا أنّ الرّغبةَ عنه وهجرَه عبادةٌ! فهذا لم يُميِّز بين ما عليه وما له. ومثال الثّاني: من يتعبَّد بالعبادات البدعيّة التي يظنُّها جالبةً للحال والكشف والتّصرُّف، ولهذه الأمور لوازمُ لا تحصل بدونها البتّة، فيتعبَّد بالتزام تلك اللَّوازم فعلًا وتركًا، ويراها حقًّا عليه، وهي حقٌّ له، وله تركُها، كفعل الرِّياضات والأوضاع التي رسَمها كثيرٌ من السَّالكين بأذواقهم ومواجيدهم واصطلاحهم، من غير تمييزٍ بين ما فيها من حظِّ العبد والحقِّ الذي عليه! فهذا لونٌ، وهذا لونٌ. ومن أركان المحاسبة ما ذكره صاحب "المنازل"، فقال (٢): (الثَّالث: أن تعرفَ أنَّ كلَّ طاعةٍ رضيتَها منك فهي عليك، وكلَّ معصيةٍ عيَّرتَ بها أخاك فهي إليك) (٣). رضا العبد بطاعته دليلٌ على حسنِ ظنِّه بنفسه، وجهلِه بحقوق العبوديّة، وعدمِ علمِه بما يستحقُّه الرّبُّ ﷻ ويليق أن يُعامَل به. وحاصل ذلك: أنَّ جهلَه بنفسه وصفاتها وآفاتها وعيوب عمله، وجهلَه
следующие страницы →