← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 199

مدارج السالكين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 526 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

ولا يسيءُ الظّنَّ بنفسه إلّا مَن عرفها. ومَن أحسن ظنَّه بها فهو من أجهل النّاس بنفسه! وأمّا تمييزُه النِّعمةَ (١) من الفتنة، ليفرِّقَ (٢) بين النِّعمة التي يراد بها الإحسانُ واللُّطفُ، ويُعانُ بها على تحصيل سعادته الأبديّة، وبين النِّعمة التي يراد بها الاستدراجُ. فكم من مستدرَجٍ بالنِّعم وهو لا يشعُر، مفتونٍ بثناء الجهَّال عليه، مغرورٍ بقضاء الله حوائجَه وسَتْرِه عليه! وأكثرُ الخلق (٣) عندهم أنَّ هذه الثّلاثةَ علامةُ السّعادة والنّجاح. ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [النجم: ٣٠]! فإذا كملت هذه الثّلاثةُ فيه عرَفَ حينئذٍ أنَّ ما كان من نِعَم الله عليه يجمَعُه على الله فهو نعمةٌ حقيقيَّةٌ، وما فرَّقَه عنه وأخَذَه منه فهو البلاءُ في صورة النِّعمة، والمِحْنةُ في صورة المِنْحة؛ فليحذَرْ، فإنَّما هو مستدرَجٌ. ويميِّزْ (٤) بذلك أيضًا بين المنّة والحجّة، فلم تُلَبَّسْ (٥) إحداهما عليه بالأخرى؛ فإنَّ العبدَ بين منّةٍ من الله عليه، وحجّةٍ منه عليه، ولا ينفكُّ منهما. فاعلم أنَّ الحكمَ الدِّينيَّ (٦) متضمِّنٌ لمنّته وحجّته. قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤]. وقال:

стр. 387

﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: ١٧]. وقال: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ [الأنعام: ١٤٩]. والحكمُ الكونيُّ متضمِّنٌ أيضًا لمنّته وحجّته. فإذا حَكَم له كونًا حُكمًا مصحوبًا باتِّصال الحكم الدِّينيِّ به فهو منّةٌ منه عليه. وإن لم يصحبه الدِّينيُّ فهو حجّةٌ منه عليه. وكذلك حكمُه الدِّينيُّ إذا اتَّصل به حكمُه الكونيُّ، فوفَّقه للقيام به، فهو منّةٌ منه عليه. وإن تجرّدَ عن حكمه الكونيِّ صار حجّةً منه عليه. فالمنّةُ باقتران أحد الحكمين بصاحبه، والحجّةُ في تجرُّد أحدهما عن الآخر. فكلُّ علمٍ صَحِبه عملٌ يُرضيه سبحانه فهو منّةٌ، وإلّا فهو حجّةٌ. وكلُّ قوّةٍ ظاهرةٍ أو باطنةٍ صَحِبها تنفيذٌ لمرضاته وأوامره فهي منّةٌ، وإلّا فهي حجّةٌ. وكلُّ حالٍ صَحِبه تأثيرٌ في نصرة دينه والدّعوة إليه فهو منّةٌ (١)، وإلّا فهو حجّةٌ. وكلُّ مالٍ اقترن به إنفاقٌ في سبيل الله وطاعته، لا لطلب الجزاء ولا للشُّكور، فهو منّةٌ من الله عليه، وإلّا فهو حجّةٌ. وكلُّ فراغٍ اقترن به اشتغالٌ بما يريد الرَّبُّ من عبده فهو منّةٌ عليه، وإلّا فهو حجّةٌ. وكلُّ قَبولٍ في النّاس وتعظيمٍ ومحبّةٍ، اتّصل به خضوعٌ للرَّبِّ وذلٌّ

стр. 388

وانكسارٌ، ومعرفةٌ بعيب النّفس والعمل، وبذلُ النَّصيحة للخلق= فهو منّةٌ، وإلّا فهو حجّةٌ. وكلُّ بصيرةٍ وموعظةٍ وتذكيرٍ وتعريفٍ من تعريفات الحقِّ سبحانه إلى العبد، اتّصل به عبرةٌ ومزيدٌ في العقل والمعرفة والإيمان= فهي منّةٌ، وإلّا فهي حجّةٌ. وكلُّ حالٍ مع الله، أو مقامٍ اتّصل به السَّيرُ (١) إلى الله وإيثار مُراده على مراد العبد، فهو منّةٌ من الله. وإن صحِبه الوقوفُ عنده، والرِّضا به، وإيثارُ مقتضاه من لذّة النّفس به، وطمأنينتها إليه، وركونها إليه= فهو حجّةٌ من الله عليه. فليتأمَّلِ العبدُ هذا الموضعَ العظيمَ الخطرِ، ويميِّزْ بين مواقعِ المنَّةِ ومواقعِ الحجَّة (٢)، فما أكثرَ ما يلتبس (٣) ذلك على خواصِّ النّاس وأرباب السُّلوك! والله يهدي من يشاء إلى صراطٍ مستقيمٍ. فصل الرُّكن الثّاني من أركان المحاسبة (٤): أن تميِّزَ بين ما للحقِّ (٥) عليك من

стр. 389

وجوبِ العبوديّة والتزامِ الطّاعة واجتنابِ المعصية، وبين ما لَكَ. والّذي لك هو المباح الشّرعيُّ. فعليك حقٌّ، ولك حقٌّ (١). ولابدَّ من التّمييزِ بين ما لك وما عليك، وإعطاءِ كلِّ ذي حقٍّ حقَّه. وكثيرٌ من النّاس يجعل كثيرًا ممَّا عليه من الحقِّ من قِسْم ما لَه، فيتخيَّر (٢) بين فعله وتركه، وإن فعَلَه رأى أنّه فضلٌ قام به، لا حقٌّ أدَّاه! وبإزاء هؤلاء من يرى كثيرًا ممّا له فعلُه وتركُه، من قِسْمِ ما عليه فعلُه أو تركُه، فيتعبَّد بتركِ ما له فعلُه كترك كثيرٍ من المباحات، ويظنُّ ذلك حقًّا عليه؛ أو يتعبَّد بفعلِ ما له تركُه، ويظنُّ ذلك حقًّا عليه! مثال الأوّل: من يتعبَّد بترك النِّكاح وتركِ أكل اللّحم والفاكهة مثلًا، أو الطّيِّباتِ من المطاعم والملابس، ويرى لِجهله (٣) أنَّ ذلك ممَّا عليه، فيوجب على نفسه تركَه، أو يرى تركَه من أفضل القُرَب وأجلِّ الطّاعات. وقد أنكر النّبيُّ ﷺ على من زعم ذلك. ففي "الصّحيح" (٤) أنّ نفرًا من أصحاب النّبيِّ ﷺ سألوا عن عبادته في السِّرِّ، فكأنّهم تقالُّوها، فقال أحدهم: أمّا أنا فلا آكل اللّحم، وقال الآخر: أمّا أنا فلا أتزوّج النِّساء، وقال الآخر: أمّا أنا فلا أنام على فراشٍ. فبلغ النّبيَّ ﷺ مقالتُهم، فخطَب، وقال: "ما بالُ أقوامٍ يقول أحدهم: أمّا أنا فلا آكل اللّحم، ويقول الآخر: أمّا أنا فلا أتزوّج النساء، ويقول

стр. 390

الآخر: أمّا أنا فلا أنام على فراشٍ؟ لكنِّي أتزوَّج النِّساء، وآكل اللَّحم، وأصوم وأفطر، وأقوم وأنام (١)؛ فمن رغب عن سنَّتي فليس منِّي". فتبرَّأ ممَّن رغِب عن سنّته وتعبَّد لله بترك ما أباحه الله لعباده من الطّيِّبات رغبةً عنه، واعتقادًا أنّ الرّغبةَ عنه وهجرَه عبادةٌ! فهذا لم يُميِّز بين ما عليه وما له. ومثال الثّاني: من يتعبَّد بالعبادات البدعيّة التي يظنُّها جالبةً للحال والكشف والتّصرُّف، ولهذه الأمور لوازمُ لا تحصل بدونها البتّة، فيتعبَّد بالتزام تلك اللَّوازم فعلًا وتركًا، ويراها حقًّا عليه، وهي حقٌّ له، وله تركُها، كفعل الرِّياضات والأوضاع التي رسَمها كثيرٌ من السَّالكين بأذواقهم ومواجيدهم واصطلاحهم، من غير تمييزٍ بين ما فيها من حظِّ العبد والحقِّ الذي عليه! فهذا لونٌ، وهذا لونٌ. ومن أركان المحاسبة ما ذكره صاحب "المنازل"، فقال (٢): (الثَّالث: أن تعرفَ أنَّ كلَّ طاعةٍ رضيتَها منك فهي عليك، وكلَّ معصيةٍ عيَّرتَ بها أخاك فهي إليك) (٣). رضا العبد بطاعته دليلٌ على حسنِ ظنِّه بنفسه، وجهلِه بحقوق العبوديّة، وعدمِ علمِه بما يستحقُّه الرّبُّ ﷻ ويليق أن يُعامَل به. وحاصل ذلك: أنَّ جهلَه بنفسه وصفاتها وآفاتها وعيوب عمله، وجهلَه

стр. 391

بربِّه وحقوقه وما ينبغي أن يُعامَل به= يتولَّد منهما رضاه بطاعاته (١)، وإحسانُ ظنِّه بها. ويتولَّد من ذلك من العُجْب والكِبْر والآفات ما هو أكبر من الكبائر الظّاهرة من الزِّنى، وشرب الخمر، والفرار من الزَّحف، ونحوها. فالرِّضا بالطّاعة من رعونات النّفس وحماقتها. وأربابُ العزائم والبصائر أشدُّ ما يكونون استغفارًا عقيبَ الطَّاعات، لشهودهم تقصيرَهم فيها وتركَ القيام لله بها كما يليق بجلاله وكبريائه، وأنّه لولا الأمرُ لَما أقدَمَ أحدُهم على مثل هذه العبوديّة، ولا رضيها لسيِّده. وقد أمر الله تعالى وفدَه وحُجّاجَ بيته بأن يستغفروه عقيبَ إفاضتهم من عرفاتٍ، وهو أجلُّ المواقف وأفضلُها، فقال: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٨ - ١٩٩]. وقال تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٧]. قال الحسن ﵁: مَدُّوا الصّلاةَ إلى السَّحر، ثمّ جلسوا يستغفرون الله (٢). وفي "الصّحيح" (٣) أنّ النّبيّ ﷺ كان إذا سلَّم استغفر (٤) ثلاثًا، ثمّ قال: "اللهمَّ أنت السَّلام، ومنك السَّلام، تباركتَ يا ذا الجلال والإكرام".

стр. 392

وأمره الله سبحانه بالاستغفارِ بعد أداء الرِّسالة، والقيامِ بما عليه من أعبائها، وقضاءِ فرض الحجِّ والجهاد، واقترابِ أجله، فقال في آخر ما أنزل عليه (١): ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [سورة النصر]. ومن هاهنا فَهِم عمر وابن عبّاسٍ ﵃ أنَّ هذا أجلُ رسول الله ﷺ أعلَمَه (٢) به، فأمَره أن يستغفره عقيبَ أداء ما عليه (٣)، فكان إعلامَه (٤) بأنّك قد أدّيتَ ما عليك، ولم يبق عليك شيءٌ، فاجعل خاتمته الاستغفار، كما كان خاتمةَ الصّلاة والحجِّ وقيام اللّيل، وخاتمةَ الوضوء أيضًا إذ يقول بعد فراغه (٥) "اللهمَّ اجعلني من التَّوَّابين، واجعلني من المتطهِّرين" (٦). فهذا شأنُ مَن عرَف ما ينبغي لله ويليق بجلاله من حقوق العبوديّة

стр. 393

وشرائطها، لا جهلُ أصحاب الدَّعاوى وشطحاتُهم. وقال بعضُ العارفين: متى رضيتَ نفسَك وعملَك لله، فاعلم أنّه غيرُ راضٍ به (١). ومَن عرَفَ أنَّ نفسَه مأوى كلِّ عيبٍ وسوء (٢)، وعملَه عُرْضةُ كلِّ آفةٍ ونقصٍ، كيف يرضى لله نفسَه وعملَه؟ ولله درُّ الشّيخ أبي مدين (٣) حيث يقول: من تحقَّق بالعبوديّة نظَر أفعالَه بعين الرِّياء، وأحوالَه بعين الدّعوى، وأقوالَه بعين الافتراء (٤). وكلَّما عظُم المطلوبُ في قلبك صغُرتْ عندك وتضاءلت القيمةُ التي تبذلها في تحصيله. وكلَّما شهدتَ حقيقة الرُّبوبيّة وحقيقةَ العبوديّة، وعرفتَ الله وعرفتَ النّفس، تبيَّن لك أنَّ ما معك من البضاعة لا يصلح للملك الحقِّ (٥)، وإنّما يقبله بكرمه وجوده (٦). فصل وقوله: (وكلُّ معصيةٍ عيّرتَ بها أخاك فهي إليك). يحتمل أن يريد به: أنّها صائرةٌ إليك ولا بدّ أن تعملَها. وهذا مأخوذٌ من

стр. 394

الحديث الذي رواه التِّرمذيُّ في "جامعه" (١) عن النبيِّ ﷺ : "من عيَّر أخاه بذنبٍ لم يمُت حتّى يعملَه". قال الإمام أحمد ﵁ في تفسيره: هذا (٢) من ذنبٍ قد تاب منه (٣). وأيضًا ففي التّعيير ضربٌ خفيٌّ من الشَّماتة بالمعيَّر. وفي "التِّرمذيِّ" (٤)

стр. 395

أيضًا مرفوعًا: "لا تُظهِر الشّماتةَ لأخيك، فيرحمَه الله ويبتليَك". ويحتمل أن يريد: أنّ تعييرَك لأخيك بذنبه أعظمُ إثمًا من ذنبه وأشدُّ من معصيته، لما فيه من صولة الطّاعة، وتزكية النّفس وشكرها، والمناداة عليها بالبراءة من الذّنب، وأنّ أخاك هو الذي (١) باء به. ولعلَّ كَسْرتَه بذنبه، وما أحدَث له من الذِّلّة والخضوع، والإزراءِ على نفسه، والتّخلُّصِ من مرض الدّعوى والكبر والعجب، ووقوفِه بين يدي الله ناكسَ الرّأس خاشعَ الطّرف منكسرَ القلب= أنفَعُ له وخيرٌ له من صولةِ طاعتك، وتكثُّرِك بها، والاعتدادِ بها، والمنّةِ على الله وخلقه بها. فما أقربَ هذا العاصيَ من رحمة الله! وما أقرَبَ هذا المُدِلَّ من مَقْت الله! فذنبٌ تَذِلُّ به لديه أحبُّ إليه من طاعةٍ تُدِلُّ (٢) بها عليه (٣)، وأنينُ المذنبين أحبُّ إليه من زَجَلِ المسبِّحين المُدِلِّين! ولعلَّ الله أسقاه بهذا الذّنب دواءً استخرج به داءً قاتلًا هو (٤) فيك ولا تشعر. فللّه في أهل طاعته ومعصيته أسرارٌ لا يعلمها إلّا هو. ولا يطالعها إلّا أهلُ البصائر، فيعرفون منها بقدر ما تناله معارفُ البشر، ووراء ذلك ما لا

стр. 396

يطّلع عليه الكرام الكاتبون! فقد قال النّبيُّ ﷺ : "إذا زنت أمَةُ أحدكم، فليُقِمْ عليها الحدَّ ولا يثرِّبْ" (١). أي لا يعيِّرْ، من قول يوسف لإخوته: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ [يوسف: ٩٢]. فإنَّ الميزانَ بيد الله، والحكمُ لله، والسَّوطُ (٢) الذي ضُرِب به هذا العاصي (٣) بيد مقلِّب القلوب، والقصدُ: إقامةُ الحدِّ لا التّعيير والتّثريب. ولا يأمن كرَّاتِ القدر وسطواتِه إلّا أهلُ الجهل بالله. وقد قال تعالى لأعلم الخلق (٤)، وأقربهم إليه وسيلةً: ﴿(٧٣) وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا﴾ [الإسراء: ٧٤]. وقال يوسف الصِّدِّيق: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف: ٣٣]. وكان عامّةُ يمين رسول الله ﷺ : "لا، ومقلِّبِ القلوب" (٥). وقال: "ما من قلبٍ إلّا وهو بين إصبَعين من أصابع الرّحمن، إن شاء أن يقيمه أقامه، وإن شاء أن يُزيغه أزاغه". ثمّ قال: "اللهمَّ مقلِّبَ القلوب ثبِّت قلوبنا على دينك" (٦)، "اللهمَّ مصرِّفَ القلوب صرِّف

стр. 397

قلوبنا على طاعتك" (١). فصل فإذا صحَّ له هذا المقامُ، ونزَل في هذه المنزلة، أشرف منها على مقام التّوبة، لأنّه بالمحاسبة قد تميَّز عنده ما له ممَّا عليه، فليجمع على التّشمير إليه والنُّزول فيه (٢) إلى الممات. و منزلة التّوبة أوّل المنازل وأوسطها وآخرها، فلا يفارقه العبد (٣)، ولا يزال فيه إلى الممات. وإن ارتحل إلى منزلٍ آخر ارتحل به (٤)، ونزل به. فالتّوبة هي بداية العبد ونهايته، وحاجتُه إليها في النِّهاية ضروريّةٌ، كما حاجتُه إليها في البداية كذلك. وقد قال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١]. وهذه الآية في سورةٍ مدنيّةٍ، خاطب بها (٥) أهلَ الإيمان وخيارَ خلقه أن يتوبوا إليه بعد إيمانهم وصبرهم وهجرتهم وجهادهم، ثمّ علَّقَ الفلاحَ بالتّوبة تعليقَ المسبَّبِ بسببه، وأتى بأداة "لعلّ" المُشعِرة بالتَّرجِّي إيذانًا بأنّكم إذا تبتم كنتم على رجاء الفلاح، فلا يرجو الفلاحَ إلّا التّائبون؛

стр. 398

جعلنا الله منهم! وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١]. فقسَّم العبادَ إلى تائبٍ وظالمٍ، وما ثَمَّ قسمٌ ثالثٌ البتّة. وأوقع اسمَ الظَّالم على من لم يتُب، ولا أظلَمَ منه لجهله بربِّه وبحقِّه، وبعيبِ نفسه وآفاتِ أعماله. وفي الصّحيح (١) عنه ﷺ أنّه قال: "يا أيُّها النّاس، توبوا إلى الله، فوالله إنِّي لأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرّةً". وكان أصحابُه يعدُّون له في المجلس الواحد قبل أن يقوم: "ربِّ اغفر لي وتُبْ عليَّ إنّك أنت التوَّاب الغفور" مائة مرّةٍ (٢). وما صلّى صلاةً قطُّ بعد إذ أُنزلت عليه ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ إلى آخرها، إلّا قال في صلاته: "سبحانك اللهمّ ربّنا وبحمدك، اللهمّ اغفر لي" (٣). وصحّ عنه أنّه قال: "لن ينجي أحدًا منكم عملُه". قالوا: ولا أنت يا

стр. 399

رسول الله؟ قال: "ولا أنا، إلّا أن يتغمَّدني الله برحمةٍ منه وفضلٍ" (١). فصلواتُ الله وسلامُه على أعلمِ الخلق بالله وحقوقه وعظمته وما يستحقُّه جلالُه من العبوديّة، وأعرفِهم بالعبوديّة وحقوقها وأقوَمِهم بها. فصل ولمّا كانت التّوبة هي رجوع العبد إلى الله ومفارقته لصراط المغضوب عليهم والضَّالِّين، وذلك لا يحصل إلّا بهداية الله تعالى له إلى الصِّراط المستقيم، ولا تحصل هدايته إلّا بإعانته وتوحيده= انتظمتها (٢) سورةُ الفاتحة أحسنَ انتظامٍ، وتضمَّنَتها أبلغَ تضمُّنٍ. فمن أعطى الفاتحةَ حقَّها علمًا وشهودًا وحالًا ومعرفةً عَلِمَ أنّه لا يصحُّ له قراءتُها على العبوديّة إلّا بالتّوبة النّصوح، فإنَّ الهدايةَ التَّامّةَ إلى الصِّراط المستقيم لا تكون مع الجهل بالذُّنوب، ولا مع الإصرار عليها، فإنَّ الأوّلَ جهلٌ ينافي معرفةَ الهدى، والثّاني غَيٌّ (٣) ينافي قصدَه وإرادتَه. فلذلك لا تصحُّ التّوبةُ إلّا بعد معرفة الذّنب، والاعتراف به، وطلبِ التّخلُّص من سوء عواقبه. قال في "المنازل" (٤): (وهي أن تنظر في الذّنب إلى ثلاثة أشياء: إلى انخلاعِك من العصمة حين إتيانه، وفرَحِك عند الظّفر به، وقعودِك على

стр. 400

الإصرار عن تداركه، مع تيقُّنك نظرَ الحقِّ (١) إليك). يحتمل أن يريد بالانخلاع عن العصمة انخلاعَه عن اعتصامه بالله (٢)، فإنّه لو اعتصم به (٣) لما خرج عن هداية الطّاعة. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٠١]. فلو كملت عصمتُه بالله لم يخذله أبدًا. قال تعالى: ﴿بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨)﴾ [الحج: ٧٨]. أي متى اعتصمتم به تولَّاكم ونصَركم، ومِن نصرِه لكم: نصرُكم على أنفسكم وعلى الشّيطان، وهما العدوَّان اللَّذان لا يفارقان، وعداوتُهما أضرُّ من عداوة العدوِّ الخارج؛ فالنَّصرُ على هذا العدوِّ أهمُّ، والعبدُ إليه أحوجُ. وكمالُ النُّصرة عليه (٤) بحسب كمال الاعتصام بالله. وسيأتي الكلام إن شاء الله بعد هذا في حقيقة الاعتصام وأنَّ الإيمانَ لا يقوم إلّا به. ويحتمل أن يريد الانخلاعَ من عصمة الله له، وأنّك إنّما ارتكبتَ الذّنبَ بعد انخلاعك من ثوبِ عصمتِه لك. فمتى عرَفَ هذا الانخلاع عظُم خطرُه عنده، واشتدَّ (٥) عليه مفارقتُه، وعلِمَ أنّ الهُلْكَ كلَّ الهُلْكِ بعده. وهو حقيقةُ الخذلان، فما خلَّى الله بينك وبين الذَّنب إلّا بعد أن خَذَلك، وخلَّى بينك وبين نفسك. ولو عصَمك ووفَّقك لما وجد الذّنبُ إليك سبيلًا. فقد أجمع

стр. 401

العارفون بالله على أنَّ الخِذْلانَ (١): أن يخلِّيَ الله بينك وبين نفسك، والتّوفيقَ: أن لا يكلك الله إلى نفسك. وله سبحانه في هذه التّخليةِ بينك وبين الذّنب وخذلانِك حين (٢) واقعتَه حِكَمٌ وأسرارٌ (٣)، سنذكر بعضها. وعلى الاحتمالين، فترجع التّوبة إلى اعتصامك به وعصمته لك. قوله: (وفرحِك عند الظّفر به). الفرحُ بالمعصية دليلُ شدّةِ الرّغبة فيها، والجهلِ بقَدْر مَن عصاه، والجهلِ بسوء عاقبتها وعظم خطرها= ففرحُه بها غطّى عليه ذلك كلُّه. وفرحُه بها أشدُّ ضررًا عليه من مواقعتها. والمؤمنُ لا تتمُّ لذَّتُه بمعصيته (٤) أبدًا، ولا يكمل بها فرحُه؛ بل لا يباشرها إلّا والحزنُ (٥) مخالطٌ لقلبه، ولكنَّ سكرَ الشَّهوة يحجبه عن الشُّعور به. ومتى خلا قلبُه من هذا الحزن واشتدَّت غبطتُه وسرورُه فليتَّهِمْ إيمانَه، وليَبْكِ على موت قلبه؛ فإنّه لو كان حيًّا لأحزنه ارتكابُه للذَّنب، وغاظه (٦)، وصعب عليه، ولأحَسَّ القلبُ بذلك؛ فحيث لم يُحِسَّ به فـ"ما لجُرْحٍ بميِّتٍ إيلامُ" (٧).

стр. 402

وهذه النُّكتةُ في الذّنب قلَّ مَن يهتدي لها أو يتنبَّه عليها. وهي موضعٌ مخوفٌ جدًّا، مترامٍ إلى هلاكٍ (١) إن لم يتدارك بثلاثة أشياء: خوفٍ من الموافاة عليه قبل التّوبة، وندمٍ على ما فاته من الله بمخالفة أمره، وتشميرٍ للجدِّ في استدراكه. قوله: (وقعودِك على الإصرار عن تداركه). الإصرار هو الاستقرارُ على المخالفة، والعزمُ على المعاودة. وذلك ذنبٌ آخر، لعلّه أعظَمُ من الذّنب الأوّل بكثيرٍ. وهذا من عقوبة الذَّنب أنّه يُوجِب ذنبًا أكبرَ منه، ثمّ الثّاني كذلك، ثمّ الثّالث كذلك، حتّى يستحكم الهلاك. فالإصرارُ على المعصية معصيةٌ أخرى. فالقعودُ عن تدارك الفارط من المعصية إصرارٌ، ورضًا بها، وطمأنينةٌ إليها، وذلك علامةُ الهلاك. وأشدُّ من هذا كلِّه: المجاهرةُ بالذّنب مع تيقُّنِ نظرِ الرَّبِّ ﷻ من فوق عرشه إليه. فإن آمَنَ بنظره إليه وأقدَمَ على المجاهرة فعظيمٌ، وإن لم يُؤمن بنظره إليه (٢) واطِّلاعه عليه فكفرٌ وانسلاخٌ من الإسلام بالكلِّيّة. فهو دائرٌ بين الأمرين: بين قلّة الحياء ومجاهرة نظر الله إليه، وبين الكفر والانسلاخ من الدِّين. فلذلك يشترط في صحّة التّوبة تيقُّنُه أنَّ اللهَ كان ناظرًا إليه، مطّلعًا عليه، يراه جَهْرةً عند مواقعة الذّنب، لأنَّ التّوبةَ لا تصحُّ إلّا من مسلمٍ؛ إلّا أن يكون كافرًا بنظر الله إليه جاحدًا له، فيكون توبتُه دخولَه في الإسلام، وإقرارَه بصفات الرّبِّ ﷻ .

стр. 403

قال: (و شرائطُ التَّوبة ثلاثةٌ: النّدم، والإقلاع، والاعتذار). فحقيقة التّوبة: هي النّدمُ على ما سلف منه في الماضي، والإقلاعُ عنه في الحال، والعزمُ على أن لا يعاوده في المستقبل. والثّلاثة تجتمع في الوقت الذي تقع فيه التّوبة، فإنّه في ذلك الوقت يندَم، ويُقلِع، ويَعزِم. فحينئذٍ يرجع إلى العبوديّة التي خُلِق لها، وهذا الرُّجوعُ هو حقيقة التّوبة. ولمّا كان متوقِّفًا على تلك الثّلاثة جُعلت شرائط له. فأمّا النّدم، فإنّه لا تتحقَّق التَّوبةُ إلّا به، إذ من لم يندَم على القبيح فذلك دليلٌ على رضاه به وإصراره عليه. وفي "المسند" (١): "الندم توبةٌ". وأمّا الإقلاع، فتستحيل التَّوبة مع مباشرة الذَّنب. وأمّا الاعتذار، ففيه إشكالٌ، فإنَّ من النّاس من يقول: من تمام التّوبة تركُ الاعتذار، فإنَّ الاعتذارَ محاجّةٌ عن الجناية، وتركَ الاعتذار اعترافٌ بها، ولا تصحُّ التّوبة إلّا بعد الاعتراف. وفي ذلك يقول بعضُ الشُّعراء لرئيسه، وقد عتب عليه في شيءٍ:

стр. 404

وما قابلتُ عَتْبَك باعتذارٍ ... ولكنِّي أقولُ كما تقولُ وأطرُقُ بابَ عفوك بانكسارٍ ... ويحكمُ بيننا الخلُقُ الجميلُ (١) فلمّا سمع الرّئيس مقالته قام وركب إليه من فوره، وأزال عتبه عليه. فتمامُ الاعترافِ تركُ الاعتذار، بأن يكون في قلبه ولسانه (٢):اللهمَّ لا عذرَ لي، وإنّما هو محضُ حقِّك، ومحضُ جنايتي، فإن عفوتَ (٣) وإلّا فالحقُّ لك. والّذي يظهر لي من كلام صاحب "المنازل" أنّه أراد بالاعتذار إظهارَ الضَّعفِ والمسكنةِ، وغلبةِ العدوِّ، وقوّةِ سلطان النّفس، وأنّه لم يكن منِّي ما كان استهانةً بحقِّك، ولا جهلًا به، ولا إنكارًا لاطِّلاعك عليَّ، ولا استهانةً بوعيدك؛ وإنّما كان عن غلباتِ الهوى، وضعفِ القوّة عن مقاومة مرض الشّهوة، وطمعًا في مغفرتك، واتِّكالًا على عفوك، وحسنَ ظنٍّ بك، ورجاءً لكرمك، وطمعًا في سعة حلمك ورحمتك. وغرَّني بك الغَرورُ، والنّفسُ الأمّارةُ بالسُّوء (٤)، وأعانني جهلي. ولا سبيلَ لي إلى الاعتصام إلّا بك، ولا معونةَ على طاعتك إلّا بتوفيقك، ونحو هذا من الكلام المتضمِّن للاستعطاف والتّذلُّل والافتقار، والاعتراف بالعجز، والإقرار بالعبوديّة. فهذا من تمام التّوبة. وإنّما يسلكه الأكياس المتملِّقون لربِّهم، والله

стр. 405

يحبُّ (١) أن يُتَملَّق له. وفي الحديث: "تملَّقُوا الله" (٢). وفي الصّحيح (٣): "لا أحدَ أحبُّ إليه العذرُ من الله". وإن كان معنى ذلك: الإعذار، كما قال في آخرهِ: "من أجل ذلك أرسل الرُّسل مبشِّرين ومنذرين"، وقال تعالى: ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (٥) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾ [المرسلات: ٥ - ٦]، فإنّه من تمام عدله وإحسانه أن أعذَرَ إلى عبيده، ولم يأخذ ظالمَهم إلّا بعد كمال الإعذار وإقامة الحجّة؛ فهو أيضًا يحبُّ من عبده أن يعتذر إليه، ويتنصَّل إليه من ذنبه. وفي الحديث: "من اعتذر إلى الله قبِل الله عذرَه" (٤). فهذا هو الاعتذار المحمود النّافع. وأمّا الاعتذار بالقدر، فهو مخاصمةٌ لله، واحتجاجٌ من العبد على الرّبِّ،

стр. 406

وحملٌ لذنبه على الأقدار. وهذا فعلُ خُصَماء الله تعالى، كما قال بعض شيوخهم في قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾ [آل عمران: ١٤]، قال: أتدرون ما المراد بهذه الآية؟ قالوا: وما المراد بها؟ قال: إقامةُ أعذار الخليقة! وكذَب هذا الجاهلُ بالله وكلامه. وإنّما المراد بها: التّزهيدُ في هذا الفاني الذّاهب، والتّرغيبُ في الباقي الدّائم، والإزراءُ على من (١) آثر هذا المزيَّنَ واتَّبعه، بمنزلة الصّبيِّ الذي يُزيَّن له ما يلعَب به، فيهَشُّ إليه، ويتحرَّك له؛ مع أنّه لم يذكر فاعل التّزيين، فلم يقل: زيَّنَّا للنَّاس. والله تعالى يضيف تزيين الدُّنيا والمعاصي إلى الشّياطين، كما قال: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٤٣]، وقال: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٧]. وفي الحديث: "بُعِثتُ هاديًا وداعيًا، وليس إليَّ من الهداية شيءٌ. وبُعِثَ إبليسُ مُغْويًا ومزيِّنًا، وليس إليه من الضلالة شيءٌ" (٢). ولا يناقض هذا قوله تعالى:

стр. 407

﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٨] فإنّ إضافةَ التّزيين إليه قضاءً وقدرًا، وإلى الشّيطان تسبُّبًا، مع أنَّ تزيينَه تعالى عقوبةٌ لهم على ركونهم إلى ما زيَّنه الشّيطانُ لهم، فمن عقوبة السّيِّئةِ السّيِّئةُ بعدها، ومن ثوابِ الحسنةِ الحسنةُ بعدها. والمقصود: أنَّ الاحتجاجَ بالقدر منافٍ للتّوبة، وليس من الاعتذار في شيءٍ. وفي بعض الآثار: "إنَّ العبد إذا أذنب، فقال: يا ربِّ، هذا قضاؤك، وأنت قدَّرتَ عليَّ، وأنت حكمتَ عليَّ، وأنت كتبتَ عليَّ. فيقول الله: وأنت عملتَ، وأنت جنيتَ، وأنت أردتَ واجتهدتَ، وأنا أعاقبك عليه. وإذا قال: يا ربِّ، أنا ظلمتُ، وأنا أخطأتُ، وأنا اعتديتُ، وأنا فعلتُ. يقول الله : وأنا قدَّرتُ عليك وقضيتُ وكتبتُ، وأنا أغفر لك. وإذا عمل حسنةً، فقال: يا ربِّ أنا عملتُها، وأنا تصدَّقتُ، وأنا صلَّيتُ، وأنا أطعتُ. يقول الله : وأنا أعنتك، وأنا وفّقتك. وإذا قال: يا ربِّ أنت أعنتني، وأنت وفّقتني، وأنت مننتَ عليّ. يقول الله: وأنت أردتَها، وأنت كسبتها" (١). فالاعتذار اعتذاران: اعتذارٌ ينافي الاعتراف، فذلك منافٍ للتَّوبة. واعتذارٌ يقرِّر الاعتراف، فذلك من تمام التَّوبة.

стр. 408

قال صاحب "المنازل" ﵀ (١): (و حقائق التّوبة ثلاثة أشياء: تعظيمُ الجناية، واتِّهامُ التّوبة، وطلبُ أعذار الخليقة). يريدون بالحقائق: ما يتحقَّق به الشَّيءُ، ويتبيَّن صحّتُه وثبوتُه، كما قال النّبيُّ ﷺ لحارثة (٢): "إنّ لكلِّ حقٍّ حقيقةً، فما حقيقةُ إيمانك؟ " (٣). فأمّا تعظيم الجناية، فإنّه إذا استهان بها لم يندم عليها، وعلى قدر تعظيمها يكون ندمُه على ارتكابها. فإنَّ مَن استهان بإضاعة فَلْسٍ مثلًا لم يندم على إضاعته، فإذا علم أنّه دينارٌ اشتدّ ندمُه، وعظمت إضاعتُه عنده. وتعظيمُ الجناية يصدر عن ثلاثة أشياء: تعظيم الأمر، وتعظيم الآمر، والتَّصديق بالجزاء.

стр. 409

وأمّا اتِّهامُ التّوبة، فلأنّها حقٌّ عليه، ولا يتيقَّن أنّه أدَّى هذا الحقَّ على الوجه المطلوب منه، الذي ينبغي له أن يؤدِّيه عليه، فيخاف (١) أنّه ما وفَّاها حقَّها، وأنّها لم تُقبَل منه، وأنّه لم يبذل جهدَه في صحّتها، أو أنَّها توبةُ علَّةٍ وهو لا يشعر بها، كتوبة أرباب الجوائح والإفلاس، والمحافظين على جاهاتهم ومنازلهم بين النّاس، أو أنّه تاب محافظةً على حاله، فتاب للحال لا خوفًا من ذي الجلال، أو أنّه تاب طلبًا للرَّاحة من الكدِّ في تحصيل الذَّنب، أو إبقاءً على عِرضه وماله ومنصبه، أو لضعفِ داعي المعصية في قلبه وخمودِ نار شهوته، أو لمنافاة المعصية لما يطلبه من العلم والرِّزق، ونحو ذلك من العلل التي تقدَح في كونِ التَّوبةِ خوفًا من الله تعالى، وتعظيمًا له ولحرماته، وإجلالًا له، وخشيةً من سقوط المنزلة عنده ومن البعد والطّرد عنه والحجاب عن رؤية وجهه في الدّار الآخرة. فهذه التّوبةُ لونٌ، وتوبةُ أصحاب العلل لونٌ (٢). ومن اتِّهام التّوبة أيضًا: ضعفُ العزيمة، والتفاتُ القلب إلى الذَّنب اللَّفْتَةَ بعد اللَّفْتةِ (٣)، وتذكُّر حلاوة مواقعته، فربَّما تنفَّسَ، وربَّما هاج هائجُه. ومن اتِّهام التّوبة: طمأنينتُه ومعرفتُه من نفسه بأنّه قد تاب، حتّى كأنّه قد أُعطِيَ منشورًا بالأمان! فهذا من علامات التُّهمة.

стр. 410

ومن علاماتها: جمودُ العين، واستمرارُ الغفلة، وأنه لم يَستحدِثْ بعد التّوبة أعمالًا صالحةً لم تكن له قبلُ. فالتّوبة المقبولة الصّحيحة لها علاماتٌ: منها: أن يكون بعد التّوبة خيرًا ممّا كان قبل الخطيئة. ومنها: أنّه لا يزال الخوف مصاحبًا له، لا يأمن طرفةَ عينٍ. فخوفُه مستمرٌّ إلى أن يسمع قولَ الرُّسل لقبض روحه: ﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠]، فهناك يزول الخوف. ومنها: انخلاعُ قلبه، وتقطُّعُه ندَمًا وخوفًا. وهذا على قدر عِظَمِ الجناية وصِغَرِها. وهذا تأويل ابن عيينة لقوله تعالى: ﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة: ١١٠] قال: تقطُّعها بالتّوبة (١). ولا ريب أنَّ الخوفَ الشّديدَ من العقوبة العظيمة يُوجِب انصداعَ القلب وانخلاعَه، وهذا هو تقطُّعُه، وهذا حقيقةُ التَّوبة، لأنّه يتقطَّع قلبُه حسرةً على ما فرَط منه، وخوفًا من سوء عاقبته. فمن لم يتقطَّع قلبُه في الدُّنيا على ما فرَّط (٢) حسرةً وخوفًا، تقطَّع في الآخرة إذا حقَّت الحقائقُ، وعاين ثوابَ المطيعين، وعقابَ العاصين. فلا بدَّ من تقطُّعِ القلب إمّا في الدُّنيا وإمّا في الآخرة. ومن موجَبات التّوبةِ الصّحيحةِ أيضًا: كَسْرةٌ خاصَّةٌ تحصل للقلب لا

стр. 411

يشبهها شيءٌ. ولا تكون لغير الذنب (١)، لا تحصل بجوعٍ، ولا رياضةٍ، ولا حبٍّ مجرَّدٍ. وإنّما هي أمرٌ وراء هذا كلِّه، تكسر القلبَ بين يدي ربِّه كسرةً تامّةً قد أحاطت به من جميع جهاته، وألقَتْه بين يدي ربِّه طريحًا ذليلًا خاشعًا، كحال عبدٍ جانٍ آبقٍ من سيِّده، فأُخِذَ، وأُحضِرَ بين يديه، ولم يجد من يُنجيه من سطوته، ولم يجد منه بدًّا ولا عنه غَناءً ولا منه مهربًا، وعلِم أنّ حياته وسعادته وفلاحه (٢) ونجاته في رضاه عنه، وقد علِمَ إحاطةَ سيِّده (٣) بتفاصيل جناياته. هذا مع حبِّه لسيِّده، وشدّةِ حاجته إليه، وعلمِه بضعفِه وعجزِه وقوّةِ سيِّده، وذُلِّه وعِزِّ سيِّده. فيجتمع من هذه الأحوال كَسْرةٌ وذلّةٌ وخضوعٌ، ما أنفعها للعبد! وما أجزلَ عائدَها (٤) عليه! وما أعظمَ جبرَه بها (٥)! وما أقربه بها من سيِّده (٦)! فليس شيءٌ أحبَّ إلى سيِّده من هذه الكسرة والخضوع والتّذلُّل والإخبات، والانطراح (٧) بين يديه، والاستسلام له! فلله ما أحلى قوله في هذه الحال: أسألك بعزِّك وذلِّي لك إلّا رحمتني. أسألك بقوّتك وضعفي، وبغناك عنِّي وفقري إليك. هذه ناصيتي الكاذبة الخاطئة بين يديك. عبيدُك سواي كثيرٌ، وليس لي سيِّدٌ سواك. لا ملجأ ولا

стр. 412

منجى منك إلّا إليك. أسألك مسألةَ المسكين، وأبتهل إليك ابتهالَ الخاضع الذّليل، وأدعوك دعاءَ الخائف الضَّرير، سؤالَ من خضعَتْ لك رقبتُه، ورغِمَ لك أنفُه، وفاضت لك عيناه، وذلَّ لك قلبُه. يا مَن ألوذُ به فيما أؤمِّلُه ... ومَن أعوذ به فيما أُحاذِرُهُ (١) لا يجبُر النّاسُ عظمًا أنت كاسرُه ... ولا يَهِيضُون عَظْمًا أنت جابرُهُ (٢) فهذا وأمثاله من آثار التّوبة المقبولة. فمن لم يجد ذلك في قلبه فليتَّهِمْ توبتَه، وليرجع إلى تصحيحها. فما أصعبَ التّوبةَ الصّحيحةَ بالحقيقة! وما أسهلها باللِّسان والدّعوى! وما عالج الصّادقُ شيئًا أشقَّ عليه من التّوبة الصّادقة الخالصة، فلا حول ولا قوّة إلّا بالله. وأكثر النّاس المتبرِّئين (٣) عن الكبائر الحسِّيّة والقاذورات في كبائر مثلِها أو أعظمَ منها أو دونَها، ولا يخطر بقلوبهم أنّها ذنوبٌ ليتوبوا منها! فعندهم من الإزراءِ على أهل الكبائر واحتقارِهم، وصولةِ طاعاتهم عليهم، ومنَّتِهم على الخلق بلسان الحال، واقتضاءِ بواطِنهم لتعظيم الخلق لهم على طاعاتهم اقتضاءً لا يخفى على أحدٍ غيرهم، وتوابعِ ذلك= ما هو أبغَضُ إلى الله تعالى وأبعَدُ لهم عن بابه من كبائر أولئك. فإن تدارك الله أحدَهم بقاذورةٍ أو كبيرةٍ تُوقِعُه ليكسر بها نفسه، ويعرِّفه بها قدره، ويُذِلَّه بها، ويُخرِجَ بها صولةَ

стр. 413

الطّاعة من قلبه = فهي رحمةٌ في حقِّه، كما أنّه إذا تدارك أصحابَ الكبائر بتوبةٍ نصوحٍ وإقبالٍ بقلوبهم إليه، فهو رحمةٌ في حقِّهم، وإلّا فكلاهما على خطرٍ. فصل وأمّا طلب أعذار الخليقة، فهذا له وجهان: وجهٌ محمودٌ، ووجهٌ مذمومٌ حرامٌ. فالمذموم: أن يطلب أعذارَهم نظرًا إلى الحكمِ القدَريِّ وجريانِه عليهم، شاؤوا أم أبوا، فيعذِرَهم بالقدَر. وهذا القَدْرُ ينتهي إليه كثيرٌ من السّالكين النّاظرين إلى القدر الفانين في شهوده، وهو ــ كما تقدّم ــ دربٌ خَطِرٌ جدًّا، قليل المنفعة، لا يُنجِي وحده. وأظنُّ هذا مراد صاحب "المنازل"، لأنّه قال بعد ذلك (١): (إنَّ مشاهدةَ العبدِ الحُكمَ لم تدَعْ له استحسانَ حسنةٍ ولا استقباحَ سيِّئةٍ، لصعوده من جميع المعاني إلى معنى الحُكْم). وهذا الشُّهودُ شهودٌ ناقصٌ مذمومٌ، إن طرَدَه صاحبُه، فعذَر أعداءَ الله وأهلَ مخالفته ومخالفة رسله، وطلَب أعذارهم= كان مضادًّا لله في أمره، عاذرًا من لم يعذِره الله، طالبًا عذرَ من لامه الله وأمَر بلَومِه. وليست هذه موافقةً لله، بل موافقتُه لومُ هذا، واعتقادُ أنّه لا عذر له عند الله ولا في نفس الأمر. فالله قد أعذَر إليه، وأزال عذرَه بالكلِّيّة. ولو كان معذورًا في نفس الأمر عند الله لما عاقبه البتّة، فإنّ الله أرحَم وأغنى وأعدَل من أن يعاقب

стр. 414

صاحبَ عذرٍ، فلا أحدَ أحبُّ إليه العذرُ من الله. ومن أجل ذلك أرسل الرُّسل وأنزل الكتب، إزالةً لأعذار خلقه، لئلّا يكون لهم عليه حجّةٌ. ومعلومٌ أنَّ طالبَ عذرهم ومُصحِّحَه مقيمٌ لحجّةٍ قد أبطلها الله من جميع الوجوه! فلله الحجّة البالغة. ومن له عذرٌ من خلقه كالطِّفل الذي لا يميِّز، والمعتوه، ومن لم تبلغه الدّعوة، والأصمِّ الأعمى (١) الذي لا يبصر ولا يسمع= فإنَّ الله لا يعذِّب هؤلاء بلا ذنبٍ البتّة. وله فيهم حكمٌ آخر في المعاد، يمتحنهم بأن يرسل إليهم رسولًا يأمرهم وينهاهم، فمن أطاع الرّسول منهم أدخله الجنّة، ومن عصاه أدخله النّار. حكى ذلك أبو الحسن الأشعريُّ عن أهل السُّنّة والحديث في "مقالاته" (٢). وفيه عدَّة أحاديث بعضها في "مسند أحمد"، كحديث الأسود بن سريع (٣)،

стр. 415

وحديث أبي هريرة (١). ومن طعن في هذه الأحاديث بأنّ الآخرة دارُ جزاءٍ لا دارُ تكليفٍ، فهذه الأحاديث مخالفةٌ للعقل= فهو جاهلٌ، فإنَّ التَّكليفَ إنّما ينقطع بدخول دار القرار: الجنّة أو النّار، وإلّا فالتَّكليفُ واقعٌ في البرزخ وفي العرصات. ولهذا يدعوهم إلى السُّجود له في الموقف، فيسجد المؤمنون له طوعًا واختيارًا، ويُحال بين الكفّار والمنافقين وبين السُّجود (٢). والمقصود: أنّه لا عذر لأحدٍ البتّةَ في معصية الله ومخالفة أمره، مع علمِه بذلك، وتمكُّنِه من الفعل والتّرك. ولو كان له عذرٌ لما استحقَّ العقوبةَ واللّومَ، لا في الدُّنيا ولا في العقبى. فإن قيل: هذا كلامٌ بلسان الجاه (٣) بالشّرع، ولو نطقتَ بلسان

стр. 416

الحقيقة (١) لعذرتَ الخليقةَ، إذ هم صائرون إلى مشيئة الله فيهم وما قضَاه وقدَّره عليهم ولا بدّ، فهم مَجارٍ لأقداره، وسهامُها نافذةٌ فيهم، وهم أغراضٌ لسهام الأقدار لا تخطئهم البتّة. ولكن من غلَب عليه مشاهدةُ الحكم الشّرعيِّ لم يمكنه طلبُ العذر لهم، ومن غلَب عليه مشاهدةُ الحكم الكونيِّ عذَرهم. فأنت معذورٌ في الإنكار علينا بحقيقة الشّرع، ونحن معذورون في طلب العذر بحقيقة الحكم، وكلانا مصيبٌ. فالجواب من وجوهٍ: أحدها: أن يقال: العذر إن لم يكن مقبولًا لم يكن نافعًا. والاعتذارُ بالقدَر غير مقبولٍ، ولا يُعذَر به أحدٌ، ولو اعتذر فهو كلامٌ باطلٌ لا يفيد شيئًا البتّة، بل يزيد في ذنب الجاني، وغضبِ الرَّبِّ عليه. وما هذا شأنُه لا يشتغل به عاقلٌ. الثّاني: أنَّ الاعتذارَ بالقدَر يتضمَّن تنزيهَ الجاني نفسَه وتبرئة ساحتِه ــ وهو الظّالم الجاهل ــ والحملَ على القدر، ونسبةَ الذّنب إليه، وتظليمَه بلسان الحال والقال، بتحسين العبارة وتلطيفها. وربّمَا غلبه الحالُ، فصرَّح بالوجد، كما قال بعض خُصَماء الله تعالى: ألقاه في اليمِّ مكتوفًا وقال له ... إيّاك إيّاك أن تبتلَّ بالماء (٢)

стр. 417

وقال خصمٌ آخر (١): وضَعوا اللَّحْمَ للبُزا ... ةِ على ذروتَي عَدَنْ ثمَّ لاموا البزاةَ إذ ... خلعوا عنهم الرَّسَنْ لو أرادوا صيانتي ... ستَروا وجهَك الحَسَنْ (٢) وقال خصمٌ آخر: أصبحتُ منفعلًا لما تختاره ... منِّي ففعلي كلُّه طاعاتُ (٣) وقال خصمٌ آخر شاكيًا متظلِّمًا: إذا كان المحبُّ قليلَ حظٍّ ... فما حسناتُه إلّا ذنوبُ (٤) وقال آخَرُ معتذرًا عن إبليس: إبليسُ لمّا عصى مَن كان إبليسَهْ؟ (٥)

стр. 418

لخصماء الله (١) هاهنا تظلُّماتٌ وشكاياتٌ، ولو فتَّشوا زوايا قلوبهم لوجدوا هناك خصمًا متظلِّمًا شاكيًا عاتبًا يقول: لا أقدر أن أقول شيئًا، وإنِّي مظلومٌ في صورة ظالمٍ! ويقول بحُرقةٍ وتنفُّس (٢) الصُّعَداء: مسكينٌ ابنُ آدم، لا قادرٌ ولا معذورٌ! ويقول الآخر: ابنُ آدم كرةٌ تحت صَوْلَجَانات الأقدار (٣)، يضربها واحدٌ، ويردُّها الآخر، وهل تستطيع الكرةُ الانتصافَ من الصَّوْلَجان (٤)! ويتمثّل خصمٌ آخر بقول الشّاعر: بأبي أنت وإن أَسْـ ... ـرَفتَ في هَجْري وظلمي (٥) فجعله هاجرًا له بلا ذنبٍ ظالمًا، بل مسرفًا قد تجاوز الحدَّ في ظلمه. ويقول الآخر: أظلَّتْ علينا منك يومًا سحابةٌ ... أضاءت لنا برقًا وأبطا رِشاشُها فلا غيمُها يجلو فييئسَ طالبٌ (٦) ... ولا غيثُها يأتي فيَرْوَى عطاشُها (٧)

стр. 419

ويقول خصمٌ آخر: يدنو إليك ونقصُ الحظِّ يُبْعِدُه ... ويستقيمُ وداعي البين يَلويه (١) ويقول خصمٌ آخر: واقفٌ في الماء ظمآ ... نُ ولكنْ ليس يُسْقى (٢) ومن له أدنى فهمٍ وبصيرةٍ يعلم أنَّ هذا كلَّه تظلُّمٌ وشكايةٌ وعتبٌ. ويكاد أحدهم أن يقول: "يا ظالمي" لولا (٣)! ولو فتَّش نفسَه كما ينبغي لوجد ذلك فيها، وهذا ما لا غاية بعده من الجهل والظُّلم. والإنسانُ ــ كما قال ربُّه (٤) ــ ظلوم جهول، ﴿هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥]. ولو علِم هذا الظّالم الجاهل أنَّ بلاءَه من نفسه ومُصابَه منها، وأنّها أولى بكلِّ ذمٍّ وظلمٍ، وأنّها مأوى كلِّ سوءٍ! و ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ﴾ [العاديات: ٦].

стр. 420

قال ابن عبّاسٍ ومجاهد وقتادة: كَفورٌ جَحودٌ لنعم الله. قال الحسن ﵁: هو الذي يعُدُّ المصائب وينسى النِّعم. وقال أبو عبيدة ﵁ (١): هو قليل الخير، والأرض الكنود التي لا تُنبت شيئًا. وقال الفضيل بن عياض ﵀: الكنود: الذي أنسته الخصلةُ الواحدةُ من الإساءة الخصالَ الكثيرةَ من الإحسان (٢). ولو علم هذا الظّالم الجاهل (٣) أنّه هو القاعد على طريق مصالحه يقطعها عن الوصول إليه، فهو حجرٌ في طريق الماء الذي به حياته، وهو السِّكْرُ (٤) الذي قد سدَّ مجرى الماء إلى بستان قلبه، ويستغيث مع ذلك: العطش، وقد وقَف في طريق الماء ومنعَ وصولَه إليه! فهو حجابُ قلبه عن سرِّ غيبه، وهو الغيمُ المانعُ لإشراق شمس الهدى على القلب، فما عليه أضرُّ منه، ولا له عدوٌّ أبلغُ عداوةً منه. ما يبلغ الأعداءُ من جاهلٍ ... ما يبلغ الجاهلُ من نفسِه (٥) فتبًّا له ظالمًا في صورة مظلومٍ، وشاكيًا والجناية منه! قد جَدَّ في

стр. 421

الإعراض، وهو ينادي: طرَدوني وأبعَدوني! ولّى ظهره الباب، بل أغلقه على نفسه، وأضاع مفاتيحه، وكَسَرها، ويقول: دعاني وسدَّ البابَ دوني فهل إلى ... دخولي سبيلٌ بيِّنوا ليَ قصَّتي (١) يأخذ الشَّفيقُ بحُجْزتِه عن النّار، وهو يجاذبه ثوبَه ويغلبُه ويتقَحَّمُها (٢)، ويستغيث: ما حيلتي؟ وقد قدَّموني إلى الحُفرة وقذفوني فيها!

стр. 422

كم (١) صاحَ به النّاصحُ: الحذر الحذر، إيّاك إيّاك! وكم أمسَك بثوبه! وكم أراه مصارعَ المقتحمين، وهو يأبى إلّا الاقتحام! وكم سُقْتُ في آثاركم من نصيحةٍ ... وقد يستفيدُ البِغْضَةَ المتنصِّحُ (٢) يا ويله ظهيرًا للشّيطان على ربِّه، خصمًا لله مع نفسه! جبريُّ المعاصي، قدريُّ الطّاعات، "عاجزُ الرّأي مضياعٌ لفرصته" (٣)، قاعدٌ عن مصالحه، معاتبٌ لأقدار ربِّه، يحتجُّ (٤) على ربِّه بما لا يقبله من عبده وامرأته وأمته إذا احتجُّوا به عليه في التّهاون في بعض أمره. فلو أمَر أحدَهم بأمرٍ ففرَّط فيه، أو نهاه عن شيءٍ فارتكبه، وقال: القدرُ ساقني إلى ذلك= لَما قبِلَ منه هذه الحجّةَ، ولبادرَ إلى عقوبته. فإن كان القدرُ حجّةً لك أيُّها الظّالم الجاهل (٥) في ترك حقِّ ربِّك، فهلّا

стр. 423

كان حجّةً لعبدك وأمتك في ترك بعض حقِّك! بل إذا أساء (١) إليك مسيءٌ، وجنى عليك جانٍ، واحتجَّ بالقدر= لاشتدَّ غضبُك عليه، وتضاعف جرمُه عندك، ورأيتَ حجّتَه داحضةً؛ ثمّ تحتجُّ على ربِّك به، وتراه عذرًا لنفسك! فمَن أولى بالظُّلم والجهل ممَّن هذه حاله؟ هذا مع تواتر إحسان الله إليك على مدى الأنفاس: أزاح عللَك، ومكَّنك من التَّزوُّد إلى جنَّته، وبعث إليك الدَّليل، وأعطاك مؤنة السّفر وما تتزوَّد به وما تحارب به قطَّاعَ الطَّريق عليك. فأعطاك السَّمع والبصر والفؤاد، وعرَّفك الخيرَ والشَّرَّ والنَّافعَ والضَّارَّ، وأرسل إليك رسولَه، وأنزل (٢) كتابَه ويسَّره للذِّكر والفهم والعمل، وأعانك بمددٍ من جنده الكرام، يثبِّتونك ويحرُسونك، ويحاربون عدوَّك ويطردونه عنك، ويريدون منك أن لا تميل إليه ولا تصالحه، وهم يكفُونك مؤنتَه؛ وأنت تأبى إلّا مظاهرتَه عليهم، وموالاتَه دونهم، بل تُظاهِرُه وتُواليه دون وليِّك الحقِّ الذي هو أولى بك. قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠]. طرَد إبليسَ عن سمائه، وأخرجَه من جنّته، وأبعدَه من قربه، إذ لم يسجد لك، وأنت في صلب أبيك آدم، لكرامتك عليه، فعاداه وأبعَدَه؛ ثمَّ واليتَ عدوَّه، ومِلْتَ إليه، وصالحته! وتتظلَّم مع ذلك، وتشتكي الطَّردَ والبعادَ! (٣).

стр. 424

نعم، كيف لا يطرُد مَن هذه معاملتُه! وكيف لا يُبْعِد عنه مَن هذا وصفُه! وكيف يجعل مِن خاصَّتِه وأهلِ قربه مَن حالُه معه هكذا (١). أمره بشكره، لا لحاجته إليه، ولكن لينال به المزيدَ من فضله، فجعل كُفْرَ نعَمِه والاستعانةَ بها على مساخطه من أكبر أسباب صَرْفِها عنه! وأمرَه بذكره ليذكره بإحسانه، فجعَلَ نسيانَه سببًا لنسيان الله له (٢)، ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]. أمَره بسؤاله ليعطيه، فلم يسأله! بل أعطاه أجلَّ العطاء بلا سؤالٍ، فلم يقبل! يشكو مَن يرحمه إلى مَن لا يرحمه، ويتظلَّم ممَّن (٣) لا يظلمه، ويدَعُ من يعاديه ويظلمه! إن أنعَم عليه بالصِّحّة والعافية والمال والجاه استعان بنعمه على معاصيه، وإن سلَبه ذلك ظلَّ متسخِّطًا على ربِّه وهو شاكيه! لا يصلح له (٤) على عافيةٍ، ولا على ابتلاءٍ: العافيةُ تلقيه إلى مساخطه،

стр. 425

والبلاءُ يدفعه إلى كفرانه وجحود نعمته وشكايته إلى خلقه! دعاه إلى بابه، فما وقَف عليه ولا طرَقه! ثمّ فتَحه له فما عرَّج عليه ولا وَلَجه! أرسل إليه رسولَه يدعوه إلى دار كرامته، فعصى الرَّسولَ، وقال: لا أبيع ناجزًا بغائبٍ، ونقدًا بنسيئةٍ، ولا أترك ما أراه لشيءٍ سمعتُ به! (١) فإن وافق حظُّه طاعةَ الرّسول أطاعه لنيل حظِّه، لا لرضى مُرْسِله! لم يزل يتمقَّت إليه بمعاصيه، حتّى أعرض عنه وأغلق البابَ في وجهه. ومع هذا فلم يُؤيِسْه من رحمته، بل قال: متى جئتَني قبلتُك، إن أتيتَني ليلًا قبلتُك، وإن أتيتَني نهارًا قبلتُك. و"إن تقرَّبتَ منِّي شبرًا تقرَّبتُ منك ذراعًا، وإن تقرَّبتَ منِّي ذراعًا تقرَّبتُ منك باعًا، وإن مشيتَ إليَّ هرولتُ إليك" (٢). "ولو لقيتَني بقُرابِ الأرض خطايا، ثمّ لقيتَني لا تشرك بي شيئًا (٣)، أتيتُك بقُرابها مغفرةً. ولو بلغت ذنوبُك عَنانَ السَّماءِ، ثمَّ استغفرتَني غفرتُ لك" (٤).
следующие страницы →