← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 199

مدارج السالكين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 526 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

الإعراض، وهو ينادي: طرَدوني وأبعَدوني! ولّى ظهره الباب، بل أغلقه على نفسه، وأضاع مفاتيحه، وكَسَرها، ويقول: دعاني وسدَّ البابَ دوني فهل إلى ... دخولي سبيلٌ بيِّنوا ليَ قصَّتي (١) يأخذ الشَّفيقُ بحُجْزتِه عن النّار، وهو يجاذبه ثوبَه ويغلبُه ويتقَحَّمُها (٢)، ويستغيث: ما حيلتي؟ وقد قدَّموني إلى الحُفرة وقذفوني فيها!

стр. 422

كم (١) صاحَ به النّاصحُ: الحذر الحذر، إيّاك إيّاك! وكم أمسَك بثوبه! وكم أراه مصارعَ المقتحمين، وهو يأبى إلّا الاقتحام! وكم سُقْتُ في آثاركم من نصيحةٍ ... وقد يستفيدُ البِغْضَةَ المتنصِّحُ (٢) يا ويله ظهيرًا للشّيطان على ربِّه، خصمًا لله مع نفسه! جبريُّ المعاصي، قدريُّ الطّاعات، "عاجزُ الرّأي مضياعٌ لفرصته" (٣)، قاعدٌ عن مصالحه، معاتبٌ لأقدار ربِّه، يحتجُّ (٤) على ربِّه بما لا يقبله من عبده وامرأته وأمته إذا احتجُّوا به عليه في التّهاون في بعض أمره. فلو أمَر أحدَهم بأمرٍ ففرَّط فيه، أو نهاه عن شيءٍ فارتكبه، وقال: القدرُ ساقني إلى ذلك= لَما قبِلَ منه هذه الحجّةَ، ولبادرَ إلى عقوبته. فإن كان القدرُ حجّةً لك أيُّها الظّالم الجاهل (٥) في ترك حقِّ ربِّك، فهلّا

стр. 423

كان حجّةً لعبدك وأمتك في ترك بعض حقِّك! بل إذا أساء (١) إليك مسيءٌ، وجنى عليك جانٍ، واحتجَّ بالقدر= لاشتدَّ غضبُك عليه، وتضاعف جرمُه عندك، ورأيتَ حجّتَه داحضةً؛ ثمّ تحتجُّ على ربِّك به، وتراه عذرًا لنفسك! فمَن أولى بالظُّلم والجهل ممَّن هذه حاله؟ هذا مع تواتر إحسان الله إليك على مدى الأنفاس: أزاح عللَك، ومكَّنك من التَّزوُّد إلى جنَّته، وبعث إليك الدَّليل، وأعطاك مؤنة السّفر وما تتزوَّد به وما تحارب به قطَّاعَ الطَّريق عليك. فأعطاك السَّمع والبصر والفؤاد، وعرَّفك الخيرَ والشَّرَّ والنَّافعَ والضَّارَّ، وأرسل إليك رسولَه، وأنزل (٢) كتابَه ويسَّره للذِّكر والفهم والعمل، وأعانك بمددٍ من جنده الكرام، يثبِّتونك ويحرُسونك، ويحاربون عدوَّك ويطردونه عنك، ويريدون منك أن لا تميل إليه ولا تصالحه، وهم يكفُونك مؤنتَه؛ وأنت تأبى إلّا مظاهرتَه عليهم، وموالاتَه دونهم، بل تُظاهِرُه وتُواليه دون وليِّك الحقِّ الذي هو أولى بك. قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠]. طرَد إبليسَ عن سمائه، وأخرجَه من جنّته، وأبعدَه من قربه، إذ لم يسجد لك، وأنت في صلب أبيك آدم، لكرامتك عليه، فعاداه وأبعَدَه؛ ثمَّ واليتَ عدوَّه، ومِلْتَ إليه، وصالحته! وتتظلَّم مع ذلك، وتشتكي الطَّردَ والبعادَ! (٣).

стр. 424

نعم، كيف لا يطرُد مَن هذه معاملتُه! وكيف لا يُبْعِد عنه مَن هذا وصفُه! وكيف يجعل مِن خاصَّتِه وأهلِ قربه مَن حالُه معه هكذا (١). أمره بشكره، لا لحاجته إليه، ولكن لينال به المزيدَ من فضله، فجعل كُفْرَ نعَمِه والاستعانةَ بها على مساخطه من أكبر أسباب صَرْفِها عنه! وأمرَه بذكره ليذكره بإحسانه، فجعَلَ نسيانَه سببًا لنسيان الله له (٢)، ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]. أمَره بسؤاله ليعطيه، فلم يسأله! بل أعطاه أجلَّ العطاء بلا سؤالٍ، فلم يقبل! يشكو مَن يرحمه إلى مَن لا يرحمه، ويتظلَّم ممَّن (٣) لا يظلمه، ويدَعُ من يعاديه ويظلمه! إن أنعَم عليه بالصِّحّة والعافية والمال والجاه استعان بنعمه على معاصيه، وإن سلَبه ذلك ظلَّ متسخِّطًا على ربِّه وهو شاكيه! لا يصلح له (٤) على عافيةٍ، ولا على ابتلاءٍ: العافيةُ تلقيه إلى مساخطه،

стр. 425

والبلاءُ يدفعه إلى كفرانه وجحود نعمته وشكايته إلى خلقه! دعاه إلى بابه، فما وقَف عليه ولا طرَقه! ثمّ فتَحه له فما عرَّج عليه ولا وَلَجه! أرسل إليه رسولَه يدعوه إلى دار كرامته، فعصى الرَّسولَ، وقال: لا أبيع ناجزًا بغائبٍ، ونقدًا بنسيئةٍ، ولا أترك ما أراه لشيءٍ سمعتُ به! (١) فإن وافق حظُّه طاعةَ الرّسول أطاعه لنيل حظِّه، لا لرضى مُرْسِله! لم يزل يتمقَّت إليه بمعاصيه، حتّى أعرض عنه وأغلق البابَ في وجهه. ومع هذا فلم يُؤيِسْه من رحمته، بل قال: متى جئتَني قبلتُك، إن أتيتَني ليلًا قبلتُك، وإن أتيتَني نهارًا قبلتُك. و"إن تقرَّبتَ منِّي شبرًا تقرَّبتُ منك ذراعًا، وإن تقرَّبتَ منِّي ذراعًا تقرَّبتُ منك باعًا، وإن مشيتَ إليَّ هرولتُ إليك" (٢). "ولو لقيتَني بقُرابِ الأرض خطايا، ثمّ لقيتَني لا تشرك بي شيئًا (٣)، أتيتُك بقُرابها مغفرةً. ولو بلغت ذنوبُك عَنانَ السَّماءِ، ثمَّ استغفرتَني غفرتُ لك" (٤).

стр. 426

ومَن أعظم منِّي جودًا وكرمًا؟ عبادي يبارزوني (١) بالعظائم، وأنا أكلؤهم على فُرُشهم (٢)! "إنِّي والإنسَ والجِنَّ في نبأٍ عظيمٍ: أخلُقُ ويُعبَدُ غيري، وأرزُقُ ويُشْكَر سواي! " (٣). خيري إلى العباد نازلٌ، وشرُّهم إليَّ صاعدٌ! أتحبَّب إليهم بنعمي وأنا الغنيُّ عنهم، ويتبغَّضون إليَّ بالمعاصي وهم أفقر شيءٍ إليَّ (٤)! من أقبل إليَّ تلقَّيتُه من بعيدٍ، ومن تركَ لأجلي أعطيتُه فوق المزيد، ومن أراد رضاي أردتُ ما يريد، ومن تصرَّف بحَولي ألنتُ له الحديد.

стр. 427

أهلُ ذكري أهلُ مجالستي، وأهلُ شكري أهلُ زيادتي، وأهلُ طاعتي أهل كرامتي. وأهلُ معصيتي لا أقنِّطهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبُهم، فإنِّي أحبُّ التّوّابين وأحبُّ المتطهِّرين. وإن لم يتوبوا فأنا طبيبُهم، أبتليهم بالمصائب لأطهِّرهم من المعايب. مَن آثرني على سواي آثرتُه على سواه. الحسنةُ عندي بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعفٍ، إلى أضعافٍ كثيرةٍ. والسّيِّئة عندي بواحدةٍ، فإن ندم عليها واستغفرني غفرتُها له. أشكر اليسيرَ من العمَل، وأغفر الكثيرَ من الزَّلَل. رحمتي سبقت غضبي، وحلمي سبَقَ مؤاخذتي، وعفوي سبَقَ عقوبتي. أنا أرحم بعبادي من الوالدة بولدها (١). و"الله أشدُّ فرحًا بتوبة عبده من رجلٍ أضَلَّ راحلتَه بأرضٍ مَهْلَكةٍ دَوِّيَّةٍ، عليها طعامُه وشرابُه، فطَلبَها حتّى يئِسَ من حصولها فنام في أصل شجرةٍ ينتظر الموت، فاستيقظ فإذا هي على رأسه، قد تعلَّق خطامُها بالشَّجرة، فاللهُ أفرَحُ بتوبة عبده من هذا براحلته" (٢). وهذه فرحةُ إحسانٍ وبرٍّ ولطفٍ، لا فرحةُ محتاجٍ إلى توبة عبده منتفعٍ بها. وكذلك موالاتُه لعبده إحسانًا إليه ومحبّةً له وبرًّا منه (٣)، لا يتكثَّر به من

стр. 428

قلّةٍ، ولا يتعزَّز به من ذلّةٍ، ولا ينتصر به من غلبةٍ، ولا يُعِدُّه لنائبةٍ، ولا يستعين به في أمرٍ. ﴿الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١) الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الإسراء: ١١١]، فنفى أن يكون له وليٌّ من الذُّلِّ. واللهُ وليُّ الذين آمنوا، وهم أولياؤه. فهذا شأنُ الرَّبِّ وشأنُ العبيد، وهم يقيمون أعذارَ أنفسهم، ويحملون ذنوبَهم على أقداره. استأثر اللهُ بالمحامد والمَجْـ ... ـدِ وولّى الملامةَ الرَّجُلا (١) وما أحسن قول القائل: تطوي المراحلَ عن حبيبك دائبًا ... وتظلُّ تبكيه بدمعٍ ساجِمِ كذَبتك نفسُك لستَ من أحبابه ... تشكو البِعادَ وأنتَ عينُ الظَّالمِ (٢) فصل فهذا أحد المعنيين في قوله: (إنّ من حقائق التّوبة طلبَ أعذار الخليقة). وقد ظهر لك بهذا أنّ طلب أعذارهم في الجناية عائدٌ على التّوبة بالنَّقض والإبطال.

стр. 429

والمعنى الثاني: أن يكون مرادُه إقامةَ أعذارهم في إساءتهم إليك وجنايتهم عليك، والنّظرَ في ذلك إلى الأقدار، وأنّ أفعالهم بمنزلة حركات الأشجار، فتعذِرَهم بالقَدَر في حقِّك، لا في حقِّ ربِّك. فهذا حقٌّ، وهو (١) من شأن سادات العارفين وخواصِّ أولياء الله الكمَّل، يفنى أحدهم عن حقِّه، ويستوفي حقَّ ربِّه. ينظر في التّفريط في حقِّه والجناية عليه إلى القدَر، وينظر في حقِّ الله إلى الأمر، فيطلب لهم العذرَ في حقِّه، ويمحو عنهم العذرَ ويُبطله في حقِّ الله. وهذه كانت حال نبيِّنا ﷺ ، كما قالت عائشة ﵂: ما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه قطُّ، ولا نيل منه شيءٌ فانتقم لنفسه، إلّا أن تُنتهَك محارمُ الله. فإذا انتُهِكَتْ محارمُ الله لم يقُمْ لغضبه شيءٌ، حتّى ينتقم لله (٢). وقالت عائشة ﵂ أيضًا: ما ضرَبَ رسولُ الله ﷺ بيده خادمًا ولا دابّةً ولا شيئًا قطُّ، إلّا أن يُجاهِدَ في سبيل الله (٣). وقال أنسٌ ﵁: خدمتُ رسول الله ﷺ عشرَ سنين، فما قال لي لشيءٍ صنعتُه: لم صنعتَه؟ ولا لشيءٍ لم أصنعه: لِمَ لَمْ تصنَعْه؟ وكان إذا عاتبني بعض أهله يقول: "دعوه، فلو قُضِي شيءٌ لكان" (٤).

стр. 430

فانظر إلى نظره إلى القدَر عند حقِّه، وقيامِه بالأمر وقطعِ يد المرأة عند حقِّ الله (١)، ولم يقل هناك: القدَرُ حكم عليها. وكذلك عزمُه على تحريق المتخلِّفين عن الصّلاة معه في الجماعة (٢)، ولم يقل: لو قُضِي لهم الصَّلاةُ لكانت (٣). وكان رسولُ الله ﷺ أعرفَ بالله وبحقِّه (٤) من أن يحتجَّ بالقدر على ترك أمره، أو يقبل الاحتجاجَ به من أحدٍ، ومع هذا فعذَر أنسًا بالقدر في حقِّه، وقال: "لو قضي شيءٌ لكان"، فصلواتُ الله وسلامهُ عليه.

стр. 431

فهذا المعنى الثّاني وإن كان حقًّا لكن ليس من شرائط التّوبة ولا أركانها، ولا له تعلُّقٌ بها؛ فإنّه لو لم يُقِمْ أعذارَهم في إساءتهم إليه لما نقَصَ ذلك شيئًا من توبته. فما أراد إلّا المعنى الأوّل، وقد عرفتَ ما فيه. ولا ريب أنّ صاحب "المنازل" إنّما أراد أن يعذِرَهم بالقدر، ويقيمَ عليهم حكمَ الأمر: فينظرَ بعين القدَر ويعذِرَهم بها، وينظرَ بعين الأمر ويحملَهم عليها ويأخذهم بموجَبها؛ فلا يحجبه مطالعةُ الأمر عن القدَر، ولا ملاحظةُ القدَر عن الأمر. فهذا وإن كان حقًّا لا بدَّ منه، فلا وجهَ لعذرهم. وليس عذرُهم من التَّوبة في شيءٍ البتّةَ. ولو كان صحيحًا ــ فضلًا عن كونه باطلًا ــ فلا هم معذورون، ولا طلبُ عذرهم من حقائق التّوبة. بل التَّحقيقُ أنَّ الغيرةَ لله والغضبَ له من حقائق التّوبة. فتعطيلُ عذر الخليقة في مخالفة الأمر والنّهي وشدّة الغضب: هو من علامة تعظيم الحرمة، وذلك بأن يكون من حقائق التّوبة أولى من عذر مخالفة الأمر والنّهي. ولا سيّما يدخلُ في هذا عذرُ عُبَّادِ الصُّلبان (١) والأوثان وقَتَلةِ الأنبياء، وفرعونَ وهامانَ، ونمرودَ بن كنعان، وأبي جهلٍ (٢) وأصحابه، وإبليسَ وجنودِه، وكلِّ كافرٍ وظالمٍ ومتعدٍّ حدودَ الله ومنتهكٍ محارمَ الله؛ فإنَّهم كلَّهم تحت القدر، وهم من الخليقة، أفيكون عذرُ هؤلاء من حقيقة التّوبة! فهذا ممّا أوجبه السَّيرُ على طريق الفناء في توحيد الرُّبوبيّة، وجعلِه الغايةَ

стр. 432

التي يُشمِّر إليها السّالكون! ثمّ أيُّ موافقةٍ للمحبوب في عذر من لا يعذِرُه هو! بل قد اشتدَّ غضبُه عليه، وأبعَدَه عن قربه، وطرَدَه عن بابه، ومقَتَه أشدَّ المقت! فإذا عذرتَه، فهل يكون عذرُه إلّا تعرُّضًا لسخطِ المحبوب وسقوطٍ (١) من عينه! ولا توجِب هذه الزَّلَّةُ (٢) من شيخ الإسلام إهدارَ محاسنه وإساءةَ الظَّنِّ به، فمحلُّه من العلم والإمامة (٣) والمعرفة والتفقُّه في طريق السُّلوكِ: المحلُّ الذي لا يُجهَل. وكلُّ أحدٍ فمأخوذٌ من قوله ومتروكٌ إلّا المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، صلواتُ الله وسلامه عليه. والكاملُ مَن عُدَّ خطؤه، ولا سيَّما في مثل هذا المجال الضَّنْك والمعترَك الصَّعب، الذي زلَّت فيه أقدامٌ، وضلَّت فيه أفهامٌ، وافترقت بالسّالكين فيه الطُّرقاتُ، وأشرفوا ــ إلّا أقلَّهم ــ على أودية الهَلَكات. وكيف لا؟ وهو البحر الذي تجري سفينةُ راكبه به في موجٍ كالجبال، والمعتركُ الذي تضاءلت لشهوده شجاعةُ الأبطال، وتحيَّرت فيه عقولُ ألِبَّاءِ الرِّجال! وصلت الخليقةُ إلى ساحله يبغُون ركوبَه: فمنهم مَن وقف مطرقًا دَهِشًا، لا يستطيع أن يملأ منه عينَه، ولا ينقل عن موقفه قدمَه. قد امتلأ قلبُه بعظمة ما شاهد منه، فقال: الوقوف على السّاحل أسلَمُ، وليس بلبيبٍ مَن خاطر بنفسه!

стр. 433

ومنهم مَن رجع على عقبيه لمّا سمع أصواتَ (١) أمواجه، ولم يُطِقْ نظرًا إليه. ومنهم مَن رمى بنفسه في لُجَجه، تخفضه موجةٌ، وترفعه أخرى. فهؤلاء الثّلاثةُ على خطرٍ، إذ الواقفُ (٢) على السّاحل عرضةٌ لوصول الماء تحت قدميه. والهاربُ ــ ولو جدَّ في الهرب ــ فما له مصيرٌ إلّا إليه. والمخاطرُ ناظرٌ إلى الغرَق كلَّ ساعةٍ بعينيه. وما نجا من الخلق إلّا الصِّنفُ الرّابعُ، وهم الذين انتظروا موافاةَ سفينةِ الأمر، فلمّا قربت منهم ناداهم الرُّبَّانُ: ﴿ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مُجْراهَا وَمُرْسَاهَا﴾ (٣) [هود: ٤١]. فهي سفينةُ نوح حقًّا وسفينةُ مَن بعده من الرُّسل، من ركبها نجا، ومن تخلَّف عنها غرق. فركبوا سفينةَ الأمرِ بالقدر، تجري (٤) بهم في تصاريف أمواجه على حكم التَّسليم لمن بيده التّصرُّفُ في البحار، فلم تكن إلّا غفوة حتّى قيل لأرض الدُّنيا وسمائها: ﴿يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ واستوت على جُوديِّ (٥) دارِ القرار. والمتخلِّفون عن السّفينة كقوم نوحٍ، أُغْرِقُوا، ثمّ أُحْرِقُوا، ونودي عليهم على رؤوس العالمين: ﴿وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ٤٤] (٦)، ﴿وَمَا

стр. 434

ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ [الزخرف: ٧٦]. ثمّ نُودُوا بلسان الشَّرع والقدَر تحقيقًا لتوحيده وإثباتًا لحجَّته، وهو أعدل العادلين: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩]. فصل وراكبُ هذا البحر في سفينة الأمر، وظيفتُه مصادمةُ أمواج القدر ومعارضتُها بعضِها ببعضٍ، وإلّا هلَكَ، فيرُدُّ القدَرَ بالقدَرِ. وهذا سَيْرُ أربابِ العزائم من العارفين، وهو معنى قول الشّيخ العارف القدوة عبد القادر الكيلانيِّ: النّاس إذا وصلوا إلى القضاء والقدر أمسكوا، إلّا أنا فانفتحَتْ لي فيه رَوْزَنَةٌ (١)، فنازعتُ أقدارَ الحقِّ بالحقِّ للحقِّ. والرّجلُ مَن يكون منازعًا للقدر، لا من يكون مستسلمًا مع القدر (٢). ولا تتمُّ مصالحُ العباد في معاشهم إلّا بدفع الأقدار بعضِها ببعضٍ، فكيف في معادهم؟ والله تعالى أمرَ أن تُدفَع السّيِّئةُ ــ وهي من قدَره ــ بالحسنة، وهي من قدره. وكذلك الجوعُ هو من قدرِه، وأمرَ بدفعه بالأكل الذي هو من قدَرِه. ولو استسلم العبدُ لقدَرِ الجوع، مع قدرته على دفعه بقدَر الأكل، حتّى مات= مات عاصيًا. وكذلك البردُ والحرُّ والعطشُ كلُّها من قدَرِه، وأمرَ بدفعها بأقدارٍ تضادُّها، والدّافعُ والمدفوعُ والدَّفعُ من قدَرِه.

стр. 435

وقد أفصح النبيُّ ﷺ عن هذا المعنى كلَّ الإفصاح، إذ قالوا له: يا رسول الله، أرأيتَ أدويةً نتداوى بها، ورُقًى نسترقي بها، وتُقًى نتّقي بها، هل ترُدُّ من قدَر الله شيئًا؟ قال: "هي من قدر الله" (١). وفي الحديث الآخر: "إنّ الدُّعاء والبلاء ليعتلجان بين السَّماء والأرض" (٢). وإذا طرَق العدوُّ الكفّارُ بلدَ الإسلام طرَقُوه بقدَر الله، أفيَحِلُّ للمسلمين الاستسلامُ للقدَر، وتركُ دفعه بقدَرٍ مثله، وهو الجهاد الذي يدفعون به قدرَ الله بقدَره!

стр. 436

وكذلك المعصيةُ إذا قدِّرت عليك، وفعلتَها بالقدَر، فادفَعْ موجَبَها بالتَّوبة النَّصوح، وهي من القدَر. فصل و دفعُ القدر بالقدر نوعان: أحدهما: دفعُ القدَر الذي قد انعقدت أسبابُه ولمّا يقَعْ بأسبابٍ أخرى من القدر مقابِلةٍ (١)، فيمتنع وقوعه، كدفع العدوِّ بقتاله، ودفع البرد والحرِّ ونحوه. والثّاني: دفعُ القدَر الذي قد وقع واستقرَّ بقدَرٍ آخر يرفعه ويزيله، كدفع قدَر المرض بقدَر التّداوي، ودفعِ قدَرِ الذَّنبِ بقدَرِ التّوبة، ودفعِ قدَرِ الإساءةِ بقدَر الإحسان. فهذا شأن العارفين وشأن الأقدار، لا الاستسلامُ لها وتركُ الحركة والحيلة، فإنّه عجزٌ، والله تعالى يلوم على العجز. فإذا غُلِبَ وضاقت به الحيل، ولم يبق له مجالٌ، فهنالك الاستسلامُ للقدر، والانطراحُ كالميِّت بين يدي الغاسل يقلِّبه كيف شاء، وهنا ينفع الفناءُ في القدَر علمًا وحالًا وشهودًا. وأمّا في حال القدرة وحصول الأسباب، فالفناء النّافع: أن يفنى عن الخلق بحكم الله، وعن هواه بأمر الله، وعن إرادته ومحبّته بمحبة الله تعالى (٢)، وعن حوله وقوّته بحول الله وقوّته وإعانته. فهذا الذي قام بحقيقة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ علمًا وحالًا. والله المستعان.

стр. 437

فصل قال صاحب "المنازل" ﵀ (١): (و سرائرُ حقيقة التّوبة (٢) ثلاثةُ أشياء: تمييزُ التَّقِيَّة من العزَّة، ونسيانُ الجناية، والتَّوبةُ من التَّوبة (٣)، لأنّ التّائب داخلٌ في "الجميع" من قوله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١]، فأمَر التّائبَ بالتَّوبة). يريد بتمييز التَّقيّة (٤) من العزَّة: أن يكون المقصودُ من التّوبة تقوى الله، وهو خوفه وخشيته، والقيامُ بأمره واجتنابُ نهيه. فيعملُ بطاعة الله على نورٍ من الله يرجو ثوابَ الله، ويتركُ معصيةَ الله على نورٍ من الله تعالى يخافُ عقابَ الله (٥). لا يريد بذلك عزَّ الطّاعة، فإنَّ للطَّاعة وللتَّوبة (٦) عزًّا ظاهرًا وباطنًا، فلا يكون مقصودُه العزَّة، وإن علِمَ أنّها تحصل له بالطّاعة والتّوبة. فمن تاب لأجل العزّة (٧) فتوبتُه مدخولةٌ. وفي بعض الآثار: "أوحى الله إلى نبيٍّ من الأنبياء: قل لفلانٍ الزّاهد: أمّا

стр. 438

زهدُك في الدُّنيا فتعجَّلتَ (١) به الرَّاحةَ. وأمّا انقطاعُك إليَّ فقد اكتسبتَ به العزَّ، ولكن ما عملتَ فيما لي عليك؟ قال: يا ربِّ، وما لك عليَّ بعد هذا؟ قال: هل واليتَ فيَّ وليًّا، أو عاديتَ فيَّ عدوًّا؟ " (٢). يعني أنَّ الرّاحةَ والعزَّ حظُّك، وقد نلتَهما بالزُّهد والعبادة، ولكن أين القيامُ بحقِّي، وهو الموالاة فيَّ والمعاداة فيّ (٣)؟ فالشّأنُ في التَّفريق في الأوامر بين حظِّك وحقِّ ربِّك علمًا وحالًا. وكثيرٌ من الصّادقين يلتبس عليهم حالُ نفوسهم في ذلك، ولا يميِّزه إلّا أولو البصائر (٤) منهم، وهم في الصَّادقين كالصَّادقين في النّاس! وأمّا نسيان الجناية، فهذا موضعُ تفصيلٍ، وقد اختلف فيه أرباب الطّريق: فمنهم: من رأى الاشتغالَ عن ذكر الذَّنب والإعراضَ عنه صفحًا بصفاءِ

стр. 439

الوقت مع الله تعالى أولى بالتّائب وأنفعَ له. ولهذا قيل: ذكرُ الجفاء في وقتِ الصَّفاء جفاءٌ (١). ومنهم من رأى أنّ الأَولى (٢) أن لا ينسى ذنبه، بل لا يزال نُصْبَ عينيه، يلاحظُه كلَّ وقتٍ، فيُحدِث له ذلك انكسارًا وذلًّا وخضوعًا أنفَعَ له من جمعيّته وصفاء وقته. قالوا: ولهذا كان (٣) نقش داود الخطيئةَ في كفِّه، وكان ينظر إليها ويبكي (٤). قالوا: ومتى تِهْتَ عن الطَّريق، فارجع إلى ذنبك تجدِ الطَّريق (٥). ومعنى ذلك: أنّك إذا رجعتَ إلى ذنبك انكسرتَ وذللتَ، وأطرقتَ بين يدي الله خاشعًا ذليلًا خائفًا (٦)، وهذه طريق العبوديّة. والصّوابُ: التّفصيلُ في هذه المسألة، وهو أن يقال: إذا أحسَّ من نفسه

стр. 440

حالَ الصَّفاء غَيْمًا من الدّعوى ورقيقةً من العُجْب (١) ونسيانِ المِنّة، وخطَفته نفسُه عن حقيقة فقره ونقصه، فذكرُ الذّنب أنفع له. وإن كان في حال مشاهدةِ منّة الله عليه، وكمالِ افتقاره إليه، وقيامِه (٢) به، وعدمِ استغنائه عنه في ذرّةٍ من ذرّاته، وقد خالط قلبَه حالُ المحبّةِ والفرحِ بالله، والأنسِ به، والشَّوقِ إلى لقائه، وشهودِ سعةِ رحمته وحلمه وعفوه، وقد أشرقت على قلبه أنوارُ الأسماء والصِّفات= فنسيانُ الجناية والإعراض عن الذّنب أولى به وأنفع له (٣)، فإنّه متى رجع إلى ذكر الجناية توارى عنه ذلك، ونزل من عُلْوٍ إلى سُفْلٍ، ومن حالٍ إلى حالٍ بينهما من التّفاوت أبعَدُ ما بين السَّماء والأرض. وهذا من حسد الشّيطان له، أراد أن يحُطَّه عن مقامه وسَيْرِ قلبه في ميادين المعرفة والمحبّة والشّوق إلى وحشة الإساءة وحَصْر الجناية. والأوّلُ (٤) يكون شهودُه لجنايته منّةً من الله، منَّ بها (٥) عليه ليؤمِّنه بها من مَقْتِ الدّعوى وحجاب الكِبْرِ الخفيِّ الذي لا يشعر به. فهذا لونٌ، وهذا لونٌ. وهذا أمرٌ، الحكمُ (٦) فيه أمرٌ وراء العبارة. وبالله التّوفيق، وهو المستعان.

стр. 441

فصل وأمّا التَّوبة من التَّوبة (١)، فهي من المجملات التي يراد بها حقٌّ وباطلٌ، ويكون مرادُ المتكلِّم بها حقًّا، فيُطلِقه من غير تمييزٍ. فإنَّ التَّوبةَ من أعظم الحسنات، والتَّوبةُ من الحسنات من أعظمِ السّيِّئات وأقبحِ الجنايات، بل هو كفرٌ إن أُخِذَ على ظاهره. ولا فرق بين التَّوبة من التَّوبةِ والتَّوبةِ من الإسلام والإيمان؛ فهل يسوغ أن يقال بالتَّوبة من الإيمان! ولكن مرادهم: أن يتوب من رؤية التَّوبة، فإنَّها إنَّما حصلت له بمنَّةِ الله ومشيئته، ولو خُلِّيَ ونفسَه لم تسمَح بها البتّة. فإذا رآها وشَهِد صدورَها منه ووقوعَها به، وغفَلَ عن منَّةِ الله عليه= تاب من هذه الرُّؤية والغفلة. ولكنَّ هذه الرُّؤيةَ والغفلةَ ليست هي التّوبة، ولا جزءًا منها، ولا شرطًا لها، بل هي جنايةٌ أخرى عرضت له بعد التَّوبة؛ فيتوبُ من هذه الجناية، كما تاب من الجناية الأولى. فما تابَ إلّا من ذنبٍ أوّلًا وآخرًا، فكيف يقال: يتوب من التّوبة! هذا كلامٌ غير معقولٍ، ولا هو صحيحٌ في نفسه. بلى، قد يكون في التَّوبة علّةٌ ونقصٌ وآفةٌ تمنع كمالَها، وقد يشعر صاحبُها بذلك وقد لا يشعر به (٢)، فيتوب من نقصانِ التّوبة وعدمِ توفيتها حقَّها. وهذا أيضًا ليس توبةً من التَّوبة، وإنّما هو توبةٌ من عدم التّوبة؛ فإنّ القدرَ الموجودَ منها طاعةٌ لا يتاب منها، والقدرُ المفقودُ منها هو الذي يحتاج أن يتوب منه.

стр. 442

فالتَّوبةُ من التَّوبة إنّما تُعقَل على أحد هذين الوجهين. نعم، هاهنا وجهٌ ثالثٌ لطيفٌ جدًّا، وهو أنَّ من حصل له مقامُ أنسٍ بالله، وصفا وقتُه مع الله، بحيث يكون إقبالُه على الله واشتغالُه بذكر آلائه وأسمائه وصفاته أنفعَ شيءٍ له، حتّى نزل عن هذه الحالة، واشتغل (١) بالتّوبة من جنايةٍ سالفةٍ قد تاب منها، وطالَعَ الجنايةَ واشتغل بها عن الله تعالى= فهذا نقصٌ ينبغي له أن يتوب إلى الله منه، وهو توبةٌ من هذه التَّوبة، لأنَّه نزولٌ من الصَّفاء إلى الجفاء (٢). والله أعلم. فصل قال صاحب "المنازل" (٣): (و لطائف أسرار التّوبة ثلاثة أشياء: أوّلها: أن تنظر إلى الجناية والقضيّة (٤)، فتعرف مرادَ الله تعالى فيها، إذ خلَّاك وإتيانَها، فإنّ اللهَ إنَّما يخلِّي العبدَ والذّنبَ لأحد (٥) معنيين: أحدهما: أن يعرف عزَّتَه في قضائه، وبرَّه في ستره، وحلمَه في إمهال راكبه، وكرمَه في قبول العذر منه، وفضلَه في مغفرته. الثّاني: أن يقيم على عبده حجّةَ عدله، فيعاقبَه على ذنبه بحجَّته).

стр. 443

اعلم أنّ صاحب البصيرة إذا صدرت منه الخطيئة فله نظرٌ إلى خمسة أمورٍ: أحدها: أن ينظر إلى أمر الله تعالى له ونهيه، فيُحْدِثُ له ذلك الاعترافَ بكونها خطيئةً، والإقرارَ على نفسه بالذّنب (١). الثّاني: أن ينظر إلى الوعد والوعيد، فيُحدِثُ له ذلك خوفًا وخشيةً تحملُه على التّوبة. الثّالث: أن ينظر إلى تمكين الله تعالى له (٢) منها، وتخليتِه بينه وبينها، وتقديرِها عليه، وأنّه لو شاء لعَصَمه منها وحال بينها وبينه؛ فيُحْدِثُ له ذلك أنواعًا من المعرفة بالله وأسمائه وصفاته، وحكمته، ورحمته، ومغفرته وعفوه، وحلمه وكرمه. وتوجب له هذه المعرفةُ عبوديّةً بهذه الأسماء لا تحصل بدون لوازمها البتّة، ويعلم ارتباط الخلق والأمر والجزاء بالوعد (٣) والوعيد بأسمائه وصفاته، وأنّ ذلك موجَبُ الأسماء والصِّفات، وأثرُها في الوجود، وأنَّ كلَّ اسمٍ وصفةٍ مقتضٍ لأثره وموجَبه، متعلِّقٌ به، لا بدَّ منه.

стр. 444

وهذا المشهد (١) يُطْلِعُه على رياضٍ مُونقةٍ من المعارف والإيمان وأسرار القدر والحكمة، يضيقُ عن التَّعبير عنها نطاقُ الكَلِم. فمن بعضها: ما ذكره الشَّيخ ﵀ أن يعرف العبدُ عزَّتَه في قضائه. وهو أنّه سبحانه العزيزُ الذي يقضي ما يشاء، وأنّه بكمال (٢) عزِّه حكَم على العبد وقضى عليه بأن قلَّب قلبَه وصرَّف إرادتَه على ما يشاء، وحال بين العبد وقلبه، وجعلَه مريدًا شائيًا لما شاءه منه العزيز الحكيم. وهذا من كمال العزّة، إذ لا يقدر على ذلك إلّا الله تعالى. وغايةُ المخلوق أن يتصرَّف في بدنك وظاهرك، وأمَّا جعلُك مريدًا شائيًا لما يشاؤه منك ويريده (٣)، فلا يقدر عليه إلّا ذو العزّة الباهرة. فإذا عرف العبدُ عزَّ سيِّده، ولاحظه بقلبه، وتمكَّن شهودُ ذلك (٤) منه= كان الاشتغالُ به عن ذلِّ المعصية أولى به وأنفع له، لأنّه يصير مع الله لا مع نفسه. ومن معرفة عزّته في قضائه: أن يعرفَ أنّه مدبَّرٌ مقهورٌ، ناصيتُه بيد غيره، لا عصمةَ له إلّا بعصمته، ولا توفيقَ له إلّا بمعونته، فهو ذليلٌ حقيرٌ، في قبضة

стр. 445

عزيزٍ حميدٍ. ومن شهود عزَّته أيضًا في قضائه: أن يشهدَ أنَّ الكمالَ والحمدَ والغناءَ التَّامَّ والعزَّةَ كلَّها لله، وأنَّه (١) هو نفسُه أولى بالنَّقص (٢) والذّمِّ والعَيب والظُّلم والحاجة. وكلَّما ازداد شهودُه لذلِّه ونقصه وعيبه وفقره، ازداد شهودُه لعزّة الله تعالى وكماله وحمده وغناه. وكذلك بالعكس. فنقصُ الذّنبِ وذلّتُه تُطلعه على مشهد العزَّة. ومنها: أنَّ العبدَ لا يريد معصيةَ مولاه من حيث هي معصيةٌ، فإذا شهد جريانَ الحكم عليه وجَعْلَه فاعلًا لما هو غيرُ مختارٍ له ولا مريدٍ بإرادته ومشيئته واختياره، فكأنّه (٣) مختارٌ غيرُ مختارٍ، مريدٌ غيرُ مريدٍ، شاءٍ غيرُ شاءٍ= فهذا يُشْهِدُه عزّةَ الله وعظمتَه وكمالَ قدرته. ومنها: أن يعرف برَّه سبحانه في سَتْره عليه حالَ ارتكاب المعصية، مع كمال رؤيته له، ولو شاء لَفَضَحه بين خلقه، فحَذِرُوه؛ وهذا (٤) من كمال بِرِّه، ومن أسمائه: البَرُّ. وهذا البِرُّ من سيِّده به مع كمالِ غناه عنه، وكمالِ فقر العبد إليه. فيشتغل بمطالعة هذه المنّة ومشاهدة هذا البِرِّ والإحسان والكرم، فيذهل عن ذُلِّ الخطيئة، فيبقى مع الله؛ وذلك أنفع له من اشتغاله بجنايته وشهودِ ذلِّ معصيته، فإنَّ الاشتغالَ بالله والغفلةَ عمَّا سواه هو المطلبُ الأعلى والمقصدُ الأسنى. ولا يُوجِب هذا نسيانَ الخطيئة مطلقًا، بل في هذه

стр. 446

الحال، فإذا فَقَدها فليرجع إلى مطالعة الخطيئة وذكر الجناية. ولكلِّ وقتٍ ومقامٍ عبوديّةٌ تليق به. ومنها: شهودُه حلمَ الله في إمهال راكب الخطيئة. ولو شاء لَعاجَلَه بالعقوبة، ولكنّه الحليم الذي لا يعجَل. فيُحدِث له ذلك معرفتَه سبحانه باسمه الحليم، ومشاهدةَ صفة الحلم، والتّعبدَ بهذا الاسم. والحكمةُ والمصلحةُ الحاصلةُ من ذلك بتوسُّط الذَّنب أحبُّ إلى الله، وأصلَحُ للعبد، وأنفَعُ له (١) من فوتها. ووجودُ الملزوم بدون لازمه ممتنعٌ. ومنها: معرفةُ العبد كرمَ ربِّه في قبول العذر منه إذا اعتذر إليه بنحو ما تقدَّم من الاعتذار، لا بالقدَر فإنّه مخاصَمةٌ ومحاجَّةٌ كما تقدّم، فيقبل عذرَه بكرمه وجوده. فيوجب له ذلك اشتغالًا بذكره وشكره، ومحبّةً أخرى لم تكن حاصلةً له قبل ذلك، فإنَّ محبَّتَك لمن شكَرك على إحسانك وجازاك به، ثمَّ غفَر لك إساءَتك ولم يؤاخذك بها= أضعافُ محبَّتِك على شكر الإحسان وحده. والواقعُ شاهدٌ بذلك. فعبوديّة التّوبة بعد الذّنب لونٌ آخر. ومنها: أن يشهد فضلَه في مغفرته، فإنَّ المغفرةَ فضلٌ من الله تعالى، وإلّا فلو وَاخَذَنا بالذَّنبِ لَوَاخَذَ (٢) بمحض حقِّه وكان عادلًا محمودًا، وإنّما غفره (٣) بفضله لا باستحقاقك. فيُوجِب لك ذلك أيضًا شكرًا له، ومحبّةً له، وإنابةً إليه، وفرحًا وابتهاجًا به، ومعرفةً له باسمه الغفّار، ومشاهدةً لهذه

стр. 447

الصِّفة، وتعبُّدًا بمقتضاها. وذلك أكملُ في العبوديّة والمعرفة والمحبّة (١). ومنها: أن يكمِّل لعبده مراتبَ الذُّلِّ والخضوع والانكسار بين يديه، والافتقار إليه، فإنَّ النَّفسَ فيها مضاهاةُ الرُّبوبيَّة، ولو قدرَتْ لقالت كقول فرعون، ولكنَّه قدَر فأظهرَ، وغيرُه عجَز فأضمَر. وإنّما يُخلِّصها من هذه المضاهاة ذلُّ العبوديّة، وهو (٢) أربع مراتب: المرتبة الأولى مشتركةٌ بين الخلق، وهي: ذلُّ الحاجة والفقر إلى الله تعالى. فأهلُ السَّماوات والأرض محتاجون إليه فقراءُ إليه، وهو وحده الغنيُّ. وكلُّ أهل السّماوات والأرض يسألونه، وهو لا يسأل أحدًا. المرتبة الثّانية: ذلُّ الطّاعة والعبوديّة، وهو ذلُّ الاختيار، وهذا خاصٌّ بأهل طاعته، وهو سرُّ العبوديّة. المرتبة الثّالثة: ذلُّ المحبَّة، فإنَّ المحبَّ ذليلٌ بالذّات لمحبوبه، وعلى قدر محبّته له يكون ذلُّه له، فالمحبّةُ أسِّست على الذِّلّة للمحبوب، كما قيل: اخضَعْ وذِلَّ لمن تحبُّ فليس في ... حُكمِ الهوى أنفٌ يُشالُ ويُعقَدُ (٣) وقال آخر:

стр. 448

مساكينُ أهلُ الحبِّ حتّى قبورُهم ... عليها ترابُ الذُّلِّ بينَ المقابرِ (١) المرتبة الرّابعة: ذلُّ المعصية والجناية. فإذا اجتمعت هذه المراتبُ الأربعُ كان الذُّلُّ لله والخضوعُ له أكملَ وأتمَّ، إذ يذلُّ له خوفًا وخشيةً، ومحبّةً وإنابةً وطاعةً، وفقرًا وفاقةً. وحقيقة ذلك هو الفقر الذي يشير إليه القوم. وهذا المعنى أجلُّ من أن يسمّى بالفقر، بل هو لبُّ العبوديّة وسرُّها. وحصولُه أنفع شيءٍ للعبد، وأحبُّ شيءٍ إلى الله. فلا بدَّ من تقدير لوازمه من أسباب الضَّعف والحاجة، وأسباب العبوديَّة والطَّاعة، وأسباب المحبَّة والإنابة، وأسباب المعصية والمخالفة؛ إذ وجودُ الملزوم بدون لازمه ممتنعٌ. والفائتُ من تقدير عدمِ هذا الملزومِ ولازمِه، مصلحةُ وجوده (٢) خيرٌ من مصلحة فوته، ومفسدةُ فوته أكثرُ من مفسدة وجوده. والحكمةُ مبناها على دفعِ أعظمِ المفسدتين باحتمال أدناهما، وتحصيلِ أعظمِ المصلحتين بتفويت أدناهما. وقد فُتِح لك الباب، فإن كنتَ من أهل المعرفة فادخل، وإلّا فرُدَّ البابَ وارجِعْ بسلامٍ! ومنها: أنّ أسماءه الحسنى تقتضي آثارها اقتضاءَ الأسباب التَّامَّةِ

стр. 449

لمسبَّباتها، فاسم "السَّميع البصير" يقتضي مسموعًا ومبصرًا، واسم "الرَّزَّاق" يقتضي مرزوقًا، واسم "الرَّحيم" يقتضي مرحومًا، وكذلك اسم "الغفور"، و"العفوِّ"، و"التَّوَّاب"، و"الحليم" يقتضي مَن يغفر له، ويتوبُ عليه، ويعفو عنه، ويحلم عنه. ويستحيل تعطيلُ هذه الأسماء والصِّفات، إذ هي أسماءٌ حسنى وصفاتُ كمالٍ، ونعوتُ جلالٍ، وأفعالُ حكمةٍ وإحسانٍ وجودٍ، فلا بدَّ من ظهور آثارها في العالم. وقد أشار إلى هذا أعلَمُ الخلقِ بالله صلوات الله وسلامه عليه، حيث يقول: "لو لم تُذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقومٍ يُذنبون، ثمّ يستغفرون، فيغفر لهم" (١). وأنت إذا فرضت الحيوانَ بجملته معدومًا، فلِمَن يرزق الرَّزَّاقُ (٢) سبحانه؟ وإذا فرضتَ المعصية والخطيئة منتفيةً من العالم، فلمن يغفر؟ وعمّن يعفو؟ وعلى من يتوبُ ويحلُم؟ وإذا (٣) فرضتَ الفاقاتِ كلَّها قد سُدَّت، والعبيدُ أغنياءُ معافَون، فأين السُّؤال والتّضرُّع والابتهال، والإجابة وشهود الفضل والمنّة، والتّخصيص بالإنعام والإكرام؟ فسبحان من تعرَّف إلى خلقه بجميع التَّعرُّفات (٤)، ودلَّهم عليه بأنواع الدِّلالات، وفتَح لهم إليه جميعَ الطُّرقات، ثمّ نصَب إليه الصِّراطَ المستقيمَ،

стр. 450

وعرَّفهم به ودلَّهم عليه ﴿مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ﴾ [الأنفال: ٤٢]. فصل ومنها: السِّرُّ الأعظم، الذي لا تقتحمه العبارة، ولا تجسُر عليه الإشارة، ولا ينادي عليه منادي الإيمان على رؤوس الأشهاد، فشهدته (١) قلوبُ خواصِّ العباد، فازدادت به معرفةً لربِّها، ومحبّةً له (٢)، وطمأنينةً وشوقًا إليه، ولهجًا بذكره، وشهودًا لبِرِّه (٣)، ولطفه وكرمه وإحسانه، ومطالعةً لسرِّ العبوديّة، وإشرافًا على حقيقة الإلهيّة. وهو ما ثبت في "الصَّحيحين" (٤) من حديث أنس بن مالكٍ ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "لَلّهُ أفرَحُ بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرضٍ فلاةٍ، فانفلتت منه، وعليها طعامُه وشرابُه، فأيِسَ منها، فأتى شجرةً فاضطجع في ظلِّها، قد أيس من راحلته. فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمةً عنده. فأخذ بخطامها، ثمّ قال من شدّة الفرح: اللهمَّ أنت عبدي وأنا ربُّك! أخطأ من شدّة الفرح". هذا لفظ مسلمٍ. وفي الحديث من قواعد العلم: أنَّ اللَّفظَ (٥) الذي يجري على لسان

стр. 451

العبد خطأً من فرحٍ شديدٍ أو غيظٍ (١) شديدٍ أو نحوه لا يؤاخَذ به. ولهذا لم يكن هذا كافرًا بقوله: أنت عبدي وأنا ربُّك. ومعلومٌ أنّ تأثيرَ الغضب في عدم القصد يصل إلى هذه الحال أو أعظمَ منها، فلا ينبغي مؤاخذةُ الغضبان بما صدَر منه في حالِ شدّة غضبه من نحو هذا الكلام، ولا يقع طلاقُه بذلك ولا رِدَّتُه. وقد نصَّ الإمام أحمدُ ﵁ (٢) على تفسير "الإغلاق" في قوله ﷺ : "لا طلاق في إغلاقٍ" (٣) بأنّه الغضب وفسَّره به غير واحدٍ من الأئمّة. وفسَّروه بالإكراه، وفسَّروه بالجنون (٤). قال شيخنا ﵀: وهو يعُمُّ هذا كلَّه، وهو من الغلَق، لانغلاق قصد المتكلِّم عليه، فكأنّه لم ينفتح قلبُه لمعنى ما قاله (٥).

стр. 452

والقصد: أنَّ هذا الفرحَ له شأنٌ لا ينبغي للعبد إهمالُه والإعراضُ عنه، ولا يطَّلع عليه إلّا مَن له معرفةٌ خاصَّةٌ بالله وأسمائه وصفاته وما يليق بعزِّ جلاله. وقد كان الأولى بنا طيَّ الكلام فيه إلى ما هو اللّائقُ بأفهام بني الزَّمان وعلومهم، ونهايةِ أقدامهم من المعرفة، وضعفِ عقولهم عن احتماله؛ غير أنّا نعلم أنَّ الله سيسوقُ هذه البضاعةَ إلى تُجَّارها ومَن هو عارفٌ بقدرها، وإن وقعت في الطّريق بيد من ليس عارفًا بها، فرُبَّ حاملِ فقهٍ ليس بفقيهٍ، ورُبَّ حامل فقهٍ إلى من هو أفقه منه (١). فاعلم أنَّ الله سبحانه (٢) اختصَّ نوعَ الإنسان من بين خلقه بأن كرَّمه وفضَّلَه وشرَّفَه، وخلَقه لنفسه، وخلَق كلَّ شيءٍ له، وخصَّه من معرفته ومحبّته وقربه وإكرامه بما لم يعطه غيرَه، وسخَّر له ما في سماواته وأرضه وما بينهما، حتّى ملائكته الذين هم أهلُ قربه، واستخدمهم له، وجعلهم حَفَظةً له في منامه ويقظته وظعنه وإقامته، وأنزل إليه وعليه كتبَه، وأرسله (٣) وأرسل إليه، وخاطَبه وكلَّمه منه إليه، واتّخذ منهم الخليل والكليم، والأولياءَ والخواصَّ والأحِبَّاءَ، وجعلهم معدنَ أسراره ومحلَّ حكمته وموضعَ حبِّه، وخلق لهم الجنّة والنّار. فالخلقُ والأمرُ والثّوابُ والعقابُ مدارهُ على النَّوع الإنسانيِّ، فإنّه خلاصةُ الخلق، وهو المقصودُ بالأمر والنّهي، وعليه الثَّوابُ والعقابُ.

стр. 453

فللإنسان شأنٌ ليس لسائر المخلوقات. وقد خلَق أباه بيده (١)، ونفَخ فيه من روحه، وأسجَدَ له ملائكتَه، وعلَّمه أسماءَ كلِّ شيءٍ، وأظهر فضلَه على الملائكة فمَن دونهم من جميع المخلوقات. وطرَد إبليسَ عن قربه، وأبعدَه عن بابه إذ لم يسجد له مع السَّاجدين، واتّخذَه عدوًّا له. فالمؤمنون من نوع الإنسان خيرُ البريّة على الإطلاق، وخِيرةُ الله من العالمين؛ فإنّه خلَقه لِتَتمَّ (٢) نعمتُه عليه، وليتواتر إحسانُه (٣) إليه، وليخصَّه من كرامته وفضله بما لم تنله أمنيّتُه، ولم يخطر على باله ولم يشعُر به، ليسأله من المواهب والعطايا الباطنة والظّاهرة العاجلة والآجلة التي لا تُنال إلّا بمحبَّته، ولا تُنال محبَّتُه إلّا بطاعته وإيثاره على ما سواه. فاتّخذه محبوبًا له، وأعدَّ له أفضلَ ما يُعِدُّه محبٌّ غنيٌّ (٤) قادرٌ جوادٌ لمحبوبه إذا قَدِم عليه. وعَهِد إليه عهدًا تقدَّم إليه فيه بأوامره ونواهيه، وأعلَمه في عهده ما يقرِّبه إليه ويزيده محبّةً له وكرامةً عليه، وما يُبعِده منه، ويُسْخطه عليه، ويُسْقِطه من عينه. وللمحبوب عدوٌّ، هو أبغَضُ خلقه إليه، قد جاهَره بالعداوة، وأمرَ عباده أن يكون دينُهم وطاعتُهم (٥) وعبادتُهم له دون وليِّهم ومعبودهم الحقِّ، واستقطَع عباده، واتّخذ منهم حزبًا ظاهَروه ووالَوه على ربِّهم، وكانوا

стр. 454

أعداءً (١) له مع هذا العدوِّ، يدعُون إلى سخطه، ويطعنون في ربوبيّته وإلهيّته ووحدانيّته، ويسبُّونه ويكذِّبونه، ويفتنون أولياءه، ويؤذونهم بأنواع الأذى، ويجتهدون على إعدامِهم من الوجود، وإقامةِ الدّولة لهم، ومحوِ كلِّ ما يحبُّه الله ويرضاه وتبديله بكلِّ ما (٢) يسخَطه ويكرهه= فعرَّفه بهذا العدوِّ وطرائقهم وأعمالهم ومآلهم، وحذَّره موالاتَهم والدُّخولَ في زمرتهم والكونَ معهم. وأخبره في عهده أنّه أجودُ الأجودين، وأكرمُ الأكرمين، وأرحمُ الرَّاحمين؛ وأنّه سبقت رحمتُه غضبَه، وحلمُه عقوبتَه، وعفوُه مؤاخذتَه؛ وأنّه قد أفاض على خلقه النِّعمة، وكتب على نفسه الرّحمة؛ وأنّه يحبُّ الإحسان والجود والعطاء والبِرَّ؛ وأنَّ الفضلَ كلَّه بيده، والخيرَ كلَّه منه، والجودَ كلَّه له. وأحبُّ ما إليه أن يجودَ على عباده ويُوسِعَهم فضلًا، ويغمرَهم إحسانًا وجودًا، ويتمّ عليهم نعمَه، ويضاعف لديهم مننَه، ويتعرَّفَ إليهم بأوصافه وأسمائه، ويتحبَّب إليهم بنعمه وآلائه. فهو الجواد لذاته، وجُودُ كلِّ جوادٍ خلَقه الله ويخلُقه أبدًا أقلُّ من ذرّةٍ بالقياس إلى جوده. فليس الجواد على الإطلاق إلّا هو، وجُودُ كلِّ جوادٍ فمن جوده. ومحبَّتُه للجود والإعطاء والإحسان والبرِّ والإنعام والإفضال فوقَ ما يخطُر ببال الخلق أو يدور في أوهامهم. وفرَحُه بعطائه وجوده وإفضاله أشدُّ من فرَحِ الآخذ بما يعطاه ويأخذه أحوجَ ما هو إليه، وأعظَمُ ما كان قدرًا. فإذا اجتمع شدّةُ الحاجة وعِظَمُ قدر العطيّة والنَّفع بها، فما الظَّنُّ بفرَح المعطَى! ففرحُ المعطي سبحانه بعطائه أشدُّ وأعظمُ من فرح هذا بما يأخذه. ولله المثل

стр. 455

الأعلى، إذ هذا شأنُ الجواد من الخلق، فإنّه يحصل له من الفرحة والسُّرور والابتهاج واللَّذَّة بعطائه وجُوده فوقَ ما يحصل لمن يعطيه؛ ولكنَّ الآخذَ غائبٌ بلذّة أخذه (١) عن لذّة المعطي وابتهاجه وسروره. هذا مع حاجته (٢) إلى ما يعطيه وفقره إليه، وعدمِ وثوقه باستخلاف مثله، وخوفِ الحاجة إليه عند ذهابه، والتّعرُّضِ لذلِّ الاستعانة بنظيره أو مَن هو دونه، ونفسُه قد طُبِعت على الحرص والشُّحِّ. فما الظّنُّ بمن تقدَّس وتنزَّه عن ذلك كلِّه؟ ولو أنَّ أهلَ سماواته وأرضه، وأوّلَ خلقه وآخرَهم، وإنسَهم وجنَّهم، ورطبَهم ويابسَهم، قاموا في صعيدٍ واحدٍ فسألوه، فأعطى كلًّا منهم ما سأله= ما نقَص ذلك ممَّا عنده مثقالَ ذرّةٍ. وهو الجواد لذاته، كما أنّه الحيُّ لذاته، العليمُ لذاته، السَّميعُ البصيرُ لذاته (٣)، فجوده العالي من لوازم ذاته. والعفوُ أحبُّ إليه من الانتقام، والرّحمةُ أحبُّ إليه من العقوبة، والفضلُ أحبُّ إليه من العدل، والعطاءُ أحبُّ إليه من المنع. فإذا تعرَّض عبدُه ومحبوبُه الذي خلَقه لنفسه، وأعدَّ له أنواعَ كرامته، وفضَّله على غيره، وجعلَه محلَّ معرفته، وأنزل إليه كتابه، وأرسل إليه رسوله، واعتنى بأمره ولم يهمله، ولم يتركه سدًى= فتعرَّض لغضبه، وارتكب مساخطَه وما يكرهه، وأبَق منه، ووالى عدوَّه، وظاهَره عليه، وتحيَّز إليه، وقطَع طريقَ نعمه وإحسانه إليه التي هي أحبُّ شيءٍ إليه، وفتَح طريقَ العقوبة والانتقام والغضب= فقد استدعى من الجواد الكريم خلافَ ما هو

стр. 456

موصوفٌ به من الجود والإحسان والبرِّ، وتعرَّض لإغضابه وإسخاطه وانتقامه، وأن يصير (١) غضبُه وسخطُه في موضع رضاه، وانتقامُه وعقوبتُه في موضع كرمِه وبرِّه وإعطائه. فاستدعى بمعصيته من أفعاله ما سواه أحبُّ إليه منه، وخلافَ ما هو من لوازم ذاته من الجود والإحسان. فبينا هو حبيبُه المقرَّبُ المخصوصُ بالكرامة، إذ انقلب آبقًا (٢) شاردًا، رادًّا لكرامته، مائلًا عنه إلى عدوِّه، مع شدّة حاجته إليه، وعدم استغنائه عنه طرفة عينٍ. فبينا ذلك الحبيبُ مع العدوِّ في طاعته وخدمته ناسيًا لسيِّده، منهمكًا في موافقة عدوِّه، قد استدعى من سيِّده (٣) خلافَ ما هو أهلُه، إذ عرضت له فكرةٌ فتذكَّر برَّ سيِّده وعطفَه وجودَه وكرمَه، وعلِمَ أنّه لا بدَّ له منه، وأنَّ مصيره إليه، وعرضَه عليه، وأنّه إن لم يقدَم عليه بنفسه قُدِم به (٤) عليه على أسوأ الأحوال. ففرَّ إلى سيِّده من بلد عدوِّه، وجدَّ في الهرب إليه حتَّى وصل إلى بابه، فوضَع خدَّه على عتبة بابه، وتوسَّد ثرى أعتابه، متذلِّلًا متضرِّعًا خاشعًا باكيًا آسفًا، يتملَّق سيِّدَه، ويسترحمه، ويستعطفه ويعتذر إليه، قد ألقى إليه بيده (٥)، واستسلم له، وأعطاه قيادَه، وألقى إليه زمامَه. فعلِم سيِّدُه ما في قلبه، فعاد مكانَ الغضب عليه رضًا عنه، ومكانَ الشِّدّة عليه رحمةً به، وأبدله بالعقوبة عفوًا، وبالمنع عطاءً، وبالمؤاخذة حلمًا. فاستدعى بالتَّوبة والرُّجوع

стр. 457

من سيِّده ما هو أهله، وما هو موجَبُ أسمائه الحسنى وصفاته العُلا. فكيف يكون فرحُ سيِّده به, وقد عاد إليه حبيبُه ووليُّه طوعًا واختيارًا، وراجَع ما يحبُّه سيِّده منه ويرضاه، وفتحَ طريقَ البرِّ والإحسان والجود، التي هي أحبُّ إلى سيِّده من طريق الغضب والانتقام والعقوبة؟ وهذا موضع الحكاية المشهورة عن بعض العارفين أنّه حصل له إباقٌ (١) عن سيِّده، فرأى في بعض السِّكك بابًا قد فُتِح، وخرج منه صبيٌّ يستغيث ويبكي، وأمُّه خلفه تطرده حتّى خرج، فأغلقت البابَ في وجهه ودخلت. فذهب الصّبيُّ غيرَ بعيدٍ، ثمّ وقف مفكِّرًا، فلم يجد له مأوًى غير البيت الذي أُخرج (٢) منه، ولا من يؤويه غير والدته (٣)، فرجع مكسورَ القلب حزينًا، فوجد الباب مُرْتَجًا (٤)، فتوسَّده ووضع خدَّه على عتبة الباب ونام. فخرجت أمُّه، فلمّا رأته على تلك الحال لم تملك أن رمَتْ نفسَها عليه، والتزمته تقبِّله وتبكي، وتقول: يا ولدي، أين تذهب عنِّي؟ ومن يؤويك سواي؟ ألم أقل لك: لا تخالفني، ولا تحملني بمعصيتك لي على خلاف ما جُبِلتُ عليه من الرَّحمة لك، والشّفقة عليك، وإرادةِ الخيرِ لك؟ ثمّ أخذَتْه ودخَلَتْ (٥). فتأمَّلْ قولَ الأمِّ: لا تحملني بمعصيتك على خلاف ما جُبِلتُ عليه من

стр. 458

الرَّحمة والشَّفقة. وتأمَّلْ قوله ﷺ : "لَلّهُ أرحَمُ بعباده من الوالدة بولدها" (١). وأين تقع رحمةُ الوالدة من رحمة الله؟ فإذا أغضبه العبدُ بمعصيته فقد استدعى منه صرفَ تلك الرَّحمة عنه، فإذا تاب إليه فقد استدعى منه ما هو أهله وأولى به. فهذه نبذةٌ يسيرةٌ تُطلعك على سرِّ فرَحِ الله بتوبة عبده أعظمَ من فرحِ هذا الواجد لراحلته في الأرض المهلكة بعد اليأس منها. ووراء هذا ما تجفو عنه العبارة، وتدِقُّ عن إدراكه الأذهان. وإيّاك وطريقةَ التَّعطيل والتَّمثيل، فإنَّ كلًّا منهما منزلٌ ذميمٌ، ومرتَعٌ على عِلَّاته وخيمٌ. ولا يحِلُّ لأحدهما أن يجد روائحَ هذا الأمر ونفَسَه، لأنَّ زكامَ التَّعطيل والتَّمثيل مفسِدٌ لحاسَّة الشَّمِّ، كما هو مفسِدٌ لحاسَّة الذَّوق، فلا يذوق طعمَ الإيمان، ولا يجد ريحَه. والمحرومُ كلُّ المحروم من عُرِضَ عليه الغنى والخيرُ فلم يقبله! ولا مانعَ لما أعطى الله، ولا معطيَ لما منَع، والفضلُ بيد الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. فصل هذا إذا نظرتَ إلى تعلُّق الفرح الإلهيِّ بالإحسان والجود والبرِّ. وأمّا إن لاحظتَ تعلُّقه بإلهيّته وكونهِ معبودًا، فذاك مشهدٌ أجلُّ من هذا وأعظمُ منه، وإنّما يشهده خواصُّ المحبِّين. فإنّ الله سبحانه إنّما خلق الخلقَ لعبادته الجامعة لمحبَّتِه والخضوعِ له وطاعتِه، وهذا هو الحقُّ الذي خُلِقت به السّماوات والأرض، وهو غاية

стр. 459

الخلق والأمر. ونفيُه كما يقول أعداؤه هو الباطلُ والعبَثُ الذي نزَّه نفسَه عنه، وهو السُّدى الذي نزَّه نفسَه عن أن يترك الإنسانَ عليه. فهو سبحانه يحبُّ أن يُعبَد ويُطاعَ، ولا يعبأ بخلقه شيئًا لولا محبّتهم وطاعتهم له. وقد أنكر على من زعم أنّه خلقهم لغير ذلك. وإنّهم لو خُلِقوا لغير عبادته وتوحيده وطاعته (١) لكان خلقُهم عبثًا وباطلًا وسدًى، وذلك ما (٢) يتعالى عنه أحكمُ الحاكمين والإله الحقُّ. فإذا خرج العبدُ عمّا خُلِق له من طاعته وعبوديَّته (٣)، فقد خرج عن أحبِّ الأشياء إليه، وعن الغاية التي لأجلها خُلِقت الخليقة، وصار كأنّه خُلِقَ عبثًا لغير شيءٍ، إذ لم تُخرج أرضُه البذرَ الذي وُضِع فيها، بل قلبَتْه شوكًا ودَغَلًا (٤). فإذا راجعَ ما خُلِق له ووُجِد لأجله فقد رجع إلى الغاية التي هي أحبُّ الأشياء إلى خالقه وفاطره، ورجع إلى مقتضى الحكمة التي خُلِق لأجلها، وخرَج عن معنى العبث والسُّدى والباطل. فاشتدَّت محبَّةُ الرَّبِّ له فإنَّ اللهَ يحبُّ التَّوَّابين، فأوجبت هذه المحبّةُ فرحًا كأعظم ما يقدَّر من الفرح. ولو كان في الفرح المشهود في هذا العالم نوعٌ أعظمُ من هذا الذي ذكره النّبيُّ ﷺ لَذكَره، ولكن لا فرحةَ أعظمُ من فرحة هذا الواجدِ الفاقدِ لمادّة حياته وبلاغه في سفره، بعد يأسه من أسباب الحياة بفقده. وهذا لشدَّة محبّته

стр. 460

لتوبة التّائب. والمحبُّ إذا اشتدَّت محبَّتُه للشَّيء وغاب (١) عنه، ثمّ وَجَده وصار طوعَ يديه، فلا فرحةَ أعظمُ من فرحته به. فما (٢) الظّنُّ بمحبوبٍ لك تحبُّه حبًّا شديدًا، وأسره عدوُّك، وحال بينك وبينه، وأنت تعلم أنَّ العدوَّ سيسومُه سوءَ العذاب، ويعرِّضه لأنواع الهلاك، وأنت أولى به منه، وهو غرسُك وتربيتُك. ثمّ إنّه انفلتَ من عدوِّه، ووافاك على غير ميعادٍ، فلم يفجأك إلّا وهو على بابك، يتملَّقُك (٣) ويترضَّاك ويستعتبُك، ويمرِّغ خدَّيه على ثرى (٤) أعتابك= فكيف يكون فرحُك به، وقد اختصَّيْتَه (٥) لنفسك، ورضيتَه لقربك (٦)، وآثرتَه على سواه؟ هذا، ولستَ الذي أوجدتَه وخلقتَه، وأسبغتَ عليه نعمَك. واللهُ هو الذي أوجد عبدَه، وخلَقه وكوَّنه، وأسبغ عليه نعمَه، وهو يحبُّ أن يتمَّها عليه، فيصيرَ مُظْهِرًا لنعمه، قابلًا لها، شاكرًا لها، محبًّا لوليِّها مطيعًا له عابدًا له، معاديًا لعدوِّه مبغضًا له عاصيًا له. والله تعالى يحبُّ من عبده معاداةَ عدوِّه ومعصيتَه ومخالفتَه، كما يحبُّ أن يُواليَه سبحانه ويطيعَه ويعبدَه؛ فتنضافُ محبَّتُه لعبادته وطاعته والإنابة إليه، إلى محبّته لعداوة عدوِّه ومعصيته ومخالفته، فتشتدُّ المحبّةُ منه سبحانه مع حصول
следующие страницы →