← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 199

مدارج السالكين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 526 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

موصوفٌ به من الجود والإحسان والبرِّ، وتعرَّض لإغضابه وإسخاطه وانتقامه، وأن يصير (١) غضبُه وسخطُه في موضع رضاه، وانتقامُه وعقوبتُه في موضع كرمِه وبرِّه وإعطائه. فاستدعى بمعصيته من أفعاله ما سواه أحبُّ إليه منه، وخلافَ ما هو من لوازم ذاته من الجود والإحسان. فبينا هو حبيبُه المقرَّبُ المخصوصُ بالكرامة، إذ انقلب آبقًا (٢) شاردًا، رادًّا لكرامته، مائلًا عنه إلى عدوِّه، مع شدّة حاجته إليه، وعدم استغنائه عنه طرفة عينٍ. فبينا ذلك الحبيبُ مع العدوِّ في طاعته وخدمته ناسيًا لسيِّده، منهمكًا في موافقة عدوِّه، قد استدعى من سيِّده (٣) خلافَ ما هو أهلُه، إذ عرضت له فكرةٌ فتذكَّر برَّ سيِّده وعطفَه وجودَه وكرمَه، وعلِمَ أنّه لا بدَّ له منه، وأنَّ مصيره إليه، وعرضَه عليه، وأنّه إن لم يقدَم عليه بنفسه قُدِم به (٤) عليه على أسوأ الأحوال. ففرَّ إلى سيِّده من بلد عدوِّه، وجدَّ في الهرب إليه حتَّى وصل إلى بابه، فوضَع خدَّه على عتبة بابه، وتوسَّد ثرى أعتابه، متذلِّلًا متضرِّعًا خاشعًا باكيًا آسفًا، يتملَّق سيِّدَه، ويسترحمه، ويستعطفه ويعتذر إليه، قد ألقى إليه بيده (٥)، واستسلم له، وأعطاه قيادَه، وألقى إليه زمامَه. فعلِم سيِّدُه ما في قلبه، فعاد مكانَ الغضب عليه رضًا عنه، ومكانَ الشِّدّة عليه رحمةً به، وأبدله بالعقوبة عفوًا، وبالمنع عطاءً، وبالمؤاخذة حلمًا. فاستدعى بالتَّوبة والرُّجوع

стр. 457

من سيِّده ما هو أهله، وما هو موجَبُ أسمائه الحسنى وصفاته العُلا. فكيف يكون فرحُ سيِّده به, وقد عاد إليه حبيبُه ووليُّه طوعًا واختيارًا، وراجَع ما يحبُّه سيِّده منه ويرضاه، وفتحَ طريقَ البرِّ والإحسان والجود، التي هي أحبُّ إلى سيِّده من طريق الغضب والانتقام والعقوبة؟ وهذا موضع الحكاية المشهورة عن بعض العارفين أنّه حصل له إباقٌ (١) عن سيِّده، فرأى في بعض السِّكك بابًا قد فُتِح، وخرج منه صبيٌّ يستغيث ويبكي، وأمُّه خلفه تطرده حتّى خرج، فأغلقت البابَ في وجهه ودخلت. فذهب الصّبيُّ غيرَ بعيدٍ، ثمّ وقف مفكِّرًا، فلم يجد له مأوًى غير البيت الذي أُخرج (٢) منه، ولا من يؤويه غير والدته (٣)، فرجع مكسورَ القلب حزينًا، فوجد الباب مُرْتَجًا (٤)، فتوسَّده ووضع خدَّه على عتبة الباب ونام. فخرجت أمُّه، فلمّا رأته على تلك الحال لم تملك أن رمَتْ نفسَها عليه، والتزمته تقبِّله وتبكي، وتقول: يا ولدي، أين تذهب عنِّي؟ ومن يؤويك سواي؟ ألم أقل لك: لا تخالفني، ولا تحملني بمعصيتك لي على خلاف ما جُبِلتُ عليه من الرَّحمة لك، والشّفقة عليك، وإرادةِ الخيرِ لك؟ ثمّ أخذَتْه ودخَلَتْ (٥). فتأمَّلْ قولَ الأمِّ: لا تحملني بمعصيتك على خلاف ما جُبِلتُ عليه من

стр. 458

الرَّحمة والشَّفقة. وتأمَّلْ قوله ﷺ : "لَلّهُ أرحَمُ بعباده من الوالدة بولدها" (١). وأين تقع رحمةُ الوالدة من رحمة الله؟ فإذا أغضبه العبدُ بمعصيته فقد استدعى منه صرفَ تلك الرَّحمة عنه، فإذا تاب إليه فقد استدعى منه ما هو أهله وأولى به. فهذه نبذةٌ يسيرةٌ تُطلعك على سرِّ فرَحِ الله بتوبة عبده أعظمَ من فرحِ هذا الواجد لراحلته في الأرض المهلكة بعد اليأس منها. ووراء هذا ما تجفو عنه العبارة، وتدِقُّ عن إدراكه الأذهان. وإيّاك وطريقةَ التَّعطيل والتَّمثيل، فإنَّ كلًّا منهما منزلٌ ذميمٌ، ومرتَعٌ على عِلَّاته وخيمٌ. ولا يحِلُّ لأحدهما أن يجد روائحَ هذا الأمر ونفَسَه، لأنَّ زكامَ التَّعطيل والتَّمثيل مفسِدٌ لحاسَّة الشَّمِّ، كما هو مفسِدٌ لحاسَّة الذَّوق، فلا يذوق طعمَ الإيمان، ولا يجد ريحَه. والمحرومُ كلُّ المحروم من عُرِضَ عليه الغنى والخيرُ فلم يقبله! ولا مانعَ لما أعطى الله، ولا معطيَ لما منَع، والفضلُ بيد الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. فصل هذا إذا نظرتَ إلى تعلُّق الفرح الإلهيِّ بالإحسان والجود والبرِّ. وأمّا إن لاحظتَ تعلُّقه بإلهيّته وكونهِ معبودًا، فذاك مشهدٌ أجلُّ من هذا وأعظمُ منه، وإنّما يشهده خواصُّ المحبِّين. فإنّ الله سبحانه إنّما خلق الخلقَ لعبادته الجامعة لمحبَّتِه والخضوعِ له وطاعتِه، وهذا هو الحقُّ الذي خُلِقت به السّماوات والأرض، وهو غاية

стр. 459

الخلق والأمر. ونفيُه كما يقول أعداؤه هو الباطلُ والعبَثُ الذي نزَّه نفسَه عنه، وهو السُّدى الذي نزَّه نفسَه عن أن يترك الإنسانَ عليه. فهو سبحانه يحبُّ أن يُعبَد ويُطاعَ، ولا يعبأ بخلقه شيئًا لولا محبّتهم وطاعتهم له. وقد أنكر على من زعم أنّه خلقهم لغير ذلك. وإنّهم لو خُلِقوا لغير عبادته وتوحيده وطاعته (١) لكان خلقُهم عبثًا وباطلًا وسدًى، وذلك ما (٢) يتعالى عنه أحكمُ الحاكمين والإله الحقُّ. فإذا خرج العبدُ عمّا خُلِق له من طاعته وعبوديَّته (٣)، فقد خرج عن أحبِّ الأشياء إليه، وعن الغاية التي لأجلها خُلِقت الخليقة، وصار كأنّه خُلِقَ عبثًا لغير شيءٍ، إذ لم تُخرج أرضُه البذرَ الذي وُضِع فيها، بل قلبَتْه شوكًا ودَغَلًا (٤). فإذا راجعَ ما خُلِق له ووُجِد لأجله فقد رجع إلى الغاية التي هي أحبُّ الأشياء إلى خالقه وفاطره، ورجع إلى مقتضى الحكمة التي خُلِق لأجلها، وخرَج عن معنى العبث والسُّدى والباطل. فاشتدَّت محبَّةُ الرَّبِّ له فإنَّ اللهَ يحبُّ التَّوَّابين، فأوجبت هذه المحبّةُ فرحًا كأعظم ما يقدَّر من الفرح. ولو كان في الفرح المشهود في هذا العالم نوعٌ أعظمُ من هذا الذي ذكره النّبيُّ ﷺ لَذكَره، ولكن لا فرحةَ أعظمُ من فرحة هذا الواجدِ الفاقدِ لمادّة حياته وبلاغه في سفره، بعد يأسه من أسباب الحياة بفقده. وهذا لشدَّة محبّته

стр. 460

لتوبة التّائب. والمحبُّ إذا اشتدَّت محبَّتُه للشَّيء وغاب (١) عنه، ثمّ وَجَده وصار طوعَ يديه، فلا فرحةَ أعظمُ من فرحته به. فما (٢) الظّنُّ بمحبوبٍ لك تحبُّه حبًّا شديدًا، وأسره عدوُّك، وحال بينك وبينه، وأنت تعلم أنَّ العدوَّ سيسومُه سوءَ العذاب، ويعرِّضه لأنواع الهلاك، وأنت أولى به منه، وهو غرسُك وتربيتُك. ثمّ إنّه انفلتَ من عدوِّه، ووافاك على غير ميعادٍ، فلم يفجأك إلّا وهو على بابك، يتملَّقُك (٣) ويترضَّاك ويستعتبُك، ويمرِّغ خدَّيه على ثرى (٤) أعتابك= فكيف يكون فرحُك به، وقد اختصَّيْتَه (٥) لنفسك، ورضيتَه لقربك (٦)، وآثرتَه على سواه؟ هذا، ولستَ الذي أوجدتَه وخلقتَه، وأسبغتَ عليه نعمَك. واللهُ هو الذي أوجد عبدَه، وخلَقه وكوَّنه، وأسبغ عليه نعمَه، وهو يحبُّ أن يتمَّها عليه، فيصيرَ مُظْهِرًا لنعمه، قابلًا لها، شاكرًا لها، محبًّا لوليِّها مطيعًا له عابدًا له، معاديًا لعدوِّه مبغضًا له عاصيًا له. والله تعالى يحبُّ من عبده معاداةَ عدوِّه ومعصيتَه ومخالفتَه، كما يحبُّ أن يُواليَه سبحانه ويطيعَه ويعبدَه؛ فتنضافُ محبَّتُه لعبادته وطاعته والإنابة إليه، إلى محبّته لعداوة عدوِّه ومعصيته ومخالفته، فتشتدُّ المحبّةُ منه سبحانه مع حصول

стр. 461

محبوبه. وهذا حقيقة الفرح. وفي صفة النّبيِّ ﷺ في بعض الكتب المتقدِّمة: "عبدي الذي سُرَّتْ به نفسي" (١). وهذا لكمال محبّته له، جعَلَه ممّا تُسَرُّ به نفسُه سبحانه. ومن هذا: ضَحِكهُ سبحانه من عبده حين يأتي من عبوديّته بأعظم ما يحبُّه، فيضحكُ سبحانه فرحًا به ورضًا، كما يضحكُ من عبده إذا ثار عن وطائه وفراشه ومضاجعة حبيبه إلى خدمته يتلو آياته ويتملَّقه (٢). ويضحكُ من رجلٍ هرب أصحابه عن العدوِّ، فأقبل إليهم (٣)، وباع نفسَه لله ولقَّاهم نحرَه، حتّى قُتِل في محبّته ورضاه (٤).

стр. 462

ويضحك إلى من أخفى الصّدقةَ عن أصحابه لسائلٍ اعتراهم فلم يعطُوه، فتخلَّف بأعقابهم، وأعطاه سرًّا حيث لا يراه إلّا الله تعالى والذي أعطاه (١)؛ فهذا الضَّحِك منه (٢) حبًّا له وفرحًا به. وكذلك الشّهيدُ حين يلقاه يوم القيامة، فيضحك إليه فرحًا به وبقدومه عليه (٣). وليس في إثبات هذه الصِّفات محذورٌ البتّة، فإنّه فرَحٌ ليس كمثله شيءٌ، وضَحِكٌ ليس كمثله شيءٌ، وحكمُه حكمُ رضاه ومحبّته وإرادته وسائر صفاته. فالباب بابٌ واحدٌ، لا تمثيل ولا تعطيل. وليس ما يُلزِمُ به المعطِّلُ للمثبِت (٤) إلّا ظلمٌ محضٌ وتناقضٌ وتلاعبٌ،

стр. 463

فإنَّ هذا لو كان لازمًا للزم رحمتَه وإرادتَه ومشيئتَه وسمعَه وبصرَه وعلمَه وسائرَ صفاته، فكيف جاء هذا اللُّزومُ لهذه الصِّفة دون الأخرى؟ وهل يجد ذو عقلٍ إلى الفرق سبيلًا؟ فما ثمَّ إلّا التّعطيلُ المحضُ المطلَق، أو الإثباتُ المطلَقُ لكلِّ ما ورد به النَّصُّ؛ والتّناقضُ لا يرضاه المحصِّلون. فصل قوله: (الثّاني: أن يقيمَ على عبده حجّةَ عدله، فيعاقبَه على ذنبه بحجَّته) (١). اعترافُ العبد بقيام حجّة الله عليه من لوازم الإيمان، أطاع أم عصى؛ فإنَّ حجّةَ الله قامت على العبد بإرسال الرَّسول وإنزال الكتاب، وبلوغِ ذلك إليه، وتمكُّنِه من العلم به، سواءً علِمَ أو جهل. فكلُّ من تمكَّن من معرفة ما أُمِر به ونُهِي عنه، فقصَّر عنه ولم يعرفه، فقد قامت عليه الحجّة. والله سبحانه لا يعذِّب أحدًا إلّا بعد قيام الحجّة عليه، فإذا عاقَبه على ذنبه عاقَبه بحجَّتِه على ظلمه. قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]. وقال: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الملك: ٨ - ٩]. وقال: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: ١١٧]. وفي الآية قولان. أحدهما: ما كان لِيُهلكها بظلمٍ منهم. والثَّاني: ما كان

стр. 464

لِيُهلكها بظلمٍ منه (١). والمعنى على القول الأوّل: ما كان ليُهلكهم بظلمهم المتقدِّم، وهم مصلحون الآن. أي إنَّهم بعد أن أصلحوا وتابوا، لم يكن لِيُهلكهم بما سلَف منهم من الظُّلم. وعلى القول الثّاني: إنّه لم يكن ظالمًا لهم في إهلاكهم، فإنَّه لم يُهلِكهم وهم مصلحون، وإنّما أهلكهم وهم ظالمون. فهم الظّالمون بمخالفة (٢) رسُله، وهو العادل في إهلاكهم. والقولان في آية الأنعام أيضًا: ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا﴾ [الأنعام: ١٣١] (٣). قيل: لم يكن مهلكَهم بظلمهم وشركهم، وهم غافلون لم يُنذَروا ولم يأتهم رسولٌ. وقيل: لم يهلكهم قبل التَّذكير بإرسال الرُّسُل، فيكون قد ظلَمهم؛ فإنّه سبحانه لا يأخذ أحدًا ولا يعاقبه إلّا بذنبه، وإنّما يكون مذنبًا إذا خالف أمره ونهيه، وذلك إنّما يُعلَم بالرُّسل. فإذا شاهد العبدُ القدرَ السَّابقَ بالذَّنب علِمَ أنَّ الله سبحانه قدَّره سببًا مقتضيًا لأثره من العقوبة، كما قدَّر الطَّاعاتِ سببًا مقتضيًا للثَّواب. وكذلك تقديرُ سائر أسباب الخير والشّرِّ، كجعلِ السَّمِّ سببًا للموت، والنّارِ سببًا للإحراق، والماءِ للإغراق. فإذا أقدم العبد على سبب الهلاك، وقد عرَف أنّه سببُ الهلاك، فهلَك= فالحجّةُ مركّبةٌ عليه. فالمؤاخذةُ (٤) كالحريق مثلًا، والذَّنبُ كالنَّار، وإتيانُه كتقديمه نفسَه للنَّار. وملاحظةُ الحكم في هذا لا

стр. 465

تُجدي عليه شيئًا، وإنّما الذي يُشْهِدُه قيامَ الحجّة عليه: ملاحظةُ الأمر، لا ملاحظةُ القدَر. فجعلُ صاحبِ "المنازل" هذه اللَّطيفةَ من ملاحظة الجناية والقضيّة (١) ليس بالبيِّن، بل هو من ملاحظة الجناية والأمر. ولكن مراده أنَّ سرَّ التَّقدير أنَّه قد علِمَ أنَّ هذا العبدَ لا يصلح إلّا للوقود، كالشَّوك الذي لا يصلح إلّا للنّار، والشَّجرةُ تشتمل على الثَّمر والشَّوك، فاقتضى عدلُه سبحانه أن يسوق هذا العبدَ إلى ما لا يصلح إلّا له، وأن يقيمَ عليه حجّةَ عدله بأن قدَّر عليه الذَّنبَ فوَاقَعَه، فاستحقَّ ما خُلِقَ له. قال الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩) لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [يس: ٦٩ - ٧٠]. فأخبر سبحانه أنَّ النَّاس قسمانِ: حيٌّ قابلٌ للانتفاع، فإنه يقبل الإنذار وينتفع به. وميِّتٌ لا يقبل الإنذار ولا ينتفع به، لأنَّ أرضَه غيرُ زاكيةٍ ولا قابلةٍ للخير البتّةَ، فيحقُّ القولُ عليه بالعذاب. وتكون عقوبتُه بعد قيام الحجّة عليه، لا بمجرَّد كونه غير قابلٍ للهدى والإيمان، بل لأنّه غيرُ قابلٍ ولا فاعلٍ. وإنَّما يتبيَّن كونُه غيرَ قابلٍ بعد قيام الحجَّة عليه بالرَّسول، إذ لو عُذِّب بكونه غيرَ قابلٍ لقال: لو جاءني رسولٌ منك لامتثلتُ أمرَك. فأرسَلَ إليه رسولَه، فأمرَه ونهاه، فعصى الرّسولَ بكونه غيرَ قابلٍ للهدى، وعوقب بكونه غيرَ فاعلٍ، فحقَّ عليه القولُ أنّه لا يؤمن ولو جاءه الرَّسول، كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ٣٣]. وحقَّ عليه القول بالعذاب كما

стр. 466

قال تعالى: ﴿حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (٦)﴾ [غافر: ٦]. فالكلمةُ التي حقَّت كلمتان: كلمةُ الإضلال، وكلمةُ العذاب، كما قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١]. وكلمتُه سبحانه إنَّما حقَّت عليهم بالعذاب بسبب كفرهم، فحقَّت عليهم كلمةُ حجَّتِه، وكلمةُ عدله بعقوبته. وحاصلُ هذا كلِّه أنَّ الله سبحانه أمرَ العبادَ أن يكونوا مع مراده الدِّينيِّ منهم، لا مع مراد أنفسهم. فأهلُ طاعته آثروا اللهَ ومرادَه على مرادهم، فاستحقُّوا كرامتَه. وأهلُ معصيته آثروا مرادَهم على مراده، وعلِمَ سبحانه منهم أنّهم لا يؤثرون مراده البتّة، وإنّما يؤثرون أهواءهم (١) ومرادهم، فأمَرهم ونهاهم، فظهر بأمره ونهيه من القدَر الذي قُدِّر عليهم من إيثارهم هوى أنفسهم ومرادَهم على مرضاة ربِّهم ومرادِه، فقامت عليهم بالمعصية حجَّةُ عدله، فعاقَبهم بظلمهم. فصل قد ذكرنا أنَّ العبدَ في الذّنب له نظرٌ إلى أربعة أمورٍ: نظرٌ إلى الأمر والنّهي، ونظرٌ إلى الحكم والقضاء، وذكرنا ما يتعلَّق بهذين النّظرين (٢). النّظر الثّالث: النّظرُ إلى محلِّ الجناية ومصدرها، وهو النَّفسُ الأمَّارةُ

стр. 467

بالسُّوء. ويفيده نظرُه إليها أمورًا: منها: أنَّها جاهلةٌ ظالمةٌ، وأنَّ الجهلَ والظُّلمَ يصدر عنهما كلُّ قولٍ وعملٍ قبيحٍ، ومَن وصفُه (١) الجهلُ والظُّلمُ لا مطمعَ في استقامته واعتداله البتّة. فيوجب له ذلك بذلَ الجهد في العلم النّافع الذي يُخرِجُها به عن وصف الجهل، والعملِ الصَّالحِ الذي يُخرِجُها به عن وصف الظُّلم. ومع هذا فجهلُها أكثرُ من علمها، وظلمُها أعظمُ من عدلها. فحقيقٌ بمن هذا شأنه: أن يرغب إلى خالقها وفاطرها أن يقيَه شرَّها، وأن يؤتيها تقواها ويزكِّيها، فهو خيرُ من زكّاها، فإنّه وليُّها ومولاها، وأن لا يكِلَه إليها طرفةَ عينٍ. فإن وَكلَه إليها هلَكَ، فما هلَكَ مَن هلَك إلّا حيث وُكِلَ إلى نفسه. وقال النّبيُّ ﷺ لحُصَين بن المنذر (٢): "قل: اللهمَّ أَلْهِمْني رُشدي، وقِني شرَّ نفسي" (٣). وفي خطبة الحاجة (٤): "الحمد لله، نستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيِّئات (٥) أعمالنا". وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ

стр. 468

شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩]، وقال: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣]. فمن عرَفَ حقيقةَ نفسه وما طُبِعت عليه علِمَ أنّها منبعُ كلِّ شرٍّ ومأوى كلِّ سوءٍ، وأنَّ كلَّ خيرٍ فيها ففضلٌ (١) من الله منَّ به عليها، لم يكن منها، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ [النور: ٢١]. وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات: ٧]. فهذا الحبُّ وهذه الكراهةُ لم يكونا في النّفس ولا بها، ولكنَّ الله هو الذي منَّ بهما، فجعَلَ العبدَ بسببهما من الرّاشدين ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحجرات: ٨]: عليمٌ بمن يصلُح لهذا الفضل ويزكو عليه ويثمر عنده، حكيمٌ فلا يضَعُه عند غير أهله، فيضيِّعه بوضعه في غير موضعه. ومنها: ما ذكره صاحب "المنازل"، فقال (٢): (اللَّطيفة الثَّانية: أن يعلم أنَّ نظرَ البصير الصَّادق في سيِّئته لم يُبْقِ له حسنةً بحالٍ، لأنّه يسير بين مشاهدة المنّة، وتطلُّبِ عيبِ النَّفس والعمل). يريد: أنَّ من له بصيرةٌ بنفسه، وبصيرةٌ بحقوق الله تعالى، وهو صادقٌ في طلبه، لم يُبقِ له نظرُه في سيِّئاته حسنةً البتّة، فلا يلقى الله إلَّا بالإفلاس المحض والفقر الصِّرف. لأنّه إذا فتَّشَ عن عيوب نفسه وعيوب عمله علِمَ

стр. 469

أنّها لا تصلُح لله، وأنَّ تلك البضاعةَ لا يُشترى بها النَّجاةُ من عذابه (١)، فضلًا عن الفوز بعظيم ثوابه. فإن خلَص له عملٌ وحالٌ مع الله، وصفا له معه وقتٌ، شاهَدَ منّةَ الله عليه به ومجرَّدَ فضله، وأنّه ليس من نفسه، ولا هي أهلٌ لذلك. فهو دائمًا (٢) مشاهدٌ لمنّة الله عليه ولعيوب نفسه وعمله، لأنّه متى تطلَّبها رآها. وهذا من أجلِّ أنواع المعارف وأنفعها للعبد. ولذلك كان سيِّد الاستغفار: "اللهمَّ أنت ربِّي لا إله إلّا أنتَ، خلقتَني، وأنا عبدُك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعتُ، أعوذ بك من شرِّ ما صنعتُ، أبوء لك بنعمتك عليَّ، وأبوء بذنبي، فاغفر لي، إنّه لا يغفر الذُّنوب إلّا أنت" (٣). فتضمَّن هذا الاستغفارُ الاعترافَ (٤) من العبد بربوبيَّته وإلهيَّته وتوحيده، والاعترافَ بأنّه خالقه العالمُ به، إذ أنشأه نشأةً تستلزم عجزَه عن أداء حقِّه وتقصيرَه فيه، والاعترافَ بأنّه عبدُه الذي ناصيته بيده وفي قبضته، لا مهربَ له منه، ولا وليَّ له سواه. ثمّ التزامَ الدُّخول تحت عهده ــ وهو أمره ونهيه ــ الذي عهِدَه إليه على لسان رسله (٥). وأنَّ ذلك بحسب استطاعتي، لا بحسب أداء حقِّك فإنّه غيرُ مقدورٍ للبشر، وإنّما هو جهدُ المقلِّ وقدرُ الطّاقة؛ ومع ذلك فأنا مصدِّقٌ بوعدك الذي وعدتَه لأهل طاعتك بالثّواب ولأهل معصيتك

стр. 470

بالعقاب، فأنا مقيمٌ على عهدك، مصدِّقٌ بوعدك. ثمّ الاستعاذة والاعتصام بك (١) من شرِّ ما فرّطتُ فيه من أمرك ونهيك، فإنّك إن لم تُعِذْني من شرِّه، وإلّا (٢) أحاطت بي الهلكة، فإنَّ إضاعةَ حقِّك سببُ الهلاك. وأنا أُقِرُّ لك وألتزمُ بنعمتك عليَّ، وأُقِرُّ وألتزمُ وأبخَعُ بذنبي، فمنك النِّعمةُ والإحسانُ والفضلُ، ومنِّي الذَّنبُ والإساءةُ. فأسألك أن تغفر لي بمحو ذنبي، وأن تَقِيَني من شرِّه، إنّه لا يغفر الذُّنوب إلّا أنت. فلهذا كان هذا الدُّعاء سيِّد الاستغفار، إذ هو (٣) متضمِّنٌ لمحض العبوديّة (٤). فأيُّ حسنةٍ تبقى للبصير الصّادق، مع مشاهدته عيوبَ نفسه وعمله، ومنّةَ الله عليه؟ فهذا الذي يعطيه نظرُه إلى نفسه ونقصه. فصل النّظر الرّابع: نظرُه إلى الآمرِ له بالمعصية، المزيِّنِ له فعلَها، الحاضِّ (٥) له عليها، وهو شيطانُه الموكَّلُ به. فيفيده النّظرُ إليه وملاحظتُه اتِّخاذَه عدوًّا، وكمالَ الاحتراز منه والتّحفُّظ واليقظة والانتباهَ لما يريده منه عدوُّه وهو لا يشعر، فإنّه يريد أن يظفر به في

стр. 471

عقَبةٍ من سبع عقَباتٍ، بعضُها أصعب من بعضٍ، لا ينزل منه من العقبة الشَّاقَّة إلى ما دونها (١) إلّا إذا عجَز عن الظّفر به فيها. العقبة الأولى: عقبةُ الكفر بالله وبدينه ولقائه وصفات كماله وما أخبرت به رسلُه عنه، فإنّه إن ظفِر به في هذه العقَبة بردت نارُ عداوته واستراح معه. فإن اقتحَمَ هذه العقَبةَ، ونجا منها ببصيرة الهداية، وسلِم معه نورُ الإيمان= طلَبه على: العقبة الثّانية: وهي عقبة البدعة، إمَّا باعتقاد خلافِ الحقِّ الذي أرسل الله به رسولَه وأنزل به كتابَه، وإمّا بالتّعبدِ بما لم يأذن به (٢) من الأوضاع والرُّسوم المحدثة في الدِّين التي لا يقبل الله منها شيئًا. والبدعتان في الغالب متلازمتان، قلَّ أن تنفكَّ إحداهما عن الأخرى، كما قال بعضهم: تزوّجت بدعةُ الأقوال ببدعة الأعمال، فاشتغل الزَّوجان بالعُرس، فلم يفجَأهم إلّا أولادُ الزِّنا يعيثون في بلاد الإسلام، تضجُّ منهم العباد والبلاد إلى الله تعالى (٣). وقال شيخنا ﵀: تزوّجت الحقيقةُ الكافرةُ بالبدعة الفاجرة، فوُلد (٤) بينهما خسرانُ الدُّنيا والآخرة. فإن قطع العبدُ (٥) هذه العقَبةَ، وخلَص منها بنور السُّنَّة، واعتصَم منها

стр. 472

بحقيقة المتابعة وما مضى عليه السّلفُ الأخيارُ من الصّحابة والتّابعين لهم بإحسانٍ، وهيهات أن تسمح الأعصارُ المتأخِّرةُ بواحدٍ من هذا الضّرب! فإن سمحَتْ به نصَب له أهلُ البدع الحبائلَ، وبغَوه الغوائلَ، وقالوا: مبتدعٌ مُحْدِثٌ= فإذا وفَّقه الله لقطع هذه العقبة طلبَه على: العقبة الثَّالثة: وهي عقبةُ الكبائر. فإن ظفِر به فيها زيَّنها له، وحسَّنها في عينه، وسوَّفَ به وفتَح له بابَ الإرجاء وأنَّ الإيمانَ هو نفسُ التّصديق فلا تقدَح فيه الأعمالُ. وربَّما أجرى على لسانه وأذنه كلمةً طالما أهلَكَ (١) بها الخلقَ: لا يضرُّ مع التّوحيد ذنبٌ، كما لا ينفع مع الشِّرك حسنةٌ! (٢). والظفرُ به في عقَبة البدعة أحبُّ إليه لمناقضِتها الدِّين ودفعِها لما بعث الله به رسولَه، وصاحبُها لا يتوب منها (٣)، ويدعو الخلقَ إليها؛ ولتضمُّنها القولَ على الله بلا علمٍ، ومعاداةَ صريح السُّنّة، ومعاداةَ أهلها، والاجتهادَ على إطفاء نور السُّنّة، وتوليةَ مَن عزَلَه الله ورسوله وعَزْلَ من ولّاه، واعتبارَ ما ردَّه الله ورسوله وردَّ ما اعتبره، وموالاةَ من عاداه ومعاداةَ من والاه (٤)، وإثباتَ ما نفاه ونفيَ ما أثبته، وتكذيبَ الصّادق وتصديقَ الكاذب، ومعارضةَ الحقِّ بالباطل، وقلبَ الحقائق بجعل الحقِّ باطلًا، والباطلِ حقًّا، والإلحادَ في دين الله، وتعميةَ الحقِّ على القلوب، وطلبَ العوج لصراط الله المستقيم، وفتحَ

стр. 473

باب تبديل الدِّين جملةً؛ فإنَّ البدعَ تَسْتدرجُ بصغيرها إلى كبيرها، حتّى ينسلخَ صاحبُها من الدِّين، كما تنسَلُّ الشَّعرةُ من العجين، فمفاسدُ البدع لا يقف عليها إلّا أربابُ البصائر، والعميانُ في ظلمة العَمى ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ﴾ [النور: ٤٠]. فإن قطَع هذه العقَبةَ بعصمةٍ من الله، أو بتوبةٍ نصوحٍ تُنجيه، طَلَبه على: العقبة الرَّابعة: وهي عقبة الصّغائر. فكال له منها بالقُفْزان، وقال: ما عليك إذا اجتنبتَ الكبائرَ ما غشِيتَ من اللَّمَم. أَوَما علمتَ بأنَّها تُكفَّر باجتناب الكبائر وبالحسنات؟ ولا يزال يهوِّن عليه أمرَها حتّى يُصِرَّ عليها، فيكون مرتكبُ الكبيرة الخائفُ الوَجِلُ النَّادمُ أحسنَ حالًا منه؛ فإنَّ الإصرارَ على الذّنب أقبَحُ منه، ولا كبيرةَ مع التَّوبة والاستغفار، ولا صغيرةَ مع الإصرار. وقد قال ﷺ : "إيَّاكم ومحقَّراتِ الذُّنوب"، ثمَّ ضرَب لذلك مثلًا بقومٍ نزلوا بفَلاةٍ من الأرض، فأعوَزَهم الحطبُ، فجعل يجيء هذا بعُودٍ، وهذا بعُودٍ، حتّى جمعوا حطبًا كثيرًا، فأوقدوه نارًا (١). فكذلك شأنُ محقَّراتِ الذُّنوب تجتمع على العبد، ويستهين بشأنها حتَّى تُهلِكه (٢).

стр. 474

فإن نجا من هذه العَقبة بالتحرُّز والتحفُّظ، ودوام التَّوبة والاستغفار، وإتباعِ السَّيئةِ الحسنةَ= طلَبَه على: العقبة الخامسة: وهي عقَبةُ المباحات التي لا حرج على فاعلها. فشغَلَه (١) بها عن الاستكثار من الطّاعات، وعن الاجتهاد في التّزوُّد لمعاده، ثمَّ طمِع فيه أن يستدرجه منها إلى تركِ السُّنن، ثمّ من تركِ السُّنن إلى ترك الواجبات. وأقلُّ ما ينال منه تفويتُه الأرباحَ (٢) العظيمةَ والمنازلَ العاليةَ، ولو عرَفَ السِّعَر لما فوَّت على نفسه شيئًا من القربات، ولكنّه جاهلٌ بالسِّعر. فإن نجا من هذه العقبة ببصيرةٍ تامّةٍ ونورٍ هادٍ، ومعرفةٍ بقدر الطَّاعات والاستكثار منها، وقلَّةِ المقام على الميناء، وخطَرِ التِّجارة، وكرمِ المشتري، وقدرِ ما يعوِّض به التُّجّارَ، فبخِلَ بأوقاته وضنَّ بأنفاسه أن تذهب في غير ربحٍ= طلَبه العدوُّ على: العقبة السّادسة: وهي عقبة الأعمال المرجوحة المفضولة من الطّاعات. فأمرَه بها، وحسَّنها في عينه، وزيَّنها له، وأراه ما فيها من الفضل والرِّبح ليشغله (٣) بها عمّا هو أفضل منها وأعظم ربحًا، لأنّه لمّا عجَز عن تخسيره أصلَ الثّواب طمِعَ في تخسيره كمالَه وفضلَه ودرجاتِه العاليةَ، فشغَلَه (٤)

стр. 475

بالمفضول عن الفاضل، وبالمرجوح عن الرَّاجح، وبالمحبوب لله عن الأحبِّ إليه، وبالمرضيِّ عن الأرضى له. ولكن أين أصحاب هذه العَقَبة! فهم الأفراد في العالم، والأكثرون قد ظفر بهم في العقَبات الأُوَل. فإن نجا منها بفقهٍ في الأعمال ومراتبها عند الله تعالى، ومنازلِها في الفضل، ومعرفةِ مقاديرها، والتَّمييزِ بين عاليها وسافلِها، ومفضولِها وفاضلِها، ورئيسِها ومرؤوسها، وسيِّدِها ومسودها؛ فإنَّ في الأعمال والأقوال سيِّدًا ومسودًا، ورئيسًا ومرؤوسًا، وذروةً وما دونها، كما في الحديث الصّحيح: "سيِّد الاستغفار أن يقول العبد (١): اللهمَّ أنتَ ربِّي" الحديث (٢)، وفي الحديث الآخر: "الجهادُ ذِروةُ سَنامِ الأمر" (٣)، وفي أثرٍ آخر (٤): أنّ الأعمال تفاخرت، فذكر كلُّ عملٍ منها مرتبته وفضله، وكان للصَّدَقة مزيّةٌ في الفخر عليهنّ (٥).

стр. 476

ولا يقطع هذه العقبةَ إلّا أهلُ البصائر والصِّدق من أولي العلم (١). = فإذا نجا منها لم يبق هناك عقَبةٌ يطلبه العدوُّ عليها سوى واحدةٍ لا بدَّ له منها، ولو نجا منها أحدٌ لنجا منها رسلُ الله وأنبياؤه وأكرمُ الخلق عليه. وهي عقَبةُ تسليطِ جندِه عليه بأنواع الأذى باليد واللِّسان والقلب، على حسب مرتبته في الخير. فكلَّما علَتْ مرتبتُه أجلَبَ عليه بخيله ورَجْله، وظاهَرَ عليه بجنده، وسلَّطَ عليه حزبَه وأهلَه بأنواع التَّسليط. وهذه العقَبةُ لا حيلة له في التّخلُّص منها، فإنّه كلَّما جدَّ في الاستقامة والدَّعوة إلى الله تعالى والقيام بأمره، جدَّ العدوُّ في إغراء السُّفهاء به، فهو في هذه العقبة قد لبِس لَأْمةَ الحرب، وأخذ في محاربة العدوِّ لله وبالله. فعبوديّتُه فيها عبوديّةُ خواصِّ العارفين، وهي تسمّى "عبوديّة المراغمة"، ولا ينتبه لها إلّا أولو البصائر التّامَّة. ولا شيءَ أحبُّ إلى الله من مراغمةِ وليِّه لعدوِّه وإغاظتِه له. وقد أشار إلى هذه العبوديّة في مواضع من كتابه. أحدها: قوله: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ [النساء: ١٠٠]. سمَّى المهاجَرَ الذي يهاجَر فيه إلى عبادة الله (٢) "مراغَمًا" لأنه يُراغَم به عدوُّ الله وعدوُّه، واللهُ يحبُّ من وليِّه مراغمةَ عدوِّه وإغاظته، كما قال تعالى:

стр. 477

﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [التوبة: ١٢٠]. وقال تعالى في مثل رسول الله ﷺ وأتباعه: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح: ٢٩]. فمغايظةُ الكفّار غايةٌ محبوبةٌ للرّبِّ مطلوبةٌ له، فموافقته فيها من كمال العبوديّة (١). وشرع النبيُّ ﷺ للمصلِّي إذا سها في صلاته (٢) سجدتين، وقال: "إن كانت صلاتُه تامّةً كانتا (٣) ترغيمًا للشّيطان" (٤). وسمَّاهما "المُرْغِمَتين" (٥). فمن تعبَّد لله بمراغمة عدوِّه، فقد أخذ من الصِّدِّيقيّة بسهمٍ وافرٍ. وعلى قدر محبّة العبد لربِّه وموالاته ومعاداةِ عدوِّه (٦) يكون نصيبُه من هذه

стр. 478

المراغمة. ولأجل هذه المراغمة حُمِد التَّبختُرُ بين الصَّفَّين، والخيلاءُ والتَّبخترُ عند صدقة السِّرِّ حيث لا يراه إلّا الله تعالى (١)؛ لما في ذلك من إرغام العدوِّ ببذل محبوبه من نفسه وماله لله. وهذا بابٌ من العبوديّة، ولا يعرفُه ويسلكُه (٢) إلّا القليلُ من النّاس. ومن ذاق لذَّتَه وطعمَه (٣) بكى على أيّامه الأُوَل. وبالله المستعان، وعليه التُّكلان، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله. وصاحبُ هذا المقام إذا نظر إلى الشَّيطان، ولاحظَه في الذَّنب، راغَمَه بالتَّوبة النَّصوح، فأحدثت له هذه المراغمةُ عبوديّةً أخرى. فهذه نبذةٌ من بعض لطائف أسرار التّوبة، لا تَسْتَهِنْ بها، فلعلّك لا تظفر بها في مصنّفٍ البتّة. ولله الحمد والمنَّة، وبه التَّوفيق. فصل قال صاحب "المنازل" (٤): (اللّطيفة الثّالثة: أنَّ مشاهدةَ العبدِ الحكمَ لم تدَعْ له استحسانَ حسنةٍ ولا استقباحَ سيِّئةٍ، لصعوده من جميع المعاني إلى معنى الحكم).

стр. 479

هذا الكلام إن أُخِذَ على ظاهره فهو من أبطل الباطل، الذي لولا إحسانُ الظّنِّ بقائله (١) ومعرفةُ قدره من الإمامة والعلم والدِّين لَنُسِبَ إلى لازم هذا الكلام. ولكن مَن عدا المعصوم فمأخوذٌ من قوله (٢) ومتروكٌ. ومن ذا الذي لم تزِلَّ به القدمُ ولم يَكْبُ به الجوادُ! ومعنى هذا أنَّ العبدَ ما دام في مقام التَّفرقة، فإنّه يَستحسِنُ بعض الأفعال ويَستقبِح بعضَها نظرًا إلى ذواتها (٣) وما افترقت فيه، فإذا تجاوزها نظرُه إلى مصدرها الأوّل، وصدورها عن عَينِ الحكم، واجتماعها كلِّها في تلك العين، وانسحابِ ذيل المشيئة عليها، ووحدةِ المصدر ــ وهو المشيئة الشَّاملة العامَّة الموجِبة ــ فهي بالنِّسبة إلى مصدرِ الحكم وعينِ المشيئة لا توصف بحسنٍ ولا قبحٍ، إذ الحسنُ والقبحُ إنّما عرَضَا لها عند قيامها بالكون وجرَيانها عليه. فهي بمنزلة نور الشّمس: واحدٌ في نفسه، غيرُ متلوِّنٍ ولا موصوفٍ بحمرةٍ ولا صفرةٍ ولا خضرةٍ، فإذا اتّصلَ بالمحالِّ المتلوِّنة وُصِفَ حينئذٍ بحسب تلك المحالِّ، لإضافته إليها واتِّصاله بها، فيُرى أحمر وأصفر وأخضر. وهو بريءٌ من ذلك كلِّه إذا صَعِد من تلك المحالِّ إلى مصدره الأوّل المجرَّد عن القوابل. فهذا أحسَنُ ما يُحمَل عليه كلامُه. على أنّ له محملًا آخر مبني (٤) على أصولٍ فاسدةٍ، وهي أنَّ إرادةَ الرَّبِّ تعالى هي عينُ محبّته ورضاه، فكلُّ ما شاءه فقد أحبَّه ورَضِيَه، وكلُّ ما لم

стр. 480

يشأه فهو مسخوطٌ له مبغوضٌ. فالمبغوضُ المسخوطُ هو ما لم يشأه، والمحبوبُ المرضيُّ هو ما شاءه. هذا أصلُ القدريَّةِ الجبريَّةِ المنكرين للحِكَم والتَّعليلِ والأسبابِ وتحسينِ العقل وتقبيحِه، وأنّ الأفعالَ كلَّها سواءٌ، لا يختصُّ بعضها بما صار حسنًا لأجله، وبعضها بما صار قبيحًا لأجله. وما ثَمَّ إلا محضُ الأمر والنهي، الذي حسُنَ البعضُ منها لأجله (١)، وقبُحَ البعضُ لأجله. ويجوز في العقل أن يأمرَ (٢) بما نَهى عنه، وينهى عمّا أمَر به، ولا يكون ذلك مناقضًا للحكمة؛ إذ الحكمةُ ترجع عندهم إلى مطابقة العلمِ الأزليِّ لمعلومه، والإرادةِ الأزليَّة لِمرادها، والقدرةِ لمقدورها. فإذن الأفعالُ بالنِّسبة إلى المشيئة والإرادة مستويةٌ لا تُوصَف بحسنٍ ولا قبحٍ، فإذا تعلَّق بها الأمرُ والنَّهيُ صارت حينئذٍ حسنةً وقبيحةً، وليس حسنُها وقبحُها زائدًا على كونها مأمورًا بها ومنهيًّا عنها. فعلى هذا إذا صعِد العبدُ من تفرقة الأمر والنَّهي إلى جَمْعِ المشيئة والحُكم لم يستحسن حسنةً ولم يستقبح قبيحةً. فإذا نزل إلى (٣) فَرْقِ الأمر صحَّ له الاستحسانُ والاستقباحُ. فهذا (٤) محملٌ ثانٍ لكلامه. وله محملٌ ثالثٌ ــ وهو أبعدُ النّاس منه ولكن قد حُمِل عليه ــ وهو أنَّ السّالكَ ما دام محجوبًا عن شهود الحقيقة بشهود الطّاعة والمعصية، رأى

стр. 481

الأفعالَ بعين الحسن والقبح، فرأى منها الطَّاعةَ والمعصيةَ، فإذا ترقَّى إلى شهود الحقيقة الأولى ــ وهي الحقيقة الكونيَّة ــ ورأى شمولَ الحُكمِ الكونيِّ للكائنات وإحاطتَه بها، وعدمَ خروج ذرّةٍ منه (١) عنه= زال عنه استقباحُ شيءٍ من الأفعال، وشهدها كلَّها طاعاتٍ للأقدار والمشيئة. وفي مثل هذا الحال يقول: إن كنت عصيتُ الأمرَ، فقد أطعتُ الإرادةَ (٢)، ويقول: أصبحتُ منفعلًا لما تختاره ... منِّي ففعلي كلُّه طاعاتُ (٣) فإذا ترقّى مرتبةً أخرى، وزال عنه الفرقُ بين الرَّبِّ والعبدِ ــ كما زال عنه في المرتبة الثّانية الفرقُ بين المحبوب والمسخوط، والمأمور والمحظور ــ قال: ما ثَمَّ طاعةٌ ولا معصيةٌ، إذ الطّاعةُ والمعصيةُ إنَّما يكونان بين اثنين ضرورةً؛ والمطيعُ عينُ المطاع (٤)، فما هاهنا غيرٌ! فالوحدةُ المطلقةُ تنفي الطَّاعةَ والمعصيةَ. فالصُّعودُ من وحدة الفعل إلى وحدة الوجود يزيل (٥) عنه ــ بزعمه ــ توهُّمَ الانقسام إلى طاعةٍ ومعصيةٍ، كما كان الصُّعودُ من تفرقة

стр. 482

الأمر إلى وحدة الحُكم يزيل عنه ثبوتَ المعصية. وهذا عند القوم من الأسرار التي لا يستجيزون كشفَها إلّا لخواصِّهم، وأهلِ الوصول منهم. لكنّ صاحب "المنازل" بريءٌ من هؤلاء وطريقتهم، وهو مكفِّرٌ لهم، بل مخرجٌ لهم عن جملة الأديان. ولكن ذكرنا ذلك لأنّهم يحملون كلامَه عليه، ويظنُّونه منهم. فاعلم أنَّ هذا مقامٌ عظيمٌ زلَّت فيه أقدامُ طائفتين من النّاس: طائفةٍ من أهل الكلام والنَّظر، وطائفةٍ من أهل السُّلوك والإرادة. فنفى لأجله كثيرٌ من النُّظَّار التَّحسينَ والتَّقبيحَ العقليَّين، وجعلوا الأفعالَ كلَّها سواءً في نفس الأمر، وأنّها غيرُ منقسمةٍ في ذواتها إلى حسَنٍ وقبيحٍ، ولا يميَّز القبيحُ بصفةٍ اقتضت قبحَه بحيث يكون هو منشأ (١) القبح، وكذلك الحسَن. فليس الفعلُ عندهم منشأَ حسنٍ ولا قبحٍ، ولا مصلحةٍ ولا مفسدةٍ. ولا فرقَ بين السُّجود للشّيطان والسُّجود للرَّحمن في نفس الأمر، ولا بين الصِّدق والكذب، ولا بين السِّفاح والنِّكاح، إلّا أنَّ الشَّارعَ حرَّم هذا وأوجب هذا. فمعنى حسنه كونُه مأمورًا به، لا أنّه منشأ مصلحةٍ. ومعنى قبحه كونُه منهيًّا عنه، لا أنّه منشأ مفسدةٍ، ولا فيه صفةٌ اقتضت قبحَه (٢).

стр. 483

وقد بيّنّا بطلانَ هذا المذهب من ستِّين وجهًا في كتابنا المسمّى بـ"تحفة النّازلين بجوار ربِّ العالمين" (١)، وأشبعنا الكلام في هذه المسألة هناك، وذكرنا جميعَ ما احتجَّ به أربابُ هذا المذهب (٢)، وبيَّنَّا بطلانه. فإنَّ هذا المذهب ــ بعد تصوُّره وتصوُّر لوازمه ــ يجزم العقلُ ببطلانه، وقد دلَّ القرآن على فساده في غير موضعٍ، والفطرةُ أيضًا وصريحُ العقل. فإنَّ الله فطَر عباده على استحسانِ الصِّدق والعدل والعفّة والإحسان، ومقابلةِ النِّعم بالشُّكر، وفطَرهم على استقباح أضدادها. ونسبةُ هذا إلى فِطَرهم كنسبة الحلو والحامض إلى أذواقهم، وكنسبة رائحةِ المسك ورائحةِ النَّتْن إلى مَشامِّهم، وكنسبة الصَّوت اللّذيذ وضدِّه إلى أسماعهم. وكذلك كلُّ ما يدركونه بمشاعرهم الظّاهرة والباطنة، فيفرِّقون بين طيِّبه وخبيثه، ونافعه وضارِّه. وقد زعم بعضُ نفاة التَّحسين والتَّقبيح أنَّ هذا متَّفَقٌ عليه، وهو راجعٌ إلى الملاءمة والمنافرة بحسب اقتضاء الطِّباع وقبولها للشّيء، وانتفاعها به،

стр. 484

ونفرتها من ضدِّه. قالوا: وهذا ليس الكلامُ فيه، إنَّما الكلامُ في كونِ الفعل متعلِّقًا للمدح والذّمِّ عاجلًا، والثّوابِ والعقابِ آجلًا؛ فهذا الذي نفيناه، وقلنا: إنّه لا يُعلَم إلّا بالشّرع. وقال خصومنا: إنّه معلومٌ بالعقل، والعقلُ مقتضٍ له (١). فيقال: هذا فرارٌ من الزَّحف، إذ هاهنا أمران متغايران لا تلازم بينهما. أحدهما: هل الفعلُ نفسُه مشتملٌ على صفةٍ اقتضت حسنه وقبحه، بحيث ينشأ الحسن والقبح منه، فيكون منشأً لهما أم لا؟ والثّاني: أنَّ الثَّوابَ المترتِّبَ (٢) على حسن الفعل والعقابَ المترتِّبَ على قبحه ثابتٌ، بل واقعٌ بالعقل (٣)، أم لا يقع إلّا بالشَّرع؟ ولمّا (٤) ذهبت المعتزلة ومن وافقهم إلى تلازم الأصلين استطلتم عليهم وتمكَّنتم من إبداء تناقضهم وفضائحهم، ولمَّا نفيتم أنتم الأصلَين جميعًا استطالوا عليكم وأبدَوا من فضائحكم وخلافكم لصريح العقل والفطرة ما أبدَوه. وهم غلطوا في تلازم الأصلين، وأنتم غلطتم في نفي الأصلين. والحقُّ الذي لا يجد التَّناقضُ إليه السَّبيلَ (٥) أنّه لا تلازم بينهما، وأنَّ

стр. 485

الأفعالَ في نفسها حسنةٌ وقبيحةٌ، كما أنّها نافعةٌ وضارّةٌ، والفرقُ بينهما كالفرق بين المطعومات والمشمومات والمرئيّات، ولكن لا يُرتَّب (١) عليها ثوابٌ ولا عقابٌ إلّا في الأمر والنّهي. وقبل ورود الأمر والنّهي لا يكون قبيحُها مُوجِبًا للعقاب مع قبحه في نفسه بل هو في غاية القبح، واللهُ لا يعاقِب عليه إلّا بعد إرسال الرُّسل. فالسُّجودُ للأوثان والشَّيطان والكذبُ والزِّنى والظُّلمُ والفواحشُ كلُّها قبيحةٌ في ذاتها، والعقابُ عليها مشروطٌ بالشَّرع. فالنُّفاة يقولون: ليست في ذاتها قبيحةً، وقبحُها والعقابُ عليها إنّما ينشأ بالشَّرع. والمعتزلةُ يقولون: قبحُها والعقابُ عليها ثابتان بالعقل. وكثيرٌ من الفقهاء من الطّوائف الأربعة يقولون: قبحُها ثابتٌ بالعقل، والعقابُ متوقِّفٌ على ورود الشَّرع. وهو الذي ذكره سعد بن عليٍّ الزَّنجانيُّ (٢) من الشَّافعيّة، وأبو الخطَّاب (٣) من الحنابلة. وذكره الحنفيَّةُ وحكوه عن أبي حنيفة نصًّا (٤)،

стр. 486

لكنَّ المعتزلة منهم يصرِّحون بأنّ العقاب ثابتٌ بالعقل (١). وقد دلَّ القرآنُ على أنّه لا تلازُمَ بين الأمرين، وأنّه لا يعاقِبُ إلّا بعد إرسال الرَّسول، وأنَّ الفعلَ (٢) في نفسه حسنٌ وقبيحٌ. ونحن نبيِّن دلالته على الأمرين. أمّا الأوّل: ففي قوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]. وفي قوله: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، وفي قوله: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الملك: ٨ - ٩]، فلم يسألوهم عن مخالفتهم للعقل بل للنُّذُر (٣)، وبذلك دخلوا النّار. وقال تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٠]، ــ وفي الزمر: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [٧١]ــ ثمَّ قال في الأنعام بعدها: ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا﴾ [١٣١] (٤).

стр. 487

وعلى أحد القولين (١) ــ وهو أن يكون المعنى: لم يُهلِكهم بظلمهم قبل إرسال الرَّسول ــ فتكون الآية دالّةً على الأصلين: أنّ أفعالَهم وشركَهم ظلمٌ قبيحٌ قبل البعثة، وأنّه لا يُعاقبهم عليه إلّا بعد الإرسال. وتكون هذه الآية في دلالتها على الأمرين نظيرَ الآية التي في القصص [٤٧]: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. فهذا يدلُّ على أنَّ ما قدَّمت أيديهم سببٌ لنزول المصيبة بهم، ولولا قبحُه لم يكن سببًا، لكن امتنع إصابةُ المصيبة لانتفاء شرطها، وهو عدمُ مجيء الرَّسول إليهم. فمذ جاء الرَّسولُ انعقد السَّببُ، ووُجِد الشَّرطُ، فأصابهم سيِّئاتُ ما عملوا، وعوقبوا بالأوّل والآخر. فصل (٢) وأمّا الأصل الثّاني، وهو دلالتُه على أنَّ الفعل في نفسه حسنٌ وقبيحٌ، فكثيرٌ جدًّا، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٢٨) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾ إلى قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٨ - ٣٣]. فأخبر سبحانه أنَّ فعلَهم فاحشةٌ قبل نهيه عنه، وأمَره باجتنابه بأخذ

стр. 488

الزِّينة. والفاحشةُ هاهنا طوافُهم بالبيت عُراةً - الرِّجال والنِّساء - غيرَ قريشٍ. ثمّ قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ أي لا يأمر بما هو فاحشةٌ في العقل والفطرة (١). ولو كان إنّما عُلِم كونُه فاحشةً بالنّهي، وأنّه لا معنى لكونه فاحشةً إلّا تعلُّقُ النَّهي به، لصار معنى الكلام أنَّ الله لا يأمر بما ينهى عنه. وهذا يُصان عن التَّكلُّم به آحادُ (٢) العقلاء فضلًا عن كلام العزيز الحكيم. وأيُّ فائدةٍ في قوله: إنَّ الله لا يأمر بما ينهى عنه؟ فإنّه ليس معنى (٣) كونه فاحشةً عندهم إلّا أنَّه منهيٌّ عنه، لا أنّ العقول تستفحشه. ثمّ قال تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾. والقسطُ عندهم هو المأمور به، لا أنّه قِسطٌ في نفسه، فحقيقةُ الكلام: قُلْ أمَر ربِّي بما أمَر به! ثمّ قال: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ دلَّ على أنّه طيِّبٌ قبل التَّحريم (٤)، وأنَّ وصفَ الطِّيب فيه مانعٌ من تحريمه، فتحريمُه منافٍ للحكمة. ثمّ قال: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ﴾. ولو كان كونُها فواحشَ إنّما هو لتعلُّق التَّحريم بها، وليست فواحشَ قبل ذلك، لكان حاصلُ الكلام: قل إنّما حرَّم ربِّي ما حَرَّم! وكذلك تحريمُ الإثم والبغي، فكونُ (٥) ذلك فاحشةً وإثمًا

стр. 489

وبغيًا بمنزلة كونِ الشِّرك شركًا، فهو شركٌ في نفسه قبل النَّهي وبعدَه. فمن قال: إنّ الفاحشة والقبائح والآثام إنّما صارت كذلك بعد النّهي، فهو بمنزلة قائلٍ يقول: الشِّركُ إنّما صار شركًا بعد النَّهي، وليس شركًا قبل ذلك. ومعلومٌ أنّ هذا وهذا مكابرةٌ صريحةٌ للعقل والفطرة. فالظُّلم ظلمٌ في نفسه قبل النَّهي وبعده، والقبيحُ قبيحٌ في نفسه قبل النَّهي وبعده، والفاحشةُ كذلك، وكذلك الشِّرك، لا أنَّ هذه الحقائق صارت بالشَّرع كذلك. نعم، الشّارعُ كساها بنهيه عنها قبحًا إلى قبحها. فكان قبحُها من ذاتها، وازدادت قبحًا عند العقل بنهي الرَّبِّ تعالى عنها، وذمِّه لها، وإخباره ببغضها وبغض فاعلها كما أنَّ العدلَ والصِّدقَ والتّوحيدَ ومقابلةَ نِعَمِ المُنعِم بالثّناء والشُّكرِ حسنٌ في نفسه، وازداد حسنًا إلى حسنه بأمر الرَّبِّ به، وثنائه على فاعله، وإخباره بمحبة (١) ذلك ومحبّة فاعليه (٢). بل من أعلام نبوّة محمّدٍ ﷺ : أنّه يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويُحِلُّ لهم الطّيِّبات، ويُحرِّم عليهم الخبائث. فلو كان كونُه معروفًا ومنكرًا وخبيثًا وطيِّبًا إنّما هو لتعلُّقِ الأمر والنَّهي والحِلِّ والتَّحريم به، لكان بمنزلة أن يقال: يأمرهم بما يأمرهم به، وينهاهم عمَّا ينهاهم عنه، ويُحِلُّ لهم ما يُحِلُّه، ويُحرِّم عليهم ما يُحرِّمه (٣)! وأيُّ فائدةٍ في هذا؟ وأيُّ عَلَمٍ يبقى فيه لنبوّته؟ وكلامُ الله يُصان عن ذلك، وأن يُظَنَّ به ذلك. وإنّما المدحُ والثّناءُ والعَلَمُ الدّالُّ على نبوّته أنَّ ما يأمرُ به تشهدُ العقولُ الصَّحيحةُ حسنَه وكونَه

стр. 490

معروفًا، وما ينهى عنه تشهدُ قبحَه وكونَه منكرًا، وما يُحِلُّه تشهد كونَه طيِّبًا، وما يُحرِّمه تشهد كونَه خبيثًا. وهذه دعوة الرُّسل. وهي بخلاف دعوة المبطلين والكاذبين والسَّحَرة، فإنّهم يدعون إلى ما يوافق أهواءهم وأغراضهم من كلِّ قبيحٍ ومنكرٍ وبغيٍ وظلمٍ. ولهذا قيل لبعض الأعراب ــ وقد أسلم لمّا عرف دعوته ﷺ ــ: عن أيِّ شيءٍ أسلمت؟ وما رأيتَ منه ممّا دلَّكَ على أنّه رسول الله؟ قال: ما أمرَ بشيءٍ، فقال العقل: ليته نهى عنه! ولا نهى عن شيءٍ، فقال العقل: ليته أمر به! ولا أحلَّ شيئًا، فقال العقل: ليته حرَّمه! ولا حرَّم شيئًا، فقال العقل: ليته أباحه! (١). فانظر إلى هذا الأعرابيِّ، وصحّةِ عقله وفطرته، وقوّةِ إيمانه، واستدلاله على صحّة دعوته بمطابقة أمره لكلِّ ما هو حسنٌ في العقل، ومطابقة نهيه لما هو قبيحٌ في العقل. وكذلك مطابقة تحليله وتحريمه. ولو كان جهةُ الحسن والقبح والطِّيب والخبث مجرَّدَ تعلُّقِ الأمر والنَّهي والإباحة والتّحريم به لم يحسُن منه هذا الجواب، ولكان بمنزلة أن يقول: وجدته يأمر وينهى، ويُبيح ويحرِّم! وأيُّ دليلٍ في هذا؟ وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل: ٩٠].

стр. 491

وهؤلاء يزعمون أنَّ الظُّلمَ في حقِّ عباده هو المحرَّمُ المنهيُّ عنه، لا أنّ في نفس الأمر ظلمًا نهى عنه. وكذلك الظُّلمُ الذي نزَّه نفسَه عنه هو الممتنعُ المستحيلُ، لا أنَّ هناك أمرٌ ممكنٌ مقدورٌ (١) لو فعله لكان ظلمًا. فليس في نفس الأمر عندهم ظلمٌ منهيٌّ عنه ولا منزَّهٌ عنه، إنّما هو المحرَّم في حقِّهم، والمستحيلُ في حقِّه. فالظُّلمُ المنزَّهُ عنه عندهم هو كالجمعِ بين النَّقيضين، وجعلِ الجسم الواحد في مكانين في آنٍ واحدٍ، ونحو ذلك. والقرآنُ صريحٌ في إبطال هذا المذهب أيضًا. قال تعالى: ﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (٢٧) قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (٢٨) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق: ٢٧ - ٢٩]. أي لا أؤاخذ عبدًا بغير ذنبٍ، ولا أمنعه من أجر ما عمله من صالحٍ. ولهذا قال قبله: ﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ﴾ المتضمِّن لإقامة الحجّة وبلوغ الأمر والنَّهي، فإذا واخذتُكم (٢) بعد التّقدُّم فلستُ بظالمٍ، بخلاف من يواخذ العبدَ قبل التّقدُّم إليه بأمره ونهيه، فذلك الظُّلمُ الذي تنزّه عنه . وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢]. يعني لا يُحمَل عليه من سيِّئات ما لم يعمله، ولا يُنقَص من حسنات ما عمِل. ولو كان الظُّلمُ هو المستحيلَ الذي لا يمكن وجودُه لم يكن لعدم الخوف منه معنًى، ولا للأمن من وقوعه فائدةٌ. وقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ

стр. 492

لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]. أي لا يُحمِّل المسيءَ عقابَ ما لم يعمله، ولا يمنع المحسنَ من ثواب عمله. وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ (١) [هود: ١١٧] فدلَّ على أنّه لو أهلكهم مع إصلاحهم لكان ظلمًا. وعندهم يجوز ذلك وليس بظلمٍ لو فعَلَه. ويؤوِّلون الآية على أنّه سبحانه أخبر أنّه لا يهلكهم مع إصلاحهم، وعلِمَ أنّه لا يفعل ذلك، وخلافُ خبره ومعلومه مستحيلٌ، وذلك حقيقة الظُّلم (٢). ومعلومٌ أنَّ الآيةَ لم يُقصَد بها هذا قطعًا ولا أريد بها، ولا تحتمله بوجهٍ، إذ يؤولُ معناها إلى أنّه ما كان ليهلك القرى بسبب اجتماعِ النّقيضين وهم مصلحون! وكلامُه تعالى يتنزَّه (٣) عن هذا ويتعالى عنه. وكذلك عند هؤلاء أيضًا، العبَثُ والسُّدى والباطلُ كلُّها هي المستحيلات الممتنعة التي لا تدخل تحت المقدور. واللهُ سبحانه قد نزَّه نفسَه عنها، إذ نسَبه إليها أعداؤه المكذِّبون لوعده (٤) ووعيده، المنكرون لأمره ونهيه، فأخبر أنَّ ذلك مستلزمٌ (٥) كونَ الخلق عبثًا وباطلًا، وحكمتُه وعزَّتُه تأبى ذلك. قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ [المؤمنون: ١١٥].

стр. 493

أي لغير شيءٍ، لا تُؤمرون (١) ولا تُنهَون، ولا تُثابون ولا تُعاقَبون. والعبثُ قبيحٌ، فدلَّ على أنَّ قبحَ هذا مستقِرٌّ في الفطر والعقول. ولذلك أنكره عليهم إنكارَ منبِّهٍ (٢) لهم على الرُّجوع إلى عقولهم وفِطَرهم، وأنّهم لو فكَّروا وأبصروا لَعلِموا أنّه لا يليق به، ولا يحسن منه أن يخلق خَلْقَه (٣) عبثًا، لا لأمرٍ ولا لنهيٍ، ولا لثوابٍ ولا لعقابٍ. وهذا يدلُّ على أنَّ حسنَ الأمر والنّهي والجزاء مستقرٌّ في العقول والفطر، وأنَّ من جوَّز على الله الإخلالَ به فقد نسبه إلى ما لا يليق به، وتأباه أسماؤه الحسنى وصفاته العليا. وكذلك قوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦]. قال الشّافعيُّ ﵀ (٤): مهملًا لا يؤمر ولا ينهى. وقال غيره: لا يثاب ولا يعاقب. وهما متلازمان. فأنكر على من يحسَب ذلك، فدلَّ على أنَّه قبيحٌ تأباه حكمته وعزّته، وأنّه لا يليق به. ولهذا استدلَّ على أنّه لا يتركه سدًى بقوله: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ تُمْنى (٥) (٣٧) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى﴾ [القيامة: ٣٧ - ٣٨] إلى آخر السُّورة. ولو كان قبحُه إنَّما عُلِمَ بالسَّمع لكان يستدلُّ عليه بأنّه خلافُ السَّمع، وخلافُ ما أعلمناه وأخبرناه به. ولم يكن إنكاره

стр. 494

لكونه (١) قبيحًا في نفسه، بل لكونه خلاف ما أخبر به، ومعلومٌ أنّ هذا ليس وجه الكلام. وكذلك قوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٢) [ص: ٢٧]. والباطل الذي ظنُّوه ليس هو الجمعَ بين النَّقيضين، بل الذي ظنُّوه أنّه لا شرع ولا جزاء، ولا أمر ولا نهي، ولا ثواب ولا عقاب؛ فأخبر أنّ خَلْقَها لغير ذلك هو الباطلُ الذي تنزَّه عنه، وذلك هو الحقُّ الذي خُلِقت به، وهو التّوحيد، وحقُّه وجزاؤه وجزاءُ مَن جحده وأشرك بربِّه. وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١]. فأنكر سبحانه هذا الحسبانَ إنكار منبِّهٍ للعقل على قبحه، وأنّه حكمٌ سيِّئٌ، فالحاكمُ به مسيءٌ ظالمٌ. ولو كان إنما قبُح لكونه خلافَ ما أخبر به لم يكن الإنكار لما اشتمل عليه من القبح اللّازم من التَّسوية بين المحسن والمسيء، المستقرِّ قبحُه في فِطَرِ العالمين كلِّهم، ولا كان هناك حكمًا سيِّئًا (٣) في نفسه (٤) يُنكَر على من حكم به. وكذلك قوله تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ

стр. 495

أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص: ٢٨]. وهذا استفهام إنكارٍ، فدلَّ على أنّ هذا قبيحٌ في نفسه، منكَرٌ تنكره العقول والفِطَر، أفيظنُّون أنَّ ذلك يليق بنا أو يحسن منّا فعلُه؟ فأنكره سبحانه إنكار منبِّهٍ للعقل والفطرة على قبحه، وأنّه لا يليق بالله نسبته إليه. وكذلك إنكارُه سبحانه قبحَ الشِّرك به في الإلهية (١)، وعبادة غيره معه بما ضربه لهم من الأمثال، وأقام على بطلانه من الأدلّة العقليّة. ولو كان إنّما قبُح بالشّرع لم يكن لتلك الأدلّة والأمثال معنًى. وعند نفاة التّحسين والتّقبيح يجوز في العقل أن يأمر بالإشراك به وبعبادة غيره، وإنّما عُلِمَ قبحُه بمجرَّد النّهي عنه! فيا عجبًا! أيُّ فائدةٍ تبقى في تلك الأمثال والحجج والبراهين الدَّالَّة على قبحه في صريح العقول والفِطَر وأنّه أقبَحُ القبيح وأظلَمُ الظُّلم؟ وأيُّ شيءٍ يصحُّ في العقل إذا لم يكن فيه علمٌ بقبح الشِّرك الذّاتيِّ، وأنّ العلمَ بقبحه بديهيٌّ معلومٌ بضرورة العقل، وأنَّ الرُّسلَ نبَّهوا الأمم على ما في عقولهم وفِطَرهم من قبحه، وأنّ أصحابه ليست لهم عقولٌ ولا ألبابٌ ولا أفئدةٌ، بل نفى عنهم السَّمعَ والبصرَ ــ والمرادُ: سمعُ القلب وبصرُه ــ فأخبر أنّهم صمٌّ بكمٌ عميٌ ــ وذلك وصفُ قلوبهم: لا تسمع ولا تبصر ولا تنطق ــ وشبَّههم بالأنعام التي لا عقول لَها تميِّز بها بين الحسن والقبيح والحقِّ والباطل. ولذلك اعترفوا في النّار بأنّهم لم يكونوا من أهل السَّمع والعقل، وأنّهم لو رجعوا إلى أسماعهم وعقولهم لَعلِموا حسنَ ما جاءت به الرُّسل وقبحَ
следующие страницы →