← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 199

مدارج السالكين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 526 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وهؤلاء يزعمون أنَّ الظُّلمَ في حقِّ عباده هو المحرَّمُ المنهيُّ عنه، لا أنّ في نفس الأمر ظلمًا نهى عنه. وكذلك الظُّلمُ الذي نزَّه نفسَه عنه هو الممتنعُ المستحيلُ، لا أنَّ هناك أمرٌ ممكنٌ مقدورٌ (١) لو فعله لكان ظلمًا. فليس في نفس الأمر عندهم ظلمٌ منهيٌّ عنه ولا منزَّهٌ عنه، إنّما هو المحرَّم في حقِّهم، والمستحيلُ في حقِّه. فالظُّلمُ المنزَّهُ عنه عندهم هو كالجمعِ بين النَّقيضين، وجعلِ الجسم الواحد في مكانين في آنٍ واحدٍ، ونحو ذلك. والقرآنُ صريحٌ في إبطال هذا المذهب أيضًا. قال تعالى: ﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (٢٧) قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (٢٨) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق: ٢٧ - ٢٩]. أي لا أؤاخذ عبدًا بغير ذنبٍ، ولا أمنعه من أجر ما عمله من صالحٍ. ولهذا قال قبله: ﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ﴾ المتضمِّن لإقامة الحجّة وبلوغ الأمر والنَّهي، فإذا واخذتُكم (٢) بعد التّقدُّم فلستُ بظالمٍ، بخلاف من يواخذ العبدَ قبل التّقدُّم إليه بأمره ونهيه، فذلك الظُّلمُ الذي تنزّه عنه . وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢]. يعني لا يُحمَل عليه من سيِّئات ما لم يعمله، ولا يُنقَص من حسنات ما عمِل. ولو كان الظُّلمُ هو المستحيلَ الذي لا يمكن وجودُه لم يكن لعدم الخوف منه معنًى، ولا للأمن من وقوعه فائدةٌ. وقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ

стр. 492

لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]. أي لا يُحمِّل المسيءَ عقابَ ما لم يعمله، ولا يمنع المحسنَ من ثواب عمله. وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ (١) [هود: ١١٧] فدلَّ على أنّه لو أهلكهم مع إصلاحهم لكان ظلمًا. وعندهم يجوز ذلك وليس بظلمٍ لو فعَلَه. ويؤوِّلون الآية على أنّه سبحانه أخبر أنّه لا يهلكهم مع إصلاحهم، وعلِمَ أنّه لا يفعل ذلك، وخلافُ خبره ومعلومه مستحيلٌ، وذلك حقيقة الظُّلم (٢). ومعلومٌ أنَّ الآيةَ لم يُقصَد بها هذا قطعًا ولا أريد بها، ولا تحتمله بوجهٍ، إذ يؤولُ معناها إلى أنّه ما كان ليهلك القرى بسبب اجتماعِ النّقيضين وهم مصلحون! وكلامُه تعالى يتنزَّه (٣) عن هذا ويتعالى عنه. وكذلك عند هؤلاء أيضًا، العبَثُ والسُّدى والباطلُ كلُّها هي المستحيلات الممتنعة التي لا تدخل تحت المقدور. واللهُ سبحانه قد نزَّه نفسَه عنها، إذ نسَبه إليها أعداؤه المكذِّبون لوعده (٤) ووعيده، المنكرون لأمره ونهيه، فأخبر أنَّ ذلك مستلزمٌ (٥) كونَ الخلق عبثًا وباطلًا، وحكمتُه وعزَّتُه تأبى ذلك. قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ [المؤمنون: ١١٥].

стр. 493

أي لغير شيءٍ، لا تُؤمرون (١) ولا تُنهَون، ولا تُثابون ولا تُعاقَبون. والعبثُ قبيحٌ، فدلَّ على أنَّ قبحَ هذا مستقِرٌّ في الفطر والعقول. ولذلك أنكره عليهم إنكارَ منبِّهٍ (٢) لهم على الرُّجوع إلى عقولهم وفِطَرهم، وأنّهم لو فكَّروا وأبصروا لَعلِموا أنّه لا يليق به، ولا يحسن منه أن يخلق خَلْقَه (٣) عبثًا، لا لأمرٍ ولا لنهيٍ، ولا لثوابٍ ولا لعقابٍ. وهذا يدلُّ على أنَّ حسنَ الأمر والنّهي والجزاء مستقرٌّ في العقول والفطر، وأنَّ من جوَّز على الله الإخلالَ به فقد نسبه إلى ما لا يليق به، وتأباه أسماؤه الحسنى وصفاته العليا. وكذلك قوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦]. قال الشّافعيُّ ﵀ (٤): مهملًا لا يؤمر ولا ينهى. وقال غيره: لا يثاب ولا يعاقب. وهما متلازمان. فأنكر على من يحسَب ذلك، فدلَّ على أنَّه قبيحٌ تأباه حكمته وعزّته، وأنّه لا يليق به. ولهذا استدلَّ على أنّه لا يتركه سدًى بقوله: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ تُمْنى (٥) (٣٧) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى﴾ [القيامة: ٣٧ - ٣٨] إلى آخر السُّورة. ولو كان قبحُه إنَّما عُلِمَ بالسَّمع لكان يستدلُّ عليه بأنّه خلافُ السَّمع، وخلافُ ما أعلمناه وأخبرناه به. ولم يكن إنكاره

стр. 494

لكونه (١) قبيحًا في نفسه، بل لكونه خلاف ما أخبر به، ومعلومٌ أنّ هذا ليس وجه الكلام. وكذلك قوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٢) [ص: ٢٧]. والباطل الذي ظنُّوه ليس هو الجمعَ بين النَّقيضين، بل الذي ظنُّوه أنّه لا شرع ولا جزاء، ولا أمر ولا نهي، ولا ثواب ولا عقاب؛ فأخبر أنّ خَلْقَها لغير ذلك هو الباطلُ الذي تنزَّه عنه، وذلك هو الحقُّ الذي خُلِقت به، وهو التّوحيد، وحقُّه وجزاؤه وجزاءُ مَن جحده وأشرك بربِّه. وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١]. فأنكر سبحانه هذا الحسبانَ إنكار منبِّهٍ للعقل على قبحه، وأنّه حكمٌ سيِّئٌ، فالحاكمُ به مسيءٌ ظالمٌ. ولو كان إنما قبُح لكونه خلافَ ما أخبر به لم يكن الإنكار لما اشتمل عليه من القبح اللّازم من التَّسوية بين المحسن والمسيء، المستقرِّ قبحُه في فِطَرِ العالمين كلِّهم، ولا كان هناك حكمًا سيِّئًا (٣) في نفسه (٤) يُنكَر على من حكم به. وكذلك قوله تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ

стр. 495

أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص: ٢٨]. وهذا استفهام إنكارٍ، فدلَّ على أنّ هذا قبيحٌ في نفسه، منكَرٌ تنكره العقول والفِطَر، أفيظنُّون أنَّ ذلك يليق بنا أو يحسن منّا فعلُه؟ فأنكره سبحانه إنكار منبِّهٍ للعقل والفطرة على قبحه، وأنّه لا يليق بالله نسبته إليه. وكذلك إنكارُه سبحانه قبحَ الشِّرك به في الإلهية (١)، وعبادة غيره معه بما ضربه لهم من الأمثال، وأقام على بطلانه من الأدلّة العقليّة. ولو كان إنّما قبُح بالشّرع لم يكن لتلك الأدلّة والأمثال معنًى. وعند نفاة التّحسين والتّقبيح يجوز في العقل أن يأمر بالإشراك به وبعبادة غيره، وإنّما عُلِمَ قبحُه بمجرَّد النّهي عنه! فيا عجبًا! أيُّ فائدةٍ تبقى في تلك الأمثال والحجج والبراهين الدَّالَّة على قبحه في صريح العقول والفِطَر وأنّه أقبَحُ القبيح وأظلَمُ الظُّلم؟ وأيُّ شيءٍ يصحُّ في العقل إذا لم يكن فيه علمٌ بقبح الشِّرك الذّاتيِّ، وأنّ العلمَ بقبحه بديهيٌّ معلومٌ بضرورة العقل، وأنَّ الرُّسلَ نبَّهوا الأمم على ما في عقولهم وفِطَرهم من قبحه، وأنّ أصحابه ليست لهم عقولٌ ولا ألبابٌ ولا أفئدةٌ، بل نفى عنهم السَّمعَ والبصرَ ــ والمرادُ: سمعُ القلب وبصرُه ــ فأخبر أنّهم صمٌّ بكمٌ عميٌ ــ وذلك وصفُ قلوبهم: لا تسمع ولا تبصر ولا تنطق ــ وشبَّههم بالأنعام التي لا عقول لَها تميِّز بها بين الحسن والقبيح والحقِّ والباطل. ولذلك اعترفوا في النّار بأنّهم لم يكونوا من أهل السَّمع والعقل، وأنّهم لو رجعوا إلى أسماعهم وعقولهم لَعلِموا حسنَ ما جاءت به الرُّسل وقبحَ

стр. 496

مخالفتهم. قال تعالى (١): ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠]. وكم يقول لهم في كتابه: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾! فينبِّههم على ما في عقولهم وفِطَرهم من الحسَن والقبيح، ويحتجُّ عليهم بها، ويخبر أنّه أعطاهموها لينتفعوا بها ويميِّزوا بها بين الحسن والقبيح والحقِّ والباطل. وكم في القرآن من مثلٍ عقليٍّ وحسِّيٍّ ينبِّه به العقولَ على حسن ما أمر به، وقبح ما نهى عنه؛ فلو لم يكن في نفسه كذلك لم يكن لضرب الأمثال للعقول معنًى، ولكان إثباتُ ذلك بمجرَّد الأمر والنّهي دون ضربِ الأمثال وتبيينِ جهة القبح المشهودة بالحسِّ والعقل. والقرآن مملوءٌ بهذا لمن تدبَّره، كقوله تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الروم: ٢٨]. يحتجُّ سبحانه عليهم بما في عقولهم من قبحِ كونِ مملوكِ أحدهم شريكًا له. فإذا كان أحدكم يستقبح أن يكون مملوكُه شريكَه، ولا يرضى بذلك، فكيف تجعلون لي من عبيدي شركاء تعبدونهم كعبادتي؟ وهذا يبيِّن (٢) أنَّ قبحَ عبادة غيره تعالى مستقِرٌّ (٣) في العقول والفِطَر، والسَّمعُ

стр. 497

نبَّهَ العقولَ وأرشدها إلى معرفة ما أُودع فيها من قُبح ذلك. وكذلك قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَالِمًا (١) لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٩]. احتجَّ سبحانه على قبح الشِّرك بما تعرفه العقولُ من الفرق بين حالِ مملوكٍ يملكه أربابٌ متعاسرون سيِّئوا المَلَكة، وحالِ عبد يملكه سيِّدٌ واحدٌ قد سلِمَ كلُّه له، فهل يصحُّ في العقول استواءُ حال العبدين؟ فكذلك حالُ المشرك والموحِّد الذي قد سلِمتْ عبوديّتُه للواحد (٢) الحقِّ، لا يستويان. وكذلك قوله تعالى (٣) ممثِّلًا لقبح الرِّياء المُبطلِ للعمل، والمنِّ والأذى المُبطلِ للصّدقات بـ ﴿كَمَثَلِ﴾ وهو الحجر الأملس ﴿صَفْوَانٍ عَلَيْهِ﴾ غبارٌ قد لصِقَ به ﴿تُرَابٌ﴾ مطرٌ شديدٌ، فأزال ما عليه من التُّراب، وتركه ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾ أملسَ لا شيء عليه. وهذا المثلُ في غاية المطابقة لمن فهمه. فالصّفوان ــ وهو الحجر ــ كقلب المرائي والمانِّ والمؤذي، والتُّراب الذي لصق به: ما تعلَّق به من أثر عمله وصدقته، والوابل: المطر الذي به حياة الأرض، فإذا صادفها ليِّنةً قابلة يُنبِتُ (٤) فيها الكلأَ، وإذا صادفَ الصُّخورَ والحجارةَ الصُّمَّ لم يُنبت فيها شيئًا. فجاء هذا الوابل إلى التُّراب الذي على الحَجر، فصادفه رقيقًا فأزاله، فأفضى إلى حجرٍ غير قابلٍ للنّبات. وهذا يدلُّ على أنَّ قبحَ المنِّ

стр. 498

والأذى والرِّياء مستقرٌّ في العقول، فلذلك نبَّهها على شبهه ومثاله (١). وعكسُ ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٦٥]. فإن كانت هذه الجنّة التي بموضعٍ عالٍ حيث لا تحجب عنها الشّمسُ والرِّياحُ، وقد أصابها مطرٌ شديدٌ، فأخرجت ثمرَها (٢) ضعفَيْ ما يُخرج غيرُها= إن كانت مستحسنةً في العقل والحسِّ، فكذلك نفقةُ من أنفق ماله لوجه الله، لا للجزاء من الخلق ولا شكورهم (٣)، بثباتٍ من نفسه وقوّةٍ على الإنفاق، لا يُخرج النّفقةَ وقلبهُ يرجُف على خروجها، ويداه ترتعدانِ (٤)، ويضعفُ قلبه ويخورُ عند الإنفاق، بخلاف نفقة صاحب التَّثبيت والقوَّة (٥). ولمَّا كان النَّاسُ في الإنفاق على هذين القسمين كان مثلُ نفقة صاحب الإخلاص والقوَّة والتَّثبيت كمثل الوابل، ومثلُ نفقة الآخر كمثل الطَّلِّ، وهو المطر الضّعيف. فهذا بحسب كثرة الإنفاق وقلَّته، وكمال الإخلاص والقوَّة واليقين فيه وضَعفِه. أفلا تراه سبحانه نبَّه العقولَ على ما فيها من استحسان

стр. 499

هذا، واستقباح فعل الأوّل؟ وكذلك قوله تعالى: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٦]. فنبَّه سبحانه العقولَ على قبح (١) ما فيها من الأعمال السّيِّئة التي تُحبِط ثوابَ الحسنات. وشبَّهها سبحانه بحال شيخٍ كبيرٍ له ذرِّيّةٌ ضعفاءُ، بحيث يخشى عليهم الضَّيعةَ وعلى نفسه، وله بستانٌ هو مادّةُ عيشِه وعيشِ ذرِّيّته، فيه النَّخيلُ والأعنابُ ومن كلِّ الثَّمرات، فأرجى ما هو له وأسَرُّ ما كان به إذ أصابته نارٌ شديدةٌ فأحرقته. فنبَّه العقولَ على أنَّ قبحَ المعاصي التي تُغرِقُ الطّاعاتِ بعدها كقبح هذه الحال. وبهذا فسَّرها عمر وابن عبّاس: برجلٍ عمل بطاعة الله زمانًا، فبعث الله إليه (٢) الشَّيطانَ، فعمِل بمعاصي الله حتّى أغرق أعمالَه، ذكره البخاريُّ في "صحيحه" (٣). أفلا تراه نبَّه العقولَ على قُبح المعصية بعد الطّاعة، وضرَبَ لقبُحها هذا المثل؟ (٤). ونفاةُ التَّعليل والأسباب والحِكَم وحسنِ الأفعال وقبحِها يقولون: ما ثَمَّ إلّا محضُ المشيئة، لا أنَّ بعضَ الأعمال يُبطِل بعضًا، وليس فيها ما هو قبيحٌ لعينه، حتّى يشبَّه بقبيحٍ آخر، وليس فيها ما هو منشأٌ لمفسدةٍ أو مصلحةٍ تكون

стр. 500

سببًا لهما (١)، ولا لها عللٌ غائيّةٌ هي مفضيةٌ إليها، وإنّما هي متعلَّق المشيئة والإرادة والأمر والنّهي فقط! والفقهاءُ لا يمكنهم البناءُ على هذه الطَّريقة البتّةَ، فكلُّهم مُجمعون ــ إذا تكلَّموا بلسان الفقه ــ على بطلانها، إذ يتكلَّمون في العلل والمناسبات الدَّاعية لشَرْع الحُكم، ويفرِّقون بين المصالح الخالصة والرّاجحة والمرجوحة والمفاسد التي هي كذلك، ويقدِّمون أرجحَ المصلحتين على مرجوحهما، ويدفعون أقوى المفسدتين باحتمال أدناهما. ولا يتمُّ لهم ذلك إلّا باستخراج الحِكَم والعلل، ومعرفة المصالح والمفاسد النّاشئة من الأفعال، ومعرفة رُتَبها. وكذلك الأطبّاءُ، لا يصحُّ لهم علمُ الطِّبِّ وعملُه إلّا بمعرفة قوى الأدوية والأغذية والأمزجة (٢) وطبائعها، ونسبةِ بعضها إلى بعضٍ، ومقدارِ تأثير بعضها في بعضٍ، وانفعالِ بعضها عن البعض (٣)، والموازنةِ بين قوَّة الدَّواء وقوَّة المرض وقوَّة المريض (٤)، ودفعِ الضِّدِّ بضدِّه، وحفظِ ما يريدون حفظَه بمثله ومناسبه. فصناعةُ الطِّبِّ (٥) وعملُه مبنيٌّ على معرفة الأسباب والعلل والقوى والطّبائع والخواصِّ، فلو نفَوا ذلك وأبطلوه، وأحالوا على محض المشيئة وصِرْفِ الإرادة المجرَّدة عن الأسباب والعلل، وجعلوا

стр. 501

حقيقةَ النّار مساويةً لحقيقة الماء، وحقيقةَ الدَّواء مساويةً لحقيقة الغذاء، ليس في أحدهما خاصِّيّةٌ ولا قوّةٌ يتميَّز بها عن الآخر= لفسد علمُ الطِّبِّ، وبطلت حِكمُ الله (١) تعالى. بل العالمُ مربوطٌ بالأسباب والقوى والعلل الفاعليّة والغائيّة، وعلى هذا قام الوجودُ بتقدير العزيز العليم. والكلُّ مربوطٌ بقضائه وقدره ومشيئته، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. فإذا شاء سلَب قوّةَ الجسمِ الفاعلِ منه ومنَع تأثيرها، وإذا شاء جعَل في الجسم المنفعل قوّةً تدفعها وتمنع موجَبَها مع بقائها. وهذا لكمال قدرته ونفوذ مشيئته. و النّاس في الأسباب والقوى والطّبائع ثلاثة أقسامٍ: منهم: من بالغ في نفيها وإنكارها، فأضحك العقلاءَ على عقله. وزعم أنّه بذلك ينصر الشّرعَ، فجنى على العقل والشّرع، وسلَّط خصمَه عليه. ومنهم: من ربط العالمَ العلويَّ والسُّفليَّ بها بدون ارتباطها بمشيئة فاعلٍ مختارٍ مدبِّرٍ لها يصرِّفها كيف أراد، فيسلبُ قوّةَ هذا، ويقيم لقوّة هذا قوّةً تعارضه وتكُفُّ (٢) قوّةَ هذا عن التّأثير مع بقائها، ويتصرَّف فيها كما يشاء ويختار. وهذان طرفان جائران عن الصّواب. ومنهم: من أثبتها خلقًا وأمرًا، قدرًا وشرعًا، وأنزلها بالمحلِّ الذي أنزلها الله به، من كونها تحت تدبيره ومشيئته، وهي طوعُ المشيئة والإرادة، ومحلُّ

стр. 502

جَرَيانِ حكمِها (١) عليها. فيقوِّي سبحانه بعضَها ببعضٍ، ويُبطل ــ إن شاء ــ بعضَها ببعضٍ، ويسلُب بعضَها قوّته وسببيّته ويعرِّيه (٢) منها، ويمنعُه من موجَبها مع إبقائها عليه؛ ليعلمَ خلقُه أنّه الفعَّالُ لما يريد، وأنّه لا مستقلَّ بالفعل والتّأثير غير مشيئته، وأنَّ التّعلُّقَ بالسَّببِ دونه كالتّعلُّقِ ببيت العنكبوت، مع كونه سببًا. وهذا بابٌ عظيمٌ نافعٌ في التّوحيد وإثبات الحِكَم، يُوجِب للعبد ــ إذا تبصَّر فيه ــ الصُّعودَ من الأسباب إلى مسبِّبها، والتّعلُّقَ به دونها، وأنّها لا تضرُّ ولا تنفع إلّا بإذنه، وأنّه إذا شاء جَعلَ نافعَها ضارًّا وضارَّها نافعًا، ودواءَها داءً وداءَها دواءً. فالالتفاتُ إليها بالكلِّيّة شركٌ منافٍ للتّوحيد، وإنكارُها أن تكون أسبابًا بالكلِّيّة قدحٌ في الشَّرع والحكمة. والإعراضُ عنها ــ مع العلم بكونها أسبابًا ــ نقصانٌ في العقل (٣). وتنزيلُها منازلَها، ومدافعةُ بعضها ببعضٍ، وتسليطُ بعضها على بعضٍ، وشهودُ الجمع في تفرُّقها، والقيامُ بها= هو محضُ العبوديّة والمعرفة، وإثباتُ التَّوحيد والشَّرع والقدَر والحكمة (٤). والله أعلم.

стр. 503

فصل وأمّا غلطُ مَن غلِط من أرباب السُّلوك والإرادة في هذا الباب، فحيث ظنُّوا أنَّ شهودَ الحقيقة الكونيَّة والفناءَ في توحيد الرُّبوبيّة من مقامات العارفين، بل أجلُّ مقاماتهم. فساروا شائمين لبرق هذا الشُّهود، سالكين لأودية الفناء فيه. وحثَّهم على هذا السَّير ورغَّبهم فيه ما شهدوه من حال أرباب الفَرْق الطَّبعيِّ (١)، فأنِفُوا من صحبتهم في الطَّريق، ورأوا مفارقتَهم فرضًا معيَّنًا لا بدَّ لهم منه. فلمَّا عرَضَ لهم الفرقُ الشَّرعيُّ في طريقهم ورد عليهم منه أعظمُ واردٍ فرَّقَ جمعيَّتَهم، وقسَّمَ وحدةَ عزيمتهم، وحال بينهم وبين عين الجمع الذي هو نهايةُ منازل سيرهم، فافترقت طرقهُم في هذا الوارد (٢) العظيم: فمنهم من اقتحمه ولم يلتفت إليه، وقال: الاشتغالُ بالأوراد عن عين المورد (٣) انقطاعٌ عن الغاية. والقصدُ من الأوراد: الجمعيّةُ على الآمر، فما الاشتغالُ (٤) عن المقصود بالوسيلة بعد الوصول إليه، والرُّجوعُ من حضرته إلى منازل السّفر إليه؟ وربّما أنشد بعضهم: يطالَبُ بالأوراد مَن كان غافلًا ... فكيف بقلبٍ كلُّ أوقاته وِرْدُ (٥)

стр. 504

فإذا اضطُرَّ أحدُهم إلى التَّفرقة بوارد الأمر قال: ينبغي أن يكون الفرقُ (١) على اللِّسان موجودًا، والجمعُ في القلب مشهودًا. ثمّ من هؤلاء من يُسقط الأوامر والنّواهي جملةً، ويرى القيامَ بها من باب ضبط ناموس الشَّرع، ومصلحة العموم، ومبادئ السَّير؛ فهي التي تحُثُّ أهلَ الغفلة على التَّشمير للسَّير، فإذا جدَّ في السَّير استغنى بقربه (٢) وجمعيَّتِه عنها. ومنهم من لا يرى سقوطها إلّا عمَّن شهد الحقيقةَ الكونيَّةَ، ووصل إلى مقام الفناء فيها، فمن كان هذا مشهدُه سقط عنه الأمرُ والنَّهيُ عندهم. وقد يقولون: شهودُ الإرادة يُسْقِط الأمرَ. وفي هذا المشهد يقولون: العارف لا يستقبح قبيحةً، ولا يستحسن حسنةً. ويقول قائلهم: العارف لا يُنكِر منكرًا لاستبصاره بسرِّ الله تعالى في القدر. ويقولون: القيامُ بالعبادة مقامُ التَّلبيس، ويحتجُّون بقول الله تعالى: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٩] (٣). وهذا من أقبح الجهل، فإنَّ هذا داخلٌ في جواب لو التي ينتفي بها الملزومُ ــ وهو المقدَّم ــ لانتفاء اللَّازم، وهو الجواب، وهو التّالي. فانتفاءُ جعلِ الرّسول ملَكًا ــ كما اقترحوه ــ لانتفاء التَّلبيس من الله تعالى عليهم، والكفّار كانوا قد قالوا: ﴿(٧) وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ﴾ أي نعاينه ونراه، وإلّا فالملَكُ

стр. 505

لم يزل يأتيه من عند الله بأمره ونهيه، فهم اقترحوا نزولَ ملكٍ (١) يعاينونه (٢). فأخبر سبحانه عن الحكمة التي لأجلها لم يجعل رسولَه إليهم من الملائكة، ولا أنزل ملكًا يرونه، فقال: ﴿مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ﴾ [الأنعام: ٨] أي لوجب العذابُ وفُرِغَ من الأمر، ثمّ لا يُمهَلُون إن أقاموا على التّكذيب. وهذا نظير قوله في الحِجْر: ﴿وَقَالُوا يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦) لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾. قال الله : ﴿مَا تَنَزَّل الْمَلَائِكَةَ (٣) إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ﴾ [الحجر: ٦ - ٨] والحقُّ هاهنا: العذاب. ثمّ قال: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٩]. أي لو أنزلنا عليهم ملكًا لجعلناه في صورة آدميٍّ، إذ لا يستطيعون التّلقِّيَ عن الملَكِ في صورته التي هو عليها، وحينئذٍ فيقع اللَّبسُ منَّا عليهم، لأنّهم لا يدرون أرجلٌ هو أم (٤) ملَكٌ؟ فلو جعلناه رجلًا لخلَطنا عليهم وشبَّهنا عليهم الذي طلبوه بغيره. وقوله: ﴿مَا يَلْبِسُونَ﴾، فيه قولان (٥):

стр. 506

أحدهما: أنّه جزاءٌ على لَبْسِهم على ضعفائهم (١)، والمعنى أنّهم كما شبَّهوا على ضعفائهم، ولبَّسوا عليهم الحقَّ بالباطل، يشبَّه عليهم، ويُلبَس (٢) عليهم الملَكُ بالرَّجل. والثّاني: أنّا نلبِسُ عليهم ما لبَسوا على أنفسهم، فإنهم خلَطوا على أنفسهم، ولم يؤمنوا بالرَّسول ﷺ (٣) منهم بعد معرفتهم صدقَه، وطلبوا رسولًا مَلكيًّا يعاينونه، وهذا تلبيسٌ منهم على أنفسهم؛ فلو أجبناهم (٤) إلى ما اقترحوه لم يؤمنوا عنده، وللَبَسْنا عليهم لَبْسَهم على أنفسهم. فأيُّ تعلُّقٍ لهذا بالتّلبيس الذي ذكرته هذه الطّائفةُ من تعليق الكائنات والمثوبات والعقوبات بالأسباب، وتعليق المعارف بالوسائط، والقضايا بالحجج، والأحكام بالعلل، والانتقام بالجنايات، والمثوبات بالطَّاعات، ممّا هو محضُ الحكمة وموجَبُها، وأثر اسمه "الحكيم" في الخلق والأمر. والخلقُ والأمرُ إنّما قام بالأسباب، وكذلك الدُّنيا والآخرة، وكذلك الثّوابُ والعقابُ. فجعلُ الأسبابِ منصوبةً للتَّلبيس من أعظم الباطل شرعًا وقدرًا. والذي أوقع هؤلاء في هذا الغلوِّ: نفرتُهم من أرباب الفرق الأوّل، ومشاهدتُهم قبيحَ (٥) ما هم عليه. وهم ــ لَعَمْرُ الله ــ خيرٌ منهم، مع ما هم عليه، فإنّهم مُقِرُّون بالجمع والفرق: أنَّ الله ربُّ كلِّ شيءٍ ومليكُه وخالقُه،

стр. 507

وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وبأنّه فرَّقَ (١) بين المأمور والمحظور والمحبوب والمكروه، وإن كانوا كثيرًا ما يفرِّقون بأهوائهم ونفوسهم. فهم في فرقهم النَّفْسيِّ خيرٌ من أهل هذا الجَمْع، إذ هم مقرُّون بأنّ الله يأمرُ بالحسنات ويحبُّها، وينهى عن السّيِّئات ويبغضُها. وإذا فرَّقوا بحسب أهوائهم وفرَّقوا بنفوسهم لم يجعلوا هذا الفرقَ دينًا يُسْقِطُ عنهم أمرَ الله تعالى ونهيَه، بل يعترفون أنّه ذنبٌ قبيحٌ، وأنّهم مقصِّرون بل مفرِّطون في الفرق الشّرعيِّ. ونهايةُ ما معهم صحّةُ إيمانٍ مع غفلةٍ وفرقٍ نفسانيٍّ، وأولئك معهم جمعٌ وشهودٌ يصحبه فسادُ إيمانٍ وخروجٌ عن الدِّين. ومن العجب أنّهم فرُّوا من فرق أولئك النّفسيِّ إلى جمعٍ أسقط التّفرقةَ الشَّرعيَّةَ، ثمّ آل أمرُهم إلى أن صار فرقُهم كلُّه نفسيًّا! فهم في الحقيقة راجعون إلى فرقهم ولا بدَّ، فإنَّ الفرق أمرٌ ضروريٌّ للإنسان ولا بدَّ؛ فمن لم يفرِّق بالشَّرع فرَّقَ بالنَّفس والهوى. فهم أعظمُ النّاس اتِّباعًا لأهوائهم، يميلون مع الهوى حيث مال بهم، ويزعمون أنّه الحقيقة! وبالجملة، فلهذا السُّلوك لوازمُ عظيمةُ البطلان، مناقِضةٌ للإيمان (٢)،وآخِرُ أمرِ صاحبِه: الفناءُ في شهود الحقيقة العامَّة المشترَكة بين الأبرار والفجّار وبين الملائكة والشّياطين، وبين الرُّسل وأعدائهم؛ وهي الحقيقةُ الكونيَّةُ القدريَّةُ. ومن وقف معها ولم يصعد إلى الفرق الثّاني ــ وهو

стр. 508

الحقيقةُ (١) النَّبويَّةُ ــ فهو زنديقٌ كافرٌ. فصل ومنهم من لم ير إسقاطَ (٢) الفرق الثّاني جملةً، بل إنّما يُسقِط عن الواصلِ إلى عين الجمع، الشَّاهدِ للحقيقة. وما دام سالكًا أو محجوبًا عن شهود الحقيقة (٣) فالفرقُ لازمٌ له. وهؤلاء أيضًا من جنس الفريق الأوّل، بل هم خواصُّهم. فإذا وصل واصلُهم إلى شهود حقيقة الجمع لم يجب عليه القيامُ بتفرقة الأوامر. وإن قام بها فلحفظِ المرتبة، وضبطِ النّاموس، وحفظِ السَّالكين عن الذَّهاب مع الفرق الطَّبيعيِّ قبل شهود (٤) الحقيقة؛ ويسمُّون هذه الحال تلبيسًا! وقد تقدَّم ذكره (٥). وسيأتي إن شاء الله كشفُ هذا التَّلبيس الذي يشيرون إليه كشفًا بيِّنًا (٦). وقد تقدّم (٧) أنّهم يحتجُّون على سقوط الفرق عمّن شهد الحقيقة بقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩]، ويقولون: إنَّ الرَّسول صلواتُ الله وسلامُه عليه كان في هذا المقام، وإنّما كان قيامُه

стр. 509

بالأعمال تشريعًا. وذكرنا أنَّ اليقين الموت، وأنّه من المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أنّ الأوامر والنّواهي لا تسقط عن العبد ما دام في دار التّكليف، إلّا إذا زال عقله وصار مجنونًا. فصل ومنهم من يرى القيامَ بالأوامر واجبًا إذا لم تُفرِّق جمعيَّتَه، فإذا فرَّقَتْ جمعيَّتَه رأى الجمعيَّةَ أوجَبَ منها، فيزعم أنّه يترك واجبًا لما هو أوجَبُ منه وأهمُّ منه. وهذا أيضًا جهلٌ وضلالٌ. وإن رأى أنَّ الأمرَ لم يتوجَّهْ إليه في حال الجمعيَّةِ فهو كافرٌ. وإن علِمَ توجُّهَه إليه، وأقدَمَ على تركه، فله حكمُ أمثاله من العصاة والفسّاق. فصل ومنهم من يرى أنَّ الأمر لا يسقُط عنه، ولكن إذا ورد عليه واردُ الفناءِ والجمعِ غيَّبَ عقلَه واصطلَمَه، فلم يشعُرْ بوقت الواجب ولا حضوره حتّى يفوتَه فيقضيَه. فهذا متى استدعى ذلك الفناءَ وطلَبَه فليس بمعذورٍ في اصطلامه، بل هو عاصٍ لله في استدعائه ما يُعرِّضه لإضاعة حقِّه، وهو مفرِّطٌ أمرُه إلى الله. ومتى هجَم عليه بغير استدعاءٍ، وغُلِبَ عنه مع مدافعته له خشيةَ إضاعة الحقِّ (١)، فهذا معذورٌ، وليس بكاملٍ (٢) في حاله. بل الكمالُ وراء ذلك، وهو

стр. 510

الانتقال عن وادي الجمع والفناء والخروجُ عنه إلى أودية الفرق الثّاني والبقاء، فالشّأن كلُّ الشّأن فيه. وهو الذي كان ينادي عليه شيخُ الطّائفة على الإطلاق الجنيدُ بن محمَّدٍ ﵀. ووقع بينه وبين أصحاب هذا الجمع والفناء ما وقع لأجله، فهجَرهم وحذَّر منهم، وقال: عليكم بالفرق الثّاني (١). فإنَّ الفرقَ فرقانِ: الفرق الأوّل: هو النَّفسيُّ الطّبيعيُّ (٢) المذموم، وليس الشّأنُ في الخروج منه إلى الجمع والفناء في توحيد الرُّبوبيّة والحقيقة الكونيَّة، بل الشّأنُ في شهود هذا الجمع واستصحابه في الفرق الثّاني، وهو الحقيقة الدِّينيَّة. فمن لم يتَّسِعْ لذلك فليترُكْ جمعَه وفناءَه تحت قدمه، ولينبذه وراءَ ظهره، مشتغلًا بالفرق الثّاني. والكمالُ أيضًا وراء ذلك! وهو شهودُ الجمع في الفرق، والكثرةِ في الوحدة، وتحكيمُ الحقيقة الدِّينيّة على الحقيقة الكونيّة. فهذا حالُ العارفين الكُمَّل: يَسقِي ويشرَبُ لا تُلهيه سكرتُه ... عن النّديم ولا يلهو عن الكأسِ (٣) "إنِّي لأسمع بكاءَ الصّبيِّ وأنا في الصّلاة، فأتجوَّز فيها كراهيةَ أن أشُقَّ

стр. 511

على أمِّه" (١). وكان في صلاته واشتغاله بالله وإقباله عليه، وهو يشعر بعائشة ﵂ إذا استفتحت الباب، فيمشي خطواتٍ يفتَحُ لها، ثمَّ يرجع إلى مصلَّاه (٢). وذكر في صلاته تِبْرًا كان عنده، فصلّى، ثمّ قام مسرعًا فقَسَمه، وعاد إلى مجلسه (٣). فلم تشغَلْه جمعيَّتُه العظمى ــ التي لا يُدرِكُ لها مَن بعدَه رائحةً ــ عن هذه الجزئيّات، صلواتُ الله وسلامُه عليه. فصل ومنهم من يتمكَّن الإيمانُ والعلمُ من قلبه (٤)، فإذا جاء الأمر قام إليه، وبادر بجمعيَّته. فإن صَحِبَتْه وإلَّا طرَحَها، وبادر إلى الأمر، وعلِمَ أنّه لا يسعُه غيرُ ذلك، وأنَّ الجمعيّةَ فضلٌ والأمرَ فرضٌ، ومَن ضيَّع الفروضَ للفضول حِيلَ بينه وبين الوصول. لكن إذا جاءت المندوباتُ ــ التي هي (٥) محلُّ

стр. 512

الأرباحِ والمكاسبِ العظيمةِ والمصالحِ الرّاجحةِ، من عيادةِ المريض، واتِّباعِ الجنازة (١)، والجهادِ المستحبِّ، وطلبِ العلم النّافع، والخِلْطة التي ينتفع بها وينفع غيرَه ــ لم يُؤْثِرْها على جمعيَّته إذا رأى (٢) جمعيَّتَه خيرًا له وأنفع منها، فهذا غيرُ آثمٍ ولا مفرِّطٍ، إلّا إذا تركها رغبةً عنها بالكلِّيّة، واستبدالًا بالجمعيَّة، فهذا ناقصٌ. أمّا إذا قام بها أحيانًا وتركها أحيانًا لاشتغاله بجمعيّته (٣)، فهذا غير مذمومٍ. بل هذا حقيقة الاعتكاف المشروع، وهو جمعيّةُ العبد على ربِّه وخلوتُه به. وكان النبيُّ ﷺ يحتجر بحصيرٍ (٤) في المسجد في اعتكافه (٥)، يخلو به مع ربِّه ، ولم يشتغِلْ بتعليم الصَّحابة وتذكيرهم في تلك الحال. ولهذا كان المشهور من مذهب أحمد وغيره أنّه لا يُستحَبُّ للمعتكِف إقراءُ القرآن والعلم، وخلوتُه للذِّكر والعبادة أفضَلُ له. واحتجُّوا بفعل النّبيِّ ﷺ (٦).

стр. 513

فصل وأكمَلُ من هؤلاء مَن إذا جاءه تفرقةُ الأمر، ورآها أرجحَ من مصلحة الجمعيَّة، ولم يمكنه الجمعُ في التَّفرقة= اشترى الفاضلَ بالمفضول، والرّاجحَ بالمرجوح. فإذا كان المندوبُ مفضولًا مرجوحًا والجمعُ خيرًا منه اشتغلَ بالجمع عنه. فهذا أعلى الأقسام. والرَّجلُ كلُّ الرَّجل (١): مَن يردُّ من تفرقته على جمعه، ومن جمعه على تفرقته، فيقوِّي كلَّ واحدٍ منهما بالآخر، ولا يلقي الحربَ بينهما. فإذا جاءت تفرقةُ الأمر جدَّ فيها وقام بها مُمِدًّا بها لجمعيَّته مقوِّيًا لها بالأمر، وإذا (٢) جاءت حالةُ الجمعيّة تقوَّى بها على تفرقة الأمر. فإذا تفرَّق تفرَّق لله ليجمعَه (٣) عليه. وإذا جاءت الجمعيّةُ قال: أجتمع لأتقوَّى على أمر الله ورضاه، لا لمجرَّدِ حظِّي ولذّتي من هذه الجمعيَّة؛ فما أكثرَ من يغيبُ بحظِّه منها ولذّتها ونعيمها وطيبها، عن مراد الله منه! فتدبَّر هذا الفصلَ، وأحِطْ به علمًا، فإنّه من قواعد السُّلوك والمعرفة. وكم قد زلَّت فيه من أقدامٍ، وضلَّت فيه من أفهامٍ! ومَن عرَفَ ما عند النَّاس، أو نهضَ من مدينة طبعه إلى السَّير إلى الله، عرَفَ مقداره. فمَن عرَفه عرَفَ مجامعَ الطُّرق ومَفْرَقَ الطُّرق التي تفرَّقت بالسَّالكين وأهل العلم والنَّظر. والله الموفِّق للصَّواب.

стр. 514

فصل وأصلُ ذلك كلِّه هو: الفرقُ بين محبَّة الله ورضاه، ومشيئته وإرادته الكونيَّة. وإنَّ منشأَ الضَّلالِ في هذا الباب من التَّسوية بينهما أو اعتقادِ تلازمهما، فسوَّى بينهما الجبريّةُ والقدريّةُ، وقالوا: المشيئةُ والمحبَّةُ سواءٌ أو متلازمان. ثم اختلفوا: فقالت الجبريّة: والكون كلُّه: قضاؤه وقدرُه، طاعاتُه ومعاصيه، خيرُه وشرُّه= فهو محبوبه. ثمّ من تعبَّد منهم وسلك على هذا الاعتقاد رأى أنَّ الأفعالَ جميعَها محبوبةٌ للرّبِّ، إذ هي صادرةٌ عن مشيئته، وهي عينُ محبّته ورضاه؛ وفني في هذا الشُّهود الذي كان اعتقادًا، ثمَّ صار مشهدًا. فلزم من ذلك ما تقدَّم من أنّه لا يستقبح سيِّئةً ولا يُنكِر منكرًا، وتلك اللّوازمُ الباطلةُ المنافيةُ للشّرائع جملةً. ولمّا ورد على هؤلاء قوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥]، ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧]، وقولُه: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئَةٌ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ (١) [الإسراء: ٣٨] واعتاصَ عليهم كيف يكون مكروهًا له، وقد أراد كونَه؟ وكيف لا يحبُّه، وقد أراد وجودَه؟ أوَّلوا هذه الآياتِ ونحوَها بأنّه لا يحبُّها دينًا ولا يرضاها شرعًا، ويكرهها كذلك، بمعنى أنّه لا يشرعها، مع كونه يحبُّ وجودَها ويريدُه. فشهدوا في مقام الفناء كونَها محبوبةَ الوجود، ورأوا أنَّ المحبَّةَ تقتضي موافقةَ المحبوب فيما يحبُّه، والكونُ كلُّه محبوبُه، فأحبُّوا ــ بزعمهم ــ جميعَ

стр. 515

ما في الكون، وكذبوا وتناقضوا! فإنّما أحبُّوا ما تهواه نفوسُهم وإرادتُهم، فإذا جاء في الكون ما لا يلائم أحدَهم ويكرهه طبعُه أبغَضَه ونفَر منه وكرِهَه، مع كونه مرادًا للمحبوب، فأين الموافقة؟ وإنّما وافقوا أهواءهم وإراداتهم! ثمّ بنَوا على ذلك أنّهم مأمورون بالرِّضا بالقضاء، وهذه قضاؤه، فنحن نرضى بها، فما لنا ولإنكارها ومعاداة فاعلها، ونحن مأمورون بالرِّضا بالقضاء؟ فتركَّب لاعتقادهم كونَها محبوبةً للرَّبِّ، وكونَهم مأمورين (١) بالرِّضا بها: التّسويةُ بين الأفعال، وعدمُ استقباح شيءٍ منها أو إنكارِه. وانضاف إلى ذلك اعتقادُهم جبرَ العبد عليها، وأنّها ليست فعله، فلزم عن ذلك (٢) رفعُ الأمر والنّهي، وطيُّ بساط الشَّرع، والاستسلامُ للقدَر، والذَّهابُ معه حيث كان. وصارت لهم هذه العقائد مشاهدَ، وكلُّ أحدٍ إذا ارتاض وصفا باطنُه تجلّى له فيه صورةُ معتقده، فهو يشاهدها (٣) بقلبه، فيظنُّها حقًّا! فهذا حال هذه الطّائفة. وقالت القدريَّةُ النُّفاةُ: ليست المعاصي محبوبةً لله ولا مرضيّةً، فليست مقدّرةً له ولا مقضِيّةً، فهي خارجةٌ عن مشيئته وخلقه. قالوا: ونحن مأمورون بالرِّضا بالقضاء، ومأمورون بسخط هذه الأفعال وبغضها وكراهتها، فليست إذن بقضاء الله، إذ الرِّضا والقضاء متلازمان، كما

стр. 516

أنَّ محبّته ومشيئته متلازمان أو متَّحدان. فهؤلاء (١) لا يجيء من سالكيهم وعُبَّادهم ما جاء من سالكي الجبريَّة وعُبَّادهم البتّة، لمنافاة عقائدهم لمشاهد أولئك وعقائدهم. بل غايتُهم التَّعبُّدُ والورَعُ، وهم في تعظيم الذُّنوب والمعاصي خيرٌ من أولئك، وأولئك قد يكونون أقوى حالًا وتأثيرًا منهم. فمنشأُ الغلط: التّسويةُ بين المشيئة والمحبّة، واعتقادُهم وجوبَ الرِّضا بالقضاء. ونحن نبيِّن ما في الفصلين (٢). فصل فأمّا المشيئة والمحبّة، فقد دلَّ على الفرق بينهما القرآنُ والسُّنَّةُ والعقلُ والفطرةُ وإجماعُ المسلمين. قال الله تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء: ١٠٨]. فقد أخبر أنّه لا يرضى بما يبيِّتونه من القول المتضمِّن للبَهْتِ ورميِ البريء، وشهادةِ الزُّور، وبراءةِ الجاني؛ فإنَّ الآيةَ نزلت في قصّةٍ هذا شأنها (٣)، مع أنَّ ذلك كلَّه بمشيئته، إذ أجمع المسلمون على أنّه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. ولم يخالف في ذلك إلّا القدريّةُ المجوسيّةُ الذين يقولون: يشاء ما لا يكون، ويكون ما لا يشاء.

стр. 517

وتأويلُ من تأوَّلَ الآيةَ على أنّه لا يرضاه دينًا مع محبّته لوقوعه ممَّا ينبغي أن يصان كلامُ الله تعالى عنه، إذ المعنى عندهم أنّه محبوبٌ له ولكن لا يثاب فاعلُه عليه، فهو محبوبٌ بالمشيئة، غيرُ مثابٍ عليه شرعًا. ومذهبُ سلف الأمّة وأئمّتها أنّه مسخوطٌ للرَّبِّ، مكروهٌ له قدرًا وشرعًا، مع أنّه وُجِد بمشيئته وقضائه فإنّه يخلُق ما يحبُّ وما يكره. وهذا كما أنَّ الأعيانَ كلَّها خلقُه، وفيها ما يبغضه ويكرهه كإبليس وجنوده وسائر الأعيان الخبيثة، وفيها ما يحبُّه ويرضاه كأنبيائه ورسله وملائكته وأوليائه= فهكذا (١) الأفعالُ كلُّها خلقُه، ومنها ما هو محبوبٌ له، وما هو مكروهٌ له خلَقَه لحكمةٍ له في خلقِ ما يكره ويبغض كالأعيان. قال (٢) تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥] مع أنّه بمشيئته وقضائه وقدره. قال تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: ٧]. فالكفرُ والشُّكرُ واقعان بمشيئته وقدره، وأحدهما محبوبٌ له مرضيٌّ، والآخَرُ مبغوضٌ له مسخوطٌ. وكذلك قولُه عقيبَ ما نهى عنه من الشِّرك والظُّلم والفواحش والكبر: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئَةٌ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ (٣) [الإسراء: ٣٨]. فهو مكروهٌ له، مع وقوعه بمشيئته وقضائه وقدره.

стр. 518

وفي "الصّحيح" (١) عن النَّبيِّ ﷺ : "إنَّ الله كره لكم ثلاثًا: قيل وقال، وكثرة السُّؤال، وإضاعة المال". فهذه كراهةٌ لموجودٍ تعلَّقت به المشيئة. وفي "المسند" (٢): "إنّ الله يحبُّ أن يُؤخَذ برُخَصِه، كما يكره أن تُؤتى معصيتُه"، فهذه محبّةٌ وكراهةٌ لأمرين موجودين، اجتمعا في المشيئة، وافترقا في المحبَّة والكراهة. وهذا أكثرُ من أن يُذكَر جميعُه. وقد فطَر الله عبادَه على قولهم: هذا الفعلُ يحبُّه الله، وهذا يكرهه (٣) ويُبغضه؛ وفلانٌ يفعلُ ما لا يحبُّه (٤) الله. والقرآنُ مملوءٌ بذكر سخطه وغضبه على أعدائه. وذلك صفةٌ قائمةٌ به يترتَّب عليها العذابُ واللَّعنةُ، لا أنَّ السَّخَطَ هو نفسُ العذاب واللَّعنة، بل هما أثرُ السَّخط والغضب وموجَبُهما. ولهذا يفرِّق بينهما كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣]، ففرَّقَ بين عذابه وغضبه ولعنته، وجعل كلَّ واحدٍ غير الآخر.

стр. 519

وكان من دعاء النّبيِّ ﷺ : "اللهمّ إنِّي أعوذُ برضاك من سَخَطِك، وأعوذُ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذُ بك منك" (١). فتأمَّلْ ذكرَ استعاذته ﷺ بصفة الرِّضا من صفة السَّخَط، وبفعل المعافاة من فعل العقوبة فالأوّلُ (٢) للصِّفة، والثّاني لأثرها المرتَّبِ (٣) عليها. ثمّ ربَطَ ذلك كلَّه بذاته سبحانه، وأنَّ ذلك كلَّه راجعٌ إليه وحده، لا إلى غيره. فما أعوذُ منه واقعٌ بمشيئتك وإرادتك، وما أعوذ به من رضاك ومعافاتك هو بمشيئتك وإرادتك، إن شئتَ أن ترضى عن عبدك وتُعافيه، وإن شئتَ أن تغضبَ عليه وتعاقبَه. فإعاذتي ممّا أكره وأحذر، ومنعُه أن يحِلَّ بي هو بمشيئتك أيضًا، فالمحبوبُ والمكروهُ كلُّه بقضائك ومشيئتك. فعياذي بك منك: عياذي بحولك وقوّتك وقدرتك ورحمتك وإحسانك، ممَّا يكون بحولك وقوَّتك وقدرتك وعدلك وحكمتك. فلا أستعيذ بغيرك من غيرك، ولا أستعيذ بك من شيءٍ (٤) صادرٍ عن غير مشيئتك (٥)، بل هو منك، ولا أستعيذ بغيرك من شيءٍ هو صادرٌ عن مشيئتك وقضائك، بل أنت الذي تُعيذني بمشيئتك ممّا هو كائنٌ بمشيئتك= فأعوذ بك منك. فلا يعلم ما في هذه الكلمات من التّوحيد والمعارف والعبوديّة إلّا الرّاسخون في العلم بالله ومعرفته ومعرفة عبوديّته (٦).

стр. 520

وأشرنا إلى شيءٍ يسيرٍ من معناها، ولو استُقْصيَ شرحُها لقام منه سِفْرٌ ضخمٌ. ولكن قد فُتِحَ لك البابُ، فإن دخلتَه رأيتَ ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطَر على قلب بشرٍ. والمقصود: أنَّ انقسامَ الكون في أعيانه وصفاته وأفعاله (١) إلى محبوبٍ للرَّبِّ مرضيٍّ له، ومسخوطٍ مبغوضٍ له مكروهٍ له= أمرٌ معلومٌ بجميع أنواع الأدلَّة من العقل والنَّقل (٢) والفطرة والاعتبار. فمن سوَّى بين ذلك كلِّه فقد خالف فطرةَ الله التي فطَر عليها عبادَه، وخالفَ المعقول والمنقول، وخرج عمّا جاءت به الرُّسل. ولأيِّ شيءٍ نوَّعَ سبحانه العقوباتِ البليغةَ في الدُّنيا والآخرة، وأشهَدَ عبادَه منها ما أشهَدَهم، لولا شدَّةُ غضَبه وسخَطه على الفاعلين لِما اشتدَّتْ كراهتُه وبغضُه له، فأوجبت تلك الكراهةُ والبغضُ منه وقوعَ أنواع المكاره بهم! كما أنَّ محبَّتَه لما يحبُّه من الأفعال ويرضاه أوجبت (٣) وقوعَ أنواع المحابِّ لمن فعَلَه. وشهودُ ما في العالم من إكرامِ أوليائه وإتمامِ نعمه عليهم ونصرِهم وإعزازِهم، وإهانةِ أعدائه وعقوبتِهم وإيقاعِ المكاره بهم= من أدلِّ الدَّليل على حبِّه وبغضه وكراهيته. بل نفسُ موالاته لمن والاه ومعاداتُه لمن عاداه هي عينُ محبّته وبغضه، فإنَّ الموالاةَ أصلُها الحبُّ، والمعاداةَ أصلُها البغضُ؛ فإنكارُ صفة المحبّة والكراهة إنكارٌ لحقيقة الموالاة والمعاداة.

стр. 521

وبالجملة، فشهودُ القلوب لمحبّته وكراهيته كشهود العِيان لكرامته وإهانته. فصل وأمّا حديث الرِّضا بالقضاء: فيقال أولًا: بأيِّ كتابٍ أم بأيِّ سنّةٍ أم بأيِّ معقولٍ علمتم وجوبَ الرِّضا بكلِّ ما يقضيه ويقدِّره، بل جواز ذلك، فضلًا عن وجوبه؟ هذا كتابُ الله، وسنَّةُ رسوله ﷺ ، وأدلّةُ المعقول (١) = ليس في شيءٍ منها الأمرُ بذلك ولا إباحته. بل من المقضيِّ ما يُرضى به، ومنه ما يُسْخَطُ ويُمْقَتُ. ولا يُرضَى (٢) بكلِّ قضاءٍ، كما لا يرضى به القاضي لأقضيته سبحانه، بل من القضاء ما يُسْخَطُ (٣)، كما أنّ من الأعيان المقضيَّةِ ما يُغضَب عليه، ويُمقَت، ويُلْعَن ويُذَمُّ. ويقال ثانيًا: هاهنا أمران: قضاءٌ وهو فعلٌ قائمٌ بذات الرَّبِّ تعالى، ومقضيٌّ وهو المفعول المنفصل عنه. فالقضاءُ خيرٌ كلُّه وعدلٌ وحكمةٌ، فيُرضى به كلِّه. والمقضيُّ قسمان: منه ما يُرضى به، ومنه ما لا يُرضى به. وهذا جوابُ من يقول: الفعلُ غيرُ المفعول، والقضاءُ غيرُ المقضيِّ. وأمّا من يقول: الفعلُ هو المفعول، والقضاءُ عينُ المقضيِّ، فلا يمكنه أن يجيب بهذا الجواب. ويقال ثالثًا: القضاء له وجهان، أحدهما: تعلُّقه بالرّبِّ تعالى ونسبتُه إليه،

стр. 522

فمن هذا الوجه يُرضى به كلِّه. والوجه الثّاني: تعلُّقُه بالعبد ونسبتُه إليه، فمن هذا الوجه ينقسم إلى ما يُرضى به، وإلى ما لا يُرضى به. مثال ذلك: قتلُ النّفس مثلًا له اعتباران: فمن حيث قدَّره الله وقضاه وكتبَه وشاءه وجعله أجلًا للمقتول ونهايةً لعمره، نرضى به. ومن حيث صدَر من القاتل، وباشَره وكسَبه وأقدَم عليه باختياره، وعصى الله بفعله، نسخطه ولا نرضى به. فهذه نهايةُ أقدام العالَم المُقرِّين بالنُّبوَّات في هذه المسألة، ومَفْرَقُ طرقهم، قد حصرتُ لك أقوالَهم ومآخذَهم وأصولَ تلك الأقوال، بحيث لا يشذُّ عنها شيءٌ (١). وبالله التَّوفيق. ولا تنكر الإطالة في هذا الموضع، فإنّه مزلَّةُ أقدام الخلق، وما نجا من معاطبه إلّا أهلُ البصائر والمعرفة بالله وصفاته وأمره. فصل ثمّ قال صاحب "المنازل" (٢): (فتوبةُ العامّة للاستكثار من الطّاعة (٣). وهو يدعو إلى جحود نعمة السَّتْر والإمهال، ورؤيةِ الحقِّ على الله، والاستغناءِ الذي هو عينُ الجبروت والتَّوثُّبُ على الله تعالى).

стр. 523

"العامّة" عندهم: مَن عدا أربابَ الجمع والفناء، وإن كانوا أهلَ سلوكٍ وإرادةٍ وعلمٍ. هذا مرادُهم بالعامَّة، ويسمُّونهم "أهل الفَرْق" ويسمِّيهم غلاتُهم "المحجوبين" (١). ومراده: أنَّ توبتَهم مدخولةٌ عند الخواصِّ منقوصةٌ، فإنَّ توبتَهم تكون من استكثارهم ما (٢) يأتون به من الحسنات والطّاعات، أي رؤيتِهم كثرتَها، وذلك يتضمَّن ثلاثة (٣) مفاسد عند الخاصّة: أحدها (٤): أنّ حسناتهم التي يأتون بها سيِّئاتٌ بالنِّسبة إلى مقام الخاصَّة، فإنَّ حَسَناتِ الأبرار سيِّئاتُ المقرّبين (٥)، فهم محتاجون إلى التَّوبة من هذه الحسنات. ولغفلتهم باستكثارها عن عيوبها ورؤيتها وملاحظتها هم جاحدون نعمةَ الله في سَتْرها عليهم وإمهالهم، كسَتْره على أهل الذُّنوب الظّاهرة وإمهالهم، فهم وأهلُ الذُّنوب الظاهرة تحت سَتْره وإمهاله، لكنَّ أهلَ الذُّنوب مقرُّون بستره وإمهاله، وهؤلاء جاحدون لذلك، لأنّهم قد توفّرت هممُهم على الاستكثار من الحسنات، دون مطالعةِ عيب النّفس والعمل والتّفتيشِ على دسائسها، وأنّ الحاملَ لهم على استكثارها رؤيتُها والإعجابُ بها؛ ولو تفرَّغوا لتفتيشها، ومحاسبةِ النّفس عليها، والتّمييزِ بين ما فيها من الحظِّ والحقِّ، لشغَلَهم ذلك عن استكثارها.

стр. 524

ولأجل هذا، كان مَن عَدِمَ الحضورَ والمراقبةَ والجمعيَّةَ في العمل، خفَّ عليه واستكثَر منه، فكثُر في عينه، وصار بمنزلة العادة. فإذا أخذ نفسَه بتخليصه من الشّوائب وتنقيته من الكدَر (١)، وجمعيّةِ القلب والهمِّ على الله تعالى بكلِّيّته، وجَد له ثقلًا كالجبال، وقلَّ في عينه. ولكن إذا وجد حلاوتَه تسهَّلَ (٢) عليه حملُ أثقاله، والقيامُ بأعبائه، والتّلذُّذُ والتّنعُّمُ به مع ثقله. وإذا أردت فهمَ هذا القدر كما ينبغي، فانظر وقتَ أخذك في القراءة إذا أعرضتَ عن واجبها وتدبُّرها وتعقُّلها، وفهمِ ما أُريدَ بكلِّ آيةٍ، وحظِّك من الخطاب بها، وتنزيلِها على أدواء قلبك والتعبُّدِ بها= كيف تُدْرِجُ الختمةَ، أو أكثرَها أو ما قرأتَ منها بسهولةٍ وخفّةٍ مستكثرًا (٣) من القراءة. فإذا ألزمتَ نفسَك بالتَّدبُّرِ ومعرفةِ المراد، والنّظرِ إلى ما يخصُّك منه (٤) والتّعبُّدِ به، وتنزيلِ دوائه على أدواء قلبك والاستشفاءِ به= لم تكد تجوز السُّورةَ أو الآيةَ إلى غيرها. وكذلك إذا جمعتَ قلبك كلَّه على ركعتين وأعطيتَها (٥) ما تقدر عليه من الحضور والخشوع والمراقبة، لم تكد تصلِّي غيرَها (٦) إلّا بجهدٍ. فإذا خلا القلبُ من ذلك عدَدتَ الرّكعاتِ بلا حسابٍ! فالاستكثارُ من الطّاعات دون مراعاة آفاتها وعيوبها ليتوبَ منها هي توبةُ

стр. 525

العامَّة. المفسدة الثّانية: رؤيةُ فاعلها أنَّ له حقًّا على الله تعالى في مجازاته على تلك الحسنات بالجِنان والنَّعيم والرِّضوان. ولهذا كثرت في عينه، مع غفلته عن أنَّ أعماله ولو كانت أعمالَ الثَّقَلين لا تستقلُّ بدخول الجنَّة ولا بالنَّجاة من النّار، وأنّه لن ينجو أحدٌ البتّة من النَّار بعمله إلّا بعفو الله ورحمته. الثّالثة: استشعارُهم الاستغناءَ عن مغفرة الله وعفوه، بما يشهدون من استحقاق المغفرة والثَّواب بحسناتهم وطاعاتهم؛ فإنَّ ظنَّهم أنَّ حصولَ النَّجاة والثَّواب بطاعتهم (١)، واستكثارَهم منها لذلك، وكثرتَها في عيونهم= إظهارٌ للاستغناء (٢) عن مغفرة الله وعفوه، وذلك عينُ الجبروت والتّوثُّب على الله تعالى. ولا ريبَ أنَّ مجرَّدَ القيام بأعمال الجوارح، من غير حضورٍ ولا مراقبةٍ ولا إقبالٍ على الله، قد يتضمَّن تلك المفاسدَ الثّلَاثَ (٣) وغيرَها، مع أنّه قليلُ المنفعة كثيرُ المُؤْنة (٤)؛ فهو كالعمل على غير متابعة للآمِر (٥) ولا إخلاصٍ للمعبود، فإنَّه وإن كثُر متعِبٌ غيرُ مفيدٍ. فهكذا العملُ الخارجيُّ القُشُوريُّ بمنزلة النُّخَالة الكثيرةِ المنظَر القليلةِ الفائدة، وإنَّ الله لا يكتبُ للعبد من

стр. 526

صلاته إلّا ما عقَل منها (١). وهكذا ينبغي أن يكون سائرُ الأعمال التي يؤمر بالحضور فيها والخشوع، كالطَّواف وأعمال المناسك ونحوها. فإن انضاف إلى ذلك إحسانُ ظنِّه بها، واستكثارُها، وعدمُ التفاته إلى عيوبها ونقائصها والتّوبةِ إلى الله والاستغفارِ منها= جاءت تلك المفاسدُ التي ذكرها وما هو أكثر منها. وقد ظنَّ بعضُ الشَّارحين لكلامه أنَّ مراده به (٢): الإزراءُ بالاستكثار من الطَّاعات، وأنَّ مجرَّدَ الفناءِ والشُّهودِ والاستغراقِ في حضرة المراقبة خيرٌ منها وأنفعُ. وهذا باطلٌ وكذبٌ عليه وعلى الطّريقة والحقيقة. ولا ريب أنَّ هذا طريقُ المنحرفين من السّالكين، وهو تعبُّدٌ بمراد العبد وحظِّه من الله تعالى، وتقديمٌ له على مراد الله ومحابِّه من العبد. فإنَّ للعبد حظًّا، وعليه حقًّا: فحقُّ الله عليه تنفيذُ أوامره والقيامُ بها، والاستكثارُ من طاعاته بحسب الإمكان، والاشتغالُ بمحاربة أعدائه ومجادلتهم، ولو فرَّق ذلك جمعيّتَه وشتَّتَ حضورَه. فهذا هو العبوديّة التي هي مراد الله وحقُّه. وأمَّا الجمعيَّةُ والمراقبةُ، والاستغراقُ في الفناء، وتعطيلُ الحواسِّ والجوارح عن إرسالها في الطّاعات والاستكثار منها= فهذا مجرَّدُ حظِّ العبد ومراده. وهو - بلا شكٍّ - أنعَمُ وألذُّ وأطيَبُ من تفرقة الاستكثار من الطّاعات، لا سيَّما إذا شهدوا تفرقةَ المستكثرين منها، وقلَّةَ نَصيبهم من

стр. 527

الجمعيَّة، فإنّهم تشتدُّ نفرتُهم منهم، ويعيبون عليهم، ويُزْرُون بهم. وقد يسمُّون مَن رأوه كثيرَ الصّلاة "ثقاقيلَ الحُصُر" (١)، ومن رأوه كثيرَ الطَّواف "حُمُرَ المَدار" (٢)، ونحو هذا. وقد أخبرني من رأى ابن سبعين قاعدًا في طرف (٣) المسجد الحرام، وهو يسخَر من الطائفين ويذمُّهم، ويقول: كأنّهم الحُمُر حول المَدار، أو نحو هذا، وكان يقول: إقبالُهم على الجمعيّة أفضَلُ لهم. ولا ريبَ أنَّ هؤلاء مُؤْثِرون لحظوظهم على حقوق ربِّهم، واقفون مع أذواقهم ومواجيدهم، فانين بها عن حقِّ الله ومراده. وسمعتُ شيخَ الإسلام ابنَ تيميّة قدَّس الله روحَه يحكي عن بعض العارفين أنّه قال: العامَّةُ تعبُد الله، وهؤلاء يعبدون نفوسَهم (٤). وصدق ﵀، فإنَّ هؤلاء المستكثرينَ من الطَّاعة الذّائقينَ لرَوْح العبادة الرَّاجينَ ثوابَها قد رُفِعَ لهم علَمُ الثّواب، وأنّه مسبَّبٌ عن الأعمال، فشمَّروا إليه راجين أن تُقبَل منهم أعمالُهم ــ على عيبها ونقصها ــ بفضل الله، خائفين أن تُردَّ عليهم، إذ لا تصلُح لله ولا تليقُ به، فيردَّها بعدله وحقِّه. فهم

стр. 528

مستكثرون بجُهدهم من طاعاته بين خوفه ورجائه، والإزراءِ على أنفسهم، والحرصِ على استعمال جوارحهم في كلِّ وجهٍ من وجوه الطَّاعات، رجاءَ مغفرته ورحمته، وطمعًا في النّجاة؛ فهم يقاتلون بكلِّ سلاحٍ لعلّهم ينجُون. قالوا: وأمّا ما أنتم فيه من الفَناءِ ومشاهدةِ الحقيقة والقيُّوميّة والاستغراقِ في ذلك، فنحن في شُغلٍ عنه بتنفيذِ أوامرِ صاحبِ الحقيقة والقيُّوميّة، والاستكثارِ من طاعاته، وتصريفِ الجوارح في مرضاته؛ كما أنّكم بفنائكم واستغراقِكم في شهود الحقيقة وحضرة الرُّبوبيّة في شغلٍ عمَّا نحن فيه. فكيف كنتم أولى بالله منَّا، ونحنُ في حقوقه ومراده منَّا، وأنتم في حظوظكم ومرادكم منه؟ قالوا: وقد ضُرب لنا ولكم مثلٌ مطابقٌ لمن تأمَّله بملِكٍ ادّعى محبّتَه مملوكان من مماليكه، فاستحضرهما وسألهما عن ذلك؟ فقالا: أنت أحبُّ شيءٍ إلينا، ولا نؤثر عليك غيرَك، فقال: إن كنتما صادقَين فاذهبا إلى سائر مماليكي وعرِّفاهم بحقوقي عليهم، وأخبِراهم بما يُرضيني عليهم، ويُسْخِطني. وابذلوا (١) قواكم في تخليصهم من مساخطي، ونفِّذوا فيهم أوامري، واصبروا على أذاهم، وعودوا مريضهم، وجَهِّزوا (٢) ميِّتهم، وأعينُوا ضعيفهم بقواكم وأموالكم وجاهكم، ثمَّ اذهبوا إلى بلاد أعدائي (٣)

стр. 529

بهذه الملطِّفات (١) وخالطوهم، وادعوهم إلى موالاتي، واشتغلوا بهم، ولا تخافوهم، فعندهم من جندي وأوليائي من يكفيكم شرَّهم. فأمّا أحدُ المملوكين، فقام وبادر (٢) إلى امتثال أمره، وبعُدَ عن حضرته في طلب مرضاته. وأمّا الآخر، فقال له: لقد غلب على قلبي من محبَّتك والاستغراق في مشاهدة حضرتك وجمالك ما لا أقدر معه على مفارقة حضرتك ومشاهدتك. فقال: إنَّ رضائي في أن تذهبَ مع صاحبك، فتفعلَ كما فعل، وإن بعدتَ عن مشاهدتي. فقال: لا أُوثِرُ على مشاهدتك والاستغراق فيك شيئًا! فأيُّ المملوكَين أحبُّ إلى هذا المَلِك، وأحظى عنده، وأخَصُّ به، وأقرب إليه؟ أهذا الذي آثر حظَّه ومرادَه وما فيه لذَّتُه على مراد الملك وأمره ورضاه؟ أم ذلك الذي ذهب في تنفيذ أوامره، وفرَّغ لها قواه وجوارحَه، وتفرَّق فيها في كلِّ وجهٍ؟ فما أولاه أن يجمعَه أستاذُه عليه بعد قضاء أوامره وفراغه منها، ويجعلَه من خاصَّته وأهلِ قربه! وما أولى صاحبَه بأن يُبعِدَه عن قربه، ويحجُبَه عن مشاهدته، ويفرِّقه عن جمعيَّته، ويبدِّله بالتَّفرقة التي هرب منها ــ في تفرقة أمره ــ تفرقةً في هواه ومراده بطبعه ونفسه. فليتأمَّلِ اللَّبيبُ هذا حقَّ التّأمُّل، وليفتَحْ عينَ بصيرته، ويسيرَ بقلبه، فينظر في مقامات العبيد وأحوالهم وهممهم، ومن هو الأولى بالعبوديّة، ومن هو البعيد منها.

стр. 530

ولا ريب أنَّ مَن أظهرَ الاستغناءَ عن الله (١)، وتوثَّبَ عليه، وأورثته الطَّاعاتُ جبَروتًا وحَجْبًا عن رؤيته عيوبَ نفسه وعمله، وكثرت في عينه= فهو من أبغَضِ الخلقِ إلى الله تعالى، وأبعدِهم عن العبوديّة، وأقرَبِهم إلى الهلاك، لا مَن استكثَر من الباقيات الصَّالحات. ومن قول النَّبيِّ ﷺ لمن سأله مرافقتَه في الجنّة، فقال: "أعِنِّي على نفسك بكثرة السُّجود" (٢). ومن قوله تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٧ - ١٨]. قال الحسن رحمةُ الله عليه: مَدُّوا الصّلاةَ إلى السَّحَر، ثمَّ جلسوا يستغفرون (٣). وقال النّبيُّ ﷺ : "تابِعوا بين الحجِّ والعمرة، فإنَّهما ينفيان الفقرَ والذُّنوبَ كما ينفي الكِيرُ خبَثَ الحديد" (٤).
следующие страницы →