← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 199

مدارج السالكين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 526 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

صلاته إلّا ما عقَل منها (١). وهكذا ينبغي أن يكون سائرُ الأعمال التي يؤمر بالحضور فيها والخشوع، كالطَّواف وأعمال المناسك ونحوها. فإن انضاف إلى ذلك إحسانُ ظنِّه بها، واستكثارُها، وعدمُ التفاته إلى عيوبها ونقائصها والتّوبةِ إلى الله والاستغفارِ منها= جاءت تلك المفاسدُ التي ذكرها وما هو أكثر منها. وقد ظنَّ بعضُ الشَّارحين لكلامه أنَّ مراده به (٢): الإزراءُ بالاستكثار من الطَّاعات، وأنَّ مجرَّدَ الفناءِ والشُّهودِ والاستغراقِ في حضرة المراقبة خيرٌ منها وأنفعُ. وهذا باطلٌ وكذبٌ عليه وعلى الطّريقة والحقيقة. ولا ريب أنَّ هذا طريقُ المنحرفين من السّالكين، وهو تعبُّدٌ بمراد العبد وحظِّه من الله تعالى، وتقديمٌ له على مراد الله ومحابِّه من العبد. فإنَّ للعبد حظًّا، وعليه حقًّا: فحقُّ الله عليه تنفيذُ أوامره والقيامُ بها، والاستكثارُ من طاعاته بحسب الإمكان، والاشتغالُ بمحاربة أعدائه ومجادلتهم، ولو فرَّق ذلك جمعيّتَه وشتَّتَ حضورَه. فهذا هو العبوديّة التي هي مراد الله وحقُّه. وأمَّا الجمعيَّةُ والمراقبةُ، والاستغراقُ في الفناء، وتعطيلُ الحواسِّ والجوارح عن إرسالها في الطّاعات والاستكثار منها= فهذا مجرَّدُ حظِّ العبد ومراده. وهو - بلا شكٍّ - أنعَمُ وألذُّ وأطيَبُ من تفرقة الاستكثار من الطّاعات، لا سيَّما إذا شهدوا تفرقةَ المستكثرين منها، وقلَّةَ نَصيبهم من

стр. 527

الجمعيَّة، فإنّهم تشتدُّ نفرتُهم منهم، ويعيبون عليهم، ويُزْرُون بهم. وقد يسمُّون مَن رأوه كثيرَ الصّلاة "ثقاقيلَ الحُصُر" (١)، ومن رأوه كثيرَ الطَّواف "حُمُرَ المَدار" (٢)، ونحو هذا. وقد أخبرني من رأى ابن سبعين قاعدًا في طرف (٣) المسجد الحرام، وهو يسخَر من الطائفين ويذمُّهم، ويقول: كأنّهم الحُمُر حول المَدار، أو نحو هذا، وكان يقول: إقبالُهم على الجمعيّة أفضَلُ لهم. ولا ريبَ أنَّ هؤلاء مُؤْثِرون لحظوظهم على حقوق ربِّهم، واقفون مع أذواقهم ومواجيدهم، فانين بها عن حقِّ الله ومراده. وسمعتُ شيخَ الإسلام ابنَ تيميّة قدَّس الله روحَه يحكي عن بعض العارفين أنّه قال: العامَّةُ تعبُد الله، وهؤلاء يعبدون نفوسَهم (٤). وصدق ﵀، فإنَّ هؤلاء المستكثرينَ من الطَّاعة الذّائقينَ لرَوْح العبادة الرَّاجينَ ثوابَها قد رُفِعَ لهم علَمُ الثّواب، وأنّه مسبَّبٌ عن الأعمال، فشمَّروا إليه راجين أن تُقبَل منهم أعمالُهم ــ على عيبها ونقصها ــ بفضل الله، خائفين أن تُردَّ عليهم، إذ لا تصلُح لله ولا تليقُ به، فيردَّها بعدله وحقِّه. فهم

стр. 528

مستكثرون بجُهدهم من طاعاته بين خوفه ورجائه، والإزراءِ على أنفسهم، والحرصِ على استعمال جوارحهم في كلِّ وجهٍ من وجوه الطَّاعات، رجاءَ مغفرته ورحمته، وطمعًا في النّجاة؛ فهم يقاتلون بكلِّ سلاحٍ لعلّهم ينجُون. قالوا: وأمّا ما أنتم فيه من الفَناءِ ومشاهدةِ الحقيقة والقيُّوميّة والاستغراقِ في ذلك، فنحن في شُغلٍ عنه بتنفيذِ أوامرِ صاحبِ الحقيقة والقيُّوميّة، والاستكثارِ من طاعاته، وتصريفِ الجوارح في مرضاته؛ كما أنّكم بفنائكم واستغراقِكم في شهود الحقيقة وحضرة الرُّبوبيّة في شغلٍ عمَّا نحن فيه. فكيف كنتم أولى بالله منَّا، ونحنُ في حقوقه ومراده منَّا، وأنتم في حظوظكم ومرادكم منه؟ قالوا: وقد ضُرب لنا ولكم مثلٌ مطابقٌ لمن تأمَّله بملِكٍ ادّعى محبّتَه مملوكان من مماليكه، فاستحضرهما وسألهما عن ذلك؟ فقالا: أنت أحبُّ شيءٍ إلينا، ولا نؤثر عليك غيرَك، فقال: إن كنتما صادقَين فاذهبا إلى سائر مماليكي وعرِّفاهم بحقوقي عليهم، وأخبِراهم بما يُرضيني عليهم، ويُسْخِطني. وابذلوا (١) قواكم في تخليصهم من مساخطي، ونفِّذوا فيهم أوامري، واصبروا على أذاهم، وعودوا مريضهم، وجَهِّزوا (٢) ميِّتهم، وأعينُوا ضعيفهم بقواكم وأموالكم وجاهكم، ثمَّ اذهبوا إلى بلاد أعدائي (٣)

стр. 529

بهذه الملطِّفات (١) وخالطوهم، وادعوهم إلى موالاتي، واشتغلوا بهم، ولا تخافوهم، فعندهم من جندي وأوليائي من يكفيكم شرَّهم. فأمّا أحدُ المملوكين، فقام وبادر (٢) إلى امتثال أمره، وبعُدَ عن حضرته في طلب مرضاته. وأمّا الآخر، فقال له: لقد غلب على قلبي من محبَّتك والاستغراق في مشاهدة حضرتك وجمالك ما لا أقدر معه على مفارقة حضرتك ومشاهدتك. فقال: إنَّ رضائي في أن تذهبَ مع صاحبك، فتفعلَ كما فعل، وإن بعدتَ عن مشاهدتي. فقال: لا أُوثِرُ على مشاهدتك والاستغراق فيك شيئًا! فأيُّ المملوكَين أحبُّ إلى هذا المَلِك، وأحظى عنده، وأخَصُّ به، وأقرب إليه؟ أهذا الذي آثر حظَّه ومرادَه وما فيه لذَّتُه على مراد الملك وأمره ورضاه؟ أم ذلك الذي ذهب في تنفيذ أوامره، وفرَّغ لها قواه وجوارحَه، وتفرَّق فيها في كلِّ وجهٍ؟ فما أولاه أن يجمعَه أستاذُه عليه بعد قضاء أوامره وفراغه منها، ويجعلَه من خاصَّته وأهلِ قربه! وما أولى صاحبَه بأن يُبعِدَه عن قربه، ويحجُبَه عن مشاهدته، ويفرِّقه عن جمعيَّته، ويبدِّله بالتَّفرقة التي هرب منها ــ في تفرقة أمره ــ تفرقةً في هواه ومراده بطبعه ونفسه. فليتأمَّلِ اللَّبيبُ هذا حقَّ التّأمُّل، وليفتَحْ عينَ بصيرته، ويسيرَ بقلبه، فينظر في مقامات العبيد وأحوالهم وهممهم، ومن هو الأولى بالعبوديّة، ومن هو البعيد منها.

стр. 530

ولا ريب أنَّ مَن أظهرَ الاستغناءَ عن الله (١)، وتوثَّبَ عليه، وأورثته الطَّاعاتُ جبَروتًا وحَجْبًا عن رؤيته عيوبَ نفسه وعمله، وكثرت في عينه= فهو من أبغَضِ الخلقِ إلى الله تعالى، وأبعدِهم عن العبوديّة، وأقرَبِهم إلى الهلاك، لا مَن استكثَر من الباقيات الصَّالحات. ومن قول النَّبيِّ ﷺ لمن سأله مرافقتَه في الجنّة، فقال: "أعِنِّي على نفسك بكثرة السُّجود" (٢). ومن قوله تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٧ - ١٨]. قال الحسن رحمةُ الله عليه: مَدُّوا الصّلاةَ إلى السَّحَر، ثمَّ جلسوا يستغفرون (٣). وقال النّبيُّ ﷺ : "تابِعوا بين الحجِّ والعمرة، فإنَّهما ينفيان الفقرَ والذُّنوبَ كما ينفي الكِيرُ خبَثَ الحديد" (٤).

стр. 531

وقال لمن سأله أن يوصيه بشيءٍ يتشبَّث به: "لا يزال لسانُك رطبًا من ذكر الله" (١). والدِّينُ كلُّه استكثارٌ من الطّاعات، وأحبُّ خلق الله إليه أعظَمُهم استكثارًا منها. وفي الحديث الصّحيح الإلهيِّ: "ما تقرَّب إليَّ عبدي بمثل أداء ما افترضتُ عليه. ولا يزال عبدي يتقرَّبُ إليَّ بالنَّوافل حتّى أُحِبَّه، فإذا أحببتُه كنت سمعَه الذي يسمع به، وبصرَه الذي يبصر به، ويدَه التي يبطش بها، ورجلَه التي يمشي بها. فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي. ولئن سألني لأعطينَّه، ولئن استعاذني لأعيذنَّه" (٢). فهذا جزاؤه وكرامته للمستكثرين من طاعته، لا لأهل الفناء المستغرقين في شهود الرُّبوبيّة. وقال لآخر: "عليك بكثرة السُّجود، فإنّك لا تسجدُ لله سجدةً إلّا رفعك اللهُ بها درجةً، وحطَّ عنك بها خطيئةً" (٣).

стр. 532

فصل (١) وهذه الطَّريقةُ في الإرادة والطَّلب نظيرُ طريقة التَّجهُّم في العلم والمعرفة: تلك تعطيلٌ للصِّفات (٢) والتّوحيد، وهذه تعطيلُ الأمر (٣) والعبوديّة. وانظر إلى هذا النَّسب والإخاء الذي بينهما، كيف شرَّكَ بينهما في اللَّفظ، كما شرَّكَ في المعنى؟ فتلك طريقةُ النّفي، وهذه طريقةُ الفناء. تلك نفيٌ لصفات المعبود، وهذه فناءٌ عن عبوديّته. وأمّا نفيُ خواصِّ العبيد وفناؤهم، فأمرٌ وراء نفي أولئك وفنائهم، لأنّ نفيَهم لصفات النّقائص وما يضادُّ أوصافَ الكمال، وفناءَهم عن إرادة غيره ومحبّته وخوفه ورجائه. ففناؤهم عن كلِّ ما يخالف أمره ومحابَّه، ونفيُهم لكلِّ ما يضادُّ كمالَه وجلالَه. ومن له فرقانٌ فهو يعرف هذا وهذا، وغيرُه لا اعتبار به. وصاحبُ "المنازل" ﵀ كان شديدَ الإثبات للأسماء والصِّفات مضادًّا للجهميّة من كلِّ وجهٍ. وله كتابُ "الفاروق" (٤) استوعَبَ فيه أحاديثَ الصِّفات وآثارَها ولم يُسبَق إلى مثله، وكتابُ "ذمِّ الكلام وأهله" طريقتُه فيه أحسَنُ طريقةٍ. وله كتابٌ لطيفٌ في أصول الدِّين (٥)، يسلك فيه طريقةَ أهلِ الإثبات ويقرِّرها. وله مع الجهميّة المقاماتُ المشهورةُ، وسعَوا بقتله إلى

стр. 533

السُّلطان مرارًا عديدةً والله يعصمه منهم. ورمَوه بالتَّشبيه والتَّجسيم على عادة بَهْتِ الجهميّة والمعتزلة لأهل السُّنّة والحديث الذين لم يتحيَّزوا إلى مقالةٍ غيرِ ما دلَّ عليه الكتابُ والسُّنّة. ولكن ﵀ طريقتُه في السُّلوك مضادّةٌ لطريقته في الأسماء والصِّفات، فإنّه لا يقدِّم على الفناء شيئًا، ويراه الغايةَ التي يشمِّر إليها السّالكون، والعَلَم الذي يؤمُّه السَّائرون. واستولى عليه ذوقُ الفناء وشهود (١) الجمع، وعظُمَ موقعُه عنده، واتَّسعت إشارتُه إليه، وتنوّعت به الطُّرقُ المُوصِلة إليه علمًا وحالًا وذوقًا، فتضمَّن ذلك تعطيلًا من العبوديَّة باديًا على صفحات كلامه وزانَ تعطيل الجهميّة لما اقتضته أصولهم من نفي الصِّفات. ولمَّا اجتمع التَّعطيلان لمن اجتمعا له من السّالكين تولَّد منهما القولُ بوحدة الوجود المتضمنَّةِ لإنكار الصّانع وصفاته وعبوديّته. وعصَم الله أبا إسماعيل باعتصامه بطريقة السَّلف في إثبات الصِّفات، فأشرَفَ من عقَبة الفناء على وادي الاتِّحاد، فلم يسلكه (٢). ولوقوفه على عقبته ودعوة الخلق إليها (٣)، أقسمَ الاتِّحاديَّةُ بالله جَهْدَ أيمانهم إنّه لمعهم ومنهم، وحاشاه! وتولَّى شرحَ كتابه أشدُّهم في الاتِّحاد طريقةً وأعظَمُهم فيه مبالغةً وعنادًا لأهل الفَرْقِ: العفيفُ التِّلِمْسَانيُّ، ونزَّل الجَمْعَ الذي يشير إليه صاحبُ "المنازل" على جمع الوجود، وهو لم يُرِد به حيث ذكَره إلَّا جمعَ الشُّهود.

стр. 534

ولكنَّ الألفاظَ مجملةٌ (١)، وصادفت قلبًا مشحونًا بالاتِّحاد، ولسانًا فصيحًا متمكِّنًا من التعبير عن المراد، ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ﴾ [النور: ٤٠]. فصل قال (٢): (و توبةُ الأوساط من استقلال المعصية ، وهو عينُ الجرأة والمبارزة، ومحضُ التّزيُّن بالحميّة، والاسترسالُ للقطيعة). يريد أنّ استقلالَ العبدِ المعصيةَ ذنبٌ، كما أنَّ استكثارَه الطَّاعةَ ذنبٌ. والعارفُ من صغُرتْ حسناتُه في عينه، وعظمتْ ذنوبُه عنده. وكلَّما صغُرت الحسناتُ في عينك كبُرتْ عند الله، وكلّما كبُرتْ وعظُمتْ في قلبك قلَّتْ عند الله وصغُرَتْ (٣). وسيِّئاتُك بالعكس. ومَن عرف اللهَ وحقَّه وما ينبغي لعظمته من العبوديّة تلاشت حسناتُه عنده وصغُرت جدًّا في عينه، وعلِم أنّها ليست ممّا ينجو بها من عذابه، وأنَّ الذي يليق بعزّته ويصلحِ له من العبوديّة أمرٌ آخر. وكلَّما استكثَر منها استقلَّها واستصغَرها، لأنّه كلَّما استكثَر منها فُتِحَت له أبوابُ المعرفة بالله والقرب منه، فشاهد قلبُه من عظمته وجلاله ما يستصغِرُ معه جميعَ أعماله، ولو كانت أعمالَ الثَّقَلَين. وإذا كثُرت (٤) في عينه وعظُمت دلَّ على أنّه محجوبٌ عن الله، غيرُ عارفٍ به وبما ينبغي له.

стр. 535

وبحسب هذه المعرفة ومعرفته بنفسه يستكثر ذنوبَه وتعظُم في عينه لمشاهدته الحقَّ ومستحَقَّه، وتقصيرَه في القيامِ به وإيقاعِه على الوجه اللّائق الموافق لما يحبُّه الرَّبُّ ويرضاه من كلِّ وجهٍ. إذا عُرِف هذا، فاستقلالُ العبدِ لمعصيته عينُ الجرأة على الله، وجهلُه بقدر مَن عصاه وبقدر حقِّه. وإنّما كان مبارزةً لأنّه إذا استصغر المعصيةَ واستقلَّها هان عليه أمرُها وخفَّت على قلبه، وذلك نوعُ مبارزةٍ. وأمّا قوله: (ومحضُ التَّزيُّن بالحميَّة)، أي بالمحاماةِ عن النَّفس وإظهارِ براءة ساحتها، لا سيَّما إن انضاف إلى ذلك مشاهدةُ الحقيقة والاحتجاجُ بالقدَر، وقولُه: وأيُّ ذنبٍ لي، والمحرِّكُ لي غيري، والفاعل فيَّ سواي، وإنّما أنا كالميِّت بين يدي الغاسل؟ وما حيلةُ مَن ليس له حيلةٌ، وما قدرةُ من ليس له قدرةٌ؟ = ونحوُ هذا ممَّا يتضمَّن الجرأةَ على الله تعالى ومبارزتَه والمحاماةَ عن النّفس. واستصغارُ ذنوبه ومعاصيه إذا أضافها إلى الحكم فيسترسلُ إذن للقطيعة، وهي المقاطعةُ لربِّه تعالى والانقطاعُ عنه، فيصيرُ خصمًا لله مع نفسه وشيطانه. وهذه حالةُ المحتجِّين بالقدَر على الذُّنوب، فإنَّهم خُصَماءُ الله (١) مع الشّياطين والنُّفوس على الله تعالى، وهذا غاية البعد والطّرد والانقطاع عن الله سبحانه. فإن قلتَ: كيف كانت توبةُ العامَّة من استكثار الطّاعات، وتوبةُ مَن هم أخصُّ منهم وأعلى درجةً من استقلال المعصية؟ وهلّا كان الأمر بالضِّدِّ؟ قلتُ: الأوساطُ لمّا كانوا أشدَّ تطُلَّبًا لعيوب النّفس والعمل وأكثرَ تفتيشًا

стр. 536

عليها انكشف لهم من ذنوبهم ومعاصيهم ما لم ينكشف للعامَّة، إذ حرصُ العامَّة على الاستكثار من الطاعات ولذلك كثرت في أعينهم؛ وحرصُ هؤلاء على تنقية الآفات والتَّفتيش على عيوب الأعمال. فاستقلالُ السَّيِّئات آفة هؤلاء وقاطعُ طريقهم، واستكثارُ الحسنات وعِظمُها في قلوب أولئك آفتُهم وقاطعُ طريقهم. فذكَر ما هو الأخصُّ الأغلبُ على كلِّ واحدةٍ من الطّائفتين. فصل قال صاحب "المنازل" (١): (و توبةُ الخواصِّ من تضييع الوقت ، فإنّه يدعو إلى درَكِ النَّقيصة، ويُطفئ نورَ المراقبة، ويُكدِّر عينَ الصُّحبة). ليس مرادُه بتضييع الوقت إضاعتَه في الاشتغال بمعصيةٍ أو لغوٍ، أو الإعراضِ عن واجبه وفرضه، فإنّهم لو أضاعوه بهذا المعنى لم يكونوا من الخواصِّ، بل هذه (٢) توبةُ العامَّةِ بعينها. والوقتُ عند القوم أخصُّ منه في لغة العرب، حتّى إنَّ منهم من يقول: الوقت هو الحقُّ، ومنهم من يقول: استغراقُ رسم العبد في وجود الحقِّ، يشيرون إلى الفناء في حضرة الجمع (٣). والغالبُ على اصطلاحهم أنّه زمنُ الإقبال على الله تعالى بالمراقبة والحضور والفناء في الوحدانيّة. ويقولون: هو صاحبُ وقتٍ مع الله، فخصُّوا الوقتَ بهذا الاسم تخصيصًا للَّفظ العامِّ ببعض أفراده، وإلّا فكلُّ مَن هو مشغولٌ بأمرٍ يعنى به فانٍ في شهوده وطلبه، فله وقتٌ معه، بل أوقاته مستغرقةٌ فيه.

стр. 537

فتوبةُ هؤلاء من إضاعة هذا الوقت الخاصِّ الذي هو وقتُ وجدٍ صادقٍ وحالٍ صحيحةٍ مع الله تعالى لا يكدِّرها الأغيار. وربّما يمرُّ بك إشباعُ القول في الوقت والفرق بين الصَّحيح منه والفاسد فيما بعد إن شاء الله (١). والقصدُ: أنَّ إضاعةَ الوقت الصَّحيح يدعو إلى درَك النّقيصة، إذ صاحبُ حفظه مترقٍّ في درجات الكمال، فإذا أضاعه لم يقف موضعه، بل ينزل إلى درجاتٍ من النَّقص؛ فإنَّ مَن لم يكن في تقدُّمٍ فهو متأخِّرٌ ولا بدَّ. فالعبدُ سائرٌ لا واقفٌ، فإمّا إلى فوق وإمّا إلى أسفل، إمّا إلى أمامٍ وإمّا إلى وراء. وليس في الطَّبيعة ولا في الشَّريعة وقوفٌ البتّة، ما هو إلّا مراحلُ تُطوى أسرعَ طيٍّ إلى الجنّة أو إلى النّار، فمسرعٌ ومبطئٌ، ومتقدِّمٌ ومتأخِّرٌ، وليس في الطّريق واقفٌ البتّة، وإنّما يتخالفون في جهة المسير، وفي السُّرعة والبطء ﴿إِذَا أَسْفَرَ (٣٤) إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥) نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (٣٦) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ﴾ [المدثر: ٣٥ - ٣٧] ولم يذكر واقفًا، إذ لا منزل بين الجنّة والنّار، ولا طريق لسالكٍ إلى غير الدّارين البتّة (٢). فإن قلت: كلُّ مجدٍّ في طلب شيءٍ لا بدّ أن يعرض له وقفةٌ وفتورٌ، ثمَّ ينهض إلى طلبه. قلت: لا بدَّ من ذلك، ولكنَّ صاحب الوقفة له حالان: إمّا أن يقف ليُجِمَّ

стр. 538

نفسَه، ويُعِدَّها للسَّير (١)، فهذا وقفةُ سيرٍ، ولا تضرُّه الوقفة، فإنَّ لكلِّ عاملٍ شِرَّةً (٢)، ولكلِّ شِرَّةٍ فترةٌ (٣). وإمّا أن يقف لداعٍ دعاه من ورائه، وجاذبٍ جذَبه من خلفه، فإن أجابه أخَّره ولا بدَّ، فإن تدارَكَه الله برحمته، وأطلَعه على سبق الرَّكب له وعلى تأخُّره، نهضَ نهضةَ الغضبانِ الآسفِ على الانقطاع، ووثَب وجمَز واشتدَّ سعيًا ليلحقَ الرَّكبَ (٤). وإن استمرَّ مع داعي التّأخُّر وأصغى إليه لم يرضَ بردِّه إلى حالته الأولى من الغفلة وإجابة داعي الهوى، حتّى يردَّه إلى أسوأَ منها وأنزلَ درَكًا. وهو بمنزلة النَّكسة الشَّديدة عقيبَ الإبلال من المرض، فإنّها أخطر منه وأصعب. وبالجملة، فإنْ تدارَكَ الله سبحانه هذا العبدَ بجذبةٍ منه من يد عدوِّه وتخليصه، وإلّا فهو في تأخُّرٍ إلى الممات، راجعٌ القهقرى، ناكصٌ على عقبيه، أو مولٍّ ظهرَه، ولا قوَّة إلّا بالله، والمعصومُ من عصَمه الله. وقوله: (ويطفئ نورَ المراقبة). يعني: أنَّ المراقبةَ تعطي نورًا كاشفًا لحقائق المعرفة والعبوديّة، وإضاعةُ الوقت تطفئ ذلك النُّور، وتكدِّر عينَ الصُّحبة (٥) مع الله تعالى، فإنَّ صاحب الوقت مع صحبة الله، وله مع الله معيّةٌ

стр. 539

خاصّةٌ بحسب حفظه وقتَه مع الله. فإن (١) كان مع الله كان الله معه. فإذا أضاع وقتَه كدَّر عينَ هذه المعيَّة الخاصَّة، وتعرَّض لقطع هذه الصُّحبة. فلا شيءَ أضرُّ على العارف بالله من إضاعة وقته مع الله، ويُخشى عليه إن لم يتداركه بالرُّجوع أن تستمرَّ الإضاعةُ إلى يوم اللِّقاء، فتكون حسرتُه وندامتُه أعظمَ من حسرة غيره وندامته (٢)، وحجابُه عن الله أشدَّ من حجاب سواه، ويكون حالُه شبيهًا بحال قومٍ يؤمر بهم إلى الجنّة، حتّى إذا عاينوها وشاهدوا ما فيها صُرفت وجوهُهم عنها إلى النّار. فإذن توبةُ الخواصِّ من تضييع أوقاتهم مع الله التي تدعو إلى هذه الأمور. فصل وفوق هذا مقامٌ آخر من التّوبة أرفَعُ منه وأخصُّ، لا يعرفه إلّا خواصُّ المحبِّين، الذين يستقلُّون في حقِّ محبوبهم جميعَ أعمالهم وأحوالهم وأقوالهم، فلا يرونها قطُّ إلّا بعين النَّقص والإزراء عليها، ويرون شأنَ محبوبهم أعظمَ وقدرَه أعلى من أن يرضَوا نفوسَهم وأعمالَهم له، فهم أشدُّ شيءٍ احتقارًا لها وإزراءً بها. وإذا غفلوا عن مراد محبوبهم منهم (٣) ولم يوفُّوه حقَّه تابوا إليه من ذلك توبةَ أرباب الكبائر منها. فالتّوبةُ لا تفارقهم أبدًا، وتوبتُهم لونٌ، وتوبةُ غيرهم لونٌ (٤) وكلَّما ازدادوا حبًّا له ازدادوا معرفةً بحقِّه وشهودًا لتقصيرهم، فعظمت لذلك توبتُهم. ولذلك كان خوفُهم أشدَّ،

стр. 540

وإزراؤهم على أنفسهم أعظمَ، وما يتوب منه هؤلاء قد يكون من كبار حسنات غيرهم. وبالجملة، فتوبةُ المحبِّين (١) العارفين بربِّهم وبحقِّه هي التَّوبة، وسواهم محجوبٌ عنها. وفوق هذه توبةٌ أخرى، الأولى بنا الإضرابُ عنها صفحًا. فصل قال صاحب "المنازل" ﵀ (٢): (ولا يتمُّ مقامُ التَّوبة إلّا بالانتهاء إلى التَّوبة ممّا دون الحقِّ، ثمّ رؤيةِ علَّة التَّوبة، ثمّ التَّوبةِ من رؤية تلك العلَّة). التّوبةُ ممّا دون الله: أن يخرج العبدُ بقلبه عن إرادة ما سوى الله، فيعبدَه وحده لا شريك له بأمره وباستعانته، فيكونَ كلُّه له وبه. وهذا أمرٌ لا يصحُّ إلّا لمن استولى عليه سلطانُ المحبَّة، فامتلأ قلبُه من الله محبّةً له وإجلالًا وتعظيمًا، وذلًّا وخضوعًا وانكسارًا بين يديه، وافتقارًا إليه. فإذا صحّ له ذلك بقيت عليه عندهم بقيّةٌ أخرى، هي علَّةٌ في توبته، وهي شعورُه بها، ورؤيتُه لها، وعدمُ فنائه عنها. وذلك بالنِّسبة إلى مقامه وحاله ذنبٌ، فيتوب من هذه الرُّؤية. فهاهنا ثلاثة أمورٍ: توبتُه ممّا سوى الله، ورؤيتُه هذه التّوبةَ وهي علَّتها، وتوبتُه من رؤية تلك الرُّؤية. وهذا عند القوم الغايةُ التي لا شيء بعدها،

стр. 541

والنِّهايةُ التي لا تكون إلّا لخاصَّة الخاصَّة. ولَعَمْرُ الله إنَّ رؤيةَ العبد فعلَه، واحتجابَه به عن ربِّه ومشاهدته له= علّةٌ في طريقه مُوجِبٌ (١) للتَّوبة. وأمّا رؤيتُه له واقعًا بمنّة الله وفضله وحوله وقوّته وإعانته، فهذا أكمَلُ من غَيبته عنه. وهو أكمَلُ من المقام الذي يشيرون إليه، وأتمُّ عبوديّةً، وأدعى للمحبَّة وشهود المنَّة، إذ يستحيلُ شهودُ المنَّةِ والفضلِ على شيءٍ لا شعورَ للشّاهد به البتّة. والّذي ساقهم إلى ذلك سلوكُ وادي الفناء في الشُّهود، فلا يشهد مع الحقِّ سببًا (٢) ولا وسيلةً ولا رسمًا البتّة. ونحن لا ننكر ذوقَ هذا المقام، وأنَّ السّالك ينتهي إليه، ويجد له حلاوةً ووجدًا ولذّةً لا يجدها لغيره البتّة. وإنَّما يطالبُ أربابُه والمشمِّرون إليه بأمرٍ وراءه، وهو أنَّ هذا هو الكمال، وهو أكمَلُ مِن حالِ مَن شهد أفعالَه ورآها ورأى تفاصيلها مشاهدًا لها صادرةً عنه بمشيئة الله وإرادته ومعونته، فشهد عبوديَّتَه مع شهود معبوده، ولم يغِبْ في شهود العبوديَّة عن المعبود ولا بشهود المعبود عن العبودية، فكلاهما ناقص! والكمالُ: أن تشهد العبوديَّةَ حاصلةً بمنَّة المعبود وفضله ومشيئته، فيجتمعَ لك الشُّهودان. فإن غبتَ بأحدهما عن الآخر، فالمقامُ مقامُ توبةٍ، وهل في الغَيبة عن العبوديَّةِ إلّا هضمٌ لها؟ والواجب: أن يقع التَّحاكُم في ذلك إلى الله ورسوله وإلى حقائق الإيمان

стр. 542

دون الذَّوق، فإنَّا لا ننكر ذوقَ هذه الحال، وإنَّما ننكرُ كونَها أكملَ من غيرها. فأين الإشارةُ في القرآن، أو في السُّنَّة، أو في كلام سادات العارفين من الصَّحابة ومن تبعهم= إلى هذا الفناء، وأنَّه هو الكمال، وأنَّ رؤيةَ العبد لفعله بالله وحوله وفضله، وشهودَه له كذلك= علّةٌ تجب التَّوبةُ منها؟ وهذا القدرُ ممَّا يصعبُ إنكاره على القوم جدًّا، ويرمُون منكِرَه بأنّه محجوبٌ من أهل الفَرْق، وأنّه لم يصل إلى هذا المقام، ولو وصَل إليه لَمَا أنكره. وليس في شيءٍ من ذلك حجّةٌ لتصحيح قولهم، ولا جوابُ المطالبة، فقد سألكم هذا المحجوبُ عن مسألةٍ شرعيَّةٍ، وما ذكرتموه ليس بجوابٍ لها. ولَعَمْرُ الله إنَّه يراكم محجوبين عن حالٍ أعظمَ من هذه الحال، ومقامٍ أرفع منه! وليس في مجرَّدِ الفناءِ والاستغراقِ في شهود القيُّوميّة وإسقاطِ الأسباب والعلل والحِكَم والوسائط كبيرُ علمٍ ولا معرفةٌ ولا عبوديّةٌ. وهل المعرفةُ كلُّ المعرفة والعبوديَّةُ إلّا شهودُ الأشياء على ما هي عليه؟ والقرآنُ مملوءٌ من دعاء العباد إلى التّفكُّرِ في الآيات، والنَّظَرِ في أحوال المخلوقات، ونظرِ الإنسان في نفسه وتفاصيل أحواله. وأخصُّ من ذلك: نظرُه فيما قدَّمه لغده، ومطالعتُه لنِعَم الله عليه بالإيمان والتَّوفيق والهداية، وتذكُّرُ (١) ذلك والتّفكُّرُ فيه وحمدُ الله وشكرُه عليه. وهذا لا يحصل مع الفناء حتّى عن رؤيةِ الرُّؤية وشهودِ الشُّهود. ثمّ إنَّ هذا غيرُ ممكنٍ البتّة، فإنَّكم إذا جعلتم رؤيتَه لتوبته علّةً يتوب

стр. 543

منها، فإنَّ رؤيتَه لتلك الرُّؤية أيضًا علّةٌ توجب عليه توبةً (١)، وهلمَّ جرًّا؛ فلا ينتهي الأمرُ إلَّا بسقوط التَّمييز جملةً، والسُّكرِ والطَّمْس (٢) المنافي للعبوديَّة، فضلًا عن أن يكون غايةً للعبوديّة. فتأمَّلِ الآن تفاصيلَ عبوديَّة الصَّلاة، كيف لا تتمُّ إلّا بشهود فعلك الذي متى غبتَ عنه كان ذلك نقصًا في العبوديّة. فإذا قال المصلِّي: "وجَّهتُ وجهيَ للَّذي فطر السَّماوات والأرض حنيفًا" (٣)، فعبوديّةُ هذا القول أن يشهد وجهَه، وهو قصدُه وإرادتُه (٤)، وأن يشهدَ حنيفيَّتَه (٥)، وهي إقبالُه على الله. ثمّ إذا قال: "إنَّ صلاتي ونسكي ومحيايَ ومماتي لله ربِّ العالمين" (٦)، فعبوديّةُ هذا القول أيضًا: أن يشهد الصّلاةَ والنُّسكَ المضافَين إليه لله (٧) سبحانه. ولو غاب عنهما كان قد أضاف إلى الله بلسانه ما هو غائبٌ عن استحضاره بقلبه، فكيف يكون هذا أكملَ وأعلى مِن حال من استحضر فعلَه

стр. 544

وعبوديَّتَه، وأضافها إلى الله، وشهد مع ذلك كونَها به؟ فأين هذا من حال المستغرِق الفاني المصطلَم الذي قد غاب بمعبوده عن حقِّه وعبادته، وقد أُخِذَ منه وغُيِّب عنه؟ نعم، غايةُ هذا أن يكون معذورًا، أمّا أن يكون مقامُه أعلى مقامٍ وأجلَّه فكلَّا. وكذلك إذا قال في قراءته: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فعبوديّةُ هذا القول فهمُ معنى العبادة والاستعانة، واستحضارُهما، وتخصيصُهما بالله، ونفيُهما عن غيره. فهذا أكمَلُ من قول ذلك بمجرَّد اللِّسان. وكذلك إذا قال في ركوعه: "اللهمَّ لك ركعتُ، وبك آمنتُ، ولك أسلمتُ، خشَع لك سمعي وبصري ومخِّي وعَظْمي، وما استقلَّ به قدَمي" (١). فكيف يؤدِّي عبوديّةَ هذه الكلمات غائبٌ عن فعله مستغرقٌ في فنائه؟ وهل يبقى غيرُ أصواتٍ جاريةٍ على لسانٍ؟ ولولا العذرُ لم تكن هذه عبوديّةً. نعم، رؤيةُ هذه الأفعال، والوقوفُ عندها، والاحتجابُ بها عن المنعِم بها الموفِّق لها المانِّ بها= من أعظم العلل والقواطع (٢). قال تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات: ١٧]. فالعارف غائبٌ بمنّة الله عليه في طاعته مع شهودها ورؤيتها، والجاهلُ غائبٌ بها عن رؤية منَّة الله، والفاني غائبٌ

стр. 545

باستغراقه في الفناء وشهودِ القيُّوميّة عن شهودها، وهو ناقصٌ. وقد جعل الله لكلِّ شيءٍ قدرًا. فصل ونذكر نُبَذًا تتعلَّق بأحكام التَّوبة، تشتدُّ الحاجةُ إليها، ولا يليق بالعبد جهلُها. منها: المبادرةُ إلى التَّوبة من الذَّنب فرضٌ على الفور ، لا يجوز تأخيرها، فمتى أخَّرها عصى بالتَّأخير. فإذا تاب من الذَّنب بقي عليه توبةٌ أخرى، وهي توبتُه من تأخير التَّوبة. وقلَّ أن يخطر هذا ببال التَّائب، بل عنده: إذا تاب من الذَّنب لم يبق عليه شيءٌ آخر، وقد بقي عليه التَّوبةُ من تأخير التّوبة. ولا ينجي من هذا إلّا توبةٌ عامّةٌ ممَّا يعلم من ذنوبه وممَّا لا يعلم، فإنَّ ما لا يعلمه العبدُ من ذنوبه أكثَرُ ممَّا يعلمه. ولا ينفعه في عدم المؤاخذة بها جهلُه إذا كان متمكِّنًا من العلم، فإنَّه عاصٍ بترك العلم والعمل، فالمعصيةُ في حقِّه أشدُّ. وفي "صحيح ابن حِبَّان" (١) أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "الشِّرك في هذه الأمَّة

стр. 546

أخفى من دبيب النّمل". فقال أبو بكرٍ ﵁: فكيف الخلاص منه يا رسول الله؟ قال: "أن تقول: اللهمَّ إنِّي أعوذ بك أن أُشْرِك بك وأنا أعلم، وأستغفرُك لما لا أعلم". فهذا طلبُ الاستغفار ممّا يعلم الله أنّه ذنبٌ، ولا يعلمه العبدُ. وفي "الصَّحيح" (١) عنه ﷺ أنّه كان يدعو في صلاته: "اللهمَّ اغفر لي خطيئتي وجهلي، وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به منِّي. اللهمَّ اغفر لي جِدِّي وهَزْلي، وخطئي وعَمْدي، وكلُّ ذلك عندي. اللهمَّ اغفر لي ما قدَّمتُ وما أخَّرتُ، وما أسررتُ وما أعلنتُ (٢)، أنت إلهي لا إله إلّا أنت". وفي الحديث الآخر: "اللهمَّ اغفِرْ لي ذنبي كلَّه، دِقَّه وجِلَّه، سرَّه وعلانيتَه، أوّلَه وآخرَه" (٣). فهذا التَّعميمُ وهذا الشُّمولُ لتأتيَ التَّوبةُ على ما علِمَ العبدُ من ذنوبه وما لم يعلمه.

стр. 547

فصل و هل تصحُّ التّوبة من ذنبٍ مع الإصرار على غيره ؟ فيه قولان لأهل العلم، وهما روايتان عن الإمام أحمد ﵁ (١)، ولم يطَّلع على الخلاف مَن حكى الإجماعَ على صحّتها كالنَّواويِّ (٢) وغيره. والمسألة مشكلةٌ، ولها غورٌ، ويحتاج الجزمُ بأحد القولين إلى دليلٍ يحصل به الجزم.

стр. 548

والَّذين صحَّحوها احتجُّوا بأنَّه لمَّا صحَّ الإسلامُ ــ وهو توبةٌ من الكفر ــ مع البقاء على معصيةٍ لم يَتُبْ منها، فهكذا تصحُّ التَّوبةُ (١) من ذنبٍ مع بقائه على آخر. وأجاب الآخرون عن هذا بأنّ الإسلام له شأنٌ ليس لغيره، لقوَّته ونفاذه، وحصوله تبعًا بإسلام الأبوين أو أحدهما للطِّفل، وكذلك بانقطاع نسب الطِّفل من أبيه أو بموت أحد أبويه في أحد القولين، وكذلك بكون سابيه ومالكه مسلمًا في أحد القولين أيضًا. وذلك لقوَّته وتشوُّف الشَّرع إليه حتّى حصل بغير القصد بل بالتّبعيّة. واحتجَّ الآخرون بأنَّ التَّوبة هي الرُّجوع إلى الله تعالى من مخالفته إلى طاعته، وأيُّ رجوعٍ لمن تاب من ذنبٍ واحدٍ، وأصرَّ على ألف ذنبٍ؟ قالوا: والله سبحانه إنّما لم يؤاخذ التّائبَ لأنّه قد رجع إلى طاعته وعبوديّته وتاب توبةً نصوحًا. والمصرُّ على مثل ما تاب منه ــ أو أعظمَ ــ لم يراجع الطَّاعةَ ولم يتُب توبةً نصوحًا. قالوا: ولأنَّ التَّائبَ إذا تاب إلى الله فقد زال عنه اسمُ العاصي، كالكافر إذا أسلم زال عنه اسمُ الكافر. فأمَّا إذا أصرَّ على غير الذَّنب الذي تاب منه فاسمُ المعصية لا يفارقه، فلا تصحُّ توبته. وسرُّ المسألة: أنَّ التَّوبةَ هل تتبعَّضُ كالمعصية، فيكون تائبًا من وجهٍ دون وجهٍ، وكالإيمان والإسلام؟ والرّاجحُ تبعُّضُها، فإنَّها كما تتفاضل في كيفيَّتها هكذا تتفاضل في كمِّيَّتها.

стр. 549

ولو أتى العبدُ بفرضٍ وترَكَ فرضًا آخر لاستحقَّ العقوبةَ على ما تركه دون ما فعَلَه. فهكذا إذا تاب من ذنبٍ وأصرَّ على آخر، لأنَّ التَّوبةَ فرضٌ من الذَّنبين، فقد أدَّى أحدَ الفرضين وترَكَ الآخر، فلا يكون ما ترك مُوجِبًا لبطلان ما فعل، كمن ترك الحجَّ وأتى بالصَّلاة والصِّيام والزَّكاة. والآخرون يجيبون عن هذا بأنَّ التَّوبةَ فعلٌ واحدٌ، معناه: الإقلاعُ عمَّا يكرهه الله تعالى، والنّدمُ عليه، والرُّجوعُ إلى طاعته. فإذا لم توجد بكمالها لم تكن صحيحةً، إذ هي عبادةٌ واحدةٌ. فالإتيانُ ببعضها وبعضِ واجباتها كالإتيان ببعض العبادة الواجبة وتركِ بعضها، فإنَّ ارتباط أجزاء العبادة الواحدة بعضِها ببعضٍ أشدُّ من ارتباط العبادات المتنوِّعات بعضِها ببعضٍ. وأصحابُ القول الآخر يقولون: كلُّ ذنبٍ له توبةٌ تخصُّه، وهي فرضٌ منه، لا تتعلّق بالتَّوبة من الآخر، كما لا يتعلّق أحدُ الذَّنبين بالآخر. والَّذي عندي في هذه المسألة: أنَّ التَّوبةَ لا تصحُّ من ذنبٍ مع الإصرار على آخَر من نوعه. وأمَّا التَّوبةُ من ذنبٍ مع مباشرةِ آخرَ لا تعلُّقَ له به ولا هو من نوعه، فتصحُّ (١). كما إذا تاب من الرِّبا، ولم يتُب من شرب الخمر مثلًا، فإنَّ توبتَه من الرِّبا صحيحةٌ. وأمّا إذا تاب من ربا الفضل، وأصرَّ على ربا النَّسيئة (٢)، أو بالعكس، أو تاب من تناول الحشيشة وأصرَّ على شرب الخمر، أو بالعكس= فهذا لا تصحُّ توبته. وهو كمن يتوب عن الزِّنى بامرأةٍ، وهو مصرٌّ على الزِّنى بغيرها غيرُ تائبٍ منه، أو تاب من شرب عصير العنب

стр. 550

المُسْكِر، وهو مصرٌّ على غيره من الأشربة المُسْكِرة= فهذا في الحقيقة لم يتُبْ من الذّنب، وإنّما عدَل من نوعٍ منه إلى نوعٍ آخر. بخلاف من عدَل من معصيةٍ إلى معصيةٍ أخرى غيرها في الجنس، إمَّا لأنَّ وزرَها أخفُّ، وإمّا لغلبةِ دواعي الطَّبع إليها وقهرِ سلطان شهوتها له، وإمّا لأنَّ أسبابَها حاضرةٌ لديه عتيدةٌ، لا يحتاج إلى استدعائها بخلاف معصيةٍ يحتاج إلى استدعاء (١) أسبابها، وإمَّا لاستحواذ قُرنائه وخُلطائه عليه، فلا يدَعُونه يتوبُ منها، وله بينهم حُظوةٌ بها وجاهٌ، فلا تطاوعه نفسُه على إفساد جاهه بالتَّوبة، كما قال أبو نواسٍ لأبي العَتَاهِيَة وقد لامه على تهتُّكه في المعاصي: أتراني يا عَتاهي ... تاركًا تلك الملاهي أتراني مفسدًا بالنْـ ... نُسْكِ عند القوم جاهي (٢) فمثلُ هذا إذا تاب من قتل النَّفس، وسرقَة (٣) أموال المعصومين، وأكل أموال اليتامى، ولم يتُب من شرب الخمر والفاحشة= صحَّت توبتُه فيما (٤) تاب منه ولم يؤاخَذ به، وبقي مؤاخَذًا بما هو مصرٌّ عليه. والله أعلم (٥). فصل ومن أحكام التّوبة: أنَّه هلُ يشترط في صحَّتها أن لا يعود إلى الذَّنب أبدًا،

стр. 551

أم ليس ذلك بشرطٍ؟ فشرَط بعضُ النَّاس عدمَ معاودة الذَّنب، وقال: متى عاد إليه تبيَّنَّا أنَّ التَّوبةَ كانت باطلةً غيرَ صحيحة. والأكثرون على أنَّ ذلك ليس بشرطٍ، وإنَّما صحَّةُ التَّوبة تتوقَّف على الإقلاع عن الذّنب، والنَّدم عليه، والعزم الجازم على ترك معاودته. فإن كانت في حقِّ آدميٍّ فهل يشترط تحلُّلُه؟ فيه تفصيلٌ سنذكره إن شاء الله تعالى. فإذا عاوده مع عزمه حالَ التَّوبة على أن لا يعاوده، صار كمن ابتدأ المعصيةَ، ولم تبطل توبتُه المتقدِّمة (١). والمسألةُ مبنيَّةٌ على أصلٍ، وهو: أنَّ العبد إذا تاب من الذَّنب ثمَّ عاوده، فهل يعود إليه إثمُ الذَّنب الذي كان قد تاب منه ثمَّ عاوده، بحيث يستحقُّ العقوبة على الأوّل والآخر إن مات مصرًّا؟ أو أنّ ذلك قد بطل بالكلِّيّة، فلا يعود إثمُه، وإنَّما يعاقَب على هذا الأخير؟ وفي هذا الأصل قولان (٢): فقالت طائفةٌ: يعود إليه إثمُ الذَّنب الأوّل لفساد التَّوبة وبطلانها بالمعاودة. قالوا: لأنَّ التَّوبةَ من الذَّنب بمنزلة الإسلام من الكفر، والكافرُ إذا أسلم هدَم إسلامُه ما قبله من إثم الكفر وتوابعه؛ فإن ارتدَّ عاد إليه الإثم الأوَّلُ مع

стр. 552

إثم الرِّدّة، كما ثبت في "الصَّحيح" (١) عن النَّبيِّ ﷺ أنّه قال: "مَن أحسَنَ في الإسلام لم يُؤاخَذْ بما عمِل في الجاهليّة، ومن أساء في الإسلام أُخِذَ بالأوَّل والآخِر". فهذا حالُ من أسلم وأساء في إسلامه. ومعلومٌ أنَّ الرِّدَّة من أعظم الإساءة في الإسلام، فإذا أُخِذَ بعدها بما كان في حال كفره، ولم يُسْقِطه الإسلامُ المتخلِّلُ بينهما، فهكذا التّوبةُ المتخلِّلةُ بين الذَّنبين لا تُسقِط الإثمَ السَّابقَ، كما لا تمنع الإثمَ اللَّاحقَ. قالوا: ولأنَّ صحَّةَ التَّوبة مشروطةٌ باستمرارها والموافاة عليها، والمعلَّقُ على الشَّرط (٢) عدَمٌ عند عدم الشّرط، كما أنَّ صحَّةَ الإسلام مشروطةٌ باستمراره والموافاة عليه. قالوا: والتَّوبةُ واجبةٌ وجوبًا مضيَّقًا بزمن العمر (٣)، فوقتُها مدَّةُ العمر، إذ يجب عليه استصحابُ حكمها في مدَّة عمره. فهي بالنِّسبة إلى العمر كالإمساك عن المفطِّرات في صوم اليوم، فإذا أمسك معظمَ النَّهار، ثمّ نقَضَ إمساكَه بالمفطِّر بطَل ما تقدَّمه، ولم يُعتدَّ به، وكان بمنزلة من لم يمسك شيئًا من يومه. قالوا: ويدلُّ على هذا الحديثُ الصَّحيحُ، وهو قوله ﷺ : "إنَّ العبدَ لَيعملُ بعمل أهل الجنّة حتّى ما يكون بينه وبينها إلّا ذراعٌ، فيسبِقُ عليه الكتابُ، فيعملُ بعمل أهل النَّار فيدخلُها" (٤). وهذا أعمُّ من أن يكون هذا

стр. 553

العملُ الثّاني كفرًا موجبًا للخلود أو معصيةً موجبةً للدُّخول، فإنَّه لم يقل: "فيرتدُّ فيفارقُ الإسلامَ"، وإنّما أخبر بأنَّه يعمل بعملٍ موجبٍ (١) له النَّار. وفي بعض "السُّنن" (٢): "إنَّ العبدَ لَيعمل بطاعة الله ستِّين سنةً، فإذا كان عند الموت جار في وصيَّته فدخل النَّارَ". فالخاتمةُ السّيِّئةُ أعمُّ من أن تكون خاتمةً بكفرٍ أو بمعصيةٍ، والأعمالُ بالخواتيم. فإن قيل: فهذا (٣) يلزم منه إحباطُ الحسنات بالسّيِّئات، وهذا قول المعتزلة (٤)، والقرآنُ والسُّنةُ قد دلَّا على أنَّ الحسناتِ هي التي تُحبط السّيِّئات لا العكس، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]. وقال النّبيُّ ﷺ لمعاذٍ: "اتّق الله حيثما كنتَ، وأتبِعِ السّيِّئةَ الحسنةَ تمحُها، وخالقِ النَّاسَ بخلُقٍ حسنٍ" (٥).

стр. 554

قيل: والقرآنُ والسُّنّةُ أيضًا قد دلَّا على الموازنة وإحباطِ الحسنات بالسّيِّئات، فلا يُضرَبُ كتابُ الله بعضُه ببعضٍ. ولا يُرَدُّ القولُ بمجرَّد كون المعتزلة قالوه، فعلَ (١) أهلِ الهوى والتّعصُّب، بل يُقبلُ الحقُّ ممَّن قاله، ويُرَدُّ الباطلُ على من قاله. فأمَّا الموازنةُ فمذكورةٌ في سورة الأعراف (٢)، والأنبياء (٣)، والمؤمنين (٤)، والقارعة (٥). وأمَّا الإحباطُ، فقد قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا

стр. 555

الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]. وتفسيرُ الإبطال هاهنا بالرِّدَّة (١) لأنّها أعظمُ المبطلات، لا أنَّ المبطلَ منحصرٌ فيها. وقال تعالى: ﴿(٢٦٣) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ﴾ [البقرة: ٢٦٤]. فهذان شيئان (٢) عرضا بعد الصَّدقة فأبطلاها. وشبَّه سبحانه حالَ إبطالها بالمنِّ والأذى بحال المتصدِّق رياءً، في بطلان صدقة كلِّ واحدٍ منهما. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: ٢]. وفي "الصَّحيح" (٣) عن النّبيِّ ﷺ قال: "من ترك صلاةَ العصر حبِط عملُه". وقالت عائشة ﵂ لأمِّ ولد زيد بن أرقم وقد باع بيعةَ العِينة (٤): أخبري زيدًا أنّه قد أبطل جهادَه مع رسول الله ﷺ إلَّا أن يتوبَ (٥).

стр. 556

وقد نصَّ أحمد على هذا في روايةٍ، فقال: ينبغي للعبد أن يتزوَّج إذا خاف على نفسه. ويستدينُ (١) ويتزوَّجُ، لا يقَعْ في محظورٍ فيحبطَ عملُه (٢). فإذا استقرَّت قاعدةُ الشَّريعة: أنَّ مِن السّيِّئات ما يُحبِط الحسناتِ بالإجماع، ومنها ما يُحبِطها بالنَّصِّ، جاز أن تُحبِطَ سيِّئةُ المعاودة حسنةَ التَّوبة، فتصيرَ التَّوبةُ كأنَّها لم تكن، فيلتقي العملان ولا حاجزَ بينهما، فيكون التّأثيرُ لهما جميعًا. قالوا: وقد دلَّ القرآنُ والسُّنَّةُ وإجماعُ السّلف على الموازنة، وفائدتُها اعتبار الرَّاجح، فيكون التّأثيرُ والعملُ له دون المرجوح. قال ابن مسعودٍ ﵁: يحاسَب النَّاسُ يوم القيامة، فمن كانت سيِّئاتُه أكثرَ من حسناته بواحدةٍ دخَلَ النّارَ، ومن كانت حسناتُه أكثرَ من سيِّئاته بواحدةٍ دخل الجنَّة. ثمَّ قرأ: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [الأعراف: ٨ - ٩]. ثمَّ قال: إنَّ الميزانَ يخِفُّ بمثقال حبَّةٍ أو يرجَحُ. قال: ومن استوت حسناته وسيِّئاته كان من أصحاب الأعراف (٣).

стр. 557

وعلى هذا، فهل يُحبِطُ الرَّاجحُ المرجوحَ حتّى يجعله كأن لم يكن، أو يُحبِط ما قابله بالموازنة، ويبقى التّأثيرُ للقدر الزَّائد؟ فيه قولان للقائلين بالموازنة، ينبني عليهما أنّه (١) إذا كانت الحسناتُ أرجحَ من السّيِّئات بواحدةٍ مثلًا (٢)، فهل يدفع الرَّاجحُ المرجوحَ جملةً؟ فيثاب على الحسنات كلِّها، أو يسقط من الحسنات ما قابلَ السّيِّئاتِ فلا يثاب عليه، ولا يعاقَب على تلك السّيِّئات، فيبقى القدرُ الزّائدُ لا مقابلَ له، فيثابُ عليه وحده؟ وهذا (٣) الأصل فيه قولان لأصحاب الموازنة. وكذلك إذا رجحت السّيِّئاتُ بواحدةٍ، هل يدخل النَّارَ بتلك الواحدة التي سَلِمت عن مقابلٍ، أو بكلِّ السّيِّئاتِ التي رجحت؟ على القولين (٤). هذا كلُّه على أصل أصحاب التَّعليل والحِكَم. وأمّا على أصول الجبريّةِ نُفاةِ التَّعليل والحِكَم والأسباب واقتضائها للثَّواب والعقاب، فالأمرُ مردودٌ عندهم إلى محض المشيئة، من غير اعتبار شيءٍ من ذلك. ولا يدرى عندهم ما يفعل الله، بل يجوز عندهم أن يعاقِبَ صاحبَ الحسنات الرّاجحة، ويثيبَ صاحبَ السّيِّئات الرَّاجحة، ويُدخِلَ الرَّجلين النَّارَ مع استوائهما في العمل وأحدُهما في الدَّرك تحت الآخر، ويغفرَ

стр. 558

لزيدٍ ويعاقبَ عمرًا مع استوائهما من جميع الوجوه، ويُنَعِّمَ من لم يُطِعه قطُّ، ويعذِّب من لم يعصه قطُّ! فليس عندهم سببٌ ولا حكمةٌ، ولا علّةٌ، ولا موازنةٌ، ولا إحباطٌ، ولا تدافُعٌ بين السيئات والحسنات. والخوفُ على المحسن والمسيء واحدٌ، إذ من الجائز تعذيبُهما. وكلُّ مقدورٍ له فجائزٌ عليه، لا يُعلَمُ امتناعُه إلَّا بإخبار الرَّسول أنّه لا يكون، فيمتنع وقوعُه لمطابقة خبرِه العلَم (١) بعدمِ وقوعه. فصل واحتجَّ الفريقُ الآخَر ــ وهم القائلون بأنَّه لا يعود إليه إثمُ الذَّنب الذي تاب منه بنقض التَّوبة ــ بأنَّ ذلك الإثمَ قد ارتفع بالتَّوبة، وصار بمنزلة ما لم يعمله، وكأنّه لم يكن، فلا يعودُ إليه بعد ذلك؛ وإنّما العائدُ إثمُ المستأنَف لا الماضي. قالوا: ولا يُشترَط في صحَّةِ التَّوبة العصمةُ إلى الممات، بل إذا ندِم وأقلَعَ وعزَم على التَّرك مُحِيَ عنه إثمُ الذَّنب بمجرَّد ذلك، فإذا استأنفه استأنفَ إثمه. قالوا: وليس هذا كالكفر الذي يُحبِط الأعمال، فإنَّ الكفرَ له شأنٌ آخر ولهذا يُحبِط جميع الحسنات، ومعاودةُ الذَّنب لا تُحبِط ما تقدّمَه من الحسنات. قالوا: والتّوبةُ من أكبر الحسنات، فلو أبطلَها معاودةُ الذَّنب لأبطَلَ غيرَها من الحسنات. وهذا باطلٌ قطعًا، وهو يشبه مذهبَ الخوارج المكفِّرين

стр. 559

بالذَّنب، والمعتزلةِ المخلِّدين في النّار بالكبيرة التي تقدَّمها الألوفُ من الحسنات؛ فإنَّ الفريقين متَّفقان على خلود أرباب الكبائر في النّار، لكنَّ الخوارجَ كفَّروهم، والمعتزلةَ فسَّقوهم، وكلا المذهبين باطلٌ في دين الإسلام، مخالفٌ للمنقول والمعقول وموجَبِ العدل واللهُ ﴿لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠]. قالوا: وقد ذكر الإمام أحمد ﵀ في "مسنده" (١) مرفوعًا إلى النبيِّ ﷺ : "إنّ الله يحبُّ العبدَ المفتَّن التَّوَّاب". قلتُ: وهو الذي كلَّما فُتِن بالذّنب تاب منه. فلو كان معاودتُه تُبطِل (٢) توبتَه لما كان محبوبًا للرَّبِّ، ولكان ذلك أدعى إلى مقته. قالوا: وقد علَّق الله سبحانه قبولَ التَّوبة بالاستغفار وعدم الإصرار، دون المعاودة، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥]. والإصرار: عقدُ القلب على ارتكاب الذّنب متى ظفر به، فهذا الذي يمنَع مغفرتَه.

стр. 560

قالوا: وأمّا استمرارُ التَّوبة فشرطٌ في صحَّة كمالها ونفعها، لا شرطٌ في صحَّة ما مضى منها، وليس ذلك كصيام اليوم وعدد ركعات الصَّلاة، فإنَّ تلك عبادةٌ واحدةٌ لا تكون مقبولةً إلّا بالإتيان بجميع أركانها وأجزائها. وأمّا التَّوبةُ فهي عباداتٌ متعدِّدةٌ بتعدُّد الذُّنوب، فكلُّ ذنبٍ له توبةٌ تخصُّه (١)، فإذا أتى بعبادةٍ وترك أخرى لم يكن ما ترك مُوجِبًا لبطلان ما فعل، كما تقدَّم تقريره. بل نظير هذا: أن يصوم من رمضان ويُفطِر منه بلا عذرٍ، فهل يكون ما أفطره منه مبطلًا لأجر ما صامه منه؟ بل نظير من صلّى ولم يصُم، أو زكّى ولم يحُجَّ. ونكتة المسألة: أنَّ التَّوبةَ المتقدِّمةَ حسنةٌ، ومعاودةُ الذّنب سيِّئةٌ، فلا تُبطِل معاودتُه هذه الحسنةَ، كما لا تُبطل ما قارنها من الحسنات. قالوا: وهذا على أصول أهل السُّنّة أظهَرُ، فإنّهم متَّفقون على أنَّ الشَّخصَ الواحدَ يكون فيه ولايةٌ لله وعداوةٌ من وجهين مختلفين، ويكون محبوبًا لله مبغوضًا له من وجهين أيضًا، بل يكون فيه إيمانٌ ونفاقٌ، وإيمانٌ وكفرٌ، ويكون إلى أحدهما أقربَ منه إلى الآخر فيكون من أهله، كما قال تعالى: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [آل عمران: ١٦٧]. وقال: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦]. أثبت لهم الإيمانَ به مع مقارنة (٢) الشِّرك، فإن كان مع هذا الشِّرك تكذيبٌ لرسله لم ينفعهم ما معهم من الإيمان بالله. وإن كان معه تصديقٌ برسله، وهم مرتكبون لأنواعٍ من

стр. 561

الشِّرك لا تُخرجهم عن الإيمان بالرُّسل وباليوم الآخر، فهؤلاء مستحقُّون للوعيد أعظم من استحقاق أرباب الكبائر. وشركهم قسمان: شركٌ خفيٌّ وجليٌّ، فالخفيُّ قد يُغفَر، وأمَّا الجليُّ فلا يغفره الله إلّا بالتّوبة منه، فإنَّ الله لا يغفر أن يُشرَك به. وبهذا الأصل أثبت (١) أهلُ السُّنّة دخولَ أهل الكبائر النَّارَ ثمّ خروجَهم منها ودخولَهم الجنَّة، لما قام بهم من السَّببين. فإذا ثبت هذا فمُعاوِدُ (٢) الذَّنبِ مبغوضٌ لله من جهة معاودة الذَّنب، محبوبٌ له من جهة توبته وحسناته السّابقة. فرتَّبَ الله سبحانه على كلِّ سببٍ أثرَه ومسبَّبَه بالعدل والحكمة، ولا يظلم مثقالَ ذرّةٍ ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ﴾ [فصلت: ٤٦]. فصل وإذا استغرقت سيِّئاتُه الحديثاتُ حسناتِه القديماتِ وأبطلتها، ثمَّ تاب منها توبةً نصوحًا خالصةً، عادت إليه حسناتُه، ولم يكن حكمُه حكمَ المستأنفِ لها، بل يقال له: تبتَ على ما أسلفتَ من خيرٍ؛ فإنَّ الحسناتِ التي فعلها في الإسلام أعظمُ من الحسنات التي يفعلها الكافر في كفره من عتاقةٍ وصدقةٍ وصلةٍ. وقد قال حكيم بن حِزامٍ ﵁: يا رسول الله، أرأيتَ عتاقةً أعتقتُها في الجاهليّة، وصدقةً تصدَّقتُ بها، وصلةً وصلتُ بها رحمي، هل (٣)

стр. 562

لي فيها من أجرٍ؟ فقال: "أسلمتَ على ما أسلفتَ من خيرٍ" (١). وذلك أنَّ الإساءةَ المتخلِّلة بين الطَّاعتين قد ارتفعت بالتَّوبة وصارت كأنّها لم تكن، فتلاقت الطّاعتان واجتمعتا. والله أعلم. فصل ومن أحكامها: أنَّ العاصي إذا حيل بينه وبين أسباب المعصية، وعجَز عنها بحيث يتعذَّر وقوعُها منه، هل تصحُّ توبته؟ وهذا كالكاذب والقاذف وشاهدِ الزُّور إذا قُطِع لسانُه، والزّاني إذا جُبَّ، والسَّارقِ إذا أُتي على أطرافه الأربعة، والمزوِّرِ إذا قُطعت يدُه، ومَن وصل إلى حدٍّ بطلت معه دواعيه إلى معصيةٍ كان يرتكبها. ففي هذا قولان للنّاس (٢): فقالت طائفةٌ: لا تصحُّ توبتُه، لأنَّ التَّوبةَ إنّما تكون ممَّن يمكنه الفعلُ والتَّركُ، فالتَّوبةُ من الممكن لا من المستحيل. ولهذا لا تتصوَّر التَّوبةُ من نقل الجبال عن أماكنها، وتنشيف البحار، والطَّيران إلى السَّماء، ونحوه. قالوا: ولأنَّ التَّوبةَ مخالفةُ داعي النَّفس، وإجابةُ داعي الحقِّ، ولا داعيَ للنَّفس هنا، إذ يعلم استحالة الفعل منها. قالوا: ولأنَّ هذا كالمكرَه على التَّرك، المحمول عليه قهرًا، ومثلُ هذا لا تصحُّ توبته.

стр. 563

قالوا: ومن المستقِرِّ في فِطَر النَّاس وعقولهم أنَّ توبةَ المفاليس وأصحاب الجوائح توبةٌ غيرُ معتبرةٍ، ولا يُحمَدون عليها، ولهذا يسمُّونها "توبةَ إفلاسٍ"، و"توبةَ جائحةٍ". قال الشَّاعر: ورحتُ عن توبته سائلًا ... وجدتُها توبةَ إفلاسِ (١) قالوا: ويدلُّ على هذا أيضًا أنَّ النُّصوصَ المتظافرةَ المتظاهرَة قد دلَّت على أنَّ التَّوبةَ عند المعاينة لا تنفع، لأنَّها توبةُ ضرورةٍ لا اختيارٍ. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٧ - ١٨]. والجَهالةُ هاهنا: جهالةُ العمل، وإن كان عالمًا بالتّحريم. قال قتادة ﵁: أجمع أصحابُ رسول الله ﷺ على أنَّ كلَّ ما عُصِيَ الله به فهو جهالةٌ، عمدًا كان أو لم يكن. وكلُّ مَن عصى الله فهو جاهلٌ (٢). وأمَّا التَّوبةُ من قريبٍ، فجمهور المفسِّرين على أنّها التَّوبةُ قبلَ المعاينة. قال عكرمة: قبل الموت. قال الضَّحَّاك: قبلَ معاينة مَلك الموت. وقال السُّدِّيُّ والكلبيُّ: أن يتوب في صحَّته قبلَ مرض موته (٣).

стр. 564

وفي "المسند" (١) وغيره عن ابن عمر ﵄ عن النبيِّ ﷺ قال: "إنّ الله يقبل توبةَ العبد ما لم يُغَرْغِر". وفي نسخة دَرَّاجٍ عن أبي الهيثَم عن أبي سعيدٍ مرفوعًا: "إنَّ الشَّيطانَ قال: وعِزَّتِكَ يا ربِّ، لا أبرح أُغوي عبادَك ما دامت أرواحُهم في أجسادهم. فقال الرّبُّ: وعزَّتي وجَلالي وارتفاع مكاني، لا أزال أغفرُ لهم ما استغفروني" (٢). فهذا شأنُ التّائب من قريبٍ. وأمَّا إذا وقع في السِّياق فقال: إنِّي تبتُ الآن، لم تُقبَل توبتُه. وذلك لأنَّها توبةُ اضطرارٍ لا اختيارٍ، فهي كالتَّوبة بعد طلوع الشَّمس من مغربها، ويومَ القيامة، وعندَ معاينة بأس الله. قالوا: ولأنَّ حقيقةَ التَّوبة هي: كفُّ النَّفس عن الفعل الذي هو متعلَّق النَّهي، والكفُّ إنّما يكون عن أمرٍ مقدورٍ، وأمّا المحالُ فلا يُعقَل كفُّ النَّفس عنه؛ ولأنَّ التّوبةَ هي الإقلاعُ عن الذَّنب، وهذا لا يتصوَّر منه الإيقاعُ حتَّى يتأتّى منه الإقلاع.

стр. 565

قالوا: ولأنَّ الذَّنبَ عزمٌ جازمٌ على فعل المحرَّم يقترن به فعلُه المقدورُ، والتَّوبةُ منه (١) عزمٌ جازمٌ على التَّرك المقدور يقترن به التَّركُ، والعزمُ على غير المقدور محالٌ، والتَّركُ في حقِّ هذا ضروريٌّ لازمٌ غيرُ مقدورٍ له، بل هو بمنزلة تركه للطيران إلى السَّماء وحملِ الجبال (٢) ونحو ذلك. والقول الثَّاني ــ وهو الصَّواب ــ أنَّ توبتَه صحيحةٌ ممكنةٌ، بل واقعةٌ؛ فإنَّ أركانَ التَّوبة مجتمعةٌ فيه، والمقدورُ له منها النَّدم. وفي "المسند" (٣) مرفوعًا: "النَّدَمُ توبةٌ". فإذا تحقَّق ندمُه على الذَّنب ولومُه نفسَه عليه، فهذه توبتُه. وكيف يصحُّ أن تُسلَب التَّوبةُ عنه، مع شدَّة ندمه على الذَّنب، ولومِه نفسَه عليه؟ ولا سيَّما ما يتبعُ ذلك من بكائه وحزنه (٤) وخوفه، وعزمِه الجازم، ونيَّتِه أنّه لو كان صحيحًا والفعلُ مقدورًا له= لما فَعَله. وإذا كان الشّارعُ قد نزَّل العاجزَ عن الطَّاعة منزلةَ الفاعل لها إذا صحَّت نيّتُه، كقوله في الحديث الصَّحيح: "إذا مرِض العبدُ أو سافرَ كُتِبَ له ما كان يعملُ صحيحًا مقيمًا" (٥)، وفي "الصّحيح" (٦) أيضًا عنه: "إنّ بالمدينة أقوامًا ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلّا كانوا معكم". قالوا: وهم بالمدينة؟ قال:
следующие страницы →