← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 199

مدارج السالكين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 526 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

الشِّرك لا تُخرجهم عن الإيمان بالرُّسل وباليوم الآخر، فهؤلاء مستحقُّون للوعيد أعظم من استحقاق أرباب الكبائر. وشركهم قسمان: شركٌ خفيٌّ وجليٌّ، فالخفيُّ قد يُغفَر، وأمَّا الجليُّ فلا يغفره الله إلّا بالتّوبة منه، فإنَّ الله لا يغفر أن يُشرَك به. وبهذا الأصل أثبت (١) أهلُ السُّنّة دخولَ أهل الكبائر النَّارَ ثمّ خروجَهم منها ودخولَهم الجنَّة، لما قام بهم من السَّببين. فإذا ثبت هذا فمُعاوِدُ (٢) الذَّنبِ مبغوضٌ لله من جهة معاودة الذَّنب، محبوبٌ له من جهة توبته وحسناته السّابقة. فرتَّبَ الله سبحانه على كلِّ سببٍ أثرَه ومسبَّبَه بالعدل والحكمة، ولا يظلم مثقالَ ذرّةٍ ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ﴾ [فصلت: ٤٦]. فصل وإذا استغرقت سيِّئاتُه الحديثاتُ حسناتِه القديماتِ وأبطلتها، ثمَّ تاب منها توبةً نصوحًا خالصةً، عادت إليه حسناتُه، ولم يكن حكمُه حكمَ المستأنفِ لها، بل يقال له: تبتَ على ما أسلفتَ من خيرٍ؛ فإنَّ الحسناتِ التي فعلها في الإسلام أعظمُ من الحسنات التي يفعلها الكافر في كفره من عتاقةٍ وصدقةٍ وصلةٍ. وقد قال حكيم بن حِزامٍ ﵁: يا رسول الله، أرأيتَ عتاقةً أعتقتُها في الجاهليّة، وصدقةً تصدَّقتُ بها، وصلةً وصلتُ بها رحمي، هل (٣)

стр. 562

لي فيها من أجرٍ؟ فقال: "أسلمتَ على ما أسلفتَ من خيرٍ" (١). وذلك أنَّ الإساءةَ المتخلِّلة بين الطَّاعتين قد ارتفعت بالتَّوبة وصارت كأنّها لم تكن، فتلاقت الطّاعتان واجتمعتا. والله أعلم. فصل ومن أحكامها: أنَّ العاصي إذا حيل بينه وبين أسباب المعصية، وعجَز عنها بحيث يتعذَّر وقوعُها منه، هل تصحُّ توبته؟ وهذا كالكاذب والقاذف وشاهدِ الزُّور إذا قُطِع لسانُه، والزّاني إذا جُبَّ، والسَّارقِ إذا أُتي على أطرافه الأربعة، والمزوِّرِ إذا قُطعت يدُه، ومَن وصل إلى حدٍّ بطلت معه دواعيه إلى معصيةٍ كان يرتكبها. ففي هذا قولان للنّاس (٢): فقالت طائفةٌ: لا تصحُّ توبتُه، لأنَّ التَّوبةَ إنّما تكون ممَّن يمكنه الفعلُ والتَّركُ، فالتَّوبةُ من الممكن لا من المستحيل. ولهذا لا تتصوَّر التَّوبةُ من نقل الجبال عن أماكنها، وتنشيف البحار، والطَّيران إلى السَّماء، ونحوه. قالوا: ولأنَّ التَّوبةَ مخالفةُ داعي النَّفس، وإجابةُ داعي الحقِّ، ولا داعيَ للنَّفس هنا، إذ يعلم استحالة الفعل منها. قالوا: ولأنَّ هذا كالمكرَه على التَّرك، المحمول عليه قهرًا، ومثلُ هذا لا تصحُّ توبته.

стр. 563

قالوا: ومن المستقِرِّ في فِطَر النَّاس وعقولهم أنَّ توبةَ المفاليس وأصحاب الجوائح توبةٌ غيرُ معتبرةٍ، ولا يُحمَدون عليها، ولهذا يسمُّونها "توبةَ إفلاسٍ"، و"توبةَ جائحةٍ". قال الشَّاعر: ورحتُ عن توبته سائلًا ... وجدتُها توبةَ إفلاسِ (١) قالوا: ويدلُّ على هذا أيضًا أنَّ النُّصوصَ المتظافرةَ المتظاهرَة قد دلَّت على أنَّ التَّوبةَ عند المعاينة لا تنفع، لأنَّها توبةُ ضرورةٍ لا اختيارٍ. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٧ - ١٨]. والجَهالةُ هاهنا: جهالةُ العمل، وإن كان عالمًا بالتّحريم. قال قتادة ﵁: أجمع أصحابُ رسول الله ﷺ على أنَّ كلَّ ما عُصِيَ الله به فهو جهالةٌ، عمدًا كان أو لم يكن. وكلُّ مَن عصى الله فهو جاهلٌ (٢). وأمَّا التَّوبةُ من قريبٍ، فجمهور المفسِّرين على أنّها التَّوبةُ قبلَ المعاينة. قال عكرمة: قبل الموت. قال الضَّحَّاك: قبلَ معاينة مَلك الموت. وقال السُّدِّيُّ والكلبيُّ: أن يتوب في صحَّته قبلَ مرض موته (٣).

стр. 564

وفي "المسند" (١) وغيره عن ابن عمر ﵄ عن النبيِّ ﷺ قال: "إنّ الله يقبل توبةَ العبد ما لم يُغَرْغِر". وفي نسخة دَرَّاجٍ عن أبي الهيثَم عن أبي سعيدٍ مرفوعًا: "إنَّ الشَّيطانَ قال: وعِزَّتِكَ يا ربِّ، لا أبرح أُغوي عبادَك ما دامت أرواحُهم في أجسادهم. فقال الرّبُّ: وعزَّتي وجَلالي وارتفاع مكاني، لا أزال أغفرُ لهم ما استغفروني" (٢). فهذا شأنُ التّائب من قريبٍ. وأمَّا إذا وقع في السِّياق فقال: إنِّي تبتُ الآن، لم تُقبَل توبتُه. وذلك لأنَّها توبةُ اضطرارٍ لا اختيارٍ، فهي كالتَّوبة بعد طلوع الشَّمس من مغربها، ويومَ القيامة، وعندَ معاينة بأس الله. قالوا: ولأنَّ حقيقةَ التَّوبة هي: كفُّ النَّفس عن الفعل الذي هو متعلَّق النَّهي، والكفُّ إنّما يكون عن أمرٍ مقدورٍ، وأمّا المحالُ فلا يُعقَل كفُّ النَّفس عنه؛ ولأنَّ التّوبةَ هي الإقلاعُ عن الذَّنب، وهذا لا يتصوَّر منه الإيقاعُ حتَّى يتأتّى منه الإقلاع.

стр. 565

قالوا: ولأنَّ الذَّنبَ عزمٌ جازمٌ على فعل المحرَّم يقترن به فعلُه المقدورُ، والتَّوبةُ منه (١) عزمٌ جازمٌ على التَّرك المقدور يقترن به التَّركُ، والعزمُ على غير المقدور محالٌ، والتَّركُ في حقِّ هذا ضروريٌّ لازمٌ غيرُ مقدورٍ له، بل هو بمنزلة تركه للطيران إلى السَّماء وحملِ الجبال (٢) ونحو ذلك. والقول الثَّاني ــ وهو الصَّواب ــ أنَّ توبتَه صحيحةٌ ممكنةٌ، بل واقعةٌ؛ فإنَّ أركانَ التَّوبة مجتمعةٌ فيه، والمقدورُ له منها النَّدم. وفي "المسند" (٣) مرفوعًا: "النَّدَمُ توبةٌ". فإذا تحقَّق ندمُه على الذَّنب ولومُه نفسَه عليه، فهذه توبتُه. وكيف يصحُّ أن تُسلَب التَّوبةُ عنه، مع شدَّة ندمه على الذَّنب، ولومِه نفسَه عليه؟ ولا سيَّما ما يتبعُ ذلك من بكائه وحزنه (٤) وخوفه، وعزمِه الجازم، ونيَّتِه أنّه لو كان صحيحًا والفعلُ مقدورًا له= لما فَعَله. وإذا كان الشّارعُ قد نزَّل العاجزَ عن الطَّاعة منزلةَ الفاعل لها إذا صحَّت نيّتُه، كقوله في الحديث الصَّحيح: "إذا مرِض العبدُ أو سافرَ كُتِبَ له ما كان يعملُ صحيحًا مقيمًا" (٥)، وفي "الصّحيح" (٦) أيضًا عنه: "إنّ بالمدينة أقوامًا ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلّا كانوا معكم". قالوا: وهم بالمدينة؟ قال:

стр. 566

"وهم بالمدينة، حبَسهم العذرُ". وله نظائر في الحديث. فتنزيلُ العاجزِ عن المعصية، التّاركِ لها قهرًا ــ مع نيّته تركَها اختيارًا لو أمكنته ــ منزلةَ التَّاركِ المختارِ أولى. يوضِّحه: أنَّ مفسدةَ الذَّنب التي يترتَّب عليها الوعيدُ تنشأ من العزم عليه تارةً ومن فعله تارةً، ومنشأُ المفسدة معدومٌ في حقِّ هذا العاجز فعلًا وعزمًا، والعقوبةُ تابعةٌ للمفسدة. وأيضًا فإنَّ هذا تعذَّر منه الفعلُ، لم يتعذَّر منه التَّمنِّي والوِدادُ، فإذا كان يتمنّى ويودُّ لو واقَعَ الذَّنبَ، ومن نيَّته أنَّه (١) لو كان سليمًا لباشَرَه، فتوبتُه بالإقلاع عن هذا الوِداد والتَّمنِّي والحزنِ على فوته، فإنَّ الإصرارَ متصوَّرٌ في حقِّه قطعًا، فيتصوَّر (٢) في حقِّه ضدُّه وهو التَّوبة، بل هي أولى بالإمكان والتَّصوُّر من الإصرار. وهذا واضحٌ. والفرقُ بين هذا وبين المعايِن ومَن ورد القيامة: أنَّ التَّكليفَ قد انقطع بالمعاينة ووِرْدِ القيامة (٣)، والتَّوبةُ إنّما تكون في زمن التَّكليف، وهذا العاجز لم ينقطع عنه التّكليفُ، فالأوامر والنّواهي لازمةٌ له، والكفُّ متصوَّرٌ منه عن التّمنِّي والوِداد والأسفِ على فوته، وتبديلُ ذلك بالنَّدَم والحزنِ على فعله. والله أعلم.

стр. 567

فصل ومن أحكامها: أنَّ مَن توغَّل ذنبًا، وعزَم على التّوبة منه، ولا يمكنه التّوبةُ منه إلّا بارتكاب معصية (١)، كمن أولَجَ في فرجٍ حرامٍ، ثمّ عزَم على التَّوبة قبل النَّزع الذي هو جزءُ الوطء؛ وكمن توسَّط أرضًا مغصوبةً، ثمَّ عزم على التَّوبة، ولا يمكنه إلّا بالخروج الذي هو مشيٌ فيها وتصرُّفٌ، فكيف يتوبُ من الحرام بحرامٍ مثله؟ وهل تُعقَل (٢) التَّوبةُ من الحرام بالحرامٍ؟ (٣). فهذا ممّا أشكل على بعض النَّاسِ، حتّى دعاه ذلك إلى أن قال بسقوط التَّكليف عنه في هذا الفعل الذي يتخلَّص به من الحرام. قال: لأنَّه لا يمكن أن يكون مأمورًا به وهو حرامٌ، وقد تعيَّن في حقِّه طريقًا للخلاص من الحرام، لا يمكن التّخلُّصُ بدونه، فلا حكمَ في هذا الفعل البتّة، وهو بمنزلة العفو الذي لا يدخل تحت التَّكليف. وقالت طائفةٌ: بل هو حرامٌ واجبٌ، فهو ذو وجهين: مأمورٌ به من أحدهما، منهيٌّ عنه من الآخر. فيؤمر به من حيث تعيُّنه طريقًا للخلاص من الحرام، وهو من هذا الوجه واجبٌ؛ ويُنهى عنه من جهة كونه مباشرةً للحرام، وهو من هذا الوجه محرَّمٌ= فيستحقُّ عليه الثَّوابَ والعقابَ. قالوا: ولا يمتنع كونُ الفعل في الشَّرع ذا وجهين مختلفين، كالاشتغال عن الحرام بالمباح، فإنَّ المباحَ إذا نظرنا إلى ذاته ــ مع قطع النّظر عن ترك

стр. 568

الحرام به ــ قضَينا بإباحته، وإذا اعتبرناه من جهة كونه تاركًا للحرام به كان واجبًا. نعم، غايتُه أنَّه لا يتعيَّن مباحٌ دون مباحٍ، فيكون واجبًا مخيَّرًا. قالوا: وكذلك الصَّلاةُ في الدَّار المغصوبة، هي حرامٌ وهي واجبةٌ، وسترُ العورة بثوب الحرير كذلك حرامٌ واجبٌ، من وجهين مختلفين. والصَّواب: أنَّ هذا النَّزعَ والخروجَ من الأرض توبةٌ ليس بحرامٍ، إذ هو مأمورٌ به قطعًا، ومحالٌ أن يؤمرَ بالحرام، وإنّما كان النَّزعُ الذي هو جزء الوطء حرامًا لقصد التّلذُّذِ به وتكميلِ الوطء. وأمّا النَّزعُ الذي يُقْصَد به مفارقةُ الحرام ويقطَعُ لذَّةَ المعصية (١)، فلا دليل على تحريمه، لا من نصٍّ ولا إجماعٍ ولا قياسٍ صحيحٍ يستوي فيه الأصلُ والفرعُ في علّةَ الحكم. ومحالٌ خلوُّ هذه الحادثة عن حكمٍ لله فيها، وحكمُه فيها: الأمرُ بالنَّزع قطعًا، وإلّا كانت الاستدامةُ مباحةً، وذلك عينُ المحال. وكذلك الخروجُ من الأرض (٢) مأمورٌ به، وإنّما تكون الحركةُ والتَّصرُّف في ملك الغير حرامًا إذا كان على وجه الانتفاع بها المتضمِّنِ لإضرار مالكها. أمَّا إذا كان لقصدِ تركِ الانتفاع وإزالةِ الضَّرر عن المالك، فلم يحرِّم الله ولا رسولُه ذلك، ولا دلَّ على تحريمه نظرٌ صحيحٌ ولا قياسٌ صحيحٌ. وقياسُه على مشيِ (٣) مستديمِ الغَصْب وقياسُ نزع التّائب على نزع المستديم: من أفسَدِ القياس وأبينه بطلانًا.

стр. 569

ونحن لا ننكر كونَ الفعل الواحد يكون له وجهان، ولكن إذا تحقَّق النَّهيُ عنه والأمرُ به أمكن اعتبارُ وجهيه؛ فإنَّ الشَّارعَ أمرَ بستر العورة، ونهى عن لُبس الحرير، فهذا السَّاترُ لها بالحرير قد ارتكب الأمرَين، فصار فعلُه ذا وجهين. فأمَّا (١) محلُّ النِّزاع، فلم يتحقَّق فيه النَّهيُ عن النَّزع والخروجِ من الأرض من الشَّارع البتَّة، لا بقوله ولا بمعقول قوله، إلّا باعتبار هذا الفرد بفردٍ آخر، بينهما أشدُّ تباينٍ وأعظمُ فرقٍ في الحسِّ والعقل والفطرة والشَّرع. وأمّا إلحاقُ هذا الفرد بالعفو فإن أريد به أنّه معفوٌّ له عن المؤاخذة به فصحيحٌ. وإن أريد أنَّه لا حكمَ لله فيه، بل هو بمنزلة فعل البهيمة والنَّائم والنّاسي والمجنون، فباطلٌ، إذ هؤلاءُ غير مخاطَبين، وهذا مخاطَبٌ بالنَّزع والخروج، فظهر الفرق. والله الموفِّق للصّواب. فإن قيل: هذا يتأتّى لكم فيما إذا لم يكن في المفارقة بنزعٍ أو خروجٍ مفسدةٌ. فما تصنعون فيما إذا تضمَّن مفسدةً مثل مفسدة الإقامة، كمن توسَّط جماعةَ جرحى ليسلبهم (٢)، فطرح نفسَه على واحدٍ، إن أقام عليه قتَلَه بثِقَلِه، وإن انتقل عنه لم يجد بدًّا من انتقاله إلى مثله يقتلُه بثِقَلِه، وقد عزم على التَّوبة، فكيف تكون توبته؟ (٣).

стр. 570

قيل: توبةُ مثل هذا بالتزام أخفِّ المفسدتين، من الإقامة على الذَّنب المعيَّن أو الانتقال عنه. فإن تساوت مفسدةُ الإقامة على الذَّنب ومفسدةُ الانتقال عنه من كلِّ وجهٍ، فهذا يؤمر من التَّوبة بالمقدور له منها، وهو: النَّدَم والعزمُ الجازمُ على ترك المعاودة. وأمَّا الإقلاعُ فقد تعذَّر في حقِّه إلّا بالتزام مفسدةٍ أخرى مثلِ (١) مفسدته. فقيل: إنّه لا حكمَ لله في هذه الحادثة (٢)، لاستحالة ثبوت شيءٍ من الأحكام الخمسة فيها، إذ إقامتُه على الجريح تتضمَّن مفسدةَ قتله، فلا يؤمَر بها ولا هو مأذونٌ له فيها. وانتقالُه عنه يتضمَّن مفسدةَ قتلِه الآخرَ (٣)، فلا يؤمَر بالانتقال ولا يؤذن له فيه، فتعذَّر الحكمُ في هذه الحادثة، وعلى هذا فتتعذَّرُ التَّوبةُ منها. والصّوابُ: أنّ التَّوبة غيرُ متعذِّرةٍ، ولله فيها حكمٌ؛ فإنّه لا واقعةَ إلّا ولله فيها حكمٌ، علِمَه مَن علِمَه وجَهِلَه مَن جَهِله. فيقال: حكمُ الله في هذه الواقعة كحكمه في المُلْجَأ، فإنّه قد أُلجئ قدرًا إلى إتلاف أحد النَّفسين ولا بدَّ، والمُلْجَأُ ليس له فعلٌ يضاف إليه، بل هو آلةٌ. فإذا صار هذا كالمُلجأ، فحكمُه أن لا يكون منه حركةٌ ولا فعلٌ ولا اختيارٌ، فلا يعدِل من واحدٍ إلى واحدٍ، بل يتخلّى عن الحركة والاختيار، ويستسلم استسلامَ من هو عليه (٤)، إذ لا قدرةَ له على حركةٍ مأذونٍ له فيها البتَّةَ؛ فحكمُه الفناءُ عن الحركة والاختيار

стр. 571

وشهودُ نفسه كالحجَر الملقى على هذا الجريح. ولا سيَّما إن كان قد ألقي عليه بغير اختياره، فليس له أن يلقي نفسَه على جاره لينجيه بقتله. والقدرُ ألقاه على الأوّل، فهو معذورٌ به، فإذا انتقل إلى الثّاني انتقل بالاختيار والإرادة. فهكذا إذا ألقى نفسه عليه باختياره ثمّ تاب وندم، لا نأمرُه بإلقاء نفسه على جاره، ليتخلَّص من الذَّنب بذنبٍ مثلِه سواءً. وتوبةُ مثل هذا إنّما تتصوَّر بالنَّدَم والعزم فقط، لا بالإقلاع؛ والإقلاعُ (١) في حقِّه مستحيلٌ، فهو كمن أولَجَ في فرجٍ حرامٍ، ثمّ شُدَّ ورُبِط في حال إيلاجه بحيث لا يمكنه النَّزعُ البتّة؛ فتوبتُه بالنَّدم والعزم والتَّجافي بقلبه عن السُّكون إلى الاستدامة. وكذلك توبةُ الأوّل بذلك وبالتَّجافي عن الإرادة والاختيار. والله أعلم. فصل ومن أحكامها: أنّها إذا كانت متضمِّنةً لحقِّ آدميٍّ أن يخرُجَ إليه منه، إمَّا بأدائه وإمَّا باستحلاله منه بعد إعلامه به، إن كان حقًّا ماليًّا أو جنايةً على بدنه أو بدن موروثه، كما ثبت عن النّبيِّ ﷺ أنّه قال: "من كان لأخيه عنده مظلمةٌ من مالٍ أو عرضٍ، فليتحلَّلْه اليومَ، قبل أن لا يكون دينارٌ ولا درهمٌ إلّا الحسناتُ والسّيِّئاتُ" (٢). وإن كانت المظلمة بقدحه فيه بغيبةٍ (٣) أو قذفٍ، فهل يُشترَط في توبته

стр. 572

منها إعلامُه بذلك بعينه والتّحلُّل منه، أو إعلامه بأنّه نال (١) من عرضه ولا يشترط تعيينُه، أو لا يشترط لا هذا ولا هذا، بل يكفي في توبته أن يتوب بينه وبين الله تعالى من غير إعلام مَن قذفه واغتابه؟ على ثلاثة أقوالٍ. وعن أحمد ﵁ روايتان منصوصتان في حدِّ القذف، هل يشترط في توبة القاذف إعلامُ المقذوف والتّحلُّل منه أم لا؟ ويخرَّج عليهما توبةُ المغتاب والشَّاتم. والمعروف من (٢) مذهب الشّافعيِّ وأبي حنيفة ومالكٍ: اشتراطُ الإعلام والتّحلُّل. هكذا ذكر أصحابُهم في كتبهم (٣). والّذين اشترطوا ذلك احتجُّوا بأنَّ الذَّنبَ حقُّ آدميٍّ، فلا يسقط إلّا بإحلاله منه وإبرائه. ثمَّ مَن لم يصحِّح البراءةَ من الحقِّ المجهول يشترط (٤) إعلامَه بعينه، لا سيَّما إذا كان مَن عليه الحقُّ عارفًا بقدره، فلا بدَّ من إعلام مستحقِّه به، لأنَّه قد لا تسمح نفسُه بالإبراء منه إذا عرف قدره. واحتجُّوا بالحديث المذكور، وهو قوله: "من كان لأخيه عنده مظلمةٌ من مالٍ أو عرضٍ، فليتحلَّله اليومَ". قالوا: ولأنّ في هذه الجناية حقَّين: حقًّا لله، وحقًّا لآدميٍّ، فالتَّوبةُ منها بتحلُّلِ الآدميِّ، والنَّدمِ فيما بينه وبين الله لأجل حقِّه.

стр. 573

قالوا: ولهذا كانت توبةُ القاتل لا تتِمُّ إلّا بتمكين وليِّ الدَّم من نفسه إن شاء اقتصَّ وإن شاء عفا. وكذلك توبةُ قاطعِ الطَّريق. والقول الآخر: أنّه لا يُشترَط الإعلامُ بما نال من عرضه وقذفه واغتيابه، بل يكفي توبته بينه وبين الله، ويذكرُ المغتابَ والمقذوفَ في مواضع غيبته وقذفه بضدِّ ما ذكره به من الغيبة، فيبدِّلُ غيبتَه بمدحه والثّناء عليه وذكر محاسنه، وقذفَه بذكر عفّته وإحصانه، ويستغفر له بقدر ما اغتابه. وهذا اختيار شيخنا (١) قدَّس الله روحَه (٢). واحتجَّ أصحابُ هذه المقالة بأنّ إعلامه مفسدةٌ محضةٌ لا تتضمَّن مصلحةً، فإنّه لا يزيده إلّا أذًى وحنقًا وغمًّا، وقد كان مستريحًا قبل سماعه، فإذا سمعه ربّما لم يصبر على حمله، وأورثَه ضررًا في نفسه أو بدنه (٣)، كما قال الشّاعر: فإنَّ الذي يؤذيك منه سماعُه ... وإنَّ الذي قالوا وراءك لم يُقَلْ (٤)

стр. 574

وما كان هكذا فإنَّ الشَّارعَ لا يبيحه، فضلًا عن أن يوجبه ويأمر به. قالوا: وربَّما كان إعلامُه به سببًا للعداوة والحرب بينه وبين القائل، فلا يصفو له أبدًا، ويورثُه علمُه به عداوةً وبغضاءَ مولِّدةً لشرٍّ أكبرَ من شرِّ الغيبة والقذف. وهذا ضدُّ مقصود الشَّارع من تآلُف القلوب والتَّراحُم والتَّعاطُف والتَّحابِّ. قالوا: والفرق بين ذلك وبين الحقوق الماليِّة وجنايات الأبدان من وجهين: أحدهما: أنّه قد ينتفع بها إذا رجعت إليه، فلا يجوز إخفاؤها عنه، فإنَّه محضُ حقِّه، فيجب عليه أداؤه إليه؛ بخلاف الغيبة والقذف، فإنَّه ليس هناك شيءٌ ينفعه يؤدِّيه إليه إلَّا إضرارُه وتهييجُه فقط. فقياسُ أحدهما على الآخر من أفسَدِ القياس. والثّاني: أنّه إذا أعلمه بها لم يؤذه، ولم يهيِّج منه غضبًا وعداوةً، بل ربَّما سرّه ذلك وفرح به؛ بخلاف إعلامِه بما مزَّق به عرضَه طول عمره ليلًا ونهارًا، من أنواع القذف والغيبة والهجو. فاعتبارُ أحدهما بالآخر اعتبارٌ فاسدٌ. وهذا هو الصَّحيحُ من القولين كما رأيتَ. والله أعلم. فصل ومن أحكامها: أنَّ العبد إذا تاب من الذَّنب فهل يرجع إلى ما كان عليه قبل الذَّنب من الدَّرجة التي حطَّه عنها الذَّنبُ، أو لا يرجع إليها؟ (١).

стр. 575

اختلف في ذلك. فقالت طائفةٌ: يرجع إلى درجته، لأنَّ التَّوبةَ تجُبُّ الذَّنبَ بالكلِّيّة، وتُصيِّره كأن لم يكن، والمقتضي لدرجته ما معه من الإيمان والعمل الصّالح، فعاد إليها بالتّوبة. قالوا: ولأنَّ التَّوبةَ حسنةٌ عظيمةٌ وعملٌ صالحٌ، فإن كان ذنبُه قد حطَّه عن درجته، فحسنتُه بالتَّوبة رقَّته (١) إليها. وهذا كمن سقط في بئرٍ، وله صاحبٌ شفيقٌ، أدلى إليه حبلًا تمسَّك به حتّى رقي منه إلى موضعه. فهكذا التَّوبةُ والعملُ الصَّالحُ مثل هذا القرين الصَّالح والأخ الشَّفيق. وقالت طائفةٌ: لا يعود إلى درجته وحاله، لأنّه لم يكن في وقوفٍ، بل كان (٢) في ترقٍّ وصعودٍ، فبالذَّنب صار في نزولٍ وهبوطٍ؛ فإذا تاب نقَص عليه ذلك القدرُ الذي كان مستعدًّا فيه للتَّرقِّي. قالوا: ومثَلُ هذا مثَلُ رجلين سائرين على طريقٍ سيرًا واحدًا، ثمّ عرَض لأحدهما ما ردَّه على عقبه أو أوقفه، وصاحبُه سائرٌ؛ فإذا استقال هذا رجوعَه ووقفتَه وسار بإثر صاحبه لم يلحَقْه أبدًا، لأنَّه كلَّما سار مرحلةً تقدَّم ذلك أخرى. قالوا: والأوَّلُ سيرُه بقوّة أعماله (٣)، وكلَّما ازداد سيرًا ازدادت قَوّتُه.

стр. 576

وذلك الواقف الذي رجع قد ضعفت قوَّةُ سيره بالوقوف والرُّجوع. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يحكي هذا الخلاف، ثمَّ قال: والصَّحيحُ أنَّ من التَّائبين (١) من لا يعود إلى درجته، ومنهم من يعود إليها، ومنهم من يعود إلى أعلى منها فيصير خيرًا ممَّا كان قبل الذَّنب. وكان داود بع التَّوبة خيرًا منه قبل الخطيئة. قال: وهذا بحسب حال التّائب بعد توبته وعزمه وحذره وجدِّه (٢) وتشميره. فإن كان ذلك أعظمَ ممَّا كان له قبل الذّنب عاد خيرًا ممّا كان وأعلى درجةً، وإن كان مثلَه عاد إلى مثل حاله، وإن كان دونه لم يعُد إلى درجته وكان منحطًّا عنها (٣). وهذا الذي ذكره هو فصلُ النِّزاع في هذه المسألة. ويتبيَّن هذا بمثلين مضروبين: أحدهما: رجلٌ مسافرٌ سائرٌ على الطَّريق بطمأنينةٍ وأمنٍ، فهو يعدو مرَّةً ويمشي أخرى، ويستريح تارةً وينام أخرى. فبينا هو كذلك إذ عرض له في طريق سيره ظلٌّ ظليلٌ، وماءٌ باردٌ، ومقيلٌ، وروضةٌ مزهرةٌ؛ فدعته نفسُه إلى النُّزول عليها، فنزلَ عليها، فوثب عليه منها عدوٌّ، فأخَذَه وقيَّده وكتَّفه ومنَعه عن السَّير، فعاين الهلاك وظنّ أنّه منقطَعٌ به، وأنَّه رزقُ الوحوش والسِّباع،

стр. 577

وأنّه قد حيل بينه وبين مقصده الذي يؤمُّه. فبينا هو على ذلك تتقاذف به الظُّنونُ، إذ وقف على رأسه والده الشَّفيقُ القادرُ، فحلَّ كِتافَه وقيودَه، وقال: اركب الطَّريقَ، واحذر هذا العدوَّ، فإنَّه على منازل الطَّريق بالمرصاد. واعلم أنّك ما دمتَ حاذرًا له متيقِّظًا لا يقدر عليك، فإذا غفلتَ وثَب عليك، وأنا متقدِّمك إلى المنزلة وفرَطٌ لك، فاتَّبِعني على الأثر. فإن كان هذا السّائرُ كيِّسًا فَطِنًا لبيبًا حاضر الذِّهن والعقل، استقبل سيرَه استقبالًا آخرَ (١)، واشتدَّ حذرُه، وتأهَّب لهذا العدوِّ، وأعدَّ له عُدَّتَه، فكان سيرُه الثّاني أقوى من الأوّل وخيرًا منه، ووصوله إلى المنزل أسرعَ. وإن غفَل عن عدوِّه وعاد إلى مثل حاله الأولى من غير زيادةٍ ولا نقصانٍ ولا قوَّةِ حذرٍ واستعدادٍ عاد كما كان، وهو معرَّضٌ لما عرَض له أولًا. وإن أورثه ذلك توانيًا في سَيره وفتورًا، وتذكُّرًا لطِيب مقيله وحُسنِ ذلك الرَّوض وعذوبة مائه وتفيُّؤ ظلاله، وسكونًا بقلبه إليه= لم يعُدْ إلى مثل سَيره ونقَص عمَّا كان. المثلُ الثَّاني: عبدٌ في صحَّةٍ وعافية جسمٍ، عرَضَ له مرضٌ أوجب له حِمْيةً وشربَ دواءٍ وتحفُّظًا من التَّخليط، ونفَضَ (٢) بذلك عنه مادّةً رديَّةً كانت مُنقِصةً لكمال قوّته وصحَّته، فعاد بعد المرض أقوى ممَّا كان قبله (٣): لعلَّ عتبَك محمودٌ عواقبه ... وربَّما صحَّت الأجسامُ بالعِلَلِ (٤)

стр. 578

وإن أوجب له ذلك المرضُ ضعفًا في القوَّة، وتداركه بمثل ما نقص من قوَّته، عاد إلى مثل ما كان. وإن تداركه بدون ما نقص من قوَّته عاد إلى دون ما كان عليه من القوَّة. وفي هذين المثلين كفايةٌ لمن تدبَّرهما. وقد ضُرِب لذلك (١) مثلٌ آخَرُ برجلٍ خرج من بيته يريد الصَّلاةَ في الصَّفِّ الأوّل، لا يَلوي على شيءٍ في طريقه، فعرَض له رجلٌ من خلفه جبَذ (٢) ثوبَه وأوقفه قليلًا، يريد تعويقَه عن الصَّلاة، فله معه حالان: أحدهما: أن يشتغل به حتَّى تفوته الصَّلاةُ. فهذه حالُ غيرِ التّائب. الثّانية: أن يجاذبَه على نفسه، ويتفلَّت منه، لئلَّا تفوتَه الصَّلاة. ثمّ له بعد هذا التّفلُّت ثلاثةُ أحوالٍ: أحدها: أن يكون سيره جَمْزًا ووثوبًا (٣)، ليستدرك ما فاته بتلك الوقفة، فربَّما استدركه وزاد عليه. الثّاني: أن يعود إلى مثل سيره. الثّالث: أن تورثه تلك الوقفةُ فتورًا وتهاونًا، فيفوتَه فضيلةُ الصَّفِّ الأوّل، أو فضيلةُ الجماعة وأوّل الوقت. فهكذا التائبُ (٤) سواءً.

стр. 579

فصل ويتبيَّن هذا بمسألةٍ شريفةٍ، وهي أنَّه هل المطيعُ الذي لم يعصِ خيرٌ من العاصي الذي تاب إلى الله توبةً نصوحًا، أو هذا التّائبُ أفضَلُ منه؟ اختُلِفَ في ذلك. فطائفةٌ رجَّحَت مَن لم يعصِ على من عصى وتاب (١)، واحتجُّوا بوجوهٍ: أحدها: أنَّ أكملَ الخلق وأفضلَهم أطوَعُهم لله تعالى، وهذا الذي لم يعصِ أطوَعُ، فيكون أفضل. الثّاني: أنَّ في زمن اشتغال العاصي بمعصيته يسبقه المطيعُ عدَّةَ مراحل إلى فوق، فتكون درجتُه أعلى من درجته. وغايته أنّه إذا تاب استقبل سيَره ليلحقَه، وذلك في سيرٍ آخر، فأنَّى له بلَحاقه! فهما بمنزلة رجلين مشتركين في الكسب، كلَّما كسَب أحدُهما شيئًا كسَب الآخرُ مثلَه، فعمَد أحدُهما إلى كسبه فأضاعه، وأمسَكَ عن الكسبِ المستأنَفِ؛ والآخَرُ يجِدُّ (٢) في الكسب، فإذا أدركته حميَّةُ المنافسة، وعاد إلى الكسب، وجد صاحبَه قد كسَب في تلك المدَّة، شيئًا كثيرًا، فلا يكسب شيئًا إلّا كسب صاحبه نظيرَه (٣)، فأنّى له بمساواته! الثّالث: أنَّ غايةَ التَّوبةِ أن تمحو عن هذا سيِّئاتِه، ويصير بمنزلة من لم

стр. 580

يعملها، فيكون سعيُه في مدَّة المعصية لا له ولا عليه؛ فأين هذا السَّعيُ من سعي مَن هو كاسبٌ رابحٌ! الرّابع: أنَّ الله يمقت على معاصيه ومخالفة أوامره، ففي مدّة اشتغال هذا بالذُّنوب كان حظُّه المقتَ، وحظُّ المطيع الرِّضا، فالله لم يزل عنه راضيًا، ولا ريب أنّ هذا خيرٌ ممَّن كان الله راضيًا عنه، فمقَتَه (١)، ثمَّ رضي عنه؛ فإنَّ الرِّضا المستمرَّ خيرٌ من الذي تخلَّلَه المقتُ. الخامس: أنَّ الذَّنبَ بمنزلة شُرب السَّمِّ، والتَّوبةُ هي ترياقه ودواؤه، والطَّاعةُ هي الصِّحّة والعافية؛ وصحّةٌ وعافيةٌ مستمرّةٌ خيرٌ من صحّةٍ تخلَّلها مرضٌ وشربُ سمٍّ أفاق منه (٢). السّادس: أنَّ العاصي على خطرٍ شديدٍ، فإنّه دائرٌ بين ثلاثة أشياء: أحدُها: العطَب والهلاك بشرب السَّمِّ. الثّاني: النُّقصان من القوّة وضعفها إن سلِمَ من الهلاك. والثّالث: عودُ قوّته إليه كما كانت أو خيرًا منها. والأكثرُ إنّما هو القسمان الأوّلان، ولعلَّ الثَّالثَ نادرٌ جدًّا. فهو على يقينٍ من ضرر السَّمِّ، وعلى رجاءٍ من حصول العافية؛ بخلاف من لم يتناول ذلك. السّابع: أنَّ المطيعَ قد أحاط على بستان طاعته حائطًا حصينًا لا يجد

стр. 581

العدوُّ (١) إليه سبيلًا، فثمرتُه وزهرتُه ونضرتُه وبهجتُه في زيادةٍ ونموٍّ أبدًا. والعاصي قد فتَح فيه ثَغْرةً (٢)، ومكَّن منه السُّرَّاقَ والأعداءَ، فدخلوا فعاثوا فيه، وأفسدوا (٣)، وقطَّعوا ثمرته، وأحرقوا في نواحيه، وقطعَوا ماءه، أو نقَصوا سقيَه (٤)، فإذا تداركه قَيِّمُه ولمَّ شعَثَه، وأصلَح ما فسد منه، وفتَح طرقَ مائه، وعمَّر ما خَرِب منه؛ فإنّه إمَّا أن يعود كما كان، أو أنقصَ، أو خيرًا؛ ولكن لا يلحق بستانَ صاحبه الذي لم يزل على نضارته وحسنه، بل في زيادةٍ ونموٍّ (٥). الثّامن: أنَّ طمعَ العدوِّ في هذا العاصي إنّما كان لضعفِ علمه وضعفِ عزيمته، ولذلك يسمّى جاهلًا. قال قتادة ﵁: أجمع (٦) أصحابُ رسول الله ﷺ على أنَّ كلَّ ما عُصي الله به فهو جهالةٌ (٧). وكذلك قال الله تعالى في حقِّ آدم ﵇: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥]. وقال في حقِّ غيره: ﴿كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا﴾ [الأحقاف: ٣٥]. وأمَّا من قويت عزيمتُه، وكمُل علمُه، وقوي إيمانُه= لم يطمع فيه عدوُّه، فكان (٨) أفضل. التّاسع: أنَّ المعصيةَ لا بدَّ أن تؤثِّر أثرًا سيِّئًا، ولا بدَّ: إمَّا هلاكًا كلِّيًّا، وإمَّا

стр. 582

خسرانًا وعقابًا يعقبُه إمَّا (١) عفوٌ ودخولُ الجنّة، وإمّا نقصُ درجةٍ، وإمّا خمودُ مصباح الإيمان. وعملُ التوبة في رفع هذه الآثار والتَّكفير، وعملُ المطيع في الزِّيادة ورفعة الدّرجات. ولهذا كان قيامُ اللَّيل نافلةً للنّبيِّ ﷺ خاصّةً فإنَّه يعمل في زيادة الدَّرجات، وغيرُه يعمل في التكفير، وأين هذا من هذا؟ العاشر: أنَّ المقبلَ على الله له سيرٌ (٢) بجملة أعماله، وكلَّما ازدادت (٣) طاعاتُه وأعمالُه ازداد كسبُه بها وعظُمَ. وهو بمنزلة من سافر (٤)، فكسب عشرةَ أضعاف رأس ماله، فسافر ثانيًا برأسِ ماله الأوّل وكسبِه، فكسَب عشرةَ أضعافه أيضًا، فسافر ثالثًا أيضًا بهذا المال كلِّه، وكان ربحُه كذلك، وهلمَّ جرًّا. فإذا فتَر عن السَّفر في آخر أمره مرّةً واحدةً فاته من الرِّبح بقدر جميع ما ربح أو أكثرَ منه. وهذا معنى قول بعض العارفين (٥): لو أقبل عبدٌ على الله كذا وكذا سنةً ثمّ أعرض عنه لحظةً واحدةً كان ما فاته أكثرَ ممَّا حصل له (٦). وهو صحيحٌ بهذا المعنى، فإنّه قد فاته في مدّة الإعراض ربحُ تلك الأعمال

стр. 583

كلِّها، وهو أزيَدُ من الرِّبح المتقدِّم. فإذا كان هذا حالَ من أعرض، فكيف مَن عصى وأذنب؟ وفي هذا الوجه كفايةٌ. فصل وطائفةٌ رجَّحت التّائبَ، وإن لم تنكر كونَ الأوّل أكثرَ حسناتٍ منه. واحتجَّت بوجوهٍ: أحدها: أنَّ عبوديّةَ التَّوبة من أحبِّ العبوديّات إلى الله وأكرمِها عليه، فإنّه سبحانه يحبُّ التّوّابين. ولو لم تكن التَّوبةُ أحبَّ الأشياء إليه لما ابتلى بالذَّنب أكرمَ الخلقِ عليه. فلمحبّته لتوبة عبده ابتلاه بالذَّنب الذي يُوجِب وقوعَ محبوبه من التَّوبة، وزيادةَ محبَّتِه لعبده، فإنَّ للتّائبين عنده محبّةً خاصّةً. يوضِّح ذلك: الوجه الثّاني: أنَّ للتَّوبة عنده سبحانه منزلةً ليست لغيرها من الطَّاعات. ولهذا يفرح سبحانه بتوبة عبده حين يتوب (١) أعظمَ فرحٍ يقدَّر، كما مثَّلَه النّبيُّ ﷺ بفرح الواجد لراحلته التي عليها طعامُه وشرابُه في الأرض الدَّوِّيَّةِ المهلكة، بعد ما فقدها وأيِسَ من أسباب الحياة (٢). ولم يجئ هذا الفرحُ في شيءٍ من الطَّاعات سوى التَّوبة. ومعلومٌ أنَّ لهذا الفرح تأثيرًا عظيمًا في حال التّائب وقلبه، ومزيدُه لا يعبَّر عنه. وهو من أسرار تقدير الذُّنوب على العباد، فالعبدُ ينال بالتَّوبة درجةَ المحبوبيَّة، فيصير حبيبًا لله، فإنَّ الله يحبُّ التَّوَّابين ويحبُّ العبدَ المفتَّنَ التَّوَّابَ (٣). يوضِّحه:

стр. 584

الوجه الثّالث: أنَّ عبوديّةَ التَّوبة فيها من الذُّلِّ والانكسار والخضوع، والتّملُّقِ لله، والتّذلُّلِ له= ما هو أحبُّ إليه من كثيرٍ من الأعمال الظَّاهرة. فإن (١) زادت في القدر والكمِّيَّة على عبوديَّة التَّوبة، فإنَّ الذُّلَّ والانكسارَ روحُ العبوديّة ومخُّها ولبُّها. يوضِّحه: الوجه الرّابع: أنَّ حصولَ مراتب الذُّلِّ والانكسار للتّائب أكملُ منها لغيره، فإنّه قد شارك مَن لم يُذنب في ذلِّ الفقر، والعبوديّة، والمحبّة؛ وامتاز عنه بانكسار المعصية (٢)، والله سبحانه أقربُ ما يكون إلى عبده عند ذلِّه وانكسار قلبه، كما في الأثر الإسرائيليِّ: "يا ربِّ أين أجدك؟ قال: عند المنكسِرة قلوبُهم من أجلي" (٣). ولأجل هذا "أقربُ ما يكون العبد من ربِّه وهو ساجدٌ" (٤)، لأنّه مقامُ ذلٍّ وانكسارٍ بين يدي ربِّه . وتأمَّلْ قولَ النَّبيِّ ﷺ فيما يروي عن ربِّه ﵎ أنّه يقول يوم القيامة: "ابنَ آدم، استطعمتُك فلم تُطعِمْني. قال: يا ربِّ، كيف أُطْعِمُك وأنت ربُّ العالمين؟ قال: استطعمك عبدي فلم تُطْعِمْه، أمَا لو أطعمتَه لوجدتَ ذلك عندي. ابنَ آدم، استسقيتُك فلم تَسْقِني. قال: يا ربِّ، كيف أسقيك، وأنت ربُّ العالمين؟ قال: استسقاك عبدي فلانٌ فلم تَسْقِه، أمَا لو سقيتَه لوجدتَ ذلك عندي. ابنَ آدم، مرضتُ فلم تَعُدْني. قال: يا ربِّ، كيف أعودك،

стр. 585

وأنت ربُّ العالمين؟ قال: أمَا إنَّ عبدي فلانًا مرِضَ فلم تعُدْه، أمَا لو عُدْتَه لوجدتَني عنده" (١). فقال في عيادة المريض: "لوجدتَني عنده"، وقال في الإطعام والإسقاء: "لوجدتَ ذلك عندي"، ففرَّق بينهما، فإنَّ المريضَ مكسورُ القلب ولو كان من كان، فلا بدَّ أن يكسره المرضُ، فإذا كان مؤمنًا قد انكسر قلبُه بالمرض كان الله عنده (٢). وهذا ــ والله أعلم ــ هو السِّرُّ في استجابة دعوة الثّلاثة: المظلوم، والمسافر، والصّائم للكَسْرة التي في قلبِ كلِّ واحدٍ منهم، فإنَّ غربة المسافر وكسْرتَه ممّا يجده العبدُ في نفسه، وكذلك الصَّومُ فإنَّه يكسِر سورةَ النَّفس السَّبُعيّةِ الحيوانيّةِ ويُذلُّها. والقصدُ: أنّ شمعةَ الخير والفضل والعطايا إنَّما تنزل في شَمْعَدَانِ (٣) الانكسار، وللعاصي التّائبِ من ذلك نصيبٌ وافرٌ (٤). يوضِّحه: الوجه الخامس: أنَّ الذَّنبَ قد يكون أنفعَ للعبد ــ إذا اقترنت به التَّوبةُ ــ من كثيرٍ من الطَّاعات. وهذا معنى قول بعض السَّلف: قد يعمل العبدُ الذَّنبَ (٥) فيدخل به الجنَّةَ، ويعملُ الطَّاعةَ فيدخلُ بها النَّارَ. قالوا: وكيف ذلك؟ قال: يعمل الذَّنبَ فلا يزال نُصْبَ عينيه، إن قام وإن قعد وإن

стр. 586

مشى، كلما ذكَره أحدَثَ له توبةً (١) واستغفارًا وندمًا، فيكونُ ذلك سببَ نجاته. ويعملُ الحسنةَ، فلا تزال نُصْبَ عينيه، إن قام وإن قعد وإن مشى، كلَّما ذكرها أورثته عُجْبًا وكِبْرًا ومِنَّةً، فتكون سببَ هلاكه (٢). فيكون الذَّنبُ موجِبًا لترتُّب طاعاتٍ وحسناتٍ ومعاملاتٍ قلبيّةٍ من خوفٍ من الله، وحياءٍ منه، وإطراقٍ بين يديه منكِّسًا رأسَه خَجِلًا باكيًا نادمًا مستقيلًا ربَّه. وكلُّ واحدٍ من هذه الآثار (٣) أنفَعُ للعبد من طاعةٍ تُوجِب له صولةً، وكبرًا، وازدراءً بالنّاس، ورؤيتَهم بعين الاحتقار. ولا ريب أنَّ هذا المُذْنِبَ خيرٌ عند الله وأقربُ إلى النَّجاة والفوز من هذا المعجَبِ بطاعته، الصّائلِ بها، المانِّ بها بحاله على الله وعباده، وإن قال بلسانه خلافَ ذلك، فالله شهيدٌ على ما في قلبه. ويكاد يعادي الخلائقَ إن (٤) لم يعظِّموه ويرفعوه ويخضعوا له، ويجدُ في قلبه بِغضةً لمن لم يفعل به كذلك، ولو فتَّش نفسه حقَّ التّفتيش لرأى فيها ذلك كامنًا. ولهذا تراه عاتبًا على من لم يعظِّمه ويعرِفْ له حقَّه، متطلِّبًا لعيبه في قالبِ حميَّةٍ لله، وغضبٍ له! وإذا قام بمن يعظِّمه ويحترمه ويخضع له من الذُّنوب أضعافُ ما قام بهذا فتَح له بابَ المعاذير والرَّجاء، وأغمَض عينَه وسمعَه، وكفَّ لسانه وقلبه، وقال: بابُ العصمة عن غير الأنبياء ﵈ مسدودٌ! وربَّما ظنَّ أنَّ ذنوبَه تُكفَّر بإجلاله وتعظيمه وإكرامه!

стр. 587

فإذا أراد الله بهذا العبد خيرًا ألقاه في ذنبٍ كسَره (١) به، وعرَّفَه قدرَه، وكفَى به عبادَه شرَّه، ونكَّسَ به رأسَه، واستخرجَ به منه داءَ العُجب والكبر والمنّة عليه وعلى عباده فيكونُ هذا الذَّنبُ أنفع لهذا من طاعاتٍ كثيرةٍ، ويكون بمنزلة شُربِ الدَّواء ليستخرجَ به الدَّاءَ العُضالَ، كما قيل بلسان الحال في قصّة آدم ﵇ وخروجه من الجنّة بذنبه: يا آدمُ، لا تجزَعْ من كأسِ زللٍ (٢) كانت سببَ كَيْسِك، فقد استُخْرِجَ بها منك داءٌ لا يصلُح أن تُجاورنا به، وأُلْبِسْتَ بها خِلْعةَ العبوديّة. لعلَّ عتبَك محمودٌ عواقبُه ... وربَّما صحَّتِ الأجسامُ بالعِلَلِ (٣) يا آدَمُ، إنّما ابتليتُك بالذَّنب لأنِّي أُحِبُّ أن أُظْهِرَ فضلي وجودي وكرمي على من عصاني. "لو لم تُذنبوا لذهَبَ الله بكم، ولجاء بقومٍ يُذنبون فيستغفرون، فأغفِرُ لهم" (٤). يا آدمُ، كنتَ تدخل عليَّ دخولَ الملوك على الملوك، واليومَ تدخلُ عليَّ دخولَ العبيد على الملوك (٥).

стр. 588

يا آدَمُ، إذا عصمتُك وعصمتُ بنيك من الذُّنوب، فعلى مَن أجُودُ بحلمي؟ وعلى مَن أجُود بعفوي ومغفرتي وتوبتي، وأنا التَّوَّاب الرَّحيم؟ يا آدمُ، لا تجزَعْ من قولي لك (١): "اخرُجْ منها"، فلك خلقتُها، ولكن اهبِطْ إلى دار المجاهدة، وابذُرْ بِذارَ التَّقوى، وأَمطِرْ عليه سحائبَ الجفون. فإذا اشتدَّ الحَبُّ واستغلَظَ واستوى على سوقه، فتعالَ فاحصُدْه (٢). يا آدمُ، ما أهبطتُكَ من الجنَّةِ إلّا لتتوسَّل إليَّ في الصُّعود، وما أخرجتُك منها نفيًا لك عنها، ما أخرجتُك إلَّا لِتعود. إن جرى بيننا وبينك عَتْبٌ ... أو تناءَتْ منَّا ومنكَ الدِّيارُ فالوِدادُ الذي عهدتَ مقيمٌ ... والعِثارُ الذي أصبتَ جُبَارُ (٣) يا آدَمُ، ذنبٌ تَذِلُّ به لدينا أحبُّ إلينا من طاعةٍ تُدِلُّ بها علينا. يا آدمُ، أنينُ المذنبين أحبُّ إلينا من تسبيح المُدِلِّين. "ويا ابنَ آدم، إنَّك ما دعوتَني ورجوتَني غفرتُ لك على ما كان منك ولا

стр. 589

أبالي. ابنَ آدم، لو بلغت ذنوبُك عَنانَ السَّماء، ثمَّ استغفرتَني غفرتُ لك (١). يا ابنَ آدم، لو لقيتَني بقُرابِ الأرض خطايا، ثمَّ لقيتَني لا تشرك بي شيئًا أتيتُك بقُرابها مغفرةً" (٢). ويُذكر عن بعض العُبَّاد (٣) أنّه كان يطوف ليلةً، فسأل ربَّه في الطَّوافِ (٤) أن يعصِمَه عن معصيته، ثمَّ غلبته عيناه فنام، فسمع قائلًا يقول: أنت تسألني العصمةَ، وكلُّ عبادي يسألوني العصمةَ، فإذا عصمتُهم فعلى من أجودُ (٥) بمغفرتي وعفوي؟ وعلى من أتوب؟ وأين كرمي وعفوي ومغفرتي وفضلي؟ أو نحو هذا (٦) من الكلام. ويا ابنَ آدم، إذا آمنتَ بي ولم تُشرك بي شيئًا أقمتُ حمَلةَ العرش (٧) ومَن حولَه يسبِّحون بحمدي ويستغفرون لك، وأنت على فراشك! وفي الحديث العظيم الإلهيِّ حديثِ أبي ذرٍّ: "عبادي (٨)، إنّكم تخطئون

стр. 590

باللّيل والنَّهار، وأنا أغفر الذُّنوب. فمن عَلِم أنِّي ذو قدرةٍ على المغفرة غفرتُ له ولا أبالي" (١). و ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣]. ويا عبدي! لا تعجَزْ، فمنك الدُّعاء وعليَّ الإجابة، ومنك الاستغفارُ وعليَّ المغفرة، ومنك التَّوبةُ وعليَّ تبديلُ سيِّئاتك حسناتٍ. يوضِّحه: الوجه السادس (٢): وهو قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٧٠]. وهذا من أعظم البشارة للتَّائب إذا اقترن بتوبته (٣) إيمانٌ وعملٌ صالحٌ، وهو حقيقةُ التَّوبة. قال ابن عبّاسٍ: ما رأيتُ النَّبيَّ ﷺ فرِحَ بشيءٍ قطُّ فرحَه بهذه الآية لمّا أُنزلت، وفرحَه بـ ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ١ - ٢] (٤).

стр. 591

واختلفوا في صفة هذا التَّبديل، وهل هو في الدُّنيا، أو في الآخرة؟ على قولين (١): فقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄ وأصحابُه: هو تبديلهم بقبائح أعمالهم محاسنَها، فبدَّلَهم بالشِّرك إيمانًا، وبالزِّنى عفّةً وإحصانًا، وبالكذب صدقًا، وبالخيانة أمانةً. فعلى هذا معنى الآية: أنَّ صفاتهم القبيحة وأعمالهم السّيِّئة، بُدِّلوا عوضها صفاتٍ جميلةً وأعمالًا صالحةً، كما يبدَّل المريضُ بالمرض صحّةً، والمبتلى ببلائه عافيةً. وقال سعيد بن المسيِّب وغيره من التَّابعين: هو تبديلُ الله سيِّئاتهم التي عملوها بحسناتٍ يوم القيامة، فيعطيهم مكانَ كلِّ سيِّئةٍ حسنةً. واحتجَّ أصحاب هذا القول بما روى التِّرمذيُّ في "جامعه" (٢): ثنا الحسين بن حُريثٍ، ثنا وكيعٌ، ثنا الأعمش، عن المعرور بن سُويدٍ، عن أبي

стр. 592

ذرٍّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنِّي لأعلَمُ آخرَ رجلٍ يخرج من النّار. يؤتى بالرَّجُل يوم القيامة، فيقال: اعرضوا عليه صغارَ ذنوبه، ويخبَّأ عنه كبارُها، فيقال: عملتَ يوم كذا وكذا كذا وكذا، وهو مقرٌّ لا ينكِر، وهو مشفقٌ من كبارها. فيقال: أعطُوه مكانَ كلِّ سيِّئةٍ عمِلَها حسنةً. فيقول: إنَّ لي ذنوبًا ما أراها هاهنا". قال أبو ذرٍّ ﵁: فلقد رأيتُ رسول الله ﷺ ضَحِك حتّى بدت نواجذه. وهذا حديثٌ صحيحٌ، ولكن في الاستدلال به على صحّة هذا القول نظرٌ، فإنَّ هذا قد عُذِّب بسيِّئاته ودخلَ بها النّارَ، ثمّ بعد ذلك أُخرِج منها، وأُعطِيَ مكانَ كلِّ سيِّئةٍ حسنةً، صدقةً تصدَّق اللهُ بها عليه ابتداءً بعدد ذنوبه؛ وليس في هذا تبديلُ تلك الذُّنوب بحسناتٍ، ولو كان كذلك لما عُوقِبَ عليها كما لم يعاقَب التّائبُ؛ والكلام إنَّما هو في تائبٍ أُثْبِتَ له مكانَ كلِّ سيِّئةٍ حسنةٌ، فزادت حسناته= فأين في هذا الحديث ما يدلُّ على ذلك؟ والنَّاسُ اشتغلوا بهذا الحديث (١) مستدلِّين به في تفسير هذه الآية على هذا القول، وقد علمتَ ما فيه. لكن للسَّلف غورٌ ودقّةُ فهمٍ لا يدركها كثيرٌ من المتأخِّرين. فالاستدلالُ به صحيحٌ بعد تمهيد قاعدةٍ إذا عُرِفتْ عُرِفَ لطفُ الاستدلال به ودقَّتُه. وهي: أنَّ الذَّنبَ لا بدَّ له من أثرٍ، وأثرُه يرتفع بالتَّوبة تارةً، وبالحسنات الماحية تارةً، وبالمصائب المكفِّرة تارةً، وبدخول النّار ليتخلَّص من أثره، وذلك إذا اشتدَّ أثرُه ولم تقوَ تلك الأمورُ على محوه، فلا بدَّ إذن من دخول النّار لأنَّ الجنّة لا يكون فيها ذرّةٌ من الخبيث (٢)، ولا

стр. 593

يدخلها إلّا من طاب من كلِّ وجهٍ. فإذا بقي عليه شيءٌ من خبث الذُّنوب أُدخِلَ كِيرَ الامتحان، ليتخلَّصَ (١) ذهبُ إيمانه من خبثه، فيصلُح حينئذٍ لدار الملك. إذا عُلِمَ هذا فزوالُ موجَبِ الذَّنب وأثرِه تارةً يكون بالتَّوبة النَّصوح، وهي أقوى الأسباب. وتارةً يكون باستيفاء الحقِّ منه وتطهيره في النَّار، فإذا تطهَّر بالنّار، وزال أثرُ الوسخ والخبث عنه، أُعطِيَ مكان كلِّ سيِّئةٍ حسنةً. فإذا تطهَّر بالتَّوبة النَّصوح، وزال عنه بها أثرُ وسخِ الذُّنوب وخبثِها، كان أولى بأن يعطى مكان كلِّ سيِّئةٍ حسنةً، لأنَّ إزالةَ التّوبة لهذا الوسخ والخبث أعظمُ من إزالة النَّار وأحبُّ إلى الله تعالى، وإزالةُ النّار بدلٌ منها، وهي الأصل، فهي أولى بالتَّبديل ممَّا بعد الدُّخول. يوضِّحه: الوجه السَّابع (٢): وهو أنَّ التَّائبَ قد بدَّل كلّ سيِّئةٍ حسنةً (٣) بندمه عليها، إذ هو توبةُ تلك السّيِّئة، والنَّدمُ توبةٌ، والتَّوبةُ من كلِّ ذنبٍ حسنةٌ، فصار كلُّ ذنبٍ عمِله زائلًا بالتَّوبة التي حلَّت محلَّه وهي حسنةٌ، فصار له مكانَ كلِّ سيِّئةٍ حسنةٌ بهذا الاعتبار. فتأمَّلْه فإنَّه من ألطف الوجوه. وعلى هذا فقد تكون هذه الحسنةُ مساويةً في القدر لتلك السّيِّئة، وقد تكون دونها، وقد تكون فوقها. وهذا بحسب نُصحِ هذه التَّوبة، وصدقِ التّائب فيها، وما يقترن بها من عمل القلب الذي تزيد مصلحتُه ونفعُه على مفسدة تلك السّيِّئة. وهذا من أسرار مسائل التّوبة ولطائفها. يوضِّحه:

стр. 594

الوجه الثامن (١): أنَّ ذنبَ العارف بالله تعالى وأمره قد يترتَّب عليه حسناتٌ أكبرُ منه وأكثَرُ، وأعظَمُ نفعًا، وأحبُّ إلى الله من عصمته من ذلك الذَّنب، من ذلٍّ وانكسارٍ وخشيةٍ، وإنابةٍ وندَمٍ، وتدارُكٍ بمراغمة العدوِّ بحسنةٍ أو حسناتٍ أعظمَ منه حتَّى يقولَ الشَّيطانُ: يا ليتني لم أُوقِعْه فيما أوقعتُه فيه، ويندمَ الشَّيطانُ على إيقاعه في الذّنب (٢) كندامة فاعله على ارتكابه، لكن شتَّان ما بين النَّدَمين! والله تعالى يحبُّ من عبده مراغمةَ عدوِّه وغيظَه، كما تقدَّم أنَّ هذا من العبوديَّة. فيحصل من العبد بالتَّوبة والتَّدارُكِ وحصولِ محبوب الله تعالى من التّوبة وما يتبعها من زيادة الأعمال= ما يُوجِب جعلَ مكان السّيِّئة حسنةً بل حسناتٍ. وتأمّل قوله تعالى: ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠]. ولم يقل: مكانَ كلِّ واحدةٍ واحدةً (٣)، فهذا يجوز أن يبدِّل السّيِّئةَ الواحدةَ بعدَّة حسناتٍ بحسب حال المبدَّل. وأمَّا في الحديث، فإنَّ الذي عذِّب على ذنوبه لم يبدِّلها في الدُّنيا بحسناتٍ من التَّوبة النَّصوح وتوابعها، فلم يكن له ما يجعل مكانَ السّيِّئة حسناتٍ، فأُعطِيَ مكانَ كلِّ سيِّئةٍ حسنةً واحدةً. وسكت النَّبيُّ ﷺ عن كبار ذنوبه، ولمَّا انتهى إليها ضحِكَ، ولم يُبيِّن ما يُفعَل بها، وأخبر أنّ الله يبدِّل مكان كلِّ صغيرةٍ حسنةً. ولكن في الحديث إشارةٌ لطيفةٌ إلى أنَّ هذا التَّبديلَ يعُمُّ كبارها وصغارها من وجهين:

стр. 595

أحدهما: قوله: "أَخْبِئوا عنه كبارَها". فهذا إشعارٌ بأنّه إذا رأى تبديلَ الصّغائر ذَكرَها وطمِعَ في تبديلها، فيكون تبديلُها أعظمَ موقعًا عنده (١)، وهو به أشدُّ فرحًا واغتباطًا. والثّاني: ضَحِكُ النّبيِّ ﷺ عند ذكر ذلك، وهذا الضَّحِكُ مُشْعِرٌ بالتّعجُّب ممّا يُفعَل به من الإحسان، وما يُقِرُّ به على نفسه من الذُّنوب من غير أن يقرَّر عليها ولا سُئل عنها، وإنّما عُرِضت عليه الصّغائر. فتبارك الله ربُّ العالمين، وأجوَدُ الأجودين، وأكرَمُ الأكرمين، البرُّ اللَّطيفُ، المتودِّدُ إلى عباده بأنواع الإحسان وإيصالِه إليهم من كلِّ طريقٍ بكلِّ نوعٍ، لا إله إلّا هو الرَّحمن الرَّحيم (٢). فصل وكثيرٌ من النّاس إنّما يفسِّر التّوبةَ بالعزم على أن لا يعاود الذَّنبَ، وبالإقلاع عنه في الحال، وبالنَّدَم عليه في الماضي، وإن كان في حقِّ آدميٍّ فلا بدَّ من أمرٍ رابعٍ، وهو التّحلُّلُ منه. وهذا الذي ذكروه بعضُ مسمَّى التّوبة بل شطرُها، وإلَّا فالتَّوبةُ في كلام الله ورسوله كما تتضمَّن ذلك، تتضمَّنُ العزمَ على فعل المأمور والتزامه. فلا يكون بمجرَّد الإقلاع والعزم والنّدم تائبًا، حتّى يوجدَ منه العزمُ الجازمُ على فعل المأمور والإتيان به. هذا حقيقة التّوبة، وهي اسمٌ لمجموع الأمرين، لكنَّها إذا قُرنت بفعل المأمور كانت عبارةً عمَّا ذكروه، فإذا أُفردت تضمَّنت

стр. 596

الأمرين. وهي كلفظة "التّقوى" التي عند إفرادها تقتضي فعلَ ما أمَر الله تعالى به وتركَ ما نهى عنه، وعند اقترانها بفعل المأمور تقتضي الانتهاءَ عن المحظور. فإنَّ حقيقةَ التّوبة: الرُّجوعُ إلى الله بالتزام فعلِ ما يحبُّ وتركِ ما يكره، فهي رجوعٌ من مكروهٍ إلى محبوبٍ، فالرُّجوعُ إلى المحبوب جزءُ مسمَّاها، والرُّجوعُ عن المكروه الجزءُ الآخَر. ولهذا علَّق سبحانه الفلاحَ المطلقَ على فعلِ المأمور وتركِ المحظور بها، فقال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١]. فكلُّ تائبٍ مفلحٌ، ولا يكون مفلحًا إلّا مَن فعَلَ ما أُمِر به وترَكَ ما نُهي عنه. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١]. وتاركُ المأمور ظالمٌ، كما أنَّ فاعلَ المحظور ظالمٌ، وزوالُ اسم الظُّلم عنه بالتَّوبة الجامعة للأمرين (١). فالنّاس قسمان: تائبٌ وظالمٌ، ليس إلّا. فالتّائبون هم: ﴿الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١١٢]. فحفظُ حدوده جزءُ التّوبة، والتَّوبةُ هي مجموعُ هذه الأمور. وإنّما سمِّي التائبُ تائبًا لرجوعه إلى أمر الله من نهيه، وإلى طاعته من معصيته، كما تقدّم. فإذَنْ التَّوبةُ هي حقيقة دين الإسلام، والدِّين كلُّه داخلٌ في مسمّى التَّوبة وبهذا استحقَّ التَّائبُ أن يكون حبيبَ الله، فإنّ الله يحبُّ التّوّابين، وإنّما يحبُّ

стр. 597

الله مَن فعَلَ ما أمر به، وترَكَ ما نهى عنه. فإذن التَّوبةُ هي الرُّجوعُ ممّا يكرهه الله ظاهرًا وباطنًا إلى ما يحبُّه ظاهرًا وباطنًا، ويدخل في مسمَّاها الإسلامُ والإيمانُ والإحسانُ، ويتناول جميعَ المقامات. ولهذا كانت غايةَ كلِّ مؤمنٍ، وبدايةَ الأمر وخاتمتَه، كما تقدَّم. وهي الغايةُ التي وُجِد لأجلها الخلقُ والأمرُ. والتَّوحيدُ جزءٌ منها، بل جزؤها الأعظم الذي عليه بناؤها. وأكثرُ النَّاس لا يعرفون قدرَ التّوبة ولا حقيقتَها، فضلًا عن القيام بها علمًا وعملًا وحالًا. ولم يجعل الله محبّتَه للتَّوَّابين إلّا وهم خواصُّ الخلقِ لديه. ولولا أنَّ التّوبةَ اسمٌ جامعٌ لشرائع الإسلام وحقائق الإيمان لم يكن الرّبُّ تعالى يفرَحُ بتوبة عبده ذلك الفرحَ العظيمَ. فجميعُ ما يتكلَّم فيه النَّاسُ من المقامات والأحوال هو تفاصيلُ التَّوبة وآثارُها. فصل وأمّا الاستغفار، فهو نوعان: مفردٌ، ومقرونٌ بالتّوبة. فالمفرد: كقول نوحٍ ﵇ لقومه: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [نوح: ١٠ - ١١]، وكقول صالحٍ لقومه: ﴿لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النمل: ٤٦]، وكقوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٩]، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ﴾ [الأنفال: ٣٣]. والمقرونُ: كقوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ [هود: ٣]، وقولِ صالحٍ لقومه:

стр. 598

﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ (١) ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ [هود: ٦١]، وقول شعيبٍ: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ [هود: ٩٠]. فالاستغفارُ المفردُ كالتَّوبة، بل هو التَّوبة نفسُها، مع تضمُّنه طلبَ المغفرة من الله. وهي محوُ الذّنب، وإزالةُ أثره، ووقايةُ شرِّه، لا كما ظنَّه بعضُ النّاس أنَّها السَّتْر، فإنَّ الله يستُر على من يغفر له ومن لا يغفر له، ولكنَّ السَّترَ لازمُ مسمَّاها أو جزؤه، فدلالتُها عليه إمّا بالتّضمُّن وإمّا باللُّزوم. وحقيقتها: وقاية شرِّ الذَّنب، ومنه المِغْفَر، لما يقي الرَّأسَ من الأذى، والسَّترُ لازمٌ لهذا المعنى، وإلّا فالعِمامةُ لا تسمّى مِغْفرًا، ولا القُبْعُ (٢) ونحوه مع ستره، فلا بدَّ في لفظ المِغْفَر من الوقاية. وهذا الاستغفار الذي يمنع العذابَ في قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ﴾ [الأنفال: ٣٣]، فإنَّ الله لا يعذِّب مستغفرًا. وأمَّا من أصرَّ على الذَّنب، وطلَب من الله مغفرتَه، فهذا ليس باستغفارٍ مطلقٍ، ولهذا لا يمنع العذاب. فالاستغفار يتضمَّن التَّوبةَ، والتَّوبةُ تتضمَّن الاستغفارَ، وكلُّ واحدٍ منهما يدخل في مسمَّى الآخر عند الإطلاق. وأمَّا عند اقتران إحدى اللَّفظتين بالأخرى، فالاستغفارُ: طلبُ وقايةِ شرِّ ما مضى، والتَّوبةُ: الرُّجوعُ وطلبُ وقاية شرِّ ما يخافه في المستقبل من سيِّئات أعماله.

стр. 599

فهاهنا ذنبان: ذنبٌ قد مضى، فالاستغفارُ: طلبُ وقاية شرِّه. وذنبٌ يخافُ وقوعَه، فالتَّوبةُ: العزم على أن لا يفعله. والرُّجوعُ إلى الله يتناول النَّوعين: رجوعٌ إليه ليقيه شرَّ ما مضى، ورجوعٌ إليه ليقيه شرَّ ما يَستقبِلُ من شرِّ نفسه وسيِّئات أعماله. وأيضًا فإنَّ المذنبَ بمنزلة من قد ارتكب طريقًا تؤدِّيه إلى هلاكه ولا تُوصِلهُ إلى المقصود، فهو مأمورٌ أن يولِّيها ظهرَه، ويرجع إلى الطَّريق التي تُوصِلُه (١) وفيها فلاحه. فهاهنا أمران لا بدَّ منهما: مفارقةُ شيءٍ، والرُّجوعُ إلى غيره. فخُصَّت التّوبةُ بالرُّجوع، والاستغفارُ بالمفارقة، وعند إفراد أحدهما يتناول الأمرين. ولهذا ــ والله أعلم ــ جاء الأمرُ بهما مرتَّبًا بقوله: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [هود: ٣] فإنّه الرُّجوعُ إلى طريق الحقِّ بعد مفارقة طريق الباطل. وأيضًا فالاستغفارُ من باب طلبِ إزالةِ الضَّرر، والتَّوبةُ طلبُ جلبِ المنفعة. فالمغفرةُ أن يقيَه شرَّ الذَّنب، والتَّوبةُ أن يحصل له بعد الوقاية ما يحبُّه، فكلٌّ منهما يستلزم الآخرَ عند إفراده. والله أعلم. فصل وهذا يتبيَّن بذكر التَّوبة النَّصوح وحقيقتها . قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [التحريم: ٨]. فجعَلَ وقايةَ شرِّ السّيِّئات ــ وهو تكفيرُها ــ بزوال ما يكره العبدُ، ودخولَ الجنَّات ــ وهو حصولُ ما يحبُّ

стр. 600

العبدُ ــ منوطًا بحصول التَّوبة النَّصوح. و"النَّصوح" على وزن فَعولٍ المعدولِ عن فاعلٍ (١) قصدًا للمبالغة كالشَّكور والصَّبور. وأصلُ مادّة (ن ص ح) لخلاص الشَّيء من الغشِّ والشَّوائب الغريبة، وهو ملاقٍ في الاشتقاق الأكبر لـ"نصَحَ" إذا خَلَص. فالنُّصحُ في التّوبة والعبادة والمشورة: تخليصُها من كلِّ غشٍّ ونقصٍ وفسادٍ، وإيقاعُها على أكمل الوجوه. والنُّصح ضدُّ الغشِّ. وقد اختلفت عبارات السَّلف عنها، ومرجعها إلى شيءٍ واحدٍ. فقال عمر بن الخطَّاب وأبيُّ بن كعبٍ ﵄: التَّوبة النَّصوحُ أن يتوبَ من الذَّنب ثمَّ لا يعودَ إليه، كما لا يعودُ اللَّبنُ إلى الضَّرع (٢). وقال الحسن البصريُّ: هي أن يكون العبدُ نادمًا على ما مضى مُجْمِعًا على أن لا يعود فيه. وقال الكلبيُّ: أن يستغفر باللِّسان، ويندم بالقلب، ويمسك بالبدن. وقال سعيد بن المسيِّب: توبةً نصوحًا، تنصحون بها أنفسكم. جعَلَها بمعنى ناصحةٍ للتَّائب، كضَرُوب المعدول عن ضاربٍ. وأصحابُ القول الأوّل يجعلونها بمعنى المفعول، أي قد نصَح فيها التَائبُ ولم يشُبها بغِشٍّ. فهي إمَّا بمعنى منصوحٍ فيها، كركوبةٍ وحلوبةٍ بمعنى مركوبةٍ ومحلوبةٍ، أو بمعنى الفاعل، أي ناصحةٍ كخالصةٍ وصادقةٍ. وقال محمّد بن كعبٍ القُرَظيُّ ﵀: يجمعها أربعةُ أشياء: الاستغفارُ باللِّسان، والإقلاعُ بالأبدان، وإضمارُ تركِ العَودِ بالجَنان، ومهاجرةُ سيِّء
следующие страницы →