← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 199

مدارج السالكين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 526 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

الأمرين. وهي كلفظة "التّقوى" التي عند إفرادها تقتضي فعلَ ما أمَر الله تعالى به وتركَ ما نهى عنه، وعند اقترانها بفعل المأمور تقتضي الانتهاءَ عن المحظور. فإنَّ حقيقةَ التّوبة: الرُّجوعُ إلى الله بالتزام فعلِ ما يحبُّ وتركِ ما يكره، فهي رجوعٌ من مكروهٍ إلى محبوبٍ، فالرُّجوعُ إلى المحبوب جزءُ مسمَّاها، والرُّجوعُ عن المكروه الجزءُ الآخَر. ولهذا علَّق سبحانه الفلاحَ المطلقَ على فعلِ المأمور وتركِ المحظور بها، فقال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١]. فكلُّ تائبٍ مفلحٌ، ولا يكون مفلحًا إلّا مَن فعَلَ ما أُمِر به وترَكَ ما نُهي عنه. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١]. وتاركُ المأمور ظالمٌ، كما أنَّ فاعلَ المحظور ظالمٌ، وزوالُ اسم الظُّلم عنه بالتَّوبة الجامعة للأمرين (١). فالنّاس قسمان: تائبٌ وظالمٌ، ليس إلّا. فالتّائبون هم: ﴿الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١١٢]. فحفظُ حدوده جزءُ التّوبة، والتَّوبةُ هي مجموعُ هذه الأمور. وإنّما سمِّي التائبُ تائبًا لرجوعه إلى أمر الله من نهيه، وإلى طاعته من معصيته، كما تقدّم. فإذَنْ التَّوبةُ هي حقيقة دين الإسلام، والدِّين كلُّه داخلٌ في مسمّى التَّوبة وبهذا استحقَّ التَّائبُ أن يكون حبيبَ الله، فإنّ الله يحبُّ التّوّابين، وإنّما يحبُّ

стр. 597

الله مَن فعَلَ ما أمر به، وترَكَ ما نهى عنه. فإذن التَّوبةُ هي الرُّجوعُ ممّا يكرهه الله ظاهرًا وباطنًا إلى ما يحبُّه ظاهرًا وباطنًا، ويدخل في مسمَّاها الإسلامُ والإيمانُ والإحسانُ، ويتناول جميعَ المقامات. ولهذا كانت غايةَ كلِّ مؤمنٍ، وبدايةَ الأمر وخاتمتَه، كما تقدَّم. وهي الغايةُ التي وُجِد لأجلها الخلقُ والأمرُ. والتَّوحيدُ جزءٌ منها، بل جزؤها الأعظم الذي عليه بناؤها. وأكثرُ النَّاس لا يعرفون قدرَ التّوبة ولا حقيقتَها، فضلًا عن القيام بها علمًا وعملًا وحالًا. ولم يجعل الله محبّتَه للتَّوَّابين إلّا وهم خواصُّ الخلقِ لديه. ولولا أنَّ التّوبةَ اسمٌ جامعٌ لشرائع الإسلام وحقائق الإيمان لم يكن الرّبُّ تعالى يفرَحُ بتوبة عبده ذلك الفرحَ العظيمَ. فجميعُ ما يتكلَّم فيه النَّاسُ من المقامات والأحوال هو تفاصيلُ التَّوبة وآثارُها. فصل وأمّا الاستغفار، فهو نوعان: مفردٌ، ومقرونٌ بالتّوبة. فالمفرد: كقول نوحٍ ﵇ لقومه: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [نوح: ١٠ - ١١]، وكقول صالحٍ لقومه: ﴿لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النمل: ٤٦]، وكقوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٩]، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ﴾ [الأنفال: ٣٣]. والمقرونُ: كقوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ [هود: ٣]، وقولِ صالحٍ لقومه:

стр. 598

﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ (١) ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ [هود: ٦١]، وقول شعيبٍ: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ [هود: ٩٠]. فالاستغفارُ المفردُ كالتَّوبة، بل هو التَّوبة نفسُها، مع تضمُّنه طلبَ المغفرة من الله. وهي محوُ الذّنب، وإزالةُ أثره، ووقايةُ شرِّه، لا كما ظنَّه بعضُ النّاس أنَّها السَّتْر، فإنَّ الله يستُر على من يغفر له ومن لا يغفر له، ولكنَّ السَّترَ لازمُ مسمَّاها أو جزؤه، فدلالتُها عليه إمّا بالتّضمُّن وإمّا باللُّزوم. وحقيقتها: وقاية شرِّ الذَّنب، ومنه المِغْفَر، لما يقي الرَّأسَ من الأذى، والسَّترُ لازمٌ لهذا المعنى، وإلّا فالعِمامةُ لا تسمّى مِغْفرًا، ولا القُبْعُ (٢) ونحوه مع ستره، فلا بدَّ في لفظ المِغْفَر من الوقاية. وهذا الاستغفار الذي يمنع العذابَ في قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ﴾ [الأنفال: ٣٣]، فإنَّ الله لا يعذِّب مستغفرًا. وأمَّا من أصرَّ على الذَّنب، وطلَب من الله مغفرتَه، فهذا ليس باستغفارٍ مطلقٍ، ولهذا لا يمنع العذاب. فالاستغفار يتضمَّن التَّوبةَ، والتَّوبةُ تتضمَّن الاستغفارَ، وكلُّ واحدٍ منهما يدخل في مسمَّى الآخر عند الإطلاق. وأمَّا عند اقتران إحدى اللَّفظتين بالأخرى، فالاستغفارُ: طلبُ وقايةِ شرِّ ما مضى، والتَّوبةُ: الرُّجوعُ وطلبُ وقاية شرِّ ما يخافه في المستقبل من سيِّئات أعماله.

стр. 599

فهاهنا ذنبان: ذنبٌ قد مضى، فالاستغفارُ: طلبُ وقاية شرِّه. وذنبٌ يخافُ وقوعَه، فالتَّوبةُ: العزم على أن لا يفعله. والرُّجوعُ إلى الله يتناول النَّوعين: رجوعٌ إليه ليقيه شرَّ ما مضى، ورجوعٌ إليه ليقيه شرَّ ما يَستقبِلُ من شرِّ نفسه وسيِّئات أعماله. وأيضًا فإنَّ المذنبَ بمنزلة من قد ارتكب طريقًا تؤدِّيه إلى هلاكه ولا تُوصِلهُ إلى المقصود، فهو مأمورٌ أن يولِّيها ظهرَه، ويرجع إلى الطَّريق التي تُوصِلُه (١) وفيها فلاحه. فهاهنا أمران لا بدَّ منهما: مفارقةُ شيءٍ، والرُّجوعُ إلى غيره. فخُصَّت التّوبةُ بالرُّجوع، والاستغفارُ بالمفارقة، وعند إفراد أحدهما يتناول الأمرين. ولهذا ــ والله أعلم ــ جاء الأمرُ بهما مرتَّبًا بقوله: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [هود: ٣] فإنّه الرُّجوعُ إلى طريق الحقِّ بعد مفارقة طريق الباطل. وأيضًا فالاستغفارُ من باب طلبِ إزالةِ الضَّرر، والتَّوبةُ طلبُ جلبِ المنفعة. فالمغفرةُ أن يقيَه شرَّ الذَّنب، والتَّوبةُ أن يحصل له بعد الوقاية ما يحبُّه، فكلٌّ منهما يستلزم الآخرَ عند إفراده. والله أعلم. فصل وهذا يتبيَّن بذكر التَّوبة النَّصوح وحقيقتها . قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [التحريم: ٨]. فجعَلَ وقايةَ شرِّ السّيِّئات ــ وهو تكفيرُها ــ بزوال ما يكره العبدُ، ودخولَ الجنَّات ــ وهو حصولُ ما يحبُّ

стр. 600

العبدُ ــ منوطًا بحصول التَّوبة النَّصوح. و"النَّصوح" على وزن فَعولٍ المعدولِ عن فاعلٍ (١) قصدًا للمبالغة كالشَّكور والصَّبور. وأصلُ مادّة (ن ص ح) لخلاص الشَّيء من الغشِّ والشَّوائب الغريبة، وهو ملاقٍ في الاشتقاق الأكبر لـ"نصَحَ" إذا خَلَص. فالنُّصحُ في التّوبة والعبادة والمشورة: تخليصُها من كلِّ غشٍّ ونقصٍ وفسادٍ، وإيقاعُها على أكمل الوجوه. والنُّصح ضدُّ الغشِّ. وقد اختلفت عبارات السَّلف عنها، ومرجعها إلى شيءٍ واحدٍ. فقال عمر بن الخطَّاب وأبيُّ بن كعبٍ ﵄: التَّوبة النَّصوحُ أن يتوبَ من الذَّنب ثمَّ لا يعودَ إليه، كما لا يعودُ اللَّبنُ إلى الضَّرع (٢). وقال الحسن البصريُّ: هي أن يكون العبدُ نادمًا على ما مضى مُجْمِعًا على أن لا يعود فيه. وقال الكلبيُّ: أن يستغفر باللِّسان، ويندم بالقلب، ويمسك بالبدن. وقال سعيد بن المسيِّب: توبةً نصوحًا، تنصحون بها أنفسكم. جعَلَها بمعنى ناصحةٍ للتَّائب، كضَرُوب المعدول عن ضاربٍ. وأصحابُ القول الأوّل يجعلونها بمعنى المفعول، أي قد نصَح فيها التَائبُ ولم يشُبها بغِشٍّ. فهي إمَّا بمعنى منصوحٍ فيها، كركوبةٍ وحلوبةٍ بمعنى مركوبةٍ ومحلوبةٍ، أو بمعنى الفاعل، أي ناصحةٍ كخالصةٍ وصادقةٍ. وقال محمّد بن كعبٍ القُرَظيُّ ﵀: يجمعها أربعةُ أشياء: الاستغفارُ باللِّسان، والإقلاعُ بالأبدان، وإضمارُ تركِ العَودِ بالجَنان، ومهاجرةُ سيِّء

стр. 601

الإخوان. قلت: النُّصحُ في التَّوبة يتضمَّن ثلاثةَ أشياء: تعميمُ جميع الذُّنوب واستغراقُها بها بحيث لا تدع ذنبًا إلّا تناولته. والثّاني: إجماعُ العزم والصِّدق بكلِّيّته عليها، بحيث لا يبقى عنده تردُّدٌ ولا تلوُّمٌ ولا انتظارٌ، بل يُجْمِعُ عليها كلَّ إرادته وعزيمته مبادرًا بها. الثّالث: تخليصُها من الشّوائب والعلل القادحة في إخلاصِها ووقوعِها لمحض الخوف من الله تعالى وخشيته، والرَّغبة فيما لديه، والرَّهبة ممَّا عنده؛ لا كمن يتوب لحفظ جاهه وحرمته ومنصبه ورياسته، أو لحفظ حاله أو حفظ قوّته وماله، أو استدعاءِ حمدِ النّاس، أو الهرَب من ذمِّهم، أو لئلَّا يتسلَّطَ عليه السُّفهاءُ، أو لقضاءِ نَهْمته من الذَّنب، أو لإفلاسه وعجزه، ونحو ذلك من العلل التي تقدح في صحّتها وخلوصها لله (١). فالأوَّلُ يتعلَّق بما يتوب منه، والثَّالثُ (٢) بمن يتوب إليه، والأوسطُ يتعلَّق بذات التّائب ونفسه. فنصحُ التَّوبةِ: الصِّدقُ فيها، والإخلاص، وتعميمُ الذُّنوب بها. ولا ريب أنَّ هذه التَّوبةَ تستلزم الاستغفارَ وتتضمَّنه، وتمحو جميعَ الذُّنوب، وهي أكملُ ما يكون من التَّوبة. والله المستعان، وعليه التُّكلان، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله.

стр. 602

فصل في الفرق بين تكفير السّيِّئات ومغفرة الذُّنوب وقد جاء في كتاب الله تعالى ذكرُهما مقترنين، وذكرُ كلِّ واحدٍ منهما مفردًا عن الآخَرَ. فالمقترنان كقوله تعالى حاكيًا عن عباده المؤمنين: ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٣]. والمفرد كقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ﴾ [محمد: ٢]، وقوله في المغفرة: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [محمد: ١٥]، وقوله (١): ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا﴾ [آل عمران: ١٤٧] ونظائره. فهاهنا أربعة أمورٍ (٢): ذنوبٌ، وسيِّئاتٌ، ومغفرةٌ، وتكفيرٌ. فالذُّنوب: المراد بها الكبائر. والمراد بالسّيِّئات: الصّغائر، وما تعمل فيه الكفَّارة من الخطأ وما جرى (٣) مجراه. ولهذا جعَل لها التَّكفيرَ، ومنه أُخذت الكفَّارة. ولهذا لم يكن لها سلطانٌ ولا عملٌ في الكبائر في أصحِّ القولين، فلا تعمل في قتل العمد ولا في اليمين الغَموس في ظاهر مذهب أحمد ومذهب أبي حنيفة (٤).

стр. 603

والدَّليلُ على أنَّ السَّيِّئات هي الصَّغائر، والتَّكفيرُ لها: قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١]. وفي "صحيح مسلمٍ" (١) من حديث أبي هريرة أنَّ رسول الله ﷺ كان يقول: "الصّلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفِّراتٌ لما بينهنّ إذا اجْتُنِبَت الكبائر". ولفظُ "المغفرة" أكمل من لفظ "التّكفير"، ولهذا كان مع الكبائر، والتَّكفيرُ مع الصَّغائر؛ فإنَّ لفظَ "المغفرة" يتضمَّن الوقايةَ والحفظَ، ولفظَ "التَّكفير" يتضمَّن (٢) السَّترَ والإزالةَ، وعند الإفراد يدخل كلٌّ منهما في الآخر كما تقدَّم. فقوله تعالى: ﴿كَفَّرَ عَنْهُمْ﴾ [محمد: ٢] يتناول صغائرها وكبائرها، ومحوَها ووقايةَ شرِّها، بل التَّكفيرُ المفردُ يتناول أسوأَ الأعمال، كما قال: ﴿(٣٤) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي﴾ [الزمر: ٣٥]. وإذا فُهِمَ هذا فُهِمَ السِّرُّ في الوعد على المصائب والهموم والغموم والوَصَب والنَّصَب بالتَّكفير دون المغفرة، كقوله في الحديث الصَّحيح: "ما يصيب المؤمنَ من همٍّ ولا غمٍّ ولا أذًى ــ حتّى الشَّوكةِ يُشَاكُها ــ إلّا كفَّر الله بها من خطاياه" (٣)، فإنَّ المصائبَ لا تستقلُّ بمغفرة الذُّنوب، ولا تُغْفَر الذُّنوبُ جميعُها إلَّا بالتَّوبة، أو بحسناتٍ تتضاءل وتتلاشى فيها الذُّنوبُ، فهي كالبحر لا يتغيَّر بالجِيَف، وإذا بلغ الماءُ قلَّتين لم يحمل الخَبَث!

стр. 604

فلأهل الذُّنوب ثلاثةُ أنهارٍ عظامٍ يتطهَّرون بها في الدُّنيا، فإن لم تَفِ بطهرهم طُهِّروا في نهر الجحيم يوم القيامة: نهرُ التّوبة النَّصوح، ونهرُ الحسنات المستغرقة للأوزار المحيطة بها، ونهرُ المصائب العظيمة المكفِّرة. فإذا أراد الله بعبد خيرًا أدخله أحدَ هذه الأنهار الثَّلاثة، فورد القيامةَ طيِّبًا طاهرًا، فلم يحتَجْ إلى النَّهر (١) الرَّابع. فصل وتوبةُ العبد إلى الله تعالى محفوفةٌ بتوبةٍ من الله عليه قبلها، وتوبةٍ منه بعدها، فتوبتُه بين توبتين من الله (٢): سابقةٍ ولاحقةٍ، فإنّه تاب عليه أوّلًا إذنًا وتوفيقًا وإلهامًا، فتاب العبدُ، فتاب اللهُ عليه ثانيًا قبولًا وإثابةً (٣). قال تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ تَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ (٤) رَحِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١١٧ - ١١٨]. فأخبر سبحانه أنّ توبتَه عليهم سبقت توبتَهم، وأنَّها هي التي جعلتهم تائبين، فكانت سببًا ومقتضيًا لتوبتهم. فدلَّ على أنّهم ما تابوا حتَّى تاب عليهم، والحكمُ ينتفي لانتفاء علّته.

стр. 605

ونظيرُ هذا: هدايتُه لعبده قبل الاهتداء، فيهتدي بهدايته، فتوجب له تلك الهدايةُ هدايةً أخرى يُثيبه (١) الله بها على هدايته، فإنَّ من ثواب الهدى الهدى بعده، كما أنَّ من عقوبة الضَّلالةِ الضَّلالةَ بعدها. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ [محمد: ١٧] فهداهم أولًا فاهتدوا، فزادهم هدًى ثانيًا. وعكسُه في أهل الزّيغ كقوله: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] فهذه الإزاغةُ الثَّانيةُ عقوبةٌ (٢) على زيغهم. وهذا القدرُ من سرِّ اسمه الأوّل الآخر (٣)، فهو المُعِدُّ وهو المُمِدُّ، ومنه السَّببُ والمسبَّبُ، وهو الذي يعيذ من نفسه بنفسه، ويُجير من نفسه بنفسه، كما قال أعرفُ الخلق به: "وأعوذ بك منك" (٤). والعبد توّابٌ، والله توّابٌ. فتوبةُ العبد رجوعُه إلى سيِّده بعد الإباق، وتوبةُ الرَّبِّ (٥) نوعان: إذنٌ وتوفيقٌ، وقبولٌ واعتداد (٦). فصل و التّوبةُ لها مبدأٌ ومنتهًى . فمبدؤها: الرُّجوعُ إلى الله بسلوك صراطه المستقيم الذي نصَبه لعباده موصلًا إلى رضوانه، وأمرَهم بسلوكه بقوله:

стр. 606

﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، وبقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٥٢ - ٥٣]، وبقوله: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ [الحج: ٢٤]. ونهايتُها: الرُّجوعُ إليه في المعاد، وسلوكُ صراطه الذي نصبَه موصلًا إلى جنَّته. فمن رجَع إلى الله في هذه الدَّار بالتَّوبة رجَع إليه في المعاد بالثَّواب. وهذا أحد التّأويلات في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ [الفرقان: ٧١]. قال البغويُّ (١) وغيره: ﴿يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾: يعود إليه بعد الموت متابًا حسنًا يفضُل على غيره. فالتَّوبةُ (٢) الأولى ــ وهي قوله: ومن تاب ــ رجوعٌ عن الشِّرك، والثّانية: رجوعٌ إلى الله تعالى للجزاء والمكافأة. والتّأويل الثّاني: أنَّ الجزاء متضمِّنٌ (٣) معنى الأمر، والمعنى: ومن عزم على التَّوبة وأرادها، فليجعل توبته إلى الله، ولوجهه خالصًا، لا لغيره. التّأويل الثّالث: أنَّ المرادَ لازمُ هذا المعنى، وهو إشعارُه وإعلامُه بمن تاب إليه ورجع إليه. والمعنى: فَلْيعلَمْ توبتَه إلى من؟ ورجوعَه إلى من؟ فإنَّها إلى الله، لا إلى غيره.

стр. 607

ونظيرُ هذا على أحد التّأويلين: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧] أي اعلَمْ ما يترتَّب على مَن عصى أمره ولم يبلِّغ رسالته. والتّأويل الرّابع: أنَّ التَّوبةَ تكون أوّلًا بالقصد والعزم على فعلها، ثمَّ إذا قوِيَ العزمُ وصار جازمًا وُجِد به فعلُ التَّوبة. فالتَّوبةُ الأولى بالعزم والقصد لفعلها، والثّانيةُ بنفس إيقاع التّوبة وإيجادها. والمعنى: من تاب إلى الله قصدًا ونيّةً وعزمًا، فتوبتُه إلى الله عملًا وفعلًا. وهذا نظير قوله ﷺ : "فمن كانت هجرتُه إلى الله ورسوله، فهجرتُه إلى الله ورسوله. ومن كانت هجرتُه لدنيا يصيبها أو امرأةٍ يتزوَّجها، فهجرتُه إلى ما هاجر إليه" (١). فصل والذُّنوب تنقسم إلى صغائر وكبائر بنصِّ القرآن والسُّنّة وإجماع السّلف والاعتبار. قال تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١]. وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ (٢) [النجم: ٣٢]. وفي "الصّحيح" (٣) عن النّبيِّ ﷺ : "الصّلواتُ الخَمسُ، والجمعةُ إلى الجمعة، ورمضانُ إلى رمضان= مكفِّراتٌ لما بينهنّ، إذا اجتُنِبَتِ الكبائرُ". وأمّا ما يحكى عن أبي إسحاق الإسفرايينيِّ ﵀ أنّه قال: "الذُّنوب

стр. 608

كلُّها كبائر، وليس فيها صغائر" (١)، فليس مراده أنّها مستويةٌ في الإثم، بحيث يكون إثمُ النَّظرة المحرَّمة كإثم الوطء الحرام، وإنّما المرادُ أنّها بالنِّسبة إلى عظمة من عُصِيَ بها كلُّها كبائر، ومع هذا فبعضُها أكبرُ من بعضٍ (٢). وعلى هذا فالأمر في ذلك لفظيٌّ لا يرجع إلى معنًى. والَّذي جاء في لفظ الشَّارع: تسميةُ ذلك لَمَمًا ومحقَّراتٍ كما في الحديث: "إيّاكم ومحقَّراتِ الذُّنوب" (٣). وقد قيل: إنَّ اللَّمَم المذكور في الآية من الكبائر. حكاه البغويُّ (٤) وغيره. قالوا: ومعنى الاستثناء أن يُلِمَّ بالكبيرة مرّةً، ثمَّ يتوب، ويقعَ فيها ثمَّ ينتهيَ عنها، لا يتَّخذُها دأبَه. وعلى هذا يكون استثناء اللَّمَم من الاجتناب إذ معناه: لا يصدر منهم ولا تقع منهم الكبائرُ إلّا لَمَمًا. والجمهور على أنّه استثناءٌ من الكبائر، وهو منقطعٌ، أي لكن يقع منهم اللَّمَمُ. وحسَّنَ وقوعَ الانقطاع بعد الإيجاب ــ والغالبُ خلافُه: أنّه (٥) إنّما يقع حيث يقع التَّفريغُ ــ أنَّ (٦) في الإيجاب هنا معنى النَّفي صريحًا، فالمعنى:

стр. 609

لا يأتون ولا يفعلون كبائرَ الإثم والفواحش. فحسُنَ استثناءُ اللَّمَم. ولعلَّ هذا الذي شجَّع أبا إسحاق على أن قال: الذُّنوب كلُّها كبائر، إذ الأصلُ في الاستثناء: الاتِّصال، ولا سيَّما وهو من موجَب. ولكنَّ النُّصوصَ وإجماعَ السَّلف على انقسام الذُّنوب إلى صغائر وكبائر. ثمّ اختلفوا في فصلين، أحدهما: في اللَّمَم ما هو؟ والثّاني: في الكبائر وهل لها عددٌ يحصُرها، أو حدٌّ يحُدُّها؟ فلنذكر شيئًا يتعلَّق بالفصلين. فصل فأمَّا اللَّمَمُ، فقد روي عن جماعةٍ من السّلف أنَّه الإلمامُ بالذَّنب مرّةً، ثمَّ لا يعود إليه وإن كان كبيرًا. قال البغويُّ ﵀ (١): هذا قول أبي هريرة، ومجاهدٍ، والحسن، وروايةُ عطاءٍ عن ابن عبّاسٍ. قال: وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: اللَّمَمُ ما دون الشِّرك. قال السُّدِّيُّ: قال أبو صالحٍ: سئلتُ عن قول الله تعالى: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم: ٣٢]، فقلتُ: هو الرَّجل يُلِمُّ بالذَّنب ثمّ لا يعاوده. فذكرتُ ذلك لابن عبّاسٍ ﵄ فقال: لقد أعانك عليها ملَكٌ كريمٌ. والجمهورُ على أنَّ اللَّمَمَ ما دون الكبائر. وهو أصحُّ الرِّوايتين عن ابن عبّاسٍ، كما في "صحيح البخاريِّ" (٢) من حديث طاووسٍ عنه قال: ما رأيتُ أشبهَ باللَّمَم ممّا قال أبو هريرة عن النّبيِّ ﷺ : "إنَّ الله كتَب على ابن آدم حظَّه من الزِّنى، أدرك ذلك لا محالة. فزنى العينِ النَّظرُ، وزنى اللِّسانِ النُّطقُ.

стр. 610

والنَّفسُ تمنّى وتشتهي، والفرجُ يصدِّق ذلك ويكذِّبه". ورواه مسلمٌ (١) من حديث سهيل بن أبي صالحٍ عن أبيه عن أبي هريرة، وفيه: "والعينانِ زناهما النَّظرُ، والأذنانِ زناهما الاستماعُ، واللِّسانُ زناه الكلامُ، واليدُ زناها البطشُ، والرِّجلُ زناها الخُطا". وقال الكلبيُّ: اللَّمَمُ على وجهين: كلُّ ذنبٍ لم يذكُر الله عليه حدًّا في الدُّنيا ولا عذابًا في الآخرة، فذلك الذي تكفِّره الصّلواتُ الخمسُ، ما لم يبلغ الكبائرَ والفواحشَ. والوجهُ الآخر: هو الذَّنب العظيمُ، يُلِمُّ به المسلمُ المرَّةَ بعد المرَّة، فيتوب منه (٢). وقال سعيد بن المسيِّب: هو ما ألمَّ بالقلب، أي خطَر عليه. وقال الحسينُ بن الفضلِ: اللَّمَمُ (٣): النَّظَرُ من غير تعمُّدٍ، فهو مغفورٌ، فإن أعاد النَّظرَ فليس بلمَمٍ، وهو ذنبٌ. وقد روى عطاءٌ عن ابن عبّاسٍ ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن تغفِرِ اللهمَّ تغفِرْ جَمَّا ... وأيُّ عبد لك لا ألمَّا (٤) " (٥)

стр. 611

وذهبت طائفةٌ ثالثةٌ إلى أنَّ اللَّمَم: ما فعلوه في الجاهليّة قبل إسلامهم، فالله لا يؤاخذُهم به. وذلك أنَّ المشركين قالوا للمسلمين: أنتم بالأمس كنتم تعملون معنا، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وهذا قول زيد بن ثابتٍ وزيد بن أسلم (١). والصّحيح: قولُ الجمهور: إنّ اللَّمَم هو (٢) صِغارُ الذُّنوب، كالنَّظرة والغَمْزة والقُبلة ونحو ذلك. هذا قول جمهور الصَّحابة ومَن بعدهم. وهو قول أبي هريرة، وعبد الله بن مسعودٍ، وابن عبّاسٍ، ومسروقٍ، والشَّعبيِّ (٣). ولا ينافي هذا قولَ أبي هريرة وابن عبّاسٍ في الرِّواية الأخرى: إنّه أن يلمَّ بالكبيرة ثمّ لا يعود إليها، فإنَّ اللَّمَم إمَّا أن يتناولَ هذا وهذا ويكون على وجهين كما قال الكلبيُّ، أو أنَّ أبا هريرة وابن عبّاسٍ ألحقا مَن ارتكب كبيرةً (٤) مرّةً واحدةً ــ ولم يصرَّ عليها، بل حصلت منه فلتةً في عمره ــ باللَّمَم، ورأيا أنّها إنَّما تتغلَّظ وتكبُر وتعظُم في حقِّ من تكرَّرت منه مرارًا عديدةً. وهذا من فقه الصَّحابة ﵃ وغَورِ علومهم. ولا ريبَ أنَّ الله يسامحُ عبدَه المرَّةَ والمرَّتَين والثَّلاثَ، وإنّما يُخاف

стр. 612

العنَتُ على من (١) اتّخذ الذَّنبَ عادتَه، وتكرَّر منه مرارًا كثيرةً. وفي ذلك آثارٌ سلفيّةٌ، والاعتبارُ بالواقع يدلُّ على هذا. ويُذكَرُ عن عليٍّ ﵁ (٢) أنّه رُفِعَ إليه سارقٌ، فأمرَ بقطع يده، فقال: يا أميرَ المؤمنين، والله ما سرقتُ غيرَ هذه المرَّة. فقال: كذبتَ. فلمَّا قُطِعت يُده قال: اصدُقْني، كم لك بهذه مرَّةً؟ فقال: كذا وكذا مرّةً؟ فقال: صدقتَ، إنَّ الله لا يؤاخذ بأوّل ذنبٍ. أو كما قال. فأوّلُ ذنبٍ إن لم يكن هو اللَّمَم، فهو من جنسه ونظيره. فالقولان (٣) عن أبي هريرة وابن عبّاسٍ متّفقان غيرُ مختلفين. والله أعلم. وهذه اللَّفظةُ فيها معنى المقاربة والإغباب (٤) بالفعل حينًا بعد حينٍ، فإنَّه يقال: ألمَّ بكذا، إذا قاربه ولم يغشَه. ومن هذا سمِّيت القُبلةُ والغَمْزةُ لَمَمًا، لأنّها تُلِمُّ بما بعدها. ويقال: فلانٌ لا يزورنا إلّا لِمامًا، أي حينًا بعد حينٍ. فمعنى اللَّفظة ثابتٌ في الوجهين اللَّذَين فسَّرت الصَّحابةُ بهما الآية.

стр. 613

وليس معنى الآية: الذين (١) يجتنبون كبائر الإثم والفواحش، إلّا اللَّمَمَ فإنَّهم لا يجتنبونه؛ فإنَّ هذا يكون ثناءً عليهم بترك اجتناب اللَّمَم، وهذا محالٌ. وإنّما هذا استثناءٌ من مضمون الكلام ومعناه، فإنَّ سياقَ الكلام في تقسيم النَّاس إلى محسنٍ ومسيءٍ، وأنَّ الله يجزي هذا بإساءته وهذا بإحسانه. ثمَّ ذكَر المحسنين ووصَفَهم بأنّهم يجتنبون كبائرَ الإثم والفواحش. ومضمونُ هذا: أنّه لا يكون مُحسِنًا مجزيًّا بإحسانه ناجيًا من عذاب الله إلّا من اجتنب كبائر الإثم والفواحش، فحسُن حينئذٍ استثناءُ اللَّمَم، وإن لم يدخل في الكبائر، فإنّه داخلٌ في جنس الإثم والفواحش. وضابطُ الانقطاع: أن يكون له دخولٌ في جنس المستثنى منه، وإن لم يدخل في نفسه، ولم يتناوله لفظُه، كقوله تعالى: ﴿فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ﴾ [مريم: ٦٢]، فإنَّ السَّلامَ داخلٌ في الكلام الذي هو جنسٌ لِلَّغْو وللسَّلام (٢). وكذلك قوله: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ [النبأ: ٢٤ - ٢٥]، فإنَّ الحميمَ والغسَّاقَ داخلٌ في جنس المذوق (٣) المنقسم. فكأنّه قيل في الأوَّل: لا يسمعون فيها شيئًا إلّا سلامًا، وفي الثّاني: لا يذوقون فيها شيئًا إلّا حميمًا وغسَّاقًا (٤). ونصَّ على فردٍ من أفراد الجنس صريحًا، ليكون نفيهُ بطريق التَّصريح والتَّنصيص، لا بطريق العموم الذي يتطرّقَ إليه

стр. 614

تخصيصُ هذا الفرد. وكذلك قوله: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ [النساء: ١٥٧]، فإنَّ الظَّنَّ داخلٌ في الشُّعور الذي هو جنسٌ للعلم والظَّنِّ (١). وأدقُّ من هذا: دخولُ الانقطاع فيما يُفْهِمُه الكلامُ بلازمه، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢]، إذ مفهوم هذا أنّ نكاح منكوحات الآباء سببٌ للعقوبة إلّا ما سلَف منه قبل التَّحريم، فإنّه عَفوٌ (٢). وكذلك: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣]. وإن كان المرادُ به ما كان في شرع من تقدَّم فهو استثناءٌ من القبح المفهوم من ذلك التَّحريم والذَّمِّ لمن فعله، فحسُنَ أن يقال: إلّا ما قد سلَف. فتأمَّلْ هذا، فإنّه من فقه العربيّة (٣). وأمّا قوله: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦] فهذا الاستثناء هو لتحقيق دوام الحياة وعدم ذوق الموت، وهو يجعل النَّفيَ الأوَّلَ العامَّ بمنزلة النَّصِّ الذي لا يتطرَّق إليه استثناءٌ البتّة، إذ لو تطرَّق إليه استثناءُ فردٍ من أفراده لكان أولى بذكره من العدول عنه إلى الاستثناء المنقطع. فجرى هذا الاستثناءُ مجرى التّأكيد والتّنصيص على حفظ العموم (٤). وهذا جارٍ في كلِّ منقطعٍ، فتأمَّلْه فإنّه من أسرار العربيّة.

стр. 615

فقوله: "وما بالرَّبْع من أحدٍ إلّا أَوَاريَّ" (١)، يُفهَم منه: لو وجدتُ فيها أحدًا لاستثنيتُه، ولم أعدل إلى الأَواريِّ التي ليست بأحدٍ. وقريبٌ من هذا لفظة "أو" في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: ٧٤]، وقوله: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧]. هو كالتَّنصيص على أنَّ المرادَ بالأوّل: الحقيقة لا المبالغة، فإنَّها إن لم تزد قسوتُها على الحجارة فهي كالحجارة في القسوة لا دونها، وأنّه إن لم يزد عددُهم على مائة ألفٍ لم ينقُصْ عنها. فذكرُ "أو" هاهنا كالتَّنصيص على حفظ المائة الألف، وأنّها ليست ممّا أريد بها المبالغة (٢). والله أعلم. فصل وأمَّا الكبائر، فاختلف السَّلفُ فيها اختلافًا لا يرجع إلى تباينٍ وتضادٍّ، وأقوالهم متقاربةٌ. وفي "الصَّحيحين" (٣) من حديث الشَّعبيِّ، عن عبد الله بن عمرٍو، عن

стр. 616

النّبيِّ ﷺ قال: "الكبائر: الإشراكُ بالله، وعقوقُ الوالدين، وقتلُ النَّفس، واليمينُ الغَموس". وفيهما (١) عن عبد الرَّحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، عن النّبيِّ ﷺ : "ألا أنبِّئكم بأكبر الكبائر؟ " ثلاثًا. قالوا: بلى، يا رسول الله، قال: "الإشراك بالله، وعقوق الوالدين". وجَلَس وكان متَّكئًا، فقال: "ألا، وقولُ الزُّور". فما زال يكرِّرها حتّى قلنا: ليته سكت. وفي "الصَّحيح" (٢) من حديث أبي وائلٍ، عن عمرو بن شرحبيل، عن عبد الله قال: قلت: يا رسولَ الله، أيُّ الذّنب أعظم؟ قال: "أن تجعل لله ندًّا وهو خلَقَك". قال: قلت: ثمَّ أيُّ؟ قال: "أن تقتل ولدَك مخافةَ أن يأكلَ معك". قال: قلت: ثمّ أيٌّ؟ قال: "أن تُزانيَ حليلةَ جارك". فأنزل الله تعالى تصديقَ قول النَّبيِّ ﷺ : ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨]. وفي "الصّحيحين" (٣) من حديث أبي هريرة ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ قال: "اجتنبوا السَّبعَ المُوبقات". قالوا: يا رسول الله، وما هنَّ؟ قال: "الشِّركُ بالله، والسِّحرُ، وقتلُ النَّفس التي حرَّم الله إلّا بالحقِّ، وأكلُ الرِّبا، وأكلُ مال اليتيم، والتَّولِّي يوم الزَّحف، وقذفُ المحصَنات الغافلات المؤمنات". وروى شعبة عن سعد بن إبراهيم سمعتُ حميدَ بن عبد الرَّحمن

стр. 617

يحدِّث عن عبد الله بن عمرٍو عن النَّبيِّ ﷺ قال: "من أكبر الكبائر أن يسُبَّ الرّجلُ والديه". قالوا: وكيف يسُبُّ الرّجل والديه؟ قال: "يسُبُّ أبا الرَّجل فيسُبُّ أباه، ويسُبُّ أمَّه فيسُبُّ أمَّه" (١). وفي حديث أبي هريرة ﵁ (٢) عن النَّبيِّ ﷺ قال: "إنَّ أكبرَ الكبائر استطالُة الرَّجل في عِرْضِ أخيه بغير حقٍّ" (٣). وقال عبد الله بن مسعودٍ ﵁: أكبرُ الكبائر: الشِّركُ بالله، والأمنُ من مكر الله، والقنوطُ من رحمة الله، واليأسُ من رَوح الله (٤). قال سعيد بن جبيرٍ: سأل رجلٌ ابنَ عبَّاسٍ ﵄ عن الكبائر أسبعٌ هي؟ قال: هي (٥) إلى السّبعمائة أقرب، إلّا أنّه لا كبيرةَ مع الاستغفار، ولا صغيرةَ مع الإصرار. وقال: كلُّ شيءٍ عُصِيَ الله به فهو كبيرةٌ، من عمل شيئًا

стр. 618

منها فليستغفر الله، فإنَّ الله لا يخلِّد في النَّار من هذه الأمَّة إلَّا مَن كان راجعًا عن الإسلام، أو جاحدًا فريضةً، أو مكذِّبًا بقدَر (١). وقال عبد الله بن مسعودٍ ﵁: ما نهى الله عنه في سورة النِّساء من أوّلها إلى قوله: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النساء: ٣١] فهو كبيرةٌ (٢). وقال عليُّ بن أبي طلحة: هي كلُّ ذنبٍ ختَمه الله بنارٍ، أو غضبٍ، أو لعنةٍ، أو عذابٍ (٣). وقال الضَّحَّاك: هي ما أوعد الله عليه حدًّا في الدُّنيا، أو عذابًا في الآخرة (٤). وقال الحسين بن الفضل: ما سمَّاه الله في القرآن كبيرًا أو عظيمًا، نحو قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٢]، ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٣١]، ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٨]، ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦]، ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٣] (٥). قال سفيان الثّوريُّ: الكبائر: ما كان فيه المظالمُ بينك وبين العباد.

стр. 619

والصَّغائر: ما كان بينك وبين الله، لأنَّ الله كريمٌ يعفو. واحتجَّ بحديث يزيد بن هارون عن حُميدٍ الطَّويل عن أنس بن مالكٍ قال: قال رسول الله ﷺ : "ينادي منادٍ من قبل العرش (١) يوم القيامة: يا أمّةَ محمَّدٍ، إنّ الله قد عفا عنكم جميعَ المؤمنين والمؤمنات. تواهَبوا بينكم (٢)، وادخلوا الجنَّةَ برحمتي" (٣). قلتُ: مراد سفيان (٤) ﵁: أنَّ الذُّنوبَ التي بين العبد وبين الله أسهَلُ أمرًا من مظالم العباد، فإنَّها تزول بالاستغفار والعفو والشَّفاعة وغيرها، وأمَّا مظالمُ العباد فلا بدَّ من استيفائها. وفي "المعجم" للطَّبَرانيِّ (٥):

стр. 620

"الظُّلمُ عند الله يوم القيامة ثلاثُ (١) دواوين: ديوانٌ لا يغفر الله منه شيئًا، وهو الشِّرك بالله، ثمّ قرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨]. وديوانٌ لا يترك الله منه شيئًا، وهو مظالمُ العباد بعضِهم بعضًا. وديوانٌ لا يعبأ الله به شيئًا، وهو ظلمُ العبدِ نفسَه بينه وبين ربِّه" (٢). ومعلومٌ أنَّ هذا (٣) الدِّيوانَ مشتملٌ على الكبائر والصّغائر، لكنَّ مستحقَّه أكرمُ الأكرمين، وما يعفو عنه من حقِّه ويهبُه أضعافُ أضعافِ ما يستوفيه، فأمرُه أسهَلُ من الدِّيوان الذي لا يترك منه شيئًا لعدله وإيصال كلِّ حقٍّ إلى صاحبه. وقال مالك بن مِغْوَلٍ: الكبائرُ ذنوبُ أهل البدع، والسّيِّئاتُ ذنوبُ أهل السُّنّة (٤). قلتُ: يريد أنَّ البدعةَ من الكبائر، وأنّها أكبرُ من كبائر أهل السُّنَّة، فكبائرُ أهل السُّنَّة صغائرُ بالنِّسبة إلى البدع. وهذا معنى قول بعض السَّلَف: البدعةُ أحبُّ إلى إبليس من المعصية، لأنَّ البدعةَ لا يتاب منها، والمعصيةُ يتاب منها (٥).

стр. 621

وقيل: الكبائر: ذنوبُ العمد. والسّيِّئاتُ: الخطأُ والنِّسيانُ وما أُكرِهَ عليه وحديثُ النَّفس المرفوعةُ (١) عن هذه الأمّة (٢). قلتُ: هذا من أضعف الأقوال طردًا وعكسًا، فإنَّ الخطأَ والنِّسيانَ والإكراهَ لا يدخل تحت جنس المعاصي، حتّى يكون أحدَ قِسْمَيْها. والعَمْدُ نوعان: نوع كبائر، ونوع صغائر، ولعلَّ صاحبَ هذا القول يرى أنَّ الذُّنوب كلَّها كبائر، وأنَّ الصَّغائرَ ما عفا الله لهذه الأمّة عنه ولم يدخل تحت التّكليف. وهذا غير صحيحٍ، فإنَّ الكبائر والصّغائر نوعان تحت جنس المعصية، ويستحيلُ وجودُ النَّوع بدون جنسه. وقيل: الكبائرُ ذنوب المستحِلِّين مثل ذنب إبليس. والصَّغائرُ ذنوبُ المستغفِرين مثل ذنب آدم ﵇ (٣). قلتُ: أمّا المستحِلُّ، فذنبُه دائرٌ بين الكفر والتّأويل، فإنَّه إن كان عالمًا بالتَّحريم فكافرٌ، وإن لم يكن عالمًا به فمتأوِّلٌ أو مقلِّدٌ. وأمّا المُستغفِرُ، فإنَّ استغفارَه الكاملَ يمحو كبائره وصغائره، فلا كبيرةَ مع الاستغفار. فهذا الفرقُ ضعيفٌ أيضًا، إلّا أن يكون مرادُ صاحبه أنَّ ما يفعلُه المستحلُّ من الذَّنب أعظَمُ عقوبةً ممّا يفعله المعترِفُ بالتَّحريم، النَّادمُ على الذَّنب، المستغفِرُ

стр. 622

منه. وهذا صحيحٌ. وقال السُّدِّيُّ: الكبائر: ما نهى الله عنه من الذُّنوب الكِبار. والسَّيِّئاتُ مقدِّماتُها وتوابعُها ممَّا يجتمع فيه الصَّالحُ والفاسقُ، مثل النَّظرة واللَّمْسَة (١) والقبلة وأشباهها، واحتجَّ بقول النّبيِّ ﷺ : "العينان تزنيان، واليدان تزنيان، والرِّجلان تزنيان، ويصدِّق ذلك كلّه (٢) الفرجُ أو يكذِّبه" (٣). وقيل: الكبائر: ما يستصغره العباد. والصَّغائر: ما يستعظمونه، فيخافون مواقعته (٤). واحتجَّ أربابُ هذه المقالة بما روى البخاريُّ في "صحيحه" (٥) عن أنسٍ ﵁ -قال: إنَّكم لَتعملون أعمالًا، هي أدقُّ في أعينكم من الشَّعَر، كنَّا نُعدُّها على عهد رسول الله ﷺ من الموبقات. قلتُ: أمَّا قولُ السُّدِّيِّ: "الكبائر ما نهى الله عنه من الذُّنوب الكبار"، فبيانٌ للشَّيء بنفسه، فإنَّ الذُّنوبَ الكبارَ هي الكبائر. وإنَّما مرادُه أنَّ المنهيَّ عنه قسمان: أحدهما: ما هو مشتملٌ على المفسدة بنفسه، فنفسُ فعلِه منشأ المفسدة، فهذا كبيرةٌ، كقتل النَّفس والسَّرِقة والقذف والزِّنى (٦).

стр. 623

والثّاني: ما كان من مقدِّمات ذلك ومبادئه، كالنَّظر واللَّمس والحديث والقبلة، الّذي هو مقدِّمةُ الزِّنى، فهو من الصّغائر. فالصَّغائرُ من جنس المقدِّمات، والكبائرُ من جنس المقاصد والغايات. وأمَّا من قال: "ما يستصغره العباد فهو كبائر، وما يستكبرونه فهو صغائر"، فإن أراد أنَّ الفرقَ راجعٌ إلى استكبارهم واستصغارهم، فهو باطلٌ، فإنَّ العبدَ يستصغر النَّظرةَ، ويستكبر الفاحشةَ. وإن أراد أنَّ استصغارَه للذَّنب يكبِّره عند الله، واستعظامَه له يصغِّره عند الله تعالى؛ فهذا صحيحٌ، فإنَّ العبدَ كلَّما صغُرَتْ ذنوبُه عنده كبُرَتْ عند الله، وكلَّما كبُرَتْ عنده صغُرَتْ ذنوبُه عند الله. والحديثُ إنّما يدلُّ على هذا المعنى. وإنَّ (١) الصّحابة ﵃ ــ لعلوِّ مرتبتهم عند الله وكمالهم ــ كانوا يعدُّون تلك الأعمالَ مُوبقاتٍ، ومَن بعدهم ــ لنقصانِ مرتبتهم عنهم (٢) وتفاوتِ ما بينهم ــ صارت تلك الأعمالُ في أعينهم أدقَّ من الشَّعر. وإذا أردتَ فهمَ هذا، فانظر: هل كان في الصَّحابة مَن إذا سمع نصَّ (٣) رسول الله ﷺ عارضه بقياسه، أو ذوقه، أو وجده، أو عقله، أو سياسته؟ فهل كان أحدٌ منهم قطُّ (٤) يقدِّم على نصِّ رسول الله ﷺ عقلًا، أو قياسًا، أو ذوقًا،

стр. 624

أو سياسةً، أو تقليدَ مقلِّدٍ؟ ولقد كرَّم الله أعينَهم وصانها أن تنظر إلى وجهِ مَن هذا حالُه أو يكون في زمانهم. ولقد حكَم عمرُ بن الخطّاب ﵁ على من قدَّم حكمَه على نصِّ الرسول ﷺ بالسَّيف، وقال: هذا حكمي فيه (١). فيالله! كيف لو رأى ما رأينا، وشاهدَ ما بُلينا به من تقديم رأيِ كلِّ فلانٍ وفلانٍ على قول المعصوم، ومعاداةِ من اطَّرَح آراءَهم، وقدَّم عليها قولَ المعصوم؟ فالله المستعان، وهو الموعد. وقيل: الكبائر: الشِّرك وما يؤدِّي إليه. والصَّغائر: ما عدا الشِّرك من ذنوب أهل التَّوحيد (٢). واحتجَّ أربابُ هذه المقالة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]. واحتجُّوا بقوله ﷺ فيما يروي عن ربِّه ﵎: "ابنَ آدم، لو أتيتَني بقُراب الأرض خطايا، ثمَّ لَقِيتَني لا تشرك بي شيئًا، لَقِيتُكَ بقُرابها مغفرةً" (٣). واحتجُّوا أيضًا بالحديث الذي روي مرفوعًا وموقوفًا: "الظُّلمُ عند الله (٤) ثلاثُ دواوين: ديوانٌ لا يغفر الله منه شيئًا، وهو الشِّرك. وديوانٌ لا يترك منه شيئًا، وهو ظلمُ العبادِ بعضِهم بعضًا. وديوانٌ لا يعبأ الله به شيئًا، وهو ظلمُ

стр. 625

العبد نفسَه بينه وبين ربِّه" (١). فهذا جملة ما احتجَّ به (٢) أربابُ هذه المقالة، ولا حجّةَ لهم في شيءٍ منه. أمَّا الآية، فإنَّ غايتَها التَّفريقُ بين الشِّرك وغيره، وأنَّ الشِّركَ لا يُغفر إلّا بالتَّوبة منه، وأمَّا ما دون الشِّرك، فهو مردودٌ (٣) إلى مشيئة الله (٤). وهذا يدلُّ على أنَّ المعاصيَ دون الشِّرك، وهذا حقٌّ. فإن أراد أربابُ هذا القول هذا، فلا نزاعَ فيه. وإن أرادوا أنَّ كلَّ ما دون الشِّرك فهو صغيرةٌ في نفسه، فباطلٌ. فإن قيل: فإذا كان الشِّركُ وغيرُه ممّا تأتي عليه التَّوبةُ، فما وجهُ الفرق بين الشِّرك وما دونه؟ وهل هما في حقِّ التَّائب أم غير التَّائب؟ أم أحدُهما في حقِّ التَّائب والآخَرُ لغيره؟ وما الفرقُ بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣]؟ فالجواب: أنَّ كلَّ واحدةٍ من الآيتين لطائفةٍ. فآيةُ النِّساء: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] هي لغير التّائبين في القسمين. والدَّليلُ عليه: أنَّه فرَّق بين الشِّرك وغيره في المغفرة، ومن المعلوم بالاضطرار

стр. 626

من دين الإسلام أنَّ الشِّركَ يُغْفَر بالتَّوبة، وإلَّا لم يصحَّ إسلامُ كافرٍ أبدًا. وأيضًا فإنَّه خصَّص مغفرةَ ما دون الشِّرك بمَن يشاء، ومغفرةُ الذُّنوب للتّائبين عامّةٌ لا تخصيص فيها، فخصَّص وقيَّد (١). وهذا يدلُّ على أنّه حكمُ غيرِ التّائب. وأمّا آيةُ الزُّمر: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾، فهي في حقِّ التَّائب، لأنّه أطلَق وعمَّم، فلم يخُصَّها بأحدٍ، ولم يقيِّدها بذنبٍ. ومن المعلوم بالضَّرورة أنَّ الكفَر لا يغفره، وكثيرٌ من الذُّنوب لا يغفرها. فعُلِمَ أنَّ هذا الإطلاقَ والتَّعميمَ في حقِّ التّائب، فكلُّ مَن تاب ــ من أيِّ ذنبٍ كان ــ غُفِرَ له. وأمّا الحديث الآخر: "لو لقيتني بقُراب الأرض خطايا، ثمَّ لقيتَني لا تشرك بي شيئًا، أتيتُك بقُرابها مغفرةً"، فلا يدلُّ هذا على أنَّ ما عدا الشِّركَ كلَّه صغائر، بل يدلُّ على أنَّ مَن لم يشرك بالله شيئًا فذنوبُه مغفورةٌ كائنةً ما كانت. ولكن ينبغي أن يُعلمَ ارتباطُ أعمال القلوب بأعمال الجوارح وتعلُّقُها بها، وإلّا لم يُفهَمْ مرادُ الرَّسول ﷺ ، ووقع الخبطُ والتَّخبيطُ. فاعلم أنَّ هذا النَّفيَ العامَّ للشِّرك: أن لا يُشرك بالله شيئًا البتَّةَ، لا يصدر من مصرٍّ على معصيةٍ أبدًا، ولا يمكن مدمنَ الكبيرةِ والمصرَّ على الصَّغيرةِ أن يصفو له التَّوحيدُ حتّى لا يشرك بالله شيئًا. هذا من أعظم المحال. ولا تلتفِتْ إلى جدليٍّ لا حظَّ له من أعمال القلوب، بل قلبُه كالحجر أو أقسى، يقول: وما المانع؟ وما وجه الإحالة؟ ولو فُرِضَ ذلك واقعًا لم يلزم منه محالٌ لذاته!

стр. 627

فدَعْ هذا القلبَ المفتونَ بجدله وجهله، واعلم أنَّ الإصرارَ على المعصية يُوجِب من خوف القلب من غير الله، ورجائه لغير الله، وحبِّه لغير الله، وذلِّه لغير الله، وتوكُّله على غير الله= ما يصير به منغمسًا في بحار الشِّرك. والحاكمُ في هذا: ما يعلمه الإنسان من نفسه، إن كان له عقلٌ. فإنَّ ذلَّ المعصية لا بدَّ أن يقومَ بالقلب، فيورثَه خوفًا من غير الله تعالى، وذلك شركٌ؛ ويورثَه محبّةً لغير الله، واستعانةً بغيره في الأسباب التي تُوصِله إلى غرضه، فيكون عملُه لا بالله ولا له، وهذا حقيقة الشِّرك. نعم، يكون معه توحيدُ أبي جهلٍ وعُبَّادِ الأصنام، وهو توحيد الرُّبوبيّة، وهو الاعترافُ بأنّه لا خالق إلّا الله. ولو أنجى هذا التَّوحيدُ وحده لأنجى عُبَّادَ الأصنام. والشَّأنُ في توحيد الإلهيّة الذي هو الفارقُ بين المشركين والموحِّدين. والمقصود: أنَّ مَن لم يشرك بالله شيئًا يستحيلُ أن يلقى الله بقُراب الأرض خطايا مصرًّا عليها غيرَ تائبٍ منها، مع كمال توحيده الذي هو غايةُ الحبِّ والخضوع والخوف والرَّجاء للرَّبِّ تعالى. وأمّا حديث الدّواوين، فإنّما فيه أنَّ حقَّ الرَّبِّ ﵎ لا يؤوده أن يهَبَه ويُسقطه، ولا يحتفلَ به ويعتنيَ به كحقوق عباده. وليس معناه: أنّه لا يؤاخِذ به البتَّة، أو أنَّه كلَّه صغائرُ، وإنّما معناه أنّه يقع فيه من المسامحة والمساهلة والإسقاط والهبة ما لا يقع مثلُه في حقوق الآدميِّين. فظهر (١) أنَّه لا حجَّة لهم في شيءٍ ممَّا احتجُّوا به. والله أعلم.

стр. 628

وقالت فرقةٌ: الصَّغائرُ ما دون الحدَّين. والكبائر ما تعلَّق بها أحدُ الحدَّين (١). ومرادهم بالحدَّين: عقوبة الدُّنيا والآخرة، فكلُّ ذنبٍ عليه عقوبةٌ مشروعةٌ محدودةٌ في الدُّنيا كالزِّنى والشُّرب والسَّرِقة والقذف، أو عليه وعيدٌ في الآخرة كأكلِ مال اليتيم، والشُّرْبِ في آنية الفضّة والذّهب، وقتلِ الإنسان نفسَه، وخيانة أمانته، ونحو ذلك= فهو من الكبائر. وصدق ابنُ عبَّاسٍ ﵄ (٢)، هي إلى السَّبعمائة أقرَبُ منها إلى السَّبع (٣). فصل وهاهنا أمرٌ ينبغي التّفطُّن له، وهو أنَّ الكبيرةَ قد يقترن بها من الحياءِ والخوفِ والاستعظامِ لها ما يُلْحِقها بالصَّغائر، وقد يقترن بالصَّغيرة من قلَّةِ الحياء وعدمِ المبالاة وتركِ الخوف والاستهانةِ بها ما يُلحقها بالكبائر، بل يجعلها في أعلى رتبها. وهذا أمرٌ مرجعُه إلى ما يقوم بالقلب، وهو قدرٌ زائدٌ على مجرَّد الفعل، والإنسانُ يعرف ذلك من نفسه وغيره. وأيضًا فإنَّه يُعفى للمحبِّ ولصاحب الإحسان العظيم ما لا يُعفَى لغيره، ويسامَحُ بما لا يسامَح به غيرُه.

стр. 629

وسمعتُ شيخَ الإسلام ابن تيميّة ﵁ يقول: انظر إلى موسى ــ صلواتُ الله وسلامُه عليه ــ رمى الألواح التي فيها كلامُ الله الذي كتَبه بيده فكسَرها، وجرَّ بلحيةِ (١) نبيٍّ مثلِه ورأسِه، وهو هارون (٢)؛ ولطَم عينَ ملَكِ الموت ففقأها (٣)، وعاتَب ربَّه ليلةَ الإسراء في محمَّدٍ ﷺ ورفعِه عليه (٤)؛ وربُّه ﵎ يحتمل له ذلك كلَّه، ويحبُّه ويكرمه (٥) ويدلِّلُه، لأنَّه قام لله المقاماتِ (٦) العظيمةَ في مقابلةِ أعدى عدوٍّ له، وصدَعَ بأمره، وعالج أمَّةَ القبط وأمَّةَ بني إسرائيل أشدَّ المعالجة= فكانت هذه الأمورُ كالشَّعرة في البحر. وانظر إلى يونس بن متّى حيث لم يكن له هذه (٧) المقامات التي لموسى ﷺ ، غاضَبَ ربَّه (٨) مرّةً، فأخَذه وسجَنه في بطن الحوت، ولم يحتمل له ما احتمل لموسى ﷺ . وفرقٌ بينَ من إذا (٩) أتى بذنبٍ لم يكن له من الإحسان والمحاسن ما يشفع له، وبينَ من إذا أتى بذنبٍ جاءت محاسنُه بكلِّ شفيعٍ، كما قيل (١٠):

стр. 630

وإذا الحبيبُ أتى بذنبٍ واحدٍ ... جاءت محاسنُه بألفِ شفيعِ (١) فالأعمالُ تشفَع لصاحبها عند الله، وتذكِّر به إذا وقَع في الشّدائد. قال تعالى عن ذي النُّون: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: ١٤٣ - ١٤٤] (٢). وفي "المسند" (٣) عنه ﷺ (٤): "إنّ ما تذكرون من جلال الله من التَّسبيح والتَّكبير والتَّحميد يتعاطفن حول العرش، لهنّ دويٌّ كدويِّ النَّحل، يذكِّرن بصاحبهنّ. أفلا يحبُّ أحدكم أن يكون له من يُذكِّر به؟ ". ولهذا من رجَحَت حسناتُه على سيِّئاته أفلَحَ ولم يعذَّب، ووُهِبَت له سيِّئاتُه لأجل حسناته. ولأجل هذا يُغفَر لصاحب التَّوحيد ما لا يُغفَر لصاحب الإشراك، لأنّه

стр. 631

قد قام به ممّا يحبُّه الله ما اقتضى أن يغفِرَ له ويُسامِحَه ما لا يسامِحُ به المشركَ. وكلَّما كان توحيدُ العبد أعظمَ كانت مغفرةُ الله له أتمَّ. فمن لقيه لا يشرك به شيئًا البَتَّةَ غفرَ له ذنوبَه كلَّها، كائنةً ما كانت، ولم يُعذِّب بها. ولسنا نقول: إنّه لا يدخل النَّارَ أحدٌ من أهل التَّوحيد، بل كثيرٌ منهم يدخل بذنوبه، ويعذَّب على مقدار جُرمه، ثمَّ يخرج منها؛ ولا تنافي بين الأمرين لمن أحاط علمًا بما قدَّمناه. ونزيده هاهنا إيضاحًا لعِظَم هذا المقام من شدَّة الحاجة (١) إليه: اعلم أنَّ أشعَّةَ لا إله إلّا الله تُقطِّع من ضَبابِ الذُّنوب وغَيمها بقدر قوَّة ذلك الشُّعاع وضَعْفِه، فلها نورٌ، وتفاوتُ أهلها في ذلك النُّور قوّةً وضعفًا لا يحصيه إلّا الله تعالى. فمن النّاس مَن نورُ هذه الكلمة في قلبه كالشَّمس. ومنهم مَن نورُها في قلبه كالكوكب الدُّرِّيِّ. ومنهم مَن نورُها في قلبه كالمِشْعَل العظيم، وآخَرُ كالسِّراج المضيء، وآخَر كالسِّراج الضَّعيف. ولهذا تظهر الأنوارُ (٢) يوم القيامة بأيمانهم وبين أيديهم على (٣) هذا المقدار، بحسب ما هو في قلوبهم من نور هذه الكلمة علمًا وعملًا ومعرفةً وحالًا. وكلَّما عظُمَ نورُ الكلمة واشتدَّ أحرَقَ من الشُّبهات والشَّهوات بحسب قوَّته وشدَّته، حتّى إنَّه ربَّما وصل إلى حالٍ لا يصادف شبهةً ولا شهوةً ولا ذنبًا إلَّا أحرَقَه (٤).

стр. 632

وهذه حالُ الصَّادق في توحيده، الذي لم يُشرك بالله شيئًا. فأيُّ ذنبٍ أو شهوةٍ أو شبهةٍ دنت من هذا النُّور أحرَقَها. فسماءُ إيمانه قد حُرِسَتْ بالنُّجوم من كلِّ سارقٍ لحسناته، فلا ينال منه السَّارقُ إلّا على غِرَّةٍ وغفلةٍ لا بدَّ منها للبشر. فإذا استيقظ وعَلِمَ ما سُرِقَ منه استنقذه من سارقه، أو حصَّل أضعافَه بكسبه. فهو هكذا أبدًا مع لصوص الجنِّ والإنس، ليس كمن فَتَح لهم خِزانتَه (١)، وولّى البابَ ظهرَه. وليس التَّوحيدُ مجرَّدَ إقرارِ العبد بأنَّه لا خالقَ إلّا الله وأنَّ الله ربُّ كلِّ شيءٍ ومليكُه، كما كان عبَّادُ الأصنام مقرِّين بذلك وهم مشركون. بل التَّوحيدُ يتضمَّن من محبّةِ الله، والخضوعِ له، والذُّلِّ له، وكمالِ الانقياد لطاعته، وإخلاصِ العبادة له، وإرادةِ وجهه الأعلى بجميع (٢) الأقوال والأعمال، والمنع والعطاء، والحبِّ والبغض= ما يحول بين صاحبه وبين الأسباب الدَّاعية إلى المعاصي والإصرار عليها. ومَن عرَف هذا عرَف قولَ النّبيِّ ﷺ : "إنَّ الله حرَّم على النّار مَن قال: لا إله إلّا الله، يبتغي بذلك وجه الله" (٣)، وقوله: "لا يدخُل النّارَ مَن قال: لا إله إلّا الله" (٤)، وما جاء من هذا الضّرب من الأحاديث التي أشكلت على كثيرٍ من النّاس، حتّى ظنَّها بعضُهم منسوخةً، وظنَّها بعضُهم قبلَ ورود الأوامر والنَّواهي واستقرار الشَّرع. وحمَلهَا بعضُهم على نار المشركين والكفّار،

стр. 633

وأوَّلَ بعضُهم الدُّخولَ بالخلود وقال: المعنى لا يدخلها خالدًا. ونحو (١) ذلك من التّأويلات المستكرَهة. والشّارعُ ــ صلوات الله وسلامه عليه ــ لم يجعل ذلك حاصلًا بمجرَّد قولِ اللِّسان فقط، فإنَّ هذا خلافُ المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام، فإنَّ المنافقين يقولونها بألسنتهم، وهم تحت الجاحدين لها في الدَّرك الأسفل من النّار. فلا بدَّ من قول القلب، وقول اللِّسان. وقولُ القلب يتضمَّن من معرفتِها، والتَّصديقِ بها، ومعرفةِ حقيقة ما تضمَّنته من النَّفي والإثبات، ومعرفةِ حقيقة الإلهيَّة المنفيَّة عن غير الله، المختصَّة به، التي يستحيل ثبوتُها لغيره، وقيامِ هذا المعنى بالقلب علمًا ومعرفةً ويقينًا وحالًا= ما يُوجِبُ تحريمَ قائلها على النّار. وكلُّ قولٍ رتَّب الشَّارعُ عليه (٢) ما رتَّب من الثَّواب، فإنّما هو القولُ التَّامُّ، كقوله ﷺ : "من قال في يومٍ: سبحان الله وبحمده مائة مرّةٍ، حُطَّت عنه خطاياه ــ أو: غُفِرَتْ له ذنوبُه ــ ولو كانت مثلَ زبدِ البحر" (٣). وليس هذا مرتَّبًا على مجرَّد القول اللِّساني. نعم، من قالها بلسانه غافلًا عن معناها، مُعرضًا عن تدبُّرها، ولم يواطئ قلبُه لسانَه، ولا عرَفَ قدرها وحقيقتها، راجيًا مع ذلك ثوابَها= حُطَّت من خطاياه بحسب ما في قلبه؛ فإنَّ الأعمالَ لا تتفاضَلُ بصورها وعددها، وإنَّما

стр. 634

تتفاضَلُ بتفاضُلِ ما في القلوب. فتكون صورةُ العمَلَين واحدةً، وبينهما في التّفاضل كما بين السَّماء والأرض. والرَّجلان يكون مقامُهما في الصَّفِّ واحدًا، وبين صلاتيهما كما بين السَّماء والأرض. وتأمَّلْ حديثَ البطاقة (١) التي تُوضَع في كِفَّةٍ، ويقابلها تسعةٌ وتسعون سجلًّا، كلُّ سجلٍّ منها مدَّ البصر، فتثقُل البطاقةُ، وتطيش السِّجلّات، فلا يعذَّب. ومعلومٌ أنَّ كلَّ موحِّدٍ فله مثلُ هذه البطاقة، وكثيرٌ منهم يدخل النَّارَ بذنوبه، ولكنَّ السِّرَّ الذي ثقَّل بطاقةَ ذلك الرَّجل وطاشت لأجله السِّجلَّاتُ، لمَّا لم يحصُل لغيره من أرباب البطاقات انفردت بطاقتُه بالثِّقل والرَّزانة. وإذا أردتَ زيادة إيضاحٍ لهذا، فانظُر إلى ذكر مَن قلبُه ملآنُ بمحبّتك، وذكرِ مَن هو معرضٌ عنك، غافلٌ ساهٍ، مشغولٌ بغيرك، قد انجذبت دواعي قلبه إلى محبَّة غيرك وإيثاره عليك، هل يكون ذكرهما لك واحدًا؟ أم هل يكون ولداك اللَّذان هما بهذه المثابة، أو عبداك، أو زوجتاك= عندك سواءً؟ وتأمَّلْ ما قام بقلب قاتلِ المائة من حقائق الإيمان التي لم تشغله عند السِّياق عن السَّير إلى القرية، وحَمَلتْه ــ وهو في تلك الحال ــ على أن

стр. 635

جعَل (١) ينوء بصدره وهو يعالج سكَراتِ الموت (٢) = فهذا أمرٌ آخر، وإيمانٌ آخر. ولا جرَمَ أُلْحِقَ بالقرية الصَّالحة، وجُعِلَ من أهلها. وقريبٌ من هذا ما قام بقلب البغيِّ التي رأت ذلك الكلبَ، وقد اشتدَّ به العطَشُ (٣) يأكل الثَّرى، فقام بقلبها ذلك الوقتَ ــ مع عدم الآلة، وعدم المُعين وعدم مَن تُرائيه بفعلها ــ ما حملها على أن غرَّرت بنفسها في نزول البئر ومَلْءِ الماء في خفِّها ــ ولم تعبأ بتعرُّضه للتَّلَف ــ وحملِها له بفيها وهو ملآنُ، حتّى أمكنها الرُّقيُّ في البئر، ثمَّ تواضُعِها لهذا المخلوق الذي جرت عادة النّاس بضربه وطرده، فأمسكت له الخفَّ بيدها حتّى شربَ، من غير أن ترجو منه جزاءً ولا شكورًا (٤). فأحرقت أنوارُ هذا القدر من التّوحيد (٥) ما تقدَّم منها من البغاء، فغُفِر لها.
следующие страницы →