← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 199

مدارج السالكين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 526 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

ومراده بذلك: القرب وارتفاع الوسائط المانعة منه. ولا ريب أنَّ العبد يَقرُب من ربِّه، والربُّ يقرُب من عبده، فأمَّا قرب العبد فكقوله تعالى: ﴿تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩]، وكقوله في الأثر الإلهيِّ: «من تقرَّب منِّي شبرًا تقرَّبتُ منه ذراعًا» (١)، وكقوله: «وما تقرَّب إليَّ عبدي بمثل أداء ما افترضتُ عليه، ولا يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أحبَّه، فإذا أحببتُه كنتُ سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فبي يسمع، وبي يُبصر، وبي يبطش، وبي يمشي» (٢). وفي الحديث الصحيح: «أقرب ما يكون الربُّ من عبده في جوف اللَّيل الأخير (٣)» (٤). وفي الحديث أيضًا: «أقرب ما يكون العبد من ربِّه وهو ساجدٌ» (٥). وفي الحديث الصحيح لمَّا ارتفعت أصواتهم بالتكبير مع النبيِّ ﷺ في السّفر فقال: «يا أيُّها النّاس، ارْبَعُوا على أنفسكم، إنَّكم لا تدعون أصمَّ ولا

стр. 842

غائبًا، إنَّ الذي (١) تدعونه سميع قريب، أقرب (٢) إلى أحدكم من عنق راحلته» (٣). فعبَّر الشيخ ﵀ عن طلب القرب منه، ورفض الوسائط الحائلة بينه وبين القرب المطلوب الذي لا تَقَرُّ عيون عابديه وأوليائه إلَّا به= بالاستحذاء. وحقيقته: موافاة العبد إلى حضرته وقدَّامه وبين يديه، عكس حال من نبذه وراءه ظِهريًّا وأعرض عنه ونأى بجانبه، بمنزلة من ولَّى المطاعَ ظهره ومال بشقِّه عنه. وهذا أمر لا يدرَك معناه إلَّا بوجوده وذوقه، وأحسن ما يعبَّر عنه بالعبارة النبويَّة المحمديَّة، وأقرب عبارات القوم عنه: أنَّه التقرُّب (٤) برفع الوسائط التي بارتفاعها يحصل للعبد (٥) حقيقة التعظيم، فلذلك قال: (الاستحذاء له تعظيمًا). ومن أراد فهم هذا كما ينبغي فعليه بفهم اسمه تعالى «الباطن» وفهم اسمه «القريب» مع امتلاء القلب بحبِّه ولهج اللِّسان بذكره، ومن هاهنا يؤخذ العبد إلى الفناء الذي كان مشمِّرًا إليه عاملًا عليه. فإن كان مشمِّرًا إلى الفناء المتوسِّط، وهو الفناء عن شهود السِّوى، لم

стр. 843

يبق في قلبه شهودٌ لغيره البتَّة، بل تضمحلُّ الرُّسوم وتفنى الإشارات، ويفنى من لم يكن ويبقى من لم يزل. وفي هذا المقام يجيب داعي الفناء طوعًا ورغبةً لا كرهًا، لأنَّ هذا المقام امتزج فيه الحبُّ بالتّعظيم مع القرب، وهو منتهى سفر الطالبين لمقام الفناء. وإن كان (١) مشمِّرًا للفناء العالي، وهو الفناء عن إرادة السِّوى، لم يبق في قلبه مرادٌ يزاحم مرادَه الدينيَّ الشرعيَّ النبويَّ القرآنيَّ، بل يتَّحد المرادان فيصير عينُ مراد الربِّ عينَ (٢) مراد العبد، وهذا حقيقة المحبَّة الخالصة، وفيها يكون الاتِّحاد الصحيح، وهو الاتِّحاد في المراد، لا في المريد ولا في الإرادة. فتدبَّر هذا الفرقان في هذا الموضع الذي طالما زلَّت فيه أقدام السالكين، وضلَّت فيه أفهام الواجدين. وفي هذا المقام حقيقةٌ: يفنى من لم يكن إرادةً (٣) وإيثارًا، ومحبَّةً وتعظيمًا، وخوفًا ورجاءً وتوكُّلًا، ويبقى من لم يزل. وفيه ترتفع الوسائط بين الرّبِّ والعبد حقيقةً، ويحصل له الاستحذاء المذكور مقرونًا بغاية الحبِّ وغاية التعظيم. وفي هذا المقام يجيب داعيَ الفناء في المحبَّة طوعًا واختيارًا لا كرهًا، بل ينجذب إليه انجذاب قلب المحبِّ وروحه ــ الذي قد ملأت المحبَّةُ قلبَه

стр. 844

بحيث لم يبق فيه جزءٌ فارغٌ منها ــ إلى محبوبه الذي هو أكمل محبوبٍ وأجمله (١) وأحقُّه بالحبِّ. وهذا (٢) أوجبه الحبُّ الكامل الممتزج بالتعظيم والإجلال والقرب، ومحوُ ما سوى مراد المحبوب من القلب بحيث لم يبقَ في القلب إلا المحبوب ومراده. وهذا حقيقة الاعتصام به وبحبله، والله المستعان. وأمّا قوله: (والاشتغال به قربًا)، أي يَشْغَله قرب الحقِّ عن كلِّ ما سواه، وهذا حقيقة القرب، ألا ترى أنّ القريب من السُّلطان جدًّا المقبلُ عليه المكلِّمُ له لا يشتغل بشيءٍ سواه البتَّة؟ فعلى قدر القرب من الله يكون اشتغال العبد به. * * * *

стр. 845

فصل ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة الفرار . قال تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الذاريات: ٥٠]. وحقيقة الفرار: الهرب من شيءٍ إلى شيءٍ، وهو نوعان: فرار السُّعداء، وفرار الأشقياء. ففرار السُّعداء: الفرار إلى الله تعالى، وفرار الأشقياء: الفرار منه لا إليه. وأمّا الفرار منه إليه ففرار أوليائه، قال ابن عبّاسٍ ﵄ في قوله تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾: فِرُّوا (١) منه إليه واعملوا بطاعته. وقال سهل بن عبد الله: فرُّوا ممَّا سوى الله إلى الله. وقال آخرون (٢): اهربوا من عذاب الله إلى ثوابه بالإيمان والطّاعة. وقال صاحب «المنازل» ﵀ (٣): (هو الهرب ممَّا لم يكن إلى من لم يزل. وهو على ثلاث درجاتٍ: فرار العامَّة من الجهل إلى العلم عقدًا وسعيًا، ومن الكسل إلى التّشمير جدًّا (٤) وعزمًا، ومن الضِّيق إلى السّعة ثقةً ورجاءً). يريد بـ (ما لم يكن): الخلق، وبـ (ما لم يزل): الحقَّ.

стр. 846

وقوله: (فرار العامَّة من الجهل إلى العلم عقدًا وسعيًا)، الجهل نوعان: عدم العلم بالحقِّ النافع، وعدم العمل بموجَبه ومقتضاه، فكلاهما جهلٌ لغةً وعرفًا وشرعًا وحقيقةً. قال موسى: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ لمَّا قال له قومه: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُؤًا﴾ [البقرة: ٦٧] أي: المستهزئين. وقال يوسف الصِّدِّيق: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف: ٣٣] أي من مرتكبي ما حرَّمتَ عليهم. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ [النساء: ١٧]، قال قتادة: أجمع أصحاب رسول الله ﷺ أنَّ كلَّ ما عُصي الله به فهو جهالة (١). وقال غيره: أجمع الصحابة على أنَّ كلَّ من عصى الله فهو جاهل. وقال الشاعر (٢): ألا لا يجهلنْ أحدٌ علينا ... فنجهلَ فوق جهل الجاهلينا وسمِّي عدم مراعاة العلم جهلًا، إمَّا لأنه لم يَنتفع به فنزِّل منزلة الجاهل، وإمَّا لجهله بسوء ما تجني عواقب فعله. فالفرار المذكور: الفرار من الجهلين، من الجهل بالعلم إلى تحصيله اعتقادًا ومعرفةً وبصيرةً، والفرار من جهل العمل إلى السَّعي النافع والعمل الصالح قصدًا وسعيًا.

стр. 847

قوله: (ومن الكسل إلى التشمير جدًّا وعزمًا). أي يفرُّ من إجابة داعي الكسل إلى داعي العمل والتشمير بالجدِّ والاجتهاد. والجدُّ هو هاهنا صدق العزم (١)، وإخلاصُه من شوائب الفتور ووعود التسويف والتهاون. وهو تجنُّب السِّين وسوف وعسى ولعلَّ، فهو (٢) أضرُّ شيءٍ على العبد، وهي شجر (٣) ثمرها (٤) الحسرات والندامات. والفرق بين الجدِّ والعزم أنَّ العزم صدق الإرادة واستجماعها، والجدُّ صدق العمل وبذل الجهد فيه، وقد أمر الله سبحانه بتلقِّي أوامره بالعزم والجدِّ، فقال: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة: ٦٣]، وقال: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾ [الأعراف: ١٤٥]، وقال: ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: ١٢] أي بجدٍّ واجتهادٍ وعزمٍ، لا كمن يأخذ ما أمرتُه (٥) بتردُّدٍ وفتورٍ. وقوله: (ومن الضِّيق إلى السعة ثقةً ورجاءً)، يريد هروب العبد من ضيق صدره بالهموم والغموم والأحزان والمخاوف التي تعتريه في هذه الدار من جهة نفسه، وما هو خارجٌ عن نفسه ممَّا يتعلَّق بأسباب مصالحه ومصالحِ من يتعلّق به، وما يتعلَّق بماله وبدنه وأهله وعدوِّه؛ يهرب من ضيق صدره بذلك

стр. 848

كلِّه إلى سعة فضاء الثِّقة بالله، وصدقِ التّوكُّل عليه، وحسنِ الرجاء لجميل صنعه به، وتوقُّعِ المرجوِّ من لطفه وبرِّه. ومن أحسن كلام العامَّة: لا همَّ مع الله. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣]، قال الرَّبيع بن خُثَيم: يجعل له مخرجًا من كلِّ ما ضاق على الناس، وقال أبو العالية: مخرجًا من كلِّ شدّةٍ (١)، وقال الحسن: مخرجًا ممَّا نهاه عنه (٢). ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]: من (٣) يثق بالله (٤) في نوائبه ومهمَّاته يكفِه (٥) كلَّ ما أهمَّه، والحسب: الكافي، حسبنا الله: كافينا الله. وكلّما كان العبد حَسَن الظنِّ بالله، حسنَ الرجاء له، صادقَ التّوكُّل عليه، فإن الله لا يخيِّب أمله فيه البتَّة، فإنه سبحانه لا يخيِّب أمل آملٍ، ولا يضيِّع عمل عاملٍ. وعبَّر عن الثقة وحسن الظنِّ بـ (السعة)، فإنّه لا أشرح للصّدر، ولا أوسع له بعد الإيمان من ثقته بالله ورجائه له وحسن ظنِّه به.

стр. 849

فصل قال (١): (و فرار الخاصَّة من الخبر إلى الشُّهود، ومن الرُّسوم إلى الأصول، ومن الحظوظ إلى التجريد). يعني أنَّهم لا يرضون أن يكون إيمانهم عن مجرَّد خبر، حتَّى يترقَّوا منه إلى مشاهدة المخبر عنه، فيطلبون التّرقِّي من (٢) علم اليقين بالخبر إلى عين اليقين بالشُّهود، كما طلب إبراهيم الخليل ــ صلوات الله وسلامه على نبينا وعليه ــ ذلك من ربِّه إذ قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]، فطلب إبراهيم ﵇ أن يكون اليقين عِيانًا والمعلومُ مشاهَدًا. وهذا هو المعنى الذي عبَّر عنه النبيُّ ﷺ بالشكِّ في قوله: «نحن أحقُّ بالشّكِّ من إبراهيم حيث قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾» (٣)، وهو ﷺ لم يشكَّ ولا إبراهيم، حاشاهما من ذلك، وإنّما عبَّر عن هذا المعنى بهذه العبارة. هذا أحد الأقوال في الحديث، وفيه قولٌ ثانٍ: إنه على وجه النفي، أي لم يشكَّ إبراهيم حيث قال ما قال ولم نشكَّ نحن. وهذا القول صحيحٌ أيضًا، أي: لو كان ما طلبه للشكِّ لكنَّا نحن أحقَّ به منه، لكن لم يطلب ما طلب شكًّا، وإنّما طلبه طمأنينةً.

стр. 850

فالمراتب ثلاثة (١): علم يقينٍ يحصل عن الخبر، ثمّ تتجلَّى حقيقة المخبر عنه للقلب أو البصر حتى يصير العلم به عينَ يقينٍ، ثمَّ يباشره ويلابسه فيصير حقَّ يقينٍ. فعِلْمُنا بالجنَّة والنار الآن علمُ يقينٍ، فإذا أزلفت الجنَّة للمتَّقين في الموقف وبرِّزت الجحيم للغاوين وشاهدوهما عيانًا كان ذلك عين يقينٍ، كما قال تعالى: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر: ٦ - ٧]، فإذا دخل أهل الجنَّة الجنَّة وأهلُ النار النار فذلك حقُّ اليقين. وسنزيد ذلك إيضاحًا إن شاء الله إذا انتهينا إليه. وأمَّا قوله: (ومن الرُّسوم إلى الأصول)، فإنَّه يريد بالرُّسوم ظواهر العلم والعمل، وبالأصول: حقائق الإيمان ومعاملاتِ القلوب، وأذواقَ الإيمان ووارداتِه، فيفرُّ من أحكام العلم والعمل إلى خشوع السرِّ للعرفان، فإنّ أرباب العزائم في السَّير لا يقنعون برسوم الأعمال وظواهرها، ولا يعتدُّون منها إلا بأرواحها وحقائقها وما يثبته لهم التعرُّف الإلهيُّ، وهو نصيبهم من الأمر. والتعرُّف الإلهيُّ لا يقتضي مفارقة الأمر، كما يظنُّ قطَّاع الطريق وزنادقة الصُّوفيَّة (٢)، بل يستخرج منهم حقائقَ الأمرِ وأسرارَ العبوديَّة وروحَ المعاملة، فحظُّهم من الأمر حظُّ العالِم بمراد المتكلِّم من كلامه تصريحًا وإيماءً وتنبيهًا وإشارةً، وحظُّ غيرهم منه حظُّ التالي له حفظًا بلا فهمٍ ولا معرفةٍ لمراده. وهؤلاء أحوج شيءٍ إلى الأمر، لأنَّهم لم يصلوا إلى تلك التعرُّفات (٣) والحقائق إلَّا به، فالمحافظة عليه لهم علمًا ومعرفةً وعملًا

стр. 851

وحالًا ضروريَّةٌ، لا عوض لهم عنه البتَّة. وهذا القدر هو الذي فات الزّنادقة وقطَّاع الطريق من المنتسبين إلى طريقة القوم، فإنَّهم لمَّا علموا أنَّ حقائق هذه الأوامر هي المطلوبة وأرواحَها، لا صورها وأشباحها ورسومها، قالوا: نجمع هممنا (١) على مقاصدها وحقائقها، ولا حاجة لنا إلى رسومها وظواهرها، بل الاشتغال برسومها اشتغالٌ عن الغاية بالوسيلة، وعن المطلوب لذاته بالمطلوب لغيره، وغرَّهم ما رأوا فيه الواقفين مع رسوم الأعمال وظواهرها دون مراعاة حقائقها ومقاصدها وأرواحها، فرأوا نفوسهم أشرفَ من نفوس أولئك، وهممَهم أعلى، وأنهم المشتغلون باللُّبِّ وأولئك بالقشر، فتركَّب من تقصير هؤلاء وعدوان هؤلاء تعطيلُ جملةِ الأمر؛ هؤلاء عطَّلوا سرَّه ومقصوده وحقيقته، وهؤلاء عطَّلوا رسمه وصورته وظنُّوا أنَّهم يصلون إلى حقيقته من غير رسمه وظاهره، فلم يصلوا إلَّا إلى الكفر والزندقة وجحدِ (٢) ما عُلم بالضَّرورة مجيءُ الرسول به، فهؤلاء كفَّار زنادقة منافقون، وأولئك مقصِّرون غير كاملين. والقائمون بهذا وهذا، الذين يرون أنَّ الأمر متوجِّهٌ إلى قلوبهم قبل جوارحهم، وأنَّ على القلب عبوديَّةً في الأمر كما على الجوارح، وأنَّ تعطيل عبوديَّة القلب بمنزلة تعطيل عبوديَّة الجوارح، وأنَّ كمال العبوديَّة قيامُ كلٍّ من المَلِك وجنودِه بعبوديَّته= فهؤلاء خواصُّ أهل الإيمان وأهل العلم والعرفان.

стр. 852

فصل قوله: (ومن الحظوظ إلى التجريد)، يريد الفرار من حظوظ النُّفوس (١) على اختلاف مراتبها، فإنَّه لا يعرفها إلا المعتنون بمعرفة الله ومراده وحقِّه على عبده، ومعرفةِ نفوسهم وأعمالهم وآفاتهما (٢). ورُبَّ مطالبَ عاليةٍ لقومٍ من العباد هي حظوظٌ لقومٍ آخرين يستغفرون الله منها ويفرُّون إليه منها، يرونها حائلةً بينهم وبين مطلوبهم. وبالجملة فالحظُّ: ما سوى مراد الله الدينيِّ منك، كائنًا ما كان، وهو ما بين حظٍّ محرَّمٍ إلى مكروهٍ إلى مباحٍ إلى مستحبٍّ غيرُه أحبُّ إلى الله منه. ولا يتميَّز هذا إلا في مقام الرُّسوخ في العلم بالله وأمره، وبالنفس وصفاتها وأحوالها، فهناك تتبيَّن له الحظوظ من الحقوق، ويفرُّ من الحظِّ إلى التجريد. وأكثر الناس لا يصلح لهم هذا، لأنَّهم إنّما يعبدون الله على الحظوظ وعلى مرادهم منه. وأمَّا تجريد عبادته على مراده من عبده: فتلك منزلةٌ لم يعطَها أحدٌ ... سوى نبيٍّ وصدِّيقٍ من البشرِ والزُّهد زهدك فيها ليس زهدك في ... ما قد أبيح لنا في محكم السُّورِ والصِّدق صدقك في تجريدها وكذا الـ ... إخلاص تخليصها إن كنتَ ذا بصرِ كذا توكُّل أرباب البصائر في ... تجريد أعمالهم من ذلك الكدرِ كذاك توبتهم منها فهم أبدًا ... في توبةٍ أو يصيروا داخلَ الحُفَرِ (٣)

стр. 853

وبالجملة فصاحب هذا التجريد لا يقنع من الله بأمرٍ يسكن إليه دون الله، ولا يفرح بما حصل له دون الله، ولا يأسى على ما فاته سوى الله، ولا يستغني برتبة شريفة وإن عَظُمت عنده أو عند الناس، فلا يستغني إلا بالله، ولا يفتقر إلا إلى الله، ولا يفرح إلا بموافقته لمرضاة الله، ولا يحزن إلا على ما فاته من الله، ولا يخاف إلا من سقوطه من عين الله واحتجاب الله عنه، فكلُّه بالله، وكلُّه لله، وكلُّه مع الله، وسيره دائمًا إلى الله؛ قد رُفع له عَلَم فشمَّر إليه، وتجرَّد له مطلوبُه فعمل عليه، تناديه الحظوظ: إليَّ، وهو يقول: إنَّما أريد مَن إذا حصل لي حصل لي (١) كلُّ شيءٍ، وإذا فاتني فاتني كلُّ شيءٍ، فهو مع الله مجرَّدٌ عن خلقه، ومع خلقه مجرَّدٌ عن نفسه، ومع الأمر مجرَّدٌ عن حظِّه، أعني الحظَّ المزاحمَ للأمر، وأمّا الحظُّ المُعِين على الأمر فإنَّه لا يحطُّه تناوله عن مرتبته ولا يُسقطه من عين ربِّه. وهذا أيضًا موضعٌ غلط فيه من غلط من الشُّيوخ وظنُّوا أن (٢) إرادة الحظِّ نقصٌ في الإرادة. والتّحقيق فيه أنَّ الحظَّ نوعان: حظٌّ يزاحم الأمر، وحظٌّ يؤازر الأمر فينفذه؛ فالأوَّل هو المذموم، والثاني ممدوح وتناوُلُه من تمام العبوديَّة، فهذا لونٌ وهذا لونٌ. فصل قال (٣): (و فرار خاصَّة الخاصَّة ممَّا دون الحقِّ إلى الحقِّ، ثمَّ من شهود

стр. 854

الفرار إلى الحقِّ، ثمَّ الفرار من شهود الفرار). هذا على قاعدته في جعل الفناء عن الشُّهود غاية السالكين، فيفرُّ أولًا من الخلق إلى الحقِّ، ويشهد بهذا الفرار انفراد مشهوده الذي فرَّ إليه، لكن بقيت عليه بقيَّة، وهي شهودُ فراره، فبعدُ له إحساسٌ (١) بالخلق، فيفرُّ ثانيًا من شهود فراره، فتنقطع النِّسب كلُّها بينه وبين الخلق بهذا الفرار الثاني، فلا تبقى فيه بقيَّة إلا ملاحظة فراره من شهود فراره، فيفرُّ من شهود الفرار من شهود الفرار (٢)، فتنقطع حينئذٍ النِّسب كلُّها. وقد تقدَّم الكلام على هذا وأنَّه ليس أعلى المقامات والرُّتب، ولا هو غاية الكمال، وأنَّ فوقه ما هو أعلى منه مقامًا وأشرفُ منزلًا (٣)، وهو أن يشهد فراره وأنَّه بالله من الله إلى الله، فيشهد أنَّه فرَّ به منه إليه، ويعطي كلَّ مشهدٍ حقَّه من العبوديَّة، وهذا حال الكُمَّل، فالله المستعان. * * * *

стр. 855

فصل ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: الرِّياضة (١)، وهي تمرين النفس على الصِّدق والإخلاص. قال صاحب «المنازل» ﵀ (٢): (وهي تمرين النفس على قبول الصِّدق). وهذا يراد به أمران: تمرينها على قبول الصِّدق إذا عرضه عليها في أقواله وأفعاله وإرادته، فإذا عرض عليها الصِّدق قبلَتْه وانقادت له وأذعنت له. والثاني: قبول الحقِّ ممَّن عرضه عليه، قال تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ﴾ [الزمر: ٣٣]، فلا يكفي صدقك، بل لا بدَّ من صدقك وتصديقك للصادقين، فكثيرٌ من النّاس يَصْدُق، ولكن يمنعه من التّصديق كبر أو حسد أو غير ذلك. قال (٣): (وهي على ثلاث درجاتٍ: رياضة العامة ، وهي تهذيب الأخلاق بالعلم، وتصفية الأعمال بالإخلاص، وتوفير الحقوق في المعاملة). أمَّا (تهذيب الأخلاق بالعلم)، فالمراد به إصلاحُها وتصفيتها بموجب العلم، فلا يتحرَّك بحركةٍ ظاهرةٍ أو باطنةٍ إلا بمقتضى العلم، فتكون حركاتُ ظاهره وباطنه موزونةً بميزان الشرع.

стр. 856

وأمَّا (تصفية الأعمال بالإخلاص)، فهو تجريدها عن أن يشوبها باعثٌ لغير الله، وهو عبارةٌ عن توحيد المراد وتجريد الباعث إليه. وأمَّا (توفير الحقوق في المعاملة)، فهو أن تعطي ما أُمرتَ به من حقِّ الله وحقوق العباد كاملًا موفَّرًا، قد نصحتَ فيه صاحب الحقِّ غاية النُّصح وأرضيتَه كلَّ الرِّضا، ففزتَ بحمده لك وشكره. ولمَّا كانت هذه الثلاثة شاقَّةً على النفس جدًّا كان تكلُّفها رياضةً، فإذا اعتادها صارت خُلُقًا. قال (١): (و رياضة الخاصَّة: حسم التفرُّق، وقطع الالتفات إلى المقام الذي جاوزه، وإبقاء العلم يجري مجراه). يريد بحسم التفرُّق قطع ما يفرِّق قلبك عن الله بالجمعيَّة عليه والإقبال عليه بكلِّيَّتك (٢)، حاضرًا معه بقلبك كلِّه، لا تلتفت إلى غيره. وأمّا (قطع الالتفات إلى المقام الذي جاوزه)، فهو أن لا يشتغل باستحسان علوم ذلك المقام ولذَّته واستحسانه، بل يَلهى عنه معرضًا مقبلًا على الله، طالبًا للزِّيادة، خائفًا أن يكون ذلك المقام له حجابًا يقف عنده عن السَّير، فهمَّته حفظُه، ليس له همَّة ولا قوَّة أن ينهض إلى ما فوقه. ومن لم تكن همَّته التقدُّم فهو في تأخُّرٍ ولا يشعر، فإنَّه لا وقوف في الطبيعة ولا في السَّير، بل إمَّا إلى قُدَّام وإمَّا إلى وراء، فالسالك الصادق لا ينظر إلى وراء، ولا يسمع النِّداء إلَّا مِن أمامه لا من ورائه.

стр. 857

وأمَّا (إبقاء العلم يجري مجراه)، فالذَّهاب مع داعي العلم أين ذهب به، والجري معه في تيَّاره أين جرى. وحقيقة ذلك: الاستسلام للعلم، وأن لا يُعارضه (١) بجمعيَّةٍ ولا ذوقٍ ولا حالٍ، بل امْضِ معه حيث ذهب، فالواجب تسليط العلم على الحال وتحكيمه عليه وأن لا يعارَض به. وهذا صعبٌ جدًّا إلا على الصادقين أرباب العزائم، فلذلك كان من أنواع الرِّياضة. ومتى تمرَّنت النفسُ عليه وتعوَّدته صار خلقًا. وكثيرٌ من السالكين إذا لاحت له بارقةٌ أو غلبه حالٌ أو ذوقٌ خلَّى العلمَ وراءَ ظَهره ونبذه وراءَه ظِهريًّا، وحَكَّم عليه الحال. هذه حال أكثر السّالكين، وهي حال أهل الانحراف الذين يصدُّون عن سبيل الله ويبغونها عوجًا، ولهذا عظمت وصيَّة أهل الاستقامة من الشُّيوخ بالعلم والتمسُّك به. فصل قال (٢): (و رياضة خاصَّة الخاصَّة: تجريد الشُّهود، والصُّعود إلى الجمع، ورفض المعارضات وقطع المعاوضات). أمَّا (تجريد الشُّهود) فنوعان، أحدهما: تجريده عن الالتفات إلى غيره، والثاني: تجريده عن رؤيته وشهوده. وأمَّا (الصُّعود إلى الجمع) فيعني به: الصُّعودَ عن معاني التفرقة إلى الجمع الذاتي، وهذا يحتمل أمرين: أحدهما: أن يصعد عن تفرقة الأفعال إلى وحدة مصدرها.

стр. 858

والثاني: أن يصعد عن علائق الأسماء والصِّفات إلى الذات، فإنَّ شهود الذات بدون علائق الأسماء والصِّفات عندهم هو حضرة الجمع. وهذا موضع مزلَّة أقدامٍ ومضلَّة أفهامٍ لا بدَّ من تحقيقه، فنقول: التفرقة تفرقتان: تفرقة في المفعولات، وتفرقة في معاني الأسماء والصِّفات. والجمع جمعان: جمع في الحكم الكوني، وجمع ذاتي. فالجمع في الحكم الكوني: اجتماع المفعولات كلِّها في القضاء والقدر والحكم، والجمعُ الذاتي: اجتماع الأسماء والصِّفات في الذاتِ؛ فالذاتُ واحدةٌ جامعةٌ للأسماء والصِّفات، والقضاءُ والقَدَرُ جامعٌ لجميع المَقضيَّات والمقدورات. والشُّهود مترتِّب على هذا وهذا (١). فشهود اجتماع الكائنات في قضائه وقدره وإن كان حقًّا فهو لا يعطي إيمانًا، فضلًا عن أن يكون أعلى مقامات الإحسان، والفناء في هذا الشُّهود غايته فناءٌ في توحيد الرُّبوبيَّة الذي لا ينفع وحده، ولا بدَّ منه. وشهودُ اجتماع الأسماء والصِّفات في وحدة الذَّات شهودٌ صحيحٌ، وهو شهودٌ مطابقٌ للحقِّ في نفسه. وأمّا الصُّعود من شهود تفرقة الأسماء والصِّفات وعلائقها إلى وحدة الذات المجرَّدة، فغايته أن يكون صاحبه معذورًا لضيق قلبه عن تفرقة الأسماء ومعاني الصفات وغلبة المشهود (٢) على قلبه (٣). وأمَّا أن يكون

стр. 859

محمودًا في شهوده ذاتًا مجرَّدةً عن كلِّ اسمٍ وصفةٍ وعن علائقها، فكلَّا ولمَّا (١)! وأيُّ إيمانٍ يعطي ذلك؟ وأيُّ معرفة؟ وإنّما هو سلب ونفي في الشُّهود، كالسَّلب والنفي في العلم والاعتقاد، فنسبته إلى الشُّهود كنسبة نفي الجهميَّة وسلبهم إلى الأخبار، لكنَّ الفرق بينهما أنَّ ذلك السلب في العلم والاعتقاد مخالفٌ للحقِّ الثابت في نفس الأمر، وكذبٌ على الله، ونفيٌ لما يستحقُّه من صفات كماله ونعوت جلاله ومعاني أسمائه الحسنى. وأمَّا هذا السلب ففي الشُّعور به للصُّعود منه إلى الجمع الذاتيِّ، مع الإيمان به والاعتراف بثبوته، فهذا لون وذاك لون. والكمال في (٢) شهود الأمر على ما هو عليه، فيشهد الذات موصوفةً بصفات الجلال منعوتةً بنعوت الكمال، وكلَّما كثر شهوده لمعاني الأسماء والصِّفات كان أكمل. نعم، قد يُعذَر في الفناء في الذات المجرَّدة لقوَّة الوارد وضَعف المحلِّ عن شهود معاني الأسماء والصِّفات. فتأمَّل هذا الموضع وأعطه حقَّه، ولا يصدنَّك عن تحقيقه (٣) ما يحيل عليه أرباب الفناء من الكشف والذوق، فإنَّا لا ننكره ونقرُّ به، لكنَّ (٤) الشأن

стр. 860

في مرتبته، وبالله التّوفيق. وأمَّا (رفض المعارضات)، فيحتمل أمرين: أحدهما: رفض ما يعارض شهوده الجمعيَّ من التفرُّقات، وهو مراده. والثاني: رفض ما يعارض إرادته من الإرادات، وما يعارض مراد الله من المرادات، وهذا أكمل من الأوَّل وأعلى منه. وأمّا (قطع المعاوضات)، فهو تجريد المعاملة عن إرادة المعاوضة، بل يجرِّدها (١) لذاته، وأنَّه أهلٌ أن يُعبَد ولو لم يحصل لعابده عِوَض منه، فإنَّه يستحقُّ أن يُعبد لذاته لا لعلَّةٍ، ولا لغرضٍ (٢) ولا لمطلوبٍ. وهذا أيضًا موضعٌ لا بدَّ من تحريره (٣) فيقال: ملاحظة المعاوضة ضرورية للعامل، وإنَّما الشأن في ملاحظة الأعواض وتبايُنها، فالمحبُّ الصادق الذي قد تجرَّد عن ملاحظة عوضٍ قد لاحظ أعظم الأعواض وشمَّر إليها، وهي قربه من الله ووصولُه إليه، واشتغالُه به عمَّا سواه، والتنعُّم بحبِّه ولذَّة الشَّوق إلى لقائه، فهذه أعواضٌ لا بدَّ للخاصَّة منها، وهي من أجلِّ مقاصدهم وأعواضهم، ولا تقدح في مقاماتهم وتجريد عبوديَّاتهم، بل أكملُهم عبوديةً أشدُّهم التفاتًا إلى هذه الأعواض. نعم، طلب الأعواض المنفصلة المخلوقة من الجاه والمال والرِّياسة والملك، أو طلبُ الحور العين والقصور والولدان ونحو ذلك بالنِّسبة إلى

стр. 861

تلك الأعواض التي يطلبها الخاصَّة= معلولةٌ، وهذا لا شكَّ فيه إذا تجرَّد طلبُهم لها. أمَّا إذا كان مطلوبهم الأعظم الذاتيُّ قربَه والوصولَ إليه والتّنعُّمَ بحبِّه والشوقَ إلى لقائه، وانضاف إلى هذا طلبهم لثوابه المخلوق المنفصل= فلا علَّة في هذه العبودية بوجهٍ ما ولا نقص، وقد قال النبيُّ ﷺ : «حولَها نُدَندِن» (١) يعني الجنَّة، وقال: «إذا سألتم الله فَسَلُوه (٢) الفردوس، فإنَّه وسط الجنَّة وأعلى الجنَّة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تَفَجَّرُ أنهارُ الجنَّة» (٣)، ومعلومٌ أنَّ هذا مسكنُ خاصَّة الخاصَّة وسادات العارفين، فسؤالهم إيَّاه ليس علَّةً في عبوديَّتهم ولا قدحًا فيها. وقد استوفينا ذكر هذا الموضع في كتاب «سفر الهجرتين» عند الكلام على علل المقامات (٤). ويحتمل أن يريد الشَّيخ ﵀ بقطع المعاوضات أن تشهد أنَّ الله ما أعطاك شيئًا معاوضةً، بل تفضُّلًا وإحسانًا، لا لعوضٍ يرجوه منك، كما يكون من عطاء العبد للعبد. ولكن إنَّما نتكلّم فيما من العبد ممَّا يؤمَر بالتجريد عنه، كتجرُّده عن التفرقة والمعاوضة، وهو أليق المعنيين بكلامه، والله أعلم. * * * *

стр. 862

فصل ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة السَّماع . وهو اسم مصدرٍ كالنَّبات، وقد أمر الله به في كتابه وأثنى على أهله، وأخبر أنَّ البشرى لهم، فقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا﴾ [المائدة: ١٠٨]، وقال: ﴿وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾ [التغابن: ١٦]، وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ﴾ (١) [النساء: ٤٦]، وقال: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ١٧ - ١٨]، وقال: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، وقال: ﴿(٨٢) سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ٨٣]. وجعل الإسماعَ منه والسماعَ منهم دليلًا على عِلم الخير فيهم، وعدمَ ذلك دليلًا على عدم الخير فيهم، فقال: ﴿(٢٢) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ﴾ [الأنفال: ٢٣]. وأخبر عن أعدائه أنّهم هجروا السماع ونهوا عنه، فقال: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ﴾ [فصلت: ٢٦]. فالسَّماعُ رسولُ الإيمان إلى القلب وداعيه ومعلمه، وكم في القرآن من

стр. 863

قوله: ﴿أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾ [القصص: ٧١] (١)، وقال: ﴿يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾ [الحج: ٤٦]. فالسَّماع أصل العقل، وأساس الإيمان الذي انبنى عليه، وهو رائده وجليسه ووزيره، ولكنَّ الشأن كلَّ الشأن في المسموع، وفيه وقع خبط الناس واختلافهم، وغلط من غلط منهم (٢). وحقيقة السماع تنبيه القلب على معاني المسموع، وتحريكه عنها طلبًا وهربًا وحبًّا وبغضًا، فهو حادٍ يحدو بكلِّ أحدٍ إلى وطنه ومألفه. وأصحاب السماع منهم من يسمع بطبعه ونفسه وهواه، فهذا حظُّه من مسموعه ما وافق طبعه. ومنهم من يسمع بحاله وإيمانه ومعرفته وعقله، فهذا يُفتَح له من المسموع بحسب استعداده وقوَّته ومادَّته. ومنهم من يسمع بالله لا يسمع بغيره، كما في الحديث الإلهيِّ الصحيح: «فبي يسمع، وبي يبصر» (٣)، وهذا أعلى سماعًا وأصحُّ من كلِّ أحدٍ. والكلام في السماع مدحًا وذمًّا يحتاج (٤) إلى معرفة صورة المسموع وحقيقته، وسببه والباعث عليه، وثمرته وغايته، فبهذه الفصول الثلاثة يتحرَّر أمر السماع، ويتميَّز النافع منه والضارُّ، والحقُّ والباطل، والممدوح والمذموم.

стр. 864

فأمَّا المسموع فعلى ثلاثة أضربٍ: أحدها: مسموعٌ يحبُّه الله ويرضاه، وأمر به عباده، وأثنى على أهله ورضي عنهم به. والثاني: مسموعٌ يبغضه (١) ويكرهه، ونهى عنه، ومدح المعرضين عنه. الثالث: مسموعٌ مباحٌ مأذونٌ فيه، لا يحبُّه ولا يبغضه، ولا مدح صاحبه ولا ذمَّه، فحكمه حكم سائر المباحات من المناظر والمشامِّ والمطعومات والملبوسات المباحة. فمن حرَّم هذا النوع الثالث فقد قال على الله ما لا يعلم، وحرَّم ما أحلَّ الله. ومن جعله دينًا وقربةً يتقرَّب به إلى الله فقد كذب على الله، وشرع دينًا لم يأذن به الله، وضاهى بذلك المشركين. فصل فأمَّا النوع الأوَّل فهو السماع الذي مدحه في كتابه، وأمر به وأثنى على أصحابه، وذمَّ المعرضين عنه ولعنهم وجعلهم أضلَّ من الأنعام، وهم القائلون في النّار: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠]. وهو سماع آياته المتلوَّة التي أنزلها على رسوله ﷺ ، فهذا السماع أساس الإيمان الذي عليه بناؤه. وهو على ثلاثة أنواعٍ: سماع إدراكٍ بحاسَّة الأذن، وسماع فهمٍ وعقلٍ، وسماع إجابةٍ وقبولٍ؛ والثلاثة في القرآن. فأمَّا سماع الإدراك ففي قوله تعالى حكايةً عن مؤمني الجنِّ قولَهم:

стр. 865

﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ [الجن: ١] وقولهم: ﴿يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣٠]، فهذا سماع إدراكٍ اتَّصل به الإيمان والإجابة. وأمّا سماع الفهم فهو المنفيُّ عن أهل الإعراض والغفلة بقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ [النمل: ٨٠]، وقولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢]، فالتخصيص هاهنا لإسماع الفهم والعقل، وإلَّا فالسمع العامُّ الذي قامت به الحجَّة لا تخصيص فيه. ومنه قوله تعالى: ﴿(٢٢) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ﴾ [الأنفال: ٢٣]، أي لو علم الله في هؤلاء الكفَّار قبولًا وانقيادًا لأفهمهم، وإلَّا فهُم قد سمعوا سمع الإدراك، ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ﴾، أي ولو أفهمهم لما انقادوا ولا انتفعوا بما فهموه (١)، لأنَّ في قلوبهم من داعي (٢) التولِّي والإعراض ما يمنعهم عن الانتفاع بما سمعوه. وأمَّا سماع القبول والإجابة ففي قوله تعالى حكايةً عن عباده المؤمنين أنّهم قالوا: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٥]، فإنَّ هذا سماع (٣) قبولٍ وإجابةٍ مثمرٌ للطاعة. والتّحقيق أنَّه متضمِّن للأنواع الثّلاثة، وأنَّهم أخبروا بأنَّهم أدركوا المسموع وفهموه وأجابوا له.

стр. 866

ومِن سَمْع القبول: قوله تعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ (١) [التوبة: ٤٧]، أي قابلون منهم مستجيبون لهم، هذا أصحُّ القولين في الآية (٢). وأمَّا قول من قال: عيونٌ لهم وجواسيسُ فضعيف، فإنَّه سبحانه أخبر عن حكمته في تثبيطهم عن الخروج بأنَّ خروجهم يوجب الخَبال والفساد، والسَّعي بين العسكر بالفتنة، وفي العسكر من يقبل منهم ويستجيب لهم، فكان في إقعادهم عنهم لطفًا (٣) بهم ورحمةً، حتَّى لا يقعوا في عنت القبول منهم. أمَّا اشتمال العسكر على جواسيسَ وعيونٍ لهم، فلا تعلُّق له بحكمة التثبيط والإقعاد، ومعلومٌ أنَّ جواسيسهم وعيونهم منهم، وهو سبحانه قد أخبر أنَّه أقعدهم لئلَّا يسعوا بالفساد في العسكر ويبغونهم (٤) الفتنة، وهذه الفتنة إنَّما تندفع بإقعادهم وإقعاد جواسيسهم وعيونهم. وأيضًا فإنَّ الجواسيس إنَّما تُسمَّى عيونًا، هذا المعروف في الاستعمال، لا تسمَّى سمَّاعين.

стр. 867

وأيضًا فإنَّ هذا نظير قوله تعالى في إخوانهم من اليهود: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: ٤٢]، أي قابلون له. والمقصود أنّ سماع خاصَّة الخاصَّة المقرَّبين هو سماع القرآن بالاعتبارات الثلاثة: إدراكًا، وفهمًا وتدبُّرًا، وإجابةً. وكلُّ سماعٍ في القرآن مدح الله أصحابه وأثنى عليهم، وأمر به أولياءه، فهو هذا السماع. وهو سماع الآيات، لا سماع الأبيات (١)؛ وسماع القرآن، لا سماع الشيطان؛ وسماع المراشد، لا سماع القصائد (٢)؛ وسماع الأنبياء والمرسلين والمؤمنين (٣)، لا سماع المغنِّين والمطربين؛ وسماع كلام ربِّ الأرض والسماء، لا سماع قصائد الشُّعراء. فهذا السماع حادٍ يحدو القلوب إلى جوار علَّام الغيوب، وسائقٌ يسوق الأرواح إلى ديار الأفراح، ومحرِّكٌ يثير ساكن العزمات إلى أعلى المقامات وأرفع الدرجات، ومنادٍ ينادي للإيمان، ودليلٌ يدل بالركب في طريق الجنان، وداعٍ يدعو القلوب بالمساء والصباح من قِبَل فالق الإصباح: حيَّ على الفلاح، حيّ على الفلاح. فلن تَعْدَم مِن هذا السّماع إرشادًا لحجَّة، وتبصرةً لعبرة، وتذكرةً لمعرفة،

стр. 868

وفكرةً في آيةٍ، ودلالةً على رشد، وردًّا عن ضلالة، وإرشادًا من غيٍّ، وبصيرةً من عمًى، وأمرًا بمصلحة، ونهيًا عن مضرَّةٍ ومفسدة، وهدايةً إلى نور، وإخراجًا من ظلمة، وزجرًا عن هوًى، وحثًّا على تُقًى، وجلاءً لبصيرة، وحياةً لقلب وغذاءً، ودواءً وشفاءً، وعصمةً ونجاةً، وكشفَ شبهة، وإيضاحَ برهان، وتحقيقَ حقٍّ وإبطالَ باطل. ونحن نرضى بحكم أهل الذوق في سماع الأبيات والقصائد، ونناشدهم بالّذي أنزل القرآن هدًى وشفاءً ونورًا وحياةً: هل وجدوا ذلك أو شيئًا منه في الدُّفِّ والمزمار، ونغمةِ الشاهد (١) ومطربات الألحان، والغناءِ المشتمل على تهييج الحبِّ المطلق الذي يشترك فيه محبُّ الرَّحمن، ومحبُّ الأوطان، ومحبُّ الإخوان، ومحبُّ العلم والعرفان، ومحبُّ الأموال والأثمان، ومحبُّ النِّسوان، ومحبُّ (٢) المردان، ومحبُّ الصُّلبان؟ فهو يثير من قلب كلِّ مشتاقٍ ومحبٍّ إلى شيءٍ ساكنَه، ويُزعج قاطنَه، فيثور وجدُه، ويبدو شوقُه، فيتحرَّك على حسب ما في قلبه من الحبِّ والشّوق والوجد بذلك

стр. 869

المحبوب كائنًا ما كان، ولهذا تجد لهؤلاء كلِّهم ذوقًا في السماع وحالًا ووجدًا وبكاءً. ويا لله العجب! أيُّ إيمانٍ ونورٍ وبصيرةٍ وهدًى ومعرفةٍ يحصل باستماع أبياتٍ بألحانٍ وتوقيعاتٍ لعلَّ أكثرها قيلت فيما يهوى من محرَّمٍ يبغضه الله ورسوله ويعاقب عليه من تغزُّلٍ وتشبُّبٍ بمن لا يحلُّ له من ذكرٍ أو أنثى؟! فإنَّ غالب التغزُّل والتشبيب إنّما هو في الصُّور المحرَّمة، ومن أندر النادر تغزُّل الشاعر وتشبيبه في امرأته وأَمَته وأمِّ أولاده، مع أنَّ هذا واقعٌ لكنَّه كالشعرة في جلد الثور، فكيف يقع لمن له أدنى بصيرةٍ وحياةِ قلبٍ أنه (١) يتقرَّب إلى الله ويزداد إيمانًا وقُربًا منه وكرامةً عليه بالتذاذ ما هو بغيضٌ إليه مقيتٌ عنده، يَمقُت قائلَه وقابله (٢) والراضي به، ويترقَّى به الحال حتَّى يزعم أنَّ ذلك أنفع لقلبه من سماع القرآن والعلم النّافع وسنَّة نبيِّه ﷺ ؟! تاللهِ إنَّ هذا القلب مخسوفٌ به، ممكورٌ به، منكوسٌ! لم يَصلُح لحقائق القرآن وأذواق معانيه ومطالعة أسراره، فبَلاه (٣) بقرآن الشيطان، كما في «معجم الطبراني» (٤) وغيره مرفوعًا وموقوفًا: «إنَّ الشيطان قال: يا ربِّ،

стр. 870

اجعل لي قرآنًا، قال: قرآنك الشِّعر، قال: اجعل لي كتابًا، قال: كتابك الوشم، قال: اجعل لي مؤذِّنًا، قال: مؤذِّنك المزمار، قال: اجعل لي بيتًا، قال: بيتك الحمَّام، قال: اجعل لي مصايد، قال: مصايدك النِّساء، قال: اجعل لي طعامًا، قال: طعامك ما لم يذكر عليه اسمي». فصل القسم الثاني من السماع: ما يبغضه ويكرهه ويمدح المُعرِض عنه، وهو سماع كلِّ ما يضرُّه في قلبه ودينه، كسماع الباطل كلِّه، إلَّا إذا تضمَّن ردَّه وإبطالَه والاعتبارَ به بعلمه بحسن ضدِّه، فإن الضدَّ يُظهر حسنَه الضدُّ (١)، كما قيل (٢): وإذا سمعت إلى حديثك زادني ... حبًّا له سمعي حديثَ سواكا وكسماع اللَّغو الذي مدح الله التاركين لسماعه والمُعرضين عنه بقوله: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القصص: ٥٥]، وقوله: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢]، قال محمَّد ابن الحنفيَّة ﵁: هو الغناء، قال الحسن أو غيره: أكرموا نفوسهم عن سماعه (٣).

стр. 871

قال ابن مسعودٍ ﵁: «الغناء ينبت النِّفاق في القلب كما ينبت الماء البقل» (١). وهذا كلام عارفٍ بأثر الغناء وثمرته، فإنَّه ما اعتاده أحدٌ إلَّا ونافق قلبُه وهو لا يشعر، ولو عرف حقيقة النِّفاق وغايته لأبصره في قلبه، فإنَّه ما اجتمع في قلبٍ (٢) قطُّ محبَّة الغناء ومحبَّة القرآن إلَّا وطردت إحداهما الأخرى. وقد شاهدنا نحن وغيرنا ثقل القرآن على أهل الغناء وسماعه، وتبَرُّمَهم به، وصياحَهم بالقارئ إذا طوَّل عليهم، وعدمَ انتفاع قلوبهم بما يقرؤه، فلا تتحرَّك ولا تَطْرَب (٣) ولا يَهيج منها بواعثُ الطلب، فإذا جاء قرآن الشيطان فلا إله إلّا الله، كيف تخشع منهم الأصوات، وتهدأ الحركات، وتسكن القلوب وتطمئن، ويقع البكاء والوَجْد، والحركةُ الظاهرة والباطنة، والسماحةُ بالأثمان والثِّياب، وطيبُ السَّهر وتمنِّي طول الليل! فإن لم يكن هذا نفاقًا فهو آخيَّة النِّفاق وأساسه. تُلي الكتابُ فأطرقوا لا خيفةً ... لكنّه إطراق ساهٍ لاهي وأتى الغناءُ فكالدِّباب (٤) تراقصوا ... واللهِ ما رقصوا مِنَ اجْل الله

стр. 872

دفٌّ ومزمارٌ ونغمةُ شاهدٍ (١) ... فمتى عهدتَ عبادةً بملاهي؟ ثَقُل الكتاب عليهم لمَّا رأوا ... تقييده بأوامرٍ ونواهي وعليهم خفَّ الغنا لمَّا رأوا ... إطلاقه في اللهو دون مناهي يا فرقةً ما ضرَّ دين محمَّدٍ ... وجنى عليه ومَلَّه إلَّا هي (٢) وكيف يكون السَّماع الذي يسمعه العبدُ بطبعه وهواه أنفعَ له من الذي يسمعه بالله ولله وعن الله؟ فإن زعموا أنَّهم يسمعون هذا السماع الغنائيَّ الشعريَّ كذلك، فهذا غاية اللَّبس على القوم، فإنَّه إنَّما يُسمع بالله ولله وعن الله ما يحبُّه الله ويرضاه. ولهذا قلنا: إنَّه لا يتحرَّر الكلام في هذه المسألة إلَّا بعد معرفة صورة المسموع وحقيقته ومرتبته، فقد جعل الله لكلِّ شيءٍ قدرًا، ولن يجعل الله مَن شِرْبُه ونصيبه وذوقه ووجده من سماع الآيات البيِّنات كمن نصيبه وشربه وذوقه ووجده من سماع الغناء والأبيات. ومن أعجب العجائب: استدلال من استدلَّ على أنَّ هذا السماع مِن طريق القوم أو أنَّه مباحٌ بكونه مستلَذًّا طيبًا تلذُّه النُّفوس وتستروح إليه، وأنَّ

стр. 873

الطِّفل يسكن إلى الصوت الطيِّب، والجمل يُقاسي تعب السَّير ومشقَّة الحمولة فيهوَّن عليه بالحُداء (١). وبأنَّ الصوت الطيِّب نعمة من الله على صاحبه وزيادةٌ في خلقه. وبأنَّ الله ذمَّ الصوت الفظيع، فقال: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٩]. وبأنَّ الله وصف نعيم الجنة فقال فيه: ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ [الروم: ١٥]، وأن ذلك هو السماع الطيِّب (٢)، فكيف يكون حرامًا وهو في الجنَّة؟ وبأنَّ الله تعالى ما أَذِن لشيءٍ كأَذَنه ــ أي: كاستماعه ــ لنبيٍّ حسن الصوت يتغنَّى بالقرآن (٣). وبأنَّ أبا موسى الأشعريَّ ﵁ استمع النبيُّ ﷺ صوتَه وأثنى عليه بحُسن الصوت وقال: «لقد أوتي هذا مزمارًا من مزامير آل داود»، وقال له أبو موسى: لو أعلم أنَّك استمعت لحبَّرتُه لك تحبيرًا (٤). أي زيَّنته لك وحسَّنته.

стр. 874

وبقوله ﷺ : «زيِّنوا القرآن بأصواتكم» (١). وبقوله: «ليس منَّا من لم يتغنَّ بالقرآن» (٢)، والصحيح أنَّه من التغنِّي، وهو تحسين الصوت به، وبذلك فسَّره أحمد فقال: يحسِّنه بصوته ما استطاع (٣). وبأنَّ النبيَّ ﷺ أقرَّ عائشة ﵂ على غناء القَينتَين يوم العيد، وقال لأبي بكرٍ: «دعهما، فإنَّ لكلِّ قومٍ عيدًا، وهذا عيدُنا أهلَ الإسلام» (٤). وبأنَّه ﷺ أذن في العُرس في الغناء وسمَّاه لهوًا (٥). وقد سمع رسول الله ﷺ الحُداء وأذن فيه (٦)، وكان يسمع إنشاد الصحابة، وكانوا يرتجزون بين

стр. 875

يديه في حفر الخندق: نحن الذين بايعوا محمَّدَا ... على الجهاد ما بقينا أبدَا (١) ودخل مكَّة والمرتجز يرتجز بين يديه بشعر عبد الله بن رواحة (٢). وحدا به الحادي في منصرفه من خيبر فجعل يقول: واللهِ لولا اللهُ ما اهتدينا ... ولا تصدَّقنا ولا صلَّينا فأنزلنْ سكينةً علينا ... وثبِّت الأقدام إن لاقينا إنّ الأُلى قد بغوا علينا ... إذا أرادوا فتنةً أبينا ونحن إن صيح بنا أتينا (٣) فدعا لقائله (٤). وسمع قصيدةَ كعب بن زهيرٍ وأجازه ببردةٍ (٥). واستنشد الأسود بن

стр. 876

سَرِيعٍ قصائدَ حمد بها ربَّه (١). واستنشد من شعر أميَّة بن أبي الصَّلت مائة قافيةٍ (٢). وأنشده الأعشى شيئًا من شعره فسمعه (٣). وصدَّق لَبِيدًا في قوله: ألا كلُّ شيءٍ ما خلا الله باطل (٤) ودعا لحسَّان أن يؤيِّده الله بروح القدس ما دام ينافح عنه، وكان يعجبه شعره، وقال له: «اهْجُهم وروح القدس معك» (٥). وأنشدته عائشة ﵂ قول أبي كبيرٍ الهذليِّ: ومبَرَّأٍ من كلِّ غُبَّر حيضةٍ ... وفساد مرضعةٍ وداءٍ مُغْيِلِ وإذا نظرت إلى أسرَّة وجهه ... برَقَتْ كبرق العارض المتهلِّل

стр. 877

وقالت: أنت أحقُّ بهذا البيت، فسُرَّ بقولها (١). وبأنَّ ابن عمر رخَّص فيه، وعبد الله بن جعفرٍ وأهل المدينة (٢). وبأنَّ كذا وكذا وليٍّ (٣) لله حضروه وسمعوه، فمن حرَّمه فقد قدح في هؤلاء السادة القدوة الأعلام (٤). وبأنَّ الإجماع منعقدٌ على إباحة أصوات الطُّيور المُطربة الشجيَّة، فملذَّة (٥) سماع صوت الآدميِّ أولى بالإباحة أو مساويةٌ. وبأنَّ السماع يحدو روحَ السامع وقلبَه إلى نحو محبوبه، فإن كان محبوبه حرامًا كان السماع مُعينًا له على الحرام، وإن كان مباحًا كان السماع في حقِّه مباحًا، وإن كانت محبَّته رحمانيَّةً كان السماع في حقِّه قربةً وطاعةً، لأنَّه يحرِّك المحبَّة الرحمانيَّة ويقوِّيها (٦) ويهيِّجها.

стр. 878

وبأنَّ التذاذ الأذن بالصوت الطيِّب كالتذاذ العين بالمنظر الحسن، والشمِّ بالروائح الطيِّبة، والفم بالطُّعوم الطيِّبة؛ فإن كان هذا حرامًا كانت جميع هذه اللذَّات والإدراكات محرَّمةً. فالجواب: أنَّ هذا (١) حيدةٌ عن المقصود، وروغانٌ عن محلِّ النزاع، وتعلُّقٌ بما لا تعلُّق (٢) به، فإنَّ جهة كون الشيء مستلذًّا (٣) للحاسَّة ملائمًا لها لا يدلُّ على إباحته ولا تحريمه، ولا كراهته ولا استحبابه، فإنَّ هذه اللذَّة تكون في الأحكام الخمسة: تكون في الحرام، والواجب، والمكروه، والمستحبِّ، والمباح؛ فكيف يَستدلُّ بها على الإباحة مَن يعرف شروط الدليل ومواقع الاستدلال؟! وهل هذا إلَّا بمنزلة من استدلَّ على إباحة الزِّنا بما يجد به فاعلُه من اللذَّة، وأنَّ لذَّته لا ينكرها ذو طبع سليم؟ وهل يَستدلُّ بوجود اللذَّة والملاءمة على حِلِّ اللذيذ الملائم أحدٌ؟ وهل خَلَت غالبُ المحرَّمات من اللذَّات؟ وهل أصوات المعازف التي صحَّ عن النبيِّ ﷺ تحريمُها وأنَّ في أمّته من يستحلُّها بأصحِّ إسنادٍ (٤)، وأجمع أهل العلم على تحريم بعضها، وقال جمهورهم بتحريم جملتها= إلَّا لذيذةٌ تلَذُّ (٥) للسمع؟ وهل في التذاذ

стр. 879

الجَمَل والطفل بالصوت الطيِّب دليلٌ على حُكمه مِن إباحةٍ أو تحريم؟ وأعجب من هذا: الاستدلالُ على الإباحة بأنَّ الله خلق الصوت الطيِّب، وهو زيادة نعمةٍ منه لصاحبه. فيقال: والصُّورة الحسنة الجميلة أليست زيادةً في النِّعمة، واللهُ خالقها ومعطي حسنها؟ أفيدلُّ ذلك على إباحة التّمتُّع بها والالتذاذ بها على الإطلاق؟! وهل هذا إلَّا مذهبُ أهل الإباحة الجارين مع رسوم الطبيعة؟ وهل في ذمِّ الله لصوت الحمار ما يدلُّ على إباحة الأصوات المطربات بالنَّغَمات الموزونات، والألحان اللذيذات، من الصُّور المستحسنات، بأنواع القصائد المستحسنات، بالدُّفوف والشبَّابات (١)؟ هذا وأبيك (٢) إحدى المضحكات المُعجِبات! وأعجب من هذا: الاستدلال على الإباحة بسماع أهل الجنَّة. وما أجدرَ صاحبَه أن يستدلَّ على إباحة الخمر بأنَّ في الجنَّة خمرًا، وعلى لبس الحرير بأنَّ لباس أهلها حريرٌ، وعلى حلِّ أواني الذهب والفضَّة والتَّحلِّي بها للرِّجال بكون ذلك ثابتًا في الجنَّة! فإن قال: قد قام الدليل على تحريم هذا، ولم يقم على تحريم السماع. قيل: هذا الآن استدلالٌ آخر غير الاستدلال بإباحته لأهل الجنَّة، فعلم أنَّ استدلالك بإباحته لأهل الجنة استدلال باطل لا يرضى به مُحصِّل. وأمَّا قولك: لم يقم دليلٌ على تحريم السّماع، فيقال لك: أيَّ السّماعات

стр. 880

تعني؟ وأيَّ المسموعات تريد؟ فالسماعات والمسموعات منها المحرَّم والمكروه والمباح والواجب والمستحب، فعيِّن نوعًا يقع الكلام فيه نفيًا وإثباتًا. فإن قلت: سماع القصائد، قيل لك: أيَّ القصائد تعني؟ ما مُدح الله به ورسولُه (١) وكتابُه، وهجي به أعداؤه؟ فهذا (٢) لم يزل المسلمون يروونها ويَسمعونها ويُسمعونها (٣) ويتدارسونها، وهي التي سمعها رسول الله ﷺ وأصحابه وأثاب عليها، وحرَّض حسَّانَ عليها، وهي التي غرَّت أصحاب السماع الشيطانيِّ فقالوا: تلك قصائد وسماعنا قصائد! فنعم إذًا، والسُّنَّة كلامٌ والبدعة كلام، والتسبيح كلامٌ والغيبة والقذف كلام (٤)! ولكن هل سمع رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃ سماعكم (٥) الشيطاني المشتمل على أكثر من مائة مفسدةٍ مذكورةٍ في غير هذا الموضع (٦)؟ وقد أشرنا فيما تقدَّم (٧) إلى بعضها. ونظير هذا: ما غرَّهم من استحسانه ﷺ الصوت الحسن بالقرآن وإذْنه فيه وأَذَنه له ومحبَّة الله له، فنقلوا هذا الاستحسان إلى صوت النِّسوان
следующие страницы →