← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 199

مدارج السالكين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 526 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

سَرِيعٍ قصائدَ حمد بها ربَّه (١). واستنشد من شعر أميَّة بن أبي الصَّلت مائة قافيةٍ (٢). وأنشده الأعشى شيئًا من شعره فسمعه (٣). وصدَّق لَبِيدًا في قوله: ألا كلُّ شيءٍ ما خلا الله باطل (٤) ودعا لحسَّان أن يؤيِّده الله بروح القدس ما دام ينافح عنه، وكان يعجبه شعره، وقال له: «اهْجُهم وروح القدس معك» (٥). وأنشدته عائشة ﵂ قول أبي كبيرٍ الهذليِّ: ومبَرَّأٍ من كلِّ غُبَّر حيضةٍ ... وفساد مرضعةٍ وداءٍ مُغْيِلِ وإذا نظرت إلى أسرَّة وجهه ... برَقَتْ كبرق العارض المتهلِّل

стр. 877

وقالت: أنت أحقُّ بهذا البيت، فسُرَّ بقولها (١). وبأنَّ ابن عمر رخَّص فيه، وعبد الله بن جعفرٍ وأهل المدينة (٢). وبأنَّ كذا وكذا وليٍّ (٣) لله حضروه وسمعوه، فمن حرَّمه فقد قدح في هؤلاء السادة القدوة الأعلام (٤). وبأنَّ الإجماع منعقدٌ على إباحة أصوات الطُّيور المُطربة الشجيَّة، فملذَّة (٥) سماع صوت الآدميِّ أولى بالإباحة أو مساويةٌ. وبأنَّ السماع يحدو روحَ السامع وقلبَه إلى نحو محبوبه، فإن كان محبوبه حرامًا كان السماع مُعينًا له على الحرام، وإن كان مباحًا كان السماع في حقِّه مباحًا، وإن كانت محبَّته رحمانيَّةً كان السماع في حقِّه قربةً وطاعةً، لأنَّه يحرِّك المحبَّة الرحمانيَّة ويقوِّيها (٦) ويهيِّجها.

стр. 878

وبأنَّ التذاذ الأذن بالصوت الطيِّب كالتذاذ العين بالمنظر الحسن، والشمِّ بالروائح الطيِّبة، والفم بالطُّعوم الطيِّبة؛ فإن كان هذا حرامًا كانت جميع هذه اللذَّات والإدراكات محرَّمةً. فالجواب: أنَّ هذا (١) حيدةٌ عن المقصود، وروغانٌ عن محلِّ النزاع، وتعلُّقٌ بما لا تعلُّق (٢) به، فإنَّ جهة كون الشيء مستلذًّا (٣) للحاسَّة ملائمًا لها لا يدلُّ على إباحته ولا تحريمه، ولا كراهته ولا استحبابه، فإنَّ هذه اللذَّة تكون في الأحكام الخمسة: تكون في الحرام، والواجب، والمكروه، والمستحبِّ، والمباح؛ فكيف يَستدلُّ بها على الإباحة مَن يعرف شروط الدليل ومواقع الاستدلال؟! وهل هذا إلَّا بمنزلة من استدلَّ على إباحة الزِّنا بما يجد به فاعلُه من اللذَّة، وأنَّ لذَّته لا ينكرها ذو طبع سليم؟ وهل يَستدلُّ بوجود اللذَّة والملاءمة على حِلِّ اللذيذ الملائم أحدٌ؟ وهل خَلَت غالبُ المحرَّمات من اللذَّات؟ وهل أصوات المعازف التي صحَّ عن النبيِّ ﷺ تحريمُها وأنَّ في أمّته من يستحلُّها بأصحِّ إسنادٍ (٤)، وأجمع أهل العلم على تحريم بعضها، وقال جمهورهم بتحريم جملتها= إلَّا لذيذةٌ تلَذُّ (٥) للسمع؟ وهل في التذاذ

стр. 879

الجَمَل والطفل بالصوت الطيِّب دليلٌ على حُكمه مِن إباحةٍ أو تحريم؟ وأعجب من هذا: الاستدلالُ على الإباحة بأنَّ الله خلق الصوت الطيِّب، وهو زيادة نعمةٍ منه لصاحبه. فيقال: والصُّورة الحسنة الجميلة أليست زيادةً في النِّعمة، واللهُ خالقها ومعطي حسنها؟ أفيدلُّ ذلك على إباحة التّمتُّع بها والالتذاذ بها على الإطلاق؟! وهل هذا إلَّا مذهبُ أهل الإباحة الجارين مع رسوم الطبيعة؟ وهل في ذمِّ الله لصوت الحمار ما يدلُّ على إباحة الأصوات المطربات بالنَّغَمات الموزونات، والألحان اللذيذات، من الصُّور المستحسنات، بأنواع القصائد المستحسنات، بالدُّفوف والشبَّابات (١)؟ هذا وأبيك (٢) إحدى المضحكات المُعجِبات! وأعجب من هذا: الاستدلال على الإباحة بسماع أهل الجنَّة. وما أجدرَ صاحبَه أن يستدلَّ على إباحة الخمر بأنَّ في الجنَّة خمرًا، وعلى لبس الحرير بأنَّ لباس أهلها حريرٌ، وعلى حلِّ أواني الذهب والفضَّة والتَّحلِّي بها للرِّجال بكون ذلك ثابتًا في الجنَّة! فإن قال: قد قام الدليل على تحريم هذا، ولم يقم على تحريم السماع. قيل: هذا الآن استدلالٌ آخر غير الاستدلال بإباحته لأهل الجنَّة، فعلم أنَّ استدلالك بإباحته لأهل الجنة استدلال باطل لا يرضى به مُحصِّل. وأمَّا قولك: لم يقم دليلٌ على تحريم السّماع، فيقال لك: أيَّ السّماعات

стр. 880

تعني؟ وأيَّ المسموعات تريد؟ فالسماعات والمسموعات منها المحرَّم والمكروه والمباح والواجب والمستحب، فعيِّن نوعًا يقع الكلام فيه نفيًا وإثباتًا. فإن قلت: سماع القصائد، قيل لك: أيَّ القصائد تعني؟ ما مُدح الله به ورسولُه (١) وكتابُه، وهجي به أعداؤه؟ فهذا (٢) لم يزل المسلمون يروونها ويَسمعونها ويُسمعونها (٣) ويتدارسونها، وهي التي سمعها رسول الله ﷺ وأصحابه وأثاب عليها، وحرَّض حسَّانَ عليها، وهي التي غرَّت أصحاب السماع الشيطانيِّ فقالوا: تلك قصائد وسماعنا قصائد! فنعم إذًا، والسُّنَّة كلامٌ والبدعة كلام، والتسبيح كلامٌ والغيبة والقذف كلام (٤)! ولكن هل سمع رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃ سماعكم (٥) الشيطاني المشتمل على أكثر من مائة مفسدةٍ مذكورةٍ في غير هذا الموضع (٦)؟ وقد أشرنا فيما تقدَّم (٧) إلى بعضها. ونظير هذا: ما غرَّهم من استحسانه ﷺ الصوت الحسن بالقرآن وإذْنه فيه وأَذَنه له ومحبَّة الله له، فنقلوا هذا الاستحسان إلى صوت النِّسوان

стр. 881

والمُردان وغيرهم بالغناء المقرون بالمعازف والشاهد (١)، وذكرِ القدِّ والنَّهد والخصر، ووصف العيون وفعلها، والشعر الأسود، ومحاسن الشباب، وتوريد الخدود، وذكر الوصل والصدِّ، والتجنِّي والهجران، والعتاب والاستعطاف، والاشتياق والقلق والفراق، وما جرى هذا المجرى ممَّا هو أفسد للقلب من سُكر الخمر بما لا نسبة بينهما، وأيُّ نسبةٍ لسكر يومٍ (٢) ونحوه إلى سَكرة العشق التي لا يستفيق (٣) صاحبُها إلَّا في عسكر الهالكين سليبًا حريبًا (٤) أسيرًا قتيلًا؟ وهل تقاس سَكرة الشراب إلى سكرة الأرواح بالسَّماع؟ وهل يُظنُّ بحكيمٍ أن يحرِّم سكرًا لمفسدةٍ فيه معلومةٍ، ويبيح سكرًا مفسدتُه أضعاف أضعاف مفسدة الشراب؟ حاشا أحكم الحاكمين. فإن نازعوا في سكر السماع وتأثيره في العقول والأرواح خرجوا عن الذوق والحسِّ فظهرت (٥) مكابرة القوم. فكيف يحمي الطبيبُ المريض عمَّا يشوِّش عليه صحَّته ويبيح له ما فيه أعظم السُّقم؟ والمنصف يعلم أنّه لا نسبة بين سقم الأرواح بسكر الشراب وسقمها بسكر السماع، وكلامنا مع واجدٍ لا فاقدٍ، فهو المقصود بالخطاب. وأعجب من هذا: استدلالهم (٦) على إباحة السماع المركَّب ممَّا ذكرنا

стр. 882

من الهيئة الاجتماعية بغناء بِنْتَين صغيرتين دون البلوغ عند امرأةٍ صبيَّة في يوم عيدٍ وفرحٍ بأبياتٍ من أبيات العرب في وصف الشَّجاعة والحروب ومكارم الأخلاق والشِّيم، فأين هذا من هذا؟ والعجب أنّ هذا الحديث من أكبر الحجج عليهم، فإنَّ الصدِّيق الأكبر سمَّى ذلك مزمور الشَّيطان (١) وأقرَّه رسول الله ﷺ على هذه التسمية، ورخَّص فيه لجويريَتَين غير مكلَّفتين، ولا مفسدة في إنشاده ولا استماعه، أفيدلُّ هذا على إباحة ما يعلمونه ويعملونه من السماع المشتمل على ما لا يخفى؟ فيا سبحان الله! أَضَلَّت العقولُ والأفهام؟ وأعجب من هذا كلِّه: الاستدلال على إباحته بما سمعه رسول الله ﷺ من الحُداء المشتمل على الحقِّ والتوحيد؟! وهل حرَّم أحدٌ مطلقَ الشِّعر وقولَه واستماعه؟ فكم هذا التعلُّق ببيوت (٢) العنكبوت! وأعجب من هذا: الاستدلال على إباحته بإباحة أصوات الطُّيور اللذيذة، وهل هذا إلَّا من جنس قياس الذين قالوا: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]! وأين أصوات الطُّيور إلى نغمات الغِيد الحِسان، والأوتار والعيدان، وأصوات أشباه النِّساء من المُردان، والغناءِ بما يحدو الأرواح والقلوب إلى مواصلة كلِّ محبوبةٍ ومحبوبٍ؟! وأين الفتنة بهذا إلى الفتنة بصوت القُمريِّ والبُلبل والهَزَارِ (٣) ونحوها؟

стр. 883

بل نقول: لو كانا سواءً لكان اتِّخاذ هذا السّماع قربةً وطاعةً تُستنزَل (١) به المعارف والأذواق والمواجيد وتُحَلُّ به (٢) الأحوال= بمنزلة التقرُّب إلى الله بأصوات الطُّيور، ومعاذ الله أن يكونا سواءً. والذي يفصل النِّزاع في حكم هذه المسألة ثلاثُ قواعدَ مِن أهمِّ قواعد الإيمان والسُّلوك، فمن لم يَبْنِ عليها فبناؤه على شفا جرفٍ هارٍ. القاعدة الأولى: أنَّ الذوق والحال والوجد: هل هو حاكمٌ أو محكومٌ عليه, فيُحكم عليه (٣) بحاكمٍ آخر أو يُتحاكم (٤) إليه؟ فهذا منشأ ضلال من ضلَّ من المفسدين لطريق القوم الصَّحيحة، حيث جعلوه حاكمًا، فتحاكموا إليه فيما يسوغ ويمتنع، وفيما هو صحيح وفاسد، وجعلوه محكًّا (٥) للحقِّ والباطل، فنبذوا لذلك موجَب العلم والنُّصوص، وحكَّموا عليها الأذواق والأحوال والمواجيد، فعَظُم الأمر وتفاقم الفساد، وطَمَست معالمُ الإيمان والسُّلوك المستقيم، وانعكس السَّير، وكان إلى الله فصيَّروه إلى النُّفوس، فالنَّاس المحجوبون عن أذواقهم يعبدون الله، وهؤلاء يعبدون نفوسهم (٦).

стр. 884

والعجب (١) أنَّهم دخلوا في أنواع من (٢) الرِّياضات والمجاهدات والزُّهد ليتجرّدوا عن شهوات النُّفوس وحظوظها، فانتقلوا من شهواتٍ إلى شهواتٍ أكبر منها، ومن حظوظٍ إلى حظوظٍ أعظم منها، وكان حالهم في الشهوات (٣) التي انتقلوا عنها أكمل، وحالُ أربابها خيرٌ (٤) مِن حال هؤلاء، لأنَّهم لم يعارضوا بها العلم، ولا قدَّموها على النُّصوص، ولا جعلوها دينًا وقربةً، ولا ازدروا بها العلم وأهله. والشَّهوات التي انتقلوا إليها جعلوها أعلامًا يشمِّرون إليها، فهي قبلة قلوبهم، فهم (٥) واقفون مع حظوظهم من الله، فانون بها عن مراد الله منهم؛ الناس يعبدون الله وهم يعبدون أنفسهم، عائبون (٦) لأهل الحظوظ والشهوات ومزدرون بهم، وهم أعظم الناس حظوظًا، وإنّما زهدوا في حظٍّ إلى حظٍّ أعلى منه، وتركوا شهوةً لشهوةٍ (٧). فليتدبَّر اللبيب هذا الموضع في نفسه وفي غيره، فكلُّ ما خالف مراد الله الدينيَّ من العبد فهو حظُّه وشهوته، مالًا كان أو رياسةً أو صورةً، أو ذوقًا أو حالًا أو وجدًا (٨).

стр. 885

ثمَّ من قدَّمه على مراد الله فهو أسوأ حالًا ممَّن عرف أنَّه نقصٌ ومحنةٌ وأنَّ مراد الله أولى بالتقديم منه، فهو يتوب منه كلَّ وقتٍ إلى الله. ثمّ إنَّه وقع من (١) تحكيم الذوق من الفساد ما لا يعلمه إلَّا الله، فإنَّ الأذواق مختلفةٌ في نفسها (٢)، كثيرة الألوان، متباينةٌ أعظم التباين، فكلُّ طائفةٍ لهم أذواقٌ وأحوالٌ ومواجيد، بحسب معتقداتهم وسلوكهم. فالقائلون بوحدة الوجود لهم ذوقٌ وحالٌ ووجدٌ في معتقدهم بحسبه، والنصارى لهم ذوقٌ في النصرانيَّة ووجدٌ (٣) بحسب رياضتهم وعقائدهم. وكلُّ من اعتقد شيئًا وسلك (٤) سلوكًا ــ حقًّا كان أو باطلًا ــ فإنَّه إذا ارتاض وتجرَّد، ولزمه (٥) وتمكَّن من قلبه = بقي له فيه حالٌ وذوقٌ ووجدٌ، فبِذَوق مَن تُوزَن الحقائق إذًا ويُفْرَق (٦) الحقُّ من الباطل؟ وهذا سيِّد أهل الأذواق والمواجيد والكشوف والأحوال من هذه الأُمَّة، المحدَّثُ المكاشَف (٧)، لا يلتفت إلى ذوقه ووجده ومخاطباته في شيءٍ من

стр. 886

أمور الدِّين حتَّى يَنشُد عنه الرِّجالَ والنِّساء والأعراب (١)، فإذا أخبروه عن رسول الله ﷺ بشيءٍ لم يلتفت إلى ذوقه ولا إلى وجده وخطابه، بل يقول: «لو لم نسمع هذا لقضينا بغيره» (٢)، ويقول: «أيُّها الناس، رجلٌ أخطأ وامرأةٌ أصابت» (٣). فهذا فعل الناصح لنفسه وللأمَّة ﵁، ليس كفعل من غشَّ نفسه والدِّين والأمَّة. القاعدة الثانية: أنَّه إذا وقع النِّزاع في حكم فعلٍ من الأفعال، أو حالٍ من الأحوال، أو ذوقٍ من الأذواق: هل هو صحيحٌ أو فاسدٌ، وحقٌّ أو باطل= وجب الرُّجوع فيه إلى الحجَّة المقبولة عند الله وعند عباده المؤمنين،

стр. 887

وهو وحيه الذي تُتلقَّى أحكام النوازل والأحوال والواردات منه، وتُعرَض عليه وتوزن به، فما زكَّاه منها وقبله ورجَّحه وصحَّحه فهو المقبول، وما أبطله وردَّه فهو الباطل المردود، ومن لم يَبْنِ على هذا الأصل علمَه وسلوكه (١) فليس على شيءٍ وإنْ وإنْ (٢)، وإنَّما معه خَدْع وغرور ﴿أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ يَحْسِبُهُ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ﴾ [النور: ٣٩]. القاعدة الثالثة: إذا أشكل على الناظر أو السالك حكمُ شيءٍ هل هو الإباحة أو التحريم، فلينظر إلى مفسدته وثمرته وغايته، فإن كان مشتملًا على مفسدةٍ راجحةٍ ظاهرةٍ فإنَّه يستحيل على الشارع الأمرُ به أو إباحته، بل العلم بتحريمه من شرعه قطعيٌّ، ولاسيَّما إذا كان طريقًا مفضيًا إلى ما يبغضه (٣) الله ورسوله، مُوصِلًا إليه عن قربٍ، وهو رقيةٌ له ورائدٌ وبريد، فهذا لا يشكُّ في تحريمه أولو البصائر، فكيف يُظنُّ بالحكيم الخبير أن يحرِّم مثل رأس الإبرة من المسكر لأنَّه يسوق (٤) النّفس إلى المسكر (٥) الذي يسوقها إلى المحرَّمات، ثمَّ يبيح ما هو أعظم سوقًا للنُّفوس إلى المحرَّم بكثيرٍ؟! فإنَّ الغناء كما قال ابن مسعودٍ ﵁ هو رقية الزِّنا (٦)، وقد شاهد الناس أنَّه ما

стр. 888

عاناه صبيٌّ إلَّا وفسد، ولا امرأةٌ إلَّا وبغت، ولا شابٌّ إلَّا وإلَّا، ولا شيخٌ إلَّا وإلَّا، والعِيان من ذلك يغني عن البرهان، ولاسيَّما إذا جمع هيئةً تحدو النُّفوس أعظمَ حدوٍ إلى المعصية والفجور، بأن يكون على الوجه الذي ينبغي من المكان والإمكان، والعُشراء والإخوان، وآلات المعازف من اليَراع والدُّفِّ والأوتار والعيدان، وكان القوَّالُ (١) شاديًا شجيَّ الصوت لطيفَ الشمائل من المردان أو النِّسوان، وكان القول في العشق والوصال والصّدِّ والهجران. ودارت كؤوس الهوى بينهم ... فلست ترى فيهم صاحيا فكلٌّ على قدر مشروبه ... وكلٌّ أجاب الهوى الدَّاعيا فمالوا سُكارى ولا سُكر مِن ... تناول أمِّ الهوى خاليا وجارٍ على القوم ساقيهمُ ... ولم يؤثروا غيره ساقيا فمزَّق منهم قلوبًا غَدَتْ ... لباسًا عليه يرى ضافيا فلم يستفيقوا إلى أن أتى ... إليهم منادي اللِّقا داعيا أجيبوا فكلُّ امرئٍ منكمُ ... على حاله ربَّه لاقيا هنالك تعلم مِن حمأةٍ ... شربتَ مع القوم أم صافيا وتاللهِ لا بدَّ قبل اللِّقا ... ءِ تعلم ذا إن تكن واعيا فلا بدَّ تصحو فإمَّا هنا ... وإمَّا هناك فكن راضيا (٢)

стр. 889

فصل وإذا لم يكن بدٌّ من المحاكمة إلى الذوق فهلُمَّ نحاكمك إلى ذوقٍ لا ننكره نحن ولا أنت، غير هذه الأذواق التي ذكرناها. فالقلب تعرض له حالتان: حالة حزنٍ وأسفٍ على مفقودٍ، وحالةُ فرحٍ وطَرَبٍ بموجودٍ، وله بمقتضى هاتين الحالتين عبوديَّتان. فله بمقتضى الحالة الأولى: عبوديَّة الرِّضاء وهي للسابقين، والصَّبر وهي لأصحاب اليمين. وله بمقتضى الحالة الثانية عبودية الشُّكر، والشاكرون فيها أيضًا نوعان: سابقون، وأصحاب يمينٍ. فاقتطعَتْه النفس والشيطان عن هاتين العبوديَّتين بصوتين أحمقين فاجرين، هما للشيطان لا للرحمن: صوت النَّدب والنِّياحة عند الحزن وفوات المحبوب، وصوت اللهو والمزمار والغناء عند الفرح وحصول المطلوب، فعوَّضه الشيطان بهذين الصَّوتين عن تلك العبوديَّتين. وقد أشار النّبيُّ ﷺ إلى هذا المعنى بعينه في حديث أنسٍ ﵁: «إنَّما نُهِيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت ويلٍ عند مصيبةٍ، وصوت مزمارٍ عند نعمة» (١).

стр. 890

ووافق ذلك راحةً من النَّفس وشهوةً ولذَّة، وسرت فيها تلك الرقائق حتَّى تعبَّد بها مَن قلَّ نصيبه من النور النبوي وقلَّ شربه من العين المحمَّدية، وانضاف ذلك إلى صدقٍ وطلبٍ وإرادةِ مضادَّةٍ لأهل شهوات الغيِّ وأهل البطالة، ورأوا قساوة قلوب المنكرين لطريقتهم وكثافةَ حُجُبهم وغلظةَ طباعهم وثقلَ أرواحهم، وصادف ذلك تحريكًا لسواكنهم وإيقادًا (١) للواعج الحبِّ وإزعاجًا للنُّفوس إلى أوطانها الأولى ومعاهدها التي سُبيت منها، والنُّفوس الطالبة المرتاضة السائرة لا بدَّ لها من محرِّكٍ يحرِّكها وحادٍ يحدوها، وليس لها من حادي القرآن عوضٌ عن حادي السّماع= فتركَّب من هذه الأمور إيثارٌ منهم للسَّماع ومحبَّة صادقة له، تزول الجبال عن أماكنها ولا تفارق قلوبهم، إذ هو مثيرُ عزماتِهم ومحرِّكُ سواكنهم ومزعجُ بواطنهم. فدواءُ مثل صاحب هذه الحال أن ينقل بالتدريج إلى سماع القرآن بالأصوات الطيِّبة، مع الإمعان في تفهُّم معانيه وتدبُّر خطابه، قليلًا قليلًا إلى أن يخلع قلبُه (٢) محبةَ سماع الأبيات، ويلبس محبَّةَ سماع الآيات، ويصير ذوقُه وشربه وحاله ووجده فيه، فحينئذٍ يعلم هو مِن نفسه أنَّه لم يكن على شيءٍ، ويتمثَّل حينئذٍ بقول القائل (٣): وكنت أرى أن قد تناهى بيَ الهوى ... إلى غايةٍ ما فوقها لي مطلبُ فلمَّا تلاقينا وعاينتُ حسنها ... تيقَّنت أنِّي إنّما كنت ألعبُ

стр. 891

ومنافاة النَّوح للصبر، والغناء والمعازف للشُّكر= أمرٌ معلومٌ بالضرورة من الدِّين (١)، لا يمتري فيه إلَّا أبعد النّاس من العلم والإيمان، فإنَّ الشُّكر هو الاشتغال بطاعة الله لا بالصَّوت الأحمق الفاجر الذي هو للشيطان، وكذلك النَّوح ضدُّ الصبر، كما قال عمر بن الخطاب ﵁ في النائحة وقد ضَرَبها حتَّى بدا شعرُها وقال: «لا حرمة لها؛ إنَّها تأمر بالجزع وقد نهى الله عنه، وتنهى عن الصَّبر وقد أمر الله به، وتفتن الحيَّ وتؤذي الميِّت، وتبيع عَبرتها وتبكي بشَجْوِ غيرها» (٢). ومعلومٌ عند الخاصَّة والعامَّة أنّ فتنة سماع الغناء والمعازف أعظم من فتنة النوح بكثيرٍ، والذي شاهدناه نحن وغيرنا وعرفناه بالتجارب أنَّه ما ظهرت المعازفُ وآلات اللهو في قومٍ وفَشَت فيهم واشتغلوا بها إلَّا سُلِّط عليهم العدوُّ، وبُلُوا بالقحط والجدب وولاة السُّوء، والعاقل يتأمَّل أحوال العالَم وينظر، والله المستعان. ولا تستطِل كلامَنا في هذه المنزلة، فإنَّ لها عند القوم شأنًا عظيمًا. وأمَّا قولهم: من أنكر على أهله فقد أنكر على كذا وكذا وليٍّ (٣) لله، فحجَّة عامِّيَّة. نعم، أنكر (٤) أولياء الله على أولياء الله؛ كان ماذا؟! فقد أنكر

стр. 892

عليهم مِن أولياء الله من هو أكثر منهم عددًا، وأعظم عند الله وعند المؤمنين منهم قدرًا، وأقرب بالقرون المفضَّلة عهدًا، وليس من شرط وليِّ الله العصمة. وقد تقاتل أولياء الله في صفِّين بالسُّيوف، ولمَّا سار بعضهم إلى بعضٍ كان يقال: سار أهل الجنَّة إلى أهل الجنَّة (١). وكون وليِّ الله يرتكب المحظور والمكروه متأوِّلًا أو عاصيًا لا يمنع ذلك الإنكارَ عليه، ولا يُخرجه عن أصل ولاية الله تعالى، وهيهات هيهات أن يكون أحدٌ من أولياء الله المتقدِّمين حضر هذا السماع المُحدَث المشتملَ على هذه الهيئة التي تفتن القلوب أعظمَ من فتنة المشروب، حاشا أولياء الله من ذلك! وإنَّما السماع الذي اختلف فيه مشايخُ القوم: اجتماعهم في مكانٍ خالٍ من الأغيار يذكرون الله ويتلون شيئًا من القرآن، ثمَّ يقوم بينهم قوَّالٌ ينشدهم شيئًا من الأشعار المزهِّدة في الدُّنيا، المرغِّبة في لقاء الله تعالى ومحبَّته وخوفه ورجائه والدار الآخرة، وينبِّههم (٢) على بعض أحوالهم من غدرةٍ أو غفلة، أو بُعدٍ أو انقطاع، أو تأسُّفٍ على فائت، أو تداركٍ لفارط، أو وفاءٍ بعهد، أو تصديقٍ بوعد، أو ذكر قلقٍ وشوقٍ، أو خوفِ فُرقةٍ أو صدٍّ، أو ما جرى هذا المجرى. فهذا السّماع الذي اختلف فيه القوم، لا سماع المُكاء والتَّصدية والمعازف، والخُماريَّات (٣) وعشق الصُّور من المردان والنِّسوان، وذكر

стр. 893

محاسنها ووصالها وهجرانها، فهذا لو سئل عنه من سئل من أولي العقول لقضى بتحريمه، وعلم أنَّ الشرع لا يأتي بإباحته، وأنّه ليس على النّاس أضرُّ منه، ولا أفسدُ لعقولهم وقلوبهم وأديانهم وأموالهم وأولادهم وحريمهم (١). فصل قال صاحب «المنازل» ﵀ (٢): (السماع على ثلاث درجاتٍ: سماع العامّة ، وهو ثلاثة أشياء: إجابة زجر الوعيد رغبةً (٣)، وإجابة دعوة الوعد جُهدًا، وبلوغ مشاهدة المنَّة استبصارًا). الوعيد يكون على ترك المأمور وفعل المحظور، فإجابةُ داعيه هو العمل بالطاعة. وقوله: (رغبةً)، يعني: امتثالًا لكون الله أمر ونهى وأوعد. وحقيقة الرغبة: الخوف والرجاء، فيفعل (٤) ما أُمر به على نور الإيمان راجيًا للثواب، ويترك (٥) ما نُهي عنه على نور الإيمان خائفًا من العقاب.

стр. 894

وفي الرغبة فائدةٌ أخرى، وهي أنَّ فعله يكون فعلَ راغبٍ مختارٍ، لا فعلَ كارهٍ كأنَّما يُساق إلى الموت وهو ينظر. وأمَّا (إجابة الوعد جهدًا)، فهو امتثال الأمر طلبًا للوصول إلى الموعود به، باذلًا جُهدَه في ذلك، مستفرغًا فيه قواه. وأمّا (بلوغ مشاهدة المنَّة استبصارًا)، فهو تنبُّه السامع في سماعه إلى أنَّ جميع ما وصله من خيرٍ فمن منَّة الله عليه وتفضُّلِه عليه من غير استحقاقٍ منه، ولا بذلِ عوضٍ استوجب به ذلك، كما قال تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات: ١٧]. وكذلك يشهد أنَّ ما زوي عنه من الدُّنيا أو ما لحقه منها من ضرٍّ وأذًى فهو منَّةٌ أيضًا من الله عليه من وجوهٍ كثيرةٍ يستخرجها الفكرُ الصحيح، كما قال بعض السَّلف: يا ابنَ آدم، لا تدري أيَّ النِّعمتين عليك أفضل: نعمته عليك فيما أعطاك، أو نعمته فيما زوى عنك (١). (٢)

стр. 895

إذا مسَّ (١) بالسرَّاء أعقب شكرها ... وإن مسَّ بالضّرّاء أعقبها الصبرُ (٢) وما منهما إلَّا له فيه نعمةٌ ... تضيق بها الأوهام والبرُّ والبحر (٣) فإن قلت: فهل يشهد منَّته فيما لحقه من المعصية والذنب؟ قلت: نعم، إذا اقترن بها التوبة النَّصوح والحسنات الماحية كانت من أعظم المنن عليه، كما تقدَّم تقريره (٤). فصل قال (٥): (و سماع الخاصَّة ثلاثة أشياء: شهود المقصود في كلِّ زمن (٦)،

стр. 896

والوقوف على الغاية في كلِّ حينٍ (١)، والخلاص من التّلذُّذ بالتّفرُّق). المقصود في كلِّ حقٍّ (٢) هو الربُّ (٣) ﵎، فإنَّ المسموع كلَّه يعرِّف به وبصفاته وأسمائه، وأفعاله وأحكامه، ووعده ووعيده، وأمره ونهيه، وعدله وفضله. وهذا الشُّهود يُنال بالسماع بالله، ولله، وفي الله، ومِن الله (٤). أمَّا السماع به: فأن لا يسمع وفيه بقيَّةٌ من نفسه، فإن كانت فيه بقيَّةٌ قطعها كمالُ (٥) تعلُّقه بالمسموع، فيكون سماعه بقيُّوميَّته مجرَّدًا (٦) من التفاته إلى نفسه. وأمَّا السماع له: فأن يجرِّد النفس في السماع من كلِّ إرادةٍ تزاحم مرادَ الله منه، وبجمعِ قوى سمعِه يحصِّل (٧) مرادَ الله من المسموع. وأمَّا السماع فيه: فشأنٌ آخر، وهو تجريد ما لا يليق نسبته إلى الحقِّ من وصفٍ أو سمةٍ أو نعتٍ أو فعلٍ ممَّا هو لائقٌ بكماله، فيثبت له ما يليق بكماله

стр. 897

من المسموع وينزِّهه عمَّا لا يليق به. وهذا الموضع لم يتخلَّص فيه إلا الراسخون في العلم والمعرفة بالله، وأضلَّ الله عنه أهلَ التحريف والتعطيل، وأهلَ التشبيه والتمثيل، و ﴿هَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ٢١٣]. وأمَّا السماع منه: فإنَّما يتصوَّر بواسطةٍ، فهو سماعٌ مقيَّدٌ. وأمَّا المطلق فلا مطمع فيه في عالم الفناء، إلَّا لمن اختصَّه الله برسالاته وبكلامه، ولكنَّ السماع لكلامه كالسماع منه، فإنَّه كلامه الذي تكلَّم به حقًّا، فمن سمعه فليقدِّر نفسه كأنَّه يسمعه من الله. هذا هو السماع من الله، لا سماع أربابِ الخيال ودعوى المحال، القائلِ أحدُهم: ناداني في سرِّي، وخاطبني، وقال لي. يا ليت شعري مَن المنادي لك ومَن المخاطِبُ، يا مخدوعُ يا مغرور؟ فما يدريك أنِداءٌ شيطاني أم رحماني؟ وما البرهان على أنَّ المخاطِب لك هو الرحمن؟ نعم، نحن لا ننكر النِّداء والخطاب والحديث، وإنَّما الشأن في المنادي المخاطِب المحدِّث، فهاهنا تسكب العبرات. وبالجملة فمن قرئ عليه القرآن فليقدِّر نفسَه كأنَّما (١) يسمعه من الله يخاطبه به، فإذا حصل له مع ذلك السماع به، وله، وفيه = ازدحمت معاني المسموع ولطائفُه وعجائبه على قلبه وازدلفت إليه بأيِّها يبدأ، فما شئتَ مِن علمٍ وحِكَم، وتعرُّفٍ وبصيرة، وهدايةٍ وعِبرة.

стр. 898

وأمَّا (الوقوف على الغاية في كلِّ حينٍ)، فهو التطلُّب والسفر إلى الغاية المقصودة بالمسموع التي (١) جُعل وسيلةً إليها، وهو الحقُّ سبحانه، فإنَّه غاية كلِّ طلبٍ، ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم: ٤٢]. وليس وراء الله مرمى، ولا دونه مستقرٌّ، ولا تقَرُّ العينُ بغيره البتَّة، فكلُّ مطلوبٍ سواه فظلٌّ زائل وخيال مفارق (٢)، وإن تمتَّع به صاحبه فمتاع الغرور. وأمَّا (الخلاص من التلذُّذ بالتفرُّق)، فالتفرُّق في معاني المسموع وتنقُّل القلب في منازلها يوجب له لذَّةً، كما هو المألوف في الانتقال، فيتخلَّص من لذَّة تفرُّقه التي هي حظُّه إلى الجمعيَّة على المسموع به ومنه وله. ولم يقل الشيخ ﵀: «الخلاص من التفرُّق»، فإنَّ المسموع إنّما يُدرَك معناه ويُفهَم بالتفرُّق لتنوُّعه، ولكن ليتخلَّصْ من لذَّته ــ لا منه ــ لئلَّا يكون مع حظِّه. وهذا من ألطف أحوال السامعين المخلصين. فصل قال (٣): (و سماع خاصَّة الخاصَّة: سماعٌ ينفي العلل عن الكشف، ويصل الأبد إلى الأزل، ويردُّ النِّهايات إلى الأول). فالكشف هو مكافحة (٤) القلب لحقيقة المسموع. وعلله أمران:

стр. 899

أحدهما: الشُّبه التي تنتفي بهذه المكافحة، فلا يبقى معها شبهةٌ. وهذا (١) هو عين اليقين. والثاني: نفي الوسائط بين السامع والمسموع، فيغيب بمسموعه عنها ويفنى عن شهودها، ويفنى عن شهود فنائه عنها، بحيث يشهده هو المُسْمِع لا الواسطة، وهو البادي، فمنه الإسماع ومنه الهداية، ومنه الابتداء وإليه الانتهاء. وأمّا وصله الأبد إلى الأزل، فهذا إن أُخذ على ظاهره فهو محالٌ، لأنَّ الأبد والأزل متقابلان تقابلَ التناقُض، فاتصال أحدهما بالآخر عين المحال، وإنَّما مراده أنَّ ما يكون في الأبد موجودًا مشهودًا فقد كان في الأزل معلومًا مقدَّرًا، فعاد حكم الأبد إلى الأزل علمًا وحقيقةً، وصار الأَزليُّ أبديًّا، كما كان الأبديُّ أزليًّا في العلم والحُكم. وإيضاح ذلك: أنَّ الأبد ظهر فيه ما كان في (٢) الأزل خافيًا، فانتهى الأمر كلُّه إلى علمه وحكمه وحكمته، وذلك أزليٌّ. وهذا هو ردُّ النِّهايات إلى الأوَّل، فتصير الخاتمة هي عين السابقة، والله تعالى هو الأوَّل والآخِر، وكلُّ ما كان ويكون آخرًا فمردودٌ إلى سابق علمه وحكمه، فرجع الأبد إلى الأزل والنِّهاياتُ إلى الأوَّل، والله أعلم. * * * *

стр. 900

فصل ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة الحزن ، وليست من المنازل المطلوبة، ولا المأمور بنزولها وإن كان لا بدَّ للسالك من نزولها. ولم يأت الحزنُ في القرآن إلَّا منهيًّا عنه أو منفيًّا، فالمنهيُّ (١) كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾ [آل عمران: ١٣٩]، وقولِه: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ في غير موضعٍ (٢)، وقولِه: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]، والمنفيُّ كقوله: ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢]. وسرُّ ذلك أنّ الحزن مُوقِّفٌ غير مُسيِّرٍ، ولا مصلحة فيه للقلب، وأحبُّ شيءٍ إلى الشيطان أن يَحزُن العبدَ ليقطعه عن سيره ويَقِفه (٣) عن سلوكه، قال تعالى: ﴿النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ﴾ [المجادلة: ١٠]. ونهى النبيُّ ﷺ الثلاثة أن يتناجى اثنانِ منهم دون الثالث لأنَّ ذلك يحزنه (٤). فالحزن ليس بمطلوبٍ ولا مقصود، ولا فيه فائدة. وقد استعاذ منه النبيُّ ﷺ فقال: «اللهمّ إنِّي أعوذ بك من الهمِّ والحزن» (٥)، فهو قرين الهمِّ، والفرق

стр. 901

بينهما أنّ المكروه الذي يَرِد على القلب، إن كان لِما يُستقبَل أورثه الهمَّ، وإن كان لما مضى أورثه الحزن. وكلاهما مُضعف للقلب مُفتر للعزم. ولكن نزول منزلته ضرورية (١) بحسب الواقع، ولهذا يقول أهل الجنَّة إذا دخلوها: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤]، فهذا يدلُّ على أنّهم كان يصيبهم في الدُّنيا الحزن، كما تصيبهم سائر المصائب التي تجري عليهم بغير اختيارهم. وأمَّا قوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ [التوبة: ٩٢] (٢)، فلم يُمدَحوا على نفس الحزن، وإنّما مُدِحوا على ما دلَّ عليه الحزن من قوَّة إيمانهم حيث تخلَّفوا عن رسول الله ﷺ لعجزهم عن النفقة، ففيه تعريضٌ بالمنافقين الذين لم يحزنوا على تخلُّفهم وغبطوا نفوسهم به. وأمّا قوله ﷺ في الحديث الصحيح: «ما يصيب المؤمن من همٍّ ولا نصبٍ ولا حزنٍ إلَّا كفَّر الله به من خطاياه» (٣)، فهذا يدلُّ على أنَّه مصيبةٌ من الله يصيب بها العبدَ يكفِّر بها من سيِّئاته؛ لا يدلُّ على أنَّه مقامٌ ينبغي طلبه واستيطانه.

стр. 902

وأمّا حديث هند بن أبي هالة في صفة النبيِّ ﷺ أنَّه كان متواصل الأحزان، فحديثٌ لا يثبت، وفي إسناده من لا يعرف (١). وكيف يكون متواصل الأحزان، وقد صانه الله عن الحزن على الدُّنيا وأسبابها، ونهاه عن الحزن على الكفَّار، وغفر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخّر؛ فمن أين يأتيه الحزن؟! بل كان دائم البِشر ضحوك السِّنِّ، كما في صفته: «الضّحوك القتّال» (٢) صلوات الله وسلامه عليه. وأمّا الخبر المرويُّ: «إنّ الله يحبُّ كلَّ قلبٍ حزينٍ» فلا يعرف إسناده، ولا من رواه، ولا تعلم صحَّته (٣).

стр. 903

وعلى تقدير صحَّته فالحزن مصيبةٌ من المصائب التي يبتلي الله بها عبده، فإذا ابتلى به العبدَ فصبَرَ عليه أحبَّ صبْرَه على بلائه. وأمَّا الأثر الآخر: «إذا أحبَّ الله عبدًا نصب في قلبه نائحةً، وإذا أبغض عبدًا جعل في قلبه مزمارًا»، فأثرٌ إسرائيليٌّ، قيل: إنَّه في التوراة (١). وله معنًى صحيح، فإنَّ المؤمن حزين على ذنوبه، والفاجر لاهٍ لاعبٌ مترنِّم فرح. وأمّا قوله تعالى عن نبيِّه إسرائيل: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٨٤]، فهو إخبارٌ عن حاله بمُصابه بفقد ولده وحبيبه، وأنَّه ابتلاه بذلك كما ابتلاه بالتفريق بينه وبينه. وأجمع أرباب السُّلوك على أنَّ حزن الدُّنيا غير محمودٍ، إلَّا أبا عثمان الحِيريَّ فإنَّه قال: الحزن بكلِّ وجه فضيلةٌ وزيادةٌ للمؤمن ما لم يكن بسبب معصيةٍ، قال: لأنَّه إن لم يوجب تخصيصًا فإنَّه يوجب تمحيصًا (٢). فيقال: لا ريب أنّه محنةٌ وبلاءٌ من الله بمنزلة المرض والهمِّ والغمِّ، وأمَّا إنَّه من منازل الطريق فلا.

стр. 904

فصل قال صاحب «المنازل» ﵀ (١): (الحزن توجُّع لفائتٍ أو تأسُّفٌ على ممتنعٍ). يريد أنَّ ما يفوت الإنسان قد يكون مقدورًا له وقد لا يكون، فإن كان مقدورًا توجَّع لفوته، وإن كان غير مقدورٍ تأسَّف لامتناعه. قال: (وله ثلاث درجاتٍ، الأولى (٢): حزن العامَّة ، وهو حزنٌ على التفريط في الخدمة، وعلى التّورُّط في الجفاء، وعلى ضياع الأيام). التفريط في الخدمة عندهم فوق التفريط في العمل وتضييعه، بل هذا الحزن يكون مع القيام بالعمل، فإنَّ الخدمة عندهم من باب الأخلاق والآداب، لا من باب الأفعال، وهي حقُّ العبوديَّة وأدبها وواجبها، وصاحب هذا الحزن بالأولى أن يحزن لتضييع العمل. وأما (التورُّط في الجفاء)، فهو أيضًا أخصُّ من المعصية بارتكاب المحظور، لأنَّه قد يكون بفقد أنسٍ سابقٍ مع الله تعالى، فإذا توارى عنه تورَّط في الجفوة، فإنَّ الشّيخ ذكر الحزن في (قسم الأبواب) وهو عنده من (قسم البدايات) (٣).

стр. 905

وأمّا (تضييع الأيام)، فنوعان أيضًا: تضييعها بخلوِّها عن الطاعات، وتضييعها بخلوِّها عن مواجيد الإيمان وذوقِ (١) حلاوته، والأنسِ بالله وحسنِ الصُّحبة معه. فكلُّ واحدٍ من الثلاثة نوعان: لأهل البداية، وللسالكين المتوسِّطين. وكلامه يعمُّ النوعين، وإن كان بالثاني أخصَّ. (الدرجة الثانية: حزن أهل الإرادة ، وهو حزنٌ على تعلُّق القلب بالتفرقة، وعلى اشتغال النفس عن الشُّهود، وعلى التسلِّي عن الحزن) (٢). تعلُّق القلب بالتفرقة هو عدم الجمعيَّة في الحضور مع الله، وتشتُّت الخواطر في أودية المرادات. وأمّا (اشتغال النّفس عن الشُّهود)، فهو نوعان: اشتغالها عن الذِّكر الذي يوجب الشُّهود ويثمره بغيره. والثاني: اشتغالها به عن الشُّهود لضعف الذِّكر، أو لضعف القلب عن الشُّهود، أو لمانعٍ آخر. ولكن إذا قهر الشُّهودُ النفسَ لم تتمكَّن من التشاغل عنه، إلا بقاهرٍ يقهرها عنه. وأمّا (التسلِّي عن الحزن)، يعني أنَّ وجود الحزن في القلب دليلٌ على الإرادة والطلب، ففقده والتسلِّي عنه نقصٌ، فيحزن على فقد الحزن، كما يبكي على فقد البكاء، ويخاف من عدم الخوف. وهذا فيه نظر، وإنما يُحمَد الحزن على فقد الحزن إذا اشتغل بفرح

стр. 906

مذموم (١). أمَّا إذا اشتغل عن الحزن بفرحٍ محمودٍ، وهو الفرح بفضل الله ورحمته، فلا معنى للحزن على فوات الحزن. قال (٢): (وليست الخاصَّة من مقام الحزن في شيءٍ، لأنَّ الحزن فقدٌ، والخاصَّة أهل وجدانٍ). وهذا إن أراد به أنّه لا ينبغي لهم تعمُّد الحزن فصحيحٌ، وإن أراد أنه لا يعرض لهم حزنٌ فليس كذلك، والحزن من لوازم الطبيعة، ولكنه ليس (٣) بمقامٍ. قال (٤): (الدرجة الثالثة من الحزن: التحزُّن للمعارضات دون الخواطر، ومعارضات القصود، واعتراضات الأحكام). هذه ثلاثة أمورٍ بحسب الشُّهود والإرادة. الأولى: حزن المعارضات، فإنَّ القلب يعترضه وارد الرجاء ــ مثلًا ــ فلم ينشب أن يعارضه وارد الخوف، وبالعكس، ويعترضه وارد البسط فلم ينشب أن يعترضه وارد القبض، ويَرِد عليه وارد الأنس فيعترضه وارد الهيبة، فيوجب له اختلاف هذه المعارضات عليه حزنًا لا محالة.

стр. 907

وليست هذه المعارضات من قبيل الخواطر، بل من قبيل الواردات الإلهيَّة، فلذلك قال: (دون الخواطر)، فإنَّ معارضات الخواطر غير هذا. وعند القوم هذا من آثار الأسماء والصِّفات، واتِّصال أشعَّة أنوارها بالقلب، وهو المسمَّى عندهم بالتجلِّي. وأمّا (معارضاتُ القصود)، فهو أصعب ما على القوم، وفيه يظهر اضطرارهم إلى العلم فوقَ كلِّ ضرورةٍ، فإنَّ الصادق يتحرَّى في سلوكه كلِّه أحبَّ الطُّرق إلى الله، فإنّه سالكٌ به وإليه، فيعترضه طريقان لا يدري أيُّهما أرضى لله وأحبُّ إليه، فمنهم من يحكِّم العلم بجهده استدلالًا، فإن عجز فتقليدًا، فإن عجز عنهما سكن ينتظر ما يَحكم له به القدرُ ويُخلي باطنه من المقاصد جملةً. ومنهم من يُلقي الكلَّ على شيخه إن كان له شيخٌ. ومنهم من يلجأ إلى الاستخارة والدُّعاء، ثمَّ ينتظر ما يجري به القدر. وأصحاب العزائم يبذلون وسعهم في طلب الأرضى علمًا ومعرفةً، فإن أعجزهم قنعوا بالظنِّ الغالب، فإن تساوى عندهم الأمران، قدَّموا أرجحهما مصلحةً. ولترجيح المصالح رتبٌ متفاوتةٌ، فتارةً تترجَّح بعموم النفع، وتارةً تترجَّح بزيادة الإيمان، وتارةً تترجَّح بمخالفة النفس، وتارةً تترجَّح باستجلاب مصلحةٍ أخرى بها لا تحصل من غيرها، وتارةً تترجَّح بأمنها من الخوف من مفسدةٍ لا تؤمَن في غيرها. فهذه خمس جهاتٍ من التّرجيح، قلَّ أن تُعدَم واحدةٌ منها. فإن أعوزه ذلك كلُّه تخلَّى عن الخواطر جملةً، وانتظر ما يحرِّكه به محرِّك القدر، وافتقر إلى ربِّه افتقار مستنزلٍ ما يرضيه ويحبُّه، فإذا جاءته الحركة استخار الله وافتقر إليه افتقارًا ثانيًا خشيةَ أن تكون تلك الحركة نفسيةً

стр. 908

أو شيطانيةً، لعدم العصمة في حقِّه واستمرار المحنة بعدوِّه (١) ما دام في عالم الابتلاء والامتحان، ثمَّ أقدم على الفعل. فهذا نهاية ما في مقدور الصَّادقين. ولأهل الجهاد في هذا من الهداية والكشف ما ليس لأهل المجاهدة، ولهذا قال الأوزاعيُّ وابن المبارك: إذا اختلف الناس في شيءٍ فانظروا ما عليه أهل الثغر ــ يعني أهل الجهاد ــ فإنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩] (٢). وأما (اعتراضات الأحكام)، فيجوز أن يريد به (٣) الأحكامَ الكونيّة، وهو أظهر، وأن يريد به الأحكام الدِّينيّة، فإنَّ أرباب الأحوال يقع منهم اعتراضاتٌ على الأحكام الجارية عليهم بخلاف ما يريدونه، فيحزنون عند إدراكهم لتلك الاعتراضات على ما صدر منهم من سوء الأدب، وتلك الاعتراضات هي إراداتهم خلاف ما جرى لهم به القدر، فيحزن على عدم الموافقة وإرادة خلاف ما أريد به. وإن كان المراد به الأحكام الدِّينية، فإنَّهم تعرِض لهم أحوالٌ لا يمكنهم الجمع بينها وبين أحكام الأمر كما تقدَّم، فلا يجدون بدًّا من القيام بأحكام الأمر، ولا بدَّ أن يحدث لهم نوع اعتراضٍ خفيٍّ أو جليٍّ بحسب انقطاعهم عن الحال بالأمر، فيحزنون لوجود هذه المعارضة، فإذا قاموا بأحكام الأمر

стр. 909

ورأوا أنَّ المصلحة في حقِّهم ذلك وحمدوا عاقبته حزنوا على تسرُّعهم إلى المعارضة. فالتسليم لداعي العلم واجبٌ، ومعارضة الحال من قبيل الإرادات والعلل، فيحزن على بقيتها فيه، والله أعلم. * * * *

стр. 910

فصل ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة الخوف ، وهي من أجلِّ منازلها وأنفعها للقلب. وهو فرضٌ على كلِّ أحدٍ، قال تعالى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥]، وقال تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ (١) [البقرة: ٤١]، وقال: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٤٤]. ومدح أهله في كتابه وأثنى عليهم فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٧ - ٦١]. وفي «المسند» والترمذي (٢) عن عائشة ﵂ قالت: قلت يا رسول الله، ﴿الَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ أهو الذي يزني ويشرب الخمر ويسرق؟ قال: «لا يا ابنة الصِّدِّيق، ولكنَّه الرجل يصوم ويصلِّي ويتصدَّق، ويخاف أن لا يقبل منه».

стр. 911

قال الحسن ﵁: عملوا واللهِ (١) بالطاعات واجتهدوا فيها، وخافوا أن تُردَّ عليهم؛ إنَّ المؤمن جمع إحسانًا وخشيةً، والمنافق جمع إساءةً وأمنًا (٢). و «الوجل» و «الخوف» و «الخشية» و «الرهبة» ألفاظ متقاربة غير مترادفة. قال أبو القاسم الجنيد ﵁: الخوف توقُّع العقوبة على مجاري الأنفاس (٣). وقيل: الخوف اضطراب القلب وحركته من تذكُّر المخوف. وقيل: الخوف قوَّة العلم بمجاري الأحكام (٤). وهذا سبب الخوف، لا أنّه نفسه. وقيل: الخوف هرب القلب من حلول المكروه عند استشعاره. والخشية أخصُّ من الخوف، فإنَّ الخشية للعلماء بالله، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، فهي خوفٌ مقرونٌ بمعرفة، وقال النبيُّ ﷺ : «إنِّي أتقاكم لله وأشدُّكم له خشيةً» (٥).

стр. 912

فالخوف حركة، والخشية انجماع وانقباض وسكون؛ فإنَّ الذي يرى العدوَّ والسَّيل ونحو ذلك له حالتان: إحداهما: حركته للهرب منه، وهي حالة الخوف. والثانية: سكونه وقراره في مكانٍ لا يصل إليه، وهي الخشية. ومنه: انخشَّ الشيءُ (١)، والمضاعف والمعتلُّ أخوان، كتقضَّى البازيُّ وتقضَّض. وأمّا الرهبة فهي الإمعان في الهرب من المكروه، وهي ضدُّ الرَّغبة التي هي سفر القلب في طلب المرغوب فيه. وبين الرَّهب والهرب تناسبٌ في اللفظ والمعنى، يجمعهما الاشتقاق الأوسط الذي هو عقد تقاليب الكلمة على معنًى جامعٍ. وأمّا الوجل فرَجَفان القلب وانصداعُه لذكر من يخاف سلطانه وعقوبته، أو لرؤيته. وأمّا الهيبة فخوفٌ مقارنٌ للتعظيم والإجلال، وأكثر ما يكون مع المعرفة والمحبة. والإجلال: تعظيمٌ مقرونٌ بالحبِّ. فالخوف لعامَّة المؤمنين، والخشية للعلماء العارفين، والهيبة للمحبِّين، والإجلال للمقرَّبين. وعلى قدر العلم والمعرفة يكون الخوف والخشية، كما قال ﷺ : «إنِّي لأعلمكم بالله وأشدُّكم له خشيةً (٢)» (٣)، وقال: «لو تعلمون ما

стр. 913

أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا، ولما تلذَّذتم بالنِّساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصُّعدات تجأرون إلى الله تعالى» (١). فصاحب الخوف يلتجئ إلى الهرب والإمساك، وصاحب الخشية يلتجئ إلى الاعتصام بالعلم، ومَثَلُهما مثل من لا علم له بالطِّبِّ ومَثَل الطبيب الحاذق، فالأوَّل يلتجئ إلى الحِمْية والهرب، والطبيب يلتجئ إلى معرفته بالأدوية والأدواء. قال أبو حفصٍ (٢): الخوف سوط الله يقوِّم به الشّارد (٣) عن بابه، وقال: الخوف سراجٌ في القلب، به يُبصر ما فيه من الخير والشرِّ (٤). وكلُّ أحدٍ إذا خفته هربت منه إلا الله تعالى، فإنك إذ خفتَه هربتَ إليه، فالخائف هاربٌ من ربِّه إلى ربِّه. قال أبو سليمان ﵀ (٥): ما فارق الخوف قلبًا إلا خرب.

стр. 914

وقال إبراهيم بن شيبان (١): إذا سكن الخوف القلبَ (٢) أحرق مواضع الشهوات منه وطرد الدُّنيا عنه (٣). وقال ذو النُّون ﵀: النّاس على الطّريق ما لم يَزُل عنهم الخوف، فإذا زال عنهم الخوف ضلُّوا عن الطّريق (٤). وقال حاتم الأصمُّ: لا تغترَّ بمكانٍ صالحٍ، فلا مكان أصلح من الجنّة ولقي آدم فيها ما لقي. ولا تغترَّ بكثرة العبادة، فإنَّ إبليس بعد طول العبادة لقي ما لقي. ولا تغترَّ بكثرة العلم، فإنَّ بَلْعام بن باعورا (٥) لقي ما لقي وكان يعرف الاسم الأعظم. ولا تغترَّ بلقاء الصالحين ورؤيتهم، فلا شخص أصلح من النبيِّ ﷺ ولم ينتفع بلقائه أعداؤه والمنافقون (٦). والخوف ليس مقصودًا لذاته، بل مقصودًا لغيره قصدَ الوسائل، ولهذا يزول بزوال المخوف، فإنَّ أهل الجنة لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون.

стр. 915

والخوف يتعلّق بالأفعال، والمحبَّة تتعلّق بالذات والصِّفات، ولهذا تتضاعف محبَّة المؤمنين لربِّهم إذا دخلوا دار النعيم، ولا يلحقهم فيها خوفٌ، ولهذا كانت منزلة المحبَّة ومقامُها أعلى وأرفعَ من منزلة الخوف ومقامه. والخوف المحمود الصادق: ما حال بين صاحبه وبين محارم الله، فإذا تجاوز ذلك خيف منه اليأس والقنوط. قال أبو عثمان ﵁ (١): صدق الخوف هو الورع عن الآثام ظاهرًا وباطنًا. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيميَّة ﵀ يقول: الخوف المحمود ما حجزك عن محارم الله. وقال صاحب «المنازل» ﵀ (٢): (الخوف هو الانخلاع من طمأنينة الأمن بمطالعة الخبر). يعني: الخروجَ عن سكون الأمن باستحضار ما أخبر الله به من الوعد والوعيد. قال: (وهو على ثلاث درجاتٍ، الدرجة الأولى: الخوف من العقوبة ، وهو الخوف الذي يصحُّ به الإيمان، وهو خوف العامَّة، وهو يتولَّد من تصديق الوعيد، وذكر الجناية، ومراقبة العاقبة). الخوف مسبوقٌ بالشُّعور والعلم، فمُحالٌ خوف الإنسان ممَّا لا شعور له
следующие страницы →