← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 199

مدارج السالكين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 526 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

قال الحسن ﵁: عملوا واللهِ (١) بالطاعات واجتهدوا فيها، وخافوا أن تُردَّ عليهم؛ إنَّ المؤمن جمع إحسانًا وخشيةً، والمنافق جمع إساءةً وأمنًا (٢). و «الوجل» و «الخوف» و «الخشية» و «الرهبة» ألفاظ متقاربة غير مترادفة. قال أبو القاسم الجنيد ﵁: الخوف توقُّع العقوبة على مجاري الأنفاس (٣). وقيل: الخوف اضطراب القلب وحركته من تذكُّر المخوف. وقيل: الخوف قوَّة العلم بمجاري الأحكام (٤). وهذا سبب الخوف، لا أنّه نفسه. وقيل: الخوف هرب القلب من حلول المكروه عند استشعاره. والخشية أخصُّ من الخوف، فإنَّ الخشية للعلماء بالله، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، فهي خوفٌ مقرونٌ بمعرفة، وقال النبيُّ ﷺ : «إنِّي أتقاكم لله وأشدُّكم له خشيةً» (٥).

стр. 912

فالخوف حركة، والخشية انجماع وانقباض وسكون؛ فإنَّ الذي يرى العدوَّ والسَّيل ونحو ذلك له حالتان: إحداهما: حركته للهرب منه، وهي حالة الخوف. والثانية: سكونه وقراره في مكانٍ لا يصل إليه، وهي الخشية. ومنه: انخشَّ الشيءُ (١)، والمضاعف والمعتلُّ أخوان، كتقضَّى البازيُّ وتقضَّض. وأمّا الرهبة فهي الإمعان في الهرب من المكروه، وهي ضدُّ الرَّغبة التي هي سفر القلب في طلب المرغوب فيه. وبين الرَّهب والهرب تناسبٌ في اللفظ والمعنى، يجمعهما الاشتقاق الأوسط الذي هو عقد تقاليب الكلمة على معنًى جامعٍ. وأمّا الوجل فرَجَفان القلب وانصداعُه لذكر من يخاف سلطانه وعقوبته، أو لرؤيته. وأمّا الهيبة فخوفٌ مقارنٌ للتعظيم والإجلال، وأكثر ما يكون مع المعرفة والمحبة. والإجلال: تعظيمٌ مقرونٌ بالحبِّ. فالخوف لعامَّة المؤمنين، والخشية للعلماء العارفين، والهيبة للمحبِّين، والإجلال للمقرَّبين. وعلى قدر العلم والمعرفة يكون الخوف والخشية، كما قال ﷺ : «إنِّي لأعلمكم بالله وأشدُّكم له خشيةً (٢)» (٣)، وقال: «لو تعلمون ما

стр. 913

أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا، ولما تلذَّذتم بالنِّساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصُّعدات تجأرون إلى الله تعالى» (١). فصاحب الخوف يلتجئ إلى الهرب والإمساك، وصاحب الخشية يلتجئ إلى الاعتصام بالعلم، ومَثَلُهما مثل من لا علم له بالطِّبِّ ومَثَل الطبيب الحاذق، فالأوَّل يلتجئ إلى الحِمْية والهرب، والطبيب يلتجئ إلى معرفته بالأدوية والأدواء. قال أبو حفصٍ (٢): الخوف سوط الله يقوِّم به الشّارد (٣) عن بابه، وقال: الخوف سراجٌ في القلب، به يُبصر ما فيه من الخير والشرِّ (٤). وكلُّ أحدٍ إذا خفته هربت منه إلا الله تعالى، فإنك إذ خفتَه هربتَ إليه، فالخائف هاربٌ من ربِّه إلى ربِّه. قال أبو سليمان ﵀ (٥): ما فارق الخوف قلبًا إلا خرب.

стр. 914

وقال إبراهيم بن شيبان (١): إذا سكن الخوف القلبَ (٢) أحرق مواضع الشهوات منه وطرد الدُّنيا عنه (٣). وقال ذو النُّون ﵀: النّاس على الطّريق ما لم يَزُل عنهم الخوف، فإذا زال عنهم الخوف ضلُّوا عن الطّريق (٤). وقال حاتم الأصمُّ: لا تغترَّ بمكانٍ صالحٍ، فلا مكان أصلح من الجنّة ولقي آدم فيها ما لقي. ولا تغترَّ بكثرة العبادة، فإنَّ إبليس بعد طول العبادة لقي ما لقي. ولا تغترَّ بكثرة العلم، فإنَّ بَلْعام بن باعورا (٥) لقي ما لقي وكان يعرف الاسم الأعظم. ولا تغترَّ بلقاء الصالحين ورؤيتهم، فلا شخص أصلح من النبيِّ ﷺ ولم ينتفع بلقائه أعداؤه والمنافقون (٦). والخوف ليس مقصودًا لذاته، بل مقصودًا لغيره قصدَ الوسائل، ولهذا يزول بزوال المخوف، فإنَّ أهل الجنة لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون.

стр. 915

والخوف يتعلّق بالأفعال، والمحبَّة تتعلّق بالذات والصِّفات، ولهذا تتضاعف محبَّة المؤمنين لربِّهم إذا دخلوا دار النعيم، ولا يلحقهم فيها خوفٌ، ولهذا كانت منزلة المحبَّة ومقامُها أعلى وأرفعَ من منزلة الخوف ومقامه. والخوف المحمود الصادق: ما حال بين صاحبه وبين محارم الله، فإذا تجاوز ذلك خيف منه اليأس والقنوط. قال أبو عثمان ﵁ (١): صدق الخوف هو الورع عن الآثام ظاهرًا وباطنًا. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيميَّة ﵀ يقول: الخوف المحمود ما حجزك عن محارم الله. وقال صاحب «المنازل» ﵀ (٢): (الخوف هو الانخلاع من طمأنينة الأمن بمطالعة الخبر). يعني: الخروجَ عن سكون الأمن باستحضار ما أخبر الله به من الوعد والوعيد. قال: (وهو على ثلاث درجاتٍ، الدرجة الأولى: الخوف من العقوبة ، وهو الخوف الذي يصحُّ به الإيمان، وهو خوف العامَّة، وهو يتولَّد من تصديق الوعيد، وذكر الجناية، ومراقبة العاقبة). الخوف مسبوقٌ بالشُّعور والعلم، فمُحالٌ خوف الإنسان ممَّا لا شعور له

стр. 916

به. وله متعلَّقان، أحدهما: نفس المكروه المحذورِ وقوعُه، والثاني: السبب والطريق المفضي إليه؛ فعلى قدر شعوره بإفضاء السبب إلى المَخُوف وبقدر المخوف يكون خوفُه. وما نقص من شعوره بأحد هذين نقص من خوفه بحسبه، فمن لم يعتقد أن سبب كذا يفضي إلى محذور كذا لم يخَفْ من ذلك السبب، ومن اعتقد أنَّه يفضي إلى مكروهٍ ما ولم يعرف قدرَه لم يخَفْ منه ذلك الخوف، فإذا عرف قدر المَخُوف وتيقَّن إفضاءَ السبب حصل له الخوف. هذا معنى تولُّده من تصديق الوعيد وذِكر الجناية ومراقبة العاقبة. وفي مراقبة العاقبة زيادةُ استحضار المخوف وجعلُه نُصْبَ عينه بحيث لا ينساه، فإنَّه وإن كان عالمًا به لكنَّ نسيانَه وعدمَ مراقبته يحول بين القلب (١) وبين الخوف، فلذلك كان الخوف علامة صحَّة الإيمان، وترحُّلُه من القلب علامة ترحُّل الإيمان منه. فصل قال (٢): (الدرجة الثانية: خوف المكر في جريان الأنفاس المستغرقة في اليقظة المشوبةِ بالحلاوة). يريد أنّ من حصلت له اليقظة بلا غفلةٍ، واستغرقت أنفاسه فيها، واستحلى ذلك فإنَّه لا أحلى من الحضور في اليقظة= فإنَّه ينبغي أن يخاف المكر وأن يُسلَب هذا الحضور واليقظة والحلاوة، فكم من مغبوطٍ بحاله انعكس عليه الحال، ورجع من حسن المعاملة إلى قبيح الأعمال، فأصبح

стр. 917

يقلِّب كفّيه ويضرب باليمين على الشِّمال! بينما بَدْرُ أحوالِه مستنيرًا في ليالي التَّمام، إذ أصابه الكسوف فدخل في الظَّلام، فبُدِّل بالأنس وحشةً، وبالحضور غيبةً، وبالإقبال إعراضًا، وبالتقريب إبعادًا، وبالجمع تفرقةً، كما قيل (١): أحسنت ظنَّك بالأيَّام إذ حسنت ... ولم تخَفْ سوءَ ما يأتي به القدرُ وسالمتْك اللَّيالي فاغتررتَ بها ... وعند صفو اللّيالي يَحدُث الكدرُ قال (٢) (٣): (وليس في مقام أهل الخصوص وحشة الخوف، إلا هيبة الجلال، وهي أقصى درجةٍ يشار إليها في غاية الخوف). يعني: أنَّ وحشة الخوف إنّما تكون مع الانقطاع والإساءة، وأهلُ الخصوص أهل وصولٍ إلى الله تعالى وقربٍ منه، فليس خوفهم خوفَ وحشةٍ كخوف المسيئين المنقطعين، لأنَّ الله معهم بصفة الإقبال عليهم والمحبّة لهم. وهذا بخلاف هيبة الجلال، فإنَّها متعلِّقةٌ بذاته وصفاته، وكلَّما كان عبدُه به أعرفَ وإليه أقربَ كانت هيبةُ جلالِه (٤) في قلبه أعظم، وهي أعلى من درجة خوف العامَّة.

стр. 918

قال (١): (وهي هيبةٌ تعارض المكاشف أوقات المناجاة، وتصون المسامر (٢) أحيان المسامرة، وتفصم المعاين بصدمة العزَّة). يعني: أنَّ أكثر ما تكون الهيبة أوقات المناجاة، وهي وقت تملُّق العبد ربَّه، وتضرُّعِه بين يديه واستعطافه والثَّناء عليه بآلائه وأسمائه وأوصافه، أو مناجاته بكلامه، هذا هو مراد القوم بالمناجاة. وهذه المناجاة توجب كشف الغطاء بين القلب وبين الربِّ، ورفع الحجاب المانع من مكافحة القلب لأنوار أسمائه وصفاته، وتجلِّيها عليه، فتعارضه الهيبة في خلال هذه الأوقات، فتقبض مِن عَنان مناجاته بحسب قوَّة واردها. وأمّا صون المسامر (٣) أحيان المسامرة: فالمسامرة عندهم أخصُّ من المناجاة، وهي مخاطبة القلب للربِّ خطابَ المحبِّ لمحبوبه، فإن لم تقارنها هيبة جلاله، أخذت به في نوع (٤) الانبساط والإدلال، فتجيء الهيبة صائنةً للمسامر في مسامرته من انخلاعه من أدب العبوديَّة. وأمّا فصمها المعاين بصدمة العزَّة، فإنَّ الفصم: القطع، أي تكاد تقتله وتمحقه بصدمة عزَّة الربوبية بمعانيها الثلاثة، وهي: عزَّة الامتناع، وعزَّة القوَّة والشدَّة، وعزَّة السُّلطان والقهر، فإذا صدمت المعاين كادت تفصمه وتمحق أثره، إذ لا يقوم لعزَّة الربوبية شيء.

стр. 919

فصل القلب في سيره إلى الله بمنزلة الطائر، فالمحبّة رأسه، والخوف والرجاء جناحاه، فمتى سلم الرأس والجناحان فالطَّير جيِّد الطّيران، ومتى قُطع الرأس مات الطائر، ومتى عدم الجناحان فهو عرضةٌ لكلِّ صائدٍ وكاسرٍ، ولكنَّ السلف استحبُّوا أن يقوى في الصِّحة جناحُ الخوف على جناح الرجاء، وعند الخروج من الدُّنيا يقوى جناح الرجاء على جناح الخوف. هذه طريقة أبي سليمان وغيره، قال: وينبغي للقلب أن يكون الغالب عليه الخوف، فإنه إذا كان الغالب عليه الرجاء فسد (١). وقال غيره: أكمل الأحوال اعتدال الرجاء والخوفِ وغلبةُ الحبِّ، فالمحبَّة هي المركب، والرجاء حادٍ، والخوف سائق، والله الموصل بمنِّه وكرمه. * * * *

стр. 920

فصل ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة الإشفاق ؛ قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٩]، وقال تعالى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٥) قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (٢٦) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٥ - ٢٧]. الإشفاق رقَّة الخوف، وهو خوفٌ برحمةٍ من الخائف لمن يخاف عليه، فنسبته إلى الخوف نسبة الرَّأفة إلى الرحمة، فإنَّها ألطف الرحمة وأرقُّها. ولهذا قال صاحب «المنازل» ﵀ (١): (الإشفاق: دوام الحَذَر مقرونًا بالترحُّم، وهو على ثلاث درجاتٍ، الأولى: إشفاق على النفس أن تجمح إلى العناد). أي: تُسرعَ وتذهبَ إلى طريق الهوى والعصيان ومعاندة العبوديَّة. (وإشفاقٌ على العمل: أن يصير إلى الضياع). أي: يخاف على عمله أن يكون من الأعمال التي قال الله تعالى فيها: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]، وهي الأعمال التي كانت لغير الله، وعلى غير أمره وسنَّة رسوله. ويخاف أيضًا أن يضيع عملُه في المستقبل، إمَّا بتركه، وإمَّا بمعاصٍ (٢)

стр. 921

تُغرقه (١) وتُحيط (٢) به فيذهب ضائعًا، ويكون حال صاحبه كالحال التي قال الله تعالى: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾ [البقرة: ٢٦٦]. قال عمر ﵁ للصحابة ﵃ يومًا: فيمن ترون هذه الآية نزلت؟ فقالوا: الله أعلم، فغضب عمر ﵁ وقال: قولوا: نعلم أو لا نعلم، فقال ابن عبَّاس ﵄: في نفسي منها شيءٌ يا أمير المؤمنين. قال: يا ابن أخي، قُل ولا تحقرنَّ نفسك. قال ابن عبَّاس ﵄: ضربت مثلًا لعملٍ. قال عمر: أيُّ عملٍ؟ قال ابن عباس: لعملٍ. قال عمر: لرجلٍ غنيٍّ يعمل بطاعة الله، بعث (٣) الله له الشيطان، فعمل بالمعاصي حتَّى أغرق (٤) أعماله (٥). قال (٦): (وإشفاقٌ على الخليقة لمعرفة معاذيرها). هذا قد يوهم نوعَ تناقضٍ، فإنَّه كيف يُشفق مع معرفة العذر؟ وليس بمتناقضٍ، فإنَّ الإشفاق ــ كما تقدَّم ــ خوف مقرون برحمةٍ، فيشفق عليهم من

стр. 922

جهة مخالفة الأمر والنهي، مع نوع رحمةٍ بملاحظة جرَيان القَدَر عليهم. قال (١): (الدرجة الثانية: إشفاقٌ على الوقت أن يشوبه تفرُّق). أي يحذر على وقته أن يخالطه ما يفرِّقه عن الحضور مع الله . قال: (وعلى القلب أن يزاحمه عارضٌ). والعارض المزاحم إمّا فترةٌ، وإمَّا شبهةٌ، وإمَّا شهوةٌ، وهو كلُّ سببٍ (٢) يعوق السالك. قال: (وعلى اليقين أن يُداخله سبب). اليقين هو الطُّمأنينة إلى مَن الأسبابُ كلُّها بيديه (٣)، فمتى داخل يقينَه ركونٌ إلى سببٍ وتعلُّقٌ به وطمأنينةٌ (٤) إليه قدح ذلك في يقينه. وليس المراد قطعَ الأسباب عن أن تكون أسبابًا والإعراضَ عنها، فإنَّ هذا زندقة وكفر ومحال، فإنَّ الرسول سببٌ في حصول الهداية والإيمان، والأعمال الصالحة سبب لحصول النجاة، والكفر سبب لدخول النار، والأسباب المشاهَدة أسبابٌ لمسبَّباتها؛ ولكن الذي يريد: أن يَحذَرَ من إضافة يقينه إلى سببٍ غير الله، ولا (٥) يتعلَّق بالأسباب، بل يفنى بالمسبِّب عنها.

стр. 923

والشيخ ﵀ ممَّن يبالغ في إنكار الأسباب، ولا يرى وراء الفناء في توحيد الربوبية غايةً، وكلامه في الدرجة الثالثة في معظم الأبواب يرجع إلى هذين الأصلين. وقد عرفتَ ما فيهما، وأنَّ الصواب خلافهما، وهو إثبات الأسباب والقوى، وأنَّ الفناء في توحيد الربوبية ليس هو غايةَ الطريق، بل فوقه ما هو أجلُّ منه وأعلى وأشرف. ومن هاتين القاعدتين عرَضَ في كتابه من الأمور التي أُنكرِت عليه ما عرض. قال (١): (الدرجة الثالثة: إشفاقٌ يصون سعيه عن العجب، ويكفُّ صاحبه عن مخاصمة الخلق، ويحمل المريد على حفظ الجدِّ). الأوّل يتعلَّق بالعمل، والثاني بالخُلُق، والثالث بالإرادة، وكلٌّ منها له ما يفسده. فالعجب يفسد العملَ كما يفسده الرِّياء، فيشفق على سعيه من هذا المفسد شفقةً تصونه عنه. والمخاصمة للخلق مُفسدةٌ للخلق، فيشفق على خلقه من هذا المُفسد شفقةً تصونه عنه. والإرادة يفسدها عدمُ الجدِّ، وهو الهزل واللعب، فيشفق على إرادته ممَّا يفسدها. فإذا صحَّ له عمله وخُلُقه وإرادته استقام سلوكه وقلبه وحاله، والله المستعان. * * * *

стр. 924

فصل ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة الخشوع ؛ قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ نَزَّلَ وَلَا يَكُونُوا﴾ [الحديد: ١٦]. قال ابن مسعودٍ ﵁: ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتَبَنا اللهُ بهذه الآية إلا أربع سنين (١). وقال ابن عباس ﵄: إنَّ الله استبطأ قلوب المؤمنين، فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنةً من نزول القرآن (٢). وقال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١]. والخشوع في أصل اللُّغة: الانخفاض والذلُّ والسُّكون. قال تعالى: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ [طه: ١٠٨]، أي: سكنت وذلَّت وخضعت. ومنه وصف الأرض بالخشوع، وهو يُبْسها وانخفاضها وعدم ارتفاعها بالريِّ والنَّبات، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [فصلت: ٣٩]. والخشوع: قيام القلب بين يدي الرّبِّ تعالى بالخضوع والذلَّة والجمعيَّة عليه.

стр. 925

وقيل: الخشوع الانقياد للحقِّ، وهذا من موجبات الخشوع، فمن علاماته أنَّ العبد إذا خولف أو رُدَّ عليه بالحقِّ استقبل ذلك بالقبول والانقياد. وقيل: الخشوع خمود نيران الشَّهوة، وسكون دخان الصَّدر، وإشراق نور التعظيم في القلب (١). وقال الجنيد ﵀: الخشوع تذلُّل القلوب لعلَّام الغيوب (٢). وأجمع العارفون على أنّ الخشوع محلُّه القلب، وثمرته على الجوارح فهي تظهره. ورأى النبيُّ ﷺ رجلًا يعبث بلحيته في الصلاة فقال: «لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه» (٣). (٤) ورأى بعضهم رجلًا خاشع المنكبين والبدن، فقال: يا فلان، الخشوع هاهنا وأشار إلى صدره، لا هاهنا وأشار إلى منكبيه (٥).

стр. 926

وكان بعض الصحابة (١) ﵃ يقول: أعوذ بالله من خشوع النِّفاق (٢)، فقيل له: وما خشوع النِّفاق؟ فقال: أن ترى الجسد خاشعًا والقلبُ غير خاشعٍ (٣). (٤) وقال الفضيل بن عياضٍ ﵀: كان يُكره أن يُري الرجلُ من الخشوع أكثر ممَّا في قلبه (٥). وقال حذيفة ﵁: أوَّل ما تفقدون من دينكم الخشوع (٦)، ويوشك

стр. 927

أن تدخل مسجد الجماعة فلا ترى فيهم خاشعًا (١). وقال سهلٌ (٢): من خشع قلبه لم يقرب منه الشّيطان. فصل قال صاحب «المنازل» ﵀ (٣): (الخشوع: خمود النفس وهمود الطِّباع لمتعاظَم أو مفزع). يعني: انقباضَ النفس والطبع، وهو خمود قوى النفس عن الانبساط لمن له في القلوب عظمةٌ ومهابةٌ، أو لما يفزع منه القلب. والحقُّ أنَّ الخشوع معنًى يلتئم من التعظيم والمحبَّة والذُّلِّ والانكسار. قال (٤): (وهو على ثلاث درجاتٍ، الدرجة الأولى: التذلُّل للأمر، والاستسلام للحكم، والاتِّضاع لنظر الحقِّ).

стр. 928

التذلُّل للأمر: تلقِّيه بذلَّة القبول والانقياد والامتثال، ومواطأة الظاهر الباطن، مع إظهار الضَّعف والافتقار إلى الهداية للأمر قبل الفعل، والإعانةِ عليه حال الفعل، وقبولِه بعد الفعل. وأمَّا (الاستسلام للحكم)، فيجوز أن يريد به الحكم الدِّيني الشَّرعي، فيكون معناه عدم معارضته برأي أو شهوةٍ؛ وأن يريد به الاستسلام للحكم القدريِّ، وهو عدم تلقِّيه بالتسخُّط والكراهة والاعتراض. والحقُّ أنَّ الخشوع: الاستسلامُ للحكمين، وهو الانقياد بالمسكنة والذُّلِّ لأمره وقضائه. وأمَّا (الاتِّضاع لنظر الحقِّ)، فهو اتِّضاع القلب والجوارح وانكسارُها لنظر الربِّ إليها واطِّلاعِه على تفاصيل ما في القلب والجوارح. وهذا أحد التأويلين في قوله تعالى: ﴿(٤٥) وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ [الرحمن: ٤٦]، وقولِه: ﴿(٣٩) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ﴾ [النازعات: ٤٠]، وهو مقام الربِّ على عبده بالاطِّلاع والقدرة والرُّبوبية. فخوفه من هذا المقام يوجب له خشوع القلب لا محالة، وكلَّما كان أشدَّ استحضارًا له كان أشدَّ خشوعًا، وإنَّما يفارق القلبَ الخشوعُ إذا غفل عن اطِّلاع الله عليه ونظره إليه. والتأويل الثاني: أنّه مقام العبد بين يدي ربِّه عند لقائه (١). فعلى الأوَّل يكون من باب إضافة المصدر إلى الفاعل، وعلى الثاني ــ وهو أليق بالآية ــ يكون من باب إضافة المصدر إلى المخوف.

стр. 929

فصل قال (١): (الدرجة الثانية: ترقُّب آفات النفس والعمل، ورؤية فضل كلِّ ذي فضلٍ عليك، وتنسُّم نسيم الفناء). يريد انتظارَ ظهور نقائص نفسك وعملك وعيوبهما (٢) لك، فإنَّه يجعل القلب خاشعًا لا محالة، لمطالعة عيوب نفسه وأعمالها (٣) ونقائصها مِن الكبر والعجب، والرِّياء، وضعف الصِّدق وقلَّة اليقين، وتشتُّت النيَّة وعدم تجرُّد الباعث من هوًى نفساني، وعدمِ إيقاع العمل على الوجه الذي ترضاه لربِّك، وغيرِ ذلك من عيوب النفس ومفسدات الأعمال. وأمَّا (رؤية فضل كلِّ ذي فضلٍ عليك)، فهو أن تراعي حقوق النَّاس فتؤدِّيها، ولا ترى أنَّ ما فعلوه معك من حقوقك عليهم فلا تعاوضهم عليها، فإنَّ هذا من رعونات النفس وحماقاتها. ولا تطالبهم بحقوق نفسك، وتعترف بفضل ذي الفضل منهم، وتنسى فضل نفسك. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيميَّة ــ قدّس الله روحه ــ يقول: العارف لا يرى له على أحدٍ حقًّا، ولا يشهد له على غيره فضلًا، فلذلك لا يعاتب، ولا يطالب، ولا يضارب (٤).

стр. 930

وأمّا (تنسُّم نسيم الفناء)، فلمَّا كان الفناء عنده غايةً جعل هذه الدرجة كالنسيم لرقَّته، وعبَّر عنها بالنسيم للطف موقعه من الرُّوح وشدَّة تشبُّثها به، ولا ريب أنَّ الخشوع سببٌ موصلٌ إلى الفناء، فاضلِه ومفضولِه. فصل قال (١): (الدرجة الثالثة: حفظ الحرمة عند المكاشفة، وتصفية الوقت من مُراياة (٢) الخلق، وتجريد رؤية الفضل). أمَّا (حفظ الحرمة عند المكاشفة)، فهو ضبط النَّفس بالذُّلِّ والانكسار عن البسط والإدلال الذي تقتضيه المكاشفة، فإنَّ المكاشفة توجب بسطًا، ويُخاف منه شطحٌ إن لم يصحبه خشوعٌ يحفظ الحرمة. وأمّا (تصفية الوقت من مراياة الخلق) فلا يريد به أنه يصفِّي وقته عن الرِّياء، فإنّ أصحاب هذه الدرجة أجلُّ قدرًا وأعلى من ذلك. وإنما المراد أنه يُخفي أحوالَه عن الخلق جهدَه كخشوعه وذلِّه وانكساره، لئلَّا يراها الناس فيعجبَه اطِّلاعُهم عليها ورؤيتهم لها، فيَفْسُد عليه قلبُه ووقته وحاله مع الله تعالى، وكم قد اقتطع (٣) في هذه المفازة من سالكٍ! والمعصوم من عصمه الله. فلا شيء أنفع للصادق من التحقُّق بالمسكنة والفاقة والذُّلِّ، وأنَّه لا شيء، وأنه ممَّن لم يصحَّ له بعدُ الإسلامُ حتَّى يدَّعي الشَّرَف. ولقد شاهدت من شيخ الإسلام ابن تيميّة ــ قدّس الله روحه ــ من ذلك

стр. 931

أمرًا لم أشاهده من غيره، وكان يقول كثيرًا: ما لي شيء، ولا منِّي شيء، ولا فيَّ شيء. وكان كثيرًا ما يتمثَّل بهذا البيت: أنا المكدِّي وابن المكدِّي ... وهكذا كان أبي وجدِّي (١) وكان إذا أُثني عليه في وجهه يقول: والله إنِّي إلى الآن أجدِّد إسلامي كلَّ وقتٍ، وما أسلمت بعدُ إسلامًا جيِّدًا. وبعث إليَّ في آخر عمره قاعدةً في التّفسير بخطِّه، وعلى ظهرها أبياتٌ بخطِّه من نظمه (٢): أنا الفقير إلى ربِّ البريَّات (٣) ... أنا المُسيكين في مجموع حالاتي أنا الظَّلوم لنفسي وهي ظالمتي ... والخير إن يأتنا (٤) من عنده يأتي لا أستطيع لنفسي جلب منفعةٍ ... ولا عن النفس في دفع المضرّات (٥) وليس لي دونه مولًى يدبِّرني ... ولا شفيعٌ إلى رب السماوات (٦)

стр. 932

ولست أملك شيئًا دونه أبدًا ... ولا شريكٌ أنا في بعض ذرّاتِ (١) ولا ظهيرَ له كي أستعينَ به (٢) ... كما يكون لأرباب الولايات (٣) وأمَّا (تجريد رؤية الفضل) فهو أن لا يرى الفضل والإحسان إلّا من الله وحده، فهو المانُّ به بلا سببٍ منك، ولا شفيعٍ لك تقدَّم إليه بالشفاعة، ولا وسيلةٍ سبقت منك توسَّلتَ بها إلى إحسانه. والتجريد هو تخليص شهود الفضل لوليِّه حتّى لا ينسبه إلى غيره، وإلا فهو في نفس الأمر مجرَّدٌ عن النِّسبة إلى سواه، وإنّما الشأن في تجريده في الشُّهود، ليطابق الشُّهودُ الحقَّ في نفس الأمر، والله أعلم. فصل فإن قيل: فما تقولون في صلاةِ مَن عَدِم الخشوعَ في صلاته، هل يعتدُّ له بها أم لا؟

стр. 933

قيل (١): أمَّا الاعتداد بها في الثواب فلا يعتدُّ له منها إلا بما عَقَل فيه (٢) وخشع فيه لربِّه. قال ابن عبّاسٍ ﵄: ليس لك من صلاتك إلَّا ما عقلت منها (٣). وفي «السنن» و «المسند» (٤) مرفوعًا: «إنَّ العبد ليصلِّي الصلاة ولم يُكتَب له إلا نصفُها، إلا ثلثُها، إلا رُبعُها ... » حتَّى بلغ عُشرَها. وقد علَّق الله فلاح المصلِّين بالخشوع في صلاتهم، فدلَّ على أنَّ مَن لم يخشع فيها فليس من أهل الفلاح، ولو اعتُدَّ له بها ثوابًا لكان من المفلحين. وأمَّا الاعتداد بها في أحكام الدُّنيا وسقوط القضاء، فإن غلب عليها الخشوع وتعقُّلها اعتُدَّ بها إجماعًا، وكانت السُّنن والأذكار عقيبها جوابرَ ومكمِّلاتٍ لنقصها. وإن غلب عليه عدم الخشوع فيها وعدم تعقُّلها، فقد اختلف الفقهاء في وجوب إعادتها، فأوجبها أبو عبد الله بن حامدٍ من أصحاب أحمد (٥)، وأبو حامدٍ الغزاليُّ في «إحيائه» (٦)، لا في «وسيطه» و «بسيطه».

стр. 934

واحتجُّوا بأنَّها صلاةٌ لا يثاب عليها، ولم يضمن له فيها الفلاح، فلم تبرأ ذمَّته منها ولم يسقط القضاء عنه كصلاة المرائي. قالوا: ولأنَّ الخشوع والعقل روح الصلاة ومقصودها ولبُّها، فكيف يعتَدُّ بصلاةٍ فقَدَتْ روحَها ولبَّها، وبقيت صورتُها وظاهرها؟ قالوا: ولو ترك العبد واجبًا من واجباتها عمدًا لأبطلها تركه, وغايته (١): أن يكون بعضًا من أبعاضها بمنزلة فوات عضوٍ من أعضاء العبد المعتَق في الكفَّارة؛ فكيف إذا عَدِمت روحَها ولبَّها ومقصودها، وصارت بمنزلة العبد الميِّت؟ فإذا لم يعتدَّ بالعبد المقطوع اليد يعتقه تقرُّبًا إلى الله تعالى في كفَّارةٍ واجبةٍ، فكيف يعتدُّ بالعبد الميِّت؟ ولهذا قال بعض السلف: الصلاة كجاريةٍ تهدى إلى ملكٍ من الملوك، فما الظّنُّ بمن يُهدي إليه جاريةً شلَّاء، أو عوراء، أو عمياء، أو مقطوعة اليد والرِّجل، أو مريضةً، أو زَمِنةً (٢)، أو قبيحةً، حتَّى يُهدي جاريةً ميِّتةً بلا روحٍ أو جاريةً قبيحةً؟ فهكذا الصلاة التي يُهديها العبد ويتقرَّب بها إلى ربِّه تعالى، والله طيِّبٌ لا يقبل إلّا طيِّبًا، وليس من العمل الطيِّب صلاةٌ لا روح فيها، كما أنّه ليس من العتق الطيِّب عتقُ عبدٍ لا روح فيه. قالوا: وتعطيل القلب عن عبوديَّة الحضور والخشوع تعطيلٌ لمَلِك الأعضاء عن عبوديَّته وعزلٌ له عنها، فماذا تغني طاعة الرعيَّة وعبوديَّتُها وقد عُزِل ملِكُها وتعطَّل؟

стр. 935

قالوا: والأعضاء تابعةٌ للقلب، تصلح بصلاحه وتفسد بفساده، فإذا لم يكن قائمًا بعبوديَّته، فالأعضاء أولى أن لا يُعتدَّ بعبوديتها. وإذا فسدت عبوديَّته بالغفلة والوسواس فأنَّى تصحُّ عبودية رعيَّته وجنده، ومادَّتُهم منه، وعن أمره يصدرون، وبه يأتمرون؟ قالوا: وفي «الترمذيِّ» (١) وغيره مرفوعًا إلى النبيِّ ﷺ : «إنَّ الله لا يستجيب الدُّعاء من قلبٍ غافلٍ». وهذا إمَّا خاصٌّ بدعاء العبادة، وإمَّا عامٌّ له ولدعاء المسألة، وإمّا خاصٌّ بدعاء المسألة الذي هو حقُّ (٢) العبد فهو تنبيهٌ على أنَّه لا يقبل دعاء العبادة الذي هو خالصُ حقِّه من قلب غافل. قالوا: ولأنَّ عبوديَّة مَن غلب عليه الغفلة والسهو في الغالب لا تكون مصاحبةً الإخلاصَ (٣)، فإنَّ الإخلاص قصد المعبود وحده بالتعبُّد، والغافل لا قصد له، فلا عبودية له. قالوا: وقد قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ

стр. 936

سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٤]، وليس السهو عنها تركها، وإلَّا لم يكونوا مصلِّين، وإنّما هو السهو عن واجبها، إمَّا الوقت كما قال ابن مسعودٍ وغيرُه (١)، وإمَّا الحضور والخشوع. والصواب أنَّه يعمُّ النوعين، فإنَّه سبحانه أثبت لهم صلاةً ووصفهم بالسهو عنها، فهو السهو عن وقتها الواجب أو إخلاصها وحضورها الواجب، ولذلك وصفهم بالرِّياء، ولو كان السهو سهوَ تركٍ لما كان هناك رياء. قالوا: ولو قدَّرنا أنَّه السهو عن واجب الوقت فقط، فهو تنبيهٌ على التّوعُّد بالويل على سهو الإخلاص والحضور بطريق الأولى لوجوهٍ: أحدها: أن الوقت يسقط في حال العذر وينتقل إلى بدله، والإخلاص والحضور لا يسقط بحالٍ ولا بدل له. الثاني: أن واجب الوقت يسقط لتكميل مصلحة الحضور، فيجوز الجمع بين الصلاتين للشُّغل المانع من فعل إحداهما في وقتها بلا قلبٍ ولا حضورٍ، كالمسافر والمريض وذي الشُّغل الذي يحتاج معه إلى الجمع، كما نصَّ عليه أحمد (٢) وغيره. فبالجملة: مصلحة الإخلاص والحضور وجمعيَّة القلب على الله تعالى في الصلاة أرجح في نظر الشارع من مصلحة سائر واجباتها، فكيف يظنُّ به أنَّه يُبطلها بترك تكبيرةٍ واحدةٍ، أو اعتدالٍ في ركنٍ، أو ترك حرفٍ أو شدَّةٍ من القراءة الواجبة، أو ترك تسبيحةٍ أو قول (سمع الله لمن حمده) أو (ربَّنا ولك

стр. 937

الحمد) أو ذكر رسوله بالصلاة عليه، ثمَّ يصحِّحها مع فوات لبِّها ومقصودها الأعظم وروحها وسرِّها؟! فهذا ما احتجّت به هذه الطّائفة، وهي حججٌ كما تراها قوةً وظهورًا. قال أصحاب القول الآخر: قد ثبت عن النبيِّ ﷺ في «الصحيح» (١) أنَّه قال: «إذا أذّن المؤذِّن أدبر الشّيطان له ضُراطٌ (٢) حتّى لا يسمع التَّأذين، فإذا قُضي التأذين أقبل، فإذا ثوِّب بالصّلاة أدبر، فإذا قضي التثويب أقبل حتَّى يَخطِر بين المرء وبين نفسه، فيذكِّره ما لم يكن يذكر، يقول: اذكر كذا، اذكر كذا، لِما لم يكن يذكر، حتَّى يظَلَّ (٣) الرجل إنْ يدري كم صلَّى، فإذا وجد ذلك أحدكم فليسجد سجدتين وهو جالس». قالوا: فأمَرَه ﷺ في هذه الصَّلاة التي قد أغفله الشيطان فيها حتَّى لم يدر كم صلّى بأن يسجد سجدتي السهو، ولم يأمره بإعادتها، ولو كانت باطلةً كما زعمتم لأمره بإعادتها. قالوا: وهذا هو السرُّ في سجدتي السهو، ترغيمًا للشَّيطان في وسوسته للعبد وكونه حال بينه وبين الحضور في الصلاة، ولهذا سمَّاهما النبيُّ ﷺ : «المرغمتين» (٤)، وأمر من سها بهما، ولم يفصِّل في سهوه الذي صدر عنه مُوجِب السُّجود بين القليل والكثير والغالب والمغلوب، وقال: «لكلِّ سهوٍ

стр. 938

سجدتان» (١) ولم يستثنِ من ذلك السهو الغالب مع أنَّه الغالب (٢). قالوا: ولأنَّ شرائع الإسلام على الأفعال الظاهرة، وأمَّا حقائق الإيمان الباطنة فتلك عليها شرائع الثواب والعقاب. فلله تعالى حكمان: حكمٌ في الدُّنيا على الشرائع الظاهرة وأعمال الجوارح، وحكم الآخرة (٣) على الحقائق والبواطن. ولهذا كان النبيُّ ﷺ يقبل علانية المنافقين ويكل سرائرهم إلى الله، ويناكحون ويرثون ويورثون، ويعتدُّ بصلاتهم في أحكام الدُّنيا، فلا يكون حكمهم حكم تارك الصلاة، إذ قد أتوا بصورتها الظاهرة. وأحكام الثواب والعقاب ليس إلى البشر، بل إلى الله يتولَّاه في الدار الآخرة. قالوا: فنحن في حكم شرائع الإسلام نحكم بصحة صلاة المنافق والمُرائي مع أنها تُسقط عنه العقاب ولا يحصل له الثواب، فصلاة المسلم الغافل المبتلى بالوسواس وغفلة القلب عن كمال حضوره أولى بالصحة. نعم، لا يحصل مقصود هذه الصلاة من ثواب الله عاجلًا ولا آجلًا، فإنَّ للصلاة مزيدًا عاجلًا في القلب من قوَّة إيمانه واستنارته، وانشراحه وانفساحه، ووَجْد حلاوة العبادة والفرح والسُّرور، واللذَّة التي تحصل لمن اجتمع قلبه وهمُّه على الله وحضر قلبُه بين يديه، كما يحصل لمن قرَّبه

стр. 939

السُّلطان منه وخصَّه بمناجاته والإقبال عليه، والله أعلى وأجلُّ. وكذلك ما يحصل لهذا من الدرجات العلى في الآخرة ومرافقة المقرَّبين. كلُّ هذا يفوته بفوات الحضور والخشوع، وإنَّ الرجلين ليكون مقامهما في الصفِّ واحدًا، وبين صلاتيهما كما بين السماء والأرض. وليس كلامنا في هذا كلِّه، فإن أردتم بوجوب الإعادة لتحصل هذه الثمرات والفوائد فذاك إليه، إن شاء أن يحصِّلها وإن شاء أن يفوِّتها على نفسه. وإن أردتم بوجوب الإعادة (١) أنَّا نلزمه بها ونعاقبه على تركها ونرتِّب عليه أحكام تارك الصلاة فلا. وهذا القول الثاني أرجح القولين، والله أعلم. * * * *

стр. 940

فصل ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة الإخبات . قال الله تعالى: ﴿الْمُخْبِتِينَ (٣٤)﴾ [الحج: ٣٤]، ثمَّ كشف عن معناهم فقال: ﴿إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٥)﴾ [الحج: ٣٥]. وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [هود: ٢٣]. الخبت في أصل اللُّغة: المكان المنخفض من الأرض. وبه فسَّر ابن عباس ﵄ وقتادة لفظ ﴿(٣٤)﴾ فقالا: هم المتواضعون (١). وقال مجاهد: المخبت: المطمئنُّ إلى الله، قال: والخبت: المكان المطمئنُّ من الأرض. وقال الأخفش: الخاشعون. وقال إبراهيم النخعيُّ: المخلصون. وقال الكلبيُّ: هم الرّقيقة قلوبهم. وقال عمرو بن أوسٍ: هم الذين لا يظلمون، وإذا ظُلِموا لم ينتصروا (٢). وهذه الأقوال تدور على معنيين: التواضع، والسُّكون إلى الله تعالى. ولذلك عدِّي بـ «إلى» تضمينًا لمعنى الطُّمأنينة والإنابة والسُّكون إلى الله.

стр. 941

قال صاحب «المنازل» (١): (هو من أوَّل مقامات الطُّمأنينة). يعني بمقامات الطمأنينة: السكينة، واليقين، والثِّقة بالله تعالى ونحوها. فالإخبات مقدِّمتها ومبدؤها. قال: (وهو ورود المسافر (٢) من الرُّجوع والتّردُّد). لمَّا كان الإخبات أول مقامٍ يتخلَّص فيه السالك من التّردُّدِ الذي هو نوع شك، والرجوعِ الذي هو نوع غفلةٍ وإعراضٍ، والسالكُ مسافر إلى ربِّه سائرٌ إليه على مدى أنفاسه، لا ينتهي سيره (٣) إليه ما دام نَفَسه يصحبه= شبَّه حصول الإخبات له بالماء العذب الذي يَرِده المسافر على ظمأٍ وحاجةٍ في أوَّل مناهله، فيرويه مورده ويزيل عنه خواطر تردُّده في إتمام سفره أو رجوعِه إلى وطنه لمشقَّة السّفر، فإذا ورد ذلك الماء زال عنه التّردُّد وخاطر الرجوع. كذلك السالك إذا ورد مورد الإخبات تخلَّص من التردُّد والرجوع، ونزل أوَّل منازل الطُّمأنينة لسفره (٤) وجدَّ في السّير. قال (٥): (وهو على ثلاث درجاتٍ. الدرجة الأولى: أن تستغرق العصمةُ الشهوةَ، وتستدرك الإرادةُ الغفلةَ، ويستهوي الطلبُ السَّلوة (٦)).

стр. 942

المريد السالك تعرض له غفلةٌ عن مراده تُضعف إرادتَه، وشهوةٌ تعارض إرادته فتصدُّه عن مراده، ورجوعٌ عن مراده سلوةً عنه. فهذه الدرجة من الإخبات تحميه عن هذه الثلاثة، فـ (تستغرق عصمته شهوته)، والعصمة هي الحماية والحفظ، والشهوة: الميل إلى مطالب النفس، والاستغراق للشيء: الاحتواء عليه والإحاطة به. يقول: تغلب عصمتُه شهوتَه وتقهرها، وتستوفي جميع أجزائها. فإذا استوفت العصمة جميع أجزاء الشَّهوة، فذلك دليل على إخباته ودخوله في مقام الطُّمأنينة ونزولِه منازلَها، وخَلاصِه في هذا المنزل من تردُّد الخواطر بين الإقبال والإدبار والرُّجوعِ والعزم، إلى الاستقامة والعزم الجازم والجدِّ في السَّير. وذلك علامة السكينة. و (تستدرك إرادتُه غفلتَه)، والإرادة عند القوم هي اسمٌ لأوَّل منازل القاصدين إلى الله تعالى، والمريد هو الذي قد خرج من وطن طبعه ونفسه وأخذ في السير إلى الله والدار الآخرة، فإذا نزل في منزلة الإخبات أحاطت إرادتُه بغفلته، فاستدركها (١) واستدرك بها فارطها. وأمَّا (استهواء طلبه لسلوته)، فهو قهر محبَّته لسلوته وغلبتُها له، بحيث تهوي السلوةُ وتسقط، كالذي يهوي في بئرٍ. وهذا علامة المحبَّة الصادقة أن تقهر واردَ السلوة وتدفنها في هُوَّةٍ لا تحيا بعدها أبدًا. فالحاصل: أنَّ عصمته وحمايته تقهر شهوته، وإرادته تقهر غفلته، ومحبَّته تقهر سلوته.

стр. 943

قال (١): (الدرجة الثانية: أن لا ينقُضَ إرادتَه سببٌ، ولا يوحش قلبَه عارضٌ، ولا يقطع عليه الطريق فتنةٌ). هذه ثلاثة أمورٍ أخرى تَعرِض (٢) لصاحب الإرادة (٣): سببٌ يعرض له ينقض (٤) عزمه وإرادته، ووحشةٌ تعرض له في طريق طلبه ولا سيَّما عند تفرُّده، وفتنةٌ تخرج عليه تقصد قطع الطريق عليه. فإذا تمكَّن من منزل الإخبات اندفعت عنه هذه الآفات، لأنَّ إرادته إذا قويت (٥) وجدَّ به (٦) السيرُ لم ينقضها سببٌ من أسباب التخلُّف. والنقض هو الرُّجوع عن إرادته والعدول عن جهة سفره. ولا يوحش أُنسَه بالله في طريقه عارضٌ من العوارض الشواغل للقلب والجواذب (٧) عمَّن هو متوجِّه إليه. والعارض هو المخالف، كالشيء الذي يعترضك في طريقك فيجيء في عرضها. ومِن أقوى هذه العوارض عارض وحشة التفرُّد، فلا يلتفِتْ إليه، كما قال بعض الصادقين (٨): انفرادك في طريق

стр. 944

طلبك دليلٌ على صدق الطلب. وقال آخر: لا تستوحش في طريق الحق من قلَّة السّالكين، ولا تغتَرَّ في الباطل بكثرة الهالكين. وأمّا (الفتنة التي تقطع عليه الطريق)، فهي الواردات التي ترد على القلوب، تمنعها من مطالعة الحقِّ وقصده. فإذا تمكَّن من منزل الإخبات وصحَّة الإرادة والطلب لم يطمع فيه عارض الفتنة. وهذه العزائم لا تصحُّ إلّا لمن أشرقت على قلبه أنوار آثار الأسماء والصِّفات، وتجلَّت عليه معانيها، وكافَحَ قلبُه حقيقة اليقين بها. وقد قيل: من أخذ العلم من عين العلم ثبت، ومَن أخذه من جَرَيانه أخذَتْه أمواجُ الشُّبه ومالت به العبارات واختلفت عليه الأقوال. قال (١): (الدرجة الثالثة: أن يستوي عنده المدح والذمُّ، وتدوم لائمته لنفسه، ويعمى عن نقصان الخلق عن درجته). متى (٢) استقرَّت قدمُ العبد في منزلة الإخبات وتمكَّن فيها ارتفعت همَّته وعَلَتْ نفسه عن خطفات (٣) المدح والذّمِّ، فلا يفرح بمدح الناس ولا يحزن لذمِّهم. هذا وصف من خرج عن حظِّ نفسه وتأهَّل للفناء في عبوديَّة ربِّه، وصار قلبه مَطْرحًا لأشعَّة أنوار الأسماء والصِّفات، وباشر حلاوةُ الإيمان واليقين قلبه. والوقوف عند مدح الناس وذمِّهم علامة انقطاع القلب وخلوِّه من الله

стр. 945

تعالى، وأنّه لم تباشره روحُ محبَّته ومعرفته، ولم يذق حلاوة التعلُّق به والطُّمأنينة إليه. قوله: (وأن تدوم لائمته لنفسه) فهو أنَّ صاحب هذا المنزل لا يرضى عن نفسه، وهو مبغضٌ لها متمنٍّ لمفارقتها. والمراد بالنَّفس (١) عند القوم: ما كان معلولًا من أوصاف العبد، مذمومًا من أخلاقه وأفعاله، سواءٌ كان ذلك كسبيًّا له أو خلقيًّا؛ فهو شديد اللّائمة لها. وهذا أحد التأويلين في قوله تعالى: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة: ٢]، قال سعيد بن جبيرٍ وعكرمة: تلوم على الخير والشرِّ، ولا تصبر على السرَّاء ولا على الضرَّاء. وقال قتادة: اللوَّامة (٢) الفاجرة. وقال مجاهد: تندم على ما فات وتقول: لو فعلتُ! ولو لم أفعل! وقال الفرَّاء: ليس من نفسٍ برَّةٍ ولا فاجرةٍ إلا وهي تلوم نفسها، إن كانت عملت خيرًا قالت: هلَّا زدت! وإن عملت شرًّا قالت: ليتني لم أفعل! وقال الحسن: هي النفس المؤمنة؛ إنَّ المؤمن واللهِ ما تراه إلَّا يلوم نفسه: ما أردت بكلامي؟ ما أردت بأكلتي (٣)؟ وإنَّ الفاجر يمضي قُدمًا قُدمًا ولا يحاسب نفسه ولا يعاتبها.

стр. 946

وقال مقاتلٌ: هي النفس الكافرة، تلوم نفسها في الآخرة على ما فرَّطت في أمر الله في الدنيا (١). والقصد: أنَّ من بذل نفسه لله بصدقٍ كره بقاءه معها، لأنَّه يريد أن يتقبَّلها من بُذلت له، لأنَّه قد قرَّبها له قربانًا. ومن قرَّب قربانًا فتُقبِّل منه ليس كمن رُدَّ عليه قربانه، فبقاء نفسه معه دليلٌ (٢) أنَّه لم يتقبَّل قربانه. وأيضًا، فإنَّه من قواعد القوم المجمَع عليها بينهم، التي اتَّفقت كلمة أوَّلهم وآخرهم ومُحقِّهم ومبطلهم عليها: أن النفس حجابٌ بين العبد وبين الله تعالى، وأنه لا يصل إلى الله تعالى حتَّى يقطع هذا الحجاب، كما قال أبو يزيدٍ ﵀: رأيت ربَّ العزَّة في المنام فقلت: يا ربِّ كيف الطريق إليك؟ فقال: خلِّ نفسك وتعال (٣). فالنفس جبل عظيم شاقٌّ في طريق السير إلى الله، وكلُّ سائرٍ فلا طريق له إلا على ذلك (٤) الجبل، فلابدَّ أن ينتهي إليه (٥). وأكثر السائرين منه رجعوا

стр. 947

على أعقابهم لمَّا عجزوا عن قطعه واقتحام عقبته (١). والشيطان على قُلَّة الجبل يحذِّر النّاس من صعوده وارتقائه ويخوِّفهم منه، فتتَّفق مشقَّة ذلك الجبل (٢) وقعودُ ذلك المخوِّف على قلَّته وضعفُ عزيمة السائر ونيته، فيتولَّد من ذلك الانقطاع والرُّجوع، والمعصوم من عصمه الله. وكلَّما رقي السائرُ في ذلك الجبل اشتدَّ به صياح القاطع وتحذيره وتخويفه، فإذا قطعه وبلغ قلَّته «فإذا المخاوف كلُّهن أمانُ» (٣). وحينئذٍ يُسْهِل (٤) وتزول عنه عوارض الطريق ومشقَّةُ عِقابها، ويرى طريقًا واسعًا آمنًا، به (٥) المنازلُ والمناهل، وعليه الأعلام، وفيه الإقامات، وفيه يَزَكُ الرحمن (٦).

стр. 948

فبين العبد وبين السعادة والفلاح قوةُ عزيمةٍ، وصبرُ ساعةٍ، وشجاعةُ نفسٍ، وثباتُ قلب، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. فصل قوله: (ويعمى عن نقصان الخلق عن درجته) يعني أنَّه وإن كان أعلى ممَّن دونه من الناقصين عن درجته، إلَّا أنَّه لاشتغاله بالله وامتلاء قلبه من محبَّته ومعرفته والإقبال عليه يشتغل عن ملاحظة حال غيره، وعن شهود النِّسبة بين حاله وأحوال الناس، ويرى اشتغاله بذلك والتفاته إليه نزولًا عن مقامه وانحطاطًا عن درجته ورجوعًا على عقبه. فإن هجم عليه ذلك بغير استدعاءٍ واختيارٍ فليُداوِه بشهود المنَّة وخوف المكر وعدم علمه بالعاقبة التي يوافي عليها. والله المستعان. * * * *

стр. 949

فصل ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة الزُّهد . قال الله تعالى: ﴿(٩٥) مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٩٦]. وقال تعالى: ﴿أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد: ٢٠]. وقال: ﴿(٢٣) إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ﴾ [يونس: ٢٤]. وقال: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (٤٥) الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف: ٤٥ - ٤٦]. وقال: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [النساء: ٧٧]. وقال: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٣١].

стр. 950

وقال: ﴿(١٥) تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: ١٦] (١). وقال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧) وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الكهف: ٧ - ٨]. وقال: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سَقْفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٣٣ - ٣٥]. والقرآن مملوءٌ من التزهيد في الدُّنيا والإخبار بخسَّتها وقلَّتها وانقطاعها وسرعة فنائها، والتَّرغيبِ في الآخرة والإخبار بشرفها ودوامها وسرعة إقبالها. فإذا أراد الله بعبدٍ خيرًا أقام في قلبه شاهدًا يعاين به حقيقة الدُّنيا والآخرة، ويؤثر منهما ما هو أولى بالإيثار. وقد أكثر الناس في (٢) الكلام في الزُّهد، وكلٌّ أشار إلى ذوقه ونَطَق عن حاله وشاهده، فإنَّ غالب عبارات القوم عن أذواقهم وأحوالهم. والكلام بلسان العلم أوسعُ من الكلام بلسان الذوقِ وأقربُ إلى الحجة والبرهان. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية ــ قدّس الله روحه ــ يقول: الزُّهد ترك ما لا ينفع في الآخرة، والورع ترك ما يُخاف ضرره في الآخرة (٣). وهذه العبارة
следующие страницы →