وقال مقاتلٌ: هي النفس الكافرة، تلوم نفسها في الآخرة على ما فرَّطت في أمر الله في الدنيا (١).
والقصد: أنَّ من بذل نفسه لله بصدقٍ كره بقاءه معها، لأنَّه يريد أن يتقبَّلها من بُذلت له، لأنَّه قد قرَّبها له قربانًا. ومن قرَّب قربانًا فتُقبِّل منه ليس كمن رُدَّ عليه قربانه، فبقاء نفسه معه دليلٌ (٢) أنَّه لم يتقبَّل قربانه.
وأيضًا، فإنَّه من قواعد القوم المجمَع عليها بينهم، التي اتَّفقت كلمة أوَّلهم وآخرهم ومُحقِّهم ومبطلهم عليها: أن النفس حجابٌ بين العبد وبين الله تعالى، وأنه لا يصل إلى الله تعالى حتَّى يقطع هذا الحجاب، كما قال أبو يزيدٍ ﵀: رأيت ربَّ العزَّة في المنام فقلت: يا ربِّ كيف الطريق إليك؟ فقال: خلِّ نفسك وتعال (٣).
فالنفس جبل عظيم شاقٌّ في طريق السير إلى الله، وكلُّ سائرٍ فلا طريق له إلا على ذلك (٤) الجبل، فلابدَّ أن ينتهي إليه (٥). وأكثر السائرين منه رجعوا
стр. 947
على أعقابهم لمَّا عجزوا عن قطعه واقتحام عقبته (١). والشيطان على قُلَّة الجبل يحذِّر النّاس من صعوده وارتقائه ويخوِّفهم منه، فتتَّفق مشقَّة ذلك الجبل (٢) وقعودُ ذلك المخوِّف على قلَّته وضعفُ عزيمة السائر ونيته، فيتولَّد من ذلك الانقطاع والرُّجوع، والمعصوم من عصمه الله.
وكلَّما رقي السائرُ في ذلك الجبل اشتدَّ به صياح القاطع وتحذيره وتخويفه، فإذا قطعه وبلغ قلَّته «فإذا المخاوف كلُّهن أمانُ» (٣).
وحينئذٍ يُسْهِل (٤) وتزول عنه عوارض الطريق ومشقَّةُ عِقابها، ويرى طريقًا واسعًا آمنًا، به (٥) المنازلُ والمناهل، وعليه الأعلام، وفيه الإقامات، وفيه يَزَكُ الرحمن (٦).
стр. 948
فبين العبد وبين السعادة والفلاح قوةُ عزيمةٍ، وصبرُ ساعةٍ، وشجاعةُ نفسٍ، وثباتُ قلب، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
فصل
قوله: (ويعمى عن نقصان الخلق عن درجته) يعني أنَّه وإن كان أعلى ممَّن دونه من الناقصين عن درجته، إلَّا أنَّه لاشتغاله بالله وامتلاء قلبه من محبَّته ومعرفته والإقبال عليه يشتغل عن ملاحظة حال غيره، وعن شهود النِّسبة بين حاله وأحوال الناس، ويرى اشتغاله بذلك والتفاته إليه نزولًا عن مقامه وانحطاطًا عن درجته ورجوعًا على عقبه. فإن هجم عليه ذلك بغير استدعاءٍ واختيارٍ فليُداوِه بشهود المنَّة وخوف المكر وعدم علمه بالعاقبة التي يوافي عليها. والله المستعان.
* * * *
وقال: ﴿(١٥) تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: ١٦] (١).
وقال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧) وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الكهف: ٧ - ٨].
وقال: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سَقْفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٣٣ - ٣٥].
والقرآن مملوءٌ من التزهيد في الدُّنيا والإخبار بخسَّتها وقلَّتها وانقطاعها وسرعة فنائها، والتَّرغيبِ في الآخرة والإخبار بشرفها ودوامها وسرعة إقبالها.
فإذا أراد الله بعبدٍ خيرًا أقام في قلبه شاهدًا يعاين به حقيقة الدُّنيا والآخرة، ويؤثر منهما ما هو أولى بالإيثار.
وقد أكثر الناس في (٢) الكلام في الزُّهد، وكلٌّ أشار إلى ذوقه ونَطَق عن حاله وشاهده، فإنَّ غالب عبارات القوم عن أذواقهم وأحوالهم. والكلام بلسان العلم أوسعُ من الكلام بلسان الذوقِ وأقربُ إلى الحجة والبرهان.
وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية ــ قدّس الله روحه ــ يقول: الزُّهد ترك ما لا ينفع في الآخرة، والورع ترك ما يُخاف ضرره في الآخرة (٣). وهذه العبارة
стр. 951
من أحسن ما قيل في الزُّهد والورع وأجمعها.
وقال سفيان الثوريُّ: الزُّهد في الدُّنيا قصر الأمل؛ ليس بأكل الغليظ، ولا لبس العباء (١).
وقال الجنيد: سمعت سريًّا يقول: إنّ الله تعالى سلب الدُّنيا عن أوليائه، وحماها عن أصفيائه، وأخرجها من قلوب أهل وداده، لأنَّه لم يرضَها لهم (٢).
وقيل: الزُّهد في قوله تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا أَتَاكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣]، فالزاهد لا يفرح من الدُّنيا بموجودٍ، ولا يأسف منها على مفقودٍ (٣).
وقال يحيى بن معاذٍ: الزُّهد يورث السخاء بالملك، والحبُّ يورث السّخاء بالرُّوح (٤).
وقال ابنُ الجَلَّاء: الزُّهد هو النظر إلى الدُّنيا بعين الزوال لتصغر في عينك، فيسهل عليك الإعراض عنها (٥).
стр. 952
وقال ابن خفيفٍ: علامة الزُّهد وجود الراحة في الخروج من الملك.
وقال أيضًا: الزُّهد سلوُّ القلب عن الأسباب، ونفضُ الأيدي من الأملاك (١).
وقيل: هو عزوف (٢) القلب عن الدُّنيا بلا تكلُّفٍ.
وقال الجنيد: الزُّهد خلوُّ القلب عمَّا خلت منه اليد (٣).
وقال الإمام أحمد: الزُّهد في الدُّنيا قصر الأمل (٤).
وعنه روايةٌ ثانية (٥) أنَّه عدم فرحه بإقبالها وحزنه على إدبارها، فإنَّه سئل عن الرجل يكون معه ألف دينارٍ هل يكون زاهدًا؟ فقال: نعم، على شريطة أن لا يفرح إذا زادت ولا يحزن إذا نقصت (٦).
وقال عبد الله بن المبارك: هو الثِّقة بالله مع حبِّ الفقر. وهذا قول شقيقٍ ويوسف بن أسباطٍ (٧).
стр. 953
وقال عبد الواحد بن زيدٍ: ترك (١) الدينار والدِّرهم (٢).
وقال أبو سليمان الداراني: ترك ما يَشْغَل عن الله. وهو قول الشِّبليِّ (٣).
وسأل رُويمٌ الجنيدَ عن الزُّهد؟ فقال: استصغار الدُّنيا، ومحو آثارها من القلب (٤). وقال مرَّةً: هو خلوِّ اليد عن الملك، والقلب عن التّتبُّع (٥).
وقال يحيى بن معاذٍ: لا يبلغ أحدٌ حقيقة الزُّهد حتّى يكون فيه ثلاث خصالٍ: عملٌ بلا علاقة، وقول بلا طمع، وعزٌّ بلا رياسة.
وقال أيضًا: الزاهد يُسعِطك الخلَّ والخردل، والعارف يُشمُّك المسك والعنبر (٦).
وقيل: حقيقة الزهد هو الزُّهد في النفس. وهذا قول ذي النُّون المصريِّ.
وقيل: الزُّهد: الإيثار عند الاستغناء، والفتوَّة: الإيثار عند الحاجة. قال الله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] (٧).
وقال رجلٌ ليحيى بن معاذٍ: متى أدخل حانوت التوكُّل وألبس رداء
стр. 954
الزاهدين وأقعد معهم؟ فقال: إذا صرتَ من رياضتك لنفسك إلى حدٍّ لو قطع الله الرِّزق عنك ثلاثة أيام لم تَضعُف نفسُك، فأمَّا ما لم تبلغ إلى هذه الدرجة فجلوسك على بساط الزاهدين جهلٌ، ثمَّ لا آمَنُ (١) أن تفتضح (٢).
وقد قال الإمام أحمد بن حنبلٍ ﵀: الزُّهد على ثلاثة أوجهٍ: ترك الحرام، وهو زهد العوامِّ. والثاني: ترك الفضول من الحلال، وهو زهد الخواصِّ. والثالث: ترك ما يَشْغَل عن الله، وهو زهد العارفين (٣).
وهذا الكلام من الإمام أحمد يأتي على جميع ما تقدَّم من كلام المشايخ ﵃، مع زيادة تفصيله وتبيين درجاته. وهو من أجمع الكلام، وهو يدلُّ على أنَّه ﵁ من هذا العلم بالمحلِّ الأعلى. وقد شهد له الشافعيُّ ﵀ بإمامته في ثمانية أشياءَ أحدها الزُّهد (٤).
والذي أجمع عليه العارفون أن الزُّهد سفر القلب من وطن الدُّنيا وأَخْذُه في منازل الآخرة. وعلى هذا صنَّف المتقدِّمون كتب الزُّهد. كـ «الزُّهد» لعبد الله بن المبارك، وللإمام أحمد، ولوكيع، ولهنَّاد بن السَّرِيِّ، ولغيرهم.
стр. 955
ومتعلَّقه ستَّة أشياء، لا يستحقُّ العبد اسم الزهد حتَّى يزهد فيها، وهي: المال، والصُّور، والرِّياسة، والناس، والنفس، وكلُّ ما دون الله. وليس المراد رفضها من الملك. فقد كان سليمان وداود من أزهد أهل زمانهما، ولهما من المال والنِّساء والملك ما لهما. وكان نبيُّنا ﷺ أزهد البشر على الإطلاق وله تسع نسوةٍ. وكان علي بن أبي طالبٍ وعبد الرّحمن بن عوفٍ والزُّبير وعثمان من الزُّهَّاد مع ما لهم (١) من الأموال. وكان الحسن بن عليٍّ ﵄ من الزهاد مع أنَّه كان من أكثر الأمَّة محبةً للنِّساء ونكاحًا لهنَّ وأغناهم. وكان عبد الله بن المبارك من أئمة الزُّهَّاد مع مالٍ كثيرٍ. وكذلك اللَّيث بن سعدٍ وسفيان من أئمَّة الزهَّاد، وكان له رأس مالٍ؛ يقول (٢): لولا هو لتَمنْدَلَ بنا هؤلاء.
و من أحسن ما قيل في الزُّهد كلامُ الحسن أو غيره (٣): «ليس الزُّهد في الدُّنيا بتحريم الحلال ولا إضاعة المال، ولكن أن تكون بما في يد الله أوثقَ منك بما في يدك، وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أُصبتَ بها أرغبَ منك فيها لو لم تصبك». فهذا من أجمع كلامٍ في الزُّهد وأحسنه، وقد روي مرفوعًا.
стр. 956
فصل
وقد اختلف الناس في الزُّهد هل هو ممكن في هذه الأزمنة (١)؟
فقال أبو حفصٍ ﵀: الزُّهد لا يكون إلا في الحلال، ولا حلال في الدُّنيا، فلا زهد (٢).
وخالفه النّاس في هذا وقالوا: بل الحلال موجودٌ فيها، وفيها الحرام كثيرًا (٣). وعلى تقدير أن لا يكون فيها الحلال، فهذا أَدْعى إلى الزُّهد فيها وتناولِ ما يتناوله المضطرُّ منها، كتناوله للميتة والدم ولحم الخنزير. (٤)
ثمّ اختلف هؤلاء في متعلَّق الزُّهد، فقالت طائفة: الزُّهد إنما هو في الحلال، لأنَّ ترك الحرام فريضة.
وقالت فرقةٌ: بل الزُّهد لا يكون إلا في الحرام، وأمَّا الحلال فنعمةٌ من الله على عبده، والله يحبُّ أن يرى أثر نعمته على عبده؛ فشُكره على نعمه،
стр. 957
والاستعانةُ بها على طاعته، واتِّخاذُها طريقًا إلى جنَّته= أفضل من الزُّهد فيها، والتخلِّي عنها، ومجانبة أسبابها.
والتحقيق: أنَّها إن شغلَتْه عن الله فالزُّهد فيها أفضل. وإن لم تَشْغَله عن الله بل كان شاكرًا لله فيها فحاله أفضل، والزُّهد فيها يَحْرُس (١) القلب عن التعلُّق بها والطُّمأنينة إليها.
فصل
قال صاحب «المنازل» ﵀ (٢): (الزُّهد هو إسقاط الرغبة عن الشيء بالكلِّيّة).
يريد بالشَّيء المزهود فيه: ما سوى الله تعالى، والإسقاط عنه: إزالة (٣) تعلُّق الرَّغبة به.
وقوله: (بالكلِّيّة)، أي بحيث لا يلتفت إليه ولا يتشوَّف (٤) إليه.
قال (٥): (وهو للعامَّة قربة، وللمريد ضرورة، وللخاصّة خشية (٦)).
стр. 958
يعني: أنّ العامَّة تتقرَّب به إلى الله تعالى. والقربة: ما تقرَّب به المتقرِّبُ إلى محبوبه.
وهو ضرورةٌ للمريد لأنَّه لا يحصل له التخلِّي بما هو بصدده إلَّا بإسقاط الرغبة فيما سوى مطلوبه، فهو مضطرٌّ إلى الزهد كضرورته إلى الطعام والشراب، إذ التعلُّق بسوى مطلوبه لا يعدم منه حجابًا أو وقفةً أو نكسةً على حسب بعد ذلك الشيء من مطلوبه، وقوَّةِ تعلُّقه به وضعفه.
وإنّما كان خشيةً للخاصَّة لأنَّهم يخافون على ما حصل لهم من القرب والأنس بالله وقرَّةِ عيونهم به أن يتكدَّر عليهم صفوُه بالتفاتهم إلى ما سوى الله تعالى، فزهدهم خشيةٌ وخوف.
قال (١): (وهو على ثلاث درجاتٍ. الدرجة الأولى: الزُّهد في الشُّبهة بعد ترك الحرام ، بالحذر من المَعتبة، والأنفة من المنقصة، وكراهة مشاركة الفسّاق).
أمَّا الزهد في الشُّبهة فهو ترك ما يشتبه على العبد هل هو حلالٌ أو حرامٌ؟ كما في حديث النُّعمان بن بشيرٍ عن النبيِّ ﷺ : «الحلال بيِّنٌ والحرام بيِّن، وبين ذلك أمورٌ متشابهات (٢) لا يعلمهنَّ كثيرٌ من النَّاس، فمن اتَّقى الشُّبهات اتَّقى الحرام، ومن وقع في الشُّبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإنَّ لكلِّ ملكٍ حمى، ألا وإنَّ حمى الله
стр. 959
محارمه. ألا وإنَّ في الجسد مضغةً إذا صَلَحت صَلَح لها سائرُ الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد، ألا وهي القلب» (١).
فالشُّبهات برزخٌ بين الحلال والحرام. وقد جعل الله بين كلِّ متباينين برزخًا، كما جعل الموت وما بعده برزخًا بين الدُّنيا والآخرة، وجعل المعاصي برزخًا بين الإيمان والكفر، وجعل الأعراف برزخًا بين الجنَّة والنار.
وكذلك جعل بين كلِّ مشعرَين من مشاعر المناسك برزخًا حاجزًا بينهما ليس من هذا ولا من هذا، فمحسِّرٌ برزخٌ بين منًى ومزدلفة، ليس من واحدٍ منهما، فلا يبيت به الحاجُّ ليلة جمعٍ ولا ليالي منًى. وبطن عرنة برزخٌ بين عرفة وبين الحرم، فليس من الحرم ولا من عرفة.
وكذلك ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس برزخ بين الليل والنهار، فليس من اللَّيل لتصرُّمه بطلوع الفجر، ولا من النهار لأنه من طلوع الشمس، وإن دخل في اسم اليوم شرعًا.
وكذلك منازل السير، بين كلِّ منزلتين منها (٢) برزخٌ يعرفه السائر في تلك المنازل. وكثيرٌ من الأحوال والواردات تكون برازخ، فيظنُّها صاحبها غايةً، وهذا (٣) لم يتخلَّص منه إلا فقهاءُ الطريقِ والعلماءُ (٤) الأدلَّةُ فيها.
стр. 960
وقوله: (بعد ترك الحرام) أي: تركُ الشبهة لا يكون إلَّا بعد ترك الحرام.
قوله: (بالحذر من المعتبة) يعني: أن يكون سبب تركه للشُّبهة الحذر من توجُّه عتب الله عليه.
وقوله: (والأنفة من النقيصة) أي: يأنف لنفسه مِن نقصه عند ربِّه وسقوطه من عينه، إلا أن أنفتَه من نقصه عند النَّاس وسقوطِه من عيونهم ــ وإن كان ذلك ليس مذمومًا ــ محمودٌ أيضًا (١)، ولكنَّ المذموم أن تكون أنفته كلُّها من ذلك (٢).
وقوله: (وكراهة مشاركة الفسَّاق) يعني: أنَّ الفسَّاق يزدحمون على مواضع الرغبة في الدُّنيا، ولتلك المواقف (٣) كظيظٌ من الزِّحام، فالزاهد يأنف من مشاركتهم في تلك المواقف ويرفع نفسه عنها لخسَّة شركائه فيها، كما قيل لبعضهم: ما الذي زهَّدك في الدُّنيا؟ قال: قلَّةُ وفائها، وكثرة جفائها، وخسَّة شركائها (٤).
стр. 961
قال (١): (الدرجة الثانية: الزُّهد في الفضول ، وهو ما زاد على المُسكة والبلاغ من القوت، باغتنام التّفرُّغ إلى عمارة الوقت، وحسم الجأش، والتحلِّي بحلية الأنبياء والصدِّيقين).
والفضول: ما يفضل عن قدر الحاجة. والمُسكة: ما يمسك النَّفْسَ من القوت والشراب واللِّباس والمسكن والمنكح إذا احتاج إليه. والبلاغ: هو البُلغة من ذلك الذي يتبلَّغ به في منازل السفر، كزاد المسافر. فيزهد فيما وراء ذلك اغتنامًا لتفرُّغه لعمارة وقته.
ولمَّا كان الزُّهد لأهل الدرجة الأولى خوفًا من المعتبة وحذرًا من المنقصة كان الزُّهد لأهل هذه الدرجة أعلى وأرفع. وهو اغتنام الفراغ لعمارة أوقاتهم مع الله تعالى، لأنّه إذا اشتغل بفضول الدُّنيا فاته نصيبه من انتهاز فرصة الوقت؛ فالوقت سيفٌ إن لم تقطعه (٢) قطعك.
و (عمارة الوقت): الاشتغال في جميع آنائه (٣) بما يقرِّب إلى الله تعالى، أو يعين على ذلك من مأكلٍ أو مشربٍ أو منكحٍ أو منامٍ أو راحة، فإنَّه متى أخذها بنيَّة القوَّة على ما يحبُّه الله وتجنُّبِ ما يسخطه كانت من عمارة الوقت وإن كان له فيها أتمُّ لذَّة؛ فلا تحسَبْ عمارةَ الوقت بهجر اللذَّات والطيِّبات.
فالمحبُّ الصادق ربَّما كان سيره القلبيُّ في حال أكله وشربه وجماع أهله وراحته أقوى من سيره البدني في بعض الأحيان. ولقد حكي عن بعضهم
стр. 962
أنّه كان يَرِد عليه وهو على بطن امرأته حالٌ لا يعهدها في غيرها. ولهذا سببٌ صحيح، وهو اجتماع قوى النفس وعدمُ التفاتها حينئذٍ إلى شيءٍ، مع ما يحصل لها من السُّرور والفرح واللذة، والسُّرورُ يذكِّر بالسُّرور، واللذَّة تذكِّر باللّذّة، فتنهض الرُّوح من تلك الفرحة واللذَّة إلى ما لا نسبة بينها وبينها بتلك الجمعيَّة والقوَّة والنشاط وقطعِ أسباب الالتفات، فيورثه ذلك حالًا عجيبةً.
ولا تعجل بالإنكار، وانظر إلى قلبك عند هجوم أعظم محبوبٍ له عليه في هذه الحال، كيف تراه؟ فهكذا حال غيرك. ولا ريب أنَّ النفس إذا نالت حظًّا صالحًا من الدُّنيا قويت به وسرَّت، واستجمعت قواها وجمعيَّتها، وزال تشتُّتها.
اللهم غَفرًا، فقد طغى القلم وزاد الكلم، فعياذًا بك (١) من مقتك.
وأمَّا (حسم الجأش)، فهو (٢) اضطراب القلب بالتعلُّق بأسباب الدُّنيا رغبةً ورهبةً وحبًّا وبغضًا وسعيًا، فلا يصحُّ الزهدُ للعبد حتَّى يقطع هذا الاضطراب من قلبه بأن لا يلتفت إليها، ولا يتعلَّق بها في حالتَي مباشرته لها وتركه، فإنَّ الزُّهد زهد القلب لا زهدُ الترك من اليد، فهو تخلِّي القلب عنها لا خلوُّ اليد منها.
وأمَّا (التحلِّي بحلية الأنبياء والصدِّيقين)، فإنَّهم أهل الزهد في الدُّنيا حقًّا، إذ هم مشمِّرون إلى عَلَمٍ قد رفع لهم غيرُها فهم فيها زاهدون، وإن كانوا لها مباشرين.
стр. 963
فصل
قال (١): (الدرجة الثالثة: الزُّهد في الزُّهد . وهو بثلاثة أشياء: باستحقار ما زهدتَ فيه، واستواء الحالات فيه عندك، والذهاب عن شهود الاكتساب ناظرًا إلى وادي الحقائق).
قد فسَّر الشيخ مراده بالزُّهد في الزُّهد بثلاثة أشياء:
أحدها: احتقاره ما زهد فيه، فإنَّ من امتلأ قلبه بمحبَّة الله وتعظيمه لا يرى (٢) أنَّ ما تركه لأجله من الدُّنيا يستحقُّ أن يُجعل قربانًا، لأنَّ الدُّنيا بحذافيرها لا تساوي عند الله جناحَ بعوضة، فالعارف لا يرى زهدَه فيها كبيرَ أمرٍ يعتدُّ به ويحتفل به، فيستحيي مَن صحَّ له الزُّهد أن يَجعل لِما تركه اللهُ (٣) قدرًا يلاحظ زُهدَه فيه، بل يفنى عن زهده فيه كما فني عنه، ويستحيي من ذكره بلسانه وشهوده بقلبه.
وأمَّا (استواء الحالات فيه عنده)، فهو أن يرى أنَّ ترك ما زهد فيه وأَخْذَه متساويان عنده. إذ ليس له عنده قدر. وهذا من دقائق فقه الزُّهد، فيكون زاهدًا في حال أخذه، كما هو زاهدٌ في حال تركه، إذ همَّته أعلى من ملاحظته أخذًا وتركًا لِصغره في عينه.
وأمَّا (الذهاب عن شهود الاكتساب)، فمعناه أنَّ من استصغر الدُّنيا بقلبه
стр. 964
واستوت الحالات في أخذها وتركها عنده لم يَرَ أنَّه اكتسب بتركها عند الله درجةً البتَّة، لأنها أصغر في عينه من أن يرى أنَّه اكتسب بتركها الدرجات.
وفيه معنًى آخر: وهو أن يشاهد تفرُّد الله بالعطاء والمنع، فلا يرى أنه ترك شيئًا ولا أخذ شيئًا، بل اللهُ وحده هو المعطي المانع، فما أخذه فهو مَجرًى لعطاء الله إيَّاه كمجرى الماء في النهر، وما تركه لله فاللهُ هو الذي منعه منه، فيذهب بمشاهدة الفعَّال وحده عن شهود كسبه وتركه، فإذا نظر الأشياء بعين الجمع وسلك في وادي الحقيقة غاب عن شهود اكتسابه، وهو معنى قوله: (ناظرًا إلى وادي الحقائق). وهذا أليق المعنيين بكلامه.
فهذا زهد الخاصَّة. قال الشاعر (١):
إذا زهَّدَتْني في الهوى خشية الرَّدى ... جَلَتْ ليَ عن وجهٍ يزهِّد في الزُّهد
* * * *
стр. 965
فصل
ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة الورع .
قال الله تعالى (١): ﴿فَكَبِّرْ (٣)﴾ [المدثر: ٤]، قال مجاهدٌ وقتادة: نفسك فطهِّر من الذنب. فكنى عن النفس بالثوب. وهذا قول إبراهيم، والضحَّاك، والشعبي، والزُّهري، والمحقِّقين من أهل التفسير.
قال ابن عبَّاسٍ ﵄: لا تلبسها على معصيةٍ ولا غدرٍ، ثمَّ قال: أما سمعت قول غيلان بن سلمة الثقفي:
وإنِّي بحمد الله لا ثوبَ غادرٍ ... لبست ولا من غدرةٍ أتقنَّعُ
والعرب تقول في وصف الرجل بالصِّدق والوفاء: طاهر الثِّياب، وتقول للغادر والفاجر: دنس الثِّياب.
وقال أبيُّ بن كعبٍ ﵁: لا تلبسها على غدرٍ ولا ظلمٍ ولا إثم، البسها وأنت برٌّ طاهر.
وقال الضحَّاك: عملَك فأصلح. قال السُّدِّي: يقال للرجل إذا كان صالحًا: إنه لطاهر الثِّياب، وإذا كان فاجرًا: إنه لخبيث الثِّياب.
وقال سعيد بن جبيرٍ: وقلبك ونيتك فطهِّر. وقال الحسن والقرظيُّ: وخُلُقَك فحسِّن.
وقال ابن سيرين وابن زيدٍ: أمر بتطهير الثِّياب من النجاسات التي لا
стр. 966
تجوز الصلاة معها، لأنّ المشركين كانوا لا يتطهَّرون ولا يُطهِّرون ثيابهم. وقال طاوس: وثيابك فقصِّر (١)، لأنَّ تقصير الثِّياب طُهرة لها (٢).
والقول الأوَّل أصحُّ الأقوال.
ولا ريب أنّ تطهيرها من النجاسات وتقصيرها من جملة التطهير المأمور به، إذ به تمام إصلاح الأعمال والأخلاق، لأنَّ نجاسة الظاهر تورث نجاسة الباطن، ولذلك أُمر القائم بين يدي الله بإزالتها والبعد عنها.
والمقصود: أنَّ الورع يطهِّر دنس القلب ونجاسته، كما يطهِّر الماء دنس الثوب ونجاسته. وبين الثِّياب والقلوب مناسبةٌ ظاهرةٌ وباطنةٌ، ولذلك تدلُّ ثياب المرء في المنام على قلبه وحاله. ويؤثِّر كلٌّ منهما في الآخر، ولهذا نُهي عن لباس الحرير والذهب وجلود السِّباع لِما تؤثِّر في القلب من الهيئة المنافية للعبوديَّة والخشوع. وتأثير القلب والنفس في الثياب أمرٌ خفيٌّ يعرفه أهل البصائر من نظافتها ودنسها ورائحتها وبهجتها وكَسْفتها، حتى إنَّ ثوب البَرِّ ليُعرَف من ثوب الفاجر وليسا عليهما.
وقد جمع النبيُّ ﷺ الورع كلَّه في كلمةٍ واحدةٍ فقال: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» (٣)، فهذا يعمُّ الترك لِما لا يعني من الكلام والنظر
стр. 967
والاستماع، والبطش والمشي والفكر، وسائر الحركات الظاهرة والباطنة؛ فهذه الكلمة شافيةٌ في الورع.
قال إبراهيم بن أدهم ﵀: الورع ترك كلِّ شبهةٍ، وترك مالا يعنيك هو ترك الفضلات (١).
وفي «الترمذي» (٢) مرفوعًا إلى النبيِّ ﷺ : «يا أبا هريرة كن ورعًا، تكن أعبد الناس».
قال الشِّبليُّ ﵀: الورع أن تتورَّع عن كلِّ ما سوى الله (٣).
وقال إسحاق بن خلفٍ: الورع في المنطق أشدُّ منه في الذهب والفضَّة، والزُّهد في الرِّياسة أشدُّ منه في الذهب والفضَّة، لأنّهما يُبذَلان في طلب الرِّياسة (٤).
стр. 968
وقال أبو سليمان الداراني: الورع أوَّل الزُّهد، كما أنَّ القناعة أوَّل الرِّضا (١).
وقال يحيى بن معاذٍ: الورع الوقوف على حدِّ العلم من غير تأويلٍ. وقال: الورع على وجهين: ورعٌ في الظاهر (٢) أن لا يتحرَّك إلَّا لله، وورعٌ في الباطن (٣) وهو أن لا يدخل قلبك سواه. وقال: من لم ينظر في الدقيق من الورع لم يصل إلى الجليل من العطاء (٤). (٥)
وقيل: من دقَّ في الدين ورعه جلَّ في القيامة خَطَرُه (٦).
وقال يونس بن عبيدٍ: الورع الخروج من كلِّ شبهة، ومحاسبة النّفس مع (٧) كلِّ طرفة (٨).
وقال سفيان الثوريُّ: ما رأيت أسهل من الورع، ما حاك في نفسك
стр. 969
تركته (١).
وقال سهلٌ: الحلال: الذي (٢) لا يعصى الله فيه، والصافي منه: الذي لا ينسى الله فيه (٣).
وسأل الحسن غلامًا فقال (٤): ما مِلاك الدِّين؟ قال: الورع. قال: فما آفته؟ قال: الطَّمَع، فعجب الحسن منه (٥).
وقال الحسن ﵁: مثقال ذرَّةٍ من الورع خيرٌ من ألف مثقالٍ من الصوم والصلاة (٦).
وقال أبو هريرة ﵁: جلساء الله غدًا أهل الورع والزُّهد (٧).
وقال بعض السَّلف: لا يبلغ العبد حقيقة التقوى حتَّى يدع ما لا بأس به حذرًا ممَّا به بأس (٨).
стр. 970
وقال بعض الصَّحابة ﵃: كنَّا ندع سبعين بابًا من الحلال مخافةَ أن نقع في بابٍ من الحرام (١).
فصل
قال صاحب «المنازل» ﵀ (٢): (الورع توقٍّ مستقصًى على حذر أو تحرُّجٌ على تعظيمٍ).
يعني: أن يتوقَّى الحرام والشُّبه وما يخاف أن يضرَّه أقصى ما يمكنه من التوقِّي. والتوقِّي والحذر متقاربان، إلَّا أنَّ التوقِّي فعل الجوارح، والحذر فعل القلب، فقد يتوقَّى العبد الشيء لا على وجه الحذر والخوف، ولكن لأمورٍ أخرى من إظهار نزاهةٍ وعزَّةٍ وتصوُّن أو أغراضٍ أُخَر، كتوقِّي الذين لا يؤمنون بمعادٍ ولا جنةٍ ولا نارٍ ما يتوقَّونه من الفواحش والدناءات تصوُّنًا عنها، ورغبةً بنفوسهم عن مواقعتها، وطلبًا للمحمدة، ونحو ذلك.
стр. 971
وقوله: (أو تحرُّج على تعظيم) يعني أنَّ الباعث على الورع عن المحارم والشُّبه إمَّا حذرَ حلولِ الوعيد، وإمَّا تعظيمَ الرّبِّ ــ ﷻ ــ وإجلالًا (١) له أن يتعرَّض لما نهى عنه، فالورع (٢) عن المعصية إمَّا لخوفٍ أو تعظيم.
واكتفى بذكر التعظيم عن ذكر الحبِّ الباعثِ على ترك معصية المحبوب، لأنه لا يكون إلا مع تعظيمه، وإلَّا فلو خلا القلبُ من تعظيمه لم تستلزم محبَّتُه تركَ مخالفته، كمحبَّة الإنسان ولدَه وعبده وأمته، فإذا قارنه التعظيمُ أوجب ترك المخالفة.
قال (٣): (وهو آخر مقام الزُّهد للعامَّة، وأوّل مقام الزُّهد للمريد).
يعني أنَّ هذا التوقِّي والتحرُّج بوصف الحذر والتعظيم هي (٤) نهايةٌ لزهد العامَّة، وبدايةٌ لزهد المريد. وإنَّما كان كذلك لأنَّ الورع ــ كما تقدَّم ــ هو أوَّل التزهُّد (٥) ورَديُّه (٦)، وزهد المريد فوق زهد العامَّة. ونهاية العامَّة هي بداية المريد، فنهاية مقام هذا هي بداية مقام هذا، فإذا انتهى ورع العامَّة صار زهدًا، وهو أوَّل ورع المريد.
стр. 972
قال (١): (وهو على ثلاث درجاتٍ. الدرجة الأولى: تجنُّب القبائح لصون النفس وتوفيرِ الحسنات وصيانةِ الإيمان).
هذه ثلاث فوائد من فوائد تجنُّب القبائح.
أحدها: (صون النّفس)، وهو حفظها وحمايتها عمَّا يَشينها ويعيبها ويُزري بها عند الله وملائكته وعباده المؤمنين وسائر خلقه، فإنَّ من كَرُمت عليه نفسُه وكَبُرت عنده صانها وحماها، وزكَّاها وعلَّاها، ووضعها في أعلى المحالِّ، وزاحم بها أهل العزائم والكمالات. ومن هانت عليه نفسه وصغرت عنده ألقاها في الرذائل وأطلق شِناقها وحلَّ زِمامها، ودسَّاها ولم يَصُنها عن قبيحٍ. فأقلُّ ما في تجنُّب القبائح: صون النفس.
وأمَّا (توفير الحسنات)، فمن وجهين:
أحدهما: توفير زمانه على اكتساب الحسنات، فإذا اشتغل بالقبائح نقصت عليه الحسنات التي كان مستعدًّا لتحصيلها.
والثاني: توفير الحسنات المفعولة عن نقصانها بموازنة السيِّئات أو حبوطها، كما تقدَّم في منزلة التوبة (٢) أنّ السيئات قد تُحبِط الحسنات، وقد تستغرقها بالكليَّة أو تَنقُصها، فلا بدَّ أن تُضعفها قطعًا، فتجنُّبها يوفِّر (٣) ديوان الحسنات. وذلك بمنزلة من له مالٌ حاصلٌ فاستدان عليه، فإمَّا أن يستغرقه الدينُ أو أكثرَه، أو يَنقُصه؛ فهكذا الحسنات والسيئات.
стр. 973
وأمَّا (صيانة الإيمان)، فلأنَّ الإيمان عند جميع أهل السُّنة يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وقد حكاه الشافعيُّ وغيره عن الصحابة والتابعين ومَن بعدهم (١). وإضعاف المعاصي للإيمان أمرٌ معلومٌ بالذوق والوجود، فإنَّ العبد كما جاء في الحديث: «إذا أذنب نُكِت (٢) في قلبه نكتةٌ سوداء، فإن تاب واستغفر صُقِل قلبُه، وإن عاد فأذنب نكت فيه نكتةٌ أخرى حتَّى تعلوَ قلبَه، وذلك الرَّان الذي قال الله: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤]» (٣).
فالقبائح تسوِّد القلب وتطفئ نوره. والإيمانُ هو نورٌ في القلب، والقبائح تَذهب به أو تقلِّله قطعًا، فالحسنات تزيد نور القلب، والسّيِّئات تطفئ نور القلب. وقد أخبر تعالى أنَّ كسب القلوب سببٌ للرَّان الذي يعلوها، وأخبر أنَّه أركس المنافقين في نفاقهم بكسبهم (٤) فقال: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ [النساء: ٨٨].
وأخبر أنّ نقض الميثاق الذي أخذه على عباده سببٌ لتقسية القلب فقال: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة: ١٣]، فجعل
стр. 974
ذنب النقض موجبًا لهذه (١) الآثار من تقسية القلب، واللَّعنة، وتحريف الكلم، ونسيان العلم.
فالمعاصي للإيمان كالمرض والحمَّى للقوّة سواءً بسواء، ولذلك قال السَّلف (٢): «المعاصي بريد الكفر كما أنَّ الحمَّى بريد الموت»، فإيمان صاحب القبائح كقوَّة المريض على حسب قوَّة مرضه وضعفه.
وهذه الأمور الثلاثة ــ وهي صون النفس، وتوفير الحسنات، وصيانة الإيمان ــ هي أرفع مِن باعث العامَّة على الورع، لأنَّ صاحبها أرفع همَّةً لأنه عاملٌ على تزكية نفسه وصونها وتأهيلها للوصول إلى ربِّها، فهو يصونها عمَّا يَشينها عنده ويحجبه عنها (٣)، ويَصُون حسناتِه عمَّا يسقطها ويُضعفها لأنّه يسير بها إلى ربِّه ويتطلَّب (٤) بها رضاه، ويصون إيمانه بربِّه مِن حبِّه له وتوحيدِه ومعرفتِه به ومراقبتِه إيَّاه عمَّا يطفئ نورَه ويُذهب بهجتَه ويُوهي (٥) قوَّته.
قال الشيخ ﵀: (وهذه الثلاث الصِّفات هي في الدرجة الأولى من ورع المريدين) (٦).
стр. 975
يعني أنّ للمريدين درجتين أُخريين من الورع فوق هذه، ثمَّ ذكرهما فقال (١): (الدرجة الثانية: حفظ الحدود عند ما لا بأس به إبقاءً على الصِّيانة والتّقوى، وصعودًا عن الدَّناءة، وتخلُّصًا عن اقتحام الحدود).
يقول: إنَّ من صعد عن الدرجة الأولى إلى هذه الدرجة من الورع فهو يترك (٢) كثيرًا ممَّا لا بأس به من المباح إبقاءً على صيانته، وخوفًا عليها أن يتكدَّر صفوُها ويطفأ نورُها، فإنَّ كثيرًا من المباح يكدِّر صفو الصِّيانة، ويُذهب بهجتها، ويطفئ نورها، ويُخْلِق حُسنَها وبهجتَها.
وقال لي يومًا شيخ الإسلام ابن تيميّة ــ قدّس الله روحه ــ في شيءٍ من المباح: هذا ينافي المراتب العالية وإن لم يكن تركه شرطًا في النَّجاة. أو نحو هذا من الكلام.
فالعارف يترك كثيرًا من المباح إبقاءً على صيانته، ولا سيَّما إذا كان ذلك المباح برزخًا بين الحلال والحرام، فإنَّ بينهما برزخًا كما تقدَّم، فتَرْكُه لصاحب هذه الدرجة كالمتعيِّن الذي لابدَّ منه لمنافاته لدرجته.
والفرق بين صاحب الدرجة الأولى وصاحب هذه: أنّ ذاك يسعى في تحصيل الصِّيانة، وهذا يسعى في حفظِ صفوها أن يتكدَّر ونورِها (٣) أن
стр. 976
يذهب (١)، وهو معنى قوله: (إبقاءً على الصِّيانة).
وأمَّا (الصُّعود عن الدناءة)، فهو الرفع عن طرقاتها وأفعالها.
وأمَّا (التخلُّص عن اقتحام الحدود)، فالحدود هي النِّهايات، وهي مقاطع الحلال والحرام، فحيث ينقطع وينتهي فذلك حدُّه، فمن اقتحمه وقع في المعصية.
وقد نهى الله سبحانه عن تعدِّي حدوده وقربانها فقال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧] و ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩]، فإنَّ الحدود يراد بها أواخر الحلال وأول الحرام، فحيث نهى عن التعدِّي فالحدود هناك أواخر الحلال، وحيث نهى عن القربان فالحدود هناك أوائل الحرام. يقول سبحانه: لا تتعدَّوا ما أبحتُ لكم، ولا تقربوا ما حرَّمتُ عليكم. فالورع يخلِّص العبدَ من قربان هذه وتعدِّي هذه، وهو اقتحام الحدود.
قال (٢): (الدرجة الثالثة: التّورُّع عن كلِّ داعيةٍ تدعو إلى شتات الوقت، والتعلُّق بالتفرُّق، وعارضٍ يعارض حال الجمع).
الفرق بين شتات الوقت والتعلُّق بالتفرُّق كالفرق بين السبب والمسبَّب والنفي والإثبات، فإنَّه يتشتَّت وقتُه فلا يجد بدًّا من التعلُّق بما سوى مطلوبه الحقِّ، إذ لا تعطيل في النفس ولا في الإرادة، فمن لم يكن الله مرادَه أراد ما سواه. ومن لم يكن هو وحده معبودَه عبد ما سواه. ومن لم يكن عمله لله فلا
стр. 977
بدَّ أن يعمل لغيره، وقد تقدَّم هذا (١).
فالمخلص يصونه الله بعبادته وحدَه وإرادةِ وجهه، وخشيته وحده ورجائه وحده، والطلبِ منه والذلِّ له والافتقار إليه= عن عبادة غيره وإرادته، وخشيته ورجائه، والطلب منه والذل له والافتقار إليه (٢).
وإنَّما كان هذا أعلى من الدرجة الثانية لأنَّ أربابها مشتغلون بحفظ الصِّيانة من الكدر وملاحظتها، وذلك عند أهل الدرجة الثالثة تفرُّقٌ عن الحقِّ واشتغالٌ عن مراقبته بحال نفوسهم، فأدب أهل هذه الدرجة أدب حضورٍ، وأدب أولئك أدب غيبةٍ.
وأمَّا (الورع عن كلِّ حالٍ يعارض حالَ الجمع)، فمعناه أن يستغرق العبدَ شهودُ فنائه في التوحيد وجمعيَّتُه على الله تعالى فيه عن كلِّ حالٍ يعارض هذا الفناء والجمعيَّة.
وهذا عند الشيخ لمَّا كان هو الغايةَ التي ليس بعدها مطلبٌ جعل كلَّ حالٍ يعارضها ويقطع عنها ناقصًا بالنِّسبة إليها، فالرغبة عنه عينُ (٣) ورع صاحبها. وقد عرفت ما فيه، وأنَّ فوق هذا مقامٌ (٤) أرفع منه وأعلى، وهو الورع عن كلِّ حظٍّ يزاحم مراده منك، ولو كان الحظُّ فناءً أو جمعيَّةً أو كائنًا ما كان. وبيَّنَّا أنَّ الفناء والجمعية حظُّ العبد، وأنَّ حقَّ الربِّ وراء ذلك، وهو
стр. 978
البقاء بمراده فرقًا وجمعًا به وله.
وعلى هذا فالورع الخاصُّ: الورع عن كلِّ حالٍ يعارض حالَ القيام بالأمر، والبقاءُ به فرقًا وجمعًا. وبالله المستعان.
فصل
الخوف يثمر الورع والاستقامة وقصر الأمل. وقوَّةُ الإيمان باللِّقاء تثمر الزُّهد. والمعرفة تثمر المحبَّة والخوف والرّجاء. والقناعة تثمر الرِّضاء. والذِّكر يثمر حياة القلب.
والإيمان بالقدر يثمر التّوكُّل. ودوام تأمُّل الأسماء والصِّفات يثمر المعرفة.
والورع يثمر الزُّهد أيضًا. والتوبة تثمر المحبَّة أيضًا، ودوام الذِّكر يثمرها. والرِّضا يثمر الشُّكر. والعزيمة والصبر يثمران جميع الأحوال والمقامات.
والإخلاص والصِّدق كلٌّ منهما يثمر الآخر ويقتضيه. والمعرفة تثمر حسن الخُلُق. والفكرة تثمر العزيمة. والمراقبة تثمر عمارة الوقت وحفظَ الأيام والحياء والخشية والإنابة.
وإماتة النَّفس وإذلالُها وكسرُها يوجب حياة القلب وعزَّه وجبره. ومعرفة النَّفس ومقتُها يثمر الحياء من الله تعالى، واستكثارَ ما منه، واستقلالَ ما منك من الطاعات، ومحوَ أثر الدعوى من القلب واللِّسان.
وصحَّةُ البصيرة تثمر اليقين. وحسنُ التأمُّل لما ترى وتسمع من الآيات المشهودة والمتلوَّة يثمر صحة البصيرة.
стр. 979
وملاك ذلك كلِّه أمران: أحدهما أن تَنقل قلبك من وطن الدُّنيا فتُسكنه في وطن الآخرة. ثمَّ تُقبل به كلِّه على معاني القرآن واستجلائها وتدبُّرها، وفهمِ ما يراد منه وما نزل لأجله، وأخذِ نصيبك وحظِّك من كلِّ آيةٍ من آياته وتنزيلها على أدواء قلبك.
فهذه طريق مختصرة قريبة سهلة موصلة إلى الرفيق الأعلى، آمنةٌ لا يلحق سالكها (١) خوفٌ ولا عطبٌ (٢)، ولا فيها آفةٌ من آفات سائر الطرق البتَّة، وعليها من الله حارس وحافظ يكلأ السالكين فيها ويحميهم ويدفع عنهم. ولا يعرف قدر هذه الطريق إلّا من عرف طرق الناس وغوائلها (٣) وقطَّاعها. والله المستعان.
* * * *
стр. 980
فصل
ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ منزلة التبتُّل. قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: ٨].
والتّبتُّل: الانقطاع، وهو (تَفَعُّل) من البَتْل وهو القطع. وسمِّيت مريمُ «البتول» لانقطاعها عن الأزواج وعن نظراء زمانها (١)، ففاقت نساء الزّمان شرفًا وفضلًا وقُطعت منهنَّ.
ومصدرُ تبتَّل: «تبتُّلًا» كالتعلُّم والتفهُّم، ولكن جاء على التفعيل مصدرُ (تفَعَّلَ) (٢) لسرٍّ لطيفٍ، فإنَّ في هذا الفعل إيذانًا بالتدريج والتكلُّف والتعمُّل والتكثير والمبالغة (٣)؛ فأتى بالفعل الدالِّ على أحدهما، والمصدر الدالِّ على الآخر، فكأنه قيل: بتِّلْ نفسك إليه تبتيلًا، وتبتَّلْ أنت إليه تبتُّلًا؛ ففُهم المعنيان من الفعل ومصدره. وهذا كثيرٌ في القرآن، وهو من أحسن الاختصار والإيجاز.
стр. 981
قال صاحب «المنازل» ﵀ (١): (التبتُّل: الانقطاع إلى الله تعالى بالكلِّيَّة. وقوله: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ [الرعد: ١٤] أي التجريد المحض).
ومراده بالتجريد المحض: تجريد التّبتُّل عن ملاحظة الأعواض، بحيث لا يكون المتبتِّل كالأجير الذي لا يخدم إلَّا لأجل الأجرة، فإذا أخذها انصرف عن باب المستأجر، بخلاف العبد فإنَّه يخدم سيدَه بمقتضى عبوديَّته لا للأجرة، فهو لا ينصرف عن بابه إلَّا إذا كان آبقًا. والآبق قد خرج من شرف العبوديَّة ولم يحصل له إطلاق الحرِّيَّة، فصار بذلك موكوسًا (٢) عند سيِّده وعند عبيده.
وغاية شرف النفس دخولها تحت رقِّ العبوديّة طوعًا واختيارًا ومحبَّةً، لا كرهًا وقهرًا، كما قيل (٣):
стр. 982
شرف النُّفوس دخولها في رقِّهم (١) ... والعبد يحوي الفخر بالمتملِّك
والذي حسَّن استشهاده بقوله: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ في هذا الموضع إرادةُ هذا المعنى، وأنه سبحانه صاحب دعوة الحقِّ لذاته وصفاته. وإن لم يوجب لداعيه بها ثوابًا، فإنَّه يستحقُّها لذاته، فهو أهلٌ أن يُعبد وحده، ويُدعى وحده، ويُقصد ويُشكر ويُحمد، ويُحبَّ ويُرجى ويُخاف، ويُتوكَّل عليه، ويستعان به، ويستجار به، ويلجأ إليه، ويصمد إليه، فتكون الدعوة الإلهيَّة الحقُّ له وحده. ومن قام بقلبه هذا معرفةً وذوقًا وحالًا صحَّ له مقام التبتُّل والتجريد المحض.
وقد فسَّر السلف ﵃ دعوةَ الحقِّ بالتوحيد والإخلاص فيه والصِّدق، ومرادهم هذا المعنى، فقال عليٌّ: دعوة الحق: التّوحيد، وقال ابن عباسٍ: شهادة أن لا إله إلا الله. وقيل: الدُّعاء بالإخلاص، والدُّعاء الخالص لا يكون إلّا لله (٢). ودعوة الحقِّ هي: دعوة الإلهيَّة وحقوقها وتجريدها وإخلاصها.
قال (٣): (وهو على ثلاث درجاتٍ. الدرجة الأولى: تجريد الانقطاع عن الحظوظ واللُّحوظ إلى العالم خوفًا أو رجاءً أو مبالاةً بحالٍ).
قلت: التّبتُّل يجمع أمرين: اتِّصالًا وانفصالًا، لا يصحُّ إلَّا بهما.
стр. 983
فالانفصال: انقطاع قلبه عن حظوظ النفس المزاحمة لمراد الربِّ منه، وعن التفات قلبه إلى ما سوى الله خوفًا منه، أو رغبةً فيه، أو مبالاةً وفكرًا فيه بحيث يَشْغَل قلبَه عن الله تعالى. والاتِّصال لا يصحُّ إلّا بعد هذا الانفصال. وهو اتِّصال القلب بالله وإقبالُه عليه وإقامةُ وجهه له حبًّا وخوفًا ورجاءً وإنابةً وتوكُّلًا.
ثمّ ذكر الشّيخ ﵀ ما يعين على هذا التّجريد وبأيِّ شيءٍ يحصل فقال (١): (بحسم الرجاء بالرِّضا، وقطع الخوف بالتسليم، ورفض المبالاة بشهود الحقيقة).
يقول: إنَّ الذي يحسم مادَّة رجاء المخلوقين من قلبك هو الرِّضا بحكم الله وقَسْمُه لك، ومن رضي بحكم الله وقسمه لم يبقَ لرجاء الخلق في قلبه موضع.
والذي يحسم مادَّة الخوف هو التسليم لله، فإنَّ من سلَّم لله واستسلم له، وعلم أنَّ ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وعلم أنَّه لن يصيبه إلَّا ما كتب الله له= لم يبقَ لخوف المخلوقين في قلبه موضع أيضًا، فإنَّ نفسه التي (٢) يخاف عليها قد سلَّمها إلى وليِّها ومولاها، وعلم أنَّه لا (٣) يصيبها إلَّا ما كتب لها، وأنَّ ما كتب لها لا بدَّ أن يصيبها؛ فلا معنى للخوف من غير الله بوجهٍ.
стр. 984
وفي التسليم أيضًا فائدة لطيفة، وهي أنَّه إذا سلَّمها لله فقد أودعها عنده، وأحرزها في حرزه، وجعلها تحت كنفه، حيث لا تناله يدُ عادٍ ولا بغيُ باغ (١).
والذي يحسم مادَّة المبالاة بالناس شهودُ الحقيقة، وهو رؤية الأشياء كلِّها من الله، وبالله، وفي قبضته، وتحت قهره وسلطانه، لا يتحرَّك منها شيء إلا بحوله وقوَّته، ولا ينفع ولا يضرُّ إلَّا بإذنه ومشيئته؛ فما وجه المبالاة بالخلق بعد هذا الشُّهود؟
قال (٢): (الدرجة الثانية: تجريد الانقطاع عن التعريج على النفس بمجانبة الهوى، وتنسُّم رَوح الأنس، وشَيم برق الكشف).
الفرق بين هذه الدرجة والتي قبلها: أنَّ الأُولى انقطاع عن الخلق، وهذه انقطاع عن النفس. وجعله بثلاثة أشياء:
أولاها (٣): مجانبة الهوى ومخالفتُه ونهيُ النفس (٤) عنه، لأن اتِّباعه يصدُّ عن التبتُّل.
وثانيها وهو بعد مخالفة الهوى: تنسُّم رَوح الأنس، والرَّوح للرُّوح كالرُّوح للبدن، فهو رَوحها وراحتها. وإنّما حصل له هذا الرَّوح لمَّا أعرض عن هواه، فحينئذٍ تنسَّم رَوح الأنس بالله ووجد رائحته، إذ النفس لا بدَّ لها
стр. 985
من التعلُّق، فلمَّا انقطع تعلُّقها مِن هواها وجدت رَوح الأنس بالله وهبَّت عليها نسماته، فرَنَّحَتْها (١) وأَحْيَتها.
وثالثها (٢): شَيم برق الكشف، وهو مطالعته واستشرافه والنظر إليه ليعلم به مواقع الغيث ومَساقط الرحمة. وليس مراده بالكشف هاهنا الكشفَ الجُزويَّ السُّفليَّ، المشتركَ بين البرِّ والفاجر والمؤمن والكافر، كالكشف عن مخبَّآت الناس ومستورهم. وإنّما هو الكشف عن ثلاثة أشياءَ هي منتهى كشف الصادقين أرباب البصائر:
أحدها: الكشف عن منازل السير.
والثاني: الكشف عن عيوب النفس وآفات الأعمال ومُفسداتها.
والثالث: الكشف عن معاني الأسماء والصِّفات وحقائق التوحيد والمعرفة.
وهذه الأبواب الثلاثة هي مجامع علوم القوم، وعليها يحومون (٣)، وإليها يشمِّرون، فمنهم من جُلُّ كلامه ومعظمُه في السير وصفة المنازل، ومنهم من جلُّ كلامه في الآفات والقواطع (٤)، ومنهم من جلُّ كلامه في التّوحيد والمعرفة وحقائق الأسماء والصِّفات.