← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 201

تهذيب سنن أبي داود - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 675 стр.). Показаны 998–1037 · переход к 1003.

стр. 998

حديث صحيح، وسيأتي إن شاء الله تعالى (١). ٣٤٠/ ٣٠٤٥ - وعن جابر ــ وهو ابن عبد الله ــ قال: كنا مع النبي ﷺ إذ مرَّت بنا جنازة، فقام لها، فلما ذهبنا لنحمل إذا هي جنازة يهودي، فقلنا: يا رسول الله، إنما هي جنازة يهودي، فقال: «إنَّ الموت فَزَع، فإذا رأيتم الجنازة فقُوموا». وأخرجاه والنسائي (٢)، وليس في حديثهم: «فلما ذهبنا لنحمل». ٣٤١/ ٣٠٤٦ - وعن علي بن أبي طالب: أن النبي ﷺ قام في الجنائز، ثم قعد بعدُ. وأخرجه مسلم والثلاثة (٣). ٣٤٢/ ٣٠٤٧ - وعن عبادة بن الصامت قال: كان رسول الله ﷺ يقوم في الجنازة حتى توضَع في اللَّحْدِ، فمَرَّ حَبْرٌ من اليهود، فقال: هكذا نفعل، فجلس النبي ﷺ وقال: «اجْلسوا، خالِفوهم». وأخرجه وابن ماجه والترمذي (٤)، وقال: غريب، وبِشْر بن رافع ليس بالقوي في الحديث.

стр. 999

وقال أبو بكر الهَمَذاني (١): ولو صح لكان صريحًا في النسخ، غير أن حديث أبي سعيد أصح وأثبت، فلا يقاومه هذا الإسناد. وقال غيره: النسخ ثابت بحديث علي (٢). قال ابن القيم ﵀: وهذا هو الذي نحاه الشافعي، قال ــ وقد روى حديث عامر بن ربيعة ــ (٣): «وهذا لا يعدو أن يكون منسوخًا، أو يكون النبي ﷺ قام لها لعلةٍ قد رواها بعض المُحدِّثين مِن أن جنازة يهودي مُرَّ بها على النبي ﷺ فقام لها كراهية أن تَطُوله (٤). وأيهما كان، فقد جاء عن النبي ﷺ تركُه بعد فعله، والحجة في الآخر من أمره؛ إن كان الأول واجبًا فالآخِر من أمره ناسخ، وإن كان استحبابًا فالآخِر هو الاستحباب، وإن كان مباحًا فلا بأس في القيام، والقعودُ أحب إلي، لأنه الآخر من فعله». ثم ذكر حديث علي. اختلف أهل العلم في القيام [ق ١٦٧] للجنازة وعلى القبر على أربعة أقوال:

стр. 1000

أحدها: أن ذلك كلَّه منسوخ؛ قيام تابِعها، وقيام من مرَّت عليه، وقيام المشيّع على القبر. قال هؤلاء: وما جاء من القعود نَسْخٌ لهذا كلِّه. وهذا المذهب ضعيف من ثلاثة أوجه: أحدها: أن شرطَ النسخِ المعارضةُ والتأخر، وكلاهما منتفٍ في القيام على القبر بعد الدفن، وفي استمرار قيام المشيّعين حتى توضع، وإنما يمكن دعوى النسخ في قيام القاعد الذي تمر به الجنازة على ما فيه. الثاني: أن أحاديث القيام كثيرة صحيحة صريحة في معناها، فمنها حديث عامر بن ربيعة، وهو في «الصحيحين»، وفي بعض طرقه: «إذا رأى أحدكم الجنازة فإن لم يكن ماشيًا معها فليَقُم حتى تخلِّفَه، أو توضع مِن قَبل أن تخلفه» (١). وفي لفظ: «إذا رأى أحدكم الجنازة فليقم حين يراها حتى تخلِّفه» (٢). ومنها: حديث أبي سعيد، وهو متفق عليه، ولفظهما (٣): «إذا اتبعتم جنازة فلا تجلسوا حتى توضع». وفي لفظ لهما (٤): «إذا رأيتم الجنازة فقوموا، فمن تبعها فلا يجلسْ حتى توضع». وهو دليل على القيام في المسألتين. ومنها: حديث جابر في قيامه لجنازة يهودي، وهو في «الصحيحين» (٥).

стр. 1001

وتعليله بأن ذلك كراهية أن تَطُولَه تعليل باطل، فإن النبي ﷺ علَّل بخلافه. وعنه في ذلك ثلاث علل: إحداها (١): قوله: «إن الموت فزع»، ذكره مسلم في حديث جابر، وقال: «إن الموت فزع فإذا رأيتم الجنازة فقوموا». الثانية: أنه قام للملائكة، كما روى النسائي (٢) عن أنس: أن جنازة مرت برسول الله ﷺ فقام، فقيل: إنها جنازة يهودي، فقال: «إنما قمنا للملائكة». الثالثة: التعليل بكونها نَفْسًا، وهذا في «الصحيحين» (٣) من حديث قيس بن سعد وسهل بن حُنَيف قالا: إن رسول الله ﷺ مرت به جنازة فقام، فقيل: إنه يهودي، فقال: «أليست نفسًا؟». فهذه هي العلل الثابتة عنه. وأما التعليل بأنه كراهية أن تطوله، فلم يأت في شيء من طرق هذا الحديث الصحيحة. ولو قُدِّر ثبوتها فهي ظن من الراوي، وتعليل النبي ﷺ الذي ذكره بلفظه أولى. فهذه الأحاديث مع كثرتها وصحتها كيف يقدَّم عليها حديثُ عبادة مع ضعفه؟! وحديث علي، وإن كان في «صحيح مسلم»، فهو حكاية فعلٍ لا عموم له، وليس فيه لفظ عامٌّ يحتج به على النسخ، وإنما فيه أنه قام وقعد، وهذا

стр. 1002

يدل على أحد أمرين: إما أن يكون كل منهما جائزًا، والأمر بالقيام ليس على الوجوب، وهذا أولى من النسخ. قال الإمام أحمد (١): إن قام لم أَعِبْه، وإن قعد فلا بأس. وقال القاضي وابن أبي موسى: القيام مستحب، ولم يرياه منسوخًا (٢). وقال بالتخيير إسحاقُ، وعبد الملك بن حبيب، وابن الماجشون (٣). وبه تأتلف الأدلة. أو يدلَّ على نسخ قيام القاعد الذي يُمَرّ عليه بالجنازة، دون استمرار قيام مُشَيِّعِها، كما هو المعروف من مذهب أحمد عند أصحابه (٤)، وهو مذهب مالك (٥) وأبي حنيفة (٦). الثالث: أن أحاديث القيام لفظ صريح، وأحاديث الترك إنما هي فِعْل مُحتمِل لما ذكرنا من الأمرين، فدعوى النسخ غير بينة، والله أعلم. وقد عمل الصحابة بالأمرين بعد النبي ﷺ ، فقعد علي وأبو هريرة ومروان، وقام أبو سعيد (٧)، ولكن هذا في قيام التابع، والله أعلم.

стр. 1003

١٣ - باب المشي أمام الجنازة ٣٤٣/ ٣٠٥٠ - عن سالم ــ وهو ابن عبد الله بن عمر ــ عن أبيه قال: رأيت النبي ﷺ وأبا بكر وعمر ﵄ يمشون أمام الجنازة. وأخرجه النسائي وابن ماجه والترمذي (١)، وقال: وأهل الحديث كأنّهم يرون الحديث المرسل في ذلك أصح. وحَكى (٢) أن البخاري قال: والحديث هو هذا ــ يعني المرسل ــ. قال الترمذي (٣): رواه معمر ويونس ومالك وغير واحد من الحفاظ عن الزهري: أن النبي ﷺ كان يمشي أمام الجنازة. قال الزهري، وأخبرني سالم أن أباه كان يمشي أمام الجنازة. وسمعت يحيى بن موسى يقول: قال عبد الرزاق: قال

стр. 1004

ابن المبارك: حديث الزهري في هذا مرسلًا أصح من حديث ابن عيينة. وقال النسائي (١): هذا خطأ، والصواب مرسل. وقالت طائفة من متأخرِّي المحدثين: هذا غير مؤثِّر، ووصله صحيح. قال البيهقي (٢): من وصله واستقرَّ على وصله ولم يُختلف عليه فيه ــ وهو سفيان بن عيينة ــ حجة ثقة. وقال غيره (٣): سفيان بن عيينة من الأثبات الحفاظ، وقد أتى بزيادة على من أرسل، فوجب تقديمه (٤). قال ابن القيم ﵀: ومثل هذا لا يعبأ به أئمةُ الحديث شيئًا، ولم يخفَ عليهم أن سفيان حجة ثقة، وأنه قد وصله، فلم يستدرك عليهم المتأخرون شيئًا لم يعرفوه. وقال آخرون: قد تابع ابنَ عيينة على روايته إياه عن الزهري عن سالم عن أبيه: يحيى بن سعيد، وموسى بن عقبة (٥)، وزياد بن سعد، وبكر، ومنصور (٦)،

стр. 1005

وابن جريج (١)، وغيرهم. ورواه عن الزهري مرسلًا: مالك، ويونس، ومعمر (٢). وليس هؤلاء الذين وصلوه بدون الذين أرسلوه. فهذا كلام على طريقة أئمة الحديث، وفيه استدراك وفائدة تُستفاد. قال المصححون لإرساله: الحديث هو لسفيان، وابن جريج أخذه عن سفيان. قال الترمذي (٣): قال ابن المبارك: وأرى ابن جريج أخذه عن سفيان. قالوا: وأما رواية منصور وزياد بن سعد وبكر، فإنها من رواية همام. وقد قال الترمذي في «الجامع» (٤): «وروى همام بن يحيى هذا الحديث عن زياد بن سعد ومنصور وبكر وسفيان، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، وإنما هو سفيان بن عيينة روى عنه همام»، يعني أن الحديث لسفيان وحده، روى عنه همام كذلك. وفي هذا نظر لا يخفى، فإن همامًا قد رواه عن هؤلاء

стр. 1006

عن الزهري ويبعد أن يكونوا كلهم دلَّسوه عن سفيان ولم يسمعوه من الزهري. وهذا يحيى بن سعيد مع تثبته وإتقانه [ق ١٦٨] يرويه كذلك عن الزهري، وكذلك موسى بن عقبة (١)، فلأي شيءٍ يحكم للمُرسِلين على الواصلين؟ وقد كان ابن عيينة مُصرًّا على وصله، ونوظر فيه فقال: الزهري حدَّثنيه مرارًا، فسمعته مِن فيه، يُعيده ويُبديه: عن سالم، عن أبيه (٢). وقد روى الترمذي في «جامعه» (٣) من حديث يونس، عن ابن شهاب، عن أنس: أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يمشون أمام الجنازة. قال الترمذي: هذا غير محفوظ، وسألت محمدًا عن هذا الحديث، فقال: هذا حديث خطأ، أخطأ فيه محمد بن بكر، وإنما يُروى هذا الحديث عن يونس عن الزهري: أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يمشون أمام الجنازة، قال الزهري: وأخبرني سالم أن أباه كان يمشي أمام الجنازة. قال محمد: والحديث الصحيح هو هذا. آخر كلام البخاري. وسيأتي (٤) بعد هذا حديث ابن مسعود: «الجنازة متبوعة، ليس معها من

стр. 1007

تَقَدَّمها»، وأنه ضعيف. وذكر ابن عبد البر (١) من حديث أبي هريرة يرفعه: «امشُوا خلفَ الجنازة»، وفيه كنانة مولى صفية، لا يحتج به. وذكر أبو أحمد (٢) عن سهل بن سعد: «أن النبي ﷺ كان يمشي خلف الجنازة». وهو من حديث يحيى بن سعيد الحِمصي العطار، منكر الحديث. ١٤ - باب الصلاة على الجنازة في المسجد ٣٤٤/ ٣٠٦١ - عن عبّاد بن عبد الله بن الزبير عن عائشة قالت: «واللهِ ما صلَّى رسول الله ﷺ على سهيل بن البيضاء إلا في المسجد». وأخرجه مسلم (٣). ٣٤٥/ ٣٠٦٢ - وعن أبي سلمة عن عائشة قالت: «واللهِ لقد صلَّى رسول الله ﷺ على ابنَي بيضاء في المسجد: سهيلٍ وأخيه». وأخرجه مسلم (٤)، وفيه ذكر القَسَم. ٣٤٦/ ٣٠٦٣ - وعن صالح مولى التَّوأمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «مَن صَلَّى على جنازةٍ في المسجد فلا شيء عليه» (٥).

стр. 1008

قال الخطيب (١): كذا في الأصل. وأخرجه ابن ماجه (٢) ولفظه: «فليس له شيء». قال ابن القيم ﵀: [وهو المحفوظ في كتاب «السنن» لأبي داود (٣). ورواه الإمام أحمد في «المسند» (٤) ولفظه: «فلا شيء له»] (٥). هذا الحديث فيه أربعة ألفاظ: أحدها: «فلا شيء» فقط، وهي في بعض نسخ «السنن». اللفظ الثاني: «فلا شيء عليه»، وهي رواية الخطيب. اللفظ الثالث: «فلا شيء له»، وهي رواية ابن ماجه (٦).

стр. 1009

اللفظ الرابع: «فليس له أجر»، ذكره أبو عمر في «التمهيد» (١). وقال: هو خطأ لا إشكال فيه. قال: والصحيح: «فلا شيء له». وهذا الذي قاله أبو عمر في حديث أبي هريرة هو الصواب، لأن فيه: «قال صالح: فرأيت الجنازة توضع في المسجد: فرأيت أبا هريرة إذا لم يجد موضعًا إلا في المسجد انصرف (٢) ولم يُصلِّ عليها». ذكره البيهقي (٣) في حديث صالح. [وقد ضعَّف الإمام أحمد هذا الحديث وقال: «هو مما انفرد به صالح مولى التوأمة». وقال مالك: ليس بثقة. وقال غيره: كان صالحٌ ثقةً إلا أنه اختلط في آخر عمره فضُعِّف حديثه لأجل الاختلاط] (٤). وقد قال بعض أهل الحديث: ما رواه ابن أبي ذئب عن صالح فهو لا بأس به، لأنه روى عنه قبل الاختلاط (٥). وهذا الحديث من رواية ابن أبي

стр. 1010

ذئب عنه. وقال ابن عدي (١): وممن سمع من صالح قديمًا: ابن أبي ذئب، وابن جريج، وزياد بن سعد وغيرهم، ولحقه مالك والثوري وغيرهم بعد الاختلاط. [وقد ذهب الطحاوي (٢) إلى أن صلاة النبي ﷺ على سهيل بن بيضاء في المسجد منسوخة، وأن ترك ذلك آخرُ الفعلين منه بدليل إنكار عامة الصحابة ذلك على عائشة، وما كانوا ليفعلوه إلا لِما علموا خلاف ما فعلتْ (٣). وقال البيهقي (٤): لو كان عند أبي هريرة نسخ ما رَوَتْه عائشةُ لذكره يوم صُلِّي على أبي بكر في المسجد، ويوم صُلِّي على عمر في المسجد (٥)، ولَذكره مَن أنكر على عائشة أَمْرَها بإدخاله المسجد، ولَذكره أبو هريرة يوم روت فيه الخبر المنسوخ، وإنما أنكره مَن لم يكن عنده علم بجوازه، فلما روت لهم عائشة الحديث سكتوا وصدروا عنه ولم ينكروه ولا عارضوه. قال الخطابي (٦): وقد ثبت أن أبا بكر وعمر صلِّي عليهما في المسجد،

стр. 1011

ومعلوم أن عامة المهاجرين والأنصار شهدوا الصلاة عليهما، وفي تركهم إنكارَه الدليلُ على جوازه. وقد يحتمل أن يكون معنى حديث أبي هريرة ــ إن ثبت ــ نقصان الأجر، لأن من صلّى عليها في المسجد الغالبُ أنه ينصرف إلى أهله ولا يشهد دفنه، ومن سعى إلى الجنازة فصلّى عليها بحضرة المقابر شهد دفنها وأحرز أجر القيراطين، وقد يؤجر أيضًا على كثرة خُطاه، فصار الذي يصلِّي عليها في المسجد منقوصَ الأجر بالإضافة إلى هذا. وقال بعضهم: «لا شيء له» أي: لا شيء عليه، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧]. وهذا والذي قبله ضعيفان] (١). ١٥ - باب الصلاة على القبر ٣٤٧/ ٣٠٧٤ - عن أبي هريرة أن امرأة سوداء أو رجلًا كان يَقُمُّ المسجدَ، ففقده النبي ﷺ فسأل عنه؟ فقيل: مات، فقال: «ألّا آذنتموني به؟» قال: «دُلُّوني على قبره»، فدلُّوه، فصلَّى عليه. وأخرجاه (٢). قال ابن القيم ﵀: وقد روى البخاري (٣) عن ابن عباس: أن النبي ﷺ قام على قبر منبوذ فأَمَّهم وصَلَّوا خلفه. قال الترمذي (٤): وفي الباب عن أنس، وبريدة، ويزيد بن ثابت، وأبي

стр. 1012

هريرة، وعامر بن ربيعة، وأبي قتادة، وسهل بن حُنَيف (١). قال الترمذي: «حديث ابن عباس حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، وهو قول الشافعي وأحمد (٢) وإسحاق. وقال بعض أهل العلم: لا يُصلَّى على القبر، وهو قول مالك بن أنس (٣). وقال عبد الله بن المبارك: إذا دُفن الميت ولم يُصَلَّ عليه صُلِّي على القبر». وقال الإمام أحمد (٤): ومن يشك في الصلاة على القبر؟ يُروى عن النبي ﷺ من ستة وجوه كلها حسان. وقد روى مسلم في «صحيحه» (٥) عن أنس: أن النبي ﷺ صلى على قبر. وفي «الصحيحين» (٦) عن ابن عباس قال: مات إنسان كان رسول الله ﷺ يعوده ــ فذكر الحديث ــ وفيه: «فأتى قبره فصلى عليه». ولكن هذه الأحاديث إنما تدل على قول ابن المبارك، فإنها وقائع أعيان، والله تعالى أعلم.

стр. 1013

١٦ - باب في اللحد ٣٤٨/ ٣٠٧٩ - عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «اللَّحْدُ لنا، وَالشَّقُّ لِغَيرنا». وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه (١)، وقال الترمذي: غريب. هذا آخر كلامه. وفي إسناده: عبد الأعلى بن عامر الثعلبي، ولا يحتج بحديثه. وأخرجه ابن ماجه (٢) أيضًا من حديث جرير بن عبد الله البجَلي عن النبي ﷺ . وفي إسناده: أبو اليقظان عثمان بن عمير البجلي الكوفي، ولا يحتج بحديثه، وذكر ابن عدي (٣) أنه لا يتابعه عليه أحد. قال ابن القيم ﵀: وقد روى مسلم في «صحيحه» (٤) من حديث سعد بن أبي وقاص أنه قال في مرضه الذي هلك فيه: «الحَدُوا لي لحدًا، وانْصِبوا عليَّ اللَّبِن نَصْبًا، كما صُنع برسول الله ﷺ ». ١٧ - باب الجلوس عند القبر ٣٤٩/ ٣٠٨٣ - عن البراء بن عازب، قال: «خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولم يُلْحَدْ بعدُ، فجلس النبي ﷺ مستقبل القبلة وجلسنا معه». وأخرجه النسائي وابن ماجه (٥).

стр. 1014

قال ابن القيم ﵀: وأخرجه الإمام أحمد والحاكم في «صحيحه» (١). وقد أعله أبو حاتم البُستي (٢) بأن قال: زاذان لم يسمعه من البراء، قال: ولذلك لم أخرجه. وهذه العلة فاسدة، فإن زاذان قال: سمعت البراء بن عازب يقول: (فذكره). ذكره أبو عوانة الإسفراييني في «صحيحه» (٣). وأعله ابن حزم (٤) أيضًا بضعف المنهال بن عمرو. وهى علة فاسدة، فإن المنهال ثقة صدوق، وقد صححه أبو نُعَيم وغيره (٥).

стр. 1015

١٨ - باب في تسوية القبر ٣٥٠/ ٣٠٨٨ - عن أبي هَيَّاج الأسدي، قال: بعثني عليٌّ قال: أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ : أن لا أدَعَ قبرًا مُشْرِفًا إلا سَوَّيتُه، ولا تمثالًا إلا طَمَسْتُه. وأخرجه مسلم (١). ٣٥١/ ٣٠٨٩ - وعن أبي علي الهَمْداني ــ وهو ثُمامة بن شُفَيٍّ، مِن تابعي أهل مصر ــ قال: كنا مع فَضالة بن عُبيد برُودِسَ بأرض الروم، فتُوفِّي صاحب لنا، فأمر فَضالة بقبره فَسُوِّي ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يأمر بتسويتها. وأخرجه مسلم (٢). ٣٥٢/ ٣٠٩٠ - وعن القاسم ــ وهو ابن محمد بن أبي بكر الصديق ــ قال: دخلت على عائشة فقلت: يا أُمَّه، اكشِفي لي عن قبر النبي ﷺ وصاحبيه ﵄، فكشفتْ لي عن ثلاثة قبور، لا مُشْرِفة ولا لاطِئة، مَبْطوحة بِبَطْحاء العَرْصة الحمراء. قال أبو علي: يقال: رسول الله ﷺ مُقَدَّم، وأبو بكر عند رأسه، وعمر عند رجليه، رأسه عند رِجلَي رسول الله ﷺ (٣). قال ابن القيم ﵀: [وفي «صحيح البخاري» (٤) عن سفيان التمَّار أنه رأى قبر النبي ﷺ مُسنَّمًا] (٥). وهذه الآثار لا تضاد بينها، والأمر بتسوية القبور إنما هو [ق ١٦٩]

стр. 1016

تسويتها بالأرض، وأن لا تُرفَع مشرِفةً عالية، وهذا لا يناقض تسنيمها شيئًا يسيرًا عن الأرض. ولو قُدِّر تعارضها فحديث سفيان التمَّار أصحّ من حديث القاسم. وقال البيهقي (١): «وحديث القاسم بن محمد في هذا الباب أصح وأولى أن يكون محفوظًا». وليس الأمر كذلك، فحديث سفيان رواه البخاري في «صحيحه»، وحديث القاسم لم يروه أحد من أصحاب الصحيح. قال الشيخ أبو محمد المقدسي (٢): حديث سفيان التمار أثبت وأصح، فكان العمل به أولى. قال البيهقي (٣) في حديث سفيان: وصحت رؤية سفيان له مسنَّمًا، فكأنه غُيِّرَ ــ يعني القبر ــ عما كان عليه في القديم، فقد سقط جداره في زمن الوليد بن عبد الملك، ثم أُصلِح. ١٩ - باب الميت يُصَلَّى على قبره بعد حين ٣٥٣/ ٣٠٩٣ - عن عقبة بن عامر: أن رسول الله ﷺ خرج يومًا فصلّى على أهل أُحُدٍ صلاته على الميت، ثم انصرف. ٣٥٤/ ٣٠٩٤ - وفي رواية: أن النبي ﷺ صلى على قتلى أُحُدٍ بعدَ ثمان سنين، كالمُودِّع للأحياء والأموات.

стр. 1017

وأخرجاه والنسائي (١). قال ابن القيم ﵀: وتبويب أبي داود وذِكرُه هذا الحديثَ يدل على أن ذلك لا يتقيد عنده بوقت، لا شهر ولا غيره. وقد روى سعيد بن المسيب: أن رسول الله ﷺ صلى على أمِّ سعدٍ بعد موتها بشهر (٢). وهذا مرسل صحيح. وصلى على قتلى أحد بعد ثمان سنين، وصلى على غير واحد في القبر لِدُون الشهر، ولم يأت في التحديد نص. وصلاته على أم سعد بعد شهر لا ينفي الصلاة بعد أزيدَ منه. وكونُ الميت في الغالب لا يبقى أكثر من شهر لا معنى له، فإن هذا يختلف باختلاف الأرض، والعظامُ تبقى مدة طويلة، ولا تأثير لتمزُّق اللحوم. ٢٠ - باب كراهية اتخاذ القبور مساجد (٣) ٣٥٥/ ٣٠٩٧ - وعن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: «قاتَل اللهُ اليهودَ اتَّخذُوا قبورَ أنبيائِهم مساجدَ».

стр. 1018

وأخرجاه والنسائي (١). قال ابن القيم ﵀: وفي «صحيح أبي حاتم بن حبان» (٢) من حديث عاصم، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مِن شرار الناس مَن تدركهم الساعةُ وهم أحياء، ومن يتخذ القبور مساجد». وفي «صحيح مسلم» (٣) عن جندب بن عبد الله البَجَلي قال: سمعت رسول الله ﷺ قبل أن يموت بخمسٍ وهو يقول: «إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلًا، كما اتخذ إبراهيم خليلًا. ولو كنت متخذًا من أمتي خليلًا لاتخذتُ أبا بكرٍ خليلًا. وإن مَن كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد؛ إني أنهاكم عن ذلك». وفي «الصحيحين» (٤) عن عائشة: أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرَتا كنيسةً رأتاها بالحبشة فيها تصاوير لرسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : «إن أولئكِ إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بَنَوا على قبره مسجدًا وصوَّروا فيه تلك الصور، أولئكِ شرار الخلق عند الله يوم القيامة». وزاد البخاري (٥): أن هذه

стр. 1019

الكنيسة ذُكرت للنبي ﷺ في مرضه الذي مات فيه. وفي «الصحيحين» (١) عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ في مرضه الذي لم يقم منه: «لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، قالت: ولولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشي أن يُتَّخذ مسجدًا. وفي «صحيح مسلم» (٢) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». وفي «الصحيحين» (٣) عن عائشة وابن عباس قالا: لما نُزِل برسول الله ﷺ طَفِق يطرَح خميصةً له على وجهه، فإذا اغتمَّ كشفها عن وجهه، فقال وهو كذلك: «لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، يحذِّر مثل ما صنعوا. وفي «صحيح أبي حاتم» (٤) عن أبي صالح عن ابن عباس قال: «لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور، والمتّخذات عليها المساجد والسرج». قال أبو حاتم: أبو صالح هذا اسمه ميزان (٥) ثقة، وليس بصاحب الكلبي، ذاك

стр. 1020

اسمه باذام. وقال الإشبيلي (١): هو باذام صاحب الكلبي، وهو عندهم ضعيف جدًّا. وكان شيخنا أبو الحجاج المِزِّي يرجح هذا أيضًا (٢). ٢١ - باب المشي في الحذاء بين القبور ٣٥٦/ ٣١٠٠ - عن بشير مولى رسول الله ﷺ ــ وكان اسمه في الجاهلية: زَحْم بن مَعْبد، فهاجر إلى رسول الله ﷺ فقال: «ما اسمك؟» فقال: زحم، قال: «بل أنت بشير» ــ قال: بينما أنا أُماشي رسولَ الله ﷺ مَرَّ بقبورِ المشركين، فقال: «لقد سَبَقَ هؤلاء خيرًا كثيرًا» ــ ثلاثًا ــ ثم مَرَّ بقبور المسلمين، فقال: «لقد أدرك هؤلاء خيرًا كثيرًا». وحانت من رسول الله ﷺ نظرةٌ، فإذا رجلٌ يمشي في القبور عليه نعلان، فقال: «يَا صَاحِبَ السِّبْتِيَّتَين، وَيحَك! أَلْقِ سِبْتِيَّتَيك»، فنظر الرجل، فلما عرف رسولَ الله ﷺ خلعهما فرمى بهما. وأخرجه النسائي وابن ماجه (٣). وبشير هذا هو: ابن الخَصاصيَّة، وهي أمه.

стр. 1021

٣٥٧/ ٣١٠١ - وعن أنس، عن النبي ﷺ قال: «إنَّ العبد إذا وُضِعَ في قبره وتَوَلّى عنه أصحابُه إنَّه لَيَسْمَع قَرْعَ نِعالهم». وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي (١). قال ابن القيم ﵀: وقد اختلف الناس في هذين الحديثين، فضعّفت طائفة حديث بشير. قال البيهقي (٢): رواه جماعة عن الأسود بن شيبان، ولا يُعرَف إلا بهذا الإسناد، وقد ثبت عن أنس عن النبي ﷺ : (فذكر هذا الحديث). وقال أحمد بن حنبل ﵀ (٣): حديث بشير إسناده جيد أذهب [ق ١٧٠] إليه، إلا من علة. قال المجوِّزون: يحتمل أن يكون النبي ﷺ رأى بنعليه قذرًا فأمره أن يخلعهما. ويحتمل أن يكون كره له المشي فيهما لِما فيه من الخيلاء، فإن النعال السِّبتية من زِيِّ أهل التنعُّم والرفاهية، كما قال عنترة (٤): بطَلٍ كأن ثيابه في سَرْحَة ... يُحذى نعالَ السِّبْت ليس بتوأم وهذا ليس بشيء، ولا ذِكْر في الحديث لشيء من ذلك. ومن تدبر نهي النبي ﷺ عن الجلوس على القبر، والاتكاء إليه، والوطء عليه= علم أن

стр. 1022

النهي إنما كان احترامًا لسُكّانها أن يُوطأ بالنعال فوق رؤوسهم. ولهذا يُنهى عن التغوط بين القبور. وأخبر النبي ﷺ أن الجلوس على الجمر حتى تُحرِق الثياب خير من الجلوس على القبر (١)، ومعلوم: أن هذا أخف من المشي بين القبور بالنعال. وبالجملة، فاحترام الميت في قبره بمنزلة احترامه في داره التي كان يسكنها في الدنيا، فإن القبر قد صار داره. وقد تقدم (٢) قوله ﷺ : «كسرُ عظمِ الميت ككسره حيًّا»، فدل على أن احترامه في قبره كاحترامه في داره. والقبور هي ديار الموتى ومنازلهم ومحل تزاوُرِهم، وعليها تنزل الرحمة من ربهم والفضل على محسنهم، فهي منازل المرحومين ومَهبِط الرحمة، ويَلقَى بعضُهم بعضًا على أفنية قبورهم، يتجالسون ويتزاورون، كما تضافرت به الآثار. ومن تأمل «كتاب القبور» لابن أبي الدنيا رأى فيه آثارًا كثيرة في ذلك. فكيف يُستبعَد أن يكون من محاسن الشريعة إكرامُ هذه المنازل عن وطئها بالنعال واحترامها؟ بل هذا من تمام محاسنها، وشاهده ما ذكرناه من وطئها، والجلوس عليها والاتكاء عليها. وأما تضعيف حديث بشير، فممّا لم نعلم أحدًا طعن فيه، بل قد قال الإمام أحمد: إسناده جيد. وقال عبد الرحمن بن مهدي: كان عبد الله بن

стр. 1023

عثمان يقول فيه: حديث جيد ورجل ثقة (١). وأما معارضته بقوله ﷺ : «إنه ليَسمع قرعَ نعالهم»، فمعارضةٌ فاسدة، فإن هذا إخبار من النبي ﷺ بالواقع وهو سماع الميت قرع نعال الحي، وهذا لا يدل على الإذن في قرع القبور والمشي بينها بالنعال، إذ الإخبار عن وقوع الشيء لا يدل على جوازه ولا تحريمه ولا حُكْمه، فكيف يُعارَض النهيُ الصريح به؟ قال الخطابي (٢): ثبت أن رسول الله ﷺ نهى أن توطأ القبور. وقد روى ابن ماجه في «سننه» (٣) عن أبي الخير عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : «لَأن أمشي على جمرة أو سيف، أو أخصف نعلي برجلي أحب إلي من أن أمشي على قبر مسلم، وما أبالي أَوَسط القبر ــ كذا قال ــ

стр. 1024

قضيتُ حاجتي، أو وسط الطريق (١)». وعلى هذا، فلا فرق بين النعل والجُمْجُم (٢) والمَداس والزَّرْبُول (٣). وقال القاضي أبو يعلى (٤): ذلك مختص بالنعال لا يتعدّاها إلى غيرها، قال: لأن الحكم تعبُّد غيرُ معلَّل، فلا يتعدّى موردَ النص. وفيما تقدم كفاية في رد هذا، وبالله التوفيق. ٢٢ - باب في زيارة النساء القبور ٣٥٨/ ٣١٠٦ - عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: لعنَ رسولُ الله ﷺ زائراتِ القبورِ والمتخذين عليها المساجدَ والسُّرُج. وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه (٥). وقال الترمذي: حديث حسن. وفيما قاله نظر، فإن أبا صالح هذا هو باذام، ويقال: باذان، مكي مولى أم هانئ بنت أبي طالب، وهو صاحب الكلبي. وقد قيل: إنه لم يسمع من ابن عباس، وقد تكلم فيه جماعة من الأئمة.

стр. 1025

وقال ابن عدي (١): ولم أعلم أحدًا من المتقدمين رضيه. وقد نَقَل (٢) عن يحيى بن سعيد القطان وغيره تحسينَ أمره، فلعله يريد: رضيه حجةً، أو قال: هو ثقة. قال ابن القيم ﵀: وقد تقدم أن أبا حاتم (٣) خالفه في ذلك وقال: أبو صالح هذا هو ميزان (٤) ثقة، وليس بصاحب الكلبي، ذاك اسمه باذام. وقد أخرج الترمذي (٥) من حديث عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ لعن زوَّارات القبور. قال: هذا حديث حسن صحيح ــ وأخرجه ابن حبان في «صحيحه» (٦) ــ، وفي الباب عن ابن عباس (٧) وحسان. وحديث حسان بن ثابت قد أخرجه الإمام أحمد في «مسنده» (٨).

стр. 1026

وروى ابن حبان في «صحيحه» (١) من حديث ربيعة بن سيف المَعافري، عن أبي عبد الرحمن الحُبُلي، عن عبد الله بن عمرو قال: قبَرْنا مع رسول الله ﷺ يومًا، فلما فرغنا انصرف رسول الله ﷺ وانصرفنا معه، فلما حاذى بابَه وتوسّط الطريق إذا نحن بامرأة مُقبِلة، فلما دنتْ إذا هي فاطمة، فقال لها رسول الله ﷺ : «ما أخرجكِ يا فاطمة من بيتِك؟» قالت: يا رسول الله [أتيتُ] (٢) أهل هذا الميت فعَزَّينا ميّتهم، فقال لها رسول الله ﷺ : «فلعلّك بلغتِ معهم الكُدَى؟» قالت: معاذ الله، وقد سمعتُك تذكر فيها ما تذكر. قال: «لو بلغتِ معهم الكُدَى ما رأيتِ الجنة حتى يراها جدُّ أبيكِ!». فسألتُ ربيعة عن الكدى؟ فقال: القبور. قال أبو حاتم: يريد الجنة العالية التي يدخلها من لم يرتكب نهيَ رسول الله ﷺ ، لأن فاطمة علمت النهيَ فيه قبل ذلك، والجنة هي جنان كثيرة، لا جنة واحدة، والمشرك لا يدخل الجنة أصلًا، لا عاليةً ولا سافلةً ولا ما بينهما. وقد طعن غيره في هذا الحديث، وقالوا: هو غير صحيح، لأن ربيعة [ق ١٧١] بن سيف هذا ضعيف الحديث، عنده مناكير (٣).

стр. 1027

وقد اختلف في زيارة القبور للنساء على ثلاثة أقوال: أحدها: التحريم، لهذه الأحاديث. والثاني: يكره من غير تحريم. وهذا منصوص أحمد في إحدى الروايات عنه (١). وحجة هذا القول: حديث أم عطية المتفق عليه (٢): «نُهِينا عن اتباع الجنائز، ولم يُعزَم علينا». وهذا يدل على أن النهي عنه للكراهة لا للتحريم. والثالث: أنه مباح لهن غير مكروه، وهو الرواية الأخرى عن أحمد. واحتج لهذا القول بوجوه: أحدها: ما رواه (٣) مسلم في «صحيحه» (٤) من حديث بريدة عن النبي ﷺ قال: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها». وفيه أيضًا (٥) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «زوروا القبور فإنها تذكر الموت». قالوا: وهذا الخطاب يتناول النساء بعمومه بل هن المراد به، فإنه إنما

стр. 1028

علم نهيه عن زيارتها للنساء دون الرجال، وهذا صريح في النسخ، لأنه قد صرح فيه بتقدم النهي، ولا ريب في أن المنهي عن زيارة القبور هو المأذون له فيها، والنساء قد نُهِين عنها فيتناولهن الإذن. قالوا: وأيضًا فقد قال عبد الله بن أبي مُلَيكة لعائشة يا أم المؤمنين مِن أين أقبلتِ؟ قالت: من قبر أخي عبد الرحمن، فقلت لها: قد نهى رسول الله ﷺ عن زيارة القبور؟ قالت: نعم، قد نهى ثم أمر بزيارتها. رواه البيهقي (١) من حديث يزيد بن زُرَيع، عن بِسطام بن مُسْلم، عن أبي التَّيّاح عن ابن أبي مُلَيكة. [وروى الترمذي (٢) عن ابن أبي مليكة] (٣) قال: توفي عبد الرحمن بن أبي بكر بِحُبْشيّ، فحمل إلى مكة فدفن، فلما قدمت عائشة أتت قبر عبد الرحمن، فقالت (٤): وكنا كنَدْمانَي جَذِيمةَ حِقبةً ... من الدهر حتى قيل لن يتصدَّعا فلما تفرقنا كأنّي ومالكًا ... لطول اجتماع لم نَبِت ليلةً معا

стр. 1029

ثم قالت: والله لو حضرتك، ما دُفِنتَ إلا حيث متَّ، ولو شهدتُك ما زرتُك. قالوا: وأيضًا فقد ثبت في «الصحيحين» (١) من حديث أنس قال: مَرَّ النبي ﷺ بامرأةٍ عند قبر تبكي على صبي لها، فقال لها: «اتقي الله واصبري»، فقالت: وما تبالي بمصيبتي؟! فلما ذهب (٢) قيل لها: إنه رسول الله ﷺ ، فأخذها مثل الموت، فأتت بابه، فلم تجد على بابه بوابين، فقالت: يا رسول الله لم أَعرِفْك، فقال: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى». وترجم عليه البخاري: «باب زيارة القبور». قالوا: ولأن تعليله زيارتَها بتذكير الآخرة أمر يشترك فيه الرجال والنساء، وليس الرجال بأحوج إليه منهن. قال الأولون: أحاديث التحريم صريحة في معناها، فإن رسول الله ﷺ لعن النساء على الزيارة، واللعن على الفعل من أدل الدلائل على تحريمه، ولا سيما وقد قرنه في اللعن بالمتخذين عليها المساجد والسرج، وهذا غير منسوخ، بل لعن في مرض موته مَن فعله، كما تقدم. قالوا: وقوله ﷺ : «كنت نهيتكم» إنما هو صيغة خطاب الذكور، والإناثُ وإن دخلن فيه تغليبًا، فهذا حيث لا يكون دليل صريح يقتضي عدم دخولهن، وأحاديث التحريم من أظهر القرائن على عدم دخولهن في خطاب الذكور.

стр. 1030

قالوا: وأما قولكم: إن النهي إنما كان للنساء خاصة، فغير صحيح، لأن قوله: «كنت نهيتكم» خطاب للذكور أصلًا ووضعًا، فلا بد وأن يتناولهم. ولو كان النهي إنما كان للنساء خاصةً لقال: «كنت نهيتكن» ولم يقل «نهيتكم». بل كان في أول الإسلام قد نهى عن زيارة القبور صيانةً لجانب التوحيد، وقطعًا للتعلق بالأموات، وسدًّا لذريعة الشرك التي أصلها من عبادة القبور، كما قال ابن عباس (١). فلما تمكّن التوحيد من قلوبهم واضمحلّ الشرك واستقر الدين أَذِن في زيارةٍ يحصل بها مزيدُ الإيمان وتذكيرُ ما خُلِق العبد له من دار البقاء، فأذِن حينئذ فيها، فكان نهيه عنها للمصلحة وإذنُه فيها للمصلحة. وأما النساء، فإن هذه المصلحة وإن كانت مطلوبة منهن، لكن ما يقارن زيارتهن من المفاسد التي يعلمها الخاص والعام من فتنة الأحياء وإيذاء

стр. 1031

الأموات والفساد الذي لا سبيل إلى دفعه إلا بمنعهن منها= أعظم مفسدة من مصلحة يسيرة تحصل لهن بالزيارة. والشريعة مبناها على تحريم الفعل إذا كانت مفسدتُه أرجحَ من مصلحته، ورجحان هذه المفسدة لا خفاء به، فمنعهن من الزيارة من محاسن الشرع. وقد روى البيهقي وغيره (١) من حديث محمد ابن الحنفية عن علي: أن النبي ﷺ خرج في جنازة فرأى نسوةً جلوسًا فقال: «ما يجلسكن؟» فقلن: الجنازة فقال: «أتَحمِلن فيمن يحمل؟» قلن: لا، قال: «فتُدلين فيمن يُدلي؟» قلن: لا، قال: «فتغسلن فيمن يغسل؟» قلن: لا، قال: «فارجِعْن مأزوراتٍ غير مأجورات». وفي رواية: «فتَحْثِين فيمن يَحْثُو؟» ولم يذكر الغسل. فهذا يدل على أن اتباعهن الجنازة وِزرٌ لا أجرَ لهن فيه، إذ لا مصلحةَ لهن، ولا للميت في اتباعها، [ق ١٧٢] بل مفسدة للحي والميت. قالوا: وأما حديث عائشة، فالمحفوظ فيه حديث الترمذي مع ما فيه. وعائشة إنما قدمت مكة للحج، فمرَّت على قبر أخيها في طريقها فوقفت عليه. وهذا لا بأس به، إنما الكلام في قصد الخروج لزيارتهن. ولو قُدِّر أنها

стр. 1032

عدلت إليه وقصدت زيارته، فهي قد قالت: «لو شهدتُك لما زرتك»، وهذا يدل على أنه من المستقر المعلوم عندها: أن النساء لا يُشرَع لهن زيارة القبور، وإلا لم يكن في قولها ذلك معنى. وأما رواية البيهقي وقولها: «نهى عنها ثم أمر بزيارتها»، فهي من رواية بِسطام بن مسلم ... (١). ولو صح فهي تأولت ما تأول غيرها من دخول النساء، والحجة في قول المعصوم لا في تأويل الراوي، وتأويله إنما يكون مقبولًا حيث لا يعارضه ما هو أقوى منه، وهذا قد عارضه أحاديث المنع. قالوا: وأما حديث أنس فهو حجة لنا، فإنه لم يُقِرَّها بل أمرها بتقوى الله التي هي فعل ما أمر به وترك ما نهى عنه، ومن جملتها: النهي عن الزيارة، وقال لها: «اصبري»، ومعلوم أن مجيئها إلى القبر وبكاءَها منافٍ للصبر، فلما أبت أن تقبل منه ولم تعرفه انصرف عنها، فلما علمت أنه ﷺ هو الآمر لها جاءته تعتذر إليه من مخالفة أمره. فأي دليل في هذا على جواز زيارة النساء؟ وبعدُ، فلا يُعلَم أن هذه القضية بعدَ لعنته زائراتِ القبور، ونحن نقول: إما أن تكون دالةً على الجواز فلا دلالة على تأخُّرها عن أحاديث المنع، أو تكون دالةً على المنع بأمرها بتقوى الله فلا دلالة فيها على الجواز، فعلى التقديرين: لا تُعارِض أحاديثَ المنع، ولا يمكن دعوى نسخها بها، والله أعلم.

стр. 1033

وأما قول أم عطية: «نهينا عن اتباع الجنائز»، فهو حجة للمنع، وقولُها: «ولم يُعزَم علينا» إنما نفت فيه وصفَ النهي، وهو النهي المؤكَّد بالعزيمة، وليس ذلك شرطًا في اقتضاء التحريم، بل مجرد النهي كافٍ، ولمّا نهاهن انتهَين لطَواعِيَتهن لله ولرسوله، فاستغنَين عن العزيمة، وأم عطية لم تشهد العزيمة في ذلك النهي، وقد دلت أحاديث لعنة الزائرات على العزيمة، فهي مُثبتة للعزيمة فيجب تقديمها، وبالله التوفيق. ٢٣ - باب المُحرِم يموت كيف يُصنع به ؟ ٣٥٩/ ٣١٠٨ - عن ابن عباس قال: أُتي النبي ﷺ برجل وقَصَتْه راحلته فمات وهو محرم، فقال: «كفِّنُوه في ثوبَيه واغسِلُوه بماءٍ وسدر، ولا تُخمّروا رأسَه، فإن الله يبعثه يوم القيامة يُلَبِّي». وأخرجه الباقون (١). ٣٦٠/ ٣١٠٩ - وفي رواية: «في ثوبين». ٣٦١/ ٣١١٠ - وفي رواية: «ولا تحنِّطوه» (٢). قال ابن القيم ﵀: [وفي روايةٍ لمسلم (٣): «ولا تخمِّروا وجهه ولا

стр. 1034

رأسه»، وفي رواية له (١): «ولا تغطُّوا وجهه»، وفي رواية (٢): «فإنه يُبعث وهو يُهِلُّ»] (٣). قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: في هذا الحديث خمس سنن: «كفنوه في ثوبيه» أي: يكفن الميتُ في ثوبين، و «اغسلوه بماء وسدر» أي: في الغَسَلات كلها سدر، «ولا تخمروا رأسه»، «ولا تقربوه طيبًا»، والكفن من جميع المال. قال ابن القيم ﵀: وفتح الإمام أحمد لمن بعدَه خمس سنن أخرى: إحداها: أن المحرم لا يُمنع من الغسل بالسدر. الثانية: أن الإحرام لا ينقطع بالموت، خلافًا لمن قال: يبطل إحرامه، فاستغنى الإمام أحمد عن ذكر هذه بقوله: «ولا تخمروا رأسه ولا تقربوه طيبًا»، فإن هذا يدل على أمرين، أحدهما: منع المحرم من ذلك، والثاني: أن المحرم الميت يُجنَّب ما يُجنَّبه المحرم الحي. الثالثة: أن المحرم ممنوع من تغطية وجهه، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد (٤). الرابعة: أن الماء المتغيّر بالطاهرات لا تزول طهوريَّتُه، لأنه أمر بغسله بماءٍ وسدر، ولم يخصّ غسلةً من غسلة.

стр. 1035

الخامسة: كما يدل على أن الكفن من جميع المال لا من الثلث لعدم استفصاله، فهو دال على أنه مقدّم على الدَّين أيضًا لعدم الاستفصال، وهذا كما يُقدَّم ما يستره في حياته على حق الغرماء، كذلك ما يستره في مماته، والله أعلم. * * *

стр. 1036

كتاب الأيمان والنذور ١ - باب لغو اليمين ٣٦٢/ ٣١٢٥ - عن عطاء ــ وهو ابن أبي رباح ــ: اللَّغْوُ في اليمين، قال: قالت عائشة: إن رسول الله ﷺ قال: «هو كلام الرجل في بيته: كلَّا والله، وبلى والله» (١). وذكر أن غير واحد رواه عن عطاء عن عائشة موقوفًا. قال ابن القيم ﵀: الصواب في هذا أنه قول عائشة، كذلك رواه الناس (٢)، وهو في «صحيح البخاري» (٣) عن عائشة قولُها. ورواه ابن حبان في «صحيحه» (٤) عن عائشة مرفوعًا.

стр. 1037

٢ - باب الاستثناء في اليمين ٣٦٣/ ٣١٢٩ - عن نافع، عن ابن عمر يَبلُغ به النبي ﷺ ، قال: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يمين فقال: إن شاء الله، فقد استثنَى». وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه (١)، وقال الترمذي: حديث حسن. قال ابن القيم ﵀: ولفظ النسائي (٢): «فله ثُنْياه». وفي لفظ له (٣): «فهو بالخيار: إن شاء مضى وإن شاء ترك». ولفظ الترمذي: «فلا حِنْث عليه». ولفظ ابن ماجه: «إن شاء رجع، وإن شاء ترك غيرَ حانثٍ». قال الترمذي: وقد رواه عبيد الله بن عمر وغيره، عن نافع، عن ابن عمر موقوفًا. وهكذا روى سالم (٤) عن ابن عمر موقوفًا، ولا نعلم أحدًا رفعه غيرَ أيوب السَّخْتِياني. وقال إسماعيل بن إبراهيم: كان أيوب أحيانًا يرفعه، وأحيانًا كان لا يرفعه. وروى عبد الرزاق (٥) عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: «من حلف على يمين فقال: إن شاء الله لم يحنَث». رواه الترمذي.
следующие страницы →