← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 201

تهذيب سنن أبي داود - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 675 стр.). Показаны 1033–1072 · переход к 1038.

стр. 1033

وأما قول أم عطية: «نهينا عن اتباع الجنائز»، فهو حجة للمنع، وقولُها: «ولم يُعزَم علينا» إنما نفت فيه وصفَ النهي، وهو النهي المؤكَّد بالعزيمة، وليس ذلك شرطًا في اقتضاء التحريم، بل مجرد النهي كافٍ، ولمّا نهاهن انتهَين لطَواعِيَتهن لله ولرسوله، فاستغنَين عن العزيمة، وأم عطية لم تشهد العزيمة في ذلك النهي، وقد دلت أحاديث لعنة الزائرات على العزيمة، فهي مُثبتة للعزيمة فيجب تقديمها، وبالله التوفيق. ٢٣ - باب المُحرِم يموت كيف يُصنع به ؟ ٣٥٩/ ٣١٠٨ - عن ابن عباس قال: أُتي النبي ﷺ برجل وقَصَتْه راحلته فمات وهو محرم، فقال: «كفِّنُوه في ثوبَيه واغسِلُوه بماءٍ وسدر، ولا تُخمّروا رأسَه، فإن الله يبعثه يوم القيامة يُلَبِّي». وأخرجه الباقون (١). ٣٦٠/ ٣١٠٩ - وفي رواية: «في ثوبين». ٣٦١/ ٣١١٠ - وفي رواية: «ولا تحنِّطوه» (٢). قال ابن القيم ﵀: [وفي روايةٍ لمسلم (٣): «ولا تخمِّروا وجهه ولا

стр. 1034

رأسه»، وفي رواية له (١): «ولا تغطُّوا وجهه»، وفي رواية (٢): «فإنه يُبعث وهو يُهِلُّ»] (٣). قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: في هذا الحديث خمس سنن: «كفنوه في ثوبيه» أي: يكفن الميتُ في ثوبين، و «اغسلوه بماء وسدر» أي: في الغَسَلات كلها سدر، «ولا تخمروا رأسه»، «ولا تقربوه طيبًا»، والكفن من جميع المال. قال ابن القيم ﵀: وفتح الإمام أحمد لمن بعدَه خمس سنن أخرى: إحداها: أن المحرم لا يُمنع من الغسل بالسدر. الثانية: أن الإحرام لا ينقطع بالموت، خلافًا لمن قال: يبطل إحرامه، فاستغنى الإمام أحمد عن ذكر هذه بقوله: «ولا تخمروا رأسه ولا تقربوه طيبًا»، فإن هذا يدل على أمرين، أحدهما: منع المحرم من ذلك، والثاني: أن المحرم الميت يُجنَّب ما يُجنَّبه المحرم الحي. الثالثة: أن المحرم ممنوع من تغطية وجهه، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد (٤). الرابعة: أن الماء المتغيّر بالطاهرات لا تزول طهوريَّتُه، لأنه أمر بغسله بماءٍ وسدر، ولم يخصّ غسلةً من غسلة.

стр. 1035

الخامسة: كما يدل على أن الكفن من جميع المال لا من الثلث لعدم استفصاله، فهو دال على أنه مقدّم على الدَّين أيضًا لعدم الاستفصال، وهذا كما يُقدَّم ما يستره في حياته على حق الغرماء، كذلك ما يستره في مماته، والله أعلم. * * *

стр. 1036

كتاب الأيمان والنذور ١ - باب لغو اليمين ٣٦٢/ ٣١٢٥ - عن عطاء ــ وهو ابن أبي رباح ــ: اللَّغْوُ في اليمين، قال: قالت عائشة: إن رسول الله ﷺ قال: «هو كلام الرجل في بيته: كلَّا والله، وبلى والله» (١). وذكر أن غير واحد رواه عن عطاء عن عائشة موقوفًا. قال ابن القيم ﵀: الصواب في هذا أنه قول عائشة، كذلك رواه الناس (٢)، وهو في «صحيح البخاري» (٣) عن عائشة قولُها. ورواه ابن حبان في «صحيحه» (٤) عن عائشة مرفوعًا.

стр. 1037

٢ - باب الاستثناء في اليمين ٣٦٣/ ٣١٢٩ - عن نافع، عن ابن عمر يَبلُغ به النبي ﷺ ، قال: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يمين فقال: إن شاء الله، فقد استثنَى». وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه (١)، وقال الترمذي: حديث حسن. قال ابن القيم ﵀: ولفظ النسائي (٢): «فله ثُنْياه». وفي لفظ له (٣): «فهو بالخيار: إن شاء مضى وإن شاء ترك». ولفظ الترمذي: «فلا حِنْث عليه». ولفظ ابن ماجه: «إن شاء رجع، وإن شاء ترك غيرَ حانثٍ». قال الترمذي: وقد رواه عبيد الله بن عمر وغيره، عن نافع، عن ابن عمر موقوفًا. وهكذا روى سالم (٤) عن ابن عمر موقوفًا، ولا نعلم أحدًا رفعه غيرَ أيوب السَّخْتِياني. وقال إسماعيل بن إبراهيم: كان أيوب أحيانًا يرفعه، وأحيانًا كان لا يرفعه. وروى عبد الرزاق (٥) عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: «من حلف على يمين فقال: إن شاء الله لم يحنَث». رواه الترمذي.

стр. 1038

وهذا الإسناد متفق على الاحتجاج به إلا أن الحديث معلول، قال الترمذي (١): سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث؟ فقال: هذا حديث خطأ، أخطأ فيه عبد الرزاق، اختصره من حديث معمر عن ابن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : «أن سليمان بن داود قال: لأطوفن الليلة على سبعين (٢) [ق ١٧٣] امرأةً ... » الحديث، وفيه: «لو قال إن شاء الله كان كما قال». ٣ - باب اليمين في قطيعة الرحم ٣٦٤/ ٣١٤٣ - عن عمرو بن شعيب، عن سعيد بن المسيب: أن أخوين من الأنصار كان بينهما ميراث، فسأل أحدُهما صاحبَه القِسمةَ، فقال: إن عُدْتَ تسألني القسمةَ فكلُّ مالٍ لي في رِتاج الكعبة، فقال له عمر: إن الكعبة غَنيةٌ عن مالك، كَفِّرْ عن يمينك وكَلِّم أخاك، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يَمِينَ عليك، ولا نذر في معصية الربِّ، وفي قطيعة الرحم، وفيما لا تملك» (٣). سعيد بن المسيب لم يصحَّ سماعه من عمر، فهو منقطع. قال ابن القيم ﵀: وقال الإمام أحمد وغيره من الأئمة: سعيد بن المسيب عن عمر عندنا حجة. قال أحمد: إذا لم نقبل سعيدًا عن عمر فمن نقبل؟ قد رأى عمر وسمع منه، ذكره ابن أبي حاتم (٤).

стр. 1039

فليس روايته عنه منقطعة على ما ذكره أحمد (١). ولو كانت منقطعة، فهذا الانقطاع غير مؤثرٍ عند الأئمة، فإن سعيدًا أعلم الخلق بأقضية عمر، وكان ابنه عبد الله يسأل سعيدًا عنها (٢). وسعيد بن المسيب إذا أرسل عن رسول الله ﷺ قُبِل مرسَلُه، فكيف إذا روى عن عمر! (٣) ٣٦٥/ ٣١٤٥ - وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : «لا نذْرَ ولا يمين فيما لا يملك ابن آدم، ولا في معصية الله، ولا في قطيعة رحم، ومن حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فَلْيَدَعْها وليأتِ الذي هو خير، فإنَّ تركَها كفَارتُها». وأخرجه النسائي (٤). وقد تقدم الكلام على اختلاف الأئمة في الاحتجاج بحديث عمرو بن شعيب.

стр. 1040

وذكر أبو بكر البيهقي (١) أن حديث عمرو هذا لم يثبت، وحديث أبي هريرة: «فليأت الذي هو خير، فهو كفارته» لم يثبت. قال أبو داود: الأحاديث كلها عن النبي ﷺ : «وليكفر عن يمينه» إلا ما لا يُعبأ به. قال ابن القيم ﵀: وأخرج ابن ماجه (٢) منه: «من حلف على يمينٍ فرأى غيرَها خيرًا منها فليتركها، فإنّ تركَها كفارتُها»، وترجم عليه: من قال تَرْكها كفارتها. ٤ - النذر في المعصية ٣٦٦/ ٣١٥٨ - عن القاسم، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه». وأخرجوه سوى مسلم (٣). ٣٦٧/ ٣١٥٩ - وعن الزهري، عن أبي سلمة ــ وهو ابن عبد الرحمن ــ، عن عائشة ﵂، أن النبي ﷺ قال: «لا نَذْرَ في معصيةٍ، وكفَّارتُه كفَّارةُ يمين». وأخرجه ابن ماجه والترمذي (٤)، وقال: هذا حديث لا يصحّ، لأن الزهري لم يسمعه من أبي سلمة.

стр. 1041

وقال غيره: لم يسمعه من أبي سلمة، إنما سمعه من سليمان بن أرقم، وهو متروك. ٣٦٨/ ٣١٦٠ - وعن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عنها ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «لا نذرَ في معصيةٍ، وكفَّارتُه كفارةُ يمينٍ». وأخرجه الترمذي (١). وفيه سليمان بن أرقم، وقال الإمام أحمد: ليس بشيء، لا يُروى عنه الحديث. وقال ابن معين: ليس بشيء (٢)، لا يساوي فلسًا. وقال البخاري: تركوه. وتكلم فيه عمرو بن علي، والسَّعدي، وأبو داود، وأبو زرعة، وابن حبان، والدارقطني (٣). وقال الخطابي (٤): لو صحّ هذا الحديث لكان القول به واجبًا، والمصير إليه

стр. 1042

لازمًا، إلا أن أهل المعرفة بالحديث زعموا أنه حديث مقلوب، وهِم فيه سليمان بن أرقم، فرواه عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن عائشة، فحمله عنه الزهري وأرسله عن أبي سلمة، ولم يذكر فيه سليمان بن أرقم ولا يحيى بن أبي كثير ــ وساق الشاهد على ذلك ــ (١). قال ابن القيم ﵀: وقال البيهقي (٢): هذا حديث لم يسمعه الزهري من أبي سلمة، إنما سمعه من سليمان بن أرقم عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة، كذلك رواه محمد بن أبي عتيق وموسى بن عقبة، عن الزهري. وسليمان بن أرقم متروك، والحديث عند غيره عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن الزبير الحنظلي، عن أبيه، عن عمران بن حصين، عن النبي ﷺ (٣). كذلك رواه علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير (٤). وبمعناه رواه الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير، إلا أنَّ في حديث الأوزاعي: «لا نذر في غضب، وكفارته كفارة يمين» (٥).

стр. 1043

وكذلك رواه حماد بن زيد عن محمد بن الزبير (١). ورواه ابن أبي عروبة عن محمد بن الزبير وقال: «لا نذر في معصية الله» (٢). ورواه عبد الوارث بن سعيد عن محمد بن الزبير عن أبيه أن رجلًا حدّثه أنه سأل عمران بن حصين عن رجلٍ حلف أنه لا يصلي في مسجد قومه، فقال عمران: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا نذر في معصية الله، وكفارته كفارة يمين» (٣). وفي هذا دلالة على أن أباه لم يسمعه من عمران. ورواه محمد بن إسحاق عن محمد بن الزبير، عن رجلٍ صحبه، عن عمران (٤). ورواه الثوري عن محمد بن الزبير، عن الحسن، عن عمران إلا أنه قال: «لا نذر في معصية أو في غضب» (٥). قال: فهذا حديث مختلف في إسناده ومتنه كما ذكرنا، ولا تقوم الحجة بأمثال ذلك. وقد روينا عن محمد بن إسماعيل البخاري (٦) أنه قال: محمد بن الزبير الحنظلي منكر الحديث وفيه نظر.

стр. 1044

قال البيهقي: وإنما الحديث فيه عن الحسن عن هيَّاج بن عمران البُرْجُمي، أن غلامًا لأبيه (١) أبق، فجعل لله عليه لئن قدر عليه ليقطعنَّ يده، فلما قَدَر عليه بعثني إلى عمران بن حصين فسألته؟ فقال: إني سمعت النبي ﷺ يحث في خطبته على الصدقة وينهى عن المُثلة. فقل لأبيك: فليكفِّرْ عن يمينه، وليتجاوز عن غلامه. قال: وبعثني إلى سمرة، فقال مثل ذلك (٢). وهذا أصح ما روي فيه عن عمران. واختلف في اسم الذي رواه عنه (٣) الحسنُ، فقيل هكذا، وقيل: حيّان بن عمران البرجمي. والأمر بالتكفير فيه موقوف على عمران وسمرة. والذي روي عن ابن عباس مرفوعًا: «من نذر نذرًا في معصية الله فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرًا لم يُطِقْه فكفارته كفارة يمين» (٤)

стр. 1045

لم يثبت رفعه، والله أعلم (١). قال الموجبون للكفارة في نذر المعصية ــ وهم أحمد وإسحاق والثوري وأبو حنيفة وأصحابه (٢) ــ: هذه الآثار قد تعددت طرقها، ورواتها ثقات. وحديث عائشة احتج به الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه (٣). وإن كان الزهري لم يسمعه من أبي سلمة، فإن له شواهد تقويه؛ رواه عن النبي ﷺ سوى عائشة: جابر (٤)، وعمران بن حصين، وعبد الله بن عمر (٥)، قاله الترمذي (٦). وفيه حديث ابن عباس رفعه (٧): «من نذر نذرًا في معصية، فكفارته كفارة يمين» رواه أبو داود (٨).

стр. 1046

ورواه ابن الجارود في «مسنده» (١)، ولفظه: عن ابن عباس عن النبي ﷺ : «النذر نذران: فما كان لله فكفارته الوفاء به، وما كان للشيطان فلا وفاء فيه، وعليه كفارة يمين». وروى أبو إسحاق الجوزجاني حديث عمران بن حصين في كتابه «المترجم» (٢) وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «النذر نذران فما كان من نذر في طاعة الله فذلك لله وفيه الوفاء، وما كان من نذر في معصية الله فلا وفاء فيه، ويُكفِّره ما يكفّر اليمين». وروى الطحاوي (٣) بإسناد صحيح عن عائشة عن النبي ﷺ : «من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه، وليُكفِّرْ عن يمينه»، وهو

стр. 1047

عند البخاري (١) إلا ذكر الكفارة. قال الإشبيلي (٢): وهذا أصح إسنادًا وأحسن من حديث أبي داود» ــ يعني حديث [ق ١٧٤] الزهري عن أبي سلمة المتقدم. وفي «مصنف عبد الرزاق» (٣): عن يحيى بن أبي كثير، عن رجل من بني حنيفة، وعن أبي سلمة كلاهما عن النبي ﷺ مرسلًا (٤): «لا نذر في غضب ولا في معصية الله، وكفارته كفارة يمين». قالوا: وقد روى مسلم في «صحيحه» (٥) من حديث عقبة بن عامر عن النبي ﷺ أنه قال: «كفارة النذر كفارة اليمين». وهذا يتناول نذر المعصية من وجهين: أحدهما: أنه عام لم يَخُصَّ منه نذرًا دون نذر (٦).

стр. 1048

الثاني: أنه شبّهه باليمين، ومعلوم أنه لو حلف على المعصية وحَنِث لزمته كفارة يمين، بل (١) وجوب الكفارة في نذر المعصية أولى منها في يمين المعصية لما سنذكره. قالوا: ووجوب الكفارة قول عبد الله بن مسعود (٢)، وجابر بن عبد الله، وعمران بن حصين، وسمرة بن جندب، ولا يُحفَظ عن صحابي خلافهم. قالوا: وهب أن هذه الآثار لم تثبت، فالقياس يقتضي وجوب الكفارة فيه، لأن النذر يمين، ولو حلف ليشربن الخمر، أو ليقتلنَّ فلانًا، وجبت عليه كفارة اليمين وإن كانت يمين معصية، فهكذا إذا نذر المعصية. وقد ثبت عن النبي ﷺ تسمية النذر يمينًا، كما قال لأخت عقبة (٣) لمّا نذرت المشيَ إلى بيت الله فعجزت: «تُكفِّر يمينها»، وهو حديث صحيح وسيأتي (٤).

стр. 1049

وعن عقبة مرفوعًا وموقوفًا: «النذر حَلْفة» (١). وقال ابن عباس في امرأة نذرت ذبح ابنها: «كفري يمينكِ» (٢). فدل على أن النذر داخل في مسمَّى اليمين في لغة من نزل القرآن بلغتهم. وذلك أن حقيقته هي حقيقة اليمين فإنه عَقَده لله ملتزمًا له، كما أن الحالف عقد يمينه بالله ملتزمًا لما حلف عليه، بل ما عُقِد لله أبلغ وألزم مما عُقِدَ به، فإن ما عُقِدَ به من الأَيمان لا يُصيّر اليمينَ واجبًا، فإذا حلف على قربة

стр. 1050

مستحبة لِيفعَلَها لم تَصِرْ واجبةً عليه وتجزئه الكفارة، ولو نَذَرها وجبت عليه ولم تجزئه الكفارة، فدلّ على أن الالتزام بالنذر آكدُ من الالتزام باليمين، فكيف يقال: إذا التزم معصيةً بيمينه وجبت عليه الكفارة، وإذا التزمها بنذره الذي هو أقوى من اليمين فلا كفارة فيها؟! فلو لم يكن في المسألة إلا هذا وحدَه لكان كافيًا. ومما يدل على أن النذر آكد من اليمين: أن الناذر إذا قال: لله عليّ أن أفعل كذا، فقد عَقَد نذرَه بحُرمةِ إيمانِه (١) بالله والتزامِه تعظيمَه، كما عقدها الحالف بالله كذلك، فهما من هذه الوجوه سواء، والمعنى الذي يقصده الحالف ويقوم بقلبه هو بعينه مقصود للناذر قائم بقلبه، ويزيد النذر عليه أنه التزمه لله، فهو ملتزم من وجهين: له وبه، والحالف إنما التزم ما حلف عليه به خاصةً، فالمعنى الذي في اليمين داخل في حقيقة النذر، فقد تضمن النذرُ اليمينَ وزيادةً، فإذا وجبت الكفارة في يمين المعصية فهي أولى بأن تجب في نذرها. ولأجل هذه القوة والتأكيد قال بعض الموجبين للكفارة فيه: إنه إذا نذر المعصية لم يَبَرَّ (٢) بفعلها، بل تجب عليه الكفارة عينًا ولو فعلها؛ لقوة النذر، بخلاف ما إذا حلف عليها، فإنه إنما تلزمه الكفارة إذا حنث، لأن اليمين أخف من النذر. وهذا أحد الوجهين لأصحاب أحمد (٣)، وتوجيهه ظاهر

стр. 1051

جدًّا، فإن النبي ﷺ نهاه عن الوفاء بالمعصية، وعيَّن عليه الكفارة عينًا، فلا يخرج من عهدة الأمر إلا بأدائها. وبالله التوفيق. ٥ - باب فيمن نذر أن يتصدق بماله ٣٦٩/ ٣١٧٦ - عن كعب بن مالك قال: قلت: يا رسول الله، إنَّ من توبتي أن أنخلع من مالي صدقةً إلى الله وإلى رسوله، قال رسول الله ﷺ : «أمسِكْ عليك بعضَ مالِك فهو خير لك». قال: فقلت: إني أُمسك سهمي الذي بخيبر. وأخرجاه في الحديث الطويل، والنسائي (١) مختصرًا. ٣٧٠/ ٣١٧٧ - وعنه ــ في قصته ــ قال: قلت: يا رسول الله، إنّ من توبتي إلى الله أن أخرج من مالي كله إلى الله وإلى رسوله صدقةً، قال: «لا». قلت: فنصفه؟ قال: «لا». قلت: فثلثه؟ قال: «نعم». قلت: فإني سأُمسك سهمي من خيبر (٢). فيه ابن إسحاق. قال ابن القيم ﵀: المحفوظ في هذا الحديث ما أخرجه أصحاب الصحيح من قوله: «أمسك عليك بعض مالك». وأما ذكر الثلث فيه، فإنما أتى به ابنُ إسحاق (٣)، ولكن هو في حديث أبي لبابة بن عبد المنذر لما تاب الله عليه قال: يا رسول الله، إن من توبتي أن

стр. 1052

أَهجُر دارَ قومي وأُساكِنَك وأنخَلِع من مالي صدقةً لله ولرسوله، فقال رسول الله ﷺ : «يجزئ عنك الثلث» (١). ولعل بعض الرواة وهم في نقله هذا إلى حديث كعب بن مالك في قصة توبته، ولكن ليس في هذا أنه نذر الصدقة بماله، ولا تعلُّق في قوله: «ويجزئك الثلث» على أنه كان نذرًا، فإن «يُجزئ» رباعيٌّ بمعنى «يكفي»، والمعنى: يكفيك مما عزمت عليه وأردته الثلث. وليس في هذا ما يدل على أن الناذر للصدقة بماله يُجزئه ثُلثُه. والقياس: أنه إن كان حالفًا بالصدقة أجزأه كفَّارة يمين، وإن كان ناذرًا متقرّبًا تَصدَّق به وأبقى له (٢) ما يكفيه ويكفي عياله، على الوجه الذي قلنا به في الحج (٣). وقال ربيعة: يتصدق منه بقدر الزكاة، لأنها هي الواجب شرعًا، فينصرف النذر إليها (٤). وقال الشافعي (٥): إن حلف به [ق ١٧٥] فكفارةُ يمين، وإن نذر قربةً تصدق به كلِّه.

стр. 1053

وقال مالك: يخرج ثلثه في الوجهين (١). وقال أبو حنيفة: إن كان ماله زكويًّا تصدق به كله. وعنه في غير الزكوي روايتان، إحداهما: يخرجه كله، والثانية: لا تجب الصدقة بشيء منه (٢). وأصح هذه الأقوال: ما دل عليه حديث كعب المتفق عليه، أنه يتصدق به ويمسك عليه بعضَه وهو ما يكفيه ويكفي عيالَه. والله أعلم. * * *

стр. 1054

كتاب البيوع ١ - باب الحيوان [بالحيوان نسيئة] ٣٧١/ ٣٢١٧ - عن الحسن عن سمرة ــ وهو ابن جندب ــ: أن النبي ﷺ نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئةً. وأخرجه النسائي وابن ماجه والترمذي (١)، وقال: حسن صحيح، وسماع الحسن من سمرة صحيح، هكذا قال علي ابن المديني وغيره. آخر كلامه. وقال الشافعي (٢): وأما قوله: «نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة» فهو غير ثابت. وحُكي عن يحيى بن معين أنه قال (٣): الحسن من سمرة صحيفة (٤). قال ابن القيم ﵀: وقال البيهقي (٥): أكثر الحفاظ لا يثبتون سماع الحسن من سمرة في غير حديث العقيقة. تم كلامه. وقد روي هذا من حديث ابن عباس، وابن عمر، وجابر بن سمرة. أما حديث ابن عباس، فرواه معمر عن يحيى بن أبي كثير عن عكرمة

стр. 1055

عن ابن عباس عن النبي ﷺ . ذكره البيهقي والبزار وغيرهما (١). وقال البزار (٢): ليس في هذا الباب حديث أجل إسنادًا من هذا. [وقال البخاري (٣): حديث النهي عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئةً من طريق عكرمة عن ابن عباس رواه الثقات عن ابن عباس موقوفًا، أو عكرمة عن النبي ﷺ مرسلًا. قال البيهقي (٤): هذا وهم ممن (٥) رفعه، والمحفوظ عن معمر عن يحيى عن عكرمة عن النبي ﷺ مرسلًا، وكذلك رواه عبد الرزاق وعبد الأعلى عن معمر مُرسلًا، وكذلك رواه علي بن المبارك عن يحيى بن أبى كثير مرسلًا. ومحمد بن إسحاق بن خزيمة وهَّن رفعه ووصله] (٦). وأما حديث ابن عمر: فرواه علي بن عبد العزيز (٧) من حديث

стр. 1056

محمد بن دينار الطاحي، عن يونس بن عبيد، عن زياد بن جبير، عن ابن عمر عن النبي ﷺ . قال الترمذي (١): سألت محمدًا عن هذا الحديث؟ فقال: إنما نرويه عن زياد بن جبير (٢) عن النبي ﷺ مرسلًا. وأما حديث جابر بن سمرة، فرواه عبد الله بن أحمد في «مسند أبيه» (٣). وقال الترمذي (٤): والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم. ٢ - باب الرخصة في ذلك ٣٧٢/ ٣٢١٨ - عن عبد الله بن عمرو: أن رسول الله ﷺ أمره أن يُجَهِّز جيشًا، فنفِدتْ الإبل، فأمره أن يأخذ في قِلاصِ الصدقة، فكان يأخذ البعير

стр. 1057

بالبعيرين إلى إبل الصدقة (١). فيه ابن إسحاق. وحكى الخطابي (٢) أن في إسناد حديث عبد الله بن عمرو أيضًا مقالًا (٣). قال ابن القيم ﵀: وقال البيهقي (٤): واحتج أصحابنا بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو: أن النبي ﷺ أمره أن يجهّز جيشًا وأمره أن يبتاع ظهرًا إلى خروج المصدِّق، فابتاع عبد الله بن عمرو البعيرَ بالبعيرين [وبالأبعِرَة] إلى خروج المصدق بأمر رسول الله ﷺ (٥). وهذا غير حديث محمد بن إسحاق، فإنه يرويه عن يزيد بن أبي حبيب، عن مسلم بن جُبَير، عن أبي سفيان، عن عمرو بن حَرِيش، عن عبد الله بن عمرو.

стр. 1058

٣٧٣/ ٣٢١٩ - عن جابر ــ وهو ابن عبد الله ــ أن النبي ﷺ اشترى عبدًا بعَبْدَين. وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي أتم منه (١). قال ابن القيم ﵀: وقد روى مسلم في «صحيحه» (٢) عن أنس: أن النبي ﷺ اشترى صفيّة من دِحْية الكلبي بسبعة أرؤس. وقال الشافعي (٣): أخبرنا سفيان، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس أنه سئل عن بعير ببعيرين؟ فقال: قد يكون البعير خيرًا من البعيرين. وقال الشافعي (٤): أخبرنا مالك، عن صالح بن كيسان، عن الحسن بن محمد بن علي، عن علي أنه باع بعيرًا له يُدعى عُصَيفِير بعشرين بعيرًا إلى أجل.

стр. 1059

وقال الشافعي (١): أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر أنه باع بعيرًا له بأربعة أبعِرَةٍ مضمونةٍ عليه بالرَّبَذَة. ٣ - باب في ذلك يدًا بيد (٢) روى الترمذي (٣) من حديث حجاج بن أرطاة، عن أبي الزبير، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «الحيوانُ: اثنان بواحدٍ لا يَصلحُ نَساءً، ولا بأس به يدًا بيد». قال الترمذي: هذا حديث حسن. وفي «مسند أحمد» (٤) عن ابن عمر: أن رجلًا قال: يا رسول الله، أرأيت

стр. 1060

الرجل يبيع الفرس بالأفراس، والنَّجِيبَة (١) بالإبل؟ قال: «لا بأس إذا كان يدًا بيد». قال الإمام أحمد والبخاري: حديث ابن عمر هذا، المعروف مرسل (٢). فاختلف أهل العلم في هذه المسألة على أربعة أقوال، وهي أربع روايات عن أحمد (٣): إحداها: أن ما سوى المكيل والموزون من الحيوان والنبات ونحوه يجوز بيع بعضه ببعضٍ متفاضلًا ومتساويًا، وحالًّا ونَساءً، وأنه لا يجري فيه الربا بحال، وهذا مذهب الشافعي (٤) وأحمد في إحدى رواياته، واختارها القاضي وأصحابه، وصاحب «المغني». والرواية الثانية عن أحمد: أنه يجوز التفاضل فيه يدًا بيد، ولا يجوز

стр. 1061

نسيئة، وهي مذهب أبي حنيفة (١)، كما دل عليه حديث جابر وابن عمر. والرواية الثالثة عنه: أنه يجوز فيه النساء إذا كان متماثلًا، ويحرم مع التفاضل. وعلى هاتين الروايتين: فلا يجوز الجمع بين النسيئة والتفاضل، بل إن وُجد أحدهما حَرُم الآخر. وهذا أعدل الأقوال في المسألة، وهو قول مالك (٢)، فيجوز عبد بعبدين حالًّا، وعبد بعبد نَساءً، إلا أن لمالك فيه تفصيلًا، والذي عقد عليه أصل قوله: أنه لا يجوز التفاضل والنساء معًا في جنس من الأجناس، والجنس عنده معتبر باتفاق الأغراض والمنافع، فيجوز (٣) بيع البعير النجيب (٤) بالبعيرين من الحمولة ومن (٥) حاشية إبله إلى أجل، لاختلاف المنافع. وإن أشبه بعضها بعضًا ــ واختلفت أجناسها أو لم تختلف ــ، فلا يجوز منها اثنان بواحدٍ إلى أجل. فسِرُّ مذهبه: أنه لا يجتمع التفاضُل والنَّساء في الجنس الواحد عنده، والجنسُ ما اتفقت منافعه وأشبه بعضُه بعضًا، وإن اختلفت حقيقته.

стр. 1062

فهذا تحقيق مذاهب الأئمة في هذه المسألة المعضلة ومآخذُهم. وحديث عبد الله بن عمرو (١) صريح في جواز المفاضلة والنساء، وهو حديث حسن. قال عثمان بن سعيد (٢): قلت ليحيى بن معين: أبو سفيان الذي روى عنه محمد بن إسحاق ــ يعني هذا الحديث ــ ما حاله؟ قال: مشهور ثقة. قلت: عن مسلم بن كثير (٣)، عن عمرو بن حَرِيش الزُّبَيدي؟ قال: هو حديث مشهور. ولكن مالك يحمله على اختلاف المنافع والأغراض، فإن الذي كان يأخذه إنما هو للجهاد، والذي جعله عوضه مِن إبل الصدقة، قد يكون من بني المخاض ومن حواشي الإبل ونحوها. وأما الإمام أحمد، فإنه كان يُعلّل أحاديثَ المنع كلَّها، قال (٤): ليس فيها حديث يُعتمد عليه، ويعجبني أن يتوقاه. وذُكر له حديث ابن عباس وابن عمر، فقال: هما مرسلان. وحديث سمرة عن الحسن، قال الأثرم: قال أبو عبد الله: لا يصح سماع

стр. 1063

الحسن من سمرة. وأما حديث جابر رواية حجّاجٍ عن أبي الزبير عنه، فقال الإمام أحمد: هذا حجاج زاد فيه: «نَساءً»، والليث بن سعد سمعه من أبي الزبير لا يذكر فيه: «نساءً» (١). وهذه ليست بعلة في الحقيقة، فإن قوله: «ولا بأس به يدًا بيد» يدل على أن قوله: «لا يصلح» يعني نساء، فذِكْر هذه اللفظة زيادة إيضاحٍ، لو سكت عنها لكانت مفهومةً من الحديث، ولكنه معلَّل بالحجاج، فقد أكثرَ الناسُ الكلامَ فيه، وبالغ الدارقطني في «السنن» (٢) في تضعيفه وتوهينه. وقد قال أبو داود (٣): «إذا اختلفت الأحاديث عن النبي ﷺ نُظِر إلى ما عمل به أصحابُه من بعده». وقد ذكرنا الآثار عن الصحابة بجواز ذلك متفاضلًا ونسيئة، وهذا كلُّه مع اتحاد الجنس. وأما إذا اختلف الجنس، كالعبيد بالثياب، والشاء بالإبل، فإنه يجوز عند جمهور الأمة التفاضلُ فيه والنساء، إلا ما حكي رواية عن أحمد: أنه يجوز بيعه متفاضلًا يدًا بيد ولا يجوز نساءً، وحكى هذا أصحابنا عن أحمد روايةً رابعة في المسألة. واحتجوا لها بظاهر حديث جابر: «الحيوان: اثنان بواحدٍ لا يصلح

стр. 1064

نسيئة، ولا بأس به يدًا بيد»، ولم يخص به الجنس المتحد. وكما يجوز التفاضل في المكيل المختلف الجنس دون النساء، فكذلك الحيوان وغيره، إذا قيل إنه ربوي. وهذه الرواية في غاية الضعف لمخالفتها النصوص، وقياسُ الحيوان على المكيل فاسد، إذ في محل الحكم في الأصل أوصاف معتبرة غيرُ موجودة في الفرع، وهي مؤثرة في التحريم. وحديث جابر لو صح، فإنما المراد به مع اتحاد الجنس دون اختلافه، كما هو مذكور في حديث ابن عمر. فهذه نُكَت في هذه المسألة المُعْضِلة، لا تكاد توجد مجموعةً في كتاب، وبالله التوفيق. ٤ - باب في الثَّمَر بالتمْر (١) ٣٧٤/ ٣٢٢٠ - عن زيد أبي عَيَّاشٍ، أنه سأل سعد بن أبي وقاص عن البيضاء بالسُلْتِ؟ فقال له سعد: أيُّهما أفضل؟ قال: البيضاء، قال: فنهاه عن ذلك وقال: سمعت رسول الله ﷺ يُسألُ عن شراءِ التمر بالرُّطَبِ؟ فقال رسول الله ﷺ : «أيَنْقُصُ الرُّطَبُ إذا يَبِسَ؟» قال: نعم، فنهاه عن ذلك. وأخرجه النسائي وابن ماجه والترمذي (٢)، وقال: حسن صحيح.

стр. 1065

وقال الخطابي (١): وقد تكلم بعض الناس في إسناد سعد بن أبي وقاص وقال: زيد أبو عياش راويه ضعيف، ومثل هذا الحديث على أصل الشافعي لا يجوز أن يحتج به. وليس الأمر على ما توهّمه (٢). وأبو عياش هذا مولى لبني زهرة معروف. وقد ذكره مالك في «الموطأ»، وهو لا يروي عن رجل متروك الحديث بوجه، وهذا من شأن مالك وعادته معلوم. هذا آخر كلامه. وقد حُكي عن بعضهم أنه قال: زيد أبو عياش مجهول (٣). وكيف يكون مجهولًا وقد روى عنه اثنان ثقتان: عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان، وعمران بن أبي أنس، وهما ممن احتج به مسلم في «صحيحه»، وقد عرفه أئمة هذا الشأن؟! هذا الإمام مالك قد أخرج حديثه في «موطئه» مع شدة تحرِّيه في الرجال ونقده وتتبعه لأحوالهم. والترمذي قد أخرج حديثه وصححه كما ذكرناه. وصحّح حديثه أيضًا الحاكم أبو عبد الله النيسابوري. وقد ذكره مسلم بن الحجاج في كتاب «الكنى» (٤) وذكر أنه سمع من سعد بن أبي وقاص. وذكره أيضًا الحافظ أبو أحمد الكرابيسي في كتاب

стр. 1066

«الكنى» (١) وذكر أنه سمع من سعد بن أبي وقاص. وذكره أيضًا النسائي في كتاب «الكنى» (٢). وما علمت أحدًا ضعّفه. والله أعلم. ٣٧٥/ ٣٢٢١ - وعن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله ــ يعني ابن يزيد مولى الأسود بن سفيان ــ أن أبا عياش أخبره، أنه سمع سعد بن أبي وقاص يقول: نهى رسول الله ﷺ عن بيع الرُّطَب بالتمر نسيئة (٣). قال أبو الحسن الدارقطني (٤): خالفه مالك، وإسماعيل بن أمية، والضحاك بن عثمان، وأسامة بن زيد؛ رووه عن عبد الله بن يزيد ولم يقولوا فيه: «نسيئة»، واجتماع هؤلاء الأربعة على خلاف ما رواه يحيى ــ يعني: ابنَ أبي كثير ــ يدل على ضبطهم للحديث. وقال أبو بكر البيهقي (٥): ورواه عمران بن أبي أنس عن أبي عياش نحو رواية مالك، وليس فيه هذه الزيادة. قال ابن القيم ﵀ (٦): وقد روى ابن وهب عن عمرو بن الحارث، عن بكير بن عبد الله، عن عمران [أن] (٧) مولى لبني مخزوم حدثه: أنه سأل

стр. 1067

سعدًا عن الرجل يُسْلِف الرجل الرطب بالتمر إلى أجل؟ فقال سعد: نهانا رسول الله ﷺ عن هذا (١). قال البيهقي: وهذا يخالف رواية الجماعة، وإن كان محفوظًا فهو حديث آخر. والخبر يصرّح بأن المنع إنما كان لنقصان الرطب في المتعقِّب (٢)، وحصول الفضل بينهما بذلك. وهذا المعنى يمنع من أن يكون النهي لأجل النسيئة، فلذلك لم تُقبل هذه الزيادة ممن خالف الجماعة بروايتها في هذا الحديث. وقد رُوينا في الحديث الثابت عن ابن المسيب وأبي سلمة عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: «لا تبتاعوا الثمر حتى يبدو صلاحه (٣)، ولا تبتاعوا الثَّمَر بالتمر». وفي الحديث الثابت عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ : «لا تبيعوا الثمَر بالتمر».

стр. 1068

وفي رواية إبراهيم بن سعد عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن النبي ﷺ : «لا تبايعوا الثمر بالتمر؛ ثَمَر النخل بتَمْر النخل» هكذا روي مقيَّدًا. آخر كلامه. وحديث أبي هريرة الذي أشار إليه رواه مسلم في «صحيحه» (١). وحديث ابن عمر متفق على صحته (٢)، ولفظ «الصحيحين» فيه: نهى رسول الله ﷺ عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه، وعن بيع الرطب بالتمر (٣). ٥ - باب المضارب يخالف ٣٧٦/ ٣٢٤٤ - عن عروة ــ يعني البارِقِيَّ ــ قال: أعطاه النبي ﷺ دينارًا يشتري به أضحية ــ أو شاة ــ، فاشترى شاتين، فباع إحداهما بدينار، فأتاه بشاة ودينار، فدعا له بالبركة في بَيْعه؛ فكان لو اشترى ترابًا لربح فيه. وأخرجه الترمذي وابن ماجه (٤).

стр. 1069

٣٧٧/ ٣٢٤٥ - وعن شيخ من أهل المدينة، عن حكيم بن حِزام أن رسول الله ﷺ بَعثَ معه بدينار يشتري له أضحية، فاشتراها بدينار وباعها بدينارين، فرجع فاشترى أضحية بدينار وجاء بدينار إلى النبي ﷺ ، فتصدَّق به النبيُّ ﷺ ، ودعا له أن يبارَك له في تجارته (١). في إسناده مجهول. وأخرجه الترمذي (٢) من حديث حبيب بن أبي ثابت عن حكيم بن حزام، وقال: لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وحبيب بن أبي ثابت لم يسمع عندي من حكيم بن حزام. هذا آخر كلامه. وحكى المزني (٣) عن الشافعي أن حديث البارقي ليس بثابت عنده. قال أبو بكر البيهقي: وإنما ضَعَّف حديث البارقي لأن شبيب بن غَرْقدة رواه عن الحَيِّ وهم غير معروفين. وحديث حكيم بن حزام إنما رواه شيخ غير مسمًّى. وقال في موضع آخر (٤): الحيُّ الذي أخبرنا شبيب بن غرقَدة عن عروة البارقي لا نعرفهم، والشيخ الذي أخبر أبا حَصِين (٥) عن حكيم بن حزام لا نعرفه، وليس هذا من شرط أصحاب الحديث في قبول الأخبار. والله أعلم. وذكر الخطابي (٦) أن الخبرين معًا غير متصلين، لأن في أحدهما ــ وهو

стр. 1070

خبر حكيم بن حزام ــ رجلًا مجهولًا لا يُدرى مَن هو؟ وفي خبر عروة «أن الحي حدثوه»، وما كان هذا سبيله من الرواية لم تَقُم به الحجة. هذا آخر كلامه. فأما تخريج البخاري (١) له في صدر حديث «الخير معقود بنواصي الخيل» فيحتمل أنه سمعه من علي ابن المديني على التمام، فحدث به كما سمعه، وذكر فيه إنكار شبيبِ بن غَرقدة سماعَه من عروة حديث شراء الشاة، وإنما سمعه من الحيِّ عن عروة، وإنما سمع من عروة قوله ﷺ : «الخير معقود بنواصي الخيل». ويشبه أن الحديث في الشراء لو كان على شرطه لأخرجه في كتاب البيوع وكتاب الوكالة، كما جرت عادته في الحديث الذي يشتمل على أحكام أن يذكره في الأبواب التي تصلح له، ولم يخرجه إلا في هذا الموضع، وذكر بعده حديث «الخيل» من رواية عبد الله بن عمر وأنس بن مالك وأبي هريرة (٢). فدل ذلك على أن مراده حديث «الخيل» فقط، إذ هو على شرطه. وقد أخرج مسلم (٣) حديث شبيب بن غرقدة عن عروة مقتصرًا على ذكر الخيل، ولم يذكر حديث الشاة. وقد أخرج الترمذي (٤) حديث شراء الشاة من رواية أبي لَبيد ــ لِمازة بن زبَّار (٥) ــ عن عروة. وهو من هذه الطريق حسن (٦).

стр. 1071

قال ابن القيم ﵀: والحديث مخرّج في «صحيح البخاري» (١)، أخرجه في ذكر الأنبياء والمناقب، في الأبواب التي فيها صفة النبي ﷺ ، في باب ترجمته: «باب سؤال المشركين أن يريهم النبي ﷺ آية»، فذكره بإسناده عن شبيب بن غرقدة قال: «سمعت الحي يتحدثون عن عروة: أن النبي ﷺ أعطاه دينارًا يشتري له به شاة، فاشترى له به شاتين، فباع إحداهما بدينار، فجاءه بدينار وشاة فدعا له بالبركة في بيعه، وكان لو اشترى التراب لربح فيه». قال سفيان: «يشتري له شاة، [ق ١٧٧] كأنها أضحية». انفرد بإخراجه البخاري. وقد استُدرك عليه روايته له عن الحي وهم غير معروفين، وما كان هكذا فليس من شرط كتابه. وقد رواه ابن ماجه من رواية شبيب عن عروة نفسه، والصحيح أنه لم يسمعه منه. قال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا شبيب بن غرقدة، قال: سمعت الحيَّ يتحدّثون عن عروة أن النبي ﷺ أعطاه دينارًا ليشتري له به شاة، فاشترى له به شاتين، فباع إحداهما بدينار، فجاءه بدينار وشاة، فدعا له بالبركة في بيعه، وكان لو اشترى التراب لربح فيه. قال سفيان: كان الحسن بن عُمارة جاءنا بهذا الحديث عنه قال: [سمعه شبيب من عُروة، فأتيته فقال شبيب: إني لم أسمعه من عروة، قال:] (٢)

стр. 1072

سمعت الحيَّ يخبرونه عنه، ولكن سمعته يقول: سمعت النبي ﷺ يقول: «الخير معقود في نواصي الخيل إلى يوم القيامة»، قال: وقد رأيت في داره سبعين فرسًا. قال سفيان: يشتري له شاة، كأنها أضحية. ٦ - باب في المزارعة (١) ٣٧٨/ ٣٢٤٨ - عن عبد الله بن عمر قال: ما كنَّا نرى بالمزارعة بأسًا، حتى سمعتُ رافع بن خَدِيج يقول: إن رسول الله ﷺ نهى عنها. فذكرتُه (٢) لطاوس، فقال: قال ابن عباس: إن رسول الله ﷺ لم يَنْهَ عنها ولكن قال: «لِيَمْنَحْ أحدُكم أرضَهُ خيرٌ من أن يأخذ عليها خراجًا معلومًا». وأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه (٣). ٣٧٩/ ٣٢٤٩ - وعن عروة بن الزبير قال: قال زيد بن ثابت: يغفر الله لرافع بن خَديج، أنا واللهِ أعلمُ بالحديث منه! إنما أتاه رجلان ــ قال مسدَّد: مِن الأنصار، ثم اتفقا: ــ قد اقتتلا، فقال رسول الله ﷺ : «إن كان هذا شَأنَكم فلا تُكْرُوا المَزَارع». زاد مسدد: فسمع قولَه: «لا تكروا المزارع». وأخرجه النسائي وابن ماجه (٤).
следующие страницы →