← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 201

تهذيب سنن أبي داود - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 675 стр.). Показаны 963–1002 · переход к 968.

стр. 963

[الصافات:١٠٣]، وقولِ الشاعر (١): فخرَّ صريعًا لليدين وللفم أي على اليدين وعلى الفم، والله أعلم. ٢ - باب في حكم أرض اليمن ٣٢١/ ٢٩٠٩ - عن أبيض بن حَمَّال: أنه كلّم رسول الله ﷺ في الصدقة، حين وَفَد عليه، فقال: «يا أخا سَبأ، لا بُدَّ من صَدَقةٍ». فقال: إنما زرْعُنا القطن يا رسول الله، وقد تبدَّدتْ سبأ، ولم يبقَ منهم إلا قليل بمأربَ، فصالح نبيَّ الله ﷺ على سبعين حُلَّةً من قيمة وَفاءِ بَزِّ المعافر كلَّ سنة عمّن بقي من سَبأٍ بمأربَ، فلم يزالوا يؤدُّونها حتى قُبض رسول الله ﷺ ، وإن العمال انتقضوا عليهم بعد قبض رسول الله ﷺ فيما صالح أبيضُ بن حَمَّال رسولَ الله ﷺ في الحُلل السبعين، فردَّ ذلك أبو بكر على ما وَضَعه رسول الله ﷺ ، حتى ماتَ أبو بكر، فلما مات أبو بكر ﵁ انتقض ذلك وصارت على الصدقة» (٢). قال ابن القيم ﵀: قال عبد الحق (٣): «لا يحتج بإسناد هذا الحديث فيما أعلم، لأن [ق ١٦٢] سعيدًا لم يروِ عنه فيما أدري إلا ثابت، وثابت مثله في الضعف»، يعني هذا الحديث من رواية ثابت بن سعيد بن أبيض بن حمال، عن أبيه، عن جده.

стр. 964

٣ - باب إخراج اليهود من جزيرة العرب ٣٢٢/ ٢٩١٢ - وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تكون قِبْلَتان في بلدٍ واحدٍ». وأخرجه الترمذي (١)، وقال: إنه روي مرسلًا (٢). قال ابن القيم ﵀: هو (٣) من رواية قابوس بن أبي ظبيان [عن أبيه] (٤) عن ابن عباس. وثّقه ابن معين مرة وضعّفه مرة، وضعفه غيره، وحدث عنه يحيى بن سعيد (٥). ٤ - باب تعشير أهل الذمة ٣٢٣/ ٢٩٢٤ - عن حرب بن عبيد الله، عن جَدِّه أبي أُمِّه، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : «إنَّما العُشُور على اليهود والنَّصارى، وليس على المسلمين عُشُور» (٦).

стр. 965

قال ابن القيم ﵀: وقال عبد الحق (١): في إسناده اختلاف، ولا أعلمه من طريق يُحتجّ به. * * *

стр. 966

كتاب الجنائز ١ - باب في العيادة ٣٢٤/ ٢٩٦٧ - وعن أسامة بن زيد قال: خرج رسول الله ﷺ يعود عبد الله بن أُبي في مرضه الذي مات فيه، فلما دخل عليه عَرَفَ فيه الموت. فقال: «قد كنتُ أَنهاك عن حُبِّ يهود». قال: قد أبغَضَهم أسعدُ بن زُرارةَ، فَمَهْ؟ فلما مات أتاه ابنُه فقال: يا رسول الله، إنَّ عبد الله بن أُبيّ قد مات، فأعْطِني قميصك أُكَفِّنْه فيه، فنزع رسول الله ﷺ قميصه فأعطاه إياه (١). قد أخرج البخاري ومسلم في «صحيحيهما» (٢) من حديث عبد الله بن عمر: أن ابنه عبد الله جاء إلى رسول الله ﷺ فسأله أن يعطيه قميصه يكفّن فيه أباه، فأعطاه. وأخرج البخاري ومسلم في «صحيحيهما» (٣) من حديث جابر بن عبد الله قال: أتى النبيُّ ﷺ قبرَ عبد الله بن أُبيّ فأخرجه من قبره، فوضعه على ركبتيه ونفث عليه من ريقه، وألبسه قميصه». والله أعلم. قيل: يجوز أن يكون جابر شاهَد مِن ذلك ما لم يشاهده ابن عمر، ويجوز أن يكون أعطاه قميصين، قميصًا للكفن، ثم أخرجه فألبسه آخر.

стр. 967

واختلفوا: لِمَ أعطاه ذلك؟ على أربعة أقوال. أحدها: أن يكون أراد بذلك إكرام ولده، فقد كان مسلمًا بريئًا من النفاق. والثاني: أنه ﷺ ما سُئل شيئًا قطّ فقال: لا. والثالث: أنه كان قد أعطى العباس عم رسول الله ﷺ قميصًا لمّا أُسِرَ يوم بدر، ولم يكن على العباس ثياب يومئذ، فأراد أن يكافئه على ذلك لئلا يكون لمنافق عنده يد لم يُجازِه عليها (١). والرابع: أنه يَحتمِل أن يكون النبي ﷺ إنما فعل ذلك قبل أن ينزل قوله : ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤] (٢). قال ابن القيم ﵀: ولا تعارض بين هذين الحديثين بوجه، فإن حديث أسامة صريح بأنه أعطاه القميص وقت موته، فكفنه فيه، وحديث جابر بن عبد الله (٣) لم يقل فيه: إنه ألبسه قميصه حين أخرجه من قبره، وإنما فيه: «أنه نفث عليه من ريقه، وأجلسه على ركبتيه، وألبسه قميصه»، فأخبر بثلاث جُمَل متباينة: الأُولَيان منها يتعين أن تكونا بعد الإخراج من القبر، والثالثة لا يتعيّن فيها ذلك، ولعل جابرًا (٤) لما رأى عليه القميص في تلك الحال ظن أنه ألبسه إياه حينئذ. ٢ - باب العيادة من الرمد ٣٢٥/ ٢٩٧٤ - عن زيد بن أرقم، قال: عادني رسول الله ﷺ من وَجَع كان

стр. 968

بعَيْنِي (١). قال ابن القيم ﵀: وفي هذا رَدٌّ على من زعم أنه لا يُعاد من الرمد، وزعموا أن هذا لأن العُوَّاد يرون في بيته ما لا يراه هو. وهذا باطل من وجوه: أحدها: هذا الحديث. الثاني: جواز عيادة الأعمى. الثالث: عيادة المغمى عليه، وقد جلس النبي ﷺ في بيت جابر في حال إغمائه حتى أفاق (٢)، وهو ﷺ الحجة. وهذا القول في كراهة عيادة الرَّمِد إنما هو مشهور بين العوام فتلقّاه بعضهم عن بعض (٣). ٣ - باب الخروج من الطاعون ٣٢٦/ ٢٩٧٥ - عن عبد الرحمن بن عوف قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا سمعتم به بأرضٍ فلا تَقْدَموا عليه، وإذا وقع بأرضٍ وأنتم بها، فلا تَخرُجوا فِرارًا منه». وأخرجه البخاري ومسلم (٤) مطولًا.

стр. 969

واختلف السلف في ذلك، فمنهم من أخذ بظاهر الحديث، وهم الأكثر. روي عن عائشة قالت: «هو كالفرار من الزحف» (١). ومنهم من دخل إلى بلاد الطاعون وخرج عنها. ورُوي هذا المذهب عن عمر بن الخطاب، وأنه ندم على رجوعه من سَرْغ (٢). وروي عن أبي موسى الأشعري، ومسروق، والأسود بن هلال: أنهم فروا من الطاعون (٣)، وروي عن عمرو بن العاص نحوه (٤).

стр. 970

قال ابن القيم ﵀: والصواب في ذلك: ما دل عليه النص: أنه لا ينبغي القدوم على الأرض التي هو بها، فإن ذلك تعرُّضٌ للبلاء، وقد نهى النبي ﷺ عن تمنّي لقاء العدو (١). وإذا وقع في أرض هو بها، فإنه لا ينبغي له أن يفرَّ منه، وإن ظن في ذلك نجاته، بل ينبغي له أن يصبر، كما قال النبي ﷺ في العدو: «وإذا لقيتموهم (٢) فاصبروا»، لا سيما والطاعون قد جاء أنه وَخْزُ أعدائنا من الجن (٣). فالطاعون كالطِّعان، فلا ينبغي الفرار منهما ولا تمنِّي لقائِهما. ٤ - باب تطهير ثياب الميت عند الموت ٣٢٧/ ٢٩٨٥ - عن أبي سعيد الخدري أنه لما حضره الموت دعا بثيابٍ جُدُدٍ فلبسها، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «المَيِّت يُبعَث في ثيابه التي يموت فيها» (٤).

стр. 971

قال ابن القيم ﵀ (١): استعمل أبو سعيد الحديث على ظاهره، وقد رُوي في تحسين الكفن أحاديث (٢). وقد تأوله بعضهم على أن معنى الثياب العمل، كَنَى بها عنه، يريد أنه يُبعث على ما مات عليه من عمل صالح أو سيِّئ. قال: والعرب تقول: «فلان طاهر الثياب»، إذا وصفوه بطهارة النفس والبراءة من العيب والدَّنَس، وتقول: دَنِس الثياب إذا كان بخلاف ذلك، واستدل بقوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر:٤] وأكثر المفسرين على أن المعنى: وعملَكَ فأصْلِح ونفسك فزَكِّ (٣). قال الشاعر (٤): ثيابُ بني عوفٍ طَهارَى نقيَّةٌ قال: وقد ثبت أن النبي ﷺ قال: «يحشر الناس حُفاةً عُراة» (٥). وقالت طائفة: البعث غير الحشر، فقد يجوز أن يكون البعث مع الثياب، والحشر مع العُرْي والحَفا.

стр. 972

٥ - باب في التلقين ٣٢٨/ ٢٩٨٨ - وعن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : «لَقِّنُوا مَوتاكم قولَ لا إلهَ إلا الله». وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه (١). قال ابن القيم ﵀: وقد روى مسلم في «صحيحه» (٢) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ مثله سواء. وروى ضِمام بن إسماعيل، عن موسى بن وردان، عن أبي هريرة يرفعه إلى النبي ﷺ قال: «أكثروا مِن لا إله إلا الله قبلَ أن يُحال بينكم وبينها، ولَقِّنوها موتاكم» ذكره أبو أحمد بن عدي (٣). وضمام هذا صدوق صالح الحديث، قاله الإشبيلي (٤). ٦ - باب في النَّوح ٣٢٩/ ٣٠٠٠ - وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «إنَّ الميِّتَ لَيُعذَّب ببُكاء أهلِه عليه»، فذُكر ذلك لعائشة، فقالت: وَهِلَ ــ تعني ابنَ عمر ــ، إنما مَرَّ النبي

стр. 973

- ﷺ على قبر فقال: «إنّ صاحب هذا لَيُعذَّب وأهلُه يبكون عليه»، ثم قرأَتْ: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]. وفي رواية: «على قبر يهودي» (١). قال ابن القيم ﵀: هذا أحد الأحاديث التي ردَّتْها عائشة، واستدركتها، ووهَّمت فيه ابن عمر (٢). والصواب مع ابن عمر، فإنه حفظه ولم يهم فيه. وقد رواه عن النبي ﷺ أبوه عمر بن الخطاب، وهو في «الصحيحين»، وقد وافقه عليه من حضره من جماعة الصحابة، كما خرَّجا في «الصحيحين» (٣) عن ابن عمر قال: لما طُعِن عمر أغمي عليه، فصيح عليه، فلما أفاق قال: أما علمتم أن رسول الله ﷺ قال: «إن الميت لَيُعذَّب ببكاء الحي»؟ وأخرجا (٤) أيضًا عنه عن النبي ﷺ قال: «الميت يُعذَّب بِما نِيح عليه». وأخرجا في «الصحيحين» (٥) أيضًا عن أبي موسى قال: لما أصيب عمر جعل صهيب يقول: وا أخاه! فقال له عمر: يا صهيب، أما علمتَ أن رسول الله ﷺ قال: «إن الميت ليعذب ببكاء الحي»؟

стр. 974

وفي لفظ لهما (٣): قال عمر: والله لقد علمت أن رسول الله ﷺ قال: «من يُبكَ عليه يُعذَّب». وفي «الصحيحين» (٤) عن أنس: أن عمر لما طعن عَوَّلت عليه حفصة، فقال: يا حفصة، أما سمعتِ رسول الله ﷺ يقول: «المُعَوَّل عليه يعذب»؟ وفي «الصحيحين» (٥) عن المغيرة بن شعبة: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «من يُنَحْ (٦) عليه، فإنه يعذب بما نيح عليه». فهؤلاء عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله، وابنته حفصة، وصهيب، والمغيرة بن شعبة كلهم يروي ذلك عن النبي ﷺ ، ومُحال أن يكون هؤلاء كلهم وهموا في الحديث. والمعارضة التي ظنتها أم المؤمنين ﵂ بين روايتهم وبين قوله: ﴿لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤] غيرُ لازمةٍ أصلًا. ولو كانت لازمة لزمتْ في روايتها أيضًا: «إن الكافر يزيده الله ببكاء أهله عذابًا» (٧)، فإن الله سبحانه لا يعذب أحدًا بذنب غيره الذي لا سبب له فيه. فما تجيب به أم

стр. 975

المؤمنين عن قصة الكافر يجيب (١) به أبناؤها عن الحديث الذي استدركته. ثم سلكوا في ذلك طرقًا: أحدها: أن ذلك خاص بمن أوصى أن يُناح عليه، فيكون النَّوح عليه بسبب فعله، ويكون هذا جاريًا على المتعارف من عادة الجاهلية، كما قال قائلهم (٢): إذا متُّ فانْعَيني بما أنا أهله ... وشُقِّي عليَّ الجيبَ يا ابنةَ مَعْبد وهو كثير في شعرهم. وأما من لم يتسبب إلى ذلك بوصية ولا غيرها فلا يتناوله الحديث. وهذا ضعيف من وجهين: أحدهما: أن اللفظ عام. الثاني: أن عمر والصحابة فهموا منه حصول ذلك وإن لم يُوصِ به. ومن وجه آخر: وهو أن الوصية بذلك حرام يستحق بها التعذيبَ نِيح عليه أم لا، والنبي ﷺ إنما علّق التعذيب بالنياحة لا بالوصية. المسلك الثاني: أن ذلك خاص بمن كان النوح من عادته وعادة قومه وأهله، وهو يعلم أنهم ينوحون عليه إذا مات. فإذا لم ينههم كان رضًى منه بفعلهم، وذلك سبب عذابه. وهذا مسلك البخاري في «صحيحه» (٣)، فإنه

стр. 976

ترجم عليه وقال: «إذا كان النوح من سنَّته»، وهو قريب من الأول. المسلك الثالث: أن الباء ليست باء السببية، وإنما هي باء المصاحبة، والمعنى: يعذب مع بكاء أهله عليه، أي يجتمع بكاء أهله وعذابه، كقوله: خرج زيد بسلاحه؛ قال تعالى: ﴿وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ [المائدة:٦١]. وهذا المسلك باطل قطعًا، فإنه ليس كل ميت يعذَّب، ولأن هذا اللفظ لا يدل إلا على السببية، كما فهمه أعظم الناس أفهامًا، ولهذا ردَّته عائشة لما فهمت منه السببية. ولأن اللفظ الآخر الصحيح الذي رواه المغيرة (١) يُبطل هذا التأويل. ولأن الإخبار بمقارنة عذاب الميت المستحق للعذاب لبكاء أهله لا فائدة فيه. المسلك الرابع: أن المراد بالحديث ما يتألَّم به الميت ويتعذب به من بكاء الحي عليه، وليس المراد أن الله تعالى يعاقبه ببكاء الحي عليه؛ فإن التعذيب هو من جنس الألم الذي يناله بمن يجاوره ممن يتأذى به ونحوه. قال النبي ﷺ : «السفر قطعة من العذاب» (٢). وليس هذا عقابًا على ذنب، وإنما هو تعذيب وتألُّم، فإذا وُبِّخ الميت على ما يناح به عليه لحقه من ذلك تألم وتعذيب.

стр. 977

ويدل على ذلك ما روى البخاري في «صحيحه» (١) عن النعمان بن بشير قال: أغمي على عبد الله بن رواحة، فجَعلتْ أخته عَمْرةُ تبكي: واجَبَلاه! وا كذا، وا كذا، تُعدِّد عليه، فقال حين أفاق: ما قلتِ شيئًا إلا قيل لي: آنْتَ كذلك؟ وقد تقدم (٢) قول النبي ﷺ في حديث عبد الله بن ثابت: «فإذا وجب فلا تبكينَّ باكية». وهذا أصح ما قيل في الحديث (٣). ولا ريب أن الميت يسمع بكاء الحي، ويسمع قرْعَ نعالهم (٤)، وتُعرَض عليهم (٥) أعمالُ أقاربهم الأحياء (٦)، فإذا رأوا فيها ما يسوءهم تألموا له. وهذا ونحوه مما يتعذب به

стр. 978

الميت ويتألم، ولا تعارض بين ذلك وبين قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ بوجهٍ ما. [وأما الشافعي ﵀ فإنه سلك في هذا الحديث مسلكَ عائشة بعينه، قال (١): وما روت عائشة عن النبي ﷺ أشبه أن يكون محفوظًا عنه بدلالة الكتاب ثم السنة. قال: فإن قيل: فأين دلالة الكتاب (٢)؟ قيل في قوله : ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٨، ٣٩]، وقولِه: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧، ٨]، وقولِه: ﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ [طه: ١٥]. قال الشافعي: فإن قيل: أين دلالة السنة؟ قيل: قال رسول الله ﷺ لرجل: «ابنك هذا؟» قال: نعم، قال: «أما إنَّه لا يجني عليك ولا تجني عليه» (٣)، فأَعلَمَ رسولُ الله مثلَ ما أعلم الله من أن جناية كل امرئٍ عليه كما عملُه له لا لغيره ولا عليه. والله أعلم] (٤).

стр. 979

٧ - باب في الشهيد يُغسَّل ٣٣٠/ ٣٠٠٨ - وعن أنس بن مالك أن النبي ﷺ مرَّ بحمزة وقد مُثِّل به، ولم يُصَلِّ على أَحَدٍ من الشهداء غيرَه (١). قال الدارقطني (٢): تفردّ به أسامة بن زيد عن الزهري عن أنس بهذه الألفاظ، ورواه عثمان بن عمر عن أسامة عن الزهري عن أنس وزاد فيه حرفًا لم يأت به غيره فقال: «ولم يصلِّ على أحد من الشهداء غيره» يعني حمزة. وقال في موضع آخر (٣): لم يقُل هذا اللفظ غير عثمان بن عمر، وليس بمحفوظ. وقال البخاري (٤): «وحديث أسامة بن زيد هو غير محفوظ، غلط فيه أسامة بن زيد»، وهو الليثي مولاهم المديني، احتجّ به مسلم واستشهد به البخاري. وأما عثمان بن عمر فهو ابن فارس البصري، وقد اتفقا على الاحتجاج به.

стр. 980

وقد اختُلف في الشهيد، فقال الشافعي، ومالك، وأحمد في الأشهر عنه (١)، وإسحاق (٢): لا يغسّل ولا يُصلَّى عليه. وهو قول عطاء (٣)، والنخعي، والحَكَم، والليث بن سعد. وقال أبو حنيفة (٤) والثوري والأوزاعي ومكحول (٥): لا يغسل، ويصلَّى عليه. وهو رواية عن أحمد (٦)، واختاره المزني (٧). (٨) قال ابن القيم ﵀: وهؤلاء رأوا أن الغسل لم يأت فيه شيء يعارِض حديثَ جابر في قتلى أحد (٩)، وأما الصلاة عليه فقد أخرجا في «الصحيحين» (١٠) عن عقبة بن عامر: أن النبي ﷺ خرج يومًا، فصلى على

стр. 981

أهل أحد صلاته على الميت. وحديث أنس: أن النبي ﷺ صلى على حمزة. وحديث أبي مالك الغفاري قال: كان قتلى أحد يؤتى بتسعةٍ وعاشرُهم حمزة، فيصلي عليهم رسول الله ﷺ ، ثم يُحمَلون، ثم يُؤتى بتسعة فيصلي عليهم وحمزة مكانه، حتى صلى عليهم رسول الله ﷺ . هذا مرسل صحيح ذكره البيهقي (١)، [ق ١٦٥] وقال: هو أصح ما في الباب. وروى أبو بكر بن عياش عن يزيدَ بن أبي زياد، عن مِقْسَم، عن ابن عباس: أنه صلى عليهم. رواه البيهقي (٢)، وقال: لا يُحفظ إلا من حديثهما، وكانا غير حافظين، يعني: أبا بكر، ويزيد بن أبي زياد. وقد روى ابن إسحاق عن رجل من أصحابه، عن مقسم، عن ابن عباس: أن النبي ﷺ صلى على حمزة، فكبّر عليه سبع تكبيرات، ولم يُؤتَ بقتيل إلا صلى عليه معه، حتى صلى عليه اثنتين وسبعين صلاة (٣). ولكن هذا الحديث له ثلاث علل: إحداها: أن ابن إسحاق عنعنه، ولم يذكر فيه سماعًا (٤).

стр. 982

الثانية: أنه رواه عمن لم يسمّه. الثالثة: أن هذا قد روي من حديث الحسن بن عُمارة عن الحَكَم عن مِقْسم عن ابن عباس (١). والحَسَن لا يُحتَجّ به، وقد سُئل الحَكَم: أصلَّى النبيُّ ﷺ على قتلى أُحُد؟ قال: لا. سأله شعبة (٢). وقد روى أبو داود (٣) عن أبي سلَّام عن رجل من أصحاب النبي ﷺ وفيه: فصلَّى عليه ودفنه، فقالوا: يا رسول الله، أشهيد هو؟ قال: «نعم، وأنا له شهيد»، وقد تقدم (٤). قالوا: وهذه آثار يقوّي بعضها بعضًا، ولم يختلف فيها، وقد اختُلِف في شهداء أحد. فكيف يؤخذ بما اختلف فيه، وتُترَك هذه الآثار؟ والصواب في المسألة: أنه مخير بين الصلاة عليهم وتركها لمجيء

стр. 983

الآثار بكل واحد من الأمرين. وهذا إحدى الروايات عن الإمام أحمد، وهي الأليق بأصوله ومذهبه. والذي يظهر من أمر شهداء أُحُد: أنه لم يصلِّ عليهم عند الدفن. وقد قُتِل معه بأُحُد سبعون نفسًا، فلا يجوز أن تخفى الصلاةُ عليهم. وحديث جابر بن عبد الله في ترك الصلاة عليهم صحيح صريح، وأبوه عبد الله أحد القتلى يومئذ، فله بالوقعة (١) من الخبرة ما ليس لغيره. وقد ذهب الحسن البصري وسعيد بن المسيب إلى أنهم يغسَّلون ويصلى عليهم (٢). وهذا تردّه السنة المعروفة في ترك تغسيلهم. فأصح الأقوال: أنهم (٣) لا يغسلون، ويخيَّر في الصلاة عليهم. وبهذا يتفق جميع الأحاديث، وبالله التوفيق. ٨ - باب في الكفن ٣٣١/ ٣٠٢٢ - وعن عائشة قالت: كُفِّنَ رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب يمانيةٍ بِيض، ليس فيها قميصٌ ولا عمامة. وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه (٤). ٣٣٢/ ٣٠٢٣ - وعنها مثله، زاد: «من كُرْسُفٍ»، قال: فذُكر لعائشة قولُهم:

стр. 984

في ثوبين وبُرْدِ حِبَرة، فقالت: قد أُتي بالبرد ولكنهم ردُّوه ولم يكفنوه فيه. وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه (١)، وقال الترمذي: صحيح. ٣٣٣/ ٣٠٢٤ - وعن مِقْسَم، عن ابن عباس قال: كُفِّن رسول الله ﷺ في ثلاث أثواب نَجْرَانِيةٍ: الحُلَّةُ ــ ثَوبانِ ــ، وقميصُه الذي مات فيه. وأخرجه ابن ماجه (٢). وفيه يزيد بن أبي زياد، وقد أخرج له مسلم في المتابعات. وقال غير واحد من الأئمة: لا يحتج بحديثه. وقال أبو عبد الله بن أبي صُفْرَة (٣): قولها: «ليس فيها قميص ولا عمامة» يدل على أن القميص الذي غُسِّل فيه النبي ﷺ نُزِع عنه حين كُفِّن، لأنه إنما قيل لهم: «لا تنزعوا القميص» ليُستر به ولا يُكشفَ جسده، فلما سُتر بالكفن استغني عن القميص، فلو لم يُنزَع القميص حين كفن لخرج عن حد الوتر الذي أمر به النبي ﷺ واستحسنه في غير ما شيء، وكانت تكون أربعةً بالثوب المبلول، ويُستَشنع أن يكفّن في مبلول. فإن قيل: فقد روى يزيد بن أبي زياد عن مقسم عن ابن عباس قال: كفن رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب: قميصه الذي مات فيه وحلة نجرانية. قيل: هذا حديث تفرد به يزيد بن أبي زياد، ولا يحتج به لضعفه. وحديث

стр. 985

عائشة أصح. آخر كلامه (١). قال ابن القيم ﵀ (٢): وقد حمل الشافعي (٣) قولها (٤): «ليس فيها قميص ولا عمامة» على أن ذلك ليس في الكفن بموجود، وأن عدد الكفن ثلاثة أثواب. وحمله مالك على أنه ليس بمعدود من الكفن، بل يحتمل أن تكون الثلاثة الأثواب زيادةً على القميص والعمامة (٥). وقال ابن القصَّار (٦): لا يستحب القميص ولا العمامة عند مالك في الكفن، ونحوه عن ابن القاسم. قال (٧): وهذا خلاف ما حكى متقدمو أصحابنا ــ يعني عن مالك.

стр. 986

٩ - باب في الغُسل مِن غَسل الميت ٣٣٤/ ٣٠٣١ - عن عائشة أنها حدثت: أن النبي ﷺ كان يغتسل من أربع: من الجنابة، ويومَ الجمعة، ومن الحجامة، وغَسْلِ الميت (١). قال أبو داود: حديث مصعب ــ يعني هذا ــ فيه خصال ليس العمل عليه. وقال الخطابي (٢): وفي إسناد الحديث مقال. قال ابن القيم ﵀: وقال الإمام أحمد في رواية أبي داود (٣): حديث مصعب هذا ضعيف، يعني حديث عائشة. وقال الترمذي (٤): قال البخاري: حديث عائشة في هذا الباب ليس بذاك. وقال ابن المنذر (٥): ليس في هذا حديث يثبت، وقال الإمام أحمد (٦): وحديث أبي هريرة موقوف، وسيأتي.

стр. 987

٣٣٥/ ٣٠٣٢ - وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «من غَسَّل الميتَ فليغتسل، ومن حمله فليتوضَّأ» (١). وأخرجه (٢) من حديث إسحاق مولى زائدة عن أبي هريرة بمعناه. وقال: هذا منسوخ، سمعت أحمد بن حنبل وسئل عن الغُسل من غَسل الميث فقال: يجزئه الوضوء. وقد أخرجه الترمذي وابن ماجه (٣) من حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعًا: «من غسل ميتا فليغتسل»، ولفظ الترمذي: «مِن غَسله الغُسل، ومن حمله الوُضوء ــ يعني الميت ــ». وقال: حديث حسن. وقد روي عن أبي هريرة موقوفًا. آخر كلامه. وقد روي أيضًا من حديث حذيفة بن اليمان وفيه من لا يحتجُّ به (٤). وقد اختلف في هذا الحديث اختلافًا كثيرًا. وقال أحمد وعلي ابن المديني: لا يصحُّ في هذا الباب شيء (٥). وقال محمد بن يحيى (٦): لا أعلم في: «من غسل ميتًا فليغتسل» حديثًا ثابتًا،

стр. 988

ولو ثبت لزمنا استعماله. وقال الشافعي في رواية البويطي (١): إن صح الحديث قلت بوجوبه (٢). قال ابن القيم ﵀: وقال في رواية الربيع (٣): «وأولى الغُسْل عندي أن يجب بعد غسل الجنابة: الغسلُ مِن غَسْل الميت، ولا أحب تركه بحال» ثم ساق الكلام إلى أن قال: «وإنما منعني من إيجاب الغسل من غسل الميت: أن في إسناده رجلًا لم أقع من معرفة ثَبْتِ (٤) حديثه إلى يومي [هذا] على ما يُقنعني، فإن وجدت من يُقنعني مِن معرفة ثَبْت حديثه أوجبتُه، وأوجبت الوضوء مِن مَسِّ الميت مُفْضيًا إليه، فإنهما في حديث واحد» (٥). وقال في غير هذه الرواية (٦): «وإنما لم يَقْوَ عندي أنه يروى عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة، ويُدخِل بعض الحفاظ بين أبي صالح وبين أبي هريرة: إسحاق مولى زائدة. وقيل (٧): إن أبا صالح لم يسمعه من أبي هريرة، وليست معرفتي بإسحاق مولى زائدة مثلَ معرفتي

стр. 989

بأبي صالح، ولعله أن يكون ثقة (١)، وقد رواه صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة». وقال الإمام أحمد في رواية أبي داود (٢): يجزئه الوضوء. قال أبو داود: أدخل أبو صالح بينه وبين أبي هريرة فيه: إسحاق مولى زائدة، قال: وحديث مصعب ضعيف. آخر كلامه. وهذا الحديث فيه عدة أقوال: أحدها: سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة (٣). الثاني: سهيل عن أبيه عن إسحاق مولى زائدة عن أبي هريرة (٤). الثالث: عن يحيى بن أبي كثير عن إسحاق عن أبي هريرة (٥).

стр. 990

الرابع: عن يحيى عن أبي إسحاق عن أبي هريرة (١). الخامس: عن يحيى عن رجل من بني ليث عن أبي إسحاق عن أبي هريرة (٢). السادس: عن معمر عن أبي إسحاق عن أبيه عن حذيفة (٣). السابع: عن أبي صالح عن أبي سعيد (٤). الثامن: عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعًا وموقوفًا (٥). قال البيهقي ﵀ (٦): والموقوف أصح.

стр. 991

التاسع: زهير بن محمد عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعًا (١). العاشر: عمرو بن عمير عن أبي هريرة مرفوعًا (٢). الحادي عشر: صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة مرفوعًا (٣). ذكرها البيهقي، وقال (٤): إنما يصح هذا الحديث عن أبي هريرة موقوفًا. وهذه الطرق تدل على أن الحديث محفوظ. وقد روى أبو داود (٥) عن علي بن أبي طالب أنه اغتسل [ق ١٦٦] من تجهيزه أباه ومُواراته. قال البيهقي (٦): وروينا تركَ إيجاب الغسل منه عن ابن عباس في أصح

стр. 992

الروايتين عنه، وعن ابن عمر وعائشة، ورويناه أيضًا عن سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود، وأنس بن مالك. آخر كلامه. هذه المسألة فيها ثلاثة مذاهب: أحدها: أن الغُسل لا يجب على غاسله، وهذا قول الأكثرين. الثاني: أنه يجب. وهذا اختيار الجوزجاني (١). ويروى عن ابن المسيب وابن سيرين والزهري، وهو قول أبي هريرة، ويُروى عن علي (٢). الثالث: وجوبه مِن غَسل الميت الكافر دون المسلم. وهو رواية عن الإمام أحمد (٣)، لحديث علي: «أن النبي ﷺ أمره بالغسل»، وليس فيه أنه غسل أبا طالب، مع أنه من رواية ناجيةَ بن كعب عنه، وناجية لا يُعرف أحد روى عنه غير أبي إسحاق، قاله ابن المديني وغيره (٤).

стр. 993

١٠ - باب في تقبيل الميت ٣٣٦/ ٣٠٣٣ - عن عائشة قالت: رأيت رسول الله ﷺ يُقَبِّل عثمان بن مَظْعون وهو ميت، حتى رأيت الدموع تَسيل. وأخرجه الترمذي وابن ماجه (١). وفي حديث ابن ماجه: «على خدَّيه». وقال الترمذي: حسن صحيح. هذا آخر كلامه. وفي إسناده عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب، وقد تكلم فيه غير واحد من الأئمة. قال ابن القيم ﵀: وابن حبّان يصحح له (٢)، ومن طريقه صحح حديث: «سابق (٣) رسول الله ﷺ بين الخَيل، وجعل بينهما محلِّلًا» (٤). وذكره في «الضعفاء» (٥). ١١ - باب الدفن بالليل ٣٣٧/ ٣٠٣٤ - عن جابر بن عبد الله قال: رأى ناسٌ نارًا في المقبرة فأتوها،

стр. 994

فإذا رسول الله ﷺ في القبر، وإذا هو يقول: «ناولوني صاحبَكم»، وإذا هو الرجل الذي كان يرفع صوته بالذكر (١). قال ابن القيم ﵀: هذه النار كانت للإضاءة، ولهذا ترجم عليه أبو داود: الدفن بالليل. قال الإمام أحمد (٢): لا بأس بذلك، وقال: أبو بكر دُفِن ليلًا، وعليٌّ دَفَن فاطمة ليلًا (٣)، وحديث عائشة: سمعنا صوت المساحي من آخر الليل في دفن النبي ﷺ (٤). وممن دُفِن ليلا: عثمان، وعائشة، وابن مسعود (٥). ورخَّص فيه عقبةُ بن عامر، وابن المسيب، وعطاء (٦)، والثوري، والشافعي، وإسحاق (٧).

стр. 995

وكرهه الحسن وأحمد في إحدى الروايتين (١). وقد روى مسلم في «صحيحه» (٢): أن النبي ﷺ خطب يومًا فذكر رجلًا من أصحابه قُبِض فكُفِّن في كفنٍ غير طائل (٣) ودفن ليلًا، فزجر النبي ﷺ أن يُقبَر الرجل بالليل إلا أن يُضطرّ إنسان إلى ذلك. والآثار في جواز الدفن بالليل أكثر. وفي الترمذي (٤) من حديث الحجاج بن أرطاةَ، عن عطاء، عن ابن عباس: أن النبي ﷺ دخل قبرًا ليلًا، فأُسرِج له سراج، فأخذه من قِبَل القبلة، وقال: «رحمك الله، إن كنت لأوَّاهًا تلَّاءً للقرآن»، وكبّر عليه أربعًا. قال: وفي الباب عن جابر، ويزيد بن ثابت، وهو أخو زيدٍ أكبر منه. قال: وحديث ابن عباس حديث حسن. قال: ورخص أكثر أهل العلم في الدفن بالليل. وقد نزل النبي ﷺ في قبر ذي البِجادَين ليلًا (٥).

стр. 996

وفي «صحيح البخاري» (١): أن النبي ﷺ سأل عن رجل، فقال: «من هذا؟» قالوا: فلان، دُفِن البارحةَ، فصلَّى عليه. وهذه الآثار أكثر وأشهر (٢) من حديث مسلم. وفي «الصحيحين» (٣) عن ابن عباس قال: مات إنسان كان رسول الله ﷺ يعوده، فمات بالليل فدفنوه ليلًا، فلما أصبح أخبروه، فقال: «ما منعكم أن تُعْلِمُوني؟» فقالوا: كان الليل، وكرهنا ــ وكانت ظلمةٌ ــ أن نَشُقَّ عليك، فأتى قبرَه فصلَّى عليه. قيل: وحديث النهي محمول على الكراهة والتأديب. والذي ينبغي أن يقال في ذلك ــ والله أعلم ــ: إنه متى كان الدفن ليلًا لا يفوت به شيءٌ من حقوق الميت والصلاةِ عليه= فلا بأس به، وعليه تدل أحاديث الجواز. وإن كان يفوت بذلك حقوقُه والصلاة عليه وتمامُ القيام عليه= نُهي عن ذلك، وعليه يدل الزَّجْر. وبالله التوفيق. ١٢ - باب القيام للجنازة ٣٣٨/ ٣٠٤٣ - عن عامر بن ربيعة ــ يبلغ به النبيَّ ﷺ ــ قال: «إذا رأيتم الجِنازةَ فقومُوا حتَّى تُخَلِّفَكم أو تُوضَع». وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه (٤).

стр. 997

٣٣٩/ ٣٠٤٤ - وعن ابن أبي سعيد الخدري ــ وهو عبد الرحمن ــ عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا تَبِعتُم الجنازة فلا تجلسوا حتَّى تُوضَع» (١). وقد أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي (٢) من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي سعيد بنحوه. وأخرجه مسلم (٣) من حديث أبي صالح السمان عن أبي سعيد. قال أبو داود: روى هذا الحديث الثوري عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة قال فيه: «حتى توضع بالأرض» (٤)، ورواه أبو معاوية عن سهيل قال: «حتى توضع في اللَّحْدِ»، وسفيان أحفظ من أبي معاوية. قال ابن القيم ﵀: وحديث أبي معاوية رواه ابن حبان في «صحيحه» (٥) ولفظه: «كان رسول الله ﷺ إذا كان مع الجنازة لم يجلس حتى توضع في اللحد، أو تدفن ــ شكَّ أبو معاوية ــ». ويدل على أن المراد بالوضعِ الوضعُ بالأرض عن الأعناق حديثُ البراء بن عازب: «خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة رجلٍ من الأنصار فانتهينا إلى القبر، ولمَّا يُلحدْ بعدُ، فجلس النبي ﷺ ، وجلسنا معه ... ». وهو

стр. 998

حديث صحيح، وسيأتي إن شاء الله تعالى (١). ٣٤٠/ ٣٠٤٥ - وعن جابر ــ وهو ابن عبد الله ــ قال: كنا مع النبي ﷺ إذ مرَّت بنا جنازة، فقام لها، فلما ذهبنا لنحمل إذا هي جنازة يهودي، فقلنا: يا رسول الله، إنما هي جنازة يهودي، فقال: «إنَّ الموت فَزَع، فإذا رأيتم الجنازة فقُوموا». وأخرجاه والنسائي (٢)، وليس في حديثهم: «فلما ذهبنا لنحمل». ٣٤١/ ٣٠٤٦ - وعن علي بن أبي طالب: أن النبي ﷺ قام في الجنائز، ثم قعد بعدُ. وأخرجه مسلم والثلاثة (٣). ٣٤٢/ ٣٠٤٧ - وعن عبادة بن الصامت قال: كان رسول الله ﷺ يقوم في الجنازة حتى توضَع في اللَّحْدِ، فمَرَّ حَبْرٌ من اليهود، فقال: هكذا نفعل، فجلس النبي ﷺ وقال: «اجْلسوا، خالِفوهم». وأخرجه وابن ماجه والترمذي (٤)، وقال: غريب، وبِشْر بن رافع ليس بالقوي في الحديث.

стр. 999

وقال أبو بكر الهَمَذاني (١): ولو صح لكان صريحًا في النسخ، غير أن حديث أبي سعيد أصح وأثبت، فلا يقاومه هذا الإسناد. وقال غيره: النسخ ثابت بحديث علي (٢). قال ابن القيم ﵀: وهذا هو الذي نحاه الشافعي، قال ــ وقد روى حديث عامر بن ربيعة ــ (٣): «وهذا لا يعدو أن يكون منسوخًا، أو يكون النبي ﷺ قام لها لعلةٍ قد رواها بعض المُحدِّثين مِن أن جنازة يهودي مُرَّ بها على النبي ﷺ فقام لها كراهية أن تَطُوله (٤). وأيهما كان، فقد جاء عن النبي ﷺ تركُه بعد فعله، والحجة في الآخر من أمره؛ إن كان الأول واجبًا فالآخِر من أمره ناسخ، وإن كان استحبابًا فالآخِر هو الاستحباب، وإن كان مباحًا فلا بأس في القيام، والقعودُ أحب إلي، لأنه الآخر من فعله». ثم ذكر حديث علي. اختلف أهل العلم في القيام [ق ١٦٧] للجنازة وعلى القبر على أربعة أقوال:

стр. 1000

أحدها: أن ذلك كلَّه منسوخ؛ قيام تابِعها، وقيام من مرَّت عليه، وقيام المشيّع على القبر. قال هؤلاء: وما جاء من القعود نَسْخٌ لهذا كلِّه. وهذا المذهب ضعيف من ثلاثة أوجه: أحدها: أن شرطَ النسخِ المعارضةُ والتأخر، وكلاهما منتفٍ في القيام على القبر بعد الدفن، وفي استمرار قيام المشيّعين حتى توضع، وإنما يمكن دعوى النسخ في قيام القاعد الذي تمر به الجنازة على ما فيه. الثاني: أن أحاديث القيام كثيرة صحيحة صريحة في معناها، فمنها حديث عامر بن ربيعة، وهو في «الصحيحين»، وفي بعض طرقه: «إذا رأى أحدكم الجنازة فإن لم يكن ماشيًا معها فليَقُم حتى تخلِّفَه، أو توضع مِن قَبل أن تخلفه» (١). وفي لفظ: «إذا رأى أحدكم الجنازة فليقم حين يراها حتى تخلِّفه» (٢). ومنها: حديث أبي سعيد، وهو متفق عليه، ولفظهما (٣): «إذا اتبعتم جنازة فلا تجلسوا حتى توضع». وفي لفظ لهما (٤): «إذا رأيتم الجنازة فقوموا، فمن تبعها فلا يجلسْ حتى توضع». وهو دليل على القيام في المسألتين. ومنها: حديث جابر في قيامه لجنازة يهودي، وهو في «الصحيحين» (٥).

стр. 1001

وتعليله بأن ذلك كراهية أن تَطُولَه تعليل باطل، فإن النبي ﷺ علَّل بخلافه. وعنه في ذلك ثلاث علل: إحداها (١): قوله: «إن الموت فزع»، ذكره مسلم في حديث جابر، وقال: «إن الموت فزع فإذا رأيتم الجنازة فقوموا». الثانية: أنه قام للملائكة، كما روى النسائي (٢) عن أنس: أن جنازة مرت برسول الله ﷺ فقام، فقيل: إنها جنازة يهودي، فقال: «إنما قمنا للملائكة». الثالثة: التعليل بكونها نَفْسًا، وهذا في «الصحيحين» (٣) من حديث قيس بن سعد وسهل بن حُنَيف قالا: إن رسول الله ﷺ مرت به جنازة فقام، فقيل: إنه يهودي، فقال: «أليست نفسًا؟». فهذه هي العلل الثابتة عنه. وأما التعليل بأنه كراهية أن تطوله، فلم يأت في شيء من طرق هذا الحديث الصحيحة. ولو قُدِّر ثبوتها فهي ظن من الراوي، وتعليل النبي ﷺ الذي ذكره بلفظه أولى. فهذه الأحاديث مع كثرتها وصحتها كيف يقدَّم عليها حديثُ عبادة مع ضعفه؟! وحديث علي، وإن كان في «صحيح مسلم»، فهو حكاية فعلٍ لا عموم له، وليس فيه لفظ عامٌّ يحتج به على النسخ، وإنما فيه أنه قام وقعد، وهذا

стр. 1002

يدل على أحد أمرين: إما أن يكون كل منهما جائزًا، والأمر بالقيام ليس على الوجوب، وهذا أولى من النسخ. قال الإمام أحمد (١): إن قام لم أَعِبْه، وإن قعد فلا بأس. وقال القاضي وابن أبي موسى: القيام مستحب، ولم يرياه منسوخًا (٢). وقال بالتخيير إسحاقُ، وعبد الملك بن حبيب، وابن الماجشون (٣). وبه تأتلف الأدلة. أو يدلَّ على نسخ قيام القاعد الذي يُمَرّ عليه بالجنازة، دون استمرار قيام مُشَيِّعِها، كما هو المعروف من مذهب أحمد عند أصحابه (٤)، وهو مذهب مالك (٥) وأبي حنيفة (٦). الثالث: أن أحاديث القيام لفظ صريح، وأحاديث الترك إنما هي فِعْل مُحتمِل لما ذكرنا من الأمرين، فدعوى النسخ غير بينة، والله أعلم. وقد عمل الصحابة بالأمرين بعد النبي ﷺ ، فقعد علي وأبو هريرة ومروان، وقام أبو سعيد (٧)، ولكن هذا في قيام التابع، والله أعلم.
следующие страницы →