← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 201

تهذيب سنن أبي داود - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 675 стр.). Показаны 1068–1107 · переход к 1073.

стр. 1068

وفي رواية إبراهيم بن سعد عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن النبي ﷺ : «لا تبايعوا الثمر بالتمر؛ ثَمَر النخل بتَمْر النخل» هكذا روي مقيَّدًا. آخر كلامه. وحديث أبي هريرة الذي أشار إليه رواه مسلم في «صحيحه» (١). وحديث ابن عمر متفق على صحته (٢)، ولفظ «الصحيحين» فيه: نهى رسول الله ﷺ عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه، وعن بيع الرطب بالتمر (٣). ٥ - باب المضارب يخالف ٣٧٦/ ٣٢٤٤ - عن عروة ــ يعني البارِقِيَّ ــ قال: أعطاه النبي ﷺ دينارًا يشتري به أضحية ــ أو شاة ــ، فاشترى شاتين، فباع إحداهما بدينار، فأتاه بشاة ودينار، فدعا له بالبركة في بَيْعه؛ فكان لو اشترى ترابًا لربح فيه. وأخرجه الترمذي وابن ماجه (٤).

стр. 1069

٣٧٧/ ٣٢٤٥ - وعن شيخ من أهل المدينة، عن حكيم بن حِزام أن رسول الله ﷺ بَعثَ معه بدينار يشتري له أضحية، فاشتراها بدينار وباعها بدينارين، فرجع فاشترى أضحية بدينار وجاء بدينار إلى النبي ﷺ ، فتصدَّق به النبيُّ ﷺ ، ودعا له أن يبارَك له في تجارته (١). في إسناده مجهول. وأخرجه الترمذي (٢) من حديث حبيب بن أبي ثابت عن حكيم بن حزام، وقال: لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وحبيب بن أبي ثابت لم يسمع عندي من حكيم بن حزام. هذا آخر كلامه. وحكى المزني (٣) عن الشافعي أن حديث البارقي ليس بثابت عنده. قال أبو بكر البيهقي: وإنما ضَعَّف حديث البارقي لأن شبيب بن غَرْقدة رواه عن الحَيِّ وهم غير معروفين. وحديث حكيم بن حزام إنما رواه شيخ غير مسمًّى. وقال في موضع آخر (٤): الحيُّ الذي أخبرنا شبيب بن غرقَدة عن عروة البارقي لا نعرفهم، والشيخ الذي أخبر أبا حَصِين (٥) عن حكيم بن حزام لا نعرفه، وليس هذا من شرط أصحاب الحديث في قبول الأخبار. والله أعلم. وذكر الخطابي (٦) أن الخبرين معًا غير متصلين، لأن في أحدهما ــ وهو

стр. 1070

خبر حكيم بن حزام ــ رجلًا مجهولًا لا يُدرى مَن هو؟ وفي خبر عروة «أن الحي حدثوه»، وما كان هذا سبيله من الرواية لم تَقُم به الحجة. هذا آخر كلامه. فأما تخريج البخاري (١) له في صدر حديث «الخير معقود بنواصي الخيل» فيحتمل أنه سمعه من علي ابن المديني على التمام، فحدث به كما سمعه، وذكر فيه إنكار شبيبِ بن غَرقدة سماعَه من عروة حديث شراء الشاة، وإنما سمعه من الحيِّ عن عروة، وإنما سمع من عروة قوله ﷺ : «الخير معقود بنواصي الخيل». ويشبه أن الحديث في الشراء لو كان على شرطه لأخرجه في كتاب البيوع وكتاب الوكالة، كما جرت عادته في الحديث الذي يشتمل على أحكام أن يذكره في الأبواب التي تصلح له، ولم يخرجه إلا في هذا الموضع، وذكر بعده حديث «الخيل» من رواية عبد الله بن عمر وأنس بن مالك وأبي هريرة (٢). فدل ذلك على أن مراده حديث «الخيل» فقط، إذ هو على شرطه. وقد أخرج مسلم (٣) حديث شبيب بن غرقدة عن عروة مقتصرًا على ذكر الخيل، ولم يذكر حديث الشاة. وقد أخرج الترمذي (٤) حديث شراء الشاة من رواية أبي لَبيد ــ لِمازة بن زبَّار (٥) ــ عن عروة. وهو من هذه الطريق حسن (٦).

стр. 1071

قال ابن القيم ﵀: والحديث مخرّج في «صحيح البخاري» (١)، أخرجه في ذكر الأنبياء والمناقب، في الأبواب التي فيها صفة النبي ﷺ ، في باب ترجمته: «باب سؤال المشركين أن يريهم النبي ﷺ آية»، فذكره بإسناده عن شبيب بن غرقدة قال: «سمعت الحي يتحدثون عن عروة: أن النبي ﷺ أعطاه دينارًا يشتري له به شاة، فاشترى له به شاتين، فباع إحداهما بدينار، فجاءه بدينار وشاة فدعا له بالبركة في بيعه، وكان لو اشترى التراب لربح فيه». قال سفيان: «يشتري له شاة، [ق ١٧٧] كأنها أضحية». انفرد بإخراجه البخاري. وقد استُدرك عليه روايته له عن الحي وهم غير معروفين، وما كان هكذا فليس من شرط كتابه. وقد رواه ابن ماجه من رواية شبيب عن عروة نفسه، والصحيح أنه لم يسمعه منه. قال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا شبيب بن غرقدة، قال: سمعت الحيَّ يتحدّثون عن عروة أن النبي ﷺ أعطاه دينارًا ليشتري له به شاة، فاشترى له به شاتين، فباع إحداهما بدينار، فجاءه بدينار وشاة، فدعا له بالبركة في بيعه، وكان لو اشترى التراب لربح فيه. قال سفيان: كان الحسن بن عُمارة جاءنا بهذا الحديث عنه قال: [سمعه شبيب من عُروة، فأتيته فقال شبيب: إني لم أسمعه من عروة، قال:] (٢)

стр. 1072

سمعت الحيَّ يخبرونه عنه، ولكن سمعته يقول: سمعت النبي ﷺ يقول: «الخير معقود في نواصي الخيل إلى يوم القيامة»، قال: وقد رأيت في داره سبعين فرسًا. قال سفيان: يشتري له شاة، كأنها أضحية. ٦ - باب في المزارعة (١) ٣٧٨/ ٣٢٤٨ - عن عبد الله بن عمر قال: ما كنَّا نرى بالمزارعة بأسًا، حتى سمعتُ رافع بن خَدِيج يقول: إن رسول الله ﷺ نهى عنها. فذكرتُه (٢) لطاوس، فقال: قال ابن عباس: إن رسول الله ﷺ لم يَنْهَ عنها ولكن قال: «لِيَمْنَحْ أحدُكم أرضَهُ خيرٌ من أن يأخذ عليها خراجًا معلومًا». وأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه (٣). ٣٧٩/ ٣٢٤٩ - وعن عروة بن الزبير قال: قال زيد بن ثابت: يغفر الله لرافع بن خَديج، أنا واللهِ أعلمُ بالحديث منه! إنما أتاه رجلان ــ قال مسدَّد: مِن الأنصار، ثم اتفقا: ــ قد اقتتلا، فقال رسول الله ﷺ : «إن كان هذا شَأنَكم فلا تُكْرُوا المَزَارع». زاد مسدد: فسمع قولَه: «لا تكروا المزارع». وأخرجه النسائي وابن ماجه (٤).

стр. 1073

٣٨٠/ ٣٢٥٠ - وعن سعيد بن المسيب، عن سعد ــ وهو ابن أبي وقاص ــ قال: كنا نُكري الأرضَ بما على السَّواقي من الزرع، وما سَعِدَ بالماء منها، فنهانا رسول الله ﷺ عن ذلك، وأمرنا أن نُكريها بذهبٍ أو فضة. وأخرجه النسائي (١). ٣٨١/ ٣٢٥١ - وعن حنظلةَ بن قيسٍ الأنصارى قال: سألت رافع بن خَديج عن كِراء الأرض بالذهب والوَرِق، فقال: لا بأس بها، إنما كان الناسُ يؤاجرون على عهد رسول الله ﷺ بما على المَاذِيانات وأَقبال الجداول، وأشياء من الزرع، فيَهلِك هذا ويَسلَم هذا، ويَسلم هذا ويَهلك هذا، ولم يكن للناس كِراء إلا هذا، فلذلك زَجَر عنه، فأما شيء مضمون معلوم فلا بأس به. وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه (٢). ٣٨٢/ ٣٢٥٢ - وعنه أنه سأل رافع بن خَديج عن كراء الأرض، فقال: نهى رسول الله ﷺ عن كِراء الأرض، فقلت: بالذهب والوَرِق؟ فقال: أمَّا بالذهب والوَرِق فلا بأس به (٣). وهو طرف من الحديث الذي قبله.

стр. 1074

٧ - باب التشديد في ذلك (١) ٣٨٣/ ٣٢٥٣ - عن سالم بن عبد الله: أن ابنَ عمر كان يُكري أرضه، حتى بلغه أنَّ رافع بن خديج الأنصاري كان ينهى عن كراء الأرض، فلقيه عبد الله، فقال: يا ابنَ خَديج، ماذا تُحدِّث عن رسول الله ﷺ في كراء الأرض؟ قال رافع لعبد الله بن عمر: سمعت عَمَّيَّ ــ وكانا قد شهدا بدرًا ــ يحدثان أهل الدار: أن رسول الله ﷺ نهى عن كراء الأرض، قال عبد الله: والله لقد كنتُ أعلم في عهد رسول الله ﷺ أنَّ الأرض تُكْرَى. ثم خشي عبد الله أن يكون رسولُ الله ﷺ أحدث في ذلك شيئًا لم يكن عَلِمَه فترك كراء الأرض. وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي (٢). وعماه: هما ظُهير، ومُظهِّر، ابنا رافع. وذكر أبو داود: أنه رواه نافع ــ يعني مولى ابن عمر ــ عن رافع عن النبي ﷺ . وعن نافع عن رافع قال: سمعت أن رسول الله ﷺ . وعن أبي النجاشي عن رافع قال: سمعت النبي ﷺ . وعن أبي النجاشي عن رافع عن عمه ظُهَير بن رافع عن النبي ﷺ . وهذه الطرق التي ذكرها كلها أسانيدها جيدة. ٣٨٤/ ٣٢٥٤ - وعن سليمان بن يسار أن رافع بن خديج قال: كنا نُخَابِر على عهد رسول الله ﷺ ، فذكر أن بعض عمومته أتاه فقال: نهى رسول الله ﷺ عن أمرٍ كان لنا نافعًا، وطَواعِيَةُ الله ورسوله أنفعُ لنا وأنفع، قال: قلنا: وما ذاك؟ قال: قال رسول الله ﷺ : «من كانت له أرضٌ فليَزرَعْها، أو لِيُزْرِعْها أخاه، ولا يُكارِيها بثلثٍ ولا بربع، ولا بطعامٍ مسمًّى».

стр. 1075

وأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه (١). ٣٨٥/ ٣٢٥٥ - وعن ابن رافع بن خَديج، عن أبيه، قال: جاءنا أبو رافع من عند رسول الله ﷺ فقال: نهانا رسول الله ﷺ عن أمرٍ كان يَرْفُق بنا، وطاعةُ الله وطاعةُ رسوله أرفق بنا، نهانا أن يزرع أحدُنا إلا أرضًا يملك رَقَبَتها، أو مَنِيحةً يُمْنَحُها رجل» (٢). ٣٨٦/ ٣٢٥٦ - وعن أُسَيد بن ظُهير قال: جاءنا رافع بن خَديج فقال: إن رسول الله ينهاكم عن أمر كان لكم نافعًا، وطاعة رسول الله ﷺ أنفع لكم؛ إن رسول الله ﷺ ينهاكم عن الحَقْل، وقال: «مَنِ استَغنَى عن أرضِهِ فَليَمنَحْها أخاه، أو لِيَدَعْ». وأخرجه النسائي وابن ماجه (٣). ٣٨٧/ ٣٢٥٧ - وعن أبي جعفر الخَطْمي ــ واسمه عُمير بن يزيد ــ قال: بعثني عمي أنا وغلامًا له إلى سعيد بن المسيب، قال: قلنا له: شيء بلغَنا عنك في المزارعة؟ قال: كان ابنُ عمر لا يرى بها بأسًا، حتى بلغه عن رافع بن خديج حديثٌ، فأتاه فأخبره رافع أن رسول الله ﷺ أتى بني حارثة فرأى زرعًا في أرضِ ظُهَيْرٍ، فقال: «ما أحسَنَ زَرعَ ظُهَيرٍ!» قالوا: ليس لظهير، قال: «أليس أرضَ ظهير؟» قالوا: بلى، ولكنه زرعُ فلان، قال: «فخذوا زرعكم، ورُدُّوا عليه النفقة». قال رافع: فأخذنا زرعنا، ورددنا إليه النفقة. قال سعيد: أفقِر أخاك، أو اكْرِهِ بالدراهم.

стр. 1076

وأخرجه النسائي (١). ٣٨٨/ ٣٢٥٨ - وعن سعيد بن المسيب، عن رافع بن خديج قال: نهى رسول الله ﷺ عن المُحاقَلة والمُزابَنة، وقال: إنّما يَزرع ثلاثةٌ: رجلٌ له أرض فهو يزرعها، ورجلٌ مُنِحَ أرضًا فهو يزرع ما مُنِح، ورجل استكرَى أرضًا بذهبٍ أو فضة. وأخرجه النسائي مسندًا ومرسلًا، وأخرجه ابن ماجه (٢). ٣٨٩/ ٣٢٥٩ - وعن عثمان بن سهل بن رافع بن خديج قال: إني ليتيم في حِجر رافع بن خَديج وحججت معه، فجاءه أخي عِمران بن سهل، فقال: أكرَينَا أرضَنا فلانةَ بمائتي درهم، فقال: دَعْه، فإن النبي ﷺ نهى عن كراء الأرض. وأخرجه النسائي (٣)، وقال: عيسى بن سهل بن رافع. وهو الصواب. ٣٩٠/ ٣٢٦٠ - وعن ابن أبي نُعْم ــ وهو عبد الرحمن ــ قال: حدثني رافع بن خَديج أنه زرع أرضًا، فمرَّ به النبي ﷺ وهو يَسقيها، فسأله: «لمن الزرع؟ ولمن الأرض؟» فقال: زرعي ببَذْري وعملي، لي الشَّطر ولبني فلان الشَّطر، فقال: «أَرْبَيتُما، فرُدَّ الأرض على أهلها، وخُذ نفقتك» (٤).

стр. 1077

في إسناده: بُكَير بن عامر البجَلي الكوفي، وقد تكلم فيه غير واحد. قال ابن القيم ﵀: وفي «صحيح البخاري» و «مسلم» (١) عن جابر: أن رسول الله ﷺ نهى عن كراء الأرض. وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : «من كانت له أرض فليَزرَعْها، فإن لم يَزرعها فليُزرِعْها أخاه» (٢). وعنه قال: كان لرجال فضول أرضين من أصحاب النبي ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : «من كان له فضلُ أرضٍ فليَزْرعها أو ليَمْنَحْها أخاه، فإن أبى فليُمْسك أرضه» (٣). وعنه قال: نهى رسول الله ﷺ أن يُؤخذ للأرض أَجرٌ أو حظّ (٤). وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : «من كانت له أرض فليزرعها، فإن لم يستطع أن يزرعها وعَجَز عنها فليمنحها أخاه المسلم ولا يؤاجِرْها إياه» (٥). وفي لفظ آخر: «من كانت له أرض فليَزرعها، أو لِيُزرِعْها أخاه ولا يُكْرِها» (٦). وعنه عن النبي ﷺ قال: «من كان له فضل أرض فليَزرَعْها، أو ليُزرِعْها

стр. 1078

أخاه، ولا تبيعوها». قال سَلِيم بن حيّان: فقلت لسعيد بن مِيناء: ما «لا تبيعوها»؟ يعني الكراء؟ قال: نعم (١). وعن جابر قال: كنا نُخابِر على عهد رسول الله ﷺ ، فنصيب مِن القِصْرِيِّ ومِن كذا، فقال رسول الله ﷺ : «من كانت له أرض فليَزرعها أو ليُحرِثها أخاه، وإلا فليَدَعها» (٢). وعنه قال: كنا في زمان رسول الله ﷺ نأخذ الأرض بالثلث أو الربع وبالماذِيانات، فقام رسول الله ﷺ في ذلك فقال: «من كانت له أرض فليَزرعها، فإن لم يزرعها فليَمنَحْها أخاه، فإن لم يمنحها أخاه فليُمسِكها» (٣). وهذه الأحاديث متفق عليها، وذهب إليها من أبطل المزارعة. وأما الذين صححوها، وهم فقهاء الحديث كالإمام أحمد (٤)، والبخاري، وإسحاق، والليث بن سعد، وابن خزيمة، وابن المنذر، وأبي

стр. 1079

داود (١). وهو قول أبي يوسف ومحمد (٢). وهو قول عمر بن عبد العزيز، والقاسم بن محمد، وعروة، وابن سيرين، وسعيد بن المسيب، وطاوس، وعبد الرحمن بن الأسود، وموسى بن طلحة، والزهري، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، ومحمد بن عبد الرحمن، ومعاذ العنبري، وهو قول الحسن وعبد الرحمن بن يزيد (٣). قال البخاري في «صحيحه» (٤): قال قيس بن مسلم عن أبي جعفر: ما بالمدينة أهل بيت هِجرة إلا يزرعون على الثلث والربع. قال البخاري: وزارَع عليٌّ، وسعد بن مالك، وعبد الله بن مسعود، وعمر بن عبد العزيز، والقاسم، وعروة، وآل أبي بكر، وآل عمر، وآل علي، وابن سيرين. وعامل عُمَر الناسَ على إن جاء عمر بالبَذْر من عنده فله الشَّطْر، وإن جاءوا بالبذر فلهم كذا. وقال الحسن: لا بأس أن تكون الأرض لأحدهما فيُنفقان جميعًا

стр. 1080

فما يخرج فهو بينهما، ورأى ذلك الزهري. = فحجتهم (١): معاملة النبي ﷺ أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثَمَر (٢) أو زرع (٣). وهذا متفق عليه بين الأمة. قال أبو جعفر (٤): عامل رسول الله ﷺ أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر (٥) أو زرع، ثم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ثم أهلوهم إلى اليوم يعطون الثلث والربع. وهذا أمر صحيح مشهور قد عمل به رسول الله ﷺ حتى مات، ثم خلفاؤه الراشدون من بعده حتى ماتوا، ثم أهلوهم من بعدهم، ولم يبق بالمدينة أهل بيت حتى عملوا به، وعمل به أزواج النبي ﷺ من بعده. ومثل هذا يستحيل أن يكون منسوخًا، لاستمرار العمل به من النبي ﷺ إلى أن قبضه الله، وكذلك استمرار عمل خلفائه الراشدين به، فنسخُ هذا من أمحل المُحال. وأما حديث رافع بن خديج، فجوابه من وجوه:

стр. 1081

أحدها: أنه حديث في غاية الاضطراب والتلوّن. قال الإمام أحمد (١): حديث رافع بن خديج ألوان. وقال أيضًا (٢): حديث رافع ضروب. الثاني: أن الصحابة أنكروه على رافع؛ قال زيد بن ثابت ــ وقد حُكي له حديث رافع ــ: أنا أعلم بذلك منه، وإنما سمع النبيُّ ﷺ رجلين [ق ١٧٨] قد اقتتلا فقال: «إن كان هذا شأنكم فلا تكروا المزارع»، وقد تقدم. وفي البخاري (٣): عن عمرو بن دينار قال: قلت لطاوس: لو تركتَ المخابرة، فإنهم يزعمون أن النبي ﷺ نهى عنها، قال: إنَّ أعلمهم ــ يعني ابن عباس ــ أخبرني أن النبي ﷺ لم ينه عنه، ولكن قال: «أن يمنح أحدكم أخاه خيرٌ له من أن يأخذ عليها خراجًا معلومًا». فإن قيل: إن كان قد أنكره بعض الصحابة عليه، فقد أقرَّه ابن عمر ورجع إليه. فالجواب: أن ابن عمر ﵄ لم يحرّم المزارعة، ولم يذهب إلى حديث رافع، وإنما كان شديد الورع، فلما بلغه حديث رافع خشي أن يكون رسول الله ﷺ أحدث في المزارعة شيئًا لم يكن علمه، فتركها لذلك. وقد جاء هذا مصرَّحًا به في «الصحيحين» (٤) أن ابن عمر إنما تركها

стр. 1082

لذلك، ولم يحرّمها على الناس. الثالث: أن في بعض ألفاظ حديث رافع ما لا يقول به أحد، وهو النهي عن كراء المزارع على الإطلاق (١). ومعلوم: أن النبي ﷺ لم ينهَ عن كرائها مطلقًا، فدل على أنه غير محفوظ. الرابع: أنه تارةً يحدثه عن بعض عمومته، وتارة عن سماعه، وتارة عن ظهير بن رافع؛ مع اضطراب ألفاظه، فمرة يقول: «نهى عن الحَقْل (٢)»، ومرة يقول: «عن كراء الأرض»، ومرة يقول: «لا يكاريها بثلث، ولا بربع (٣)، ولا طعام مسمّى»، كما تقدم ذكر ألفاظه. وإذا كان حديث هكذا، وجب تركه والرجوع إلى المستفيض المعلوم من فعل رسول الله ﷺ وأصحابه من بعده، الذي لم يَضطرب ولم يختلف. الخامس: أن من تأمل حديث رافع، وجمع طرقه، واعتبر بعضها ببعض، وحمَل مُجمَلها على مفسَّرِها ومطلَقَها على مقيَّدها= عَلِم أن الذي نهى عنه النبي ﷺ من ذلك أمرٌ بيِّن الفساد، وهو المزارعة الظالمة الجائرة، فإنه قال: «كنا نكري الأرض على أن لنا هذه ولهم هذه، فربما أخرجت هذه ولم تخرج هذه» (٤)، وفي لفظ له: «كان الناس يؤاجرون على عهد رسول الله ﷺ بما على الماذيانات وأقبال الجداول أو أشياء من الزرع» كما

стр. 1083

تقدم، وقوله: «ولم يكن للناس كراء إلا هذا، فلذلك زجر عنه، وأما شيء مضمون معلوم (١) فلا بأس». وهذا مِن أبين ما في حديث رافع وأصحه، وما فيها مجمل أو مطلق أو مختصر فيُحمَل على هذا المفسَّر المبين المتفق عليه لفظًا وحكمًا. قال الليث بن سعد (٢): الذي نهى عنه رسول الله ﷺ أمرٌ إذا نظر ذو البصر (٣) بالحلال والحرام علم أنه لا يجوز. وقال ابن المنذر (٤): قد جاءت الأخبار عن رافع بعلل تدل على أن النهي كان لتلك العلل. فلا تعارض إذًا بين حديث رافع وأحاديث الجواز بوجه. السادس: أنه لو قدر معارضة حديث رافع لأحاديث الجواز وامتنع الجمع بينها، لكان منسوخًا قطعًا بلا ريب، لأنه لا بد من نسخ أحد الخبرين، ويستحيل نسخ أحاديث الجواز لاستمرار العمل بها من النبي ﷺ إلى أن توفي، واستمرارِ عمل الخلفاء الراشدين، وهذا أمر معلوم عند من له خبرة بالنقل كما تقدم ذكره، فيتعيّن نسخُ حديث رافع.

стр. 1084

السابع: أن الأحاديث إذا اختلفت عن النبي ﷺ فإنه ينظر إلى ما عمل به أصحابه من بعده، وقد تقدم ذكر عمل الخلفاء الراشدين وأهلهم وغيرهم من الصحابة بالمزارعة. الثامن: أن الذي في حديث رافع إنما هو النهي عن كرائها بالثلث أو الربع، لا عن المزارعة، وليس هذا بمخالف لجواز المزارعة، فإن الإجارة شيء والمزارعة شيء؛ فالمزارعة من جنس الشركة يستويان في الغُنْم والغُرْم، فهي كالمضاربة بخلاف الإجارة، فإن المؤجِّر على يقين من المغنم وهو الأجرة، والمستأجرَ على رجاء. ولهذا كان أحدُ القولين للمجوِّزين المزارعةَ: إنها أحلُّ من الإجارة وأولى بالجواز، لأنهما على سواءٍ في الغُنم والغُرم (١)، فهي أقرب إلى العدل. فإذا استأجرها بثلثٍ أو ربعٍ كانت هذه إجارة لازمة، وذلك لا يجوز، ولكن المنصوص عن الإمام أحمد جواز ذلك. واختلف أصحابه على ثلاثة أقوال في نصه (٢)، فقالت طائفة: يصح ذلك بلفظ المؤاجرة ويكون مزارعة، فيصحُ بلفظ الإجارة كما يصح بلفظ المزارعة. قالوا: والعبرة في العقود بمعانيها وحقائقها لا بصيغها وألفاظها. قالوا: فتصحّ مزارعةً، ولا تصحّ إجارة. وهذه طريقة الشيخ أبي محمد. الثاني: أنها لا تصح إجارةً ولا مزارعة. أما الإجارة، فلأن من شرطها كونَ العوض فيها معلومًا متميزًا معروف الجنس والقدر، وهذا منتفٍ في

стр. 1085

الثلث والربع. وأما المزارعة، فلأنهما لم يعقدا عقد مزارعة، إنما عقدا عقد إجارة. وهذه طريقة أبي الخطاب. الثالث: أنها تصحّ [ق ١٨٩] مؤاجرةً ومزارعةً، وهي طريقة القاضي وأكثر أصحابه. فحديث رافع إما أن يكون النهي فيه عن الإجارة دون المزارعة، أو عن المزارعة التي كانوا يعتادونها، وهي التي فسّرها في حديثه. وأما المزارعة التي فعلها النبي ﷺ وأصحابه وخلفاؤه من بعده فلم يتناولها النهي بحال. التاسع: أن ما في المزارعة من الحاجة إليها، والمصلحة، وقيام أمر الناس، يمنع من تحريمها والنهي عنها، لأن أصحاب الأرض كثيرًا ما يعجِزون عن زرعها ولا يقدرون عليه، والعُمّالُ والأَكَرة يحتاجون إلى الزرع ولا أرضَ لهم، ولا قِوام لهؤلاء ولا لهؤلاء إلا بالزرع، فكان من حِكمة الشارع (١)، ورحمته بالأمة، وشفقته عليها، ونظره لهم= أن جوّز لهذا أن يدفع أرضه لمن يعمل عليها، ويشتركان في الزرع؛ هذا بعمله وهذا بمنفعة أرضه، وما رزقه الله فهو بينهما، وهذا في غاية العدل والحكمة والرحمة والمصلحة. وما كان هكذا فإن الشارع لا يحرّمه ولا ينهى عنه، لعموم مصلحته وشدة الحاجة إليه، كما في المضاربة والمساقاة، بل الحاجة في المزارعة آكد منها في المضاربة، لشدة الحاجة إلى الزرع إذ هو القوت، والأرض لا

стр. 1086

يُنتفَع بها إلا بالعمل عليها، بخلاف المال. فإن قيل: فالشارع نهى عنها مع هذه المنفعة التي فيها، ولهذا قال رافع: نهانا رسول الله ﷺ عن أمر كان لنا نافعًا. فالجواب: أن الشارع لا ينهى عن المنافع والمصالح، وإنما ينهى عن المفاسد والمضارّ، وهم ظنوا أن ذلك المنهيَّ عنه منفعةٌ، وإنما هو مضرة ومفسدة مقتضية للنهي. وما تخيَّلُوه من المنفعة فهي منفعة جُزْوِيّة (١) لرب الأرض لاختصاصه بخيار الزرع، وما سَعِد منه بالماء، وما على أقبال الجداول، فهذا وإن كانت منفعة له، فهو مضرّة على المزارع، فهو من جنس منفعة المُرْبي (٢) بما يأخذه من الزيادة، وإن كان مضرةً على الآخر؛ والشارع لا يبيح منفعة هذا بمضرة أخيه. فجواب رافع (٣): أن هذا وإن كان منفعةً لكم، فهو مضرة على إخوانكم، فلهذا نهاكم عنه. وأما المزارعة العادلة التي يستوي فيها العامل ورب الأرض فهي منفعة لهما، ولا مضرة فيها على أحد، فلم ينه عنها. فالذي نهى عنه مشتمل على مضرة ومفسدة راجحة في ضِمنها منفعةٌ مرجوحة جُزويّة، والذي فعله وأصحابه من بعده (٤) مصلحةٌ ومنفعة راجحة، لا مضرة فيها على واحد منهما، فالتسوية بين هذا وهذا تسوية بين متباينين لا

стр. 1087

يستويان عند الله ولا عند رسوله (١). وكذلك الجواب عن حديث جابر سواء. وقد تقدم في بعض طرقه أنهم كانوا يختصون بأشياء من الزرع من القِصْريّ ومن كذا ومن كذا، فقال ﷺ : «من كان له أرض فليَزرَعها أو لِيُحْرِثْها (٢) أخاه»، فهذا مفسَّر مبيَّن ذُكِر فيه سبب النهي، وأُطلِق في غيره من الألفاظ، فينصرف مطلقها إلى هذا المقيد المبين، ويدل على (٣) أنه هو المراد بالنهي. واتفقت السنن عن رسول الله ﷺ وتآلفت، وزال عنها الاضطراب والاختلاف، وبان أنّ لكل منها (٤) وجهًا، وأن ما نهى عنه غيرُ ما أباحه وفَعَله، وهذا هو الواجب والواقع في نفس الأمر، والحمد لله رب العالمين. ٨ - باب مَن زرع أرضًا بغير إذن صاحبها ٣٩١/ ٣٢٦١ - عن عطاء ــ وهو ابن أبي رباح ــ، عن رافع بن خديج، قال: قال رسول الله ﷺ : «مَن زرع في أرضِ قومٍ بغير إذنهم، فليس له من الزَّرع شيءٌ وله نفقَتُه». وأخرجه ابن ماجه (٥) والترمذي، وقال: حسن غريب، لا نعرفه من حديث أبي إسحاق إلا من هذا الوجه، من حديث شريك بن عبد الله. قال: وسألت

стр. 1088

محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث؟ فقال: هو حديث حسن. وقال: لا أعرفه من حديث أبي إسحاق إلا من رواية شريك. وقال الخطابي (١): هذا الحديث لا يثبت عند أهل المعرفة بالحديث. وحدثني الحسن بن يحيى، عن موسى بن هارون الحمّال أنه كان ينكر هذا الحديث ويضعّفه، ويقول: لم يروه عن أبي إسحاق غير شريك [ولا رواه عن عطاء غير أبي إسحاق، وعطاء لم يسمع من رافع بن خديج شيئًا. وضعّفه البخاري (٢) أيضًا وقال: تفرد بذلك شريك] عن أبي إسحاق، وشريك يهم كثيرًا أو أحيانًا. وقال الخطابي: وحكى ابن المنذر (٣) عن أبي داود قال: سمعت أحمد بن حنبل يُسأل عن حديث رافع بن خديج؟ فقال: عن رافع ألوان، ولكن أبا إسحاق زاد فيه: «زرع بغير إذنه»، وليس غيره يذكر هذا الحرف (٤). قال ابن القيم ﵀: وليس مع من ضعّف الحديث حجة، فإن رواته محتج بهم في «الصحيح»، وهم أشهر من أن يسأل عن توثيقهم (٥)، وقد

стр. 1089

حسّنه إمام المحدثين أبو عبد الله البخاري، والترمذي بعده، وذكره أبو داود ولم يضعّفه فهو حسن عنده، واحتج به الإمام أحمد وأبو عبيد (١). وقد تقدّم شاهده من حديث رافع بن خديج في قصة الذي زرع في أرض ظُهَير (٢) فأمر النبي ﷺ أصحاب الأرض أن يأخذوا الزرع ويردوا عليه نفقته، وقال فيه لأصحاب الأرض: «خذوا زرعكم»، فجعله زرعًا لهم، لأنه تولّد من منفعة أرضهم، فتولُّدُه في الأرض كتولُّد الجنين في بطن أمه. ولو غصب رجل فحلًا فنزا على ناقته أو رَمَكَتِه (٣) لكان الولد لصاحب الأنثى، دون صاحب الفحل، لأنه إنما يكون حيوانًا من أجزائها (٤)، ومنيُّ الأب لما لم يكن له قيمة أهدره الشارع، لأن عسب الفحل لا يقابَل بالعوض. ولما كان البذر مالًا متقوّمًا رُدَّ على صاحبه قيمتُه، ولم يذهب عليه باطلًا، وجعل الزرع لمن يكون في أرضه، كما يكون الولد لمن يكون في بطن أمّه ورَمَكَته وناقته. فهذا محض القياس لو لم يأت فيه حديث؛ فمِثلُ هذا الحديث الحسن الذي له شاهد من السنة على مثله، وقد تأيد بالقياس الصحيح= مِن حُجَج الشريعة، وبالله التوفيق.

стр. 1090

٩ - باب في المخابرة ٣٩٢/ ٣٢٦٢ - عن أبي الزبير، وسعيد بن مِيناء، عن جابر بن عبد الله قال: نهى رسول الله ﷺ عن المُحاقلة، والمُزابنة، والمُخابرة، والمُعاوَمة ــ قال عن حماد: وقال أحدهما: والمعاومة، وقال الآخر: بيع السِّنين، ثم اتفقوا: ــ وعن الثُّنْيا، ورخَّصَ في العَرايا. وأخرجه مسلم وابن ماجه (١). قال ابن القيم ﵀: المخابرة التي نهاهم عنها رسول الله صلى الله عليه [ق ١٨٠] وسلّم هو الذي كانوا يفعلونه من المخابرة الظالمة الجائرة، وهي التي جاءت مفسّرةً في أحاديثهم. ومطلق النهي إنما ينصرف إليها دون ما فَعَله هو وخلفاؤه من بعده وأصحابه، كما بينّاه. ١٠ - باب المُساقاة ٣٩٣/ ٣٢٦٦ - عن ابن عمر: أن النبي ﷺ عاملَ أهل خَيبرَ بِشَطْرِ ما يخرج من ثَمَرٍ أو زرع. وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه (٢) (٣).

стр. 1091

قال ابن القيم ﵀: وفي «صحيح البخاري» (١) عن أبي هريرة ﵁ قال: قالت الأنصار للنبي ﷺ : اقْسِم بيننا وبين إخواننا النخيل، قال: «لا»، فقالوا: تكفونا المَؤُونة، ونشرككم في الثمرة. قالوا: سمعنا وأطعنا. ١١ - باب في العبد يُباع وله مال ٣٩٤/ ٣٢٨٨ - عن سالم ــ وهو ابن عبد الله بن عمر ــ عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: «من بَاع عَبدًا وله مال فمالُه للبائع، إلا أن يشترط المبتاع، ومن باع نخلًا مُؤَبَّرًا فالثمرة للبائع، إلا أن يشترط المبتاع». وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه (٢). ٣٩٥/ ٣٢٨٩ - وعن نافع، عن ابن عمر، عن عمر، بقصة العبد. وأخرجه النسائي (٣) موقوفًا. ٣٩٦/ ٣٢٩٠ - وعن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ بقصة النخل (٤). وأخرجه البخاري ومسلم وابن ماجه (٥). قال ابن القيم ﵀: اختلف سالم ونافع على ابن عمر في هذا الحديث،

стр. 1092

فسالم رواه عن أبيه عن النبي ﷺ مرفوعًا في القصتين جميعًا: قصة العبد وقصة النخل؛ ورواه نافع عنه، ففرَّق بين القصتين، فجعل قصة النخل عن النبي ﷺ ،وقصة العبد عن ابن عمر عن عمر. فكان مسلم والنسائي (١) وجماعة من الحفاظ يحكمون لنافع ويقولون: ميّز وفرق بينهما، وإن كان سالم أحفظ منه. وكان البخاري والإمام أحمد وجماعة من الحفاظ يحكمون لسالم، ويقولون: هما جميعا صحيحان عن النبي ﷺ (٢). وقد روى جماعة أيضًا عن نافع عن النبي ﷺ قصةَ العبد، كما رواه سالم، منهم: يحيى بن سعيد، وعبد ربه بن سعيد، وسليمان بن موسى (٣). ورواه عبيد الله بن أبي جعفر، عن بكير بن الأشج، عن نافع، عن ابن عمر يرفعه، وزاد فيه: «ومن أعتق عبدًا وله مال فماله له، إلا أن يشترط السيد مالَه فيكون له» (٤).

стр. 1093

قال البيهقي (١): وهذا بخلاف رواية الجماعة. وليس هذا بخلاف روايتهم، وإنما هي زيادة مستقلة رواها أحمد في «مسنده» (٢)، واحتج بها أهل المدينة في أن العبد إذا أعتق فماله له إلا أن يشترطه سيده، كقول مالك. ولكن علة الحديث أنه ضعيف، قال الإمام أحمد: يرويه عبيد الله بن أبي جعفر من أهل مصر، وهو ضعيف في الحديث، كان صاحب فقه، فأما في الحديث فليس هو فيه بالقوي (٣). وقال أبو الوليد (٤): هذا الحديث خطأ. وكان ابن عمر إذا أعتق عبدًا لم يعرض لماله. قيل للإمام أحمد (٥): هذا عندك على التفضُّل؟ قال: إي لعَمْري، على التفضُّل. قيل له: فكأنه عندك للسيد؟ فقال: نعم للسيد، مثل البيع سواء. ١٢ - باب النهي عن العِينة ٣٩٧/ ٣٣١٧ - عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا تَبايعتم

стр. 1094

بالعِينة، وأخذتم أذنابَ البقر، ورَضِيتم بالزرع، وتركتم الجهادَ، سَلَّطَ الله عليكم ذُلًّا لا يَنزِعُه حتى ترجعوا إلى دينكم» (١). قال ابن القيم ﵀: وفي الباب حديث أبي إسحاق السَّبِيعي عن امرأته: أنها دخلت على عائشة فدخلت معها أم ولد زيد بن أرقم، فقالت: يا أم المؤمنين، إني بعتُ غلامًا من زيد بن أرقم بثمانمائة درهم نسيئةً، وإني ابتعتُه منه بستمائة نقدًا، فقالت لها عائشة: «بئسما اشتريتِ، وبئسما شريتِ، أخبري (٢) زيدًا أن جهاده مع رسول الله ﷺ قد بطل إلا أن يتوب». هذا الحديث رواه البيهقي والدارقطني (٣). وذكره الشافعي (٤) وأعله بالجهالة بحال امرأة أبي إسحاق، وقال: لو ثبت فإنما عابت عليها بيعًا إلى العطاء، لأنه أجل غير معلوم. ثم قال: ولا يثبت مثل هذا عن عائشة، وزيد بن أرقم لا يبيع إلا ما يراه حلالًا. قال البيهقي: ورواه يونس بن أبي إسحاق عن أمه العالية بنت أَيْفَعَ: أنها دخلت على عائشة مع أم مُحِبَّة (٥). وقال غيره: هذا الحديث حسن ويُحتج بمثله، لأنه قد رواه عن العالية

стр. 1095

ثقتان ثَبْتان: أبو إسحاق زوجها، ويونس ابنها؛ ولم يُعلَم فيها جرح، والجهالة ترتفع عن الراوي بمثل ذلك. ثم إن هذا مما ضبَطَت فيه القصة ومن دخل معها على عائشة، وقد صدَّقها زوجُها وابنُها وهما مَن هما، فالحديث محفوظ. وقوله في الحديث المتقدم (١): «من باع بيعتين في بيعة فله أوكَسُهما أو الربا» هو مُنزَّل على العِينة بعينها، قاله شيخنا (٢)؛ لأنه بيعان في مبيع واحد، فأوكسهما: الثمن الحالّ، وإن أخذ بالأكثر ــ وهو المؤجل ــ أخذ بالربا. فالمعنَيان لا تنفك (٣) من أحد الأمرين: إما الأخذ بأوكس الثمنَين، أو الربا، وهذا لا يتنزَّل إلا على العِينة. فصل قال المُحرِّمون للعينة: الدليل على تحريمها من وجوه: أحدها: أن الله تعالى حرَّم الربا، والعِينةُ وسيلة إلى الربا، بل هي من

стр. 1096

أقرب وسائله، والوسيلة إلى الحرام حرام. فهنا مقامان: أحدهما: بيان كونها وسيلة. والثاني: أن الوسيلة إلى الحرام حرام. فأما الأول: فيشهد به النقل والعرف والنية والقصد، وحال المتعاقدَين. فأما النقل: فما ثبت عن ابن عباس أنه سئل عن رجل باع من رجل حريرةً بمائة، ثم اشتراها بخمسين؟ فقال: «دراهم بدراهم متفاضلة، دخلت بينهما (١) حريرة» (٢). وفي كتاب محمد بن عبد الله الحافظ المعروف بِمُطَيَّن (٣)، عن ابن عباس: أنه قال: «اتقوا هذه العينة، لا تبيعوا دراهم بدراهم بينهما حريرة». وفي كتاب أبي محمد النَخْشَبي الحافظ (٤) عن ابن [ق ١٨١] عباس أنه

стр. 1097

سئل عن العينة يعني بيع الحريرة؟ فقال: «إن الله لا يُخدَع، هذا مما حرم الله ورسوله». وفي كتاب الحافظ مُطيَّن (١) عن أنس أنه سئل عن العينة ــ يعني بيع الحريرة ــ، فقال: «إن الله لا يُخدَع، هذا مما حرم الله ورسوله». وقول الصحابي: «حرم رسول الله كذا، وأمر بكذا، وقضى بكذا، وأوجب كذا» في حكم المرفوع اتفاقًا من أهل العلم، إلا خلافًا شاذًّا لا يُعتد به، ولا يؤبه له. وشبهة المخالف: أنه لعله رواه بالمعنى، فظن ما ليس بأمرٍ ولا تحريمٍ، كذلك. وهذا فاسد جدًّا، فإن الصحابة أعلم بمعاني النصوص، وقد تلقَّوها مِن فِيْ رسولِ الله ﷺ فلا يُظَنّ بأحدٍ منهم أن يُقدِم على قوله: «أمر رسول الله ﷺ ، أو حرّم، أو فرض» إلا بعد جَزمه بذلك (٢)، ودلالةِ اللفظ عليه. واحتمالُ خلاف هذا كاحتمال الغلط والسهو في الرواية، بل دونه. فإنْ رُدَّ قوله «أمر» ونحوه بهذا الاحتمال وجب رَدُّ روايته لاحتمال السهو والغلط، وإن قُبلت روايته وجب قبول الآخر. وأما شهادة العرف بذلك: فأظهر من أن تحتاج إلى تقرير، بل قد علم الله وعبادُه مِن ذلك، مِن قصدهما أنهما لم يعقدا على السلعة عقدًا يُقصَد به

стр. 1098

تملُّكها، ولا غرضَ لهما فيها بحال. وإنما الغرض والمقصود بالقصد الأول: مائة بمائة وعشرين، وإدخالُ تلك السلعة في الوسط تلبيس وعبث، وهي بمنزلة الحرف الذي لا معنى له في نفسه، بل جِيء به لمعنًى في غيره، حتى لو كانت تلك السلعة تساوي أضعاف ذلك الثمنِ أو أقلَّ جزء من أجزائه لم يبالوا بجعلها مورِدًا للعقد، لأنهم لا غرض لهم فيها، وأهلُ العرف لا يكابرون أنفسهم في هذا. وأما النية والقصد، فالأجنبي المشاهد لهما يقطع بأنه لا غرض لهما في السلعة وأن القصد الأول: مائةٌ بمائةٍ وثلاثين (١)، فضلًا عن علم المتعاقدَين ونيتهما، ولهذا يتواطأ كثير منهم على ذلك قبل العقد، ثم يُحضران تلك السلعة محلِّلًا لما حرم الله ورسوله. وأما المقام الثاني ــ وهو أن الوسيلة إلى الحرام حرام ــ فثابت بالكتاب والسنة والفطرة والمعقول، فإن الله سبحانه مسخ اليهود قردةً وخنازير لمّا توسلوا إلى الصيد الحرام بالوسيلة التي ظنوها مباحةً. وسمى أصحاب رسول الله ﷺ والتابعون مثل ذلك مخادعة، كما تقدم. وقال أيوب السختياني: «يخادعون الله كأنما يخادعون الصبيان، لو أتوا الأمرَ على وجهه كان أسهل» (٢). والرجوع إلى الصحابة في معاني الألفاظ متعين، سواء كانت لغويةً أو شرعية، والخداع حرام.

стр. 1099

وأيضًا: فإن هذا العقد يتضمن إظهار صورة مباحة، وإضمارَ ما هو من أكبر الكبائر، فلا تنقلب الكبيرة مباحةً بإخراجها في صورة البيع الذي لم يُقصَد نقل الملك فيه أصلًا، وإنما قُصِد حقيقة الربا. وأيضًا: فإن الطريق متى أفضت إلى الحرام، فإن الشريعة لا تأتي بإباحتها أصلًا، لأن إباحتها وتحريمَ الغاية جمعٌ بين النقيضين، فلا يتصور أن تُباح (١) ويُحرَّم ما تُفضِي إليه، بل لا بد من تحريمهما أو إباحتهما، والثاني باطل قطعًا فيتعيّن الأول. وأيضًا: فإن الشارع إنما حرَّم الربا، وجعله من الكبائر، وتوعَّد آكِلَه بمحاربة الله ورسوله، لما فيه من أعظم الفساد والضرر، فكيف يُتصوَّر مع هذا أن يبيح هذا الفساد العظيم بأيسر شيءٍ يكون من الحِيَل؟! فيالله العجب! أتُرى هذه الحيلة أزالت تلك المفسدة العظيمة، وقلبتها مصلحةً بعد أن كانت مفسدة؟ وأيضًا: فإن الله سبحانه عاقب أهل الجنة الذين أقسموا ليَصرِمُنَّها مُصبِحين (٢)، وكان مقصودهم منع حق الفقراء من المتساقط وقت الجِذاذ، فلما قصدوا منع حقهم منعهم الله الثمرة جملة. ولا يقال: فالعقوبة إنما كانت على ترك الاستثناء وحده (٣)، لوجهين:

стр. 1100

أحدهما: أن العقوبة من جنس العمل، وتركُ الاستثناء عقوبته أن يُعوَّق ويُنَسَّى، لا إهلاكُ ماله، بخلاف عقوبة ذنب الحِرمان فإنها حرمان كالذنب. الثاني: أن الله تعالى أخبر عنهم أنهم قالوا: ﴿أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ﴾، ورتّب (١) العقوبة على ذلك، فلو لم يكن لهذا الوصف مدخل في العقوبة لم يكن لذكره فائدة، فإن لم يكن هو العلةَ التّامة كان جزءًا من العلة. وعلى التقديرين يحصل المقصود. وأيضًا فإن النبي ﷺ قال: «الأعمال بالنيات»، والمتوسِّل بالوسيلة التي صورتها مباحة إلى المحرَّم إنما نيته المحرَّم، ونيته أولى به من ظاهر عمله. وأيضًا: فقد روى ابن بطة (٢) وغيره بإسناد حسن عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلُّوا محارمَ الله بِأَدنى الحيل» وإسناده مما يصححه الترمذي. وأيضًا: فإن النبي ﷺ قال: «لعن الله اليهود حُرِّمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها وأكلوا أثمانها» (٣).

стр. 1101

و «جملوها»: يعني أذابوها [ق ١٨٢] وخلطوها، وإنما فعلوا ذلك ليزول عنها اسم الشحم، ويَحدُث لها اسم آخر وهو الوَدَك، وذلك لا يفيد الحِلَّ، فإن التحريم تابع للحقيقة وهي لم تتبدَّل بتبدُّل الاسم. وهذا الربا تحريمه تابع لمعناه وحقيقته، فلا يزول بتبدل الاسم بصورة البيع كما لم يَزُل تحريم الشحم بتبدل الاسم بصورة الجَمْل والإذابة، وهذا واضح بحمد الله. وأيضًا: فإن القوم (١) لم ينتفعوا بعَين الشحم، إنما انتفعوا بثمنه، فيلزم مَن وقف مع صُوَر العقود والألفاظ دون مقاصدها وحقائقها أن لا يحرِّم ذلك، لأن الله تعالى لم ينصَّ على تحريم الثمن، وإنما حرَّم عليهم نفس الشحم. ولمّا لعنهم على استحلالهم الثمن، وإن لم ينص على تحريمه، دل على أن الواجبَ النظرُ إلى المقصود وإن اختلفت الوسائل إليه، وأن ذلك يوجب أن لا يُقصد الانتفاعُ بالعَين ولا ببدلها. ونظير هذا أن يُقال: «لا تقرب مال اليتيم»، فتبيعه وتأكل عِوَضه؛ وأن يقال: «لا تشرب الخمرَ»، فتغير اسمه وتشربه؛ وأن يقال: «لا تَزْنِ بهذه المرأة»، فتعقدَ عليها عقدَ إجارةٍ وتقول: إنما أستوفي منافعها! وأمثال ذلك. قالوا: ولهذا الأصل ــ وهو تحريم الحِيَل المتضمنة إباحةَ ما حرم الله، أو إسقاطَ ما أوجبه الله عليه ــ أكثر من مائة دليل. وقد ثبت أن النبي ﷺ لعن المحلِّل والمحلَّل له (٢)، مع أنه أتى بصورة

стр. 1102

عقد النكاح الصحيح، لمّا كان مقصوده التحليل، لا حقيقة النكاح. وقد ثبت عن الصحابة أنهم سَمَّوه زانيًا (١)، ولم ينظروا إلى صورة العقد. الدليل الثاني على تحريم العينة ما رواه أحمد في «مسنده» (٢): حدثنا أسود بن عامر، حدثنا أبو بكر، عن الأعمش، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا ضنَّ الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعِينة، واتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله= أنزل الله بهم بلاءً، فلا يرفعه عنهم حتى يُراجِعوا دينهم». ورواه أبو داود (٣) بإسناد صحيح إلى حَيْوَةَ بن شُرَيحٍ المصري، عن إسحاق أبي عبد الرحمن (٤) الخراساني، أن عطاءً الخراساني حدثه: أن نافعًا حدثه عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (فذكره). وهذان إسنادان حسنان يشُدُّ أحدهما الآخر.

стр. 1103

فأما رجال الأول فأئمة مشاهير، وإنما يخاف أن لا يكون الأعمش سمعه من عطاء، أو أن عطاء لم يسمعه من ابن عمر (١). فالإسناد الثاني يبين أن للحديث أصلًا محفوظًا عن ابن عمر، فإن عطاء الخراساني ثقة مشهور وحَيْوة كذلك، وأما إسحاق أبو عبد الرحمن (٢) فشيخ روى عنه أئمة المصريين مثلُ: حَيْوة، واللَّيث، ويحيى بن أيوب، وغيرهم. وله طريق ثالث: رواه السَّرِي بن سهل (٣): حدثنا عبد الله بن رُشَيد،

стр. 1104

حدثنا عبد الرحمن بن محمد، عن ليث، عن عطاء، عن ابن عمر قال: لقد أتى علينا زمان وما منا رجل يرى أنه أحق بديناره ودرهمه من أخيه المسلم، ولقد سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «إذا ضنَّ الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة، وتركوا الجهاد، واتبعوا أذناب البقر= أدخل الله عليهم ذُلًّا لا ينزعه حتى يتوبوا ويرجعوا إلى دينهم». وهذا يبين أن للحديث أصلًا وأنه محفوظ. الثالث: ما تقدم من حديث أنس أنه سئل عن العينة، فقال: «إن الله لا يُخدَع، هذا مما حرم الله ورسوله». وتقدم أن هذا اللفظ في حكم المرفوع. الرابع: ما تقدم من حديث ابن عباس وقوله: «هذا مما حرم الله ورسوله». الخامس: ما رواه الإمام أحمد (١): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن أبي إسحاق عن العالية؛ ورواه حرب (٢) من حديث إسرائيل حدثني أبو إسحاق عن جدّته العالية ــ يعني جدة إسرائيل، فإنها امرأة أبي إسحاق ــ

стр. 1105

قالت: دخلت على عائشة في نسوة فقالت [ما] حاجتكن؟ فكان أول من سألها أم مُحبّة، فقالت: يا أم المؤمنين هل تعرفين زيد بن أرقم؟ قالت نعم. قالت: فإني بعته جاريةً لي بثمانمائة درهم إلى العطاء، وإنه أراد أن يبيعها فابتعتُها بستمائة درهم نقدًا. فأقبلتْ عليها وهي غضبى، فقالت: بئسما شَرَيتِ وبئسما اشتريتِ، أبلغي زيدًا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ إلا أن يتوب. وأُفحِمتْ صاحبتنا فلم تتكلم طويلًا، ثم إنه سهل عنها فقالت: يا أم المؤمنين أرأيتِ إن لم آخذ إلا رأس مالي؟ فتلَتْ عليها: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]. فلولا أن عند أم المؤمنين علمًا لا تستريب فيه أن هذا محرَّم لم تستجز (١) أن تقول مثل هذا بالاجتهاد، ولا سيما إن كانت قد قصدت أن العمل يَحبَط بالردة، وأن استحلال الربا كفرٌ، وهذا منه، ولكن زيدٌ معذور لأنه لم يعلم أن هذا مُحرَّم، ولهذا قالت: «أبلغيه». ويحتمل أن تكون قصدت أن هذا من الكبائر التي يقاوم إثمُها ثوابَ الجهاد فيصير بمنزلة من عمل حسنةً وسيئةً بقدرها، فكأنه لم يعمل شيئًا. وعلى التقديرين فجزمُ أم المؤمنين بهذا دليل على أنه لا يسوغ فيه الاجتهاد، ولو كانت هذه من مسائل الاجتهاد [ق ١٨٣] والنزاعِ بين الصحابة لم تُطلِق عائشة على زيد ذلك، فإن الحسناتِ لا تَبطُل بمسائل الاجتهاد. ولا يقال: فزيد من الصحابة وقد خالفها؛ لأن زيدًا لم يقل: هذا حلال،

стр. 1106

بل فعله، وفِعل المجتهد لا يدل على قوله على الصحيح، لاحتمال سهوٍ أو غفلة أو تأويل أو رجوع ونحوه، وكثيرًا ما يفعل الرجل الشيء ولا يعلم مفسدته، فإذا نُبِّه لها انتبه. ولا سيما أم ولده، فإنها دخلت على عائشة تستفتيها، وطلبت الرجوع إلى رأس مالها، وهذا يدل على الرجوع عن ذلك العقد، ولم يُنقَل عن زيد أنه أصرَّ على ذلك. فإن قيل: لا نسلم ثبوت الحديث، فإن أم ولد زيد مجهولة. قلنا: أم ولده لم تروِ الحديث، وإنما كانت هي صاحبة القصة، وأما العالية فهي امرأة أبي إسحاق السبيعي، وهي من التابعيات، وقد دخلت على عائشة (١)، وروى عنها أبو إسحاق، وهو أعلم بها. وفي الحديث قصة وسياق يدل على أنه محفوظ، وأن العالية لم تختلق هذه القصة وتضعها، بل يغلب على الظن غلبةً قوية صِدقُها فيها وحفظها لها، ولهذا رواها عنها زوجها (٢) ولم يتَّهِمها، ولا سيما عند من يقول رواية العدل عن غيره تعديل له، والكذب لم يكن فاشيًا في التابعين فُشُوَّه فيمن بعدهم، وكثير منهم كان يروي عن أمه وامرأته ما يخبرهن به أزواج رسول الله ﷺ

стр. 1107

ويَحتج به. فهذه أربعة أحاديث تبين أن رسول الله ﷺ حرم العينة: حديث ابن عمر الذي فيه تغليظ العينة، وحديث أنس وابن عباس أنها مما حرم الله ورسوله، وحديث عائشة هذا. والمرسل منها له ما يوافقه، وقد عمل به الصحابة والسلف، وهذا حجة باتفاق الفقهاء. السادس: ما رواه أبو داود من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «من باع بيعتين في بيعةٍ فله أوكسهما أو الربا». وللعلماء في تفسيره قولان: أحدهما: أن يقول: بعتك بعشرة نقدًا، أو عشرين نسيئة. وهذا هو الذي رواه أحمد (١) عن سماك، ففسره في حديث ابن مسعود قال: نهى رسول الله ﷺ عن صفقتين في صفقة. قال سماك: الرجل يبيع البيع، فيقول: هو على نَساءٍ بكذا، وبنقد بكذا. وهذا التفسير ضعيف، فإنه لا يدخل الربا (٢) في هذه الصورة، ولا صفقتين هنا، وإنما هي صفقة واحدة بأحد الثمنين. والتفسير الثاني: أن يقول أبيعكها بمائة إلى سنة على أن أشتريها منك بثمانين حالَّةً. وهذا معنى الحديث الذي لا معنى له غيره، وهو مطابق لقوله: «فله أوكسهما أو الربا»، فإنه إما أن يأخذ الثمن الزائد فيُرْبي، أو الثمن الأول
следующие страницы →