← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 201

تهذيب سنن أبي داود - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 675 стр.). Показаны 1103–1142 · переход к 1108.

стр. 1103

فأما رجال الأول فأئمة مشاهير، وإنما يخاف أن لا يكون الأعمش سمعه من عطاء، أو أن عطاء لم يسمعه من ابن عمر (١). فالإسناد الثاني يبين أن للحديث أصلًا محفوظًا عن ابن عمر، فإن عطاء الخراساني ثقة مشهور وحَيْوة كذلك، وأما إسحاق أبو عبد الرحمن (٢) فشيخ روى عنه أئمة المصريين مثلُ: حَيْوة، واللَّيث، ويحيى بن أيوب، وغيرهم. وله طريق ثالث: رواه السَّرِي بن سهل (٣): حدثنا عبد الله بن رُشَيد،

стр. 1104

حدثنا عبد الرحمن بن محمد، عن ليث، عن عطاء، عن ابن عمر قال: لقد أتى علينا زمان وما منا رجل يرى أنه أحق بديناره ودرهمه من أخيه المسلم، ولقد سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «إذا ضنَّ الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة، وتركوا الجهاد، واتبعوا أذناب البقر= أدخل الله عليهم ذُلًّا لا ينزعه حتى يتوبوا ويرجعوا إلى دينهم». وهذا يبين أن للحديث أصلًا وأنه محفوظ. الثالث: ما تقدم من حديث أنس أنه سئل عن العينة، فقال: «إن الله لا يُخدَع، هذا مما حرم الله ورسوله». وتقدم أن هذا اللفظ في حكم المرفوع. الرابع: ما تقدم من حديث ابن عباس وقوله: «هذا مما حرم الله ورسوله». الخامس: ما رواه الإمام أحمد (١): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن أبي إسحاق عن العالية؛ ورواه حرب (٢) من حديث إسرائيل حدثني أبو إسحاق عن جدّته العالية ــ يعني جدة إسرائيل، فإنها امرأة أبي إسحاق ــ

стр. 1105

قالت: دخلت على عائشة في نسوة فقالت [ما] حاجتكن؟ فكان أول من سألها أم مُحبّة، فقالت: يا أم المؤمنين هل تعرفين زيد بن أرقم؟ قالت نعم. قالت: فإني بعته جاريةً لي بثمانمائة درهم إلى العطاء، وإنه أراد أن يبيعها فابتعتُها بستمائة درهم نقدًا. فأقبلتْ عليها وهي غضبى، فقالت: بئسما شَرَيتِ وبئسما اشتريتِ، أبلغي زيدًا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ إلا أن يتوب. وأُفحِمتْ صاحبتنا فلم تتكلم طويلًا، ثم إنه سهل عنها فقالت: يا أم المؤمنين أرأيتِ إن لم آخذ إلا رأس مالي؟ فتلَتْ عليها: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]. فلولا أن عند أم المؤمنين علمًا لا تستريب فيه أن هذا محرَّم لم تستجز (١) أن تقول مثل هذا بالاجتهاد، ولا سيما إن كانت قد قصدت أن العمل يَحبَط بالردة، وأن استحلال الربا كفرٌ، وهذا منه، ولكن زيدٌ معذور لأنه لم يعلم أن هذا مُحرَّم، ولهذا قالت: «أبلغيه». ويحتمل أن تكون قصدت أن هذا من الكبائر التي يقاوم إثمُها ثوابَ الجهاد فيصير بمنزلة من عمل حسنةً وسيئةً بقدرها، فكأنه لم يعمل شيئًا. وعلى التقديرين فجزمُ أم المؤمنين بهذا دليل على أنه لا يسوغ فيه الاجتهاد، ولو كانت هذه من مسائل الاجتهاد [ق ١٨٣] والنزاعِ بين الصحابة لم تُطلِق عائشة على زيد ذلك، فإن الحسناتِ لا تَبطُل بمسائل الاجتهاد. ولا يقال: فزيد من الصحابة وقد خالفها؛ لأن زيدًا لم يقل: هذا حلال،

стр. 1106

بل فعله، وفِعل المجتهد لا يدل على قوله على الصحيح، لاحتمال سهوٍ أو غفلة أو تأويل أو رجوع ونحوه، وكثيرًا ما يفعل الرجل الشيء ولا يعلم مفسدته، فإذا نُبِّه لها انتبه. ولا سيما أم ولده، فإنها دخلت على عائشة تستفتيها، وطلبت الرجوع إلى رأس مالها، وهذا يدل على الرجوع عن ذلك العقد، ولم يُنقَل عن زيد أنه أصرَّ على ذلك. فإن قيل: لا نسلم ثبوت الحديث، فإن أم ولد زيد مجهولة. قلنا: أم ولده لم تروِ الحديث، وإنما كانت هي صاحبة القصة، وأما العالية فهي امرأة أبي إسحاق السبيعي، وهي من التابعيات، وقد دخلت على عائشة (١)، وروى عنها أبو إسحاق، وهو أعلم بها. وفي الحديث قصة وسياق يدل على أنه محفوظ، وأن العالية لم تختلق هذه القصة وتضعها، بل يغلب على الظن غلبةً قوية صِدقُها فيها وحفظها لها، ولهذا رواها عنها زوجها (٢) ولم يتَّهِمها، ولا سيما عند من يقول رواية العدل عن غيره تعديل له، والكذب لم يكن فاشيًا في التابعين فُشُوَّه فيمن بعدهم، وكثير منهم كان يروي عن أمه وامرأته ما يخبرهن به أزواج رسول الله ﷺ

стр. 1107

ويَحتج به. فهذه أربعة أحاديث تبين أن رسول الله ﷺ حرم العينة: حديث ابن عمر الذي فيه تغليظ العينة، وحديث أنس وابن عباس أنها مما حرم الله ورسوله، وحديث عائشة هذا. والمرسل منها له ما يوافقه، وقد عمل به الصحابة والسلف، وهذا حجة باتفاق الفقهاء. السادس: ما رواه أبو داود من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «من باع بيعتين في بيعةٍ فله أوكسهما أو الربا». وللعلماء في تفسيره قولان: أحدهما: أن يقول: بعتك بعشرة نقدًا، أو عشرين نسيئة. وهذا هو الذي رواه أحمد (١) عن سماك، ففسره في حديث ابن مسعود قال: نهى رسول الله ﷺ عن صفقتين في صفقة. قال سماك: الرجل يبيع البيع، فيقول: هو على نَساءٍ بكذا، وبنقد بكذا. وهذا التفسير ضعيف، فإنه لا يدخل الربا (٢) في هذه الصورة، ولا صفقتين هنا، وإنما هي صفقة واحدة بأحد الثمنين. والتفسير الثاني: أن يقول أبيعكها بمائة إلى سنة على أن أشتريها منك بثمانين حالَّةً. وهذا معنى الحديث الذي لا معنى له غيره، وهو مطابق لقوله: «فله أوكسهما أو الربا»، فإنه إما أن يأخذ الثمن الزائد فيُرْبي، أو الثمن الأول

стр. 1108

فيكون هو أوكسهما، وهو مطابق لصفقتين في صفقة. فإنه قد جمع صفقتي النقد والنسيئة في صفقة واحدة ومبيع واحد، وهو قد قصد بيع دراهم عاجلة بدراهمَ مؤجّلةٍ أكثر منها، ولا يستحق إلا رأس ماله وهو أوكس الصفقتين، فإن أبى إلا الأكثر كان قد أخذ الربا. فتدبَّرْ مطابقة هذا التفسير لألفاظه ﷺ وانطباقَه عليها. ومما يشهد لهذا التفسير: ما رواه الإمام أحمد (١) عن ابن عمر عن النبي ﷺ : أنه نهى عن بيعتين في بيعة، وعن سلف وبيع. فجمعه بين هذين العقدين في النهي لأن كلًّا منهما يؤول إلى الربا، لأنهما في الظاهر بيع وفي الحقيقة ربا. ومما يدل على تحريم العِينة: حديث ابن مسعود يرفعه: «لعن الله آكل الربا وموكله وشاهِدَيه وكاتبه والمُحِلَّ والمحلَّل له» (٢).

стр. 1109

ومعلوم أن الشاهدين والكاتب إنما يكتب ويشهد (١) على عقدٍ صورته جائزةُ الكتابة والشهادِة، لا يشهد بمجرد الربا، ولا يكتبه. ولهذا قرنه بالمُحِل والمحلل له، حيث أظهرا صورة النكاح، ولا نكاح؛ كما أظهر الكاتب والشاهدان صورة البيع، ولا بيع. وتأمل كيف لعن في الحديث الشاهدين والكاتب والآكل والموكل؛ فلَعَن المعقود له، والمعينَ له على ذلك العقد، ولعن المُحِلَّ والمحلل له؛ فالمحلل له هو الذي يُعقَد التحليل لأجله، والمُحِلّ هو المعين له بإظهار صورة العقد، كما أن المرابي هو المعان على أكل الربا بإظهار صورة العقد المكتوب المشهود به؛ فصلوات الله وسلامه (٢) على من أوتي جوامع الكلم. السابع: ما صحَّ عن ابن عباس أنه قال: «إذا استقمت بنقدٍ فبِعتَ بنقد فلا بأس، وإذا استقمت بنقدٍ فبعت بنسيئة فلا خير فيه، تلك وَرِق بورق» رواه سعيد وغيره (٣). ومعنى كلامه: أنّك إذا قوَّمت السلعة بنقدٍ ثم بِعتَها بنَساءٍ، كان مقصود المشتري شراء دراهم معجَّلة بدراهم مؤجَّلة، وإذا قوَّمتَها بنقد ثم بعتَها به فلا بأس، فإن ذلك بيع المقصود منه السلعة لا الربا.

стр. 1110

الثامن: ما رواه ابن بطة (١) عن الأوزاعي قال: قال رسول الله ﷺ : «يأتي على الناس زمان يستحلون الربا بالبيع» يعني العينة. وهذا، وإن كان مرسلًا، فهو صالح للاعتضاد به، ولا سيما وقد تقدم من المرفوع ما يؤكده. ويشهد له أيضًا قوله ﷺ : «ليشربنَّ [ق ١٨٤] ناسٌ من أمتي الخمرَ يسمُّونها بغير اسمها» (٢). وقوله أيضًا فيما رواه إبراهيم الحربي (٣) من حديث أبي ثعلبة عن النبي

стр. 1111

- ﷺ : «أول دينكم نبوة ورحمة، ثم خلافة ورحمة، ثم مُلك ورحمة، ثم مُلك وجبرية، ثم ملك عَضُوض يُستَحَلّ فيه الحِرُ والحرير». و «الحِرُ» بكسر الحاء وتخفيف الراء هو: الفرج. فهذا إخبار عن استحلال المحارم، ولكنه بتغيير أسمائها، وإظهارِ صُوَرٍ تُجعَل وسيلةً إلى استباحتها، وهي الربا والخمر والزنا، فيسمَّى كل منها بغير اسمها، ويُستباح بالاسم الذي سمي به، وقد وقعت الثلاثة. وفي قول عائشة: «بئسما شريتِ، وبئسما اشتريت» دليل على بطلان العقدَين معًا، وهذا هو الصحيح من المذهب، لأن الثاني عقد ربا والأول وسيلة إليه. وفيه قول آخر في المذهب: إن العقد الأول صحيح، لأنه تم بأركانه وشروطه، فطَرَيان الثاني عليه لا يبطله. وهذا ضعيف، فإنه لم يكن مقصودًا لذاته، وإنما جعله وسيلة إلى الربا، فهو طريق إلى المحرَّم، فكيف يُحكَم بصحته؟ وهذا القول لا يليق بقواعد المذهب. فإن قيل: فما تقولون فيمن باع سلعة بنقد ثم اشتراها بأكثر منه نسيئة؟ قلنا: قد نص أحمد في رواية حرب (١) على أنه لا يجوز إلا أن تتغير السلعة، لأن هذا يُتخذ وسيلةً إلى الربا، فهو كمسألة العينة سواء، وهي

стр. 1112

عكسُها صورةً. وفي الصورتين قد ترتّب في الذمة (١) دراهم مؤجلة بأقل منها نقدًا، لكن في إحدى الصورتين البائع هو الذي اشتغلت ذمته، وفي الصورة الأخرى المشتري هو الذي اشتغلت ذمته، فلا فرق بينهما. وقال بعض أصحابنا: يحتمل أن تجوز الصورة الثانية إذا لم يكن ذلك حيلةً ولا مواطأةً بل وقع اتفاقًا، وفرَّقَ بينها وبين الصورة الأولى بفرقين: أحدهما: أن النص ورد فيها، فيبقى ما عداها على أصل الجواز. والثاني: أن التوسل إلى الربا بتلك الصورة أكثر من التوسل بهذه. والفرقان ضعيفان، أما الأول: فليس في النص ما يدل على اختصاص العينة بالصورة الأولى حتى تَتقيَّد به، بل النصوص مطلقة على تحريم العينة. والعِينة فِعْلَة من العَين وهو النقد، قال الشاعر (٢): أنَدَّانُ أم نَعْتَانُ، أم ينبري لنا ... فتًى مثلُ نصلِ السيف مِيزَتْ (٣) مضاربُه

стр. 1113

قال الجوزجاني (١): أنا أظن أن العينة إنما اشتُقَّت من حاجة الرجل إلى العَين من الذهب والورق، فيشتري السلعة ويبيعها بالعَين الذي احتاج إليه، وليست به إلى السلعة حاجة. وأما الفرق الثاني فكذلك، لأن المعتبر في هذا الباب هو الذريعة، ولو اعتبر فيه الفرق بين الاتفاق والقصد لزم طرد ذلك في الصورة الأولى، وأنتم لا تعتبرونه. فإن قيل: فما تقولون إذا لم تَعُد السلعة إليه بل رجعت إلى ثالث، هل تسمون ذلك عِينة؟ قيل: هذه مسألة التَوَرُّق، لأن المقصود منها الوَرِق، وقد نص أحمد في رواية أبي داود (٢) على أنها من العِينة، وأطلق عليها اسمها. وقد اختلف السلف في كراهيتها، فكان عمر بن عبد العزيز يكرهها، وكان يقول: «التورق آخِيَّة الربا» (٣)، ورخص فيها إياس بن معاوية (٤). وعن أحمد فيها روايتان منصوصتان، وعلل الكراهة في إحداهما بأنه

стр. 1114

بيع مُضطَرّ. وقد روى أبو داود (١) عن علي: أن النبي ﷺ نهى عن بيع المضطر. وفي «المسند» (٢) عن علي: «سيأتي على الناس زمان عضوض يَعَضُّ المُوسِر (٣) على ما في يده ولم يؤمر بذلك، قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] ويبايع المضطَرّون، وقد نهى رسول الله ﷺ عن بيع المضطر» وذكر الحديث. فأحمد ﵀ أشار إلى أن العينة إنما تقع من رجل مضطَر إلى نفقة، يَضِنُّ عليه الموسِرُ بالقرض، فيُضطَرّ إلى أن يشتري منه سلعةً ثم يبيعها، فإن اشتراها منه بائعُها كانت عِينةً، وإن باعها من غيره فهي التورق. ومقصوده في الموضعين: الثمن، فقد حصل في ذمته ثمن مؤجَّل مقابِلٌ لثمنٍ حالٍّ أنقصَ منه، ولا معنى للربا إلا هذا، لكنه ربا بسُلَّمٍ لم يحصل له صعوده إلا بمشقة، ولو لم يَصعَده (٤) كان ربا بسهولة. وللعينة صورة رابعة، وهي أخف (٥) صورها، وهي أن يكون عند الرجل المتاع فلا يبيعه إلا بنسيئةٍ، ونصَّ أحمد على كراهة ذلك فقال (٦): العِينة أن

стр. 1115

يكون عند الرجل المتاع فلا يبيعه إلا بنسيئة، فإن باع بنسيئة ونقد فلا بأس. وقال أيضًا (١): أكره للرجل أن لا يكون له تجارة غير العينة فلا يبيع بنقد. قال ابن عقيل: إنما كَرِه ذلك لمضارَعَته الربا، فإن البائع بنسيئة يقصد الزيادة غالبًا. وعلله شيخُنا ﵁ (٢) بأنه يدخل في بيع المضطر، فإن غالب من يشتري بنسيئة إنما يكون لتعذر النقد، فإذا كان الرجل لا يبيع إلا بنسيئة كان رِبحُه على أهل الضرورة والحاجة، وإذا باع بنقد ونسيئة كان تاجرًا من التجار. وللعينة صورة خامسة، وهي أقبحُ صورها وأشدُّها تحريمًا، وهي أن المترابيين يتواطآن على الربا، ثم يعمدان إلى رجل عنده متاع، فيشتريه منه المحتاج، ثم يبيعه للمربي بثمن حالٍّ ويقبضه منه، ثم يبيعه إياه المربي (٣) بثمن مؤَجَّل، وهو ما اتفقا [ق ١٨٥] عليه، ثم يعيد المتاع إلى ربه ويعطيه شيئًا. وهذه تسمى «الثُّلاثِية» لأنها بين ثلاثة، وإذا كانت السلعة بينهما خاصة فهي الثُّنائية. وفي الثلاثية قد أدخلا بينهما محلِّلًا يزعمان أنه يحلِّل لهما ما حرم الله من الربا، وهو كمحلل النكاح؛ فهذا محلل الربا، وذلك محلل الفروج. والله

стр. 1116

تعالى لا تخفى عليه خافية، بل يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. ١٣ - باب وضع الجائحة (١) ٣٩٨/ ٣٣٢٣ - عن أبي سعيد الخدري أنه قال: أصيب رجل في عهد رسول الله ﷺ في ثمار ابتاعها فكثُر دينُه، فقال رسول الله ﷺ : «تصدَّقوا عليه»، فتصدَّق الناسُ عليه فلم يبلغ ذلك وفاءَ دينه، فقال رسول الله ﷺ : «خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك». وأخرجه مسلم (٢). ٣٩٩/ ٣٣٢٤ - وعن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: «إن بِعْتَ من أخيك ثمرًا فأصابتها جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا، بِمَ تأخذ مال أخيك بغير حق؟». وأخرجه مسلم (٣). (٤) قال ابن القيم ﵀: حديث مسلم في الجائحة من رواية ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر، وهذا صحيح. والشافعي علل حديث سفيان، عن حميد بن قيس، عن سليمان بن عتيق، عن جابر: «أن رسول الله ﷺ نهى عن بَيع السنين، وأمر بوضع

стр. 1117

الجوائح»، بأن قال (١): سمعتُ سفيان يحدث هذا الحديث كثيرًا في طول مجالستي له، لا أحصي ما سمعته يحدثه من كثرته، لا يذكر فيه: «أمر بوضع الجوائح»، لا يزيد على أن النبي ﷺ نهى عن بيع السنين، ثم زاد بعد ذلك: «وأمر بوضع الجوائح». قال سفيان: وكان حميد بن قيس يذكر بعد «بيع السنين» كلامًا قبل «وضع الجوائح»، إلا أني لا أدري كيف كان الكلام؟ وفي الحديث: «أمر بوضع الجوائح». وفي الباب حديث عمرة عن عائشة: ابتاع رجل ثمر حائطٍ في زمان رسول الله ﷺ ،فعالجه وقام عليه، حتى تبيَّن له النقصان، فسأل رب الحائط أن يضع عنه، فحلف أن لا يفعل، فذهبت أم المشتري إلى رسول الله ﷺ ، فذكرت ذلك له، فقال رسول الله ﷺ : «تَألَّى أن لا يفعل خيرًا؟!»، فسمع بذلك رب المال، فأتى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله هو له. وعلله الشافعي بالإرسال (٢). وقد أسنده يحيى بن سعيد عن أبي الرجال عن عَمرة عن عائشة (٣)، وأسنده حارثة بن أبي الرجال عن أبيه (٤).

стр. 1118

وليس بصريح في وضع الجائحة. وقد تأوله من لا يرى [وضع] (١) الجائحة بتأويلات باطلة: أحدها: أنه محمول على ما يجتاح (٢) الناسَ في الأراضي الخراجية التي خراجها للمسلمين، فيوضَع ذلك الخراج عنهم، فأما في الأشياء المبيعات فلا. وهذا كلام في غاية البطلان، ولفظ الحديث لا يحتمله بوجه. قال البيهقي (٣): ولا يصح حمل الحديث عليه، لأنه لم يكن يومئذ على أراضي المسلمين خراج. ومنها: أنهم حملوه على إصابة الجائحة قبل القبض، وهو تأويل باطل، لأنه خَصَّ بهذا الحكم الثمار وعمَّ به الأحوال، ولم يقيده بقبض ولا عدمه. ومنها: أنهم حملوه على معنى حديث أنس: «أرأيت إن منع الله الثمرة، فبِمَ يأخذ أحدكم مال أخيه؟». وهذا في بيعها قبل بدوّ صلاحها. وهذا أيضًا تأويل باطل، وسياق الحديث يبطله، فإنه علل بإصابة الجائحة لا بغير ذلك.

стр. 1119

١٤ - باب السلف في شيءٍ ثم يُحَوَّلُ إلى غيره ٤٠٠/ ٣٣٢٢ - عن عطية بن سعد، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «مَن أسلَف في شيءٍ فلا يَصرِفْه إلى غيره». وأخرجه ابن ماجه (١)، وعطية بن سعد لا يحتج بحديثه. قال ابن القيم ﵀: اختلف الفقهاء في حكم هذا الحديث، وهو جواز أخذ غير المُسْلَم فيه عوضًا. وللمسألة صورتان: إحداهما: أن يعاوض عن المُسْلَم فيه مع بقاء عقد السَّلَم، فيكون قد باع دين السلم قبل قبضه. والصورة الثانية: أن ينفسخ العقد بإقالة أو غيرها، فهل يجوز أن يصرف الثمن في عوض آخر غير المسلم فيه؟ فأما المسألة الأولى، فمذهب الشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد في المشهور عنه (٢): أنه لا يجوز بيعه قبل قبضه، لا لمن هو في ذمته ولا لغيره. وحكى بعض أصحابنا ذلك إجماعًا، وليس بإجماع، فمذهب مالك جوازه (٣)، وقد نص عليه أحمد في غير موضع، وجوز أن يأخذ عوضه عَرَضًا بقدر قيمة دين السَّلَم وقت الاعتياض ولا يربح فيه.

стр. 1120

وطائفة من أصحابنا خصَّت هذه الرواية بالحنطة والشعير فقط، كما قال في «المستوعب» (١): ومن أسلم في شيءٍ لم يجز أن يأخذ من غير جنسه بحال في إحدى الروايتين. والأخرى: يجوز أن يأخذ ما دون الحنطة من الحبوب، كالشعير ونحوه، بمقدار كيل الحنطة لا أكثر منها ولا بقيمتها، نص عليه في رواية أبي طالب: إذا أسلفت في كَرِّ حنطةٍ فأخذت شعيرًا فلا بأس، وهو دون حقك، ولا تَأخذ مكان الشعير حنطة. وطائفة ثالثة من أصحابنا جعلت المسألة رواية واحدة وأن هذا النص بناء على قوله في الحنطة والشعير أنهما جنس واحد، وهي طريقة صاحب «المغني» (٢). وطائفة رابعة من أصحابنا: حكوا رواية مطلقة في المكيل والموزون وغيره. ونصوص أحمد تدل على صحة هذه الطريقة وهي طريقة أبي حفص العُكبَري (٣) وغيره. قال القاضي: نقلت من خط أبي حفص في «مجموعه»: فإن كان ما أسلم فيه مما يكال أو يوزن فأخذ من غير نوعه مثلَ كيله مما هو دونه في الجودة جاز، وكذلك إن أخذ بثمنه مما لا يكال ولا يوزن كيف شاء. ونقل ابن القاسم (٤) عن أحمد قلت لأبي عبد الله: إذا لم يجد ما أسلم

стр. 1121

فيه ووجد (١) غيرَه من جنسه أيأخذه؟ قال: نعم إذا كان دون الشيء الذي له، كأنما (٢) أسلم في قفيز حنطة موصلي، فقال: يأخذ (٣) مكانه سُلْتي (٤) أو قفيزَ شعيرٍ بكَيلَةٍ واحدة لا يزداد، وإن كان فوقه فلا يأخذ، وذكر حديث ابن عباس رواه طاوس عنه: «إذا أسلمتَ في شيءٍ فجاء الأجل فلم تجد الذي أسلمت فيه فخذ عوضًا (٥) بأنقص منه، ولا تربح مرتين» (٦). ونقل أحمد بن أصرم (٧): سئل أحمد عن رجل أسلم في طعام إلى أجل، فإذا حلّ الأجلُ يشتري منه عقارًا أو دارًا؟ فقال: نعم يشتري منه ما لا يكال ولا يوزن.

стр. 1122

وقال حرب (١): سألت أحمد فقلت: رجل أسلم إلى رجل دراهم في بر، فلما حلَّ الأجلُ لم يكن عنده بُرّ فقال (٢): قَوِّم الشعيرَ بالدراهم فخذ من الشعير؟ فقال: لا يأخذ منه الشعير إلا مثل كَيلِ البر أو أنقص. قلت: إذا كان البر عشرة أجربة يأخذ الشعير عشرة أجربة؟ قال نعم. إذا عُرف هذا فاحتج المانعون بوجوه: أحدها: الحديث. والثاني: نهي النبي ﷺ عن بيع الطعام قبل قبضه (٣). الثالث: نهيه ﷺ عن ربح ما لم يضمن (٤)، وهذا غير مضمون عليه لأنه في ذمة المُسْلَم إليه. الرابع: أن هذا المبيع مضمون له على المُسلَم إليه، فلو جوَّزنا بيعه صار مضمونًا عليه للمشتري فيتوالى في المبيع ضمانان. الخامس: أن هذا إجماع، كما تقدم. هذا جملة ما احتجوا به. قال المجوزون: الصواب جواز هذا العقد، والكلام معكم في مقامين:

стр. 1123

أحدهما: في الاستدلال على جوازه. والثاني: في الجواب عما استدللتم به على المنع. فأما الأول، فنقول: قال ابن المنذر (١): ثبت عن ابن عباس أنه قال: «إذا أسلفت في شيء إلى أجل، فإن أخذت ما أسلفت فيه، وإلا فخُذ عَرَضًا أنقص منه، ولا تربح مرتين». رواه سعيد (٢). فهذا قول صحابي، وهو حجة ما لم يخالَف. قالوا: وأيضًا فلو امتنعت المعاوضة عليه، لكان ذلك لأجل كونه مبيعًا لم يتصل به القبض، وقد ثبت عن ابن عمر أنه قال: أتيت النبي ﷺ فقلت: إني أبيع الإبل بالبقيع فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير؟ فقال: «لا بأس أن تأخذَها بسِعر يومها ما لم تتفرَّقا وبينكما شيء» (٣). فهذا بيع للثمن ممن هو في ذمته قبل قبضه بجنس آخر (٤)، فما

стр. 1124

الفرق بينه وبين الاعتياض عن دين السَّلَم بغيره؟ قالوا: وقد نص أحمد على جواز بيع الدين لمن هو في ذمته ولغيره، وإن كان أكثر أصحابنا لا يحكون عنه جوازه لغير من هو في ذمته، فقد نص عليه في مواضع؛ حكاه شيخنا أبو العباس ابن تيمية (١) عنه. والذين منعوا جواز بيعه لمن هو في ذمته قاسوه على السلم وقالوا: لأنه دَين فلا يجوز بيعه كدين السَّلَم. وهذا ضعيف من وجهين: أحدهما: أنه قد ثبت في حديث ابن عمر جوازه. والثاني: أن دين السلم غير مجمع على منع بيعه، فقد ذكرنا عن ابن عباس جوازه، ومالك يُجوِّز بيعه من غير المستسلف. والذين فرَّقوا بين دين السلم وغيره لم يفرقوا بفرق مؤثر، والقياسُ التسوية بينهما. وأما المقام الثاني، فقالوا: أما الحديث فالجواب عنه مِن وجهين: أحدهما: ضعفه كما تقدم. والثاني: أن المراد به أن لا يصرف المُسلَم فيه إلى سَلَم آخر أو يبيعه بمعيَّن مؤجل، لأنه حينئذ يصير بيع دين بدين، وهو منهي عنه، وأما بيعه بعَرَضٍ (٢) حاضر من غير ربح فلا محذور فيه، كما أذن فيه النبي ﷺ في

стр. 1125

حديث ابن عمر. فالذي نهى عنه من ذلك هو من جنس ما نهى عنه من بيع الكالئ بالكالئ (١)، والذي يجوز منه هو من جنس ما أَذِن فيه من بيع النقد لمن هو في ذمته بغيره من غير ربح. وأما نهي النبي ﷺ عن بيع الطعام قبل قبضه، فهذا إنما هو في الطعام (٢) المعين أو المتعلقِ به حقُّ التوفية من كيلٍ أو وزنٍ، فإنه لا يجوز بيعه قبل قبضه. وأما ما في الذمة فالاعتياض عنه من جنس الاستيفاء، وفائدته سقوط ما في ذمته عنه، لا حدوث ملك له، فلا يقاس بالبيع الذي يتضمن شغل الذمة، فإنه إذا أخذ منه عن دين السلم عرضًا أو غيرَه أسقط ما في ذمته، فكان كالمستوفي دينَه لأن بدله يقوم مقامه، ولا يدخل هذا في بيع الكالئ بالكالئ بحال، والبيع المعروف هو أن يملك المشتري ما اشتراه. وهنا لم يَملِك شيئًا، بل سقط الدين من ذمته. ولهذا لو وفاه ما في ذمته لم يُقَل: إنه باعه دراهم بدراهم، بل يقال: وفاه حقه، بخلاف ما لو باعه دراهم معينة بمثلها فإنه بيع. ففي الأعيان إذا عاوض عليها بجنسها أو بعين غير جنسها يُسمَّى بيعًا، وفي الدَّين (٣) إذا وفاها

стр. 1126

بجنسها لم يكن بيعًا فكذلك إذا وفاها بغير جنسها لم يكن بيعًا، بل هو إيفاء فيه معنى المعاوضة. ولو حلف لَيقضينَّه حقَّه (١) غدًا فأعطاه عنه عَرَضًا، بَرَّ في أصح الوجهين. وجواب آخر: أن النهي عن بيع الطعام قبل قبضه أُريدَ به بيعه من غير بائعه. وأما بيعه من البائع ففيه قولان معروفان. وذلك لأن العلة في المنع إن كانت توالي الضمانين اطَّرد المنع في البائع وغيره. وإن كانت عدم تمام الاستيلاء، وأن البائع لم تنقطع عُلَقُه عن المبيع بحيث ينقطع طمعه في الفسخ ولا يتمكن من الامتناع من الإقباض إذا رأى المشتري قد ربح فيه= لم يطرد النهي في بيعه [ق ١٨٧] من بائعه قبل قبضه، لانتفاء هذه العلة في حقه. وهذه العلة أظهر، وتوالي الضمانين ليس بعلة مؤثرة، ولا تنافي بين كون العين الواحدة مضمونةً له من وجه وعليه من وجه آخر، فهي مضمونة له وعليه باعتبارين. وأي محذور في هذا؟ كمنافع الإجارة، فإن المستأجر له أن يُؤَاجِر (٢) ما استأجره، فتكون المنفعة مضمونة له وعليه، وكالثمار بعد بدوِّ صلاحها، له أن يبيعها على الشجر، وإن أصابتها جائحة رجع على البائع فهي مضمونة له وعليه، ونظائره كثيرة. وأيضًا: فبيعه من بائعه شبيه بالإقالة، وهي جائزة قبل القبض على الصحيح (٣).

стр. 1127

وأيضًا: فدين السلم تجوز الإقالة فيه بلا نزاع، وبيع المبيع لبائعه قبل قبضه غير جائز في أحد القولين، فعُلِم أن الأمر في دين السلم أسهل منه في بيع الأعيان. فإذا جاز في الأعيان أن تباع لبائعها قبل القبض فدين السلم أولى بالجواز، كما جازت الإقالة فيه قبل القبض اتفاقًا بخلاف الإقالة في الأعيان. ومما يوضح ذلك: أن ابن عباس لا يُجوِّز بيع المبيع قبل قبضه، واحتَجّ عليه بنهي النبي ﷺ عن بيع الطعام قبل قبضه وقال: «أحسب كل شيء بمنزلة الطعام» (١). ومع هذا فثبت عنه أنه جوَّز بيع دين السلم ممن هو عليه إذا لم يربح فيه، ولم يفرق بين الطعام وغيره، ولا بين المكيل والموزون وغيرهما؛ لأن البيع هنا من البائع الذي هو في ذمته، فهو يقبضه من نفسه لنفسه. بل في الحقيقة ليس هنا قبض، بل يسقط عنه ما في ذمته فتبرأ ذمته، وبراءةُ الذمم مطلوب في نظر الشرع، لِما في شَغْلها من المفسدة. فكيف يصح قياس هذا على بيع شيءٍ (٢) غيرِ مقبوضٍ لأجنبي لم يتحصَّل بعدُ ولم تنقطع عُلَقُ بائعه عنه؟ وأيضًا: فإنه لو سلَّم المُسلَمَ فيه ثم أعاده إليه جاز، فأي فائدة في أخذه منه ثم إعادته إليه، وهل ذلك إلا مجرد كلفة ومشقَّةٍ لم تحصل بها فائدة؟ ومن هنا يُعرَف فضل علم الصحابة وفقهِهم على كل من بعدهم. قالوا: وأما استدلالكم بنهي النبي ﷺ عن ربح ما لم يضمن، فنحن نقول بموجَبه، وأنه لا يربح فيه، كما قال ابن عباس: «خذ عرضًا بأنقص منه، ولا

стр. 1128

تربح مرتين». فنحن إنما نُجوِّز له أن يعاوض عنه بسعر يومه، كما قال النبي ﷺ لعبد الله بن عمر في بيع النقود في الذمة: «لا بأس إذا أخذتَها بسعر يومها»، فالنبي ﷺ إنما جوَّزَ الاعتياض عن الثمن بسعر يومه لئلا يربح فيما لم يضمن. وقد نص أحمد على هذا الأصل في بدل القرض وغيره من الديون: أنه إنما يعتاض عنه بسعر يومه لئلا يربح فيما لم يضمن. وكذلك قال مالك: يجوز الاعتياض عنه بسعر يومه، كما قال ابن عباس، لكن مالك يستثني الطعام خاصة؛ لأن مِن أصله أن بيع الطعام قبل قبضه لا يجوز بخلاف غيره (١). وأما أحمد، فإنه فرق بين أن يعتاض عنه بعرض أو حيوان أو نحوه، وبين (٢) أن يعتاض بمكيل أو موزون؛ فإن كان بعرض ونحوه جوَّزه بسعر يومه، كما قال ابن عباس ومالك، وإن اعتاض عن المكيل بمكيل، أو عن الموزون بموزون، فإنه منعه لئلا يشبه بيع المكيل بالمكيل من غير تقابض، إذ كان لم توجد حقيقة التقابض من الطرفين، ولكن جوزه إذا أخذ بقدره مما هو دونه، كالشعير عن الحنطة، نظرًا منه إلى أن هذا استيفاء لا معاوضة، كما يستوفى الجيد عن الرديء. ففي العرض جوَّز المعاوضة، إذ لا يشترط هناك تقابض، وفي المكيل والموزون منع المعاوضة، لأجل التقابض، وجوز أخذ قدر حقه أو دونه، لأنه استيفاء، وهذا من دقيق فقهه ﵁.

стр. 1129

قالوا: وأما قولكم: إن هذا الدين مضمون له، فلو جوزنا بيعه لزم توالي الضمانين، فهو دليل باطل من وجهين: أحدهما: لا توالي ضمانين هنا أصلًا، فإن الدَّين كان مضمونًا له في ذمة المُسْلَم إليه، فإذا باعه إياه لم يصر مضمونًا عليه بحال، لأنه مقبوض في ذمة المسلم إليه، فمِن أي وجه يكون مضمونًا على البائع؟ بل لو باعه لغيره لكان مضمونًا له على المُسْلَم إليه ومضمونًا عليه للمشتري، وحينئذ فيتوالى ضمانان. الجواب الثاني: أنه لا محذور في توالي الضمانين، وليس بوصف مستلزم لمفسدةٍ يَحرُم العقدُ لأجلها. وأين الشاهد من أصول الشرع لتأثير هذا الوصف؟ وأيُّ حكم علق الشارع فساده على توالي الضمانين؟ وما كان من الأوصاف هكذا فهو طردي لا تأثير له. وقد قدمنا ذكر الصور التي فيها توالي الضمانين. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه جوز المعاوضة عن ثمن المبيع في الذمة، ولا فرق بينه وبين دين السلم. قالوا: وأيضًا فالمبيع إذا تلف قبل التمكُّن من قبضه كان على البائع أداء الثمن الذي قبضه من المشتري، فإذا كان هذا المشتري قد باعه فعليه أداء الثمن الذي قبضه من المشتري الثاني، فالواجب بضمان هذا غير الواجب بضمان الآخر؛ فلا محذور في ذلك. وشاهده: المنافع في الإجارة، والثمرة قبل القطع، فإنه قد ثبت بالسنة الصحيحة التي لا معارض لها وضعُ الثمن عن [ق ١٨٨] المشتري إذا أصابتها جائحة، مع هذا يجوز التصرف فيها. ولو تلفت لصارت مضمونة عليه بالثمن الذي أخذه، كما هي مضمونة له بالثمن الذي دفعه.

стр. 1130

قالوا: وأما قولكم: إن المنع منه إجماع، فكيف يصحّ دعوى الإجماع مع مخالفة حبر الأمة ابن عباس، وعالم المدينة مالك بن أنس؟ فثبت أنه لا نص في التحريم، ولا إجماع ولا قياس، وأن النص والقياس يقتضيان الإباحة كما تقدم، والواجب عند التنازع: الرد إلى الله وإلى رسوله ﷺ . فصل وأما المسألة الثانية: وهي إذا انفسخ العقد بإقالة أو غيرها، فهل يجوز أن يأخذ عن دين السَّلَم عوضًا من غير جنسه؟ فيه وجهان (١): أحدهما: لا يجوز ذلك حتى يقبضه ثم يصرفه فيما شاء. وهذا اختيار الشريف أبي جعفر، وهو مذهب أبي حنيفة (٢). والثاني: يجوز أخذ العوض عنه. وهو اختيار القاضي أبي يعلى، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وهو مذهب الشافعي (٣). وهو الصحيح، فإن هذا عوض مستقر في الذمة، فجازت المعاوضة عليه كسائر الديون من القرض وغيره. وأيضًا: فهذا مال رجع إليه بفسخ العقد، فجاز أخذ العوض عنه، كالثمن في المبيع. وأيضًا: فحديث ابن عمر في المعاوضة عما في الذمة صريح في الجواز. واحتج المانعون بقوله: «من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره».

стр. 1131

قالوا: ولأنه مضمون على المسلم إليه بعقد السلم فلم تَجُز المعاوضة عليه قبل قبضه وحيازته كالمُسْلَم فيه. قال المجوزون: أما استدلالكم بالحديث، فقد تقدم ضعفه. ولو صح لم يتناول محل النزاع، لأنه لم يصرف المسلم فيه في غيره، وإنما عاوض عن دين السلم بغيره، فأين المسلم فيه من رأس مال السلم؟ وأما قياسكم المنع على نفس المسلم فيه، فالكلام فيه أيضًا، وقد تقدم: أنه لا نص يقتضي المنع منه، ولا إجماع ولا قياس. ثم لو قدر تسليمه لكان الفرق بين المسلم فيه ورأس مال السلم واضحًا، فإن المسلم فيه مضمون بنفس العقد، والثمن إنما يُضمَن بعد فسخ العقد فكيف يُلْحَق أحدهما بالآخر؟ فثبت أنه لا نص في المنع، ولا إجماع ولا قياس. فإذا عُرِف هذا فحكم رأس المال بعد الفسخ حكم سائر الديون، لا يجوز أن تُجعل سلَمًا في شيء آخر، لوجهين: أحدهما: أنه بيع دين بدين. والثاني: أنه من ضمان المسلم إليه، فإذا جعله سلمًا في شيء آخر ربح فيه، وذلك ربح ما لم يضمن، ويجوز فيه ما يجوز في دين القرض وأثمان المبيعات إذا فُسِخت (١)، فإذا أخذ فيه أحد النقدين عن الآخر وجب قبض العوض في المجلس، لأنه صرف بسعر يومه، لأنه غير مضمون عليه.

стр. 1132

وإن عاوض عن المكيل بمكيل، أو عن الموزون بموزون من غير جنسه، كقُطن بحرير أو كتّان، وجب قبض عوضه في مجلس التعويض. وإن بيع بغير مكيل أو موزون، كالعقار والحيوان، فهل يُشترط القبض في مجلس التعويض؟ فيه وجهان، أصحهما: لا يشترط، وهو منصوص أحمد. والثاني: يشترط. ومأخذ القولين: أن تأخير قبض العوض يشبه بيع الدين بالدين، فيمنع منه؛ ومأخذ الجواز ــ وهو الصحيح ــ أن النساء بين ما لا يجمعهما علة الربا كالحيوان بالموزون جائز، للاتفاق على جواز سَلَم النقدين في ذلك، والله أعلم. ونظير هذه المسألة: إذا باعه ما يجري فيه الربا، كالحنطة مثلا بثمن مؤجل، فحل الأجل فاشترى بالثمن حنطة أو مكيلًا آخر من غير الجنس، مما يمتنع ربا النساء بينهما، فهل يجوز ذلك؟ فيه قولان (١): أحدهما: المنع. وهو المأثور عن ابن عمر، وسعيد بن المسيب، وطاوس. وهو مذهب مالك وإسحاق (٢). والثاني: الجواز. وهو مذهب الشافعي، وأبي حنيفة، وابن المنذر (٣). وبه قال جابر بن زيد، وسعيد بن جبير، وعلي بن الحسين. وهو اختيار صاحب «المغني» وشيخنا (٤).

стр. 1133

والأول اختيار عامة الأصحاب. والصحيح: الجواز، لما تقدم. قال عبد الله بن زيد: قدمت على علي بن حسين فقلت له: إني أجُذُّ نخلي، وأبيع ممن حضرني التمر إلى أجل، فيَقْدَمون بالحنطة وقد حلّ الأجل فيوقفونها بالسوق، فأبتاع منهم وأُقاصّهم؟ قال: «لا بأس بذلك، إذا لم يكن منك على رأي» (١)، يعني إذا لم يكن حيلة مقصودة. فهذا شراء للطعام بالدراهم التي في الذمة بعد لزوم العقد الأول، فصحَّ لأنه لا يتضمن ربا نسيئةٍ ولا تفاضل. والذين يمنعون ذلك يجوِّزون أن يشتري منه الطعام بدراهم، ويُسلِّمها إليه، ثم يأخذها منه وفاء، أو يشتريه (٢) منه بدراهم في ذمته، ثم يُقاصُّه بها. ومعلوم أن شراءه الطعام منه بالدراهم التي له في ذمته أيسر من هذا وأقل كلفة، والله أعلم. ١٥ - باب في بيع الطعام قبل أن يُستوفَى ٤٠١/ ٣٣٤٦ - عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «من ابتاع طعامًا فلا يَبِعْه حتى يستوفيه». وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه (٣). ٤٠٢/ ٣٣٤٧ - وعنه أنه قال: كُنَّا في زمن رسول الله ﷺ نبتاع الطعام، فَيَبعَثُ علينا من يأمُرنا بانتقاله من المكان الذي ابتعناه فيه إلى مكانٍ سواه قبل أن

стр. 1134

نبيعَه ــ يعني جُزافًا ــ». وأخرجه مسلم والنسائي (١). ٤٠٣/ ٣٣٤٨ - وعنه قال: كانوا يتبايعون الطعام جُزَافًا بأعلى السُّوق، فنهَى رسول الله ﷺ أن يبيعوه حتى يَنقلوه. وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه (٢) بنحوه. ٤٠٤/ ٣٣٤٩ - وعنه أن رسول الله ﷺ نهى أن يبيع أحدٌ طعامًا اشتراه بكَيلٍ حتى يستوفيه. وأخرجه النسائي (٣). ٤٠٥/ ٣٣٥٠ - وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «مَن ابتَاعَ طَعَامًا فلا يَبيعه حتى يكتاله». ٤٠٦/ ٣٣٥١ - وفي رواية: قلت لابن عباس: لِمَ؟ قال: ألا ترى أنهم يتبايعون بالذهب والطعام مُرْجَأٌ؟ وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه (٤) بنحوه.

стр. 1135

٤٠٧/ ٣٣٥٢ - وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا اشترى أحدُكم طعامًا فلا يَبِعْه حتى يقبضه». ٤٠٨/ ٣٣٥٣ - وفي رواية: «يستوفيه». ٤٠٩/ ٣٣٥٤ - وفي رواية: وقال ابن عباس: وأحسب كلَّ شيء مثلَ الطعام. وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه (١) بنحوه. ٤١٠/ ٣٣٥٥ - وعن ابن عمر قال: رأيت الناس يُضرَبون على عهد رسول الله ﷺ إذا اشتروا الطعام جِزافًا أن يبيعوه حتى يُبلِّغَه إلى رَحْله. وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي (٢). ٤١١/ ٣٣٥٦ - وعنه قال: ابتعتُ زيتًا في السوق، فلما استوجبته لقيني رجل فأعطاني به رِبحًا حسنًا، فأردتُ أن أضربَ على يده، فأخذ رجلٌ من خَلفي بذراعي فالتفتُّ فإذا زيدُ بن ثابت، فقال: لا تبعه حيث ابتعْتَه حتى تَحُوزه إلى رَحْلك، فإن رسول الله ﷺ نهى أن تُباع السِّلَعُ حيثُ تبتاع، حتى يَحُوزَها التجَّار إلى رحالهم (٣). قال ابن القيم ﵀: وقد روى البيهقي في «سننه» (٤) من حديث شيبان

стр. 1136

وهمّام وأبان العطار عن يحيى بن أبي كثير، عن يعلى بن حكيم، عن يوسف بن ماهَك، عن عبد الله بن عِصمة، عن حكيم بن حِزام قال: قلت: يا رسول الله، إني أبتاع هذه البيوع، فما يحلّ لي منها وما يحرم عليّ؟ قال: «يا ابن أخي، لا تبع شيئًا حتى تقبضه»، [ق ١٨٩] ولفظ حديث أبان: «إذا اشتريت بيعًا فلا تبعه حتى تقبضه». وهذا إسناد على شرطهما سوى عبد الله بن عصمة، وقد وثَّقه ابن حبان واحتج به النسائي. وروى النسائي (١) من حديث عطاء بن أبي رباح عن حزام بن حكيم قال: قال حكيم بن حزام: ابتعت طعامًا من طعام الصدقة، فربحت فيه قبل أن أقبضه، فأتيت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له فقال: «لا تبِعْه حتى تقبضه». وفي «صحيح مسلم» (٢) عن أبي الزبير عن جابر عن النبي ﷺ أنه نهى أن يبيع الرجل طعامًا حتى يستوفيه. وفيه (٣) من حديث أبي هريرة يرفعه: «من اشترى طعامًا فلا يبعه حتى يكتاله». قال ابن المنذر (٤): أجمع العلماء على أن من اشترى طعامًا فليس له

стр. 1137

بيعه حتى يقبضه. وحُكي ذلك عن غير واحد من أهل العلم إجماعًا (١). وأما ما حكي عن عثمان البتّي من جوازه، فإن صح لم يُعتدَّ به (٢). فأما غير الطعام فاختلف فيه الفقهاء على أقوال عديدة: أحدها: أنه يجوز بيعه قبل قبضه، مكيلًا كان أو موزونًا. وهذا مشهور مذهب مالك، واختاره أبو ثور وابن المنذر (٣). والثاني: أنه يجوز بيع الدُّور والأرض قبل قبضها، وما سوى العقار فلا يجوز بيعه قبل القبض، وهذا مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف (٤). والثالث: ما كان مكيلًا أو موزونًا فلا يصح بيعه قبل القبض، سواء أكان مطعومًا أم لم يكن. وهذا يروى عن عثمان ﵁ (٥). وهو مذهب ابن المسيب والحسن والحكم وحماد والأوزاعي وإسحاق (٦). وهو المشهور

стр. 1138

من مذهب أحمد بن حنبل (١). والرابع: أنه لا يجوز بيع شيء من المبيعات قبل قبضه بحال. وهذا مذهب ابن عباس (٢) والشافعي (٣) ومحمد بن الحسن (٤). وهو إحدى الروايات عن أحمد. وهذا القول هو الصحيح الذي نختاره. وقد اختلف أصحاب أحمد في منعه من بيع المكيل والموزون قبل قبضه على ثلاثة طرق: أحدها: أن المراد ما تعلق به حق التوفية بالكيل أو الوزن، كرَطْلٍ من زُبْرَةٍ، أو قفيز من صُبْرَة. وهذه طريقة القاضي، وصاحب «المحرر» وغيرهما. وعلى هذا: فمنعوا بيع ما تعلق به حقُّ توفية وإن لم يكن مكيلًا ولا موزونًا، كمن اشترى ثوبًا على أنه عشرة أذرع أو قطيعًا كلُّ شاةٍ بدرهم. والطريقة الثانية: أن المراد به ما كان مكيل الجنس وموزونَه، وإن اشتراه جُزافًا كالصُّبْرة، وزُبْرة الحديد، ونحوهما. والطريقة الثالثة: أن المراد به المكيل والموزون من المطعوم والمشروب نصَّ عليه في رواية مُهنّا، فقال: كل شيء يباع قبل قبضه، إلا ما كان يكال أو يوزن مما يؤكل ويشرب.

стр. 1139

فصار في مذهبه أربع روايات: إحداها (١): أن المنع مختص بما يتعلق به حق التوفية. الثانية: أنه عام في كل مكيل أو موزون مطعوم. الثالثة: أنه عام في كل مكيل أو موزون مطعومًا كان أو غيره. الرابعة: أنه عام في كل مبيع. والصحيح هو هذه الرواية لوجوه: أحدها: حديث حكيم بن حزام: قلت: يا رسول الله إني أبتاع هذه البيوع فما يحل لي منها وما يحرم علي؟ قال: «يا ابن أخي لا تبع شيئا حتى تقبضه». وقد ذكرنا الكلام عليه. الثاني: ما ذكره أبو داود في الباب من حديث زيد بن ثابت: «نهى رسول الله ﷺ أن تباع السلع حيث تبتاع». وإن كان فيه محمد بن إسحاق، فهو الثقة الصدوق، وقد استوفينا الكلام عليه في الرد على الجهمية من هذا الكتاب (٢). فإن قيل: الأحاديث كلها مقيدة بالطعام سوى هذين الحديثين، فإنهما مطلَقان أو عامّان، وعلى التقديرين فنقيّدهما بأحاديث الطعام أو نخصهما بمفهومها (٣) جمعًا بين الأدلة، وإلا لزم إلغاء وصف الحكم، وقد عُلِّقَ به

стр. 1140

الحكم. قيل: عن هذا جوابان: أحدهما: أن ثبوت المنع في الطعام بالنص، وفي غيره إما بقياس النظير، كما صح عن ابن عباس أنه قال: «ولا أحسب كلَّ شيء إلا بمنزلة الطعام»؛ أو بقياس الأولى، لأنه إذا نهى عن بيع الطعام قبل قبضه مع كثرة الحاجة إليه وعمومها، فغير الطعام بطريق الأولى. وهذا مسلك الشافعي ومن تبعه. الجواب الثاني: أن اختصاص الطعام بالمنع إنما هو مستفاد من مفهوم اللقب، وهو لو تجرد لم يكن حجةً، فكيف وقد عارضه عمومُ الأحاديث المصرِّحة بالمنع مطلقًا، والقياسُ المذكور؟ حتى لو لم ترد النصوص العامة لكان قياسه على الطعام دليلًا على المنع، والقياس في هذا يمكن تقديره من طريقين: أحدهما: قياس بإبداء الجامع، ثم للمتكلمين فيه طريقان، أحدهما: أنه قياس تسوية، والثاني: أنه قياس أولويّة. والثاني من الطريقين الأولين: قياس بإلغاء الفارق، فإنه لا فارق بين الطعام وغيره في ذلك، إلا ما لا يقتضي الحكم وجودًا ولا عدمًا، فافتراق المجلس فيها عديم التأثير. يوضحه: أن المسالك التي اقتضت المنع من بيع الطعام قبل قبضه موجودةٌ بعينها في غيره، كما سيأتي بيانه. قال المخصِّصون للمنع: تعليق النهي عن ذلك بالطعام يدل على أنه هو

стр. 1141

العلة، لأن الحكم لو تعلق بالأعم لكان الأخصُّ عديمَ التأثير، فكيف يكون المنع عامًّا، فيعلِّقه الشارع بالخاص؟ قال المُعمِّمون: لا تنافي بين الأمرين، [ق ١٩٠] فإن تعليق الحكم بعموم المبيعات مستقل بإفادة التعميم، وتعليقه بالخاص يحتمل أن يكون لاختصاص الحكم به فيثبت التعارض، ويحتمل أن يكون لغرضٍ دعا إلى التعيين من غير اختصاص الحكم به؛ إما لحاجة المخاطَب، وإمّا لأن غالب التجارة حينئذ كانت بالمدينة فيه، فخرج ذِكْرُ الطعام مخرَجَ الغالب فلا مفهوم له. وهذا هو الأظهر، فإن غالب تجاراتهم بالمدينة كانت في الطعام، ومن عرف ما كان عليه القوم من سيرتهم عرف ذلك، فلم يكن ذكر الطعام لاختصاص الحكم به، ولو لم يكن ذلك هو الأظهر لكان محتملًا، فقد تعارض الاحتمالان، والأحاديث العامة لا معارض لها فتعيَّن القول بموجَبها. قال المخصصون: لا يمكنكم القول بعموم المنع، فإنه قد ثبت بالسنة جوازُ التصرف في غير الطعام قبل قبضه بالبيع، وهو الاستبدال بالثمن قبل قبضه والمصارفة عليه. قال المعممون: الجواب من وجهين. أحدهما: الفرق بين الثمن في الذمة والمبيع المتعيّن من وجوه ثلاثة: أحدها: أن الثمن مستقرّ في الذمة لا يتصور تلفه، والمبيع (١) ليس كذلك، نعم لو كان الثمن معيّنًا لكان بمنزلة المبيع المتعين.

стр. 1142

الثاني: أن بيع الثمن هاهنا إنما هو ممن في ذمته ليس بيعًا (١) لغيره، فلو باع الثمن قبل القبض لغير من هو في ذمته لم يَجُزْ في أحد قولي الشافعي، وهو الذي رجحه الرافعي (٢) وغيره من أصحابه. الثالث: أن العلل التي لأجلها امتنع العقد على المبيع قبل قبضه منتفية في الثمن بأسرها، فإن المآخذ ثلاثة: إما عدم استقرار المبيع، وكونه عرضةً للتلف وانفساخ العقد، وهذه العلة مأمونة بكون الثمن في الذمة. وإما أن عُلَقَ البائع لم تنقطع عن المبيع، وهذه العلة أيضًا منتفية هاهنا. وإما أنه عرضةٌ للربح وهو مضمون على البائع، فيؤدي إلى ربح ما لم يضمن. وهذه العلة أيضًا منتفية في الثمن، فإنه إنما يجوز له الاستبدال به بسعر يومه، كما شرطه النبيُّ ﷺ لئلا يربح فيما لم يضمن. ولا يمكن أن يقال مثل هذا في السِّلَع، لأنه إنما اشتراها للربح، فلو منعناه من بيعها إلا بمثل الثمن لم يكن في الشراء فائدة، بخلاف الأثمان فإنها لم توضع للربح، وإنما وضعت رؤوسًا للأموال، لا مَورِدًا للكسب والتجارة. قال المخصِّصون: قد سلمتم نفوذ العتق قبل القبض، وهو تصرُّف يزيل الملك، فما الفرق بينه وبين البيع الناقل للملك؟ قال المعمِّمُون: الفرق بينهما أن الشارع جعل للعتق من القوة والسِّراية والنفوذ ما لم يجعل لغيره، حتى أدخل الشِّقْص الذي للشريك في ملك
следующие страницы →