← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 201

تهذيب سنن أبي داود - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 675 стр.). Показаны 1138–1177 · переход к 1143.

стр. 1138

من مذهب أحمد بن حنبل (١). والرابع: أنه لا يجوز بيع شيء من المبيعات قبل قبضه بحال. وهذا مذهب ابن عباس (٢) والشافعي (٣) ومحمد بن الحسن (٤). وهو إحدى الروايات عن أحمد. وهذا القول هو الصحيح الذي نختاره. وقد اختلف أصحاب أحمد في منعه من بيع المكيل والموزون قبل قبضه على ثلاثة طرق: أحدها: أن المراد ما تعلق به حق التوفية بالكيل أو الوزن، كرَطْلٍ من زُبْرَةٍ، أو قفيز من صُبْرَة. وهذه طريقة القاضي، وصاحب «المحرر» وغيرهما. وعلى هذا: فمنعوا بيع ما تعلق به حقُّ توفية وإن لم يكن مكيلًا ولا موزونًا، كمن اشترى ثوبًا على أنه عشرة أذرع أو قطيعًا كلُّ شاةٍ بدرهم. والطريقة الثانية: أن المراد به ما كان مكيل الجنس وموزونَه، وإن اشتراه جُزافًا كالصُّبْرة، وزُبْرة الحديد، ونحوهما. والطريقة الثالثة: أن المراد به المكيل والموزون من المطعوم والمشروب نصَّ عليه في رواية مُهنّا، فقال: كل شيء يباع قبل قبضه، إلا ما كان يكال أو يوزن مما يؤكل ويشرب.

стр. 1139

فصار في مذهبه أربع روايات: إحداها (١): أن المنع مختص بما يتعلق به حق التوفية. الثانية: أنه عام في كل مكيل أو موزون مطعوم. الثالثة: أنه عام في كل مكيل أو موزون مطعومًا كان أو غيره. الرابعة: أنه عام في كل مبيع. والصحيح هو هذه الرواية لوجوه: أحدها: حديث حكيم بن حزام: قلت: يا رسول الله إني أبتاع هذه البيوع فما يحل لي منها وما يحرم علي؟ قال: «يا ابن أخي لا تبع شيئا حتى تقبضه». وقد ذكرنا الكلام عليه. الثاني: ما ذكره أبو داود في الباب من حديث زيد بن ثابت: «نهى رسول الله ﷺ أن تباع السلع حيث تبتاع». وإن كان فيه محمد بن إسحاق، فهو الثقة الصدوق، وقد استوفينا الكلام عليه في الرد على الجهمية من هذا الكتاب (٢). فإن قيل: الأحاديث كلها مقيدة بالطعام سوى هذين الحديثين، فإنهما مطلَقان أو عامّان، وعلى التقديرين فنقيّدهما بأحاديث الطعام أو نخصهما بمفهومها (٣) جمعًا بين الأدلة، وإلا لزم إلغاء وصف الحكم، وقد عُلِّقَ به

стр. 1140

الحكم. قيل: عن هذا جوابان: أحدهما: أن ثبوت المنع في الطعام بالنص، وفي غيره إما بقياس النظير، كما صح عن ابن عباس أنه قال: «ولا أحسب كلَّ شيء إلا بمنزلة الطعام»؛ أو بقياس الأولى، لأنه إذا نهى عن بيع الطعام قبل قبضه مع كثرة الحاجة إليه وعمومها، فغير الطعام بطريق الأولى. وهذا مسلك الشافعي ومن تبعه. الجواب الثاني: أن اختصاص الطعام بالمنع إنما هو مستفاد من مفهوم اللقب، وهو لو تجرد لم يكن حجةً، فكيف وقد عارضه عمومُ الأحاديث المصرِّحة بالمنع مطلقًا، والقياسُ المذكور؟ حتى لو لم ترد النصوص العامة لكان قياسه على الطعام دليلًا على المنع، والقياس في هذا يمكن تقديره من طريقين: أحدهما: قياس بإبداء الجامع، ثم للمتكلمين فيه طريقان، أحدهما: أنه قياس تسوية، والثاني: أنه قياس أولويّة. والثاني من الطريقين الأولين: قياس بإلغاء الفارق، فإنه لا فارق بين الطعام وغيره في ذلك، إلا ما لا يقتضي الحكم وجودًا ولا عدمًا، فافتراق المجلس فيها عديم التأثير. يوضحه: أن المسالك التي اقتضت المنع من بيع الطعام قبل قبضه موجودةٌ بعينها في غيره، كما سيأتي بيانه. قال المخصِّصون للمنع: تعليق النهي عن ذلك بالطعام يدل على أنه هو

стр. 1141

العلة، لأن الحكم لو تعلق بالأعم لكان الأخصُّ عديمَ التأثير، فكيف يكون المنع عامًّا، فيعلِّقه الشارع بالخاص؟ قال المُعمِّمون: لا تنافي بين الأمرين، [ق ١٩٠] فإن تعليق الحكم بعموم المبيعات مستقل بإفادة التعميم، وتعليقه بالخاص يحتمل أن يكون لاختصاص الحكم به فيثبت التعارض، ويحتمل أن يكون لغرضٍ دعا إلى التعيين من غير اختصاص الحكم به؛ إما لحاجة المخاطَب، وإمّا لأن غالب التجارة حينئذ كانت بالمدينة فيه، فخرج ذِكْرُ الطعام مخرَجَ الغالب فلا مفهوم له. وهذا هو الأظهر، فإن غالب تجاراتهم بالمدينة كانت في الطعام، ومن عرف ما كان عليه القوم من سيرتهم عرف ذلك، فلم يكن ذكر الطعام لاختصاص الحكم به، ولو لم يكن ذلك هو الأظهر لكان محتملًا، فقد تعارض الاحتمالان، والأحاديث العامة لا معارض لها فتعيَّن القول بموجَبها. قال المخصصون: لا يمكنكم القول بعموم المنع، فإنه قد ثبت بالسنة جوازُ التصرف في غير الطعام قبل قبضه بالبيع، وهو الاستبدال بالثمن قبل قبضه والمصارفة عليه. قال المعممون: الجواب من وجهين. أحدهما: الفرق بين الثمن في الذمة والمبيع المتعيّن من وجوه ثلاثة: أحدها: أن الثمن مستقرّ في الذمة لا يتصور تلفه، والمبيع (١) ليس كذلك، نعم لو كان الثمن معيّنًا لكان بمنزلة المبيع المتعين.

стр. 1142

الثاني: أن بيع الثمن هاهنا إنما هو ممن في ذمته ليس بيعًا (١) لغيره، فلو باع الثمن قبل القبض لغير من هو في ذمته لم يَجُزْ في أحد قولي الشافعي، وهو الذي رجحه الرافعي (٢) وغيره من أصحابه. الثالث: أن العلل التي لأجلها امتنع العقد على المبيع قبل قبضه منتفية في الثمن بأسرها، فإن المآخذ ثلاثة: إما عدم استقرار المبيع، وكونه عرضةً للتلف وانفساخ العقد، وهذه العلة مأمونة بكون الثمن في الذمة. وإما أن عُلَقَ البائع لم تنقطع عن المبيع، وهذه العلة أيضًا منتفية هاهنا. وإما أنه عرضةٌ للربح وهو مضمون على البائع، فيؤدي إلى ربح ما لم يضمن. وهذه العلة أيضًا منتفية في الثمن، فإنه إنما يجوز له الاستبدال به بسعر يومه، كما شرطه النبيُّ ﷺ لئلا يربح فيما لم يضمن. ولا يمكن أن يقال مثل هذا في السِّلَع، لأنه إنما اشتراها للربح، فلو منعناه من بيعها إلا بمثل الثمن لم يكن في الشراء فائدة، بخلاف الأثمان فإنها لم توضع للربح، وإنما وضعت رؤوسًا للأموال، لا مَورِدًا للكسب والتجارة. قال المخصِّصون: قد سلمتم نفوذ العتق قبل القبض، وهو تصرُّف يزيل الملك، فما الفرق بينه وبين البيع الناقل للملك؟ قال المعمِّمُون: الفرق بينهما أن الشارع جعل للعتق من القوة والسِّراية والنفوذ ما لم يجعل لغيره، حتى أدخل الشِّقْص الذي للشريك في ملك

стр. 1143

المُعتِق قهرًا وأعتقه عليه قهرًا، وحتى أعتق عليه ما لم يُعتقه لقوّته ونفوذه، فلا يصح إلحاق غيره من التصرفات به. قال المخصصون: قد جوَّزتم بيع الملك قبل قبضه في صور: إحداها (١): بيع الميراث قبل قبض الوارث له. الثانية: إذا أخرج السلطان رزق رجل فباعه قبل أن يقبضه. الثالثة: إذا عُزِل سهمُه من الغنيمة (٢) فباعه قبل أن يقبضه. الرابعة: ما ملكه بالوصية، فله أن يبيعه بعد القبول وقبل القبض. الخامسة: غَلَّة ما وُقِف عليه، له أن يبيعها قبل أن يقبضها. السادسة: الموهوب للولد إذا قبضه ثم استرجعه الوالد، فله أن يبيعه قبل قبضه. السابعة: إذا أثبت صيدًا ثم باعه قبل القبض جاز. الثامنة: الاستبدال بالدَّين من غير جنسه، هو بيع قبل القبض. نصَّ الشافعي (٣) على الميراث والرزق يخرجه السلطان، وخُرِّج الباقي على نصه. التاسعة: بيع المهر قبل قبضه جائز، وقد نص أحمد (٤) على جواز هبة

стр. 1144

المرأة صداقها من زوجها قبل قبضه. العاشرة: إذا خالعها على عوضٍ جاز التصرف فيه قبل قبضه، حكاه صاحب «المستوعب» (١) وغيره. وقال أبو البركات في «المحرر» (٢): هو كالبيع، يعني في عدم جواز التصرف فيه قبل القبض. الحادية عشرة: إذا أعتقه على مالٍ جاز التصرف فيه قبل قبضه، حكاه صاحب «المستوعب» (٣). الثانية عشرة: إذا صالحه عن دم العمد بمال جاز التصرف فيه قبل قبضه، وكذلك إذا أتلف له مالًا وأخرج عوضه. ومنع صاحب «المحرر» (٤) من ذلك كله، وألحقه بالمبيع. قال المعممون: الفرق بين هذه الصور وبين التصرف في المبيع قبل قبضه: أن الملك فيه غير مستقر، فلم يُسلَّط على التصرف في ملك مزلزل، بخلاف هذه الصور، فإن الملك فيها مستقر غير معرَّض للزوال، على أن المعاوضات فيها غير مجمَع عليها، بل مختلَف فيها كما ذكرناه. وفيها طريقان لأصحاب أحمد: أحدهما: طريقة صاحب «المستوعب»، وهي أن كل عقد مُلِّكَ به العوض، فإن كان ينتقض بهلاك العوض قبل قبضه، كالإجارة والصلح عن

стр. 1145

المبيع، فحكمه في جواز التصرف فيه حكم العوض المتعين بعقد البيع؛ وإن كان العقد لا [ق ١٩١] ينتقض بهلاك العوض المتعين به، كالمهر، وعوض الخلع والعتق، والصلحِ عن دم العمد، فحكمه حكم المملوك بعقد البيع (١) وما مُلِّك بغير عوض كالميراث والوصية والهبة، فالتصرف فيه جائز قبل قبضه. قال المخصصون: قد ثبت في «صحيح البخاري» (٢) عن عمرو بن دينار عن ابن عمر قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر، فكنت على بَكر صعب لِعُمَر، فكان يغلبني فيتقدم أمام القوم، فيزجره عمر ويردّه، ثم يتقدم فيزجره ويقول لي: أَمْسِكه، لا يتقدم بين يدي النبي ﷺ ، فقال له رسول الله ﷺ : «بعْنيه يا عمر»، فقال: هو لك يا رسول الله ﷺ . قال: «بِعنيه»، فباعه منه، فقال رسول الله ﷺ : «هو لك يا عبدَ الله فاصنع به ما شئت». فهذا تصرف في المبيع غير المكيل والموزون قبل قبضه. قال المعممون: لا ريب أن هذا تصرف فيه بالهبة لا بالمعاوضة. ونحن لنا في مثل هذا التصرف قبل القبض خلاف، فمن أصحابنا من يجوّزه ويفرّق بين التصرف فيه بالبيع والتصرف بالهبة، ويُلحق الهبة بالعتق، ويقول: هي

стр. 1146

إخراج عن ملكه لا يتوالى فيه ضمانان، ولا يكون التصرف بها عُرضةً لربح ما لم يضمن، بخلاف البيع. ومِن أصحابنا من منعها، وقال: العلة المانعة من بَيعه قبل قبضه عدم استقرار الملك وضعفه، ولا فرق في ذلك بين تصرف وتصرف. فإن صحّ الفرق بطل النقض (١)، وإن بطل الفرق سوينا بين التصرفات، وعلى هذا فالحديث لا دلالة فيه على التصرف قبل القبض، إذ قبضُ ذلك البعير حصل بالتخلية بينه وبينه، مع تميزه وتعيينه (٢)، وهذا كاف في القبض. فصل (٣) وقد ذكر للمنع من بيع ما لم يقبض علتان: إحداهما: ضعف الملك، لأنه لو تلف انفسخ البيع. والثانية: أن صحته تفضي إلى توالي الضمانين، فإنا لو صححناه كان مضمونًا للمشتري الأول على البائع الأول، وللمشتري الثاني على البائع الثاني، فكيف يكون الشيء الواحد مضمونًا لشخص مضمونًا عليه؟ وهذان التعليلان غير مرضيَّين. أما الأول، فيقال: ما تعنون بضعف الملك؟ إن عَنَيتم به أنه لو طرأ عليه سبب يوجب فسخه ينفسخ به، أو أمرًا آخر؟ فإن عنيتم الأول فلِمَ قلتم: إنه مانع من صحة البيع، وأي ملازمة بين الانفساخ بسبب طارئ، وبين عدم الصحة شرعًا أو عقلًا؟ وإن عنيتم بضعف

стр. 1147

الملك أمرًا آخر، فعليكم بيانه لننظر فيه. وأما التعليل الثاني، فكذلك أيضًا، ولا تظهر فيه مناسبة تقتضي الحكم، فإن كون الشيء مضمونًا على الشخص بجهة، ومضمونًا له بجهة أخرى غير ممتنع شرعًا ولا عقلًا، ويكفي في رده أنه لا دليل على امتناعه، كيف وأنتم تجوّزون للمستأجر إجارة ما استأجره، والمنفعة مضمونة له على المؤجر، وهي مضمونة عليه للمستأجر الثاني. وكذلك الثمار بعد بُدُوِّ صلاحها إذا بِيعت على أصولها، فهي مضمونة على البائع إذا احتاجت إلى سقي اتفاقًا، وإن تلفت بجائحة فهي مضمونة عليه عند أحمد ومالك، ومع ذلك فله أن يبيعها على رؤوس الشجر وتصير مضمونةً عليه (١) وله. ولهذا لمّا رأى أبو المعالي الجويني ضعف هذين التعليلين قال (٢): لا حاجة إلى ذلك، والمعتمد في بطلان البيع إنما هو الأخبار. فالشافعي يمنع التصرف في المبيع قبل قبضه، ويجعله من ضمان البائع مطلقًا، وهو رواية عن أحمد، وأبو حنيفة كذلك إلا في العقار. وأما مالك وأحمد في المشهور من مذهبه (٣) فيقولان: ما تمكّن المشتري من قبضه وهو المتعين بالعقد، فهو من ضمان المشتري، ومالك يجوّز التصرف فيه وأحمد، ويقولان: المُمَكَّن من القبض جارٍ مجرى القبض على تفصيل في

стр. 1148

ذلك. فظاهر مذهب أحمد أن الناقل للضمان إلى المشتري هو التمكّن (١) من القبض لا نفسه. وكذلك ظاهر مذهبه أن جواز التصرف فيه ليس ملازمًا للضمان ولا مبنيًّا عليه، ومن ظن ذلك من أصحابه فقد وهم، فإنه يجوِّز التصرف حيث يكون من ضمان البائع، كما ذكرنا في الثمن ومنافع الإجارة، وبالعكس أيضًا، كما في الصُّبرة المعينة. وقد نص الخرقي على هذا وهذا فقال في «المختصر» (٢): «وإذا وقع البَيع (٣) على مكيل أو موزون أو معدود فتلف قبل قبضه، فهو من مال البائع». ثم قال (٤): «ومن اشترى ما يحتاج إلى قبضه لم يَجُز بيعه حتى يقبضه». ثم قال: «ومن اشترى صُبْرَة طعامٍ لم يبعها حتى ينقلها». فالصبرة مضمونة على المشتري بالتمكن والتخلية اتفاقًا، ومع هذا لا يبيعها حتى ينقلها، وهذا منصوص أحمد. فالمأخذ الصحيح في المسألة: أن النهي معلل بعدم تمام الاستيلاء، وعدم انقطاع علاقة البائع عنه، فإنه يطمع في الفسخ والامتناع من الإقباض إذا رأى المشتري قد ربح فيه، ويُغيره (٥) الربحُ وتضيق عينه منه، وربما أفضى إلى التحيُّل على الفسخ ولو ظلمًا، وإلى الخصام والمعاداة؛ والواقعُ شاهد بهذا.

стр. 1149

فمن محاسن الشريعة الكاملة الحكيمة: منعُ المشتري من التصرف فيه حتى يتم استيلاؤه عليه، وتنقطع عُلَق البائع، وينفطم عنه، [ق ١٩٢] فلا يطمع في الفسخ والامتناع من الإقباض، وهذا من المصالح التي لا يُهملها الشارع، حتى إن من لا خبرة له من التجار بالشرع يتحرَّى ذلك ويقصده، لما في ظنه من المصلحة وسدِّ باب المفسدة. وهذه العلة أقوى من تَينِك العلتين. وعلى هذا، فإذا باعه من بائعه قبل قبضه (١) جاز على الصحيح، لانتفاء هذه العلة. ومن علّل النهي بتوالي الضمانين يمنع بيعه من بائعه لوجود العلة، فبيعه من بائعه يشبه الإقالة، والصحيح من القولين جواز الإقالة قبل القبض وإن قلنا: هي بيع. وعلى هذا خرج حديث ابن عمر في الاستبدال بثمن المبيع والمصارفة عليه قبل قبضه، فإنه استبدال ومصارفة مع العاقد، لا مع غيره. ١٦ - باب في الرجل يبيع ما ليس عنده ٤١٢/ ٣٣٦١ - عن عمرو بن شعيب، قال: حدثني أبي، عن أبيه ــ حتى ذكر عبد الله بن عمرو ــ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يَحِلُّ سَلَف وبيع، ولا شرطانِ في بيع، ولا ربحُ ما لم تضمن، ولا بيعُ ما ليس عندك». وأخرجه النسائي وابن ماجه والترمذي (٢)، وقال: حسن صحيح. ويشبه أن يكون صحّحه لتصريحه فيه بذكر عبد الله بن عمرو، ويكون مذهبه في الامتناع من الاحتجاج بحديث عمرو بن شعيب إنما هو الشكّ في إسناده لجواز أن يكون

стр. 1150

الضمير عائدًا على محمد بن عبد الله بن عمرو، فإذا صرَّح بذكر عبد الله بن عمرٍو انتفى ذلك. هذا كلام المنذري (١). قال ابن القيم ﵀: هذا الحديث أصل من أصول المعاملات، وهو نص في تحريم الحِيَل الربوية، وقد اشتمل على أربعة أحكام: الحكم الأول: تحريم الشرطين في البيع، وقد أشكل على أكثر الفقهاء معناه من حيث إن الشرطين إن كانا فاسدين فالواحد حرام، فأي فائدة لذكر الشرطين؟ وإن كانا صحيحين لم يَحْرُما. فقال ابن المنذر (٢): قال أحمد وإسحاق فيمن اشترى ثوبًا واشترط على البائع خياطته وقِصارته، أو طعامًا واشترط طحنه وحمله: إن شرط أحدَ هذه الأشياء فالبيع جائز، وإن شرط شرطين فالبيع باطل. وبهذا فسّره القاضي أبو يعلى (٣) وغيره. وعن أحمد في تفسيره رواية ثانية، حكاها الأثرم (٤)، وهو أن يشتريها على أن لا يبيعها من أحد ولا يطأها؛ ففسّره بالشرطين الفاسدين. وعنه رواية ثالثة، حكاها إسماعيل بن سعيد الشالَنْجي (٥) عنه، هو أن يقول: إذا بعتَها فأنا أحق بها بالثمن، وأن تخدمني سنة. ومضمون هذه

стр. 1151

الرواية أن الشرطين يتعلقان بالبائع، فيبقى له فيها عُلقتان: علقة قبل التسليم، وهي الخدمة؛ وعلقة بعد البيع، وهو كونه أحق بها. فأما اشتراط الخدمة فيصح، وهو استثناء منفعة المبيع مدةً، كاستثناء ركوب الدابة ونحوه. وأما شرط كونه أحق بها بالثمن، فقال في رواية المرُّوذي (١): هو في معنى حديث النبي ﷺ : «لا شرطان في بيع»، يعني لأنه شرط أن يبيعه إياه، وأن يكون البيع بالثمن الأول، فهما شرطان في بيع. وروى عنه إسماعيل بن سعيد (٢) جواز هذا البيع. وتأوله بعض أصحابنا على جوازه مع فساد الشرط، وحمل رواية المرُّوذي على فساد الشرط وحده. وهو تأويل بعيد، ونصُّ أحمد يأباه. قال إسماعيل بن سعيد: ذكرت لأحمد حديث ابن مسعود أنه قال: «ابتعتُ من امرأتي زينب الثقفية جارية، وشرطتُ لها: إنْ (٣) بعتُها فهي لها (٤) بالثمن الذي ابتعتُها به، فذكرت ذلك لعمر، فقال: لا تَقرَبْها ولأحدٍ فيها شرط» (٥). فقال أحمد: البيع جائز، و «لا تقربها» لأنه كان فيها شرط واحد للمرأة، ولم يقل عمر في ذلك: البيع فاسد.

стр. 1152

فهذا يدل على تصحيح أحمد للشرط من ثلاثة أوجه: أحدها: أنه قال: «لا تقربها»، ولو كان الشرط فاسدًا لم يمنع من قربانها. الثاني: أنه علل ذلك بالشرط، فدل على أن المانع من القربان هو الشرط، وأنَّ وطأها يتضمن إبطال ذلك الشرط، لأنها قد تحمل فيمتنع عودها إليه (١). الثالث: أنه قال: «كان فيها شرط واحد للمرأة»، فذِكْره وحدةَ الشرط يدل على أنه صحيح عنده، لأن النهي إنما هو عن الشرطين. وقد حكى عنه بعض أصحابنا رواية صريحة: أن البيع جائز والشرطَ صحيح. ولهذا حمل القاضي (٢) منعه من الوطء على الكراهة، لأنه لا معنى لتحريمه عنده مع فساد الشرط. وحمله ابن عقيل على الشبهة، للاختلاف في صحة هذا العقد. وقال القاضي في «المجرد» (٣): ظاهر كلام أحمد: أنه متى شرط في العقد شرطين بطل، سواءٌ كانا صحيحين أو فاسدين لمصلحة العقد أو لغير مصلحته، أخذًا بظاهر الحديث وعملًا بعمومه. وأما أصحاب الشافعي وأبي حنيفة (٤) فلم يفرقوا بين الشرط

стр. 1153

والشرطين، وقالوا: يَبْطل البيعُ بالشرط الواحد (١) لنهي النبي ﷺ عن بيع وشرط (٢)، وأما الشروط الصحيحة فلا تؤثر في العقد وإن كثرت. وهؤلاء ألغوا التقييد بالشرطين، ورأوا أنه لا أثر له أصلًا. وكل هذه الأقوال بعيدة عن مقصود الحديث، غيرُ مرادة منه. فأما القول الأول، وهو أن يشترط حمل الحطب وتكسيره، وخياطة الثوب وقِصارته، ونحو ذلك= فبعيد، فإن اشتراط منفعة البائع في المبيع إن كان فاسدًا فسد الشرط والشرطان. وإن كان صحيحًا فأي فرق بين منفعة أو منفعتين أو منافع؟ لا سيما والمصححون لهذا الشرط قالوا: هو عقد قد جمع بيعًا وإجارة، وهما معلومان لم يتضمّنا غررًا، فكانا صحيحين. وإذا كان كذلك فما الموجِب لفساد الإجارة على منفعتين وصحتِها على منفعة؟ وأي فرق بين أن يشترط على بائع الحطب حملَه، أو حمله ونقلَه، أو حمله وتكسيرَه؟ وأما التفسير الثاني، وهو الشرطان الفاسدان، فأضعف وأضعف، لأن

стр. 1154

الشرط الواحد الفاسد منهي عنه، فلا فائدة في التقييد بشرطين في بيع، وهو يتضمن زيادةً في اللفظ، [ق ١٩٣] وإيهامًا بجواز الواحد. وهذا ممتنع على الشارع مثلُه، لأنه زيادة مخِلَّة بالمعنى. وأما التفسير الثالث، وهو أن يشترط أنه إن باعها فهو أحق بها بالثمن، وأن ذلك يتضمن شرطين: أن لا يبيعها لغيره وأن يبيعه إياها بالثمن= فكذلك أيضًا، فإنّ كلَّ واحدٍ منهما إن كان فاسدًا فلا أثر للشرطين، وإن كان صحيحًا لم يفسد بانضمامه إلى صحيح مثله، كاشتراط الرهن والضمين، واشتراط التأجيل والرهن، ونحو ذلك. وعن أحمد في هذه المسألة ثلاث روايات: إحداهن: صحة البيع والشرط. والثانية: فسادهما. والثالثة: صحة البيع وفساد الشرط. وهو ﵁ إنما اعتمد في الصحة على اتفاق عمر وابن مسعود على ذلك. ولو كان هذا هو الشرطين في البيع لم يخالفه لقولِ أحدٍ على قاعدة مذهبه، فإنه إذا كان عنده في المسألة حديث صحيح لم يتركه لقول أحد، ويَعْجَب ممن يخالفه من صاحب أو غيره. وقوله في رواية المرُّوذي: هو في معنى حديث النبي ﷺ : «لا شرطان في بيع»، ليس تفسيرًا منه صريحًا، بل تشبيه وقياس على معنى الحديث، ولو قُدِّر أنه تفسير فليس بمطابق لمقصود الحديث، كما تقدم. وأما تفسير القاضي في «المجرد»، فمِن أبعدِ ما قيل في الحديث

стр. 1155

وأفسدِه، فإنَّ شرط ما يقتضيه العقد، أو ما هو من مصلحته، كالرهن والتأجيل والضمين ونقد كذا= جائز بلا خلاف، تعددت الشروط أو اتحدت. فإذا تبين ضعف هذه الأقوال فالأولى تفسير كلام النبي ﷺ بعضه ببعض، فنفسِّر كلامَه بكلامه فنقول: نظير هذا نهيه ﷺ عن صفقتين في صفقة، وعن بيعتين في بيعة. فروى سماك عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه قال: نهى رسول الله ﷺ عن صفقتين في صفقة (١). وفي «السنن» (٢) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : «من باع بيعتين في بيعةٍ فله أوكسهما أو الربا». وقد فُسِّرت البيعتان في البيعة بأن يقول: أبيعك بعشرة نقدًا، أو بعشرين نسيئةً، وهذا بعيد من معنى الحديث من وجهين: أحدهما: أنه لا يدخل الربا في هذا العقد. الثاني: أن هذا ليس بصفقتين، إنما هو صفقة واحدة بأحد الثمنين؛ وقد ردَّده بين الأَوكَس (٣) أو الربا، ومعلوم أنه إذا أخذ بالثمن الأزيد في هذا العقد لم يكن ربا، فليس هذا معنى الحديث. وفُسِّر بأن يقول: خُذ هذه السلعة بعشرة نقدًا، وآخذها منك بعشرين نسيئة، وهي مسألة العينة بعَينها. وهذا هو المعنى المطابق للحديث، فإنه إذا كان مقصوده الدراهم العاجلة بالآجلة فهو لا يستحق إلا رأس ماله، وهو

стр. 1156

أوكس الثمنين، فإن أخذه أخذ أوكسهما، وإن أخذ الثمن الأكثر فقد أخذ الربا؛ فلا محيد له عن أوكس الثمنين أو الربا. ولا يحتمل الحديث غير هذا المعنى. وهذا هو بعينه الشرطان في بيع، فإن الشرط يطلق على العقد نفسه لأنهما تشارطا على الوفاء به فهو مشروط، والشرط يُطلَق على المشروط كثيرًا، كالضرب (١) على المضروب، والحلق على المحلوق، والنسخ على المنسوخ. فالشرطان كالصفقتين سواء، فشرطان في بيع كصفقتين في صفقة. وإذا أردت أن يتضح لك هذا المعنى فتأمل نهيه ﷺ في حديث ابن عمر عن بيعتين في بيعة، وعن سلف وبيع ــ رواه أحمد (٢) ــ، ونَهْيَه في هذا الحديث عن شرطين في بيع، وعن سلف وبيع (٣)؛ فجمع السلف والبيع مع الشرطين في البيع، ومع البيعتين في البيعة. وسرُّ ذلك: أن كِلا الأمرين يؤول إلى الربا، وهو ذريعة إليه. أما البيعتان في بيعة فظاهر، فإنه إذا باعه السلعة إلى شهر ثم اشتراها منه بما شرط له، كان قد باع بما شرط له بعشرة (٤) نسيئة. ولهذا المعنى حرم الله ورسوله العينة.

стр. 1157

وأما السلف والبيع، فلأنه إذا أقرضه مائة إلى سنة، ثم باعه ما يساوي خمسين بمائة، فقد جعل هذا البيع ذريعةً إلى الزيادة في القرض الذي موجَبه رد المثل، ولولا هذا البيع لما أقرضه، ولولا عقد القرض لما اشترى ذلك. فظهر سرُّ قوله ﷺ : «لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع»، وقولِ ابن عمر: «نهى عن بيعتين في بيعة وعن سلف وبيع»، واقترانِ إحدى الجملتين بالأخرى لمّا كانا سُلَّمًا إلى الربا. ومن نظر في الواقع وأحاط به علمًا فهم مرادَ الرسول ﷺ من كلامه، ونزّله عليه. وعلم أنه كلامُ من جُمِعت له الحكمة، وأوتي جوامع الكلم، فصلوات الله وسلامه عليه، وجزاه أفضل ما جزى نبيًّا عن أمته. وقد قال بعض السلف: اطلبوا الكنوز تحت كلمات رسول الله ﷺ . ولما كان موجب عقد القرض رد المثل من غير زيادة كانت الزيادة ربا. قال ابن المنذر (١): أجمعوا على أن المُسْلِف إذا شرط على المستسلف زيادةً أو هديةً فأسلف على ذلك= أن أخذ الزيادة على ذلك ربا. وقد روي عن ابن مسعود وأبيّ بن كعب وابن عباس أنهم نَهَوا عن قرضٍ جرَّ منفعة (٢). وكذلك إن شرط أن يُؤَجِّره داره أو يبيعه شيئًا لم يَجُزْ، لأنه سُلَّم إلى الربا، ولهذا نهى عنه النبي ﷺ . ولهذا منع السلف ﵃ من قَبول هدية المقترض إلا أن يحتسبها

стр. 1158

المُقرِض من الدين، فروى الأثرم (١): أن رجلًا كان له على سمّاك عشرون درهمًا، فجعل يهدي إليه [ق ١٩٤] السمك، ويُقَوِّمه حتى بلغ ثلاثة عشر درهمًا، فسأل ابن عباس فقال: أعطه سبعة دراهم. وروي عن ابن سيرين أن عمر أسلف أُبيَّ بن كعب عشرة آلاف درهم، فأهدى إليه أبيُّ بن كعب من ثمرة أرضه، فردَّها عليه ولم يقبلها (٢)، فأتاه أُبي فقال: لقد علم أهل المدينة أني من أطيبهم ثمرة، وأنه لا حاجة لنا، فبِمَ منعتَ هديتنا؟ ثم أهدى إليه بعد ذلك فقبل (٣). فردّه عمر لما توهَّم أن يكون بسبب القرض، فلما تيقَّن أنه ليس بسبب القرض قبله. وهذا فصل النزاع في مسألة هدية المقترض. وقال زِرّ بن حُبَيش: قلت لأُبي بن كعب: إني أريد أن أسير إلى أرض الجهاد إلى العراق، فقال: إنك تأتي أرضًا فاشٍ بها الربا، فإن أقرضتَ رجلًا قرضًا، فأتاك بقرضك ليؤدي إليك قرضك ومعه هدية، فاقبض قرضك واردُد عليه هديته (٤). ذكرهن الأثرم.

стр. 1159

وفي «صحيح البخاري» (١) عن أبي بردة بن أبي موسى قال: قدمت المدينة، فلقيت عبد الله بن سلام ــ فذكر الحديث، وفيه: ثم قال لي: إنك بأرض فيها الربا فاشٍ، فإذا كان لك على رجل دين، فأهدى إليك حِمْل تِبْن، أو حمل قَتٍّ، أو حمل شعير، فلا تأخذه فإنه ربا. قال ابن أبي موسى (٢): ولو أقرضه قرضًا ثم استعمله عملًا، لم يكن يستعمله مثله قبل القرض، كان قرضًا جرّ منفعة. قال: ولو استضاف غريمَه، ولم تكن العادة جرت بينهما بذلك= حسب له ما أكله. واحتج له صاحب «المغني» بما روى ابن ماجه في «سننه» (٣) عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أقْرَضَ (٤) أحدكم قرضًا فأَهدى إليه، أو حمله على دابته، فلا يركبها ولا يقبله، إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك». واختلفت الرواية عن أحمد فيما لو أقرضه دراهم، وشرط عليه أن يوفّيه إياها ببلد آخر ولا مؤنة لحملها، فروي عنه أنه لا يجوز (٥). وكرهه الحسن وجماعة (٦)،

стр. 1160

ومالك والأوزاعي والشافعي (١). وروي عنه الجواز، نقله ابن المنذر (٢)؛ لأنه مصلحة لهما، فلم ينفرد المُقرض (٣) بالمنفعة، وحكاه (٤) عن علي، وابن عباس، والحسن بن علي، وابن الزبير، وابن سيرين، وعبد الرحمن بن الأسود، وأيوب، والثوري، وإسحاق. واختاره القاضي (٥). ونظير هذا: لو أفلس غريمه فأقرضه دراهم يوفيه كلَّ شهر شيئًا معلومًا من ربحها جاز، لأن المُقرض لم ينفرد بالمنفعة. ونظيره: لو كان له عليه حنطة، فأقرضه دراهم يشتري له بها حنطة ويوفيه إياها. ونظير ذلك أيضًا: إذا أقرض فلّاحه ما يشتري به بقرًا يعمل بها في أرضه، أو بَذْرًا يَبْذُره فيها. ومنعه ابن أبي موسى (٦)، والصحيح جوازه، وهو اختيار صاحب «المغني» (٧)؛ وذلك لأن المستقرض إنما يقصد نفع نفسه،

стр. 1161

ويحصل انتفاع المقرض ضمنًا، فأشبه أخذ السَّفْتَجَة به وإيفاءَه إياه في بلد آخر، من حيث إنه مصلحة لهما جميعًا. والمنفعة التي تجرّ إلى الربا في القرض، هي التي تخص المقرض كسكنى دار المقترض وركوب دوابه، واستعماله، وقبول (١) هديته؛ فإنه لا مصلحة له في ذلك بخلاف هذه المسائل، فإن المنفعة مشتركة بينهما، وهما متعاونان عليها، فهي من جنس التعاون والمشاركة. وأما نهيه ﷺ عن ربح ما لم يضمن (٢)، فهو كما ثبت عنه في حديث عبد الله بن عمر حيث قال له: إني أبيع الإبل بالبقيع بالدراهم وآخذ الدنانير، وأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم. فقال: «لا بأس إذا أخذتها بسعر يومها وتفرقتما وليس بينكما شيء» (٣)، فجوز ذلك بشرطين: أحدهما: أن يأخذها بسعر يوم الصرف، لئلا يربح فيها وليستقر ضمانه. والثاني: أن لا يتفرقا إلا عن تقابض، لأنه شرط في صحة الصرف لئلا يدخله ربا النسيئة. والنهي عن ربح ما لم يضمن قد أشكل على بعض الفقهاء علّته. وهو من محاسن الشريعة، فإنه لم يتم عليه استيلاء، ولم تنقطع عُلَق البائع عنه، فهو يطمع في الفسخ والامتناع من الإقباض إذا رأى المشتري قد ربح فيه، وإن أقبضه إياه فإنما يقبضه على إغماض وتأسّف على فوت الربح، فنفسه متعلقة به لم ينقطع طمعها منه. وهذا معلوم بالمشاهدة، فمِن كمال الشريعة

стр. 1162

ومحاسنها النهي عن الربح فيه حتى يستولي عليه ويكون من ضمانه، فييأس البائع من الفسخ وتنقطع علقه عنه. وقد نص أحمد (١) على ذلك في الاعتياض عن دين القرض وغيره: أنه إنما يعتاض (٢) عنه بسعر يومه لئلا يربح فيما لم يضمن. فإن قيل: هذا ينتقض عليكم بمسألتين: إحداهما: بيع الثمار بعد بدو صلاحها، فإنكم تجوّزون لمشتريها أن يبيعها على رؤوس الأشجار ويربح فيها، ولو تلفت بجائحة لكانت من ضمان البائع، فيلزمكم أحد أمرين: إما أن تمنعوا بيعها، وإما أن لا تقولوا بوضع الجوائح، كما يقول الشافعي وأبو حنيفة، بل تكون من ضمانه، فكيف تجمعون بين هذا وهذا؟ المسألة الثانية: أنكم تجوِّزون للمستأجر أن يُؤَجِّر العين المستأجرة بمثل الأجرة وزيادة، مع أنها لو تلفت لكانت من ضمان المؤجر، فهذا ربح ما لم يضمن. قيل: النقض الوارد إما أن يكون بمسألة [ق ١٩٥] منصوص عليها أو مُجمَعٍ على حكمها، وهاتان المسألتان غير منصوص عليهما ولا مجمع على حكمهما، فلا يَرِدان نقضًا، فإن في جواز بيع المشتري ما اشتراه من الثمار على الأشجار كذلك روايتان منصوصتان عن أحمد (٣).

стр. 1163

فإن مُنع البيع بطل النقض، وإن جوّزنا البيع ــ وهو الصحيح ــ فلأن الحاجة تدعو إلى ذلك، فإن الثمار قد لا يمكن بيعها إلا كذلك، فلو منعناه من بيعها أضررنا به، ولو جعلناها من ضمانه إذا تلفت بجائحة أضررنا به أيضًا، فجوَّزنا له بيعها لأنها في حكم المقبوض بالتخلية بينه وبينها، وجعلناها من ضمان البائع بالجائحة، لأنها ليست في حكم المقبوض من جميع الوجوه، ولهذا يجب عليه تمام التسليم بالوجه المحتاج إليه. فلما كانت مقبوضة من وجه غير مقبوضة من وجه رتّبنا على الوجهين مقتضاهما، وهذا من ألطف الفقه. وأما مسألة الإجارة، فاختلفت الرواية عن أحمد في جواز إجارة الرجل ما استأجره بزيادة على ثلاث روايات (١): إحداهن: المنع مطلقًا، لئلا يربح فيما لم يضمن، وعلى هذا فالنقض مندفع. والثانية: أنه إن جدد فيها عمارة جازت الزيادة، وإلا فلا، لأن الزيادة لا تكون ربحًا بل هي في مقابلة ما أحدثه من العمارة. وعلى هذه الرواية أيضًا فالنقض مندفع. والثالثة: أنه يجوز أن يؤجرها بأكثر مما استأجرها مطلقًا، وهذه مذهب الشافعي (٢). وهذه الرواية أصح، فإن المستأجر لو عطَّل المكان وأتلف منافعه بعد قبضه لتلفت من ضمانه، لأنه قبضه القبض التام، ولكن لو

стр. 1164

انهدمت الدار لتلفت من مال المؤجّر لزوال محل المنفعة، فالمنافع مقبوضة ولهذا له استيفاؤها بنفسه وبنظيره، وإيجارُها والتبرع بها. ولكن كونها مقبوضةً مشروط ببقاء العين، فإذا تلفت العين زال محل الاستيفاء، فكانت من ضمان المؤجر. وسرّ المسألة: أنه لم يربح فيما لم يضمن، وإنما ربح فيما (١) هو مضمون عليه بالأجرة. وأما قوله ﷺ : «ولا تبع ما ليس عندك» (٢) فمطابق لنهيه ﷺ عن بيع الغرر، لأنه إذا باع ما ليس عنده فليس على ثقة من حصوله، بل قد يحصل له وقد لا يحصل، فيكون غررًا، كبيع الآبق والشارد والطير في الهواء، وما تحمل ناقته ونحوه. قال حكيم بن حزام: يا رسول الله، الرجل يأتيني يسألني البيع ليس عندي فأبيعه منه، ثم أمضي إلى السوق، فأشتريه وأسلمه إياه، فقال: «لا تبع ما ليس عندك» (٣). وقد ظنّ طائفة أن السَّلَم مخصوص من عموم هذا الحديث، فإنه بيع ما ليس عنده. وليس كما ظنوه، فإن الحديث إنما تناول بيع الأعيان، وأما السَّلَم

стр. 1165

فعقدٌ على ما في الذمة، بل شرطه أن يكون في الذمة، فلو أسلم في معيَّن عنده كان فاسدًا، وما في الذمة مضمون مستقر فيها. وبيع ما ليس عنده إنما نهي عنه لكونه غيرَ مضمون عليه، ولا ثابت في ذمته، ولا في يده. فالمبيع لا بد أن يكون ثابتًا في ذمة المشتري أو في يده، وبيع ما ليس عنده ليس بواحدٍ منهما، فالحديث باق على عمومه. فإن قيل: فأنتم تجوّزون للمغصوب منه أن يبيع المغصوب لمن يقدر على انتزاعه من غاصبه، وهو بيع ما ليس عنده. قيل: لما كان البائع قادرًا على تسليمه بالبيع، والمشتري قادرًا على تسلّمه من الغاصب، فكأنه قد باعه ما هو عنده، وصار كما لو باعه مالًا وهو عند المشتري وتحت يده، وليس عند البائع. والعِنْدية هنا ليست عندية الحس والمشاهدة، فإنه يجوز أن يبيعه ما ليس تحت يده ومشاهدته، وإنما هي عندية الحكم والتمكين، وهذا واضح ولله الحمد. ١٧ - باب من اشترى عبدًا فاستغلَّه [ثم رأى عيبًا] (١) ٤١٣/ ٣٣٦٥ - عن مَخلَد بن خُفاف، عن عروة، عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ : «الخرَاجُ بالضَّمان». وأخرجه الترمذي والنسائي (٢)، وقال الترمذي: حديث حسن.

стр. 1166

٤١٤/ ٣٣٦٦ - وعن مخلد قال: كان بيني وبين أناس شَرِكة في عبد، فاقْتَوَيْتُه وبعضُنا غائب، فأغَلَّ عليَّ غَلَّةً، فخاصمني في نصيبه إلى بعض القضاة، فأمرني أن أرُدَّ الغلَّة، فأتيت عروة بن الزبير فحدثتُه، فأتاه عروة فحدثه عن عائشة ﵂ عن رسول الله ﷺ قال: «الخراج بالضمان» (١). قال البخاري (٢): هذا حديث منكر، ولا أعرف لمخلد بن خفاف غير هذا الحديث. قال الترمذي: فقلت له: فقد رُوي هذا الحديث عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة؟ فقال: إنما رواه مسلم بن خالد الزنجي، وهو ذاهب الحديث. وقال ابن أبي حاتم (٣): سئل أبي عنه ــ يعني مخلد بن خفاف ــ، فقال: لم يرو عنه غير ابن أبي ذئب، وليس هذا إسناد يقوم بمثله الحجة، يعني الحديث الذي يروي مخلد بن خفاف عن عروة عن عائشة عن النبي ﷺ : «أن الخراج بالضمان». وقال الأزدي: مخلد بن خفاف ضعيف. ٤١٥/ ٣٣٦٧ - وعن مسلم بن خالد الزَّنجي، عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة ﵂ أن رجلًا ابتاع غلامًا فأقام عنده ما شاء الله أن يقيم، ثم وجد به عيبًا، فخاصمه إلى النبي ﷺ فردَّه عليه، فقال الرجل: يا رسول الله، قد استغلَّ غلامي، فقال رسول الله ﷺ : «الخراج بالضمان» (٤). قال أبو داود: هذا إسناد ليس بذاك.

стр. 1167

يشير إلى ما أشار إليه البخاري من تضعيف مسلم بن خالد الزنجي. وقد أخرج هذا الحديث الترمذي في «جامعه» (١) من حديث عمر بن علي المُقدَّمي عن هشام بن عروة مختصرًا أن النبي ﷺ قضى أن الخراج بالضمان. وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث هشام بن عروة. وقال أيضًا: استغرب محمد بن إسماعيل ــ يعني البخاري ــ هذا الحديث من حديث عمر بن علي. قلت: تراه تدليسًا؟ قال: لا. وحكى البيهقي (٢) عن الترمذي أنه ذكره لمحمد بن إسماعيل البخاري، فكأنه أعجبه. هذا آخر كلامه. وعمر بن علي: هو أبو حفص عمر بن علي المقدَّمي البصري. وقد اتفق البخاري ومسلم على الاحتجاج بحديثه. ورواه عن عمر بن علي: أبو سلمة يحيى بن خَلَف الجُوباري، وهو ممن روى عنه مسلم في «صحيحه». وهذا إسناد جيد، ولهذا صححه الترمذي، وهو غريب كما أشار إليه البخاري والترمذي. والله أعلم. قال ابن القيم ﵀: وقد قال قتيبة فيما رواه أبو داود: «هذا الحديث في كتابي بخطي: عن جرير عن هشام بن عروة». ذكره البيهقي (٣).

стр. 1168

فهؤلاء ثلاثة: عمر بن علي، ومسلم بن خالد، وجرير. وقال الشافعي (١): أخبرني من لا أتهم من أهل المدينة عن ابن أبي ذئب، عن مخلد بن خفاف قال: «ابتعتُ غلامًا، فاستغللته، ثم ظهرتُ منه على عيب، فخاصمته فيه إلى عمر بن عبد العزيز، فقضى له برده، وقضى عليّ برد غَلَّته، فأتيت عروة بن الزبير فأخبرته فقال: أروح إليه العَشِيَّة فأخبره أن عائشة أخبرتني: أن رسول الله ﷺ قضى في مثل هذا: أن الخراج بالضمان، فعجِلت إلى عمر، فأخبرته ما أخبرني عروة عن عائشة عن النبي ﷺ ، فقال عمر بن عبد العزيز: فما أيسر عليَّ مِن قضاءٍ قضيتُه، والله يعلم أني لم أُرِد فيه إلا الحق، فبلغني فيه سنة رسول الله ﷺ = فأرد قضاء عمر وأُنفّذ سنة رسول الله ﷺ . فراح إليه عروة، فقضى لي أن آخذ الخراج من الذي قضى به عليَّ له. [ق ١٩٦] رواه أبو داود الطيالسي في «مسنده» (٢) عن ابن أبي ذئب. ١٨ - باب إذا اختلف البيِّعان والمبيع قائم ٤١٦/ ٣٣٦٨ - عن عبد الرحمن بن قيس بن محمد بن الأشعث، عن أبيه، عن جده، قال: اشترى الأشعثُ رقيقًا من رقيق الخُمس من عبد الله بعشرين ألفًا، فأرسل عبدُ الله إليه في ثَمَنهم، فقال: إنما أخذتُهم بعشرة آلاف، فقال عبد الله: فاخْتَرْ رجلًا يكون بيني وبينك، قال الأشعث: أنتَ بيني وبين نفسك، قال عبد الله: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا اختلف البيِّعان ليس بينهما بيِّنة، فهو ما

стр. 1169

يقول ربُّ السِّلعة أو يتتاركان». وأخرجه النسائي (١). ٤١٧/ ٣٣٦٩ - وعن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه: أن ابنَ مسعود باع من الأشعث بن قيس رقيقًا ــ فذكر معناه، والكلام يزيد وينقص. وأخرجه ابن ماجه (٢). وأخرجه الترمذي (٣) من حديث عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن مسعود. وقال: هذا مرسل، عون بن عبد الله لم يدرك ابن مسعود. وفيه (٤) محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، ولا يحتج به، وعبد الرحمن ابن عبد الله بن مسعود لم يسمع من أبيه، فهو منقطع (٥).

стр. 1170

قال ابن القيم ﵀: وقد روي هذا الحديث من طرق عن ابن مسعود (١) يشدّ بعضُها بعضًا، وليس فيهم مجروح ولا متّهم، وإنما يُخاف من سوء حفظ محمد بن عبد الرحمن، ولم ينفرد به، فقد رواه الشافعي (٢) عن ابن عيينة، عن محمد بن عجلان، عن عون بن عبد الله، عن ابن مسعود، ثم قال: هذا حديث منقطع لا أعلم أحدًا يصله عن ابن مسعود، وقد جاء من غير وجه. وقد رواه الحاكم في «المستدرك» (٣) من حديث ابن جُرَيج: أن إسماعيل بن أمية أخبره عن عبد الملك بن عُمَير (٤) قال: حضرت أبا عبيدة بن عبد الله بن مسعود وأتاه رجلان تبايعا سلعة، فقال أحدهما: أخذت بكذا وكذا، وقال الآخر: بعتُ بكذا وكذا، فقال أبو عُبَيدة: أتي عبدُ الله بن مسعود في مثل هذا فقال: حضرتُ رسول الله ﷺ في مثل هذا، فأمر البائع أن يحلف (٥)، ثم خيّر المبتاع، إن شاء أخذ وإن شاء ترك.

стр. 1171

ورواه الإمام أحمد (١) عن الشافعي، حدثنا سعيد بن سالم القدّاح، حدثنا ابن جريج ... فذكره. قال عبد الله بن أحمد (٢)، قال أبي: أُخبِرتُ عن هشام بن يوسف، عن ابن جريج، عن إسماعيل بن أمية، عن عبد الملك بن عبيد. قال أحمد: وقال حجاج الأعور: عبد الملك بن عُبَيدة (٣). قال البيهقي (٤): وهذا هو الصواب. وقد رواه يحيى بن سليم، عن إسماعيل بن أمية، عن عبد الملك بن عمير، كما قال سعيد بن سالم، ورواية هشام بن يوسف وحجّاج عن ابن جريج أصح. وقال البخاري في «تاريخه» (٥): عبد الملك بن عبيد عن بعض ولد عبد الله بن مسعود، روى عنه إسماعيل بن أمية، مرسل. وذكر بعده (٦) عبد الملك بن عمير قال: هو الكوفي أبو عمر القرشي مات سنة ست وثلاثين ومائة، وكان أفصح الناس، سمع جُندبًا، ورأى المغيرة، روى عنه الثوري وشعبة.

стр. 1172

قال البيهقي (١): ورواه أبو عُمَيس، ومَعْن بن عبد الرحمن، وعبد الرحمن المسعودي، وأبان بن تَغلِب، كلهم عن القاسم عن عبد الله منقطعًا، وليس فيه: «والمبيع قائم بعينه»، وابن أبي ليلى كان كثير الوهم في الإسناد والمتن، وأهلُ العلم بالحديث لا يقبلون منه ما ينفرد به لكثرة أوهامه. وأصح إسنادٍ روي في هذا الباب: رواية أبي العميس عن عبد الرحمن بن قيس بن محمد بن الأشعث بن قيس (٢)، عن أبيه، عن جده ... فذكر الحديث الذي في أول الباب. ١٩ - باب الشفعة ٤١٨/ ٣٣٧٠ - عن أبي الزبير، عن جابر ــ وهو ابن عبد الله ــ قال: قال رسول الله ﷺ : «الشُّفْعَة في كل شِرْكٍ: رَبْعَةٍ أو حائطٍ، لا يصلح أن يبيع حتى يُؤذِن شريكه، فإن باع فهو أحق به حتى يؤذنه». وأخرجه مسلم (٣). ٤١٩/ ٣٣٧١ - وعن أبي سَلَمة بن عبد الرحمن، عنه قال: إنما جَعل رسول الله ﷺ الشفعة في كل ما لم يُقْسَم، فإذا وَقعتِ الحدود وصُرِّفت الطّرق فلا شفعة». وأخرجه البخاري (٤). ٤٢٠/ ٣٣٧٢ - وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا قُسِمَت

стр. 1173

الأرض وحُدَّتْ فلا شفعةَ فيها» (١). ٤٢١/ ٣٣٧٣ - وعن أبي رافع ــ وهو مولى رسول الله ﷺ ــ سمع النبي ﷺ يقول: «الجارُ أحقُّ بِسَقَبِه». وأخرجه البخاري (٢). ٤٢٢/ ٣٣٧٤ - وعن الحسن، عن سَمُرة، عن النبي ﷺ قال: «جارُ الدَّار أحقُّ بدار الجار ــ أو الأرض ــ». وأخرجه الترمذي (٣) وصححه. ٤٢٣/ ٣٣٧٥ - وعن عطاء ــ وهو ابن أبي رباح ــ عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «الجارُ أحقُّ بشفعة جاره، يُنتَظَر بها وإن كان غائبًا، إذا كان طريقهما واحدًا». وأخرجه النسائي وابن ماجه والترمذي (٤)، وقال: حسن غريب. ولا نعلم أحدًا روى هذا الحديث غير عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن جابر. وقد تكلم شعبة في عبد الملك من أجل هذا الحديث. وعبد الملك ثقة مأمون عند أهل الحديث، ولا نعلم أحدًا تكلم فيه غير شعبة من أجل هذا الحديث.

стр. 1174

وقال الشافعي (١): سمعتُ بعض أهل العلم بالحديث يقولون: نخاف أن لا يكون هذا الحديث محفوظًا (٢). قال ابن القيم ﵀: قيل له (٣): ومن أين قلت؟ قال: إنما رواه عن جابر بن عبد الله، وقد روى أبو سلمة بن عبد الرحمن عن جابر مفسَّرًا أن رسول الله ﷺ قال: «الشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود فلا شفعة»، وأبو سلمة من الحفاظ. وروى أبو الزبير ــ وهو من الحفاظ ــ عن جابر ما يوافق قول أبي سلمة، ويخالف ما روى عبد الملك بن أبي سليمان، وفيه من الفرق بين الشريك وبين المقاسم، فكان أولى الأحاديث أن يؤخذ به عندنا ــ والله أعلم ــ لأنه أثبتُها إسنادًا وأبيَنُها لفظًا عن النبي ﷺ ، وأعرقها (٤) في الفرق بين المقاسم وغير المقاسم. آخر كلامه. [وسئل الإمام أحمد عن هذا الحديث فقال: هذا حديث منكر، ذكره البيهقي (٥) وغيره عنه. وقال يحيى بن معين (٦): لم يحدّث به إلا عبد الملك،

стр. 1175

وقد أنكره الناس عليه. وقال الترمذي (١): سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال: لا أعلم أحدًا رواه عن عطاء غير عبد الملك، تفرّد به. ورُوي عن جابر خلاف هذا. ثم] (٢) قال الترمذي: وإنما ترك شعبة حديث عبد الملك لحال هذا الحديث. تم كلامه. وروى الحاكم (٣) من طريق أمية بن خالد قال: قلت لشعبة: ما لك لا تُحدِّث عن عبد الملك بن أبي سليمان؟ قال: تركت حديثه، قال: قلت: تحدث عن محمد بن عبيد الله (٤) العَرْزَمي وتدع عبد الملك، وقد كان حسنَ الحديث؟! قال من حُسْنِها فررت! وقال أحمد بن سعيد الدارمي سمعت مسدَّدًا وغيره من أصحابنا عن يحيى بن سعيد قال: قال شعبة: لو أن عبد الملك جاء بمثله آخر أو اثنين لتركت حديثه، يعني حديث الشفعة (٥). وقال (٦) أبو قدامة عن يحيى القطان قولَه: لو روى عبد الملك بن أبي

стр. 1176

سليمان حديثًا آخر مثل حديث الشفعة لتركتُ حديثه (١). وقال بعض الناس: هذا رأي لعطاء، أدرجه عبد الملك في الحديث إدراجًا. فهذا ما رمى به الناسُ عبد الملك وحديثه. وقال آخرون: عبد الملك أجل وأوثق من أن يُتكلّم فيه. وكان يسمى «الميزان» لإتقانه وضبطه وحفظه (٢)، ولم يتكلم فيه أحد قط إلا شعبة، وتكلم فيه من أجل هذا الحديث، وهو كلام باطل، فإنه إذا لم يُضعِّفه إلا من أجل هذا [ق ١٩٧] الحديث كان ذلك دورًا باطلًا، فإنه لا يثبت ضعف الحديث حتى يثبت ضعف عبد الملك؛ فلا يجوز أن يستفاد ضعفه من ضعف الحديث الذي لم يُعلَم ضعفه إلا من جهة عبد الملك، ولم يُعلَم ضعف عبد الملك إلا بالحديث؛ وهذا محال من الكلام، فإن الرجل من الثقات الأثبات الحفاظ الذين لا مطمع في الطعن (٣) فيهم (٤). وقد احتج به مسلم في «صحيحه»، وخرّج له عدة أحاديث، ولم ينكِر

стр. 1177

عليه (١) تصحيحَ حديثه والاحتجاج به أحدٌ من أهل العلم، واستشهد به البخاري. ولم يروِ ما يخالف الثقات، بل روايته موافقة لحديث أبي رافع الذي أخرجه البخاري، ولحديث سمرة الذي صححه الترمذي، فجابر ثالث ثلاثة في هذا الحديث: أبي رافع، وسمرة، وجابر، فأي مطعن على عبد الملك في رواية حديث قد رواه عن النبي ﷺ جماعة من الصحابة؟ والذين ردُّوا حديثه ظنوا أنه معارض لحديث جابر الذي رواه أبو سلمة عنه: «الشفعة فيما لم يُقسَم، فإذا وقعت الحدود وصُرِّفت الطرق فلا شفعة». وفي الحقيقة لا تعارض بينهما، فإن منطوق حديث أبي سلمة انتفاء الشفعة عند تميّز الحدود وتصريف الطرق واختصاص كل ذي مُلكٍ بطريق، ومنطوقُ حديث عبد الملك إثبات الشفعة بالجوار عند الاشتراك في الطريق، ومفهومه انتفاء الشفعة عند تصريف الطرق، فمفهومه موافق لمنطوق حديث أبي سلمة وأبي الزبير، ومنطوقه غير معارض له. وهذا بيِّن، وهو أعدل الأقوال في المسألة، فإن الناس في شفعة الجوار طرفان ووسط، فأهل المدينة وأهل الحجاز وكثير من الفقهاء ينفونها مطلقًا، وأهل الكوفة يثبتونها مطلقًا، وأهل البصرة يثبتونها عند الاشتراك في حق من حقوق الملك، كالطريق والماء ونحوه، وينفونها عند تميز كل ملك بطريقه حيث لا يكون بين المُلّاك اشتراك. وعلى هذا القول تدل أحاديث جابر منطوقُها ومفهومُها، ويزول عنها التضاد والاختلاف، ويُعلَم أن عبد الملك لم يرو ما يخالف رواية غيره.
следующие страницы →