← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 201

تهذيب سنن أبي داود - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 675 стр.). Показаны 1173–1212 · переход к 1178.

стр. 1173

الأرض وحُدَّتْ فلا شفعةَ فيها» (١). ٤٢١/ ٣٣٧٣ - وعن أبي رافع ــ وهو مولى رسول الله ﷺ ــ سمع النبي ﷺ يقول: «الجارُ أحقُّ بِسَقَبِه». وأخرجه البخاري (٢). ٤٢٢/ ٣٣٧٤ - وعن الحسن، عن سَمُرة، عن النبي ﷺ قال: «جارُ الدَّار أحقُّ بدار الجار ــ أو الأرض ــ». وأخرجه الترمذي (٣) وصححه. ٤٢٣/ ٣٣٧٥ - وعن عطاء ــ وهو ابن أبي رباح ــ عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «الجارُ أحقُّ بشفعة جاره، يُنتَظَر بها وإن كان غائبًا، إذا كان طريقهما واحدًا». وأخرجه النسائي وابن ماجه والترمذي (٤)، وقال: حسن غريب. ولا نعلم أحدًا روى هذا الحديث غير عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن جابر. وقد تكلم شعبة في عبد الملك من أجل هذا الحديث. وعبد الملك ثقة مأمون عند أهل الحديث، ولا نعلم أحدًا تكلم فيه غير شعبة من أجل هذا الحديث.

стр. 1174

وقال الشافعي (١): سمعتُ بعض أهل العلم بالحديث يقولون: نخاف أن لا يكون هذا الحديث محفوظًا (٢). قال ابن القيم ﵀: قيل له (٣): ومن أين قلت؟ قال: إنما رواه عن جابر بن عبد الله، وقد روى أبو سلمة بن عبد الرحمن عن جابر مفسَّرًا أن رسول الله ﷺ قال: «الشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود فلا شفعة»، وأبو سلمة من الحفاظ. وروى أبو الزبير ــ وهو من الحفاظ ــ عن جابر ما يوافق قول أبي سلمة، ويخالف ما روى عبد الملك بن أبي سليمان، وفيه من الفرق بين الشريك وبين المقاسم، فكان أولى الأحاديث أن يؤخذ به عندنا ــ والله أعلم ــ لأنه أثبتُها إسنادًا وأبيَنُها لفظًا عن النبي ﷺ ، وأعرقها (٤) في الفرق بين المقاسم وغير المقاسم. آخر كلامه. [وسئل الإمام أحمد عن هذا الحديث فقال: هذا حديث منكر، ذكره البيهقي (٥) وغيره عنه. وقال يحيى بن معين (٦): لم يحدّث به إلا عبد الملك،

стр. 1175

وقد أنكره الناس عليه. وقال الترمذي (١): سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال: لا أعلم أحدًا رواه عن عطاء غير عبد الملك، تفرّد به. ورُوي عن جابر خلاف هذا. ثم] (٢) قال الترمذي: وإنما ترك شعبة حديث عبد الملك لحال هذا الحديث. تم كلامه. وروى الحاكم (٣) من طريق أمية بن خالد قال: قلت لشعبة: ما لك لا تُحدِّث عن عبد الملك بن أبي سليمان؟ قال: تركت حديثه، قال: قلت: تحدث عن محمد بن عبيد الله (٤) العَرْزَمي وتدع عبد الملك، وقد كان حسنَ الحديث؟! قال من حُسْنِها فررت! وقال أحمد بن سعيد الدارمي سمعت مسدَّدًا وغيره من أصحابنا عن يحيى بن سعيد قال: قال شعبة: لو أن عبد الملك جاء بمثله آخر أو اثنين لتركت حديثه، يعني حديث الشفعة (٥). وقال (٦) أبو قدامة عن يحيى القطان قولَه: لو روى عبد الملك بن أبي

стр. 1176

سليمان حديثًا آخر مثل حديث الشفعة لتركتُ حديثه (١). وقال بعض الناس: هذا رأي لعطاء، أدرجه عبد الملك في الحديث إدراجًا. فهذا ما رمى به الناسُ عبد الملك وحديثه. وقال آخرون: عبد الملك أجل وأوثق من أن يُتكلّم فيه. وكان يسمى «الميزان» لإتقانه وضبطه وحفظه (٢)، ولم يتكلم فيه أحد قط إلا شعبة، وتكلم فيه من أجل هذا الحديث، وهو كلام باطل، فإنه إذا لم يُضعِّفه إلا من أجل هذا [ق ١٩٧] الحديث كان ذلك دورًا باطلًا، فإنه لا يثبت ضعف الحديث حتى يثبت ضعف عبد الملك؛ فلا يجوز أن يستفاد ضعفه من ضعف الحديث الذي لم يُعلَم ضعفه إلا من جهة عبد الملك، ولم يُعلَم ضعف عبد الملك إلا بالحديث؛ وهذا محال من الكلام، فإن الرجل من الثقات الأثبات الحفاظ الذين لا مطمع في الطعن (٣) فيهم (٤). وقد احتج به مسلم في «صحيحه»، وخرّج له عدة أحاديث، ولم ينكِر

стр. 1177

عليه (١) تصحيحَ حديثه والاحتجاج به أحدٌ من أهل العلم، واستشهد به البخاري. ولم يروِ ما يخالف الثقات، بل روايته موافقة لحديث أبي رافع الذي أخرجه البخاري، ولحديث سمرة الذي صححه الترمذي، فجابر ثالث ثلاثة في هذا الحديث: أبي رافع، وسمرة، وجابر، فأي مطعن على عبد الملك في رواية حديث قد رواه عن النبي ﷺ جماعة من الصحابة؟ والذين ردُّوا حديثه ظنوا أنه معارض لحديث جابر الذي رواه أبو سلمة عنه: «الشفعة فيما لم يُقسَم، فإذا وقعت الحدود وصُرِّفت الطرق فلا شفعة». وفي الحقيقة لا تعارض بينهما، فإن منطوق حديث أبي سلمة انتفاء الشفعة عند تميّز الحدود وتصريف الطرق واختصاص كل ذي مُلكٍ بطريق، ومنطوقُ حديث عبد الملك إثبات الشفعة بالجوار عند الاشتراك في الطريق، ومفهومه انتفاء الشفعة عند تصريف الطرق، فمفهومه موافق لمنطوق حديث أبي سلمة وأبي الزبير، ومنطوقه غير معارض له. وهذا بيِّن، وهو أعدل الأقوال في المسألة، فإن الناس في شفعة الجوار طرفان ووسط، فأهل المدينة وأهل الحجاز وكثير من الفقهاء ينفونها مطلقًا، وأهل الكوفة يثبتونها مطلقًا، وأهل البصرة يثبتونها عند الاشتراك في حق من حقوق الملك، كالطريق والماء ونحوه، وينفونها عند تميز كل ملك بطريقه حيث لا يكون بين المُلّاك اشتراك. وعلى هذا القول تدل أحاديث جابر منطوقُها ومفهومُها، ويزول عنها التضاد والاختلاف، ويُعلَم أن عبد الملك لم يرو ما يخالف رواية غيره.

стр. 1178

والأقوال الثلاثة في مذهب أحمد (١)، وأعدلها وأحسنها هذا القول الثالث، والله الموفق للصواب. ٢٠ - باب في الرجل يُفلِس، فيجد الرجلُ متاعَه بعينه ٤٢٤/ ٣٣٧٦ - عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «أيُّما رجلٍ أَفلَس فأدرك الرجلُ متاعَه بعينِه فهو أحقُّ به من غيره». وأخرجه الباقون (٢). ٤٢٥/ ٣٣٧٧ - وعن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن رسول الله ﷺ قال: «أيُّما رجلٍ باع متاعًا، فأفلس الذي ابتاعه، ولم يقبض الذي باعه من ثمنه شيئًا، فوجد متاعه بعينه فهو أحق به، وإن مات المشتري فصاحبُ المتاع إسْوَةُ الغُرَماء» (٣). ٤٢٦/ ٣٣٧٨ - وفي رواية: «وإن كان قَضَى من ثمنها شيئًا فهو إسوة الغرماء» (٤). وهذا مرسل. ٤٢٧/ ٣٣٧٩ - وعن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة عن النبي

стр. 1179

- ﷺ نحوه، قال: «فإن كان قضاه من ثمنها شيئًا فما بقي فهو إسوة الغرماء، وأيما امرئ هلك وعنده متاع امرئ بعينه، اقتُضي منه شيء أو لم يُقتَضَ، فهو إسوة الغرماء» (١). قال أبو داود: «وحديث مالك أصح». يريد المرسل الذي تقدم. وفيه إسماعيل بن عيّاش. وقال الدارقطني (٢): ولا يثبت هذا عن الزهري مسندًا، وإنما هو مرسل. آخر كلامه (٣). قال ابن القيم ﵀: وقد أعله الشافعي (٤) بأنه كالمدرج في حديث أبي هريرة، يعني قوله: «فإن كان قضى من ثمنها شيئًا ... » إلى آخره. قال الشافعي في جواب من سأله: لِمَ لا تأخذ بحديث أبي بكر بن عبد الرحمن هذا ــ يعني المرسل ــ فقال: الذي أخذتُ به أولى من قِبَل أن ما أخذت به موصول يجمع فيه النبي ﷺ بين الموت والإفلاس (٥)، وحديث ابن شهاب منقطع،

стр. 1180

ولو لم يخالفه غيره لم يكن مما يُثبته أهلُ الحديث، ولو لم يكن في تركه حجة إلا هذا انبغى لمن عرف الحديث تركُه من الوجهين، مع أن أبا بكر بن عبد الرحمن يروي عن أبي هريرة حديثه ليس فيه ما (١) روى ابن شهاب عنه مرسلًا؛ إن كان رواه كلَّه ــ ولا أدري عمن رواه، ولعله روى أوّل الحديث وقال برأيه آخره ــ، وموجود في حديث أبي بكر عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه انتهى فيه إلى قوله: «فهو أحق به» = أشبَهَ أن يكون ما زاد على هذا قولًا (٢) من أبي بكر لا رواية. تم كلامه. وقد روى الليث (٣) بن سعد عن يحيى بن سعيد، عن أبي بكر بن حزم (٤)، عن عمر بن عبد العزيز، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة يرفعه: «أيما رجل أفلس ثم وجد رجل سلعته عنده بعينها، فهو أولى بها من غيره». قال الليث: بلغَنا أن ابن شهاب قال: «أما من مات ممن أفلس ثم وجد رجل سلعته بعينها فإنه أسوة الغرماء»، يحدث بذلك عن أبي بكر بن عبد الرحمن. قال البيهقي: هكذا وجدته غير مرفوع إلى النبي ﷺ في آخره، وفي ذلك

стр. 1181

كالدلالة على صحة ما قال الشافعي. وقال غيره: هذا الحديث قد رواه عبد الرزاق عن مالك عن ابن شهاب عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، قاله ابن عبد البر (١). وقد رواه إسماعيل بن عياش عن الزُّبَيدي، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة. ومن هذه الطريق خرّجه أبو داود (٢). والزُّبَيدي هو: محمد بن الوليد شامي حمصي. وقد قال الإمام أحمد ويحيى بن معين وغيرهما: حديث إسماعيل بن عياش عن الشاميين صحيح (٣). فهذا الحديث ــ على هذا ــ صحيح. وقد رواه موسى بن عقبة عن الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، ذكره ابن عبد البر (٤).

стр. 1182

فهؤلاء ثلاثة وصلوه عن الزهري: مالك في رواية عبد الرزاق، وموسى بن عقبة، ومحمد بن الوليد، وكونه مدرجًا لا يثبت إلا بحجة، فإن [ق ١٩٨] الراوي لم يقل: قال فلان بعد ذكره المرفوع، وإنما هو ظن. وأما قول الليث: بلغنا أن ابن شهاب: قال «أما من مات» إلى آخره، فهو مع انقطاعه ليس بصريح في الإدراج، فإنه فُسِّر قولُه بأنه رواية عن أبي بكر لا رأي منه، ولم يقل: إن أبا بكر قاله من عنده، وإنما قال يحدث بذلك عن أبي بكر، والحديث صالح للرأي والرواية، ولعله في الرواية أظهر. وبالجملة، فالإدراج بمثل هذا لا يثبت ولا يعلَّل به الحديث. والله أعلم. ٢١ - باب في الرجل يفضِّل بعض ولده على بعضٍ في النُّحْلِ ٤٢٨/ ٣٣٩٩ - عن الشعبي، عن النعمان بن بَشير، قال: أنْحَلني أبي نُحْلًا ــ قال إسماعيل بن سالم من بين القوم: نُحْلَة، غلامًا له ــ، قال: فقالت له أمِّي عَمْرة بنتُ رواحة: إيتِ رسولَ الله ﷺ فأَشهِدْه، فأتى النبيَّ ﷺ فذكر ذلك له، فقال: إني نَحَلْتُ ابني النعمانَ نُحْلًا، وإنَّ عَمْرَة سألتني أن أُشهدك على ذلك. قال: فقال: «ألك ولدٌ سواه؟»، قال: قلت: نعم، قال: «فكلهم أعطيتَ مثلَ ما أعطيتَ النعمان؟» قال: لا، قال: فقال بعض هؤلاء المحدِّثين: «هذا جَوْرٌ ــ وقال بعضهم:

стр. 1183

هذا تَلْجِئة ــ فأَشهِد على هذا غيري». قال مغيرة في حديثه: «أليس يسُرُّك أن يكونوا لك في البرِّ واللُّطفِ سواء؟» قال: نعم، قال: «فأشْهِد على هذا غيري». وذكر مجالد في حديثه: «إن لهم عليك من الحق أن تَعدِل بينهم، كما أن لك عليهم من الحق أن يَبَرُّوك». قال أبو داود: في حديث الزهري قال بعضهم: «أكُلَّ بنيك»، وقال بعضهم: «وَلَدِك»، وقال ابن أبي خالد عن الشعبي فيه: «ألَكَ بنُونَ سواه؟»، وقال أبو الضُّحى عن النعمان بن بشير: «ألكَ ولَدٌ غيرُه؟». وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه (١) بنحوه. وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه (٢) من حديث حميد بن عبد الرحمن بن عوف ومحمد بن النعمان بن بشير، عن النعمان بن بشير. قال ابن القيم ﵀: وفي لفظ في «الصحيح» (٣): «أكلَّ ولدك نحلته مثل هذا؟» قال لا، فقال رسول الله ﷺ : «فارجِعْه». وفي لفظ قال: «فرُدَّه» (٤).

стр. 1184

وفي لفظ آخر فيه: «فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم»، فرجع أبي في تلك الصدقة (١). وفي لفظ لهما (٢): «فلا تُشهدني إذًا، فإني لا أشهد على جور». وفي آخر: «فلا تُشهدني على جور» (٣). وفي آخر: «فأَشهِد على هذا غيري» (٤). وفي آخر (٥): «أيسُرُّك أن يكونوا إليك (٦) في البر سواء؟» قال: بلى، قال: «فلا إذًا». وفي لفظ آخر: «أفكلّهم أعطيت مثل ما أعطيته؟» قال: لا، قال: «فليس يصلح هذا، وإني لا أَشهَد إلا على حق» (٧). وكل هذه الألفاظ في «الصحيح» وغالبها في «صحيح مسلم»، وعند البخاري منها: «لا تشهدني على جور»، وقوله: «لا أشهد على جور» (٨)، والأمر برده.

стр. 1185

وفي لفظ: «سَوِّ بينهم» (١). وفي لفظ: «هذا جَور، أَشهد على هذا غيري» (٢). وهذا صريح في أن قوله: «أشهد على هذا غيري» ليس إذنًا، بل هو تهديد لتسميته إياه جورًا. وهذه كلها ألفاظ صحيحة صريحة في التحريم والبطلان من عشرة أوجهٍ تؤخذ من الحديث. ومنها قوله: «أشهد على هذا غيري»، فإن هذا ليس بإذن قطعًا، فإن رسول الله ﷺ لا يأذن في الجور وفيما لا يصلح وفي الباطل، فإنه قال: «إني لا أَشهَد إلا على حق»، فدل ذلك على أن الذي فعله أبو النعمان لم يكن حقًّا، فهو باطل قطعًا. فقوله: «إذًا أَشهِدْ على هذا غيري» حجة على التحريم كقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]، وقوله ﷺ : «إذا لم تستَحْيِ فاصنع ما شئت» (٣)، أي الشهادة على هذا ليست من شأني ولا تنبغي لي، وإنما هي من شأن من يشهد على الجور والباطل وما لا يصلح، وهذا في غاية الوضوح. وقد كتبت في هذه المسألة مصنفًا مفردًا استوفيتُ فيه أدلتَها، وشُبَهَ (٤) من خالف هذا الحديث ونَقْضَها عليهم (٥)، وبالله التوفيق.

стр. 1186

٢٢ - باب في تضمين العارية ٤٢٩/ ٣٤١٧ - عن الحسن، عن سَمُرة، عن النبي ﷺ قال: «على اليدِ ما أخَذَتْ حتَّى تُؤَدِّي»، ثم إن الحسن نسي فقال: هو أَمِينُك، لا ضمان عليه. وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه (١)، وقال الترمذي: حسن. وفي سماع الحسن من سمرة خلاف (٢). قال ابن القيم ﵀: اختلف أهل الحديث في سماع الحسن من سمرة على ثلاثة أقوال (٣): أحدها: صحة سماعه منه مطلقًا، وهذا قول يحيى بن سعيد، وعلي ابن المديني (٤)، وغيرهما. والثاني: أنه لا يصح سماعه منه وإنما روايته عنه من كتاب. والثالث: صحة سماعه منه لحديث العقيقة وحده. قال البخاري في «صحيحه» (٥): حدثني عبد الله بن أبي الأسود، حدثنا

стр. 1187

قريش بن أنس، عن حبيب بن الشهيد قال: أمرني ابن سيرين أن أسأل الحسن: ممن سمع حديث العقيقة؟ فسألته، فقال: من سمرة بن جندب. وفي «المسند» (١) من حديث المبارك بن فضالة عن الحسن قال: حدثنا سمرة بن جندب قال: «ما خطبنا رسول الله ﷺ خطبة إلا أمرنا بالصدقة ونهانا عن المثلة». وحديث الحسن هذا عن سمرة في العارية أخرجه الحاكم في «صحيحه» (٢)، وقال: هو على شرط البخاري. وفيما قاله نظر، فإن البخاري لم يخرج حديث العقيقة في كتابه من طريق الحسن عن سمرة، وإنما أخرجه (٣) من حديث أيوب السختياني، عن ابن سيرين، حدثنا سليمان بن عامر الضبي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مع الغلام عقيقة ... » الحديث، ثم أتبعه قول حبيب بن الشهيد: أمرني ابن سيرين أن أسأل الحسن

стр. 1188

ممن سمع حديث العقيقة؟ فسألته، فقال: من سمرة. وهذا لا يدل على أن الحسن عن سمرة من شرط كتابه، ولا أنه احتج به. * * *

стр. 1189

كتاب الأقضية ١ - باب في طلب القضاء ٤٣٠/ ٣٤٢٧ - عن سعيد المَقْبُري، عن أبي هريرة: أن رسولَ الله ﷺ قال: «مَن وَلِيَ القضاءَ فقد ذُبح بغير سِكِّينٍ». وأخرجه الترمذي (١)، وقال: حديث حسن غريب من هذا الوجه. ٤٣١/ ٣٤٢٨ - وعن المقبُري والأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «من جُعِل قاضيًا بين الناس فقد ذُبح بغير سكين» (٢). قال ابن القيم ﵀: هذا رواه النسائي (٣) من حديث ابن أبي ذئب، عن عثمان بن محمد الأخنسي، عن سعيد المَقْبُري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من استُعمِل على القضاء فكأنما ذُبح بالسكين (٤)». ثم ساقه (٥) من حديث المَخْرَمي عن الأخنسي، عن المقبري، عن أبي

стр. 1190

هريرة يرفعه، وقال: «فقد ذبح بغير سكين». ثم اعتذر عن إخراجه حديث عثمان الأخنسي فقال: «وعثمان ليس بذاك القوي، وإنما ذكرناه لئلا يُخرَج عثمان من الوسط ويُجعَل: ابن أبي ذئب عن سعيد». يعني لئلا يُدلَّس فيسقط عثمان، فإذا أسقطه أحد فليعلم أنه بالطريق. ورواه النسائي أيضًا (١) من حديث داود بن خالد [ق ١٩٩] عن المقبري عن أبي هريرة. وليس في هذا الطريق ذكر الأخنسي، ولكن قال النسائي (٢): داود بن خالد ليس بالمشهور. ٢ - باب اجتهاد الرأي في القضاء ٤٣٢/ ٣٤٤٧ - عن الحارث بن عمرو ابن أخي المغيرة بن شُعبة، عن أناس من أهل حِمْصَ من أصحاب معاذ: أن رسول الله ﷺ لما أراد أن يبعث معاذًا إلى اليمن قال: «كيف تَقضي إذا عَرَض لك قضاء؟» قال: أقضي بكتاب الله، قال: «فإن لم تَجِد في كتاب الله؟» قال: فبِسُنَّة رسول الله ﷺ ، قال: «فإن لم تَجِدْ في سُنة رسول الله ولا في كتاب الله؟» قال: أجتهد رأيي ولا آلو، فضربَ رسول الله ﷺ صَدْره وقال: «الحمدُ لله الذي وَفَّقَ رسولَ رسولِ الله لما يُرضي رسولَ الله ﷺ ». ٤٣٣/ ٣٤٤٨ - وفي رواية عن الحارث بن عمرو، عن ناس من أصحاب معاذ، عن معاذ بن جبل أن رسول الله ﷺ لمّا بعثه إلى اليمن ــ فذكر معناه ــ. وأخرجه الترمذي (٣) وقال: هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وليس إسناده عندي بمتصل.

стр. 1191

وقال البخاري في «التاريخ الكبير» (١): الحارث بن عمرو ابن أخي المغيرة بن شعبة الثقفي عن أصحاب معاذ عن معاذ، روى عنه أبو عون، ولا يصحّ، ولا يعرف إلا بهذا، مرسل. قال ابن القيم ﵀: وقد أخرجه ابن ماجه في «سننه» (٢) من حديث يحيى بن سعيد الأموي، عن محمد بن سعيد بن حسان، عن عُبادة بن نُسَيّ، عن عبد الرحمن بن غَنْم، حدثنا معاذ بن جبل قال: لما بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن قال: «لا تَقْضِيَنَّ ولا تَفصِلنَّ إلا بما تَعلم، وإن أشكل عليك أمر فقِفْ حتى تَبَيَّنه أو تكتبَ إليّ فيه». وهذا أجود إسنادًا من الأول (٣)، ولا ذكر فيه للرأي.

стр. 1192

٣ - باب في الصلح ٤٣٤/ ٣٤٤٩ - عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «الصُّلح جائز بين المسلمِين»، زاد أحمد ــ وهو ابن عبد الواحد ــ: «إلا صُلحًا أحَلَّ حرامًا أو حرَّم حلالًا»، وزاد سليمان بن داود ــ وهو المهري ــ: وقال رسول الله ﷺ : «المسلمون على شُروطِهم» (١). في إسناده كثير بن زيد أبو محمد الأسلمي مولاهم المدني، قال ابن معين: ثقة، وقال مرَّة: ليس بشيء، وقال مَرَّة: ليس بذاك القوي، وتكلم فيه غيره (٢). قال ابن القيم ﵀: وقد روى الترمذي (٣) من حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني، عن أبيه، عن جده أن رسول الله ﷺ قال: «الصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحًا حرّم حلالًا أو أحلّ حرامًا، والمسلمون على شروطهم، إلا شرطًا حرّم حلالًا أو أحل حرامًا (٤)». وقال: هذا حديث حسن صحيح. وفي كثير من النسخ: «حسن» فقط (٥).

стр. 1193

وقد استُدرك على الترمذي تصحيح كثيرٍ هذا، فإنه ضعيف؛ قال عبد الله بن أحمد (١): أمرني أبي أن أضرب على حديثه، وقال مرة: ضرب أبي على حديثه، فلم يحدّثنا به وقال: هو ضعيف الحديث. وقال ابن معين (٢): ليس بشيء. وقد روى الدارقطني في «سننه» (٣) حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «الصلح جائز بين المسلمين» من طريق عفان (٤)، حدثنا حماد بن زيد، عن ثابت، عن أبي رافع، عن أبى هريرة وقال: هذا صحيح الإسناد. وأخرجه الحاكم في «المستدرك» (٥) من هذا الوجه، وقال: صحيح على شرطهما. قلت: وعلته أنه من رواية عبد الله بن الحسين (٦) المِصِّيصي عن عفان، وقد قال ابن حبان (٧): كان يَقْلِب الأخبار ويسرقها، لا يُحتجّ بما انفرد به. وقال الحاكم: المصيصي ثقة، تفرد به.

стр. 1194

٤ - باب شهادة أهل الذمة على الوصية في السفر ٤٣٥/ ٣٤٥٩ - عن الشَّعبي أن رجلًا من المسلمين حضرته الوفاةُ بِدَقُوقاء هذه، ولم يجد أحدًا من المسلمين يُشهده على وصيته، فأَشهد رجلين من أهل الكتاب، فقدِما الكوفةَ فأتيا الأشعريَّ ــ هو أبو موسى ــ فأخبراه، وقدِما بتركته ووصيته، فقال الأشعري: هذا أمر لم يكن بعدَ الذي كان في عهد رسول الله ﷺ ، فأَحلفهما بعد العصر بالله ما خانا ولا كذبا، ولا بدَّلا ولا كتما ولا غيَّرا، وإنها لوصيةُ الرجل وترِكَتُه، فأمضى شهادتَهما (١). ٤٣٦/ ٣٤٦٠ - وعن ابن عباس قال: خرج رجل من بني سَهْمٍ مع تميمٍ الداريِّ وعديِّ بن بَدَّاء، فمات السَّهمي بأرض ليس بها مسلم، فلما قدِما بتركته فقدُوا جامَ فِضَّةٍ مُخوًّصًا بالذهب، فأحلفهما رسولُ الله ﷺ ، ثم وُجد الجام بمكة، فقالوا: اشتريناه من تميم وعديٍّ، فقام رجلان من أولياء السَّهمي فحلفا: لَشهادتُنا أحقُّ من شهادتهما، وإن الجام لصاحبهم، قال: فنزلت فيهم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ الآية [المائدة: ١٠٦]. وأخرجه الترمذي (٢) وقال: حسن غريب. وأخرجه البخاري (٣) فقال: وقال لي علي بن عبد الله ــ يعني ابن المديني ــ: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا ابن أبي زائدة، عن محمد بن أبي القاسم، عن عبد الملك بن سعيد بن جبير، عن أبيه، عن ابن عباس، فذكره. قيل: وهذا يدل على أنه ليس من شرطه، وهذه عادته فيما ليس من شرطه أن

стр. 1195

لا يصرّح بالتحديث بل يقول: «قال لي» ونحوه (١). قال ابن القيم ﵀: وهذا تعليل فاسد، فإن البخاري رواه في «صحيحه» مسندًا متّصلًا، وقوله: «قال لي» طريق من طرق الرواية، ليس بموجبةٍ لتعليل الإسناد، فالتعليل بها عَنَت. وقال علي ابن المديني (٢): هذا حديث حسن، ولا أعرف ابن أبي القاسم. وقال غيره: هو محمد بن أبي القاسم الطويل، قال يحيى بن معين (٣): ثقة، كتبت عنه. وقد تأول قوم الآية تأويلات باطلة: فمنهم من قال: كلها في المسلمين، وقوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ يعني من غير قبيلتكم. وهذا باطل فإن الله افتتح الخطاب بـ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ثم قال: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾، ومعلوم أن غير المؤمنين هم الكفار، ولم يخاطب الله سبحانه بهذه الآية قبيلة دون قبيلة، بل الخطاب بها على عادة خطاب القرآن لعموم المؤمنين. وحديث ابن عباس صريح في المراد بها، وأن الشهود من أهل الكتاب.

стр. 1196

وقال بعضهم: الشهادة هنا بمعنى الحضور لا الإخبار. وهذا إخراج للكلام عن الفائدة، وحمله على خلاف مراده، والسياق يبطل هذا التأويل المستنكر. وقال بعضهم: الشهادة هنا بمعنى اليمين. وظاهر السياق بل صريحه يشهد بأنها شهادة صريحة مؤكَّدة باليمين، فلا يجوز تعطيل وصف الشهادة. وقال بعضهم: الآية منسوخة. وهذه دعوى باطلة، فإن المائدة من آخر القرآن نزولًا، ولم يجئ بعدها ما ينسخها، فلو قدر نصٌّ يعارِض هذا من كل وجه لكان منسوخًا بآية المائدة. وقال بعضهم: هذه الآية تُرِك العمل بها إجماعًا. وهذا مجازفة وقول بلا علم، فالخلاف فيها أشهر من أن يخفى، وهي مذهب كثير من السلف (١)، وحكم بها أبو موسى الأشعري (٢)، وذهب إليها الإمام أحمد (٣). ٥ - باب إذا علم الحاكم صدق الشاهد الواحد يجوز له أن يحكم به ٤٣٧/ ٣٤٦١ - عن عُمارة بن خُزيمة أن عمَّه حدثه ــ وهو من أصحاب النبي ﷺ ــ: أن النبي ﷺ ابتاع فرسًا من أعرابي، فاستتبعه النبيُّ ﷺ ليقضيَه ثمنَ فرسه، فأسرع النبيُّ ﷺ المشيَ وأبطأ الأعرابيُّ، فطفِقَ رجال يعترضون الأعرابيَّ فيساومونه الفرسَ ولا يشعرون أنَّ النبي ﷺ ابتاعه، فنادى الأعرابيُّ رسولَ الله ﷺ

стр. 1197

فقال: إن كنتَ مبتاعًا هذا الفرسَ وإلا بعتُه، فقام النبي ﷺ حين سمع نداء الأعرابي فقال: «أوَليسَ قد ابتَعْتُه منك؟»، فقال الأعرابيُّ: لا واللهِ ما بعتُك! فقال النبي ﷺ : «بلى قد ابتَعْتُه منك»، فطفق الأعرابي يقول: هَلُمَّ شَهِيدًا، فقال خُزيمة بن ثابت: أنا أشهد أنك قد بايعته، فأقبل النبي ﷺ على خزيمة فقال: «بِمَ تَشهَد؟» فقال: بتصديقك يا رسول الله، فجعل رسولُ الله ﷺ شهادةَ خزيمة بشهادة رجلين. وأخرجه النسائي (١). وهذا الأعرابي هو: سَواءُ بن الحارثِ ــ وقيل: قيسٍ ــ المُحاربي، ذكره غير واحد في الصحابة. وقيل: إنه جحد البيع بأمر بعض المنافقين. وقيل: إن هذا الفرس هو «المرتجز» المذكور في أفراس النبي ﷺ . وقال الشافعي (٢): وقد حفظ عن النبي ﷺ أنه بايع أعرابيًا في فرس فجحد الأعرابي بأمر بعض المنافقين ولم يكن بينهما بينة، فلو كان حتمًا لم يبايع رسول الله ﷺ بلا بينة ــ يريد قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]ــ (٣). قال ابن القيم ﵀: وقد احتج بهذا الحديث من يرى أن للحاكم أن يحكم بعلمه، قال: وجرت شهادة خزيمة في ذلك مجرى التوكيد والاستظهار، ولهذا لم يكن معها يمين (٤).

стр. 1198

وهذا القول باطل، والنبي ﷺ إنما أمضى البيع بشهادة خزيمة وجعلها بمنزلة شاهدين، وهذا لأن شهادة خزيمة على البيع ــ ولم يره ــ استندت إلى أمرٍ هو أقوى من الرؤية، وهو تصديق رسول الله ﷺ بالبراهين الدالة على صدقه، وأن كل ما يخبر به حق وصدق قطعًا، فلما كان من المستقر عنده أنه [ق ٢٠٠] الصادق في خبره، البارُّ في كلامه، وأنه يستحيل عليه غير ذلك البتة= كان هذا من أقوى التحمّلات، فجزم بأنه بايعه كما يجزم لو رآه وسمعه. بل هذه الشهادة مستندة إلى محض الإيمان، وهي من لوازمه ومقتضاه، ويجب على كل مسلم أن يشهد بما شهد به خزيمة، فلما تميّزت عن شهادة الرؤية والحس التي يشترك فيها العدل وغيره أقامها النبي ﷺ مقام شهادة رجلين. ٦ - باب القضاء باليمين مع الشاهد ٤٣٨/ ٣٤٦٢ - عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ قضى بيمين وشاهد. ٤٣٩/ ٣٤٦٣ - وفي رواية: قال عمرو ــ يعني ابن دينار ــ: «في الحقوق». وأخرجه مسلم (١).

стр. 1199

٤٤٠/ ٣٤٦٤ - وعن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قضى باليمين مع الشاهد. وأخرجه ابن ماجه والترمذي (١)، وقال: حسن غريب. قال ابن القيم ﵀: قال ابن أبي حاتم في كتاب «العلل» (٢): سألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه ربيعة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قضى بشاهد ويمين؟ فقالا: هو صحيح، قلت: فإنَّ (٣) بعضهم يقول: عن سهيل عن أبيه عن زيد بن ثابت؟ فقالا: وهذا صحيح أيضًا، هما جميعًا صحيحان. وقد روى ابن ماجه (٤) عن جابر: أن النبي ﷺ قضى باليمين مع الشاهد.

стр. 1200

ورواه الإمام أحمد في «مسنده». وفي «المسند» (١) أيضًا عن عمارة بن حزم: أن رسول الله ﷺ قضى باليمين مع الشاهد. وفي «المسند» (٢) أيضًا عن سعد بن عبادة: أن رسول الله ﷺ قضى باليمين مع الشاهد. وفي «المسند» (٣) أيضًا عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي: أن النبي ﷺ قضى بشهادة شاهد واحد ويمين صاحب الحق، وقضى به علي بالعراق.

стр. 1201

وروى ابن ماجه (١) عن سُرَّق: أن النبي ﷺ أجاز شهادة رجل ويمين الطالب. وأُعِلّ حديث أبي هريرة وحديث ابن عباس، وهما أجود ما في الباب. أما حديث أبي هريرة، قالوا يرويه سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة، رواه عنه ربيعة، قال الدَّراوَرْدي (٢): فذكرت ذلك لسهيل، فقال: أخبرني رَبيعة ــ وهو عندي ثقة ــ أني حدّثته إياه، ولا أحفظه. قال عبد العزيز: وكان أصاب سهيلًا علةٌ أذهبت عقلَه، ونسي بعضَ حديثه، فكان سهيل يحدثه عن ربيعة عنه عن أبيه. والجواب عن هذا من وجوه: أحدها: أن هذا لو ثبت لكان تعليلًا لبعض طرق حديث أبي هريرة، ولا يلزم من تعليل هذه الطريق تعليل أصل الحديث، فقد رواه أبو الزناد عن الأعرج عنه، ومن هذه الطريق خرَّجه النسائي (٣).

стр. 1202

الثاني: أن هذا يدل على صدق الحديث فإن سهيلًا صدّق ربيعة، وكان يرويه عنه عن نفسه، ولكنه نسيه وليس نسيان الراوي حجةً على من حفظ. الثالث: أن ربيعة من أوثق الناس، وقد أخبر أنه سمعه من سهيل، فلا وجه لرد حديثه ولو أنكره سهيل، فكيف ولم ينكره؟ وإنما نسيه للعلة التي أصابته، وقد سمعه منه ربيعة قبل أن تصيبه تلك العلة. وأما حديث ابن عباس، فيرويه عمرو بن دينار عنه عن النبي ﷺ ، وقد روي عن عمرو بن دينار عن محمد بن علي أن النبي ﷺ قضى بالشاهد واليمين (١). وهذا أيضًا تعليل باطل لا يُعترض بمثله على السنن الصحيحة، وقد رواه الناس عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس عن النبي ﷺ ، وصححه مسلم، وقال النسائي (٢): إسناد جيد، وساقه من طرق عن عمرو بن دينار عن ابن عباس.

стр. 1203

وقال الشافعي (١): هو حديث ثابت عن رسول الله ﷺ لا يردُّ أحدٌ من أهل العلم مثلَه لو لم يكن معه غيره، مع أن معه غيره مما يشده. وقال الشافعي (٢): قال لي محمد بن الحسن: لو علمتُ أن سيف بن سليمان يروي حديث اليمين مع الشاهد ــ يعني حديث ابن عباس ــ لأفسدتُه عند الناس. قلت: يا أبا عبد الله، إذا أفسدتَه فسد؟ وسيف هذا ثقة، اتفق الشيخان على الاحتجاج بحديثه. قال علي ابن المديني (٣): سألت يحيى بن سعيد عن سيف بن سليمان، فقال: كان عندي ثبتًا ممن يَصْدُق ويحفظ. وقال النسائي (٤): وسيف بن سليمان ثقة. وأعله الطحاوي (٥) وقال: إنه منكر، وقال: قيس بن سعد لا نعلم يحدث عن عمرو بن دينار بشيء. وهذه علة باطلة، لأن قيسًا ثقة ثبت غير معروف بتدليس، وقيس وعمرو مكّيّان في زمان واحد، وإن كان عمرو أسنَّ وأقدم وفاة منه، وقد روى قيس عن عطاء ومجاهد، وهما أكبر سِنًّا وأقدم موتًا من عمرو. وقد روى عن عمرٍو من هو في قرن قيس وهو أيوب السَّختياني، فمِن أين جاء إنكار رواية

стр. 1204

قيس عن عمرو؟ وقد روى جرير بن حازم عن قيس بن سعد عن عمرو بن دينار عن ابن جبير عن ابن عباس قصة المُحرِم الذي وقصته ناقته (١)، وهو من أصح الأحاديث. فقد تبين أن قيسًا روى عن عمرٍو غيرَ حديث، ولم يعللها أحد من أئمة الحديث بانقطاع أصلًا. وقد تابع قيسًا محمدُ بن مسلم الطائفي عن عمرو عن ابن عباس، ذكره النسائي وأبو داود. والحديث مروي من وجوه عن ابن عباس، فهو ثابت لا مطمع في رده بحمد الله. وقد أعله طائفة بالإرسال بأن عمرو بن دينار رواه عن محمد بن علي عن النبي ﷺ مرسلًا. [ق ٢٠١] وهذا أيضًا تعليل فاسد لا يؤثر في الحديث، لأن راويه عن عمرو مرسلًا إنسان ضعيف لا يعترض بروايته على الثقات. قال النسائي (٢): ورواه إنسان ضعيف فقال: عن عمرو بن دينار عن محمد بن علي مرسل، قال: وهو متروك الحديث، ولا يحكم بالضعفاء على الثقات. تم كلامه. وهذه العلل وأمثالها عَنَت، لا يُترَك لها الأحاديث الثابتة، ولو تركت السنن بمثلها لوُجِد السبيل إلى ترك عامة الأحاديث الصحيحة (٣) بمثل هذه الخيالات.

стр. 1205

وهذه الطريق في مقابلها طريق الأصوليين وأكثرِ الفقهاء: أنهم لا يلتفتون إلى علَّةٍ للحديث إذا سلمت طريق من الطرق منها، فإذا وصله ثقة أو رفعه لا يبالون بخلاف مَن خالفه ولو كثُروا. والصواب في ذلك طريقة أئمة هذا الشأن العالمين به وبعلله، وهو النظر والتمهُّر في العلل، والنظر في الواقفين والرافعين والمرسلين والواصلين: أيّهم (١) أكثر وأوثق وأخص بالشيخ وأعرف بحديثه، إلى غير ذلك من الأمور التي يجزمون معها بالعلة المؤثرة في موضع، وبانتفائها في موضع؛ لا يرتضون طريق هؤلاء، ولا طريق هؤلاء. والمقصود أن هذا الأصل قد رواه عن النبي ﷺ عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وابن عمر، وعبد الله بن عمرو، وسعد بن عبادة، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عباس، وأبو هريرة، وسُرَّق، وعمارة بن حزم، وجماعة من الصحابة، وعمرو بن شعيب مرسلًا ومتصلًا ــ والمنقطع أصح ــ، وأبو سعيد الخدري، وسهل بن سعد. فحديث ابن عباس رواه مسلم. وحديث أبي هريرة حسن، صححه أبو حاتم الرازي. وحديث جابر: حسن، وله علة، وهي الإرسال، قاله أبو حاتم الرازي (٢). وحديث زيد بن ثابت صححه أبو زرعة وأبو حاتم، رواه سهيل عن أبيه

стр. 1206

عن زيد بن ثابت: أن رسول الله ﷺ قضى بشاهد ويمين. وحديث سعد بن عبادة رواه الترمذي والشافعي وأحمد (١). وحديث سُرَّق رواه ابن ماجه وتفرد به، وله علة: رواية ابن البَيْلَماني عنه. وحديث الزُّبَيب: حسن، رواه عنه [عمّار بن] شُعيث (٢) بن عبد الله بن الزبيب العنبري، حدثني أبي قال: سمعت جدي الزُّبَيب (٣). وشُعَيث ذكره ابن حبان في «الثقات» (٤). وحديث عمرو بن شعيب رواه مسلم الزَّنْجي عن ابن جريج عن عمرو: أن رسول الله ﷺ قضى باليمين مع الشاهد، منقطعًا (٥)، وهو الصحيح.

стр. 1207

وحديث أبي سعيد رواه الطبراني في «معجمه الصغير» (١) بإسناد ضعيف. وحديث سهل بن سعد رواه أبو بكر بن أبي سبرة (٢) ــ ضعيف ــ، عن أبي حازم، عن سهل (٣). فالعمدة على الأحاديث الثابتة، وبقيتها شواهد لا تضر. ٧ - باب الرجلين يدّعيان شيئًا وليست لهما بينة ٤٤١/ ٣٤٦٦ - عن أبي موسى الأشعري: أن رجلين ادَّعَيا بعيرًا أو دابة إلى النبي ﷺ ليست لواحد منهما بينة، فجعله النبي ﷺ بينهما. وأخرجه النسائي وابن ماجه (٤). ٤٤٢/ ٣٤٦٧ - وفي رواية: أن رجلين ادعيا بعيرًا على عهد النبي ﷺ ، فبعث

стр. 1208

كلُّ واحد منهما شاهدين، فقسمه النبي ﷺ بينهما نصفين (١). وأخرجه النسائي (٢)، وقال: «هذا خطأ، ومحمد بن كثير هذا هو المصيصي، وهو صدوق إلا أنه كثير الخطأ»، وذكر أنه خُولف في إسناده ومتنه. قال ابن القيم ﵀: فقال (٣): خالفه سعيد بن أبي عروبة في إسناده ومتنه، ثم ساقه (٤) من حديث سعيد عن قتادة، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، عن أبي موسى: أن رجلَين اختصما إلى النبي ﷺ في دابة ليست لواحد منهما (٥) بينة، فقضى بها بينهما نصفين. ثم قال: إسناد هذا الحديث جيد. والحديث الذي أنكره النسائي قد خرّجه أبو داود من غير طريق محمد بن كثير، خرجه بإسناد كلهم ثقات؛ رواه من حديث همام عن قتادة عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن أبي موسى. ورواه الضحاك بن حُمْرَة (٦) عن قتادة، عن أبي مِجلَز، عن أبي بردة، عن أبيه (٧) أبي موسى (٨).

стр. 1209

وروي عن حماد بن سلمة، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن أبي بردة، عن أبي موسى (١). وقيل: عن حماد، عن قتادة، عن النضر، عن بشير بن نَهِيك، عن أبي هريرة (٢). قال البيهقي: وليس بمحفوظ. قال (٣): والأصل في هذا الباب حديث سماك بن حرب عن تميم بن طَرَفة: أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ في بعير فأقام كل واحد منهما شاهدَين فقضى به بينهما نصفين (٤)، وهذا منقطع. وقال الترمذي في كتاب «العلل» (٥): سألت محمد بن إسماعيل عن حديث سعيد بن أبي بردة عن أبيه في هذا الباب؟ فقال: يرجع هذا الحديث إلى حديث سماك بن حرب عن تميم بن طرفة. قال محمد: روى حماد بن سلمة قال (٦): قال سماك بن حرب: أنا حدّثتُ أبا بردة بهذا الحديث. تم

стр. 1210

كلامه. وقد رواه غندر عن شعبة عن قتادة، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه مرسلًا (١)، قال البيهقي: وإرسال شعبة له كالدلالة على صحة ما قال البخاري. * * *

стр. 1211

كتاب العلم ١ - في كتاب العلم (١) ٤٤٣/ ٣٤٩٩ - عن عبد الله بن عمرو قال: كنت أكتب كلَّ شيء أسمعه من رسول الله ﷺ أريد حفظه، فنَهَتْني قريش وقالوا: أتكتب كل شيء تسمعه ورسول الله ﷺ بشر يتكلم في الغضب والرضا؟! فأمسكتُ عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فأومأ بإصبعه إلى فيه فقال: «اكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق» (٢). ٤٤٤/ ٣٥٠٠ - وعن المطَّلب بن عبد الله بن حَنْطَب قال: دخل زيدُ بن ثابت على معاوية فسأله عن حديث، فأمر إنسانًا يكتبُه، فقال له زيدٌ: «إن رسول الله ﷺ أمرنا أن لا نكتبَ شيئًا من حديثه»، فمحاه (٣). في إسناده كثير بن زيد الأسلمي مولاهم المدني، وفيه مقال (٤). والمطلب بن عبد الله بن حنطب قد وثَّقه غير واحد. وقال محمد بن

стр. 1212

سعد (١): كان كثير الحديث، وليس يحتجّ بحديثه لأنه يُرسل عن النبي ﷺ وليس له لُقي، وعامَّة أصحابه يدلِّسون. هذا آخر كلامه. وقد قيل: إنه سمع من عمر، وأن الأوزاعي روى عنه. والظاهر أنهما اثنان، لأن الراوي عن عمر لم يُدركه الأوزاعي (٢). وقد أخرج مسلم في «الصحيح» (٣) من حديث أبي سعيد الخدري: أن رسول الله ﷺ قال: «لا تكتبوا عنّي، ومن كتب عنّي غيرَ القرآن فليَمْحُه ... » الحديث (٤). قال ابن القيم ﵀: قد صح عن النبي ﷺ النهي عن الكتابة والإذنُ فيها، والإذن متأخر، فيكون ناسخًا لحديث النهي، فإن النبي ﷺ قال في غزاة الفتح: «اكتبوا لأبي شاه» (٥) يعني خطبته التي سأل كتابتها، [ق ٢٠٢] وأذن لعبد الله بن عمرو في الكتابة (٦)، وحديثه متأخر عن النهي لأنه لم يزل يكتب ومات وعنده كتابه، وهي الصحيفة التي كان يسميها «الصادقة» (٧)، ولو كان
следующие страницы →