← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 201

تهذيب سنن أبي داود - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 675 стр.). Показаны 1208–1247 · переход к 1213.

стр. 1208

كلُّ واحد منهما شاهدين، فقسمه النبي ﷺ بينهما نصفين (١). وأخرجه النسائي (٢)، وقال: «هذا خطأ، ومحمد بن كثير هذا هو المصيصي، وهو صدوق إلا أنه كثير الخطأ»، وذكر أنه خُولف في إسناده ومتنه. قال ابن القيم ﵀: فقال (٣): خالفه سعيد بن أبي عروبة في إسناده ومتنه، ثم ساقه (٤) من حديث سعيد عن قتادة، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، عن أبي موسى: أن رجلَين اختصما إلى النبي ﷺ في دابة ليست لواحد منهما (٥) بينة، فقضى بها بينهما نصفين. ثم قال: إسناد هذا الحديث جيد. والحديث الذي أنكره النسائي قد خرّجه أبو داود من غير طريق محمد بن كثير، خرجه بإسناد كلهم ثقات؛ رواه من حديث همام عن قتادة عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن أبي موسى. ورواه الضحاك بن حُمْرَة (٦) عن قتادة، عن أبي مِجلَز، عن أبي بردة، عن أبيه (٧) أبي موسى (٨).

стр. 1209

وروي عن حماد بن سلمة، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن أبي بردة، عن أبي موسى (١). وقيل: عن حماد، عن قتادة، عن النضر، عن بشير بن نَهِيك، عن أبي هريرة (٢). قال البيهقي: وليس بمحفوظ. قال (٣): والأصل في هذا الباب حديث سماك بن حرب عن تميم بن طَرَفة: أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ في بعير فأقام كل واحد منهما شاهدَين فقضى به بينهما نصفين (٤)، وهذا منقطع. وقال الترمذي في كتاب «العلل» (٥): سألت محمد بن إسماعيل عن حديث سعيد بن أبي بردة عن أبيه في هذا الباب؟ فقال: يرجع هذا الحديث إلى حديث سماك بن حرب عن تميم بن طرفة. قال محمد: روى حماد بن سلمة قال (٦): قال سماك بن حرب: أنا حدّثتُ أبا بردة بهذا الحديث. تم

стр. 1210

كلامه. وقد رواه غندر عن شعبة عن قتادة، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه مرسلًا (١)، قال البيهقي: وإرسال شعبة له كالدلالة على صحة ما قال البخاري. * * *

стр. 1211

كتاب العلم ١ - في كتاب العلم (١) ٤٤٣/ ٣٤٩٩ - عن عبد الله بن عمرو قال: كنت أكتب كلَّ شيء أسمعه من رسول الله ﷺ أريد حفظه، فنَهَتْني قريش وقالوا: أتكتب كل شيء تسمعه ورسول الله ﷺ بشر يتكلم في الغضب والرضا؟! فأمسكتُ عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فأومأ بإصبعه إلى فيه فقال: «اكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق» (٢). ٤٤٤/ ٣٥٠٠ - وعن المطَّلب بن عبد الله بن حَنْطَب قال: دخل زيدُ بن ثابت على معاوية فسأله عن حديث، فأمر إنسانًا يكتبُه، فقال له زيدٌ: «إن رسول الله ﷺ أمرنا أن لا نكتبَ شيئًا من حديثه»، فمحاه (٣). في إسناده كثير بن زيد الأسلمي مولاهم المدني، وفيه مقال (٤). والمطلب بن عبد الله بن حنطب قد وثَّقه غير واحد. وقال محمد بن

стр. 1212

سعد (١): كان كثير الحديث، وليس يحتجّ بحديثه لأنه يُرسل عن النبي ﷺ وليس له لُقي، وعامَّة أصحابه يدلِّسون. هذا آخر كلامه. وقد قيل: إنه سمع من عمر، وأن الأوزاعي روى عنه. والظاهر أنهما اثنان، لأن الراوي عن عمر لم يُدركه الأوزاعي (٢). وقد أخرج مسلم في «الصحيح» (٣) من حديث أبي سعيد الخدري: أن رسول الله ﷺ قال: «لا تكتبوا عنّي، ومن كتب عنّي غيرَ القرآن فليَمْحُه ... » الحديث (٤). قال ابن القيم ﵀: قد صح عن النبي ﷺ النهي عن الكتابة والإذنُ فيها، والإذن متأخر، فيكون ناسخًا لحديث النهي، فإن النبي ﷺ قال في غزاة الفتح: «اكتبوا لأبي شاه» (٥) يعني خطبته التي سأل كتابتها، [ق ٢٠٢] وأذن لعبد الله بن عمرو في الكتابة (٦)، وحديثه متأخر عن النهي لأنه لم يزل يكتب ومات وعنده كتابه، وهي الصحيفة التي كان يسميها «الصادقة» (٧)، ولو كان

стр. 1213

النهي عن الكتاب متأخرًا لمحاها عبد الله لأمر النبي ﷺ بمحو من كتب عنه غير القرآن، فلما لم يمحها وأثبتها دل على أن الإذن في الكتابة متأخر عن النهي عنها، وهذا واضح، والحمد لله. وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال لهم في مرض موته: «ائتوني باللوح والدواة والكتف لأكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعده أبدًا» (١). وهذا إنما كان يكون كتابة كلامه بأمره وإذنه. وكتب النبي ﷺ لعمرو بن حزم كتابًا عظيمًا في الديات وفرائض الزكاة وغيره (٢). وكتبه في الصدقات معروفة مثل كتاب عمر بن الخطاب (٣)، وكتاب

стр. 1214

أبي بكر الصديق الذي دفعه إلى أنس (١). وقيل لعلي: هل خَصَّكم رسول الله ﷺ بشيء؟ فقال: لا، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا ما في هذه الصحيفة، وكان فيها العقول وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مؤمن بكافر (٢). وإنما نهى النبي ﷺ عن كتابة غير القرآن في أول الإسلام لئلا يختلط القرآن بغيره؛ فلما عُلِم القرآن، وتميَّز وأفرد بالضبط والحفظ، وأُمنِت عليه مفسدةُ الاختلاط= أذن في الكتابة. وقد قال بعضهم: إنما النهي عن كتابة مخصوصة، وهي أن يجمع بين كتابة الحديث والقرآن في صحيفة واحدة، خشية الالتباس. وكان بعض السلف يكره الكتابة مطلقًا، وكان بعضهم يرخص فيها حتى يحفظ، فإذا حفظ محاها (٣). وقد وقع الاتفاق على جواز الكتابة وإبقائها، ولولا الكتابة لم يكن بأيدينا اليوم من السنة إلا أقلُّ القليل.

стр. 1215

٢ - التشديد في الكذب على رسول الله ﷺ - ٤٤٥/ ٣٥٠٤ - عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، قال: قلت للزبير: ما يمنعك أن تُحدِّثَ عن رسول الله ﷺ ، كما يُحدِّث عنه أصحابه؟ فقال: أمَا والله لقد كان لي منه وَجْهٌ ومنزلة، ولكني سمعتُه يقول: «من كذبَ عليَّ متعمدًا فليَتبَوَّأْ مَقعدَه من النار». وأخرجه البخاري والنسائي وابن ماجه (١). وليس في حديث البخاري والنسائي: «متعمدًا»، والمحفوظ في حديث الزبير أنه ليس فيه «متعمدًا». وقد روي عن الزبير أنه قال: والله ما قال «متعمدًا»، وأنتم تقولون «متعمدًا» (٢). قال ابن القيم ﵀: وفي «الصحيحين» (٣) عن علي أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «من تعمَّد عليَّ كذبًا فليتبوأ مقعده من النار». وفيهما أيضًا (٤) عن المغيرة بن شعبة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنَّ كذبًا عليّ ليس ككذب على غيري، فمن كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار».

стр. 1216

وفيهما أيضًا (١): عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من كذب علي متعمِّدًا فليتبوأ مقعده من النار». وفي «صحيح البخاري» (٢) عن سلمة بن الأكوع قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «مَن يَقُلْ عليَّ ما لم أقُل فليتبوأ مقعده من النار». ٣ - باب كراهية منع العلم ٤٤٦/ ٣٥١١ - عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «مَن سُئل عن علم فكتمه أَلجَمَه الله بِلِجامٍ من نارٍ يومَ القيامة». وأخرجه الترمذي وابن ماجه (٣)، وقال الترمذي: حديث حسن. هذا آخر كلامه. وقد روي عن أبي هريرة من طريق فيها مقال. والطريق التي أخرجه بها أبو داود طريق حسن، فإنه رواه عن التَّبوذَكيِّ (وقد احتج به البخاري ومسلم)، عن حماد بن سلمة (وقد احتج به مسلم، واستشهد به البخاري)، عن علي بن الحَكَم (وهو أبو الحكم البُناني، قال الإمام أحمد: ليس به بأس، وقال أبو حاتم الرازي: لا بأس به صالح الحديث (٤))، عن عطاء بن أبي رباح (وقد اتفق الإمامان على الاحتجاج به). قال ابن القيم ﵀: ولهذا صححه جماعة منهم ابن حبان وغيره (٥).

стр. 1217

ورواه ابن خزيمة (١): حدثنا حفص بن عمرو الرَّبَالي (٢)، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم الكرابيسي، حدثنا ابن عون، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة مرفوعًا، وهؤلاء كلهم ثقات. ورواه ابن ماجه (٣) عن محمد بن عبد الله الأنصاري عن إسماعيل بن إبراهيم به. ومِن أجودها أيضًا حديث عبد الله بن عمرو، رواه الجماعة (٤) عن ابن

стр. 1218

وهبٍ الإمام، عن عبد الله بن عيّاش (١)، عن أبيه، عن أبي عبد الرحمن، عن عبد الله بن عمرو يرفعه، وهذا إسناد صحيح. وقد ظنَّ أبو الفرج بن الجوزي (٢) أن هذا هو ابن وهب النَّسَوي الذي قال فيه ابن حبان (٣): «يضع الحديث»، فضعف الحديث به. وهذا من غَلَطاته، بل هو ابن وهب (٤) الإمام العَلَم، والدليل عليه: أن الحديث من رواية أصبغ بن الفَرَج، ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم، وغيرهما (٥) من أصحاب ابن وهب عنه. والنَّسَوي متأخر، من طبقة يحيى بن صاعد (٦). والعجب من أبي الفرج كيف خفي عليه هذا، وقد ساقها من طريق أصبغ وابن عبد الحكم عن ابن وهب؟! وحديث أبي سعيد أخرجه ابن ماجه (٧) من حديث محمد بن دابٍ، وهو كذاب.

стр. 1219

وحديث أنس رواه ابن ماجه (١) أيضًا من حديث الهيثم بن جميل: حدثني عُمَر (٢) بن سليم، حدثنا يوسف بن إبراهيم، عن أنس ... فذكره، وإسناده ضعيف (٣). وحديث جابر أجود طرقه ما رواه ابن ماجه (٤): حدثنا الحسين بن (٥) أبي السَّري العسقلاني، حدثنا خلف (٦) بن تميم، عن عبد الله بن السري عن محمد بن المنكدر عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا لعن آخِرُ هذه الأمة أولها، فمن كتم حديثًا فقد كتم ما أنزل الله »، وهؤلاء ثقات (٧). * * *

стр. 1220

كتاب الأشربة ١ - بابٌ الخمر مما هي ؟ (١) ٤٤٧/ ٣٥٢٩ - عن النعمان بن بَشير، قال: قال رسول الله ﷺ : «إنَّ مِن العِنَب خمرًا، وإنَّ من التَّمرِ خمرًا، وإنَّ من العَسَل خمرًا، وإن من البُرِّ خمرًا، وإن من الشعير خمرًا». وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه (٢). وقال الترمذي: غريب. هذا آخر كلامه. وفي إسناده إبراهيم بن المهاجر البجَلي الكوفي، وقد تكلّم فيه غير واحد من الأئمة. ٤٤٨/ ٣٥٣٠ - وعنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الخمر من العصير، والزبيب، والتمر، والحنطة، والشعير، والذُّرة، وإني أنهاكم عن كل مُسْكِرٍ» (٣). في إسناده أبو حريز (٤)، عبد الله بن الحسين الأزدي الكوفي قاضي

стр. 1221

سجستان، وثَّقه يحيى بن معين وأبو زرعة الرازي، واستشهد به البخاري، وتكلم فيه غير واحد. وقد أخرج البخاري ومسلم في «الصحيحين» (١) أن عمر ﵁ خطب على منبر رسول الله ﷺ فقال: «إنه قد نزل تحريم الخمر وهي من خمسة أشياء: العنب والتمر والحنطة والشعير والعسل، والخمر ما خامر العقل» الحديث. ٤٤٩/ ٣٥٣١ - وعن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: «الخمرُ مِن هاتين الشجرتين ــ يعني النخلةَ والعِنَبة ــ». وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه (٢). قال ابن القيم ﵀: وقد أخرجا في «الصحيحين» (٣) عن أنس قال: «إن الخمر حُرِّمت، والخمر يومئذ البُسْر والتمر». وفي «صحيح مسلم» (٤) عن أنس قال: «لقد أنزل الله الآية التي حرَّم فيها الخمر وما بالمدينة شراب يُشرَب إلا من تمر». وفي «صحيح البخاري» (٥) عن أنس قال: «حرمت علينا [الخمر] حين حرمت وما نجد خمر الأعناب إلا قليلًا، وعامّة خَمرنا البُسْر والتمر».

стр. 1222

وفي «صحيح البخاري» (١) أيضًا عن ابن عمر قال: «نزل تحريم الخمر وإن بالمدينة يومئذ لخمسة أشربة ما فيها شراب العنب». وأخرجه مسلم (٢) أيضًا. وفي «الصحيحين» (٣) أيضًا عن أنس قال: كنت أسقي أبا عبيدة [وأبا طلحة] وأبي بن كعب فَضِيخ زَهْوٍ وتمر، [ق ٢٠٣] فجاءهم آتٍ، فقال: إن الخمر قد حُرِّمت، فقال أبو طلحة: قم يا أنس فأهرقها. وفي لفظ (٤): قال عبد العزيز بن صهيب: قلت لأنس: ما هو؟ قال: بسر ورطب. وفي لفظ في «الصحيحين» (٥) عن أنس، وسألوه عن الفضيخ، فقال: ما كان لنا خمر غيرَ فضيخكم هذا الذي تسمونه الفضيخ، إني لقائم أَسقيها أبا طلحة وأبا أيوب ورجالًا من أصحاب النبي ﷺ في بيتنا إذ جاء رجل فقال: هل بلغكم الخبر؟ فقلنا: لا، فقال: إن الخمر قد حُرِّمت، فقال: يا أنس أرِقْ هذه القلال. قال: فما راجعوها ولا سألوا عنها بعد خبر الرجل. فهذه النصوص الصحيحة الصريحة في دخول هذه الأشربة المُتَّخَذة

стр. 1223

من غير العنب في اسم الخمر في اللغة التي نزل بها القرآن وخوطب بها الصحابة= مُغْنيةٌ عن التكلُّف في إثبات تسميتها خمرًا بالقياس مع كثرة النزاع فيه. فإذ قد ثبت تسميتها خمرًا نصًّا، فتناوُلُ لفظ النصوص لها كتناوله لشراب العنب سواء تناولًا واحدًا. فهذه طريقة قريبة منصوصة سهلة، تُريح من كلفة القياس في الاسم، والقياسِ في الحكم. ثم إن محض القياس الجلي يقتضي التسوية بينهما، لأن تحريم قليل شراب العنب مجمَع عليه وإن لم يسكر، وهذا لأن النفوس لا تقتصر على الحد الذي لا يسكر منه، وقليله يدعو إلى كثيره، وهذا المعنى بعينه في سائر الأشربة المسكرة، فالتفريق بينها في ذلك تفريق بين المتماثلات، وهو باطل. فلو لم يكن في المسألة إلا القياس لكان كافيًا في التحريم، فكيف وفيها ما ذكرناه من النصوص التي لا مطعن في سندها ولا اشتباه في معناها، بل هي صحيحة صريحة، وبالله التوفيق. ٢ - باب النهي عن المسكر ٤٥٠/ ٣٥٣٢ - عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : «كلُّ مُسْكِرٍ خمر، وكل مسكر حرام، ومن مات وهو يشرب الخمر يُدمِنُها لم يشربها في الآخرة». وأخرجه مسلم (١). ٤٥١/ ٣٥٣٣ - وعن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: «كل مُخَمَّرٍ خمرٌ، وكل مسكر حرام، ومن شرب مُسكرًا بُخِسَت صلاتُه أربعين صباحًا، فإن تاب

стр. 1224

تاب الله عليه، فإن عاد الرابعة كان حقًّا على الله أن يَسْقَيه من طِينة الخَبال». قيل: وما طينة الخبال يا رسول الله؟ قال: «صديدُ أهل النار، ومَنْ سقاه صغيرًا لا يَعرِف حلالَه من حرامِه كان حقًّا على الله أن يَسقيه من طينة الخبال» (١). ٤٥٢/ ٣٥٣٤ - وعن جابر بن عبد الله ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : «ما أسكر كثيرُه فقليله حرام». وأخرجه ابن ماجه والترمذي (٢)، وقال: حسن غريب من حديث جابر. هذا آخر كلامه. وفي إسناده: داود بن بكر بن أبي الفُرات الأشجعي مولاهم المدني، سُئل عنه يحيى بن معين؟ فقال: ثقة، وقال أبو حاتم الرازي: لا بأس به ليس بالمتين (٣). آخر كلامه. وقد روي هذا الحديث من رواية علي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر، وابن عمرو، وعائشة، وخوّات بن جبير. وحديث سعد بن أبي وقاص أجودها إسنادًا، فإن النسائي رواه في «سننه» (٤) عن محمد بن عبد الله بن عمّار الموصلي (وهو أحد الثقات)، عن الوليد بن كثير

стр. 1225

(وهو قد احتج به الشيخان)، عن الضحاك بن عثمان (احتج به مسلم)، عن بكير بن عبد الله بن الأشجّ، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص (وقد احتج بهما الشيخان). وقال البزّار (١): وهذا الحديث لا نعلمه يُروى عن سعد إلا مِن هذا الوجه. ورواه عن الضحّاك وأسنده جماعة، منهم الدراوردي والوليد بن كثير، ومحمد بن جعفر بن أبي كثير المدني. آخر كلامه. وتابع محمدَ بن عبد الله بن عمّار عليه أبو سعيد الأشجّ، متفق على الاحتجاج به (٢). قال ابن القيم ﵀: وحديث ابن عمر رواه أحمد في «مسنده»، وابن ماجه، وصححه الدارقطني (٣). وحديث عبد الله بن عمرو رواه أحمد والنسائي (٤) من حديث

стр. 1226

عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. ولا يصح حمل هذه الأحاديث على القليل من القدر المسكر، لأن صريح الحديث يرده لقوله في حديث عائشة: «ما أسكر الفَرَق منه فمِلء الكف منه حرام» (١)، فهذا صريح في أن الشراب إذا كان إنما يُسكَر منه بالفرق، فملء الكف منه حرام مع أنه لا يحصل به سُكر، وهذا مراد الأحاديث؛ فإن الإسكار إنما يحصل بالمجموع من الشراب الذي يقع به السُّكر، ومن ظن أنه إنما يقع بالشَّرْبة الأخيرة فقد غلط، فإن الشربة الأخيرة إنما أثرت في السكر بانضمامها إلى ما قبلها، ولو انفردت لم تؤثر، فهي كاللقمة الأخيرة في الشِّبَع، والمصَّة الأخيرة في الرِّيّ، وغير ذلك من المسبَّبات التي تحصل عند كمال سببها بالتدريج شيئًا فشيئًا. فإذا كان السكر يحصل بقدر معلوم من الشراب كان أقلُّ ما يقع عليه الاسم منه حرامًا، لأنه قليل من الكثير المسكر، مع القطع بأنه لا يسكر وحده، وهذا في غاية الوضوح. ٤٥٣/ ٣٥٣٥ - وعن عائشة ﵂ قالت: سُئل رسولُ الله ﷺ عن البِتْع؟ فقال: «كلُّ شرابٍ أسكرَ حرامٌ». وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه (٢). ٤٥٤/ ٣٥٣٦ - وفي رواية: والبِتْع: نبيذ العسل، كان أهل اليمن يشربونه.

стр. 1227

٤٥٥/ ٣٥٣٧ - وعن دَيْلَم الحِمْيَري، قال: سألت رسولَ الله ﷺ فقلت: يا رسولَ الله، إنَّا بأرضٍ باردةٍ، نُعالِج فيها عملًا شديدًا، وإنا نتَّخِذ شرابًا من هذا القمح نتقوَّى به على أعمالنا، وعلى برد بلادنا. قال: «هل يُسْكِر؟» قلت: نعم، قال: «فاجتنبوه»، قال: قلت: فإن الناس غيرُ تاركيه، قال: «فإن لم يتركوه فقاتِلوهم» (١). ٤٥٦/ ٣٥٣٨ - وعن عاصم بن كُلَيب، عن أبي بردة، عن أبي موسى ــ وهو الأشعري ــ قال: سألت النبي ﷺ عن شراب من العسل، فقال: «ذاك البِتْعُ». قلت: وينتبذون من الشعير والذُّرة؟ فقال: «ذاك المِزْرُ». ثم قال: «أخبر قومَك أنَّ كلَّ مسكرٍ حرام» (٢). وقد أخرجه البخاري ومسلم (٣) بنحوه من حديث سعيد بن أبي بردة عن أبيه. ٤٥٧/ ٣٥٣٩ - وعن الوليد بن عَبَدة، عن عبد الله بن عمر (٤): أن نبيَّ الله ﷺ نهى عن الخمر والمَيسِر، والكُوبة، والغُبَيراء، وقال: «كلُّ مسكر حرام» (٥). الوليد بن عبدة: بالعين المهملة المفتوحة، وبعدها باء بواحدة مفتوحة أيضًا.

стр. 1228

قال أبو حاتم (١): هو مجهول. وقال ابن يونس في «تاريخ المصريين»: وليد بن عبدة مولى عمرو بن العاص، روى عنه يزيد بن أبي حبيب، والحديث معلول، ويقال: عمرو بن الوليد بن عبدة. وذكر له هذا الحديث، وذكر أن وفاته سنة مائة. وهكذا وقع في رواية الهاشمي (٢): «عبد الله بن عمر»، والذي وقع في رواية ابن العبد عن أبي داود: «عبد الله بن عمرو»، وهو الصواب (٣). ٤٥٨/ ٣٥٤٠ - وعن شَهْر بن حَوشَب، عن أم سلمة ﵂ قالت: نهى رسولُ الله ﷺ عن كلِّ مُسكر ومُفَتِّرٍ (٤). ٤٥٩/ ٣٥٤١ - وعن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كل مسكر حرام، وما أسكر منه الفَرَقُ فَمِلءُ الكَفِّ منه حرام». وأخرجه الترمذي (٥) وحسّنه. ورواته كلهم محتج بهم في «الصحيحين»، سوى أبي عثمان عمرو ــ ويقال: عمر ــ بن سالم الأنصاري المدني، مشهور ولي القضاء بمَرْوٍ، ورأى ابن عمر وابن عباس، وسمع من القاسم بن محمد، وعنه روى هذا الحديث، روى عنه

стр. 1229

غير واحد. قال المنذري: ولم أر لأحدٍ فيه كلامًا (١). قال ابن القيم ﵀: وفي «صحيح مسلم» (٢) عن جابر أن رجلًا قدم من جَيْشان ــ وجَيْشان من اليمن ــ فسأل رسول الله ﷺ عن شراب يشربونه بأرضهم من الذُّرَة يقال له المِزْر، فقال رسول الله ﷺ : «أَوَ مسكر هو؟»، قال: نعم، قال رسول الله ﷺ : «كل مسكر حرام، إن على الله عهدًا لمن يشرب المسكرَ أن يَسقيه مِن طِينة الخَبال». قالوا: يا رسول الله، وما طينة الخبال؟ قال: «عَرَق أهل النار» أو «عُصارة أهل النار». وفي «مسند الإمام أحمد» (٣) عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «كل مسكر حرام». ورواه النسائي والترمذي وابن ماجه (٤)، وقال الترمذي: صحيح. وفي «سنن ابن ماجه» (٥) عن ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: «كل

стр. 1230

مسكر حرام». قال ابن ماجه: «هذا حديث المصريين». رواه من حديث أيوب بن هانئ عن مسروق عنه. وفي «سنن ابن ماجه» (١) أيضًا عن يعلى بن شداد بن أوس قال: سمعت معاوية يقول: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «كل مسكر حرام على كل مؤمن» قال ابن ماجه: وهذا حديث الرَّقِّيِّين (٢). ٣ - باب في الداذيّ (٣) ٤٦٠/ ٣٥٤٢ - عن مالك بن أبي مريم، قال: دخل علينا عبد الرحمن بن غَنْم فتذاكرنا الطِّلاء، فقال: حدثني أبو مالك الأشعري: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «لَيشربَنَّ ناسٌ مِن أمتي الخمرَ، يُسمُّونها بغير اسمها». وأخرجه ابن ماجه (٤).

стр. 1231

قال ابن القيم ﵀: ولفظه (١): «ليشربنّ ناس من أمتي الخمر يسمّونها بغير اسمها، يُعزَف على رؤوسهم بالمعازف والمُغَنّيات، يخسف الله بهم الأرض ويجعل منهم القردة والخنازير». [وفي إسناد حديث أبي داود وابن ماجه: حاتم بن حريث الطائي الحمصي. سئل عنه أبو حاتم الرازي فقال: شيخ، وقال يحيى بن معين: لا أعرفه (٢)] (٣). وقد أخرج ابن ماجه (٤) أيضًا من حديث ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن أبي أمامة يرفعه: «لا تذهب الليالي والأيام حتى تشرب طائفة من أمتي الخمر، يسمّونها بغير اسمها». وأخرجه أيضًا (٥) من حديث ابن مُحَيرِيز عن ثابت بن السِّمْط عن عبادة عن النبي ﷺ .

стр. 1232

وقال البخاري في «صحيحه» (١): باب ما جاء فيمن [ق ٢٠٤] يستحلُّ الخمر ويسميه بغير اسمه. وقال هشام بن عمار: حدثنا صدَقة بن خالد، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، حدثنا عطية بن قَيس الكَلاعي، قال حدثني عبد الرحمن بن غَنْم الأشعري، قال حدثني أبو عامر أو أبو مالك الأشعري ــ والله ما كذبني ــ سمع النبي ﷺ يقول: «ليكوننّ من أمتي أقوام يستحلون الحِرَ والحرير والخمر والمعازف، ولينزلنّ أقوام إلى جَنْبِ عَلَم يروح عليهم بسارحة لهم، يأتيهم لحاجة (٢) فيقولون: ارجع إلينا غدًا، فيبيّتهم الله ويضع العَلَم، ويمسخ آخرين قردةً وخنازيرَ إلى يوم القيامة». وقد طعن ابن حزم (٣) وغيره في هذا الحديث، وقالوا: لا يصح، لأنه منقطع لم يذكر البخاري من حدّثه به، وإنما قال: «وقال هشام بن عمار». وهذا القدح باطل من وجوه: أحدها: أن البخاري قد لقي هشام بن عمار وسمع منه، فإذا روى عنه معنعنًا حُمِل على الاتصال اتفاقًا لحصول المعاصرة والسماع، فإذا قال: «قال هشام» لم يكن فَرْق بينه وبين قوله: «عن هشام» أصلًا. الثاني: أن الثقات الأثبات قد رووه عن هشام موصولًا، قال الإسماعيلي

стр. 1233

في «صحيحه» (١): أخبرني الحسن، حدثنا هشام بن عمار بإسناده ومتنه. والحسن هو ابن سفيان. الثالث: أنه قد صح من غير حديث هشام، قال الإسماعيلي في «الصحيح» (٢): حدثنا الحسن، حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم، حدثنا بِشْر، حدثنا ابن جابر، عن عطية بن قيس قال: قام ربيعة الجُرَشي في الناس فذكر حديثًا فيه طول، قال: فإذا عبد الرحمن بن غنم، فقال: يمينًا حلفت عليها حدثني أبو عامر أو أبو مالك الأشعري، واللهِ يمينًا أخرى، حدثني أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «ليكوننَّ في أمتي قوم يستحلون الخمر ... » ــ في حديث هشام: «الخمر والحرير»، وفي حديث دُحَيم: «الخزَّ والحرير والخمر والمعازف» ــ فذكر الحديث. ورواه عثمان بن أبي شيبة: حدثنا زيد بن الحُباب، قال: أخبرني معاوية بن صالح، حدثني حاتم بن حُرَيث، عن مالك بن أبي مريم قال: تذاكرنا الطِّلَاء (٣) فدخل علينا عبد الرحمن بن غنم فقال: حدثني أبو مالك الأشعري أنه سمع رسول الله ﷺ ــ فذكر الحديث بلفظه ــ (٤). الرابع: أن البخاري لو لم يلق هشامًا ولم يسمع منه فإدخاله هذا الحديث في «صحيحه» وجزمُه به يدل على أنه ثابت عنده عن هشام، فلم

стр. 1234

يذكر الواسطة بينه وبينه، إما لشهرتهم وإما لكثرتهم، فهو معروف مشهور عن هشام، تغني شهرته به عن ذكر الواسطة. الخامس: أن البخاري له عادة في (١) «صحيحه» في تعليقه، وهي جزمه (٢) بإضافته الحديث إلى من علّقه (٣) عنه إذا كان صحيحًا عنده، فيقول: «وقال فلان» و «قال رسول الله»، وإن كان فيه علةٌ قال: «ويذكر عن فلان» أو «ويذكر عن رسول الله»، ومن استقرى كتابه علم ذلك. وهنا قد جزم بإضافة الحديث إلى هشام، فهو صحيح عنده. السادس: أنه قد ذكره محتجًّا به مُدخلًا له في كتابه «الصحيح» أصلًا لا استشهادًا، فالحديث صحيح بلا ريب. ٤ - باب في الشرب قائمًا ٤٦١/ ٣٥٧١ - عن أنس: أن رسول الله ﷺ نهى أن يَشرب الرجلُ قائمًا. وأخرجه مسلم (٤) وزاد: قال قتادة: فقلنا: فالأكل؟ فقال: «ذلك أشر وأخبث». هذا من قول أنس (٥). ٤٦٢/ ٣٥٧٢ - وعن النَّزَّال بن سَبْرة أن عليًّا دعا بماءٍ فشربه وهو قائم، ثم

стр. 1235

قال: إن رجالًا يكره أَحَدُهم أن يفعل هذا، وقد رأيتُ رسولَ الله ﷺ يفعل مثل ما رأيتموني أفعله. وأخرجه البخاري (١). قال ابن القيم ﵀: وقد خرَّج مسلم في «صحيحه» (٢) عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله ﷺ زجر عن الشرب قائمًا. وفيه أيضًا (٣) عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «لا يشربَنَّ أحدٌ منكم قائمًا، فمن نسي فليَستَقِئ». وفي «الصحيحين» (٤) عن ابن عباس قال: سقيت رسول الله ﷺ من زمزم، فشرب وهو قائم. وفي لفظ آخر (٥): فحلف عكرمة: ما كان يومئذ إلا على بعير. فاختُلف في هذه الأحاديث، فقوم سلكوا بها مسلك النسخ وقالوا: آخِر الأمرين من رسول الله ﷺ الشرب قائمًا، كما شرب في حجة الوداع. وقالت طائفة: في ثبوت النسخ بذلك نظر، فإن النبي ﷺ لعله شرب

стр. 1236

قائمًا لعذر، وقد حلف عكرمة: أنه كان حينئذ راكبًا، وحديث علي قصَّة عَين، فلا عموم لها. وقد روى الترمذي (١) عن عبد الرحمن بن أبي عمرة (٢) عن جدَّته كبشة قالت: دخل عليَّ رسول الله ﷺ وفي البيت قِربة معلَّقة فشرب قائمًا، فقمتُ إلى فيها فقطعتُه (٣). وقال الترمذي: حديث صحيح. وأخرجه ابن ماجه. وروى أحمد في «مسنده» (٤) عن أم سُلَيم قالت: دخل (٥) رسول الله ﷺ وفي البيت قِربة معلقة، فشرب منها وهو قائم، فقطعتُ فاها، فإنه لعندي. فدلّت هذه الوقائع على أن الشرب منها قائمًا كان لحاجة، لكون القربة معلقةً، وكذلك شربه من زمزم أيضًا لعله لم يتمكن من القعود لضيق الموضع أو لزحام وغيرها. وبالجملة فالنسخ لا يثبت بمثل ذلك. وأما حديث ابن عمر: كنا على عهد رسول الله ﷺ [نأكل] (٦) ونحن

стр. 1237

نمشي، ونشرب ونحن قيام»، رواه الإمام أحمد وابن ماجه والترمذي (١) وصححه= فلا يدل أيضًا على النسخ إلا بعد ثلاثة أمور: مقاومته لأحاديث النهي في الصحة، وبلوغ ذلك للنبي ﷺ ، وتأخره عن أحاديث النهي. وبعد ذلك فهو حكاية فعلٍ لا عموم لها، فإثبات النسخ في هذا عسير، والله أعلم. * * *

стр. 1238

كتاب الأطعمة ١ - باب غسل اليدين عند الطعام ٤٦٣/ ٣٦١٣ - عن عبد الله بن عباس: أن رسول الله ﷺ خرج مِن الخلاء فقُدِّم إليه طعام، فقالوا: ألا نأتيك بوَضُوءٍ؟ فقال: إنَّما أُمِرتُ بالوُضوء إذا قمتُ إلى الصلاة». وأخرجه النسائي والترمذي (١) وحسّنه. ٤٦٤/ ٣٦١٤ - عن سلمان، قال: قرأتُ في التوراة: أن بَركة الطعام الوُضوءُ قبله، فذكرتُ ذلك للنبي ﷺ ، فقال: «بركة الطعام الوضوءُ قبله والوضوء بعده». وأخرجه الترمذي (٢)، وقال: لا نعرفه إلا من حديث قيس بن الربيع، وهو يُضعَّف في الحديث (٣).

стр. 1239

قال ابن القيم ﵀: في هذه المسألة قولان لأهل العلم، أحدهما: يستحب [ق ٢٠٥] غسل اليدين قبل الطعام، والثاني: لا يستحب. وهما في مذهب أحمد وغيره (١). والصحيح: أنه لا يستحب. وقال النسائي في كتابه «الكبير» (٢): «باب ترك غَسل اليدين قبل الطعام»، ثم ذكر من حديث ابن جريج عن سعيد بن الحويرث عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ تبرَّز ثم خرج فطعِم ولم يمَسَّ ماء. وإسناده صحيح (٣). ثم قال (٤): «باب غَسل الجُنُب يده إذا طعم»، وساق من حديث الزهري عن أبي سلمة عن عائشة: أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة، وإذا أراد أن يأكل غسل يديه. وهذا التبويب والتفصيل في المسألة هو الصواب. وقال الخلال في «الجامع» (٥): عن مهنا قال: سألت أحمد عن حديث قيس بن الربيع عن أبي هاشم عن زاذان عن سلمان عن النبي ﷺ : «بركة

стр. 1240

الطعام الوضوء قبله وبعده»، فقال لي أبو عبد الله: هو منكر، فقلتُ: ما حدّث بهذا إلا قيس بن الربيع؟ قال: لا. وسألتُ يحيى بن معين وذكرت له حديث قيس بن الربيع عن أبي هاشم عن زاذان عن سلمان ــ الحديث، فقال لي يحيى بن معين: ما أَحسنَ الوضوءَ قبل الطعام وبعده! قلت له: بلغني عن سفيان الثوري أنه كان يكره الوضوء قبل الطعام. قال مهنا: سألتُ أحمد، قلت: بلغني عن يحيى بن سعيد أنه قال: كان سفيان يكره غَسل اليد عند الطعام، قلت: لِمَ كره سفيان ذلك؟ قال: لأنه من زِيّ العجم، وضعّف أحمد حديث قيس بن الربيع. قال الخلال: وأخبرنا أبو بكر المَرُّوذي قال: رأيت أبا عبد الله يغسل يديه قبل الطعام وبعده وإن كان على وضوء. ٢ - باب في أكل لحوم الحمر الأهلية ٤٦٥/ ٣٦٦١ - عن رجل عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: نهى رسول الله ﷺ عن أن نأكلَ لحوم الحُمر، وأمرنا أن نأكل لحومَ الخيل. قال عمرو ــ وهو ابن دينار ــ: فأخبرت هذا الخبرَ أبا الشَّعثاء، فقال: قد كان الحَكَمُ الغِفاريُّ فينا يقول هذا، وأبى ذلك البحْرُ ــ يريد ابنَ عباس ــ (١). وأخرجه البخاري (٢) من حديث عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء، وليس فيه:

стр. 1241

«عن رجل». ٤٦٦/ ٣٦٦٢ - وعن غالب بن أَبجَرَ قال: أصابتنا سَنَةٌ، فلم يكن في مالي شيء أُطْعِمُ أهلي إلا شيء من حُمُرٍ، وقد كان النبي ﷺ حَرَّم لحوم الحمر الأهلية، فأتيتُ النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله، أصابتنا السَّنة، ولم يكن في مالي ما أُطعم أهلي إلا سِمَانُ حُمُرٍ، وإنك حَرَّمتَ لحوم الحمر الأهلية، فقال: «أَطعِمْ أهلَك من سَمين حمرك، فإنما حرمتُها من أجل جَوَالِّ (١) القرية» (٢). اختلف في إسناده اختلافًا كثيرًا. وقد ثبت التحريم من حديث جابر. وذكر البيهقي (٣) أن إسناد حديث ابن أبجر مضطرب. ٤٦٧/ ٣٦٦٤ - وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: «نهى رسول الله ﷺ يوم خيبرَ عن لحوم الحمر الأهلية، وعن الجلَّالةِ عن ركوبها وأكلِ لحمها». وأخرجه النسائي (٤). قال ابن القيم ﵀: أحاديث النهي عن أكل لحوم الحمر الأهلية رواها عن النبي ﷺ علي بن أبي طالب، وجابر بن عبد الله، والبراء بن عازب، وابن أبي أوفى، وأنس بن مالك، والعرباض بن سارية، وأبو ثعلبة الخشني، وعبد الله بن عمر، وأبو سعيد الخدري، وسلمة بن الأكوع، والحكم بن عمرو الغفاري، والمقدام بن معديْكَرِب، وأبو أمامة الباهلي، وعبد الله بن

стр. 1242

عباس، وثابت بن وديعة، وأبو سَلِيط (١) البدري، وعبد الله بن عمرو، وزاهر الأسلمي، وأبو هريرة، وخالد بن الوليد. فأما حديث علي، فمتفق عليه (٢) من حديث الزهري عن الحسن بن محمد بن الحنفية، عن أبيه، عن علي. وأما حديث جابر، فمتفق عليه أيضًا (٣) من رواية عمرو بن دينار عن محمد بن علي بن الحسين عن جابر: أن رسول الله ﷺ نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية وأذن في لحوم الخيل. وهو لمسلم أيضًا (٤) من رواية أبي الزبير عنه. وأما حديث البراء بن عازب، فمتفق عليه أيضًا (٥) من طريق شعبة عن عدي بن ثابت عن البراء: كنا مع النبي ﷺ ، فأصبنا حُمُرًا فطبخناها، فأمر مناديًا ينادي أن: «أَكفِئُوا القدور». وأما حديث ابن أبي أوفى، فمتفق عليه أيضًا (٦) من حديث سليمان الشيباني عنه: أصابتنا مجاعة ليالي خيبرَ، فلما كان يومُ خيبر وقعنا في لحوم الحمر الأهلية فانتحرناها، فلما غلت بها القدور نادى منادي رسول الله ﷺ :

стр. 1243

«أَكفِئوا القدورَ، ولا تأكلوا من لحوم (١) الحمر شيئًا». وعند النسائي (٢) فيه: فأتانا منادي النبي ﷺ ،فقال: إن رسول الله ﷺ قد حرَّم لحوم الحمر، فأكفئوا القدور بما فيها، فكفأناها (٣). وأما حديث أنس، فمتفق عليه أيضًا (٤) من رواية محمد بن سيرين عنه: أن النبي ﷺ جاءه جاءٍ فقال: أُكِلَت الحمر، ثم جاءه جاءٍ فقال: أُفنِيت الحمر، فأمر رسول الله ﷺ رجلًا فنادى: «إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر فإنها ركس» (٥)، فأُكفِئت القدورُ وإنها لتفور باللحم. وفي مسلم (٦): «إنها رجس من عمل الشيطان». قلت: وكان المنادي أبا طلحة الأنصاري، قاله يزيد بن زُرَيع عن هشام (٧). وأما حديث العرباض بن سارية، فرواه الترمذي (٨) من حديث أم حبيبة

стр. 1244

بنت العرباض عن أبيها: أن رسول الله ﷺ نهى يوم خيبر عن كل ذي نابٍ من السباع، وعن كل ذي مِخْلَب من الطير، وعن لحوم الحمر الأهلية، وعن المُجَثَّمة (١). وأما حديث أبي ثعلبة الخشني، فمتفق عليه من حديث الزهري عن أبي إدريس الخولاني عنه قال: «حرَّم رسول الله ﷺ لحم الحمر، ولحم كل ذي ناب من السباع». لفظ البخاري (٢). ولفظ مسلم (٣): «حرم رسول الله ﷺ لحوم الحمر الأهلية». ورواه النسائي (٤) من حديث بقية عن بَحِير (٥) بن سعد، عن خالد بن معدان، عن جبير بن نُفير، عن أبي ثعلبة: أنهم غزوا مع رسول الله ﷺ إلى خيبر والناس جِياع، فوجدوا فيها حمرًا من حمر الإنس فذبح الناس منها، فحُدِّث بذلك النبي ﷺ فأمر عبدَ الرحمن بن عوف فأذّن في الناس: «ألا إن

стр. 1245

لحوم الحُمُرِ الإنسِ (١) لا تحِلُّ لمن يشهد أني رسول الله». وأما حديث عبد الله بن عمر، فمتفق عليه (٢) من حديث نافع وسالم عنه: نهى النبي ﷺ عن لحوم الحمر الأهلية. زاد مسلم (٣): يوم خيبر. وأما حديث أبي سعيد الخدري، فرواه عثمان بن سعيد الدارمي (٤): حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا ابن المبارك، حدثنا يونس بن أبي إسحاق، حدثني أبو الوداك، حدثني أبو سعيد الخدري: أن رسول الله صلى الله [ق ٢٠٦] عليه وسلم مر بالقدور وهي تغلي، فقال: «ما هذا اللحم؟»، فقالوا: لحوم الحمر الأهلية، فقال: «أو وحشية؟»، قلنا: بل أهلية، فقال لنا: «أكْفِئوها» فكفأناها وإنّا لجِياع نشتهيها. احتج البخاري بنعيم بن حماد، ومسلم بأبي الودّاك جَبْر بن نَوف، فالإسناد صحيح. وأما حديث سلمة بن الأكوع، فرواه البخاري (٥) ــ وهو من ثُلاثياته ــ:

стр. 1246

حدثنا المكي بن إبراهيم، حدثنا يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة بن الأكوع قال: لما أمسوا يوم خيبر أوقدوا النيران، قال النبي ﷺ : «على ما (١) أوقدتم هذه النيران؟»، قالوا: على لحوم الحمر الإنسية، قال: «أهريقوا ما فيها واكسروا قُدورها»، فقام رجل من القوم فقال: نُهَرِيق ما فيها ونَغْسِلها؟ قال النبي ﷺ : «أو ذاك». ورواه مسلم (٢). وهو صريح في أن ما لا يؤكل لحمه لا يطهر بالذكاة وأنها لا تعمل فيه شيئًا. وأما حديث الحَكَم بن عمرو، فرواه البخاري (٣) من حديث عمرو بن دينار، قال: قلت لجابر بن زيد: يزعمون (٤) أن النبي ﷺ نهى عن الحمر الأهلية، فقال: قد كان يقول ذلك الحكم بن عمرو الغفاري عندنا بالبصرة، ولكن أبى ذلك البحر ابن عباس، وقرأ: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الآية [الأنعام: ١٤٥]. وأما حديث المقدام بن معديْكَرِب، فرواه عثمان الدارمي (٥): حدثنا

стр. 1247

عبد الله بن صالح المصري، أن معاوية بن صالح حدثه قال: حدثني الحسن بن جابر أنه سمع المقدام بن معديكرب يقول: حرَّم رسول الله ﷺ أشياء يوم خيبر منها الحمار الأهلي، وقال: «يوشِك رجلٌ متّكئ على أرِيكته يحدَّث حديثي، فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه من حلال أحللناه، ومن حرام حرَّمناه، ألا وإن مما حرم رسول الله لحومَ الحمر الأهلية، ولحمَ كل ذي ناب من السباع». وعبد الله بن صالح من شيوخ البخاري، والحسن بن جابر وثّقه ابن حبان (١) ولم يتكلم فيه. ورواه أبو اليمان (٢) عن حَرِيز بن عثمان، عن عبد الرحمن بن أبي عوف الجُرَشي، عن المقدام، وفيه: «ألا لا يحِلُّ لكم الحمار الأهلي، ولا كل ذي ناب من السباع». وهذا إسناد صحيح. وأما حديث أبي أمامة، فرواه الدارمي أيضًا: حدثنا عبد الله بن أبي شيبة (٣)، حدثنا أبو أسامة، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، حدثني
следующие страницы →