← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 201

تهذيب سنن أبي داود - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 675 стр.). Показаны 1243–1282 · переход к 1248.

стр. 1243

«أَكفِئوا القدورَ، ولا تأكلوا من لحوم (١) الحمر شيئًا». وعند النسائي (٢) فيه: فأتانا منادي النبي ﷺ ،فقال: إن رسول الله ﷺ قد حرَّم لحوم الحمر، فأكفئوا القدور بما فيها، فكفأناها (٣). وأما حديث أنس، فمتفق عليه أيضًا (٤) من رواية محمد بن سيرين عنه: أن النبي ﷺ جاءه جاءٍ فقال: أُكِلَت الحمر، ثم جاءه جاءٍ فقال: أُفنِيت الحمر، فأمر رسول الله ﷺ رجلًا فنادى: «إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر فإنها ركس» (٥)، فأُكفِئت القدورُ وإنها لتفور باللحم. وفي مسلم (٦): «إنها رجس من عمل الشيطان». قلت: وكان المنادي أبا طلحة الأنصاري، قاله يزيد بن زُرَيع عن هشام (٧). وأما حديث العرباض بن سارية، فرواه الترمذي (٨) من حديث أم حبيبة

стр. 1244

بنت العرباض عن أبيها: أن رسول الله ﷺ نهى يوم خيبر عن كل ذي نابٍ من السباع، وعن كل ذي مِخْلَب من الطير، وعن لحوم الحمر الأهلية، وعن المُجَثَّمة (١). وأما حديث أبي ثعلبة الخشني، فمتفق عليه من حديث الزهري عن أبي إدريس الخولاني عنه قال: «حرَّم رسول الله ﷺ لحم الحمر، ولحم كل ذي ناب من السباع». لفظ البخاري (٢). ولفظ مسلم (٣): «حرم رسول الله ﷺ لحوم الحمر الأهلية». ورواه النسائي (٤) من حديث بقية عن بَحِير (٥) بن سعد، عن خالد بن معدان، عن جبير بن نُفير، عن أبي ثعلبة: أنهم غزوا مع رسول الله ﷺ إلى خيبر والناس جِياع، فوجدوا فيها حمرًا من حمر الإنس فذبح الناس منها، فحُدِّث بذلك النبي ﷺ فأمر عبدَ الرحمن بن عوف فأذّن في الناس: «ألا إن

стр. 1245

لحوم الحُمُرِ الإنسِ (١) لا تحِلُّ لمن يشهد أني رسول الله». وأما حديث عبد الله بن عمر، فمتفق عليه (٢) من حديث نافع وسالم عنه: نهى النبي ﷺ عن لحوم الحمر الأهلية. زاد مسلم (٣): يوم خيبر. وأما حديث أبي سعيد الخدري، فرواه عثمان بن سعيد الدارمي (٤): حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا ابن المبارك، حدثنا يونس بن أبي إسحاق، حدثني أبو الوداك، حدثني أبو سعيد الخدري: أن رسول الله صلى الله [ق ٢٠٦] عليه وسلم مر بالقدور وهي تغلي، فقال: «ما هذا اللحم؟»، فقالوا: لحوم الحمر الأهلية، فقال: «أو وحشية؟»، قلنا: بل أهلية، فقال لنا: «أكْفِئوها» فكفأناها وإنّا لجِياع نشتهيها. احتج البخاري بنعيم بن حماد، ومسلم بأبي الودّاك جَبْر بن نَوف، فالإسناد صحيح. وأما حديث سلمة بن الأكوع، فرواه البخاري (٥) ــ وهو من ثُلاثياته ــ:

стр. 1246

حدثنا المكي بن إبراهيم، حدثنا يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة بن الأكوع قال: لما أمسوا يوم خيبر أوقدوا النيران، قال النبي ﷺ : «على ما (١) أوقدتم هذه النيران؟»، قالوا: على لحوم الحمر الإنسية، قال: «أهريقوا ما فيها واكسروا قُدورها»، فقام رجل من القوم فقال: نُهَرِيق ما فيها ونَغْسِلها؟ قال النبي ﷺ : «أو ذاك». ورواه مسلم (٢). وهو صريح في أن ما لا يؤكل لحمه لا يطهر بالذكاة وأنها لا تعمل فيه شيئًا. وأما حديث الحَكَم بن عمرو، فرواه البخاري (٣) من حديث عمرو بن دينار، قال: قلت لجابر بن زيد: يزعمون (٤) أن النبي ﷺ نهى عن الحمر الأهلية، فقال: قد كان يقول ذلك الحكم بن عمرو الغفاري عندنا بالبصرة، ولكن أبى ذلك البحر ابن عباس، وقرأ: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الآية [الأنعام: ١٤٥]. وأما حديث المقدام بن معديْكَرِب، فرواه عثمان الدارمي (٥): حدثنا

стр. 1247

عبد الله بن صالح المصري، أن معاوية بن صالح حدثه قال: حدثني الحسن بن جابر أنه سمع المقدام بن معديكرب يقول: حرَّم رسول الله ﷺ أشياء يوم خيبر منها الحمار الأهلي، وقال: «يوشِك رجلٌ متّكئ على أرِيكته يحدَّث حديثي، فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه من حلال أحللناه، ومن حرام حرَّمناه، ألا وإن مما حرم رسول الله لحومَ الحمر الأهلية، ولحمَ كل ذي ناب من السباع». وعبد الله بن صالح من شيوخ البخاري، والحسن بن جابر وثّقه ابن حبان (١) ولم يتكلم فيه. ورواه أبو اليمان (٢) عن حَرِيز بن عثمان، عن عبد الرحمن بن أبي عوف الجُرَشي، عن المقدام، وفيه: «ألا لا يحِلُّ لكم الحمار الأهلي، ولا كل ذي ناب من السباع». وهذا إسناد صحيح. وأما حديث أبي أمامة، فرواه الدارمي أيضًا: حدثنا عبد الله بن أبي شيبة (٣)، حدثنا أبو أسامة، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، حدثني

стр. 1248

القاسم ومكحول عن أبي أمامة: أن رسول الله ﷺ نهى يوم خيبر عن أكل الحمار الأهلي، وعن أكل كل ذي ناب من السبع. وهذا إسناد صحيح، فإن مكحولًا قد أدرك أبا أمامة وسمع منه. وفي حديث القاسم من رواية علي بن يزيد عنه: أن النبي ﷺ قال لبلال: «أذِّنْ في الناس أنه لا يحل لكم لحومُ الحمر الأهلية، ولا لحمُ كل ذي نابٍ من السباع، ولا كلُّ ذي مخلب من الطير، وأن الجنة لا تحل لعاصٍ» (١). وأما حديث ابن عباس، فقال الدارمي (٢): حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن شَيبان، عن الأعمش، عن مجاهد عن ابن عباس: نهى رسول الله ﷺ يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية. وهذا الإسناد على شرط الشيخين. وفي «الصحيحين» (٣) عن الشعبي عن ابن عباس قال: لا أدري أَنَهى

стр. 1249

رسول الله ﷺ من أجل أنها كانت حَمولة الناس فكره أن تذهب حمولتهم، أو حرّمه في يوم خيبر؟ يعني الحمر الأهلية. وهذا يدل على أن ابن عباس بلغه النهيُ ولكن تأوّله. والتحقيق أن ابن عباس أباحها أولًا حيث لم يبلغه النهي، فسمع ذلك منه جماعة منهم أبو الشعثاء وغيره فرَووا ما سمعوه (١)، ثم بلغه النهي عنها فتوقف: هل هو للتحريم أو لأجل كونها حمولة؟ فروى ذلك عنه الشعبي وغيره، ثم لما ناظره عليٌّ (٢) جزم بالتحريم كما رواه عنه مجاهد. وأما حديث ثابت بن وديعة، فرواه الدارمي (٣) أيضًا: حدثنا أبو الوليد الطيالسي، حدثنا أبو عوانة، عن حُصَين، عن (٤) زيد بن وهب، عن ثابت بن وديعة قال: أصَبنا حمرًا أهلية يوم خيبر فطبخ الناس، فمرّ بنا رسول الله ﷺ والقدور تغلي فقال: «أكفِئُوها» فكفأناها. وهذا إسناد صحيح، رواته كلهم ثقات. وأما حديث أبي سَلِيط (٥) البدري، فرواه الدارمي أيضًا: حدثنا

стр. 1250

عبد الله بن أبي شيبة (١)، حدثنا عبد الله بن نُمَير، حدثنا محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن عمرو بن ضمرة، عن عبد الله بن أبي سَلِيط، عن أبيه ــ وكان بدريًّا ــ قال: أتانا نهيُ رسولِ الله ﷺ عن أكل الحمر وإن القدور لتغلي بها، فكفأناها على وجهها. وأما حديث عبد الله بن عمرو (٢)، فرواه أبو داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وهو في الأصل. وأما حديث زاهر الأسلمي، فرواه الدارمي (٣) عن يحيى الحِمَّاني، حدثنا شَرِيك، عن مَجْزَأَة بن زاهر، عن أبيه قال: مرَّ النبي ﷺ والقدور تغلي، فسأل عنها فقالوا: الحمر الأهلية، فأمر بها فكفئت. وهذا الإسناد على رسم الشيخين (٤).

стр. 1251

وأما حديث أبي هريرة، فرواه الترمذي (١) من حديث زائدة عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة عنه: أن رسول الله ﷺ حرَّم يوم خيبر كل ذي نابٍ من السِّباع والمُجَثَّمة والحمار الإنسي. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وأما حديث خالد بن الوليد، فقد تقدم في الباب الذي [ق ٢٠٧] قبل هذا (٢). وقد اختلف في سبب النهي عن الحمر على أربعة أقوال، وهي في «الصحيح»: أحدها: لأنها كانت جَوَالَّ (٣) القرية، كما في حديث غالب هذا (٤). وهذا قد جاء في بعض طرق حديث عبد الله بن أبي أوفى: أصابتنا مجاعة ليالي خيبر، فلما كان يوم خيبر وقعنا في الحمر الأهلية فانتحرناها، فلما غلت بها القدور نادى منادي رسول الله ﷺ أن: «أكفئوا القدور ولا تأكلوا من

стр. 1252

لحوم الحمر شيئًا»، فقال أناس: إنما نهى عنها رسول الله ﷺ لأنها لم تُخمَّس، وقال آخرون: نهى عنها البتة (١). وقال البخاري في بعض طرقه (٢): «نهى عنها البتة لأنها كانت تأكل العَذِرة». فهذه علّتان. العلة الثالثة: حاجتهم إليها، فنهاهم عنها إبقاءً لها كما في حديث ابن عمر المتفق عليه (٣): «أن رسول الله ﷺ نهى عن أكل لحوم الحمر الأهلية»، زاد في طريق أخرى: وكان الناس قد احتاجوا إليها. العلة الرابعة: أنه إنما حرمها لأنها رجس في نفسها. وهذه أصح العلل، فإنها هي التي ذكرها رسول الله ﷺ بلفظه كما في «الصحيحين» (٤) عن أنس قال: لما افتتح رسول الله ﷺ خيبر أصبنا حمرًا خارجةً من القرية وطبخناها فنادى منادي رسول الله ﷺ : «ألا إن الله ورسوله ينهيانكم عنها فإنها رجس من عمل الشيطان». فهذا نص في سبب التحريم، وما عدا هذه من العلل فإنما هي حدْسٌ وظنّ ممن قاله. ٣ - باب أكل الطافي ٤٦٨/ ٣٦٦٧ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما أَلقَى البحرُ أو جَزَرَ عنه فكُلُوه، وما مات فيه وطَفَا فلا تأكلوه» (٥).

стр. 1253

قال أبو داود: روى هذا الحديث سفيان الثوري وأيوب وحماد، عن أبي الزبير، أوقفوه على جابر (١). وقد أُسند هذا الحديث من وجهٍ ضعيف (٢). وأخرجه ابن ماجه (٣). قال ابن القيم ﵀: قال عبد الحق (٤): هذا الحديث إنما يرويه الثقات من قول جابر، وإنما أُسنِد من وجه ضعيف من حديث يحيى بن سُلَيم عن إسماعيل بن أمية عن أبي الزبير عن جابر. ومن حديث عبد العزيز بن عبيد الله (٥) بن حمزة بن صهيب، ضعيف لم يرو عنه إلا إسماعيل بن عياش (٦). وقال ابن القطان (٧): يحيى بن سليم وثقه ابن معين، وتَكلّم فيه غيرُه من أجل حفظه، والناس رووه موقوفًا غيرَ يحيى. وذكر أبو داود هذا الحديث وقال: رواه الثوري وحماد عن أبي الزبير، وقفاه على جابر، وقد أُسنِد من

стр. 1254

وجهٍ ضعيف عن ابن أبي ذئب عن أبي الزبير عن جابر (١). قال ابن القطان: فإن كان عبد الحق ضعّف المرفوعَ لكونه من رواية أبي الزبير، فقد تناقض، لتصحيحه الموقوف وهو عنه. وإن عنى به ضعف يحيى بن سليم ناقَضَ (٢)، فكم من حديث صحّحه من روايته! ولم يخالِف يحيى بنَ سليم في رفعه عن إسماعيل بن أمية إلا من هو دونه، وهو إسماعيل بن عياش (٣). وأما إسماعيل بن أمية فلا يُسأل عن مثله. وهذا عَنَت من ابن القطان، والحديث إنما ضُعِّف لأن الناس رووه موقوفًا على جابر، وانفرد برفعه يحيى بن سليم (٤)، وهو مع سوء حفظه فقد خالف الثقات وانفرد عنهم، ومثل هذا لا يَحتج به أهلُ الحديث، فهذا هو الذي أراده أبو داود وغيره (٥) من تضعيف الحديث. وأما تصحيحه (٦) حديث يحيى بن سليم في غير هذا، فلا إنكار عليه فيه؛ فهذه طريقة أئمة الحديث العالمين بعلله، يصححون حديث الرجل ثم

стр. 1255

يضعفونه بعينه في حديث آخر إذا انفرد أو خالف الثقات. ومن تأمل هذا وتتبعه رأى منه الكثير، فإنهم يصححون حديثه لمتابعة غيره له أو لأنه معروف الرواية صحيحُ الحديث عن شيخ بعينه ضعيفُها في غيره. وفي مثل هذا يعرض الغلط لطائفتين من الناس: طائفة تجد الرجل قد خُرِّج حديثه في «الصحيح» وقد احتج به فيه، فحيث وجدوه في حديث قالوا: هذا على شرط الصحيح! وأصحاب «الصحيح» يكونون قد انتقوا حديثَه، ورووا له ما تابعه فيه الثقاتُ ولم يكن معلولًا، ويتركون من حديثه المعلولَ وما شذَّ فيه وانفرد عن الناس وخالف فيه الثقاتِ، أو رواه عن غير معروف بالرواية عنه، ولا سيما إذا لم يجدوا ذلك مِن حديثه عند أصحابه المختصِّين به؛ فلهم في هذا نظرٌ واعتبارٌ اختصُّوا به عمن لم يشاركهم فيه، فلا يلزم حيث وُجِد حديث مثلُ هذا أن يكون صحيحًا، ولهذا كثيرًا ما يعلل البخاري ونظراؤه حديثَ الثقة بأنه لا يتابَع عليه. والطائفة الثانية: يرون الرجل قد تُكلِّم فيه بسبب حديث رواه وضُعِّف من أجله، فيجعلون هذا سببًا لتضعيف حديثه أين وجدوه، فيضعِّفون من حديثه ما يجزِم أهلُ المعرفة بالحديث بصحته. وهذا باب قد اشتبه كثيرًا على غير النقاد، والصواب: ما اعتمده أئمة الحديث ونُقّاده من تنقية (١) حديث الرجل وتصحيحه والاحتجاج به في موضع، وتضعيفه وترك حديثه في موضع آخر. وهذا فيما إذا تعددت شيوخ الرجل ظاهر، كإسماعيل بن عياش في غير الشاميين، وسفيان بن حسين في

стр. 1256

غير الزهري، ونظائرُهما متعددة. وإنما النقد الخفي إذا كان شيخه واحدًا، كحديث العلاء بن عبد الرحمن مثلًا عن أبيه عن أبي هريرة، فإن مسلمًا يصحح هذا الإسناد ويحتج بالعلاء، وأعرض عن حديثه في الصيام بعد انتصاف شعبان (١)، وهو من روايته، وعلى شرطه في الظاهر، ولم يرَ إخراجه [ق ٢٠٨] لكلام الناس في هذا الحديث وتفرُّدِه وحدَه به. وهذا أيضًا كثير يعرفه من له عناية بعلم النقد ومعرفة العلل. وهذا إمام الحديث البخاري يعلل حديث الرجل بأنه لا يتابَع عليه، ويحتج به في «صحيحه»، ولا تناقض منه في ذلك. ٤ - باب الإقران في التمر ٤٦٩/ ٣٦٨٦ - عن ابن عمر ﵄ قال: نَهَى رسولُ الله ﷺ عن الإقران، إلَّا أن تستأذنَ أصحابَك. وأخرجه الباقون (٢). قال ابن القيم ﵀: وهذه الكلمة، وهي الاستئذان، قد قيل: إنها مدرجة من كلام ابن عمر. قال شعبة: لا أُرى هذه الكلمة إلا من كلام ابن عمر، يعني الاستئذان. ذكره البخاري في «الصحيح» (٣).

стр. 1257

وقد روى الطبراني في «المعجم» (١) من حديث يزيد بن زُرَيع عن أبي خالد (٢) عن عطاء الخراساني عن ابن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ «كنت قد (٣) نهيتكم عن الإقران وإن الله قد أوسع الخير فأقرنوا». فذهبت طائفة منهم الحازمي (٤) في ذلك إلى النسخ وادَّعوا أن حديث بريدة ناسخ لحديث ابن عمر، قالوا: وكان النهي حيث كان العيش زهيدًا

стр. 1258

والقُوت متعذرًا مراعاةً لجانب الضعفاء والمساكين، وحثًّا على الإيثار والمواساة، ورغبةً في تعاطي أسباب العدالة حالة الاجتماع والاشتراك؛ فلما وسّع الله الخير وعمَّ العيشُ الغنيَّ والفقيرَ قال: فشأنكم إذًا. وهذا الذي قالوه إنما يصح أن لو ثبت حديث بريدة، ولا يثبت مثلُه فإن الطبراني رواه من حديث محمد بن سهل، حدثنا سهل بن عثمان، حدثنا محبوب العطار، عن يزيد بن زريع (١) فذكره. ٥ - باب الفأرة تقع في السمْن ٤٧٠/ ٣٦٩٣ - عن ميمونة ــ وهي بنت الحارث ــ ﵂: أن فأرة وقعت في سمن، فأُخبِرَ النبي ﷺ فقال: «أَلقُوا ما حَوْلَها وكُلُوا». وأخرجه البخاري (٢). ٤٧١/ ٣٦٩٤ - وعن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا وقعت الفأرةُ في السمن: فإن كان جامدًا فألقوها وما حَوْلها، وإن كان مائعًا فلا تقربوه» (٣). قال ابن القيم ﵀: هذا الحديث قد اختلف فيه إسنادًا ومتنًا، والحديث من حديث الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أنه سمع ابن عباس يحدث عن ميمونة، ولفظه: أن فأرة وقعت في سمن فماتت، فسئل النبي ﷺ فقال: «ألقوها وما حولها وكلوه».

стр. 1259

رواه الناس عن الزهري بهذا المتن والإسناد، ومتنه خرّجه البخاري في «صحيحه» والترمذي والنسائي (١)، وأصحاب الزهري كالمجمعين على ذلك. وخالفهم معمر في إسناده ومتنه فرواه عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، وقال فيه: «إن كان جامدًا فألقوها وما حولها، وإن كان مائعًا فلا تقربوه». ولمّا كان ظاهر هذا الإسناد في غاية الصحة، صحّح الحديث جماعة وقالوا: هو على شرط الشيخين، وحُكي عن محمد بن يحيى الذهلي تصحيحه (٢). ولكن أئمة الحديث طعنوا فيه ولم يروه صحيحًا، بل رأوه خطأ محضًا. قال الترمذي في «جامعه» (٣): سمعت محمد بن إسماعيل يقول: حديث معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب في هذا خطأ، والصحيح حديث الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس عن ميمونة. والبخاري في «صحيحه» (٤) قد أشار أيضًا إلى علة حديث معمر من وجوه، فقال: «باب إذا وقعت الفأرة في السمن الجامد أو الذائب»، ثم ذكر

стр. 1260

حديث ميمونة (١). وقال عَقِبه: قيل لسفيان: فإن معمرًا يحدثه عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة؟ قال: ما سمعت الزهري يقوله إلا عن عبيد الله عن ابن عباس عن ميمونة عن النبي ﷺ ، ولقد سمعته منه مِرارًا. ثم قال: حدثنا عبدان أخبرنا (٢) عبد الله عن يونس عن الزهري سئل عن الدابة تموت في الزيت والسمن، وهو جامد أو غير جامد، الفأرة أو غيرها؟ قال: بلغَنا أن رسول الله ﷺ أمر بفأرة ماتت في سمن، فأمر بما قَرُب منها فطُرِح، ثم أُكِل (٣). فذِكْر البخاري فتوى الزهري في الدابة تموت في السمن وغيره الجامدِ والذائب: أنه يؤكل، واحتجاجَه بالحديث من غير تفصيل= دليلٌ على أن المحفوظ من رواية الزهري إنما هو الحديث المطلق الذي لا تفصيل فيه، وأنه مذهبه، فهو رأيه وروايته. ولو كان عنده حديث التفصيل بين الجامد والمائع لأفتى به واحتج به، فحيث أفتى بحديث الإطلاق واحتجّ به دلَّ على أن معمرًا غلط عليه في الحديث إسنادًا ومتنًا. ثم قد اضطرب حديث معمر، فقال عبد الرزاق (٤) عنه: «فلا تقربوه». وقال عبد الواحد بن زياد عنه: «وإن كان ذائبًا أو مائعًا لم يؤكل» (٥).

стр. 1261

قال البيهقي: «وعبد الواحد بن زياد أحفظ منه»، يعني عبد الرزاق. وفي بعض طرقه: «فاستصبِحوا به» (١). وكل هذا غير محفوظ في حديث الزهري. فإن قيل: فقد رواه أبو حاتم البُستي في «صحيحه» (٢) من رواية الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن ميمونة: أن رسول الله ﷺ سئل عن الفأرة تموت في السمن؟ فقال: «إن كان جامدًا فألقُوها وما حولَها وكلوه، وإن كان ذائبًا فلا تقربوه». رواه عن عبد الله بن محمد الأزدي (٣)، أخبرنا (٤) إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا سفيان، عن الزهري به، وكذلك هو في «مسند إسحاق» (٥).

стр. 1262

فالجواب: أن كثيرًا من أهل الحديث جعلوا هذه الرواية موهومة معلولة (١)، فإن الناس إنما رووه عن سفيان عن الزهري مثل ما رواه سائر الناس عنه (٢)، كمالك وغيره من غير تفصيل، كما رواه البخاري وغيره. وقد رد أبو حاتم البُستي [ق ٢٠٩] هذا، وزعم أن رواية إسحاق هذه ليست موهومة برواية معمر عن الزهري فقال: «ذكر خبرٍ أوهم بعضَ من لم يطلب العلم مِن مَظانّه أنّ رواية ابن عيينة هذه معلولة أو موهومة»، ثم ساق (٣) من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة الحديث: «إن كان جامدًا فألقوها وما حولها، وإن كان مائعًا فلا تقربوه».

стр. 1263

وهذا لا يدل على أن حديث إسحاق محفوظ، فإن رواية معمر هذه خطأ، كما قاله البخاري وغيره، والخطأ لا يحتج به على ثبوت حديث معلول، فكلاهما وهم. ثم قال أبو حاتم (١): «ذكر الخبر الدال على أن الطريقين جميعًا محفوظان»: أخبرنا (٢) عبد الله بن محمد الأزدي، أخبرنا إسحاق، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة فذكره، قال: «إن كان جامدًا أَلقَى ما حولها وأَكَله، وإن كان مائعًا لم يَقربْه». قال عبد الرزاق: وأخبرني عبد الرحمن بن بُوذَوَيه أن معمرًا كان يذكر أيضًا عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة، عن النبي ﷺ مثلَه. فهذه مثل رواية سفيان عن الزهري عن عبيد الله بالتفصيل. فتصير وجوه الحديث أربعة: * وجهان عن معمر وهُما: عبد الرزاق عنه عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة بذكر التفصيل. الثاني: عبد الرحمن بن بُوذَوَيه عنه عن الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس عن ميمونة بالتفصيل أيضًا. * ووجهان عن سفيان: أحدهما: رواية الأكثرين عنه عن الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس

стр. 1264

عن ميمونة بالإطلاق من غير تفصيل. والثاني (١): رواية إسحاق عنه عن الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس عن ميمونة بالتفصيل. وأما رواية معمر، فإنه خالف أصحاب الزهري في حديثه المفصَّل في إسناده ومتنه في حديث أبي هريرة، وخالف أصحاب الزهري في المتن في حديث عبيد الله عن ابن عباس، ووافقهم في الإسناد. وهذا يدل على غلطه فيه، وأنه لم يحفظه كما حفظه (٢) مالك وسفيان وغيرُهما من أصحاب الزهري. وأما حديث سفيان: فالمعروف عند الناس منه ما رواه البخاري في «صحيحه» (٣) عن الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا الزهري، أخبرني عبيد الله بن عبد الله أنه سمع ابن عباس عن ميمونة ــ فذكره من غير تفصيل. وكذلك رواه سعيد بن عبد الرحمن وأبو عمار عن سفيان (٤). قال البخاري في «صحيحه» (٥): «باب إذا وقعت الفأرة في السمن الجامد أو الذائب». حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا الزهري، قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: أنه سمع ابن عباس يحدث عن

стр. 1265

ميمونة: أن فأرةً وقعت في سمن، فماتت، فسئل النبي ﷺ عنها، فقال: «ألقوها وما حولَها وكلوه». قيل لسفيان: فإن معمرًا يحدثه عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، قال: ما سمعتُ الزهري يقوله إلا عن عبيد الله عن ابن عباس عن ميمونة عن النبي ﷺ ، ولقد سمعتُه منه مرارًا. حدثنا عبدان، أخبرنا (١) عبد الله، عن يونس، عن الزهري عن الدابة تموت في الزيت والسمن وهو جامد أو غير جامد، الفأرة أو غيرها؟ قال: بلغنا أن النبي ﷺ أمر بفأرة ماتت في سمن فأمر بما قَرُب منها فطُرِح، ثم أكل؛ عن حديث عبيد الله بن عبد الله. حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، حدثنا مالك، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس عن ميمونة قالت: سئل النبي ﷺ عن فأرة سقطت في سمن، فقال: «ألقوها وما حولها وكلوه». وأما الحديث الذي رواه ابن وهب (٢)، عن عبد الجبار بن عمر، عن ابن شهاب، عن سالم عن أبيه: أن رسول الله ﷺ سئل عن فأرةٍ وقعت في سمن، فقال: «ألقوها وما حولها، وكلوا ما بقي»، فقيل: يا نبي الله، أرأيت إن كان السمن مائعًا؟ قال: «انتفعوا به ولا تأكلوه» = فعبد الجبار بن عمر ضعيف، لا يحتج به (٣).

стр. 1266

وروي من وجه آخر ضعيف عن ابن جريج عن ابن شهاب (١). قال البيهقي (٢): والصحيح عن ابن عمر من قوله في فأرة وقعت في زيت قال: «استصبحوا به وادَّهِنوا به أُدُمكم» (٣). وقد روي هذا الحديث عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد، ولكن الصواب: أنه موقوف عليه، ذكره البيهقي (٤). * * *

стр. 1267

كتاب الطب ١ - باب في الكَيِّ ٤٧٢/ ٣٧١٦ - عن مُطرِّف عن عمران بن حُصين ﵄، قال: نهى النبي ﷺ عن الكَيِّ، فاكْتَوينا، فما أَفلحْن ولا أنْجَحْن (١). وأخرجه الترمذي وابن ماجه (٢) من حديث الحسن البصري عن عمران. ولفظ الترمذي: أن رسول الله ﷺ نهى عن الكي، قال: فابتُلِينا فاكتوينا، فما أفْلَحنا ولا أنجحنا. ولفظ ابن ماجه: نهى رسول الله ﷺ عن الكيّ، فاكتَوَيتُ، فما أفلحت ولا أنجحت. وقال الترمذي: «حسن صحيح». وفيما قاله نظر، فقد ذكر غير واحد من الأئمة أن الحسن لم يسمع من عمران بن حصين (٣). قال ابن القيم ﵀: وأخرجه ابن حبان في «صحيحه» (٤)، ثم قال بعده:

стр. 1268

الزجر عن الكي في حديث عمران بن حصين إنما هو عن الابتداء به من غير علةٍ تُوجبه، كما كانت العرب تفعله، تريد به الوشم، وحديث جابر (١) فيه إباحة استعماله لعلّةٍ تحدث من غير الاتكال عليه في برئها. وفي هذا نظر. وقالت طائفة: النهي من باب ترك الأولى، ولهذا جاء في حديث السبعين الألف أنهم لا يكتوون ولا يسترقون (٢)، وفِعلُه يدل على إباحته. وهذا أقرب الأقوال، وحديث عمران يدل عليه، فإنه قال: «نهانا عن الكي فاكتوينا»، فلو كان نهيه للتحريم لم يُقدِموا عليه، والله أعلم. ٢ - [ق ٢١٠] باب في الأدوية المكروهة ٤٧٣/ ٣٧٢١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن الدواء الخبيث. وأخرجه الترمذي وابن ماجه (٣)، وفي حديثهما: «يعني السمَّ». قال ابن القيم ﵀ (٤): وذكر بعضهم أن خبث الدواء يكون من وجهين.

стр. 1269

أحدهما: خبث النجاسة، وهو أن يدخله المحرَّم، كالخمر ولحم ما لا يؤكل لحمه من الحيوان. والثاني: أن يكون خبيثًا من جهة الطَّعْم والمذاق، ولا يُنكَر أن يكون كره ذلك لما فيه من المشقة على الطباع، ولتكرُّه النفس إياه. ٤٧٤/ ٣٧٢٥ - وعن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواءً، فتداوَوْا ولا تتداوَوا بحرام» (١). فيه إسماعيل بن عيّاش (٢). قال ابن القيم ﵀: وأما حديث ابن مسعود: «إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم»، فذكره البخاري في «الصحيح» (٣) من قول ابن مسعود.

стр. 1270

٣ - باب في تمرة العجوة ٤٧٥/ ٣٧٢٧ - عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه ﵄ أن النبي ﷺ قال: «من تصبَّح بسبع تمراتٍ عجوة لم يضُرَّه ذلك اليوم سمٌّ ولا سِحر». وأخرجاه والنسائي (١). قال ابن القيم ﵀: [هذا المعني مروي من حديث سعد وعائشة. فأما حديث سعد فإنه عامّ، وفي بعض طرق مسلم (٢) فيه: «من أكل سبعَ تمراتٍ ممَّا بين لابَتَيها حين يُصبح لم يضرَّه سمٌّ حتَّى يُمسي»] (٣). وهذا ظاهره أنه مختص بتمر المدينة. وأما حديث عائشة فرواه مسلم في «صحيحه» (٤): أن رسول الله ﷺ قال: «في عجوة العالية شفاء، ــ أو أنها تِرْياق ــ أولَ البُكْرة». وظاهر هذا: اختصاصها بعجوة العالية. وقد روى النسائي في «سننه» (٥) من حديث الأعمش، عن أبي

стр. 1271

نضرة (١)، عن أبي سعيد وجابر، عن النبي ﷺ : «العجوة من الجنة، وهي شفاء من السم». وأخرج (٢) عن شهر عن أبي هريرة عن النبي ﷺ مثله. فقيل: هذا يختص بالمدينة لعِظَم بركتها، لا أن ذلك عام في كل تمر. وقيل: مختص بعجوة العالية. والله أعلم بالصواب (٣). ٤ - باب الغَيْل ٤٧٦/ ٣٧٣٢ - عن أسماء بنت يزيد بن السَّكَن ﵂، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تقتلوا أولادكم سِرًّا، فإن الغَيْل يُدرك الفارس فيُدَعْثِرُه عن فرسه». وأخرجه ابن ماجه (٤).

стр. 1272

٤٧٧/ ٣٧٣٣ - وعن جُدامة الأسدية ﵂ أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لقد هممتُ أن أنهى عن الغِيلَة، حتى ذكرتُ أن الروم وفارسَ يفعلون ذلك فلا يضرُّ أولادَهم». قال مالك (١): «الغِيلة» أن يمسَّ الرجل امرأته وهي ترضع. وأخرجه مسلم والثلاثة (٢). قيل: نهى عنه أولًا لِما علم من ضرره على الصبي، ثم رأى أن ترك ذلك قد يضر الرجل بصبره عن (٣) المرأة مدة الرضاع، فأمسك عن النهي عنه. وذكر (٤) فارس والروم لِكثرتهم، وأنهم أمتان عظيمتان وأولادهم سالمون فرسان، ولأنهم أصحاب طبٍّ وحكمة، فلو كان يضرهم لما فعلوه. والغيل هو وطء المرضع، قيل: حَمَلتْ أو لم تحمل، وقيل: لا يضر ذلك إلا إذا حملت من هذا الوطء، فحينئذ هذا يفسد اللبن على الصبي المرتضع فيضعفه، فيؤثِّر ذلك في بِنْيته وقوَّته حتى إذا صار فارسًا أدركه ذلك الضعف فدَعْثَره عن فرسه وأسقطه عنها (٥).

стр. 1273

قال ابن القيم ﵀: وقد روى مسلم في «صحيحه» (١) عن سعد بن أبي وقاص: أن رجلًا جاء إلى رسول الله ﷺ ، فقال: إني أعزل عن امرأتي، فقال رسول الله ﷺ : «لِمَ تفعل ذلك؟» قال: أُشفِق على ولدها، أو على أولادها، فقال رسول الله ﷺ : «لو كان ذلك ضارًّا ضرَّ فارسَ والروم». وهذه الأحاديث أصح من حديث أسماء بنت يزيد، وهو حديث شامي يرويه عمرو بن مهاجر (٢)، عن أبيه المهاجر بن أبي مسلم (٣) مولى أسماء بنت يزيد ــ يعد في الشاميين ــ عن أسماء بنت يزيد، فإن كان صحيحًا فيكون النهي عنه أولًا إرشادًا وكراهة، لا تحريمًا. والله تعالى أعلم. ٥ - باب الرُّقى ٤٧٨/ ٣٧٤٠ - وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا رُقية إلا من عينٍ أو حُمةٍ أو دم يَرْقأُ» (٤). وفي «الصحيحين» (٥) عن عائشة ﵄ أن رسول الله ﷺ رخص في الرقية من كل ذي حُمة.

стр. 1274

وفي «صحيح مسلم» (١) عن أنس ﵁ قال: رخَّص رسول الله ﷺ في الرقية من العين والحُمة والنملة (٢). قال ابن القيم ﵀: وفي «الصحيحين» (٣) عن عائشة: أن رسول الله ﷺ كان يأمرها أن تسترقي من العين. وفي «الصحيحين» (٤) عن أم سلمة: أن النبي ﷺ قال لجارية في بيت أم سلمة، رأى بوجهها سَفْعة، فقال: «بها نَظْرة، فاسترقوا لها». يعني بوجهها صفرة. وفي «صحيح مسلم» (٥) عن جابر قال: رخَّص رسول الله ﷺ لآل حزم في رقية الحية، وقال لأسماء بنت عميس: «ما لي أرى أجسام بني أخي ضارعة (٦)، تصيبهم الحاجة؟» قالت: لا، ولكن العين تسرع إليهم، قال: «ارْقيهم»، قالت (٧): فعرضتُ عليه، فقال: «ارْقيهم». وفي «صحيح مسلم» (٨) أيضًا عن جابر قال «لَدَغت رجلًا منا عقرب، ونحن جلوس مع رسول الله ﷺ ، فقال رجل: يا رسول الله، أرقي له؟ قال:

стр. 1275

«من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل». وأما ما رواه مسلم في «صحيحه» (١) من حديث جابر: أن رسول الله ﷺ نهى عن الرقى، فهذا لا يعارض هذه الأحاديث، فإنه إنما نهى عن الرقى التي تتضمَّن الشرك وتعظيمَ غيرِ الله سبحانه، كغالب رقى أهل الشرك. والدليل على هذا ما رواه مسلم في «صحيحه» (٢) من حديث عوف بن مالك الأشجعي قال: كنا نرقي في الجاهلية، فقلنا: يا رسول الله، كيف ترى في ذلك؟ فقال: «اعرِضوا علي رُقاكم، لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك». وفي حديث النهي أيضًا ما يدل على ذلك، فإن جابرًا قال: نهى رسول الله ﷺ عن الرقى، فجاء آل عمرو بن حزم إلى رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله، إنه كانت عندنا رقية نَرقي بها من العقرب، وإنك نهيت عن الرقى، قال: «فاعرِضوها عليّ»، فعرضوها عليه، فقال: «ما أرى بأسًا، من استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه» رواه مسلم (٣). وهذا المسلك في هذه الأحاديث وأمثالها فيما يكون المنهيُّ عنه نوعًا، والمأذون فيه نوعًا آخر، وكلاهما داخل تحت اسم واحد= مَن تفطّن له زال عنه اضطراب كثير. يظنه من لم يُحِط علمًا بحقيقة المنهي عنه من ذلك الجنس والمأذونِ فيه= متعارضًا، ثم يسلك مسلك النسخ، أو تضعيف أحد الأحاديث.

стр. 1276

وأما هذه الطريقة فلا يحتاج صاحبها إلى ركوب طريق النسخ، ولا تعسُّف أنواع العلل. وقد يظهر في كثير من المواضع، مثل هذا الموضع، وقد يَدِقّ ويلطُف فيقع الاختلاف بين أهل العلم. والله يُسعد بإصابة الحق من يشاء، وذلك فضله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. ٦ - باب في الطِّيَرة ٤٧٩/ ٣٧٥٩ - وعن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «لا عَدْوَى ولا صَفَرَ ولا هَامَةَ». فقال أعرابي: ما بالُ الإبل تكون في الرَّمْل كأنها الظِّباء، فيخالطها البعير الأجْرَبُ فيُجْربها؟ قال: «فمن أعْدَى الأَوَّلَ؟». قال مَعْمَر: قال الزهري: فحدثني رجل عن أبي هريرة: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «لَا يورِدَنَّ مُمرضٌ على مُصِحٍّ»، قال: فراجَعه الرجل فقال: أليس قد حَدَّثتنا أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لا عَدْوى، ولا صفر، ولا هامة»؟ قال: لم أُحَدِّثكموه. قال الزهري: قال أبو سلمة: قد حَدَّث به، وما سمعتُ أبا هريرة نسي حديثًا قط غيرَه». وأخرجه البخاري ومسلم مطولًا ومختصرًا (١). قال ابن القيم ﵀: ذهب بعضهم إلى أن قوله: «لا يورِد مُمرِض على مُصِحّ» منسوخ بقوله «لا عدوى»، وهذا غير صحيح، وهو مما تقدم آنفًا أن المنهيَّ عنه نوعٌ غيرُ المأذون فيه؛ فإن الذي نفاه النبي ﷺ في قوله: «لا عدوى ولا صفر» هو ما كان عليه أهل الإشراك من اعتقادهم ثبوت ذلك على قياس شركهم وقاعدة كفرهم. والذي نهى عنه النبي ﷺ مِن إيراد

стр. 1277

الممرض على المصح فيه تأويلان: أحدهما: خشية توريط النفوس في نسبة [ق ٢١١] ما عسى أن يقدره الله تعالى من ذلك إلى العدوى، وفيه التشويش على من يورَد عليه وتعريضُه لاعتقاد العدوى، فلا تنافي بينهما بحال. والتأويل الثاني: أن هذا إنما يدل على أن إيراد الممرض على المصح قد يكون سببًا لخلق (١) الله تعالى فيه المرض، فيكون إيراده سببًا، وقد يصرف الله سبحانه تأثيرَه بأسباب تضاده، أو تمنعه قوةَ السببية، وهذا محض التوحيد، بخلاف ما كان عليه أهل الشرك. وهذا نظير نفيه سبحانه الشفاعة في القيامة بقوله: ﴿لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، فإنه لا تضاد الأحاديث المتواترة المصرحة بإثباتها، فإنه سبحانه إنما نفى الشفاعة التي كان أهل الشرك يثبتونها، وهي شفاعة يتقدم فيها الشافع بين يدي المشفوع عنده، وإن لم يأذن له. وأما التي أثبتها الله ورسوله فهي الشفاعة التي تكون من بعد إذنه، كقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقوله: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]، وقوله: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣]. والله الموفق للصواب. * * *

стр. 1278

كتاب العتاق ١ - في المكاتَب يؤدِّي بعض كتابته فيعجِز أو يموت ٤٨٠/ ٣٧٧٢ - عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: «المُكاتَب عبدٌ ما بقي عليه من مُكاتَبته درهمٌ» (١). فيه إسماعيل بن عيّاش. ٤٨١/ ٣٧٧٣ - وعنه أن النبي ﷺ قال: «أيُّما عبدٍ كاتَبَ على مِائة أُوقِيَّةٍ، فأدَّاها إلا عشرةَ أواقٍ فهو عبدٌ، وأيُّما عبد كاتَبَ على مائة دينارٍ، فأدَّاها إلا عشرةَ دنانير فهو عبدٌ». وأخرجه النسائي وابن ماجه والترمذي (٢)، وقال: غريب. وقال الشافعي (٣): لم أعلم أحدًا روى هذا عن النبي ﷺ إلا عمرو، وعلى هذا فُتيا المفتين (٤).

стр. 1279

قال ابن القيم ﵀: قال الشافعي (١): ونحن نروي عن زيد بن ثابت وابن عمر وعائشة: أنه عبد ما بقي عليه شيء (٢). قال البيهقي (٣): وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال: «المكاتب عبد ما بقي عليه درهم». وذكر الشافعي (٤) عن الشعبي: أن عليًّا قال في المكاتب: «يَعتِق منه بحساب ما أدَّى»، وعن الحارث الأعور عنه: «يَعتِق منه بقدر ما أدَّى، ويرث بقدر ما أدى». قال البيهقي (٥): وقد روى حماد بن سلمة، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس عن النبي ﷺ : «إذا أصاب المكاتبُ حدًّا أو ميراثًا ورِث بحساب ما عَتَق منه، وأقيم عليه الحدُّ بحساب ما عتَق منه» (٦).

стр. 1280

وبهذا الإسناد قال: «يُودَى المكاتَبُ (١) بحصة ما أدَّى دِيَة حر، وما بقي ديةَ عبدٍ» (٢). وفي «المسند» (٣) لأحمد عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: «يُودَى المكاتب بقدر ما أدّى [ديةَ الحرّ]». وقد روي هذا موقوفًا عليه (٤). ورواه الترمذي (٥) أتم من هذا عن ابن عباس قال: «إذا أصاب المكاتَب حدًّا أو ميراثًا ورث بحساب ما عتق منه، ويُودَى المكاتب بحِصّة ما أدَّى دية حر، وما بقي دية عبد». قال الترمذي: هذا حديث حسن. قال البيهقي (٦): ورواه وهيب عن أيوب عن عكرمة [عن علي] مرفوعًا:

стр. 1281

«يُودَى المكاتب بحصة ما أدّى ديةَ حرّ، وما بقي ديةَ عبد» (١). قال: ورواية عكرمة عن علي مرسلة. ورواه حماد بن زيد وإسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن عكرمة، عن النبي ﷺ مرسلًا (٢). وروي عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس مرفوعًا في الدية (٣). واختلف فيه على هشام الدستوائي عن يحيى؛ فرفعه عنه جماعة، ووقفه على ابن عباس بعضهم (٤).

стр. 1282

ورواه علي بن المبارك عن يحيى مرفوعًا، ثم قال يحيى: قال عكرمة عن ابن عباس: «يقام عليه حد المملوك» (١). وهذا يخالف رواية حماد بن سلمة في النص، والروايةَ المرفوعة في القياس (٢). ولهذا الاضطراب ــ والله أعلم ــ ترك الإمام أحمد القول به، فإنه سئل عن هذا الحديث؟ فقال: أنا أذهب إلى حديث بريرة: أن النبي ﷺ أمر بشرائها، يعني أنها بقيت على الرِّقّ حتى أمر بشرائها (٣). وقد اختلف الناس في هذه المسألة على مذاهب: أحدها: أنه لا يعتق منه شيء ما دام عليه شيء من كتابته. وهذا قول الأكثرين، ويُروى عن عمر وزيد وابن عمر وعائشة وأم سلمة (٤)، وجماعةٍ من التابعين (٥). وهو قول مالك والشافعي وأبي حنيفة وإسحاق (٦).
следующие страницы →