← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 201

تهذيب سنن أبي داود - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 675 стр.). Показаны 1278–1317 · переход к 1283.

стр. 1278

كتاب العتاق ١ - في المكاتَب يؤدِّي بعض كتابته فيعجِز أو يموت ٤٨٠/ ٣٧٧٢ - عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: «المُكاتَب عبدٌ ما بقي عليه من مُكاتَبته درهمٌ» (١). فيه إسماعيل بن عيّاش. ٤٨١/ ٣٧٧٣ - وعنه أن النبي ﷺ قال: «أيُّما عبدٍ كاتَبَ على مِائة أُوقِيَّةٍ، فأدَّاها إلا عشرةَ أواقٍ فهو عبدٌ، وأيُّما عبد كاتَبَ على مائة دينارٍ، فأدَّاها إلا عشرةَ دنانير فهو عبدٌ». وأخرجه النسائي وابن ماجه والترمذي (٢)، وقال: غريب. وقال الشافعي (٣): لم أعلم أحدًا روى هذا عن النبي ﷺ إلا عمرو، وعلى هذا فُتيا المفتين (٤).

стр. 1279

قال ابن القيم ﵀: قال الشافعي (١): ونحن نروي عن زيد بن ثابت وابن عمر وعائشة: أنه عبد ما بقي عليه شيء (٢). قال البيهقي (٣): وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال: «المكاتب عبد ما بقي عليه درهم». وذكر الشافعي (٤) عن الشعبي: أن عليًّا قال في المكاتب: «يَعتِق منه بحساب ما أدَّى»، وعن الحارث الأعور عنه: «يَعتِق منه بقدر ما أدَّى، ويرث بقدر ما أدى». قال البيهقي (٥): وقد روى حماد بن سلمة، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس عن النبي ﷺ : «إذا أصاب المكاتبُ حدًّا أو ميراثًا ورِث بحساب ما عَتَق منه، وأقيم عليه الحدُّ بحساب ما عتَق منه» (٦).

стр. 1280

وبهذا الإسناد قال: «يُودَى المكاتَبُ (١) بحصة ما أدَّى دِيَة حر، وما بقي ديةَ عبدٍ» (٢). وفي «المسند» (٣) لأحمد عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: «يُودَى المكاتب بقدر ما أدّى [ديةَ الحرّ]». وقد روي هذا موقوفًا عليه (٤). ورواه الترمذي (٥) أتم من هذا عن ابن عباس قال: «إذا أصاب المكاتَب حدًّا أو ميراثًا ورث بحساب ما عتق منه، ويُودَى المكاتب بحِصّة ما أدَّى دية حر، وما بقي دية عبد». قال الترمذي: هذا حديث حسن. قال البيهقي (٦): ورواه وهيب عن أيوب عن عكرمة [عن علي] مرفوعًا:

стр. 1281

«يُودَى المكاتب بحصة ما أدّى ديةَ حرّ، وما بقي ديةَ عبد» (١). قال: ورواية عكرمة عن علي مرسلة. ورواه حماد بن زيد وإسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن عكرمة، عن النبي ﷺ مرسلًا (٢). وروي عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس مرفوعًا في الدية (٣). واختلف فيه على هشام الدستوائي عن يحيى؛ فرفعه عنه جماعة، ووقفه على ابن عباس بعضهم (٤).

стр. 1282

ورواه علي بن المبارك عن يحيى مرفوعًا، ثم قال يحيى: قال عكرمة عن ابن عباس: «يقام عليه حد المملوك» (١). وهذا يخالف رواية حماد بن سلمة في النص، والروايةَ المرفوعة في القياس (٢). ولهذا الاضطراب ــ والله أعلم ــ ترك الإمام أحمد القول به، فإنه سئل عن هذا الحديث؟ فقال: أنا أذهب إلى حديث بريرة: أن النبي ﷺ أمر بشرائها، يعني أنها بقيت على الرِّقّ حتى أمر بشرائها (٣). وقد اختلف الناس في هذه المسألة على مذاهب: أحدها: أنه لا يعتق منه شيء ما دام عليه شيء من كتابته. وهذا قول الأكثرين، ويُروى عن عمر وزيد وابن عمر وعائشة وأم سلمة (٤)، وجماعةٍ من التابعين (٥). وهو قول مالك والشافعي وأبي حنيفة وإسحاق (٦).

стр. 1283

وروى سعيد بن منصور في «سننه» (١) عن أبي قلابة قال: «كن أزواج النبي ﷺ لا يحتجبن من مكاتب ما بقي عليه دينار». وذكر سعيد في «سننه» (٢) أيضًا عن عطاء: أن ابن عمر كاتب غلامًا على ألف دينار، فأدى إليه تسعمائة دينار، وعجز عن مائة، فرده ابن عمر ﵁ في الرق (٣). قالوا: وهذا هو مقتضى أصول الشريعة، فإنّ عِتقه مشروط بأداء جميع العوض، فلا يقع شيء منه قبل أدائه، كما لو علّق طلاقها على عوض فأدت بعضه. ولأنه لو عَتَق منه شيءٌ لكان هو السبب في إعتاقه، فكان يسري إلى باقيه إذا كان موسِرًا، كما لو باشره بالعتق. وهذا باطل قطعًا، فإنه لا يبقى للكتابة معنى، فإنه يؤدي درهمًا مثلًا ويتنجّز عِتقُه. وهذا لم يقل به أحد، وذلك أن العتق لا يتبعض في ملك الإنسان، فلو عَتَق منه شيء بالأداء سَرَى إلى باقيه؛ ولا سراية، فلا عتق.

стр. 1284

المذهب الثاني: أنه يَعتِق منه بقدر ما أدّى، وكلما أدّى شيئا عَتَق منه بقدره. وهذا مذهب رابع الخلفاء الراشدين، وأحد الأئمة المهديين علي بن أبي طالب. وحجة هذا القول: حديث ابن عباس المتقدم، وهو حديث حسن، قد روي من وجوه متعددة، ورُواته أئمة ثقات لا مطعن فيهم، ولا تَعلُّق عليهم في الحديث سوى الوقف أو الإرسال، وقد روي موقوفًا ومرفوعًا، ومرسلًا ومسندًا، والذين رفعوه ثقات، والذين وقفوه ثقات. وقد أعلَّه قوم بتفرّد حماد بن سلمة به وليس كذلك، فقد رواه وهيب وحماد بن زيد وإسماعيل بن إبراهيم عن أيوب، وله طرق قد ذكرنا بعضها (١). المذهب الثالث: أنه إذا أدَّى شَطر الكتابة فلا رقَّ عليه ويُلزَم بأداء [ق ٢١٢] الباقي. وهذا يروى عن عمر بن الخطاب (٢)، وعن علي أيضًا (٣).

стр. 1285

وهو قول إبراهيم النخعي (١). المذهب الرابع: أنه إذا أدى قيمته فهو حر. قال الشافعي (٢) عن حماد بن خالد الخياط، عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن أبي الأحوص قال: قال عبد الله: إذا أدى المكاتب قيمته فهو حر. المذهب الخامس: أنه إذا أدى ثلاثة أرباع الكتابة وعجز عن رُبعها عَتَق. وهذا قول أبي بكر عبد العزيز والقاضي وأبي الخطاب (٣)، بناءً منهم على وجوب رد ربع كتابته إليه، فلا يُرَد إلى الرق بعجزه عن أداء شيءٍ يجب ردُّه إليه وهو حقه لا حقَّ للسيد فيه. المذهب السادس: أنه إذا ملك ما يؤدي عَتَق بنفس مِلْكه قبل أدائه. وهذا إحدى الروايتين عن الإمام أحمد (٤). وعلى هذا: إذا ملك ما يؤدي ثم مات قبل الأداء مات حرًّا، يُدفَع إلى سيِّده مقدار كتابته، والباقي لورثته. واحتج لهذا المذهب بما رواه نَبْهان مكاتب لأم سلمة قال: سمعت أم سلمة تقول: قال لنا رسول الله ﷺ : «إذا كان لإحداكن مكاتب، فكان عنده ما

стр. 1286

يؤدي، فلتحتجب منه». رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه (١)، وقال الترمذي: حسن صحيح. قال الشافعي في القديم (٢): ولم أحفظ عن سفيان أن الزهري سمعه من نبهان، ولم أر من رضيتُ من أهل العلم (٣) يثبت واحدًا من هذين الحديثين، والله أعلم. قال البيهقي: أراد هذا وحديث عمرو بن شعيب: «المكاتب عبد ما بقي عليه درهم». قال (٤): وحديث عمرو بن شعيب قد رويناه موصولًا، وحديث نبهان قد ذكر فيه معمر سماع الزهري من نبهان (٥)، إلا أن صاحِبَي «الصحيح» لم يخرجاه، إما لأنهما لم يجدا ثقةً يروي عنه غيرَ الزهري، فهو عندهما لا يرتفع عنه اسم الجهالة برواية واحد عنه، أو لأنهما لم يثبت عندهما من عدالته ومعرفته ما يوجب قبول خبره. هذا آخر كلامه. وقد ذكر عبد الرحمن بن أبي حاتم في موضعين من «كتابه» (٦): أن محمد بن عبد الرحمن مولى طلحة روى عن نبهان. ومحمد بن عبد الرحمن هذا ثقة، احتج به مسلم في «الصحيح».

стр. 1287

قال الشافعي (١): وقد يجوز أن يكون أَمْرُ رسولِ الله ﷺ أمَّ سلمة ــ إن كان أمرها بالحجاب من مكاتبها إذا كان عنده ما يؤدي ــ على ما عظم الله به أزواجَ النبي ﷺ أمهاتِ المؤمنين وخصّهن منه، وفرّق بينهن وبين النساء إِن اتَّقَينَ، ثم تلا الآيات (٢) في اختصاصهن، بأن جعل عليهن الحجاب من المؤمنين وهن أمهات المؤمنين، ولم يجعل على امرأة سواهن أن تحتجب ممن يَحرُم عليه نكاحُها ــ ثم ساق الكلام إلى أن قال ــ: ومع هذا إنّ احتجاب المرأة ممن له أن يراها واسع لها، وقد أمر النبي ﷺ ــ يعني سودة ــ أن تحتجب من رجل قضى أنه أخوها، وذلك يشبه أن يكون للاحتياط، وأن الاحتجاب ممن له أن يراها مباح، والله أعلم. فأما حديث أم سلمة فليس صريحًا في أنه يَعتِق بملك الأداء، إنما فيه أمرُ نسائه، أو أمر النساء عامةً، باحتجابهن من مكاتبيهن إذا كان عندهم ما يؤدّون، وهذا لأنهم بملك الأداء قد شارفوا العتق، وقوي سبب الأجنبية بينهم وبين ساداتهم، فاحتجاب النساء ساداتهم منهم أحوط (٣). والعبد ليس بمحرم لسيدته في أحد القولين، وفي الآخر هو محرم لسيدته، للحاجة لهما إلى ذلك، وكثرة دخوله وخروجه عليها، ومِلْكها منافعَه واستخدامَه؛

стр. 1288

وبالكتابة لم يتحقق زوال هذا المعنى، فإذا ملك ما يؤدي، وقد ملك منافعه بالكتابة، ولم يبق في عوده في الرق مطمع غالبًا= قوي جانب الحرّية فيه وتأكد سببُ الاحتجاب. مع أن حديث أم سلمة في سياقه ما يدل على أنها إنما (١) احتجبت منه بعد إذنها في دفع ما عليه لأخيها. قال الشافعي ﵀ (٢): أخبرنا (٣) سفيان قال: سمعت الزهري يذكر عن نبهان مولى أم سلمة زوج النبي ﷺ ، أنه كان معها وأنها سألته: كم بقي عليك من كتابتك؟ فذكر شيئا قد سماه، وأنه عنده، فأمرتْه أن يعطيه أخاها أو ابنَ أخيها، وألقت الحجاب واستترت منه، وقالت: عليك السلام، وذكرت (٤) عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا كان لإحداكن مكاتب، فكان عنده ما يؤدي، فلتحتجب منه». فهذا السياق يدل على ما ذكرنا، إلا أن المرفوع منه دليل على الاحتجاب بنفس ملك الأداء، وهذا وجهه ــ والله أعلم ــ ما تقدم. وإنما الشأن في حديث عمرو بن شعيب وحديث ابن عباس، وفي تقديم أحدهما على الآخر. وفي معارضة الإمام أحمد لحديث ابن عباس بحديث بريرة نظر، فإنه لا تعارض بينهما، فإن بريرة لم تكن قضت من كتابتها شيئًا، هكذا في

стр. 1289

«الصحيحين» (١) عن عائشة، ولو أدَّى المكاتب من كتابته جاز بيعه وبقي عند المشتري كما كان عند البائع، فإذا كمّل (٢) إليه ما بقي عليه من الكتابة عَتَق، فلم يتضمن بيعه إبطال ما انعقد فيه من الحرية أو سببها. ولكن حديث ابن عباس يرويه عنه عكرمة، وقد اضطرب فيه اضطرابًا كثيرا: فمرة يرويه عنه قوله، ومرة يرويه عكرمة عن النبي ﷺ لا يذكر ابن عباس، ومرة يقول: عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه يقام عليه الحد بحساب ما عتق منه، ومرة يرويه عن علي موقوفًا. وهذا الاضطراب يوجب التوقف في الحديث. وحديث عمرو بن شعيب سالم من مثل هذا الاضطراب، ومعه فتاوى مَن ذكرنا مِن الصحابة، وعليه [ق ٢١٣] العمل. فهذا ما أدى إليه الجهد في هذه المسألة، وفوق كل ذي علم عليم. ٢ - باب فيمن أعتق نصيبًا له من مملوك ٤٨٢/ ٣٧٧٩ - عن أبي المليح ــ قال أبو الوليد: عن أبيه ــ أن رجلًا أعتق شِقْصًا له من غُلام فذُكر ذلك للنبي ﷺ ، فقال: «ليس للهِ شَريك». زاد ابن كثير في حديثه: فأجاز النبي ﷺ عتقه. وأخرجه النسائي وابن ماجه (٣). وقال النسائي: أرسله سعيد بن أبي عروبة

стр. 1290

وهشام بن [أبي] عبد الله، وساقه عنهما مرسلًا (١)، وقال: هشام وسعيد أثبت من همَّام في قتادة وحديثهما أولى بالصواب، وبالله التوفيق. هذا آخر كلامه. وأبو المليح: اسمه عامر، ويقال: عمير، ويقال: زيد. وهو ثقة محتج به في «الصحيحين»، وأبوه: أسامة بن عمير، هُذَلي بصري، له صحبة، ولا نعلم أن أحدًا روى عنه غير ابنه أبي المليح. ٤٨٣/ ٣٧٨٠ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رجلًا أعتق شَقيصًا له من غلام، فأجاز النبيُّ ﷺ عِتقه وغرَّمه بقيَّة ثمنه» (٢). ٤٨٤/ ٣٧٨١ - وفي رواية عن النبي ﷺ قال: «من أعتق مملوكًا بينه وبين آخرَ فعليه خَلاصُه» (٣). ٤٨٥/ ٣٧٨٢ - وفي رواية: أن النبي ﷺ قال: «من أعتق نصيبًا له في مملوك عَتَق من ماله إن كان له مال» (٤). وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه (٥) بنحوه.

стр. 1291

٣ - باب من ذكر السعاية في هذا الحديث ٤٨٦/ ٣٧٨٣ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «مَن أَعتَق شقيصًا في مملوكِه، فعليه أن يُعتِقَه كُلَّه إن كان له مالٌ، وإلا اسْتُسعِيَ العبدُ غيرَ مَشقُوقٍ عليه». وأخرجه الباقون (١). ٤٨٧/ ٣٧٨٤ - وعنه ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «من أعتق شِقْصًا له ــ أو شَقيصًا له ــ في مملوك فخلاصه عليه في ماله إن كان له مال، فإن لم يكن له مال قوِّمَ العبد قيمةَ عدل، ثمَّ استُسْعِي لِصاحبه في قِيمَتِه غيرَ مشقوق عليه» (٢). قال أبو داود: ورواه رَوحُ بن عُبادة عن سعيد بن أبي عَروبة، لم يذكر السعاية. ورواه يحيى بن سعيد وابن أبي عدي عن سعيد بن أبي عروبة، لم يذكرا فيه السعاية (٣). ورواه يزيد بن زُريع عن سعيد فذكر فيه السعاية.

стр. 1292

وقال البخاري (١): رواه شعبة (٢) عن قتادة، فلم يذكر السعاية. وقال الخطابي (٣): اضطرب سعيد بن أبي عروبة في السعاية: مرة يذكرها، ومرة لا يذكرها، فدل على أنها ليست من متن الحديث عنده. وإنما هو من كلام قتادة وتفسيرِه وتقييدِه على ما ذكره همام وبيَّنه (٤). ويدل على صحة ذلك حديث ابن عمر ﵄ (٥)، وقد ذكره أبو داود في الباب الذي يليه. وقال الترمذي (٦): وروى شعبة هذا الحديث عن قتادة، ولم يذكر فيه أمر السعاية. وقال النسائي (٧): أثبتُ أصحاب قتادة: شعبةُ وهشام الدَّسْتُوائي وسعيد بن

стр. 1293

أبي عروبة، وقد اتفق شعبةُ وهشام على خلاف سعيد بن أبي عروبة، وروايتهما ــ والله أعلم ــ أولى بالصواب عندنا. وقد بلغني أن همّامًا روى هذا الحديث عن قتادة فجعل الكلام الأخير قوله: «وإن لم يكن له مال استُسعي العبد غير مشقوق عليه» قولَ قتادة. وقال عبد الرحمن بن مهدي (١): أحاديث همَّام عن قتادة أصحُّ مِن حديث غيره، لأنه كتبها إملاء. وقال الدارقطني (٢): روى هذا الحديث شعبة وهشام عن قتادة ــ وهما أثبت ــ فلم يذكرا فيه الاستسعاء، ووافقهما همام وفَصَل الاستسعاء من الحديث فجعله من رأي قتادة. وسمعتُ أبا بكر النيسابوري (٣) يقول: ما أحسنَ ما رواه همام وضبطه؛ فصَلَ قولَ قتادة. وقال ابن عبد البر (٤): والذين لم يذكروا السعاية أثبتُ ممن ذكرها (٥). قال ابن القيم ﵀: وقال الإمام أحمد (٦): ليس في الاستسعاء ثبتٌ عن

стр. 1294

النبي ﷺ ، وحديث أبي هريرة يرويه ابن أبي عروبة، وأما شعبة وهشام الدَّسْتُوائي فلم يذكراه (١)، وحدث به معمر (٢) ولم يذكر فيه السعاية. وقال أبو بكر المرُّوذي (٣): ضعّف أبو عبد الله حديث سعيد. وقال الأثرم (٤): طعن سليمان بن حرب في هذا الحديث وضعَّفه. وقال ابن المنذر (٥): لا يصح حديث الاستسعاء، وذكر همّام أن ذكر الاستسعاء من فُتيا قتادة، وفرّق بين الكلامين الذي هو من قول رسول الله ﷺ وقول قتادة، قال بعد ذلك: فكان قتادة يقول: «إن لم يكن له مال استُسعِيَ العبد». وقال ابن عبد البر (٦) أيضًا: حديث أبي هريرة يدور على قتادة، وقد اتفق شعبة وهشام وهمّام على ترك ذكره، وهم الحجة في قتادة، والقول

стр. 1295

قولهم فيه عند جميع أهل العلم بالحديث إذا خالفهم غيرهم. وقال الشافعي (١): سمعت بعض أهل النظرِ والقياسِ (٢) منهم والعلمِ بالحديث يقول: لو كان حديث سعيد بن أبي عروبة في الاستسعاء منفردًا لا يخالفه غيره ما كان ثابتًا، يعني: فكيف وقد خالفه شعبة وهشام؟ قال الشافعي (٣): وقد أنكر الناسُ حِفظ سعيد. قال البيهقي (٤): وهذا كما قال، فقد اختلط سعيد بن أبي عروبة في آخر عمره حتى أنكروا حفظه. وقال يحيى بن سعيد القطان: شعبة أعلم الناس بحديث قتادة، ما سمع منه وما لم يسمع، وهشام أحفظ، وسعيد أكثر. قال البيهقي: فقد اجتمع هاهنا شعبة مع فضل حفظه وعلمه بما سمع قتادة (٥) وما لم يسمع، وهشام (٦) مع فضل حفظه، وهمام مع صحة كتابته وزيادة معرفته بما ليس من الحديث= على خلاف ابن أبي عروبة ومن تابعه في إدراج السعاية في الحديث. وفي هذا ما يُضعِّف ثبوتَ الاستسعاء بالحديث.

стр. 1296

فهذا كلام هؤلاء الأئمة الأعلام في حديث السعاية. وقال آخرون: الحديث صحيح، وتَرْكُ ذكرِ شعبة وهشام للاستسعاء لا يقدح في رواية من ذكرها، وهو سعيد بن أبي عروبة، ولا سيما فإنه أكبر أصحاب قتادة ومِن أخصّهم به، وعنده عن قتادة ما ليس عند غيره من أصحابه، ولهذا أخرجه أصحاب «الصحيحين» في «صحيحيهما»، ولم يلتفتا إلى ما ذُكر في تعليله. وأما الطعن في رواية سعيد عن قتادة ولو لم يخالَف، فطعن ضعيف، لأن سعيدًا عن قتادة حجة بالاتفاق، وهو من أصح الأسانيد المتلقاة بالقبول التي أكثرَ منها أصحابُ «الصحيحين» وغيرهم، فكيف ولم ينفرد سعيد عن قتادة بالاستسعاء، بل قد رواه عن قتادةَ جريرُ بن حازم، وناهيك به! قال البخاري في «صحيحه» (١): بابٌ إذا أعتق نصيبًا في عبد وليس له مال استُسعي العبدُ غيرَ مشقوق عليه، على نحو الكتابة. حدثني أحمد بن أبي رجاء، حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا جرير بن حازم قال: سمعت قتادة، ح (٢) وحدثنا مسدد، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نَهِيك، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «من أعتق نصيبًا ــ أو شقيصًا ــ في مملوك، فخلاصه عليه في ماله إن كان له مال، وإلا قُوِّم عليه فاستُسعِيَ غيرَ مشقوق عليه». قال البخاري: وتابعه

стр. 1297

حجاج بن حجاج وأبان وموسى بن خلف عن قتادة، اختصره شعبة. وقال النسائي في «سننه» (١): أخبرنا محمد بن عبد الله بن المبارك، حدثنا أبو هشام، حدثنا أبان، حدثنا قتادة، حدثنا النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: «من أعتق شقيصًا له في عبد، فإن عليه أن يُعتِق بقيته إن كان له مال، وإلا استُسْعيَ العبد، غيرَ مشقوق عليه». فقد برئ سعيد من عهدة التفرد به، فهؤلاء خمسة رووه عن قتادة: سعيد، وجرير بن حازم، وأبان، وحجاج بن حجاج، وموسى بن خلف. ثم لو قُدّر تفرد سعيد به لم يضره، وسعيد وإن كان قد اختلط في آخر عمره، فهذا الحديث من رواية يزيد بن زُرَيع وعَبْدة وإسماعيل والجِلَّة عن سعيد (٢)، وهؤلاء أعلم بحديثه. ولم يرووا عنه إلا ما كان قبل اختلاطه، ولهذا خرّج أصحاب الصحيح حديثهم عنه. فالحديث صحيح محفوظ بلا شك. وقد رواه مسلم في «صحيحه» (٣)، كما ذكره البخاري من رواية

стр. 1298

جرير بن حازم. وأما تعليله برواية همام، وأنه ميَّز كلام قتادة من المرفوع، قال أبو بكر الخطيب في كتاب «الفَصْل» (١) له: رواه أبو عبد الرحمن المقرئ عن همام، وزاد فيه ذكر الاستسعاء وجعله من قول قتادة، وميَّزه من كلام النبي ﷺ . =فهذا علة لو كان الذي رفعه دون همام، وأما إذا كان مثلَه وأكثر عددًا منه فالحكم لهم. والله أعلم. وقد عورض حديث أبي هريرة في السعاية بحديث عمران بن حصين، وحديث ابن عمر (٢). أما حديث عمران، فقال الشافعي (٣) في مناظرته لبعض أصحاب أبي حنيفة في المسألة: «ومع حديث نافعٍ حديثُ عمران بن حصين بإبطال الاستسعاء»، ومراده بذلك: أن الرجل لما أعتق الستة المملوكين لم يُكمّل النبي ﷺ عِتقَهم بالسعاية، بل أعتق ثُلُثَهم ولم يَسْتسعِ باقيهم. وهذا لا يعارض حديث الاستسعاء، فإن الرجل أعتق العبيد، وهم كل [ق ٢١٤] التركة، وإنما يملك التبرُّع في ثلثها، فكمّل النبي ﷺ الحريةَ في عبدَين مقدارَ الثلث، وكأنهما هما اللذان باشرهما بالعتق؛ والشارع حَجَر

стр. 1299

عليه ومنعه من تبعيض الحرية في جميعهم وكمّلها في اثنين، فأي منافاة في هذا لحديث السعاية؟ بل هو حجة على من يبعّض العتق في جميعهم، فإنه إن لم يَقُل بالسعاية نقض أصلَه، وإن قال بها وأعتق الجميع ناقض الحديث صريحًا، ولا اعتراض بمناقضته على حديث أبي هريرة في السعاية. وأما حديث ابن عمر، فهو الذي نذكره في هذا الباب: ٤ - باب فيمن روى أنه لا يُستَسعى ٤٨٨/ ٣٧٨٥ - عن مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «من أعتق شِركًا له في مملوك أُقيم عليه قيمة العَدْلِ، فأعطَى شُرَكاءَه حِصَصَهم، وأُعتِق عليه العبدُ، وإلا فقد عَتَق منه ما عَتَق». وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه (١). ٤٨٩/ ٣٧٨٦ - وعن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ بمعناه. قال: وكان نافع ربما قال: «فقد عتق منه ما عتق»، وربما لم يَقُله. ٤٩٠/ ٣٧٨٧ - وفي رواية: قال ــ يعني أيوب ــ: فلا أدري هو في الحديث عن النبي ﷺ أو شيء قاله نافع: «وإلا عتق منه ما عتق»؟ وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي (٢). ٤٩١/ ٣٧٨٨ - وعن عبيد الله ــ وهو ابن عمر ــ عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من أعتَقَ شِرْكًا من مملوك له، فعليه عِتقُه كُلِّه،

стр. 1300

إن كان له ما يبلغ ثمنه، وإن لم يكن له مال عَتَق نصيبُه». وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي (١). ٤٩٢/ ٣٧٨٩ - وعن يحيى بن سعيد، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ ، بمعنى إبراهيم بن موسى. يعني حديثَ عبيد الله الذي قبله. وأخرجه مسلم والنسائي، وذكره البخاري تعليقًا (٢). وفي حديث النسائي: قال يحيى: لا أدري شيئًا كان مِن قِبَله يقوله، أم شيئًا في الحديث: «فإن لم يكن عنده فقد جاز ما صنع»؟ وذكر مسلم أيضًا عن يحيى نحوه. ٤٩٣/ ٣٧٩٠ - وعن جُويرية ــ وهو ابن أسماء ــ عن نافع، عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ ، بمعنى مالك، ولم يذكر «وإلا فقد عتق منه ما عتق» (٣). وقال بعضهم: أيوب قد شَكَّ في قوله: «فقد عتق منه ما عتق» على ما تقدم. قيل له: شكُّ الشاك لا يؤثر في رواية من لم يشك، لاسيما إذا كان الذي لا يشك أحفظَ من الشاك. وقد رواه الإمام مالك ﵁ عن نافع، كما قدمناه، ولم يشك. وقد رواه أيضًا عبيد الله بن عمر العمري عن نافع، كما قدمناه، ولم يشك. وقد رواه أيضًا: جرير بن حازم عن نافع، وفيه «وإلا فقد عتق منه ما عتق» ولم

стр. 1301

يشك. وأخرجه مسلم في «صحيحه» (١). وقال الإمام الشافعي ﵁ (٢): لا أحسب عالمًا بالحديث ورواتِه يشك في أن مالكًا أحفظ لحديث نافع من أيوب، لأنه كان ألزم له من أيوب. ولمالك فضل حفظه لحديث أصحابه خاصة. ولو استويا في الحفظ فشك أحدهما في شيء لم يشك فيه صاحبه= لم يكن في هذا موضع لأن يُغَلَّط به الذي لم يشك. إنما يغلَّطُ الرجل بخلاف من هو أحفظ منه، أو يأتي بشيء في الحديث يَشْرَكه فيه من لم يحفظ منه ما حفظ منه، ثم هم عدد وهو منفرد. وقد وافق مالكًا في زيادة: «وإلا فقد عتق منه ما عتق» يعني غيره من أصحاب نافع. وقال البيهقي: وقد تابع مالكًا على روايته عن نافع: أثبتُ آل عمر في زمانه وأحفظهم: عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب. هذا آخر كلامه. وقال الإمام الشافعي ﵁: وزاد فيه بعضهم: «ورَقَّ منه ما رَق». وهذا الحديث ــ الذي أشار إليه الإمام الشافعي ــ أخرجه الدارقطني في «سننه» (٣).

стр. 1302

وقال في كتاب «الأفراد» (١): تفرد به إسماعيل بن مرزوق عن يحيى بن أيوب عنه. يعني عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر. هذا آخر كلامه. وإسماعيل هذا مُرادي مصري، كنيته أبو يزيد، روى عنه محمد بن عبد الله بن عبد الحكم. ويحيى بن أيوب احتج به مسلم واستشهد به البخاري. قال ابن القيم ﵀: قالوا: وقد قال البخاري (٢): أصح الأسانيد كلها: مالك عن نافع عن ابن عمر. وقال أيوب السختياني: كانت لمالك حلقة في حياة نافع (٣). وقال ابن المديني: كان عبد الرحمن بن مهدي لا يقدِّم على مالك أحدًا (٤). وقال عثمان بن سعيد الدارمي: قلت ليحيى بن معين: مالك أحب إليك في نافع، أو عبيد الله بن عمر؟ قال: مالك، قلتُ: فأيوب السختياني؟ قال: مالك (٥).

стр. 1303

وقال الإمام أحمد ويحيى بن معين: كان مالك من أثبت الناس في حديثه (١). قال الشافعي (٢) لمناظره في المسألة ــ وقد احتج عليه بحديث أبي هريرة في الاستسعاء ــ: وعلينا أن نصير إلى أثبت الحديثين؟ قال: نعم، قلت: فمع حديث نافع حديثُ عمران بن حصين بإبطال الاستسعاء. فقال بعضهم نناظرك في قولنا وقولك. فقلت: أوَ للمناظرة موضع مع ثبوت سنة رسول الله ﷺ بِطَرْح الاستسعاء في حديث نافع وعمران؟ قال: إنا نقول: إن أيوب قال: إنما قال نافع: «فقد عتق منه ما عتق» وربما لم يقله، وأكبر ظني أنه شيء كان يقوله نافع برأيه. فذكر ما تقدم من حفظ مالك وترجيح حديثه على أيوب. قال أصحاب السعاية: مالك ومن معه رووا الحديث كما سمعوه، ولا ريب أن نافعًا كان يذكر هذه الزيادة متصلةً بالحديث، فأداه أصحابه كما سمعوه يذكرها.

стр. 1304

وأما أيوب فاطلع على زيادة علمٍ لم يذكروها ولا نفوها، وإنما أدَّوا لفظ نافع كما سمعوه يسوق الحديث سياقة واحدة فأدوا ما حفظوه، وأيوب اطلع على تفصيلٍ وتمييزٍ في الحديث، فكلهم صادق في روايته، والحكم لمن فصّل وميّز. وهذا الشك منه هو عين الحفظ، فإنه سمع كما سمعه الجماعة وفصّل الزيادة وميّزها، فقال: «أكبر ظني أنه شيء كان يقوله نافع برأيه»، وسمعه مرة أو مرارًا يذكره متصلًا بالحديث، فشك هل هو من قوله أو من قول النبي ﷺ ؟ وإنما يفيد تقديمُ عبيد الله ومالك عليه في الحفظ أن لو خالفهم، فإذا أدّى ما أدَّوه وروى ما رووه بعينه واطلع على زيادة لم يذكروها، كان الأخذ بروايته أولى، لأنهم لم يقولوا: قال نافع: قال رسول الله ﷺ : «وإلا فقد عتق منه ما عتق»، وإنما أدرجوها في الحديث إدراجًا كما سمعوه، وفصل أيوب هذا الإدراج فحفظ شيئًا لم يحفظوه. قالوا: وعلى تقدير الجزم بأنها من كلام النبي ﷺ لا تُناقِض حديث الاستسعاء، فإنّ قوله: «وإلا فقد عتق منه ما عتق» معناه: وإن لم يكن لمعتق البعض مال يبلغ ثمن باقيه عَتَق من العبد بإعتاقه القدرُ الذي أعتقه. وأما الجزء الباقي فمسكوت عنه ولم يذكر حكمه، فجاء بيان ذكر حكمه في حديث أبي هريرة، فتضمَّن حديث أبي هريرة ما في منطوق حديث ابن عمر وزيادة بيان ما سكت عنه، ولا تنافي بين الحديثين. وهذا ظاهر على أحد القولين، لأن باب السعاية أنه لا يَعتِق جميعه بعتق الشريك، وإنما يعتق بعد الأداء بالسعاية بخلاف الجزء الذي قد أعتقه، فإنه قد تنجّز عتقُه، وعِتقُ الجزء الآخر منتظَر موقوف على أداء ما استسعي عليه

стр. 1305

كالكتابة. ومعلوم أن قوله: «وإلا فقد عتق منه ما عتق» لا ينافي عتقه بالسعاية على هذا الوجه. فغاية حديث ابن عمر أن يدل بمفهومه، فإن قوله: «عتق ما عتق» منطوقه وقوع العتق في الجزء المباشَر به، ومفهومه انتفاء هذا العتق عن الجزء الآخر، والمفهوم قد يكون فيه تفصيل، فيعتق في حال ولا يعتق في حال. وكذا يقول أصحاب السعاية في أحد قولَيهم (١): يعتق بأداء السعاية ولا يتنجَّز عتقه قبلها. قالوا: وعلى هذا فقد وفَينا جميع الأحاديث مقتضاها، وعملنا بها كلها، ولم نترك بعضها لبعض. قالوا: وقد أشار النبي ﷺ إلى امتناع الشركة بين الله وعبده في رقبة المملوك بقوله: «ليس لله شريك» (٢)، وهذا تعليل لتكميل الحرية، ولهذا أخرج الجزء المملوك عن مالكه قهرًا إذا كان الشريك المُعتِق موسِرًا، لرغبته في تكميل الحرية المنافية للشركة بين الله وعبده في رقبة المملوك. فإيجاب السعاية على العبد لتكميل حريته إذا كان قادرًا عليها أولى، لأن الشارع إذا أوجب على غير مالكه أن يَستفِكَّ بقيّتَه مِن الرق الذي هو أثر الكفر، فلأن يوجِب على العبد أن يستفكّ بقية رقبته مع كسبه وقدرته [ق ٢١٥] على تخليص نفسه أولى وأحرى. وهذا في غاية الوضوح، وهو شبه الأسير إذا قَدَر على تخليص نفسه

стр. 1306

من الأسر، بل هذا أولى، لأنه قد صار فيه جزء لله لا يملكه أحد، وقد أمكنه أن يُصيّر نفسه عبدًا محضًا لله. والشارع متطلِّع إلى تكميل الأملاك للمالك الواحد، ورفعِ ضرر الشركة، ولهذا جوّز للشريك انتزاعَ الشقص المشفوع من المشتري قهرًا، ليَكْمُل المِلْكُ له، ويزول عنه ضرر الشركة، مع تساوي المالكين، فما الظن إذا كان الخالق سبحانه مالكَ الشقص، والمخلوقُ مالكَ البقية؟ أليس هذا أولى بانتزاع ملك المخلوق وتعويضه منه، ليَكْمُل مِلكُ المالك الحق؟ ولا سبيل إلى إبطال الجزء الذي هو ملك لله، فتعيّن انتزاعُ حصّة العبد وتعويضه عنها. فهذا مأخذ الفريقين في المسألة من جهة الأثر والنظر، والله الموفق للصواب. ٥ - باب فيمن ملك ذا رحم مَحْرَم منه ٤٩٤/ ٣٧٩٤ - عن الحسن ــ وهو البصري ــ عن سَمُرة، عن النبي ﷺ ؛ وقال موسى ــ وهو ابن إسماعيل ــ في موضع آخر: عن سمرة ــ فيما يحسِبُ حَمَّاد ــ، قال: قال رسول الله ﷺ : «من مَلَك ذا رَحِمٍ مَحْرَمٍ فهو حُرٌّ». وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه (١). وقد تقدم اختلاف الأئمة في سماع الحسن من سمرة. وقال أبو داود: لم يحدِّث هذا الحديث إلا حماد بن سلمة، وقد شك فيه.

стр. 1307

وقال أبو داود أيضًا: «شعبة (١) أحفظ من حماد بن سلمة»، يعني أن شعبة رواه مرسلًا (٢). وقال الخطابي (٣): أراد أبو داود من هذا: أن الحديث ليس بمرفوع، أو ليس بمتصل، إنما هو عن الحسن عن النبي ﷺ . وقال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه مسندًا إلا من حديث حماد بن سلمة. وقال البيهقي (٤): والحديث إذا انفرد به حماد بن سلمة، ثم شك فيه، ثم يخالفه فيه مَن هو أحفظ منه= وجب التوقف فيه. وقد أشار البخاري (٥) إلى تضعيف هذا الحديث. وقال علي ابن المديني: هذا عندي منكر. قال ابن القيم ﵀: هذا الحديث له خمس علل:

стр. 1308

إحداها: تفرُّد حماد بن سلمة به، فإنه لم يحدث به غيره. الثانية: أنه قد اختَلف فيه حماد وشعبة عن قتادة، فشعبة أرسله وحماد وصله، وشعبة شعبة (١)! الثالثة: أن سعيد بن أبي عروبة خالفهما، فرواه عن قتادة عن عمر بن الخطاب قوله (٢). الرابعة: أن محمد بن بشّار رواه عن معاذ عن أبيه عن قتادة عن الحسن قولَه (٣). وقد ذكر أبو داود هذين الأثرين. الخامسة: الاختلاف في سماع الحسن من سمرة. ٤٩٥/ ٣٧٩٥ - وعن قتادة: أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: من ملك ذا رحمٍ مَحْرَم فهو حُرّ. وأخرجه النسائي (٤)، وهو موقوف. وقتادة لم يسمع من عمر، فإن مولده بعد وفاة عمر بنيِّف وثلاثين سنة.

стр. 1309

٤٩٦/ ٣٧٩٦ - وعن قتادة، عن الحسن قال: من ملك ذا رحم فهو حرّ. وأخرجه النسائي (١). وهذا أيضًا مرسل. ٤٩٧/ ٣٧٩٧ - وعن قتادة، عن جابر بن زيد والحسن مثلَه. وأخرجه النسائي (٢)، وهو أيضًا مرسل. وقد أخرج النسائي وابن ماجه في «سننهما» (٣) من حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من ملك ذا رحم محرم عَتَق». ولفظ ابن ماجه: «من ملك ذا رحم محرم فهو حرّ». وقال النسائي: هذا حديث منكر، ولا نعلم أحدًا رواه عن سفيان غير ضَمْرة. والله أعلم. وقال الترمذي (٤): ولم يُتابَع ضمرة بن ربيعة على هذا الحديث، وهو حديث خطأ عند أهل الحديث. وذكر البيهقي (٥) أنه وهم فاحش خطأ، والمحفوظ بهذا الإسناد حديثُ النهي عن بيع الولاء وعن هبته، وضمرة بن ربيعة لم يحتج به صاحبا «الصحيح». هذا آخر كلامه.

стр. 1310

وضَمْرة بن ربيعة هو: أبو عبد الله الفِلَسطيني، وثّقه يحيى بن معين وغيره (١)، ولم يخرج البخاري ومسلم من حديثه شيئًا كما ذكر، والوهم حصل له في هذا الحديث كما ذكره الأئمة. قال ابن القيم ﵀: وقال الإمام أحمد (٢) عن ضمرة: إنه ثقة، إلا أنه روى حديثين ليس لهما أصل، أحدهما هذا الحديث. وقد روى الإمام البيهقي (٣) وغيره من حديث أبي صالح عن ابن عباس قال: جاء رجل يقال له: «صالح» بأخيه فقال: يا رسول الله، إني أريد أن أُعتق أخي هذا، فقال: «إن الله أعتقه حين ملكتَه». ولكن في هذا الحديث بليّتان عظيمتان: العَرْزَمي (٤) عن الكلبي؛ كُسَير

стр. 1311

عن عُوَير (١)! وفي «صحيح مسلم» (٢) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «لا يجزي ولد عن والده إلا أن يجده مملوكًا فيشتريَه فيُعتقه»، وهذا مشترك الدلالة. ٦ - باب عتق أمهات الأولاد ٤٩٨/ ٣٧٩٨ - عن سلامة بنت مَعْقِل ــ امرأة من خارجة قَيس عَيْلان ــ قالت: قَدِمَ بِي عَمِّي في الجاهلية، فباعني من الحُبابِ بن عمرو، أخي أبي اليَسَر بن عمرو، فولدتُ له عبد الرحمن بن الحباب، ثم هلك، فقالت امرأته: الآن والله تُبَاعِينَ في دَيْنه، فأتيتُ رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، إني امرأةٌ من خارجة قَيسِ عَيْلان، قدم بي عمي المدينة في الجاهلية فباعني من الحباب بن عمرو، أخي أبي اليَسَر بن عمرو، فولدت له عبد الرحمن بن الحباب، فقالت امرأته: الآن والله تُباعين في دَينه، فقال رسول الله ﷺ : «مَنْ وَلِيُّ الحبَابِ؟» قيل: أخوه أبو اليسر بن عمرو، فبعثَ إليه، فقال: «أعْتِقُوهَا، فإذا سمعتم برَقِيق قَدِمَ عليَّ فائتُوني أُعَوِّضْكم منها». قالت: فأعتقوني، وقدم على رسول الله ﷺ رقيقٌ، فعَوَّضهم مني غلامًا» (٣).

стр. 1312

فيه ابن إسحاق. وقال الخطابي (١): ليس إسناده بذاك. وقال البيهقي (٢): إنه أحسن شيء روي في الباب عن النبي ﷺ (٣). قال ابن القيم ﵀: ولكن هذا على جواز بيعهن أدل منه على عدمه، ولا يخفى ذلك. ورواه أحمد في «مسنده» (٤)، وزاد في آخره: «فاختلفوا فيما بينهم بعد وفاة رسول الله ﷺ ، فقال قوم: أم الولد مملوكة، لولا ذلك لم يعوّضكم رسول الله ﷺ ، وقال بعضهم: هي حرة أعتقها رسول الله ﷺ ، ففيَّ كان الاختلاف». ٤٩٩/ ٣٧٩٩ - وعن عطاء ــ وهو ابن أبي رباح ــ، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: بعنا أمهاتِ الأولادِ على عَهْدِ رسول الله ﷺ وأبي بكر، فلما كان عمر نهانا فانتهينا (٥). وأخرج النسائي وابن ماجه (٦) من حديث أبي الزبير عن جابر قال: كُنَّا نبيع سرارينا أمهات أولادنا والنبي ﷺ حَيٌّ، ما نرى بذلك بأسًا. وهو حديث حسن.

стр. 1313

وأخرجه النسائي (١) من حديث زيد العَمِّي، عن أبي الصدِّيق الناجي، عن أبي سعيد في أمهات الأولاد قال: كنا نبيعهن على عهد رسول الله ﷺ . وزيد العمِّي ضعيف. قال ابن القيم ﵀: وقد روى البخاري في «صحيحه» (٢) عن أبي سعيد قال: جاء رجل من الأنصار إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إنا نصيب سَبْيًا فنحب الأثمان، فكيف ترى في العَزْل؟ فقال النبي ﷺ : «[أوَ] إنكم (٣) تفعلون؟ لا عليكم أن لا تفعلوا ذلكم، فإنها ليست نَسَمة كتب الله أن تخرج إلا وهي خارجة». وهذا لا يدل على منع بيعهن لوجهين: أحدهما: أن الحمل يؤخر بيعها، فيفوته غرضه من تعجيل البيع. الثاني: أنها إذا صارت أم ولدٍ آثر إمساكها لتربية ولده، فلم يَبِعها لتضرر الولد بذلك. وقد احتُج على منع البيع بحجج كلها ضعيفة، منها: ما رواه الإمام أحمد في «مسنده» وابن ماجه (٤) عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: «من وطئ أمته فولدت له فهي مُعتَقَة عن دبر منه».

стр. 1314

وفي لفظ: «أيما امرأة علقت من سيدها فهي معتقة عن دبر منه ــ أو قال: من بعده ــ» (١). وفي لفظ: «فهي حرة من بعد موته» (٢). وهذا الحديث مداره على حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس، وهو ضعيف الحديث ضعَّفه الأئمة (٣). وكذلك حديث ابن عباس الآخر: ذُكِرت أمُّ إبراهيم عند رسول الله ﷺ فقال: «أعتَقَها ولدُها». رواه ابن ماجه (٤)، وهو أيضًا من رواية حسين. وكذلك حديث ابن عباس الآخر يرفعه: «أم الولد حُرّة، وإن كان سِقْطًا». ذكره الدارقطني (٥)، وهو من رواية الحسين بن عيسى الحنفي، وهو منكر الحديث ضعيفه. والمحفوظ فيه رواية سفيان الثوري عن أبيه عن عكرمة عن عمر أنه قال في أم الولد: «أعتقها ولدُها، وإن كان سقطا» (٦).

стр. 1315

وكذلك رواه ابن عيينة عن الحكم بن أبان عن عكرمة عن عمر (١). ورواه خُصَيف الجَزَري عن عكرمة عن ابن عباس عن عمر (٢)، فعاد الحديث إلى عمر. قال البيهقي (٣): وهو الأصل في ذلك. ومنها ما رواه الدارقطني (٤) من حديث ابن عمر عن النبي ﷺ أنه نهى عن بيع أمهات الأولاد، وقال: «لا يُبَعْنَ ولا يُوهَبن، ولا يُورَثن، يَستمتع بها سيدُها ما دام حيًّا، فإذا مات فهي حرّة». [ق ٢١٦] وهذا لا يصح رفعه، بل الصواب فيه ما رواه مالك في «الموطأ» (٥) عن ابن عمر عن عمر قولَه، هكذا رواه عن نافع عبيدُ الله ومالك والناس (٦).

стр. 1316

وكذلك رواه الثوري وسليمان بن بلال وغيرهما عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر عن عمر (١). قال البيهقي (٢): وغلط فيه بعض الرواة عن عبد الله بن دينار فرفعه إلى النبي ﷺ ، وهو وهم لا تحلّ روايته. ومنها: ما رواه البيهقي وغيره (٣) عن سعيد بن المسيب: أن عمر أعتق أمهاتِ الأولاد وقال: «أعتقهن رسول الله ﷺ »، فإنه ضعيف. قال البيهقي (٤): يتفرد به عبد الرحمن بن زياد الإفريقي عن مسلم بن يسار عن ابن المسيب، قال: والإفريقي غير محتج به (٥).

стр. 1317

ومنها: ما رواه البيهقي وغيره (١) من حديث خَوَّات بن جبير: أن رجلًا أوصى إليه، وكان فيما ترك أمُّ ولدٍ له وامرأةٌ حرة، فوقع بين المرأة وبين أم الولد بعضُ الشيء، فأرسلت إليها الحرة: لتُباعَنّ رقبتُكِ يا لُكَع! فرفع ذلك خوات بن جبير إلى النبي ﷺ فقال: «لا تباع» وأَمَر بها فأُعتِقَت. قال البيهقي (٢): وهذا مما يتفرد بإسناده رِشدين بن سعد وابن لَهِيعة، وهما غير محتج بهما. وأحسن شيء روي فيه ... فذكر حديث سلامة بنت معقل، وقد تقدم، وذكرنا أنه لا دلالة فيه. وقد ثبت عن عَبِيدة قال: قال علي: استشارني عمر في بيع أمهات الأولاد، فرأيت أنا وهو أنها عتيقة، فقضى به عمر حياته، وعثمان بعده، فلما وُلِّيتُ رأيت أنها رقيق» (٣). وعن عَبِيدة قال: قال علي: اجتمع رأيي ورأي عمر على عِتق أمهات الأولاد، ثم رأيت بعدُ أن أُرِقَّهن في كذا وكذا. قال: فقلت: رأيك ورأي عمر في الجماعة أحبُّ إليَّ مِن رأيك وحدَك في الفُرقة. وفي لفظ: في الفتنة (٤).
следующие страницы →