← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 201

تهذيب سنن أبي داود - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 675 стр.). Показаны 1313–1352 · переход к 1318.

стр. 1313

وأخرجه النسائي (١) من حديث زيد العَمِّي، عن أبي الصدِّيق الناجي، عن أبي سعيد في أمهات الأولاد قال: كنا نبيعهن على عهد رسول الله ﷺ . وزيد العمِّي ضعيف. قال ابن القيم ﵀: وقد روى البخاري في «صحيحه» (٢) عن أبي سعيد قال: جاء رجل من الأنصار إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إنا نصيب سَبْيًا فنحب الأثمان، فكيف ترى في العَزْل؟ فقال النبي ﷺ : «[أوَ] إنكم (٣) تفعلون؟ لا عليكم أن لا تفعلوا ذلكم، فإنها ليست نَسَمة كتب الله أن تخرج إلا وهي خارجة». وهذا لا يدل على منع بيعهن لوجهين: أحدهما: أن الحمل يؤخر بيعها، فيفوته غرضه من تعجيل البيع. الثاني: أنها إذا صارت أم ولدٍ آثر إمساكها لتربية ولده، فلم يَبِعها لتضرر الولد بذلك. وقد احتُج على منع البيع بحجج كلها ضعيفة، منها: ما رواه الإمام أحمد في «مسنده» وابن ماجه (٤) عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: «من وطئ أمته فولدت له فهي مُعتَقَة عن دبر منه».

стр. 1314

وفي لفظ: «أيما امرأة علقت من سيدها فهي معتقة عن دبر منه ــ أو قال: من بعده ــ» (١). وفي لفظ: «فهي حرة من بعد موته» (٢). وهذا الحديث مداره على حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس، وهو ضعيف الحديث ضعَّفه الأئمة (٣). وكذلك حديث ابن عباس الآخر: ذُكِرت أمُّ إبراهيم عند رسول الله ﷺ فقال: «أعتَقَها ولدُها». رواه ابن ماجه (٤)، وهو أيضًا من رواية حسين. وكذلك حديث ابن عباس الآخر يرفعه: «أم الولد حُرّة، وإن كان سِقْطًا». ذكره الدارقطني (٥)، وهو من رواية الحسين بن عيسى الحنفي، وهو منكر الحديث ضعيفه. والمحفوظ فيه رواية سفيان الثوري عن أبيه عن عكرمة عن عمر أنه قال في أم الولد: «أعتقها ولدُها، وإن كان سقطا» (٦).

стр. 1315

وكذلك رواه ابن عيينة عن الحكم بن أبان عن عكرمة عن عمر (١). ورواه خُصَيف الجَزَري عن عكرمة عن ابن عباس عن عمر (٢)، فعاد الحديث إلى عمر. قال البيهقي (٣): وهو الأصل في ذلك. ومنها ما رواه الدارقطني (٤) من حديث ابن عمر عن النبي ﷺ أنه نهى عن بيع أمهات الأولاد، وقال: «لا يُبَعْنَ ولا يُوهَبن، ولا يُورَثن، يَستمتع بها سيدُها ما دام حيًّا، فإذا مات فهي حرّة». [ق ٢١٦] وهذا لا يصح رفعه، بل الصواب فيه ما رواه مالك في «الموطأ» (٥) عن ابن عمر عن عمر قولَه، هكذا رواه عن نافع عبيدُ الله ومالك والناس (٦).

стр. 1316

وكذلك رواه الثوري وسليمان بن بلال وغيرهما عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر عن عمر (١). قال البيهقي (٢): وغلط فيه بعض الرواة عن عبد الله بن دينار فرفعه إلى النبي ﷺ ، وهو وهم لا تحلّ روايته. ومنها: ما رواه البيهقي وغيره (٣) عن سعيد بن المسيب: أن عمر أعتق أمهاتِ الأولاد وقال: «أعتقهن رسول الله ﷺ »، فإنه ضعيف. قال البيهقي (٤): يتفرد به عبد الرحمن بن زياد الإفريقي عن مسلم بن يسار عن ابن المسيب، قال: والإفريقي غير محتج به (٥).

стр. 1317

ومنها: ما رواه البيهقي وغيره (١) من حديث خَوَّات بن جبير: أن رجلًا أوصى إليه، وكان فيما ترك أمُّ ولدٍ له وامرأةٌ حرة، فوقع بين المرأة وبين أم الولد بعضُ الشيء، فأرسلت إليها الحرة: لتُباعَنّ رقبتُكِ يا لُكَع! فرفع ذلك خوات بن جبير إلى النبي ﷺ فقال: «لا تباع» وأَمَر بها فأُعتِقَت. قال البيهقي (٢): وهذا مما يتفرد بإسناده رِشدين بن سعد وابن لَهِيعة، وهما غير محتج بهما. وأحسن شيء روي فيه ... فذكر حديث سلامة بنت معقل، وقد تقدم، وذكرنا أنه لا دلالة فيه. وقد ثبت عن عَبِيدة قال: قال علي: استشارني عمر في بيع أمهات الأولاد، فرأيت أنا وهو أنها عتيقة، فقضى به عمر حياته، وعثمان بعده، فلما وُلِّيتُ رأيت أنها رقيق» (٣). وعن عَبِيدة قال: قال علي: اجتمع رأيي ورأي عمر على عِتق أمهات الأولاد، ثم رأيت بعدُ أن أُرِقَّهن في كذا وكذا. قال: فقلت: رأيك ورأي عمر في الجماعة أحبُّ إليَّ مِن رأيك وحدَك في الفُرقة. وفي لفظ: في الفتنة (٤).

стр. 1318

فهذا يدل على أن منعَ بيعهن إنما هو رأي رآه عمر، ووافقه عليٌّ وغيره، ولو كان عند الصحابة سنة من النبي ﷺ بمنع بيعهن لم يعزم علي على خلافها، ولم يقل له عبيدة: «رأيك ورأي عمر في الجماعة أحب إلينا»، وأقره علي على أن ذلك رأي. وقال الشافعي (١): ولا يجوز لسيدها بيعُها ولا إخراجها من ملكه بشيء غير العتق، وإنها حرة إذا مات مِن رأس المال ... ثم ساق الكلام إلى أن قال: وهو تقليد لعمر بن الخطاب. وقد سلك طائفة في تحريم بيعهن مسلكًا لا يصح، فادعوا الإجماع السابق قبل الاختلاف الحادث؛ وليس في ذلك إجماع بوجه. قال سعيد بن منصور في «سننه» (٢): حدثنا سفيان، عن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس في أم الولد قال: «بِعها كما تبيع شاتَك أو بعيرك». وباعهن علي، وأباح ابن الزبير بيعهن (٣). وقال صالح بن أحمد (٤): قلت لأبي: إلى أي شيء تذهب في بيع أمهات الأولاد؟ قال: أكرهه، وقد باع علي بن أبي طالب. وقال في رواية إسحاق بن منصور (٥): لا يعجبني بيعهن؛ فاختلف أصحابه على طريقتين:

стр. 1319

إحداهما: أن عنه في المسألة روايتين، وهذه طريقة أبي الخطاب وغيره. والثانية: أنها رواية واحدة، وأحمد أطلق الكراهة على التحريم، وهذه طريقة الشيخ أبي محمد (١)، وغيره. وقول علي: «اقضوا كما كنتم تقضون، فإني أكره الاختلاف» ليس صريحًا في الرجوع عن قوله: «رأيت أن أُرِقَّهن»، والله أعلم. ٧ - باب فيمن أعتق عبدًا له مال ٥٠٠/ ٣٨٠٦ - عن نافع، عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَن أعتق عبدًا وله مالٌ فمالُ العبدِ له، إلَّا أن يَشتَرِطَ السَّيِّدُ» (٢). قال ابن القيم ﵀: قال المنذري في «المختصر» (٣): «وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه». وهذا وهم منه، فلم يخرج أحد من أصحاب «الصحيحين» حديث العتق هذا أصلًا، ولا تَعرَّضا له، وإنما رواه النسائي في «سننه» (٤) كما رواه أبو داود، من حديث عبيد الله بن أبي جعفر عن نافع عن ابن عمر، ورواه (٥)

стр. 1320

من حديث عبيد الله بن أبي جعفر أيضًا، عن بكير، عن نافع، عن ابن عمر، ولفظه: «من أعتق عبدًا وله مال فماله له إلا أن يَستثنيه السيد». وهذا الحديث يُعدّ في أفراد عبيد الله هذا، وقد أنكره عليه الأئمة. قال الإمام أحمد ــ وقد سئل عنه (١) ــ: يرويه عبيد الله بن أبي جعفر من أهل مصر، وهو ضعيف في الحديث، كان صاحب فقه، وأما في الحديث فليس هو فيه بالقوي. وقال أبو الوليد: هذا الحديث خطأ. وهذا كما قاله الأئمة، فإن الحديث المحفوظ عن سالم إنما هو في البيع: «من باع عبدًا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترط المبتاع» (٢)، هذا هو المحفوظ عنه. وقد تقدم اختلاف سالم ونافع فيه، وأن سالمًا رفعه، وكان البخاري يصححه، ونافع وقفه على عمر، وكان مسلم والنسائي وغيره يحكمون له. وأما قصة العتق: فإنها وَهْم من ابن أبي جعفر، خالف فيها الناس. قال البيهقي في روايته: وهي خلاف رواية الجماعة. وقد روى البيهقي والأثرم وغيرهما (٣) عن ابن مسعود أنه قال لغلامه

стр. 1321

عمير: ما مالك؟ فإني أريد أن أعتقك، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من أعتق عبدا فماله للذي أعتقه»، ولفظ الأثرم (١): «أيما رجل أعتق عبده أو غلامه، فلم [ق ٢١٧] يخبره بماله فماله لسيده». قال البيهقي (٢): وهذا أصح. وهذا قول أنس (٣)، والشافعي وأبي حنيفة وأحمد وأصحابهم، والثوري (٤).

стр. 1322

وقال الحسن، والشعبي، وعطاء، والنخعي، وأهل المدينة مع مالك (١): المال للعبد، إلا أن يشترطه السيد. ٨ - باب أي الرقاب أفضل ؟ ٥٠١/ ٣٨٠٩ - عن أبي نَجِيح السُّلَمي قال: حَاصَرنا مع رسول الله ﷺ بِقَصْر الطائف ــ قال معاذ (وهو ابن هشام): سمعت أبي يقول: بقصر الطائف، بحِصْن الطائف، كل ذلك ــ فسمعت رسول الله ﷺ يقول: «أيُّما رجلٍ مُسلم أعتَقَ رجلًا مسلمًا، فإن الله جاعِلٌ وِقَاءَ كُلِّ عَظْمٍ من عِظامِه عظمًا من عِظام مُحَرَّرِه من النَّار، وأيُّما امرأةٍ أعتقت امرأةً مسلمةً، فإن الله جاعلٌ وِقاءَ كلِّ عظمٍ من عظامها عظمًا من عظام مُحَرَّرِهَا من النار يوم القيامة». وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه (٢)، وحديثهم مختصر في ذكر الرمي، وفي طريق النسائي: ذِكر الشَّيب (٣)، وقال الترمذي: حسن صحيح. وأبو نجيح: هو عمرو بن عَبَسة السلمي. ٥٠٢/ ٣٨١٠ - وعن شُرَحبيل بن السِّمْط، أنه قال لعَمْرو بن عَبَسة: حدِّثنا حديثًا سمعتَه من رسول الله ﷺ ، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «مَن أعتقَ رقبةً مؤمنة كانت فِداءَه من النار».

стр. 1323

وأخرجه النسائي (١). وفي إسناده بقية بن الوليد، وفيه مقال. وقد أخرجه النسائي من طرق أخرى (٢)، وفيها ما إسناده حسن. ٥٠٣/ ٣٨١١ - وعن شُرحبيل بن السِّمط أنه قال لكعب بن مُرَّة ــ أو مُرَّة بن كعب ــ: حدِّثنا حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ ... فذكر معنى معاذ ــ يعني ابن هشام ــ إلى قوله: «أيُّما امرئ أعتق مسلمًا ... وأيما امرأة أعتقت امرأةً ... »، زاد: «وأيُّمَا رَجُل أعتَقَ امرأتين مسلمتين إلا كانتا فِكاكَه من النار، يَجزِي مكان كل عظمَين منهما عظمٌ من عظامه». وأخرجه النسائي وابن ماجه (٣). قال ابن القيم ﵀: وقد روى الترمذي (٤) عن سالم بن أبي الجعد عن أبي أمامة وغيره من أصحاب النبي ﷺ ــ يعني عن النبي ﷺ ــ قال: «أيما امرئ مسلمٍ أعتق امرأً مسلمًا كان فكاكَه من النار، يَجزي كلُّ عضو [منه عضوًا منه، وأيما امرئ مسلم أعتق امرأتين مسلمتين كانتا فكاكَه من النار، يَجزي كلُّ عضوٍ] (٥) منهما عضوًا منه». قال الترمذي: حسن صحيح. * * *

стр. 1324

كتاب الحمّام ٥٠٤/ ٣٨٥٧ - وعن زُرعة بن عبد الرحمن بن جَرْهَدٍ، عن أبيه ــ قال: كان جَرْهَد هذا من أصحاب الصُّفَّة ــ أنه قال: جلس رسول الله ﷺ عندنا وفَخذي منكشفةٌ فقال: «أما علمت أن الفخذ عورة؟» (١). أخرجه أبو داود عن القَعْنبي عن الإمام مالك، وهو عند القعنبي خارجَ «الموطأ». وهو في موطأ مَعْن بن عيسى القزاز، ويحيى بن بكير، وسليمان بُرْدٍ، وليس هو عند غيرهم من رواة «الموطأ». هكذا ذكر ابنُ الورد (٢). وذكر غيره (٣): أن عبد الله بن نافع الصائغ رواه عن مالك فقال فيه: عن زُرعة عن أبيه عن جده، ورواه معن وإسحاق بن الطبّاع وابن وهب وابن أبي أويس عن مالك عن أبي النضر عن زرعة بن عبد الرحمن عن أبيه عن النبي ﷺ . وقد ذكره البخاري في «التاريخ الكبير» (٤) وذكر الاختلاف فيه. وقال في «الصحيح» (٥): وحديث أنس أسندُ، وحديث جَرْهَد أحوط. يشير

стр. 1325

إلى حديث أنس قال: حَسَر النبي ﷺ عن فخذه (١). وذكر ابن الحَذَّاء (٢) أن فيه اضطرابًا في إسناده. آخر كلامه. وأخرجه الترمذي (٣) من حديث سفيان بن عيينة عن أبي النضر عن زرعة عن جدّه جرهد. وقال: «حديث حسن، ما أرى إسناده بمتصل». وذكره أيضًا من طريقين (٤)، وفيهما مقال. ٥٠٥/ ٣٨٥٨ - وعن عاصم بن ضَمْرة، عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تكشف فخِذك، ولا تنظر إلى فخذ حيٍّ ولا ميِّت». قال أبو داود: هذا الحديث فيه نكارة. وأخرجه ابن ماجه (٥). وعاصم بن ضمرة قد وثَّقه يحيى بن معين وابن المديني، وتكلم فيه غير واحد. وقال البخاري في «الصحيح»: ويروى عن ابن عباس وجرهَدٍ ومحمد بن جَحْش عن النبي ﷺ : «الفخذ عورة». هذا آخر كلامه.

стр. 1326

فأما حديث ابن عباس، فأخرجه الترمذي (١)، وقال: حسن غريب. وفيه أبو يحيى القَتّات، واسمه عبد الرحمن بن دينار، وقيل: اسمه زاذان، وقيل: عمران، وقيل غير ذلك. وقد تكلم فيه غير واحد. وأما حديث جرهد، فهو هذا الذي تقدَّم. وأما حديث محمد بن جحش، فأخرجه البخاري في «تاريخه الكبير» (٢)، وأشار إلى اختلاف فيه (٣). قال ابن القيم ﵀: وأما الطريقان اللذان ذكرهما الترمذي، فأحدهما (٤) من طريق عبد الرزاق أخبرنا معمر عن أبي الزناد قال: أخبرني ابن جرهد عن أبيه ... فذكره، وقال الترمذي: هذا حديث حسن. والطريق الثانية (٥): من حديث عبد الله بن محمد بن عقيل عن عبد الله بن جرهد الأسلمي عن أبيه عن النبي ﷺ : «الفخذ عورة» ثم قال: حسن غريب من هذا الوجه. قال الترمذي: وفي الباب عن علي ومحمد بن عبد الله بن جحش. وحديث علي الذي أشار إليه الترمذي هو الذي ذكره أبو داود في هذا الباب، وقد تقدم.

стр. 1327

وحديث محمد بن جحش قد رواه الإمام أحمد في «مسنده» (١) ولفظه: مر رسول الله ﷺ على معمر وفخذاه مكشوفتان، فقال: «يا معمر، غطِّ فخذيك، فإن الفخذين عورة». وفي «مسند الإمام أحمد» من حديث عائشة (٢) وحفصة (٣)، وهذا لفظ حديث عائشة: أن رسول الله ﷺ كان جالسًا كاشفًا عن فخذه فاستأذن أبو بكر، فأذن له وهو على حاله. ثم استأذن عمر، فأذن له وهو على حاله، ثم استأذن عثمان فأرخى (٤) عليه ثيابَه، فلما قاموا قلت: يا رسول الله، استأذن أبو بكر وعمر فأذِنت لهما وأنت على حالك، فلما استأذن عثمان أرخيت عليك ثيابك؟ فقال: «يا عائشة ألا أستحْيِي من رجل واللهِ إن الملائكة

стр. 1328

لتستحيي (١) منه». وقد رواه مسلم في «صحيحه» (٢)، ولفظه عن عائشة: كان رسول الله ﷺ مضطجعًا كاشفًا عن فخذيه ــ أو ساقيه ــ، فاستأذن أبو بكر فأذن له، وهو على تلك الحال ... فذكر الحديث. فهذا فيه الشك هل كان كشْفُه عن فخذيه أو ساقيه؟ وحديث الإمام أحمد فيه الجزم بأنه كان كاشفًا عن فخذه. وفي «صحيح البخاري» (٣) من حديث أبي موسى الأشعري: أن النبي ﷺ كان كاشفًا عن ركبتيه ــ في قصة القُفّ ــ، فلما دخل عثمان غطَّاها (٤). وطريق الجمع بين هذه الأحاديث ما ذَكَره غير واحد من أصحاب أحمد وغيرهم (٥) أن العورة عورتان: مخففة ومغلظة، فالمغلظة: السوأتان، والمخففة: الفخذان. ولا تنافي بين الأمر بغضِّ البصر عنهما لكونهما عورةً، وبين كشفهما لكونهما عورة مخففة، والله تعالى أعلم. ١ - باب التعرِّي ٥٠٦/ ٣٨٦٠ - وعن بَهْز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، قال: قلت: يا

стр. 1329

رسول الله، عوراتُنا ما نأتي منها وما نَذَرُ؟ قال: «احفظ عَوْرتكَ إلا مِن زوجتك أو ما ملكت يمينُك». قال: قلت: يا رسول الله، إذا كان القومُ بعضُهم في بعضٍ؟ قال: «إن استطَعْتَ أن لا يَرَيَنَّها أحدٌ فلا يَرَيَنَّها». قال: قلت: يا رسول الله، إذا كان أحدُنا خاليًا؟ قال: «الله أحقُّ أن يُسْتَحْيا مِن النَّاس». وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه (١). وقال الترمذي: حسن. هذا آخر كلامه. وقد تقدّم الاختلاف في بهز بن حكيم. وجدُّه هو معاوية بن حَيدة القُشَيري، له صحبة. قال ابن القيم ﵀: وقد حكى الحاكم (٢) الاتفاق على تصحيح حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده. ونص عليه الإمام أحمد وعلي ابن المديني وغيرهما (٣). والله أعلم. * * *

стр. 1330

كتاب اللباس ٥٠٧/ ٣٨٦٣ - عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ إذا استَجَدَّ ثوبًا سمَّاه باسمه إما قميصًا أو عمامة، ثم يقول: «اللهم لك الحمدُ، أنت كَسَوتَنِيه. أسألك مِن خَيره وخَيرِ ما صُنِع له، وأعوذُ بك من شرِّه وشَرِّ ما صُنِع له». قال أبو نَضْرة: فكان أصحابُ النبي ﷺ إذا لبس أحدهم ثوبًا جديدًا قيل له: تُبْلي ويُخْلِفُ الله تعالى (١). قال أبو داود: عبد الوهاب الثقفي لم يذكر فيه أبا سعيد، وحمادُ بن سلمة قال: عن الجُرَيري عن أبي العَلاء عن النبي ﷺ ، يعني أنهما أرسلاه. وأخرج الترمذي والنسائي (٢) المسند منه فقط، وقال الترمذي: حديث حسن. ٥٠٨/ ٣٨٦٤ - وعن سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه ﵄ أن رسول الله

стр. 1331

- ﷺ قال: «من أكل طعامًا ثم قال: الحمد لله الذي أطعمني هذا الطعام ورزقنيه من غير حول منِّي ولا قوة، غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه. ومَن لَبِس ثوبًا فقال: الحمد لله الذي كساني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة، غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر». وأخرجه الترمذي وابن ماجه (١)، وقال الترمذي: حسن غريب، وليس في حديثهما: «وما تأخر». وسهل بن معاذ مصري ضعيف. والراوي عنه: أبو مرحوم عبد الرحيم بن ميمون، مصري أيضًا، لا يحتج به. قال ابن القيم ﵀: وروى أبو بكر بن عاصم في «فوائده» (٢) من حديث عنبسة بن عبد الرحمن، عن رجل (٣)، عن أنس: أن النبي ﷺ كان إذا استجدّ ثوبًا لبسه يومَ الجمعة.

стр. 1332

١ - ما جاء في الأقبية ٥٠٩/ ٣٨٧٢ - وعن أبي مُنيب الجُرَشي، عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من تَشبَّه بقوم فهو منهم» (١). قال ابن القيم ﵀: وأخرجه الإمام أحمد في «المسند» (٢) أتم منه ولفظه: «بعثت بالسَّيْف بين يدي الساعة حتى يُعبد الله وحده لا شريك له، وجُعِل رزقي تحت ظل رُمحي، وجُعِل الذلَّةُ والصغارُ على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم». ٢ - باب في الحُمرة ٥١٠/ ٣٩٠٨ - عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: هَبَطنا مع رسول الله ﷺ من ثَنِيَّة، فالتفتَ إليَّ وعليَّ رَيْطَة مُضَرَّجة بالعُصفُر، فقال: «ما هذه الرَّيطة عليك؟» فعرفتُ ما كَره، فأتيتُ أهلي وهم يَسْجُرُون تَنُّورًا لهم فقذَفتُها فيه، ثم أتيته من الغد، فقال: «يا عبد الله، ما فعلَتِ الرَّيطةُ؟» فأخبرته، فقال: «ألا

стр. 1333

كَسَوتَها بعضَ أهْلِك، فإنَّهُ لا بأس به للنساء» (١). وحكى عن هشام بن الغازِ (٢) أنه قال: المضرّجة التي ليست بِمُشبَعةٍ، ولا الموَرَّدة. هذا آخر كلامه. وقال غيره (٣): ضَرَّجْتُ الثوب، إذا صبغته بالحمرة. وهو دون المُشْبَع، وفوق المورَّد. وأخرجه ابن ماجه (٤). ٥١١/ ٣٩٠٩ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: رآني رسول الله ﷺ وعليَّ ثوبٌ مصبوغ بعُصْفُر مورَّد، فقال: «ما هذا؟» فانطلقت فأحرقته، فقال النبي ﷺ : «ما صنعت بثوبك؟» فقلت: أحرقته، قال: «أفلا كسوتَه بعضَ أهلك؟» (٥). قال أبو داود: رواه ثور عن خالد، فقال: «مُوَرَّد»، وطاوس قال: «معصفر». فيه إسماعيل بن عيَّاش. وفيه شُرَحبيل بن مسلم الخَولاني، ضعَّفه ابن

стр. 1334

معين (١). ٥١٢/ ٣٩١٠ - وعنه ﵁ قال: مرَّ على النبي ﷺ رجلٌ عليه ثوبان أحمران فسَلَّم، فلم يرُدَّ النبي ﷺ عليه. وأخرجه الترمذي (٢)، وقال: حسن غريب من هذا الوجه. وفيه أبو يحيى القتات، وقد اختلف في اسمه، وهو كوفي لا يحتج بحديثه. وهو منسوب إلى بيع القَتِّ (٣). قال ابن القيم ﵀: وقد روى مسلم في «صحيحه» (٤) عن علي بن أبي طالب قال: نهى رسول الله ﷺ عن لباس القَسِّيّ والمُعَصفَر، وعن تختُّم الذهب، وعن قراءة القرآن في الركوع. وروى أيضًا في «صحيحه» (٥) عن عبد الله بن عمرو قال: رأى عليَّ

стр. 1335

رسول الله ﷺ ثوبين معصفرين، فقال: «أمُّك أمرتك بهذا؟» قلت: أغسِلُهما؟ قال: «بل أحرِقْهما». وروى أيضًا في «صحيحه» (١) عن عبد الله بن عمرو أيضًا قال: رأى عليَّ رسول الله ﷺ ثوبين معصفَرَين، فقال: «إنّ هذه مِن لباس الكفار، فلا تَلبسْها». وهذه الأحاديث صريحة في التحريم، لا معارِضَ لها، فالعجب ممن تركها. وقد عارضها بعض الناس بحديث البراء بن عازب قال: رأيت رسول الله ﷺ في حُلَّة حمراءَ، لم أرَ شيئًا قطُّ أحسنَ منه. متفق عليه (٢). وكان بعض المنتسبين إلى العلم يخرج إلى أصحابه في الثوب المُشْبَع (٣) حمرةً، ويزعم أنه يقصد اتباع هذا الحديث! وهذا وهم وغلط بيِّن، فإن الحلّة هي البرود التي قد صبغ غَزْلها ونُسِج الأحمرُ مع غيره، فهي بُرْد فيه أسود وأحمر، وهي معروفة عند أهل اليمن قديمًا وحديثًا. والحلة إزار ورداء، مجموعهما يُسمَّى حلّةً، فإذا كان البرد [ق ٢١٨] فيه أحمر وأسود قيل: برد أحمر، وحلة حمراء. فهذا غير المُضرَّج (٤) المُشبَعِ حمرةً. وذهب بعض أهل العلم إلى أن النهي عن المعصفر خاصة. فأما المصبوغ بغيره من الأصباغ التي تحمّر الثوب، كالمَدَر والمَغْرَة (٥)، فلا بأس به. قال الترمذي في حديث النهي عن المعصفر (٦): معناه عند أهل

стр. 1336

الحديث أنه كره المعصفر. قال: ورأوا أن ما صبغ بالحمرة من مَدَر أو غيره فلا بأس به ما لم يكن معصفرًا. ٣ - باب ما جاء في إسبال الإزار (١) ٥١٣/ ٣٩٢٥ - عن أبي جُرَيٍّ جابر بن سُليم ﵁ قال: رأيت رجلًا يَصْدُر الناسُ عن رأيه، لا يقول شيئًا إلا صَدَرُوا عنه، قلت: مَن هذا؟ قالوا: رسول الله ﷺ ، قلت: عليك السلام يا رسول الله، مرتين، قال: «لا تَقُل: عليك السلام؛ عليك السلام تَحيّةُ الميت، قل: السلام عليك». قال: قلت: أنت رسول الله ﷺ ؟ قال: «أنا رسولُ الله الذي إذا أصابك ضُرٌّ فدعوتَه كشفَه عنك، وإن أصابك عامُ سَنةٍ فدَعَوتَه أنْبَتَها لك، وإن كنتَ بأرضٍ قَفْرٍ ــ أو فلاةٍ ــ فضَلَّتْ رَاحِلتُك فدعَوتَه رَدَّها عليك». قال: قلت: اعهَدْ إليَّ، قال: «لا تَسُبّنَّ أحَدًا»، قال: فما سببتُ بعده حُرًّا ولا عبدًا، ولا بعيرًا ولا شاة. قال: «ولا تَحقِرَنَّ شيئًا من المعروف، وأن تُكَلِّمَ أخاك وأنت مُنْبَسِط إليه وَجهُك إنَّ ذلك من المعروف، وارْفَعْ إزارَك إلى نصفِ الساق، فإن أَبَيتَ فإلى الكعبين، وإيَّاكَ وإسبَالَ الإزار فإنَّها من المَخِيلة، وإن الله لا يُحِبُّ المخيلة، وإن امرُؤ شَتَمَك وعَيَّركَ بما يعلمُ فيك فلا تُعيِّرْه بما تعلم فيه، فإنما وبالُ ذلك عليه». وأخرجه النسائي والترمذي (٢)، وقال: حسن صحيح.

стр. 1337

وقد أشكل هذا على طائفة، وقالوا: قد صح عن النبي ﷺ أنه قال في تحيّة الموتى: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين» فقدم السلام على المسلَّم عليه، ثم قالوا: وهذا أصح من حديث أبي جُريّ هذا، فالأخذ به أولى. وهذا ليس بشيء، ولا تعارض بين الحديثين، [فإن] (١) قوله ﷺ : «عليك السلام تحية الموتى» إخبار عن الواقع مقرونًا بالنهي عنه، وليس إخبارًا عن المشروع، [فإنهم كانوا في] عادة الجاهلية في تحية الأموات يقدمون اسم الميت على الدعاء، كقول قائلهم (٢): عليك سلامُ الله قيسُ بنَ عاصمٍ ... ورحمتُه ما شاء أن يترحَّما والسنة في السلام تقديم التحية على المدعو له في الأحياء والأموات فيقال: السلام عليكم للميت، كما يقال للحي: سلام عليكم، وكما لا يقال في سلام الأحياء: عليكم السلام، فكذلك لا يقال في سلام الأموات. وكأن الذي تخيّله القوم من الفرق أن المسلِّم على [المرء] لمَّا كان يتوقع الجواب و [أن] يقال له: عليك السلام بدأوا باسم السلام على المدعو له توقعًا لقوله: وعليك السلام. وأما الميت فلما لم يتوقعوا منه ذلك قدّموا المدعو له على الدعاء فقالوا: عليك السلام (٣).

стр. 1338

قال ابن القيم ﵀ (١): وهذا الفرق إن صح فهو دليل على التسوية بين الأحياء والأموات في السلام، فإن المُسَلِّم على أخيه الميت يتوقع جوابه أيضًا. قال ابن عبد البر (٢): ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «ما من رجلٍ يمرُّ بقبرِ أخيه كان يعرفه في الدنيا فيُسلِّم عليه إلا ردَّ الله عليه روحَه حتى يردَّ ﵇». وفيه أيضًا نكتة حسنة، وهي أن الدعاء بالسلام دعاء بخير، والأحسن في دعاء الخير أن يُقدَّم الدعاء على المدعو له، كقوله تعالى: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [هود: ٧٣]، وقوله: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ﴾ [مريم: ١٥]، وقوله: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ [الرعد: ٢٤]، وأما الدعاء بالشر: فيقدَّم فيه المدعو عليه على الدعاء غالبًا، كقوله لإبليس: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي﴾ [ص: ٧٨]، ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ﴾ [الحجر: ٣٥]، وقوله: ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ [التوبة: ٩٨]، وقوله: ﴿وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (٣)﴾ [الشورى: ١٦]. وسِرُّه أنه في الدعاء بالخير يُقَدَّم اسم الدعاء المحبوب المطلوب الذي

стр. 1339

تشتهيه النفوس فيَبْدَهُ (١) القلبَ والسمعَ ذكرُ الاسمِ المحبوب المطلوب، ثم يتبعه بذكر المدعو له. وأما في الدعاء عليه ففي تقديم المدعو عليه إيذان باختصاصه بذلك الدعاء، كأنه قيل له: هذا لك وحدك، لا يَشْرَكُك فيه السامع (٢)، بخلاف الدعاء بالخير، فإن المطلوب عمومه، وكلما عمَّم به الداعي كان أفضل، فلما كان التقديم مؤذنًا بالاختصاص تُرِك، ولهذا يُقدَّم إذا أريد الاختصاص، كقوله: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٧] والله أعلم. ٥١٤/ ٣٩٢٧ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: بينما رجلٌ يُصلِّي مُسْبِلًا إزاره، فقال له رسول الله ﷺ : «اذهب فتوضأْ». فذهب فتوضأ، ثم جاء، ثم قال: «اذهب فتوضأ». فقال له رجل: يا رسول الله، ما لَك أمرتَه أن يتوضأ، ثم سكتَّ عنه؟ فقال: «إنه كان يصلي وهو مُسبِل إزارَه، وإنَّ الله لا يقبلُ صلاةَ رجل مُسبِل» (٣). قال ابن القيم ﵀: ووجه هذا الحديث ــ والله أعلم ــ أن إسبال الإزار معصية، وكل مَن واقع معصيةً فإنه يؤمر بالوضوء والصلاة، فإن الوضوء

стр. 1340

يطفئ حريق المعصية. وأحسن ما حمل عليه حديث الأمر بالوضوء من القهقهة في الصلاة (١) هذا الوجه، فإن القهقهة في الصلاة معصية فأمر النبي ﷺ مَن فعلها بأن يحدث وضوءًا يمحو به أثرها. ومنه حديث علي عن أبي بكر: «ما مِن مُسْلم يذنب ذنبًا ثمّ يتوضأ ويصلي ركعتين إلا غفر الله له ذنبَه» (٢). ٤ - باب من روى أن لا يُنتفع من الميتة بإهاب ٥١٥/ ٣٩٦٤ - عن عبد الله بن عُكَيم قال: قرئ علينا كتابُ رسول الله ﷺ بأرض جُهينة، وأنا غلامٌ شاب: «أن لا تَستمتِعُوا من المَيتةِ بإهابٍ ولا عَصَبٍ». قال أبو داود: فإذا دبغ لا يقال له إهاب، إنما يسمَّى: شَنًّا وقِربة، قال النضر بن شُمَيل: يسمَّى إهابًا ما لم يُدبَغ. وأخرجه الترمذي وحسّنه والنسائي وابن ماجه (٣). ويُروى عن ابن عُكَيم عن أشياخٍ له هذا الحديث (٤).

стр. 1341

وقال الترمذي أيضًا: وسمعت أحمد بن الحسن يقول: كان أحمد بن حنبل يذهب إلى هذا الحديث لِما ذُكِر فيه: «قبل وفاته بشهرين»، وكان يقول: كان هذا آخر أمر النبي ﷺ ، ثم ترك أحمد بن حنبل هذا الحديث لمّا اضطربوا في إسناده. وقد حكى الخلّال في كتابه أن أحمد توقّف في حديث ابن عكيم لمّا رأى تزلزل الرواة فيه. وقال بعضهم: رجع عنه (١). وقال النسائي (٢): أصح ما في هذا الباب ــ في جلود الميتة إذا دبغت ــ حديث الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس عن ميمونة. قال ابن القيم ﵀: وقال أبو الفَرَج ابن الجوزي (٣): حديث ابن عكيم مضطرب جدًّا، فلا يقاوم الأول (٤). واختلفت مسالك الفقهاء (٥) في حديث ابن عُكَيم وأحاديث الدباغ (٦)،

стр. 1342

فطائفة قدمت أحاديث الدباغ عليه لصحتها وسلامتها من الاضطراب، وطعنوا في حديث ابن عكيم باضطرابه وبإرساله (١). وطائفة قدَّمت حديث ابن عكيم لتأخُّره وثقةِ رواته، ورأوا أن هذا الاضطراب لا يمنع الاحتجاج به. وقد رواه شعبة عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عبد الله بن عكيم، فالحديث محفوظ. قالوا: ويؤيده ما ثبت عن النبي ﷺ من النهي عن افتراش جلود السباع والنمور، كما سيأتي (٢). وطائفة عَمِلت بالأحاديث كلها، ورأت أنه لا تعارض بينها، وحديث ابن عُكَيم إنما فيه النهي عن الانتفاع بأُهُب الميتة ــ والإهاب هو الجلد الذي لم يدبغ، كما قاله النضر بن شميل، وقال الجوهري (٣): الإهاب الجلد ما لم يدبغ، والجمع: أُهُب ــ وأحاديث الدباغ تدل على الاستمتاع بها بعد الدباغ، فلا تنافي بينهما. وهذه الطريقة حسنة لولا أن قوله في حديث ابن عكيم: «كنتُ رخَّصتُ

стр. 1343

لكم في جلود الميتة، فإذا أتاكم كتابي فلا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب»، والذي كان رُخِّص فيه هو المدبوغ، بدليل حديث ميمونة (١). وقد يجاب عن هذا من وجهين: أحدهما: أن هذه الزيادة لم يذكرها أحد من أهل السنن في هذا الحديث، وإنما ذكروا قوله ﷺ : «لا تنتفعوا من الميتة ... » الحديث، وإنما ذكرها الدارقطني (٢)، وقد رواه خالدٌ الحذَّاء وشعبة عن الحَكَم فلم يذكرا: «كنت رخصت لكم»، فهذه اللفظة في ثبوتها شيء. والوجه الثاني: أن الرخصة كانت مطلقةً غير مقيدة بالدباغ، وليس في حديث الزهري ذكر الدباغ، ولهذا كان ينكره ويقول: «يُستمتَع بالجلد على

стр. 1344

كل حال» (١). فهذا هو الذي نهى عنه أخيرًا، وأحاديث الدباغ قسم آخر لم يتناولها النهي وليست بناسخة ولا منسوخة، وهذه أحسن الطرق. ولا يعارض ذلك نهيه عن جلود السباع، فإنه نهى عن ملابستها باللُّبس والافتراش كما نهى عن أكل لحومها؛ لِما في أكلها ولبس جلودها [ق ٢١٩] من المفسدة. وهذا حكم ليس بمنسوخ، ولا ناسخ أيضًا، وإنما هو حكم ابتدائي رافع لحكم الاستصحاب الأصلي. وبهذه الطريق تتألف السنن، وتستقر كل سنة منها في مستقرها، وبالله التوفيق. * * *

стр. 1345

كتاب الترجّل ١ - باب في إصلاح الشعر ٥١٦/ ٤٠٠٠ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من كان له شعرٌ فَلْيُكرِمْه» (١). وقال المنذري (٢): يعارضه ظاهرُ حديث «الترجُّل إلا غِبًّا» (٣) وحديثِ «البذاذة» (٤) على تقدير صحتهما، فيَحتمِل أن يُجمَع بينهما بأن يكون النهي عن الترجل

стр. 1346

إلا غبًّا لمن يتأذّى بإدمان ذلك لمَرَضٍ أو شدّة برد، فنهاه عن تكلف ما يُضِرُّ به. ويحتمل أنه نهى مَن يعتِقد أن ما كان يفعله أبو قتادة مِن دَهْنه مرتين (١) أنه لازم، فأعلمه أن السنة من ذلك الإغباب به ــ لاسيما لمن يمنعه ذلك من تصرفه وشغله ــ، وأن ما زاد على ذلك ليس بلازم، وإنما يعتقد أنه مباح، من شاء فعله ومَن شاء تركه (٢). قال ابن القيم ﵀: وهذا لا يُحتاج إليه، والصواب أنه لا تعارض بينهما بحال، فإن العبد مأمور بإكرام شعره، ومنهي عن المبالغة والزيادة في الرفاهية والتنعُّم، فيكرم شعره ولا يتخذ الرفاهية والتنعم ديدَنه، بل يترجّل غبًّا. هذا أولى ما حمل عليه الحديثان، وبالله التوفيق. ٢ - باب ما جاء في خضاب السواد (٣) ٥١٧/ ٤٠٤٨ - عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «يكون

стр. 1347

قوم يَخضِبون في آخر الزمان بالسَّواد كحواصل الحمام، لا يَريحُون رائحةَ الجنة» وأخرجه النسائي (١). في إسناده «عبد الكريم» ولم ينسبه أبو داود ولا النسائي، فذكر بعضهم (٢) أنه عبد الكريم بن أبي المخارق أبو أمية، وهو لا يحتجّ بحديثه. وذكر بعضهم أنه عبد الكريم بن مالك الجزري أبو سعيد، وهو من الثقات، اتفقا على الاحتجاج به. وهذا هو الصواب، فإنه قد نسبه بعض الرواة في هذا الحديث وقال: «عن عبد الكريم الجزري». وابن أبي المخارق من أهل البصرة نزل مكة. وأيضًا فإن الذي روى عن عبد الكريم هذا الحديث هو عبيد الله بن عمرو الرقي، وهو مشهور بالرواية عن عبد الكريم الجزري، وهو أيضًا من أهل الجزيرة. وقد تقدّم حديث جابر في «صحيح مسلم» (٣) وقوله: «واجتنبوا السواد». وقد اختلف السلف من الصحابة والتابعين وغيرهم في الخضاب، فرأى بعضهم أن أمر النبي ﷺ بصبغ الشعر نَدْب، وأن تغييره أولى من تركه. وممن كان يخضب: أبو بكر وعمر والحسن والحسين وأبو عبيدة بن الجرّاح وغيرهم؛ يخضبون بالحنّاء والكتم.

стр. 1348

[وروي] عن عمر ﵁ أنه كان يخضب بالحنّاء بحتًا. وكان ابن عمر وابن عباس وعبد الله بن بُسر والمغيرة بن شعبة ﵃ يُصفّرون لحاهم (١). وقال الإمام أحمد: إني لأرى الشيخ مخضوبًا فأفرح به. وذكر رجلًا لم يخضب وأنه يستحيي فقال: سبحان الله سنة رسول الله ﷺ ! قال المروذي: قلتُ يُحكى عن بشر بن الحارث أنه قال: قال لي ابن داود: خضبت؟ قلتُ أنا: لا أفرُغ لغسلها فكيف أتفرّغ لخضابها؟ فقال أحمد: قال النبي ﷺ : «غيِّروا الشَّيب»، وأبو بكر وعمر خضبا والمهاجرون؛ هؤلاء لم يتفرغوا لغسلها والنبي ﷺ أمر بالخضاب؟! فمن لم يكن على ما كان عليه النبي ﷺ فليس من الدين في شيء؛ وحديث أبي ذر، وحديث أبي هريرة، وحديث أبي رمثة، وحديث أم سلمة (٢). وذهب آخرون إلى أن ترك الشعر أبيض أفضل، وقالوا: توفي النبي ﷺ وفي عَنْفَقته ورأسه الشيبُ ولم يغيّره بشيء، ولو كان تغييره أفضل لكان قد آثر الأفضلَ. قال ابن جرير (٣): وممن كان لا يخضب عليٌّ وأبيُّ بن كعب وجماعة من الصحابة والتابعين. قال (٤): والصواب عندنا أن الآثار التي رويت عن النبي ﷺ بتغيير الشيب

стр. 1349

وبالنهي عن تغييره كلَّها صحاح، وليس فيها شيء يُبطِل ما خالفه، لكن بعضها عام وبعضها خاص؛ فالمراد بأحاديث التغيير الخصوص مثل ما كان شيبُ أبي قحافة، فأمَّا الشَّمَط ففيه النهي عن التغيير. واختلاف السلف بحسب اختلاف أحوالهم، ولا يصح أن يقال: إن أحدها ناسخ للآخر لعدم دليل النسخ. هذا كلامه. وقال آخرون: ذلك دليل على اختلاف حالين، أحدهما: عادة البلد، والثاني: اختلاف الناس، فرُبَّ شيبةٍ هي أجمل منها مصبوغة، ومنه ما يُستشنَع (١) فالصَّبْغُ فيه أولى. وفي الخضاب فائدتان، أحدهما: تنظيف الشعر مما تعلق به من الغبار ونحوه، والثاني: مخالفة أهل الكتاب (٢). قال ابن القيم ﵀: والصواب أن الأحاديث في هذا الباب لا اختلاف بينها (٣) بوجه، فإن الذي نهى عنه النبي ﷺ من تغيير الشيب أمران، أحدهما: نَتْفه (٤)، والثاني: خضابه بالسواد، كما تقدم، والذي أذن فيه صَبْغُه وتغييره بغير السواد، كالحنّاء والصُّفرة، وهو الذي عمله الصحابة ﵃. قال الحَكَم بن عمرو الغفاري: دخلت أنا وأخي رافع على عمر بن

стр. 1350

الخطاب وأنا مخضوب بالحناء، وأخي مخضوب بالصفرة، فقال عمر: هذا خضاب الإسلام، وقال لأخي: هذا خضاب الإيمان (١). وأما الخضاب بالسواد فكرهه جماعة من أهل العلم، وهو الصواب بلا ريب لما تقدم ــ وقيل للإمام أحمد: تكره الخضاب بالسواد؟ قال: إي والله! (٢) وهذه المسألة من المسائل التي حلف عليها، وقد جمعها أبو الحسين (٣) ــ، ولأنه يتضمن التلبيسَ بخلاف الصفرة. ورخَّص فيه آخرون، منهم أصحاب أبي حنيفة (٤)، وروي ذلك عن الحسن والحسين وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن جعفر وعقبة بن عامر (٥)،

стр. 1351

وفي ثبوته عنهم نظر (١)، ولو ثبت فلا قول لأحد مع رسول الله ﷺ ، وسنَّتُه أحقُّ بالاتباع ولو خالفها من خالفها. ورخص فيه آخرون للمرأة تتزين به لبعلها، دون الرجل. وهذا قول إسحاق بن راهويه (٢)، وكأنه رأى أن النهي إنما جاء في حق الرجال، وقد جُوِّز للمرأة من خضاب اليدين والرجلين ما لم يُجوَّز للرجل، والله أعلم. * * *

стр. 1352

كتاب الخاتم ١ - باب ما جاء في ترك الخاتم ٥١٨/ ٤٠٥٧ - عن إبراهيم بن سعد، عن ابن شِهاب، عن أنس ﵁: أنه رأى في يد النبي ﷺ خاتمًا من وَرِقٍ يومًا واحدًا، فصنع الناسُ فلبسوا، وطرح النبيُّ ﷺ فطرح الناسُ. وأخرجه البخاري ومسلم (١). وقال أبو داود: رواه عن الزهري زيادُ بن سعد وشعيب وابن مسافر، كلهم قال: «من ورِق». وهؤلاء الذين ذكرهم أبو داود قد أشار إليهم البخاري في «صحيحه» (٢). وقد أخرجا (٣) من حديث يونس بن يزيد عن الزهري وفيه: «من وَرِق»، فهؤلاء خمسة من ثقات أصحاب الزهري رووه عنه كذلك. وقد قيل: إن هذا عند جميع أصحاب الحديث وهمٌ مِن ابن شهاب في (٤): «خاتم الذهب» ــ يعني: أن الصواب أن الذي نبذه هو خاتم الذهب ــ (٥).
следующие страницы →