← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 201

تهذيب سنن أبي داود - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 675 стр.). Показаны 1348–1387 · переход к 1353.

стр. 1348

[وروي] عن عمر ﵁ أنه كان يخضب بالحنّاء بحتًا. وكان ابن عمر وابن عباس وعبد الله بن بُسر والمغيرة بن شعبة ﵃ يُصفّرون لحاهم (١). وقال الإمام أحمد: إني لأرى الشيخ مخضوبًا فأفرح به. وذكر رجلًا لم يخضب وأنه يستحيي فقال: سبحان الله سنة رسول الله ﷺ ! قال المروذي: قلتُ يُحكى عن بشر بن الحارث أنه قال: قال لي ابن داود: خضبت؟ قلتُ أنا: لا أفرُغ لغسلها فكيف أتفرّغ لخضابها؟ فقال أحمد: قال النبي ﷺ : «غيِّروا الشَّيب»، وأبو بكر وعمر خضبا والمهاجرون؛ هؤلاء لم يتفرغوا لغسلها والنبي ﷺ أمر بالخضاب؟! فمن لم يكن على ما كان عليه النبي ﷺ فليس من الدين في شيء؛ وحديث أبي ذر، وحديث أبي هريرة، وحديث أبي رمثة، وحديث أم سلمة (٢). وذهب آخرون إلى أن ترك الشعر أبيض أفضل، وقالوا: توفي النبي ﷺ وفي عَنْفَقته ورأسه الشيبُ ولم يغيّره بشيء، ولو كان تغييره أفضل لكان قد آثر الأفضلَ. قال ابن جرير (٣): وممن كان لا يخضب عليٌّ وأبيُّ بن كعب وجماعة من الصحابة والتابعين. قال (٤): والصواب عندنا أن الآثار التي رويت عن النبي ﷺ بتغيير الشيب

стр. 1349

وبالنهي عن تغييره كلَّها صحاح، وليس فيها شيء يُبطِل ما خالفه، لكن بعضها عام وبعضها خاص؛ فالمراد بأحاديث التغيير الخصوص مثل ما كان شيبُ أبي قحافة، فأمَّا الشَّمَط ففيه النهي عن التغيير. واختلاف السلف بحسب اختلاف أحوالهم، ولا يصح أن يقال: إن أحدها ناسخ للآخر لعدم دليل النسخ. هذا كلامه. وقال آخرون: ذلك دليل على اختلاف حالين، أحدهما: عادة البلد، والثاني: اختلاف الناس، فرُبَّ شيبةٍ هي أجمل منها مصبوغة، ومنه ما يُستشنَع (١) فالصَّبْغُ فيه أولى. وفي الخضاب فائدتان، أحدهما: تنظيف الشعر مما تعلق به من الغبار ونحوه، والثاني: مخالفة أهل الكتاب (٢). قال ابن القيم ﵀: والصواب أن الأحاديث في هذا الباب لا اختلاف بينها (٣) بوجه، فإن الذي نهى عنه النبي ﷺ من تغيير الشيب أمران، أحدهما: نَتْفه (٤)، والثاني: خضابه بالسواد، كما تقدم، والذي أذن فيه صَبْغُه وتغييره بغير السواد، كالحنّاء والصُّفرة، وهو الذي عمله الصحابة ﵃. قال الحَكَم بن عمرو الغفاري: دخلت أنا وأخي رافع على عمر بن

стр. 1350

الخطاب وأنا مخضوب بالحناء، وأخي مخضوب بالصفرة، فقال عمر: هذا خضاب الإسلام، وقال لأخي: هذا خضاب الإيمان (١). وأما الخضاب بالسواد فكرهه جماعة من أهل العلم، وهو الصواب بلا ريب لما تقدم ــ وقيل للإمام أحمد: تكره الخضاب بالسواد؟ قال: إي والله! (٢) وهذه المسألة من المسائل التي حلف عليها، وقد جمعها أبو الحسين (٣) ــ، ولأنه يتضمن التلبيسَ بخلاف الصفرة. ورخَّص فيه آخرون، منهم أصحاب أبي حنيفة (٤)، وروي ذلك عن الحسن والحسين وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن جعفر وعقبة بن عامر (٥)،

стр. 1351

وفي ثبوته عنهم نظر (١)، ولو ثبت فلا قول لأحد مع رسول الله ﷺ ، وسنَّتُه أحقُّ بالاتباع ولو خالفها من خالفها. ورخص فيه آخرون للمرأة تتزين به لبعلها، دون الرجل. وهذا قول إسحاق بن راهويه (٢)، وكأنه رأى أن النهي إنما جاء في حق الرجال، وقد جُوِّز للمرأة من خضاب اليدين والرجلين ما لم يُجوَّز للرجل، والله أعلم. * * *

стр. 1352

كتاب الخاتم ١ - باب ما جاء في ترك الخاتم ٥١٨/ ٤٠٥٧ - عن إبراهيم بن سعد، عن ابن شِهاب، عن أنس ﵁: أنه رأى في يد النبي ﷺ خاتمًا من وَرِقٍ يومًا واحدًا، فصنع الناسُ فلبسوا، وطرح النبيُّ ﷺ فطرح الناسُ. وأخرجه البخاري ومسلم (١). وقال أبو داود: رواه عن الزهري زيادُ بن سعد وشعيب وابن مسافر، كلهم قال: «من ورِق». وهؤلاء الذين ذكرهم أبو داود قد أشار إليهم البخاري في «صحيحه» (٢). وقد أخرجا (٣) من حديث يونس بن يزيد عن الزهري وفيه: «من وَرِق»، فهؤلاء خمسة من ثقات أصحاب الزهري رووه عنه كذلك. وقد قيل: إن هذا عند جميع أصحاب الحديث وهمٌ مِن ابن شهاب في (٤): «خاتم الذهب» ــ يعني: أن الصواب أن الذي نبذه هو خاتم الذهب ــ (٥).

стр. 1353

قال المُهلَّب (١): وقد يمكن أن يُتأوَّل لابن شهاب ما ينفي عنه الوهم ــ وإن كان الوهم أظهر ــ، وذلك يحتمل أن يكون النبي ﷺ لما عزم على اطِّراح خاتم الذهب اصطنع خاتمًا من فضة بدليل أنه كان لا يستغني عن الختم به على الكتب إلى البلدان والملوك وأجوبة العُمَّال وأمراء الأجناد، فلمّا لبس خاتم الفضة أراد الناس ذلك اليوم أن يصطنعوا مثله، فطرح عند ذلك خاتم الذهب فطرح الناس خواتيم الذهب. والتأليف بين الأحاديث أولى من حملها على التنافي والتضاد (٢). قال ابن القيم ﵀: ويدل على وهم ابن شهاب: ما رواه البخاري في «صحيحه» (٣) من حديث عبيد الله عن نافع عن ابن عمر: «أن رسول الله ﷺ اتخذ خاتمًا من ذهب، فجعل فَصَّه مما يلي كفَّه، فاتخذه الناس، فرمى به واتخذ خاتمًا من ورق أو فضة». فهذا يدل على أن الذي طرحه النبي ﷺ هو خاتم الذهب. ويدل عليه: أن خاتم الفضة استمر في يده ولم يطرحه، ولبسه بعده أبو بكر وعمر وعثمان صدرًا من خلافته. وقال النسائي (٤): أخبرنا محمد بن

стр. 1354

معمر، حدثنا أبو عاصم، عن المغيرة (١) بن زياد، حدثنا نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ لبس خاتمًا مِن ذهب ثلاثة أيام، فلما رآه أصحابه فَشَتْ خواتيمُ الذهب، فرمى به فلا نَدْري ما فعل، ثم أمر بخاتم من فضة فأمر أن يُنقَش فيه: «محمد رسول الله»، وكان في يد رسول الله ﷺ حتى مات، وفي يد أبي بكرٍ حتى مات، وفي يد عمر حتى مات، وفي يد عثمان ست سنين من عمله، فلما كثُرت (٢) عليه [الكتب] دفعه إلى رجل من الأنصار فكان يَختِم به، فخرج الأنصاري إلى قَلِيب لعثمان فسقط، فالتُمِسَ فلم يوجد، فأمر بخاتمٍ مثلِه ونَقَش فيه: «محمد رسول الله». وفي «الصحيحين» (٣) من حديث الليث عن نافع عن عبد الله: أن رسول الله ﷺ اصطنع خاتمًا من ذهب، وكان يجعل فصه في باطن كفِّه إذا لبسه، فصنع الناس، ثم إنه جلس على المنبر فنزعه وقال: «إني كنت ألبس هذا الخاتم وأجعل فصَّه من داخل»، فرمى به وقال: «والله لا ألبسه أبدًا»، فنبذ الناس خواتيمهم. فهذا الحديث متفق عليه، وله طرق عديدة في الكتابين (٤). وقد روي عن البراء بن عازب، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص، وأبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: أنهم لبسوا خواتيم

стр. 1355

الذهب (١). وهذا إن صح عنهم فلعلهم لم يبلغهم النهي، وهم في ذلك كمن رخَّص لبس الحرير من السلف، وقد صحت السنة بتحريمهما على الرجال وإباحتهما للنساء. ٢ - باب في الذهب للنساء ٥١٩/ ٤٠٧٢ - عن رِبْعيِّ بن حِراش، عن امرأته، عن أخت لحذيفة أن رسول الله ﷺ قال: «يا معشرَ النساء، أما لكُنَّ في الفضة ما تَحَلَّين به، أما إنه ليس منكن امرأة تَحَلَّى ذهبًا تُظهره إلا عُذِّبت به». وأخرجه النسائي (٢). وامرأة ربعي مجهولة، وأخت حذيفة اسمها فاطمة، وقيل: خولة. وفي بعض طرقه: عن ربعي عن امرأة عن أخت حذيفة ــ وكان له أخوات قد أدركن النبي ﷺ ــ (٣). وذكرها أبو عمر النَّمَري (٤) وسمَّاها: فاطمة. قال: وروي عنها حديث في كراهة تحلّي النساء بالذهب، إن صحّ فهو منسوخ. ولحذيفة أخوات قد أدركن النبي ﷺ . هكذا ذكرها في حرف الفاء. وقال في حرف الخاء (٥): خولة بنت

стр. 1356

اليمان أخت حذيفة، روى عنها أبو سلمة بن عبد الرحمن قالت: سمعت النبي ﷺ يقول: «لا خير في جماعة النساء إلا عند ميت، فإنهن إذا اجتمعن قلن وقلن» (١). فهما عنده اثنتان خلاف ما تقدّم (٢). ٥٢٠/ ٤٠٧٣ - وعن أسماء بنت يزيد أن رسول الله ﷺ قال: «أَيُّما امرأةٍ تَقَلَّدَتْ قِلادةً مِن ذهبٍ قُلِّدَت في عُنُقها مِثلَها مِن النَّار يومَ القيامة، وأيُّما امرأةٍ جعلت في أُذُنها خُرْصًا من ذهبٍ جُعِل في أُذُنها مِثلُه من النار يوم القيامة». وأخرجه النسائي (٣). قال ابن القيم ﵀: قال ابن القطان (٤): وعلّة هذا الخبر أن محمود بن عمرٍو راويه عن أسماء مجهول الحال، وإن كان قد روى عنه جماعة. وروى النسائي (٥) عن أبي هريرة قال: كنت قاعدًا عند النبي ﷺ فأتته امرأة فقالت: يا رسول الله، [ق ٢٢٠] سِواران من ذهب؟ قال: «سِواران من نار»، قالت: طوق من ذهب؟ قال: «طوق من نار». قالت: قُرطان من ذهب؟ قال: «قُرطان من نار». قال: وكان عليها سواران من ذهب فرمت بهما (٦)

стр. 1357

فقالت: يا رسول الله، إن المرأة إذا لم تَزَّيَّنْ لزوجها صَلِفَت عنده. فقال: «ما يمنع إحداكن أن تصنع قُرطين من فضة، ثم تُصفِّره بزعفران أو بعبير؟». قال ابن القطان (١): وعلّته أن أبا زيد راويه عن أبي هريرة مجهول، ولا يُعرف روى عنه غير أبي الجهم، ولا يصح هذا. وفي النسائي (٢) أيضًا عن ثوبان قال: جاءت بنت هُبَيرة إلى رسول الله ﷺ وفي يدها فَتَخ (٣) [فجعل رسولُ الله ﷺ يضرب يَدَها] (٤)، فدخلت على فاطمة تشكو إليها الذي صنع بها رسول الله ﷺ ، فانتزعت فاطمة سلسلة في عنقها من ذهب، قالت: هذه أهداها أبو حسن، فدخل رسول الله ﷺ والسلسلة في يدها. فقال: «يا فاطمة أيغرُّكِ أن يقول الناس: ابنة رسول الله ﷺ وفي يدها سلسلة مِن نار»، ثم خرج ولم يقعد، فأرسلت فاطمة بالسلسلة إلى السوق فباعتها، واشترت بثمنها غلامًا ــ وقال مرة: عبدًا وذكر كلمة معناها: فأعتقته ــ فحُدِّث بذلك فقال: «الحمد لله الذي أنجى فاطمة من النار». قال ابن القطان (٥): وعلته أن الناس قد قالوا: إن رواية يحيى عن زيد بن

стр. 1358

سلَّام (١) منقطعة، وعلى أن يحيى قد قال: حدثني زيد بن سلّام (٢)، وقد قيل: إنه دلس ذلك، ولعله كان أجازه زيد بن سلّام فجعل يقول: حدثنا زيد (٣). وفي النسائي (٤) أيضًا عن عقبة بن عامر: أن النبي ﷺ كان يمنع أهله الحرير والحِلية ويقول: «إن كنتم تحبّون حِلية الجنة وحريرَها فلا تلبسوها في الدنيا». فاختلف الناس في هذه الأحاديث وأشكلت عليهم، فطائفة سلكت بها مسلك التضعيف وعلَّلتْها (٥) كلها، كما تقدم. وطائفة ادَّعت أن ذلك كان في (٦) أول الإسلام ثم نسخ، واحتجت بحديث أبي موسى عن النبي ﷺ قال: «أُحلَّ الذهب والحرير للإناث من

стр. 1359

أمتي، وحُرِّم على ذكورها» (١). قال الترمذي: حديث صحيح، ورواه ابن ماجه في «سننه» من حديث علي (٢) وعبد الله بن عمرٍو (٣) عن النبي ﷺ . وطائفة حملت أحاديث الوعيد على من لم تُؤَدِّ زكاةَ حُلِيِّها، فأما من أدَّتْه فلا يلحقها هذا الوعيد. واحتجوا بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن امرأة أتت رسول الله ﷺ ،ومعها ابنة لها، وفي يد ابنتها مَسَكتان غليظتان مِن ذهب، فقال لها: «تُعطِين زكاة هذا؟» قالت: لا، قال: «أيسّرك أن يسوِّرَكِ الله بهما يومَ القيامة سوارَين من نار؟»، قال: فخلَعَتْهما فألقتْهما إلى النبي ﷺ وقالت: هما لله ولرسوله (٤). وبما روى أبو داود (٥) عن أم سلمة قالت: كنت ألبس أوضاحًا

стр. 1360

من ذهب، فقلت: يا رسول الله أكنز هو؟ فقال: «ما بلغ أن تُؤَدَّى زكاتُه فزُكّي فليس بكنز». وهذا من أفراد ثابت بن عجلان (١)، والذي قبله من أفراد عمرو بن شعيب. وطائفة من أهل الحديث حملت أحاديث الوعيد على من أظهرت حِلْيَتَها وتبرّجت بها، دون من تزينت بها لزوجها. قال النسائي في «سننه» (٢) وقد ترجم على ذلك: «الكراهة للنساء في إظهار الحلي والذهب»، ثم ساق أحاديث الوعيد. والله أعلم. ٥٢١/ ٤٠٧٤ - عن ميمون القَنَّاد، عن أبي قِلابة، عن معاوية بن أبي سفيان: أن رسول الله ﷺ نهى عن ركوب النِّمار، وعن لُبس الذهب إلا مقطَّعًا. وأخرجه النسائي (٣). وقال الإمام أحمد (٤): ميمون القناد قد روى هذا الحديث، وليس بمعروف. وقال البخاري (٥): ميمون القنّاد عن سعيد بن المسيب وأبي قلابة مرسل. وقال

стр. 1361

أبو حاتم الرازي (١): أبو قلابة لم يسمع من معاوية. فعلى هذا فيه الانقطاع من وجهين. قال ابن القيم ﵀: وقد رواه النسائي (٢) من حديث بَيْهَس (٣) بن فهدان، عن أبي شيخ الهُنائي، عن معاوية، وقد تقدم الكلام على هذا الإسناد في الحج (٤). ورواه (٥) عن أبي شيخ عن أبي حِمَّان (٦) عن معاوية. ومرة قال: عن أخيه حمَّان. ومرة قال أبو شيخ: سمعتُ معاوية. ومرة: عن حمَّان أنه سمع معاوية. ورواه النسائي (٧) أيضًا من حديث بَيْهس بن فهدان أخبرنا (٨) أبو شيخ قال: سمعت ابن عمر قال: نهى رسول الله ﷺ عن لبس الذهب إلا مقطَّعًا.

стр. 1362

وقد روي في حديث آخر احتج به أحمد في رواية الأثرم (١): «من تحلَّى بخَرْبَصِيصة (٢) كُوِي بها يوم القيامة» (٣)، فقال الأثرم: فقلت: أي شيء خربصيصة؟ قال: شيء صغير مثل الشَّعِيرة، وقال غيرُه: هي (٤) عين الجرادة. وسمعتُ شيخ الإسلام يقول: حديث معاوية في إباحة الذهب مقطَّعًا هو في التابع غير المفرد، كالزرِّ والعَلَم ونحوه، وحديث الخربصيصة: هو في الفرد كالخاتم وغيره، فلا تعارض بينهما (٥). والله أعلم. * * *

стр. 1363

كتاب الفتن ١ - ذكر الفتن ودلائلها ٥٢٢/ ٤٠٧٥ - عن حذيفة ــ وهو ابن اليماني ﵄ ــ قال: قام فينا رسول الله ﷺ قائمًا، فما ترك شيئًا يكون في مَقامه ذلك إلى قيام الساعةِ إلا حَدَّثه؛ حَفِظَه مَن حفظه، ونسيه مَن نسيه، قد عَلِمه أصحابُه هؤلاء، وإنه ليكون منه الشيء فأذكُره كما يذكر الرجل وجهَ الرجل إذا غاب عنه ثم إذا رآه عَرَفه. وأخرجه البخاري ومسلم (١). (٢) قال ابن القيم ﵀: وقد روى مسلم في «صحيحه» (٣) من حديث حذيفة قال: والله إني لأعلم الناس بكلِّ فتنة هي كائنة فيما بيني وبين الساعة. وما بي أن لا (٤) يكون رسول الله ﷺ أسرَّ إليَّ في ذلك شيئًا لم يُحدِّثه

стр. 1364

غيري، ولكن رسول الله ﷺ قال وهو يحدث مجلسًا أنا فيه عن الفتن، فقال رسول الله ﷺ وهو يَعُدُّ الفتن: «منهن ثلاث لا يَكَدْن يذرن شيئًا، ومنهن فِتَن كرياح الصيف; منها صغار، ومنها كبار». قال [ق ٢٢١] حذيفة: فذهب أولئك الرهط كلهم غيري. وفي «الصحيحين» (١) عن شقيق عن حذيفة قال: كنا عند عمر فقال: أيكم يحفظ حديث رسول الله ﷺ في الفتنة كما قال؟ قال: قلت: أنا، قال: إنك لجريء! قال: وكيف؟ قال: قلت: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «فتنة الرجل في أهله وماله ونفسه وولده وجاره يكفِّرُها الصيامُ والصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» فقال عمر: ليس هذا أريد، وإنما أريد التي تَمُوج كَمَوج البحر. قال: فقلت: وما لك ولها يا أمير المؤمنين؟ إن بينك وبينها بابًا مغلقًا. قال: أفيُكسر الباب أم يفتح؟ قال قلت: لا، بل يكسر. قال: ذلك أحرى أن لا يُغلَق أبدًا. قال: فقلنا لحذيفة: هل كان عمر يعلم مَن الباب؟ قال: نعم كما يعلم أن دونَ غدٍ ليلة، إني حدَّثْته حديثًا ليس بالأغاليط. قال: فهِبْنا أن نسأل حذيفة مَن الباب، فقلنا لمسروق: سَلْه، فسأله، فقال: عمر. * * *

стр. 1365

كتاب المهدي ٥٢٣/ ٤١١١ - عن جابر بن سَمُرة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يزال هذا الدين عزيزًا إلى اثني عشَرَ خليفة»، قال: فكبَّر الناس وضجُّوا، ثم قال كلمة خَفيَّة، قلت لأبي: يا أبةِ ما قال؟ قال: «كلهم من قريش». وأخرجه مسلم (١). قال ابن القيم ﵀: فإن قيل: فكيف الجمع بين هذا وبين حديث سعيد بن جُمهان عن سفينة عن النبي ﷺ قال: «الخلافة ثلاثون سنة، وسائِرُهم مُلُوك» رواه أبو حاتم في «صحيحه» (٢) وقال في آخره: «والخلفاء والملوك اثنا عشر»؟ (٣). قيل: لا تعارض بين الحديثين فإن الخلافة المقدرة بثلاثين سنة هي خلافةُ النبوة (٤)، كما في حديث أبي بكرة ووزنِ النبي ﷺ بأبي بكر ورجحانِه

стр. 1366

ــ وسيأتي (١) ــ، وفيه: فقال النبي ﷺ : «خلافة نبوة، ثم يؤتي الله الملك من يشاء». وأما الخلفاء الاثنا عشر فلم يقل في خلافتهم: إنها خلافة نبوة، ولكن أطلق عليهم اسمَ الخلفاء، وهو مشترك، واختُصَّ الأئمةُ الراشدون منهم بخصيصة في الخلافة وهي «خلافة النبوة»، وهي المقدرة بثلاثين سنة: خلافة الصديق سنتين وثلاثة أشهر واثنين وعشرين يومًا، وخلافة عمر بن الخطاب عشر سنين وستة أشهر وأربع ليال، وخلافة عثمان اثنتي عشرة (٢) سنة إلا اثني عشر يومًا، وخلافة علي خمس سنين وثلاثة أشهر إلا أربعة عشر يومًا، وقُتِل علي سنة أربعين. فهذه خلافة النبوة ثلاثون سنة. وأما الخلفاء الاثنا عشر، فقد قال جماعة ــ منهم أبو حاتم بن حبان وغيره ــ: إن آخرهم عمر بن عبد العزيز، فذكروا الخلفاء الأربعة، ثم معاوية، ثم يزيد ابنه، ثم معاوية بن يزيد، ثم مروان بن الحكم، ثم عبد الملك ابنه، ثم الوليد بن عبد الملك، ثم سليمان بن عبد الملك، ثم عمر بن عبد العزيز، وكانت وفاته على رأس المائة، وهي القرن المفضل الذي هو خير القرون، وكان الدين في هذا القرن في غاية العزة، ثم وقع ما وقع. والدليل على أن النبي ﷺ إنما أوقع عليهم اسم الخلافة بمعنى المُلك

стр. 1367

في غير خلافة النبوة= قولُه في الحديث الصحيح حديث الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة: «سيكون من بعدي خلفاء يعملون بما يَعلَمُون (١) ويفعلون ما يُؤمرون، وسيكون من بعدهم خلفاء يعملون بما لا يعلمون ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن أنكر برئ، ومن أمسك سَلِم، ولكن من رضي وتابع» (٢). * * *

стр. 1368

كتاب الحدود ١ - باب في المحاربة ٥٢٤/ ٤١٩٨ - عن أنس بن مالك ﵁ أن قومًا من عُكْلٍ، أو قال: من عُرَينة، قدموا على رسول الله ﷺ ، فاجْتَوَوا المدينةَ، فأمَر لهم رسول الله ﷺ بِلِقَاحٍ، وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها، فانطلقوا، فلما صحُّوا قتلوا راعيَ رسول الله ﷺ واستاقوا النَّعَم، فبلغ النبيَّ ﷺ خبرهم في أول النهار، فأرسل النبيُّ ﷺ في آثارهم، فما ارتفع النهارُ حتى جيء بهم، فأمر بهم فقُطِعت أيديهم وأرجلُهم، وسَمَر أعينَهم. وأُلقُوا في الحَرَّة يَستَسقُون فلا يُسقَون. قال أبو قلابة: فهؤلاء قوم سرقوا وقتلوا، وكفروا بعد إيمانهم، وحاربوا الله ورسوله. ٥٢٥/ ٤١٩٩ - وفي رواية: فأمر بمسامير فأُحْمِيَت، فكحَلَهم، وقطع أيديَهم وأرجلهم، وما حسَمَهم. ٥٢٦/ ٤٢٠٠ - وفي رواية: فبعث رسول الله ﷺ في طلبهم قَافةً، قال: فأُتِي بهم، قال: فأنزل الله ﵎ في ذلك ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ الآية [المائدة: ٣٣]. وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي (١). (٢)

стр. 1369

قال ابن القيم ﵀: قد ذكر مسلم في «صحيحه» (١) عن أنس قال: إنما سَمَل النبي ﷺ أعيُنَ أولئك لأنهم سملوا أعين الرِّعَاء. وذكر ابن إسحاق (٢): أن هؤلاء كانوا قد مثَّلوا بالراعي، فقطعوا يديه ورجليه، وغرزوا الشوك في عينيه، فأُدخِل المدينة ميتًا على هذه الصفة. وترجمة البخاري في «صحيحه» (٣) تدل على ذلك، فإنه ساقه في باب «إذا حرَّق [المشركُ] المسلم، هل يُحرَّق؟» فذكره. وذكر البخاري (٤) أيضًا أنهم كانوا من أهل الصُّفَّة، وذكر أنه لم يَحْسِمهم حتى ماتوا. ٢ - باب في الحد يُشفَع فيه ٥٢٧/ ٤٢٠٧ - عن عائشة ﵂ أن قريشًا أهمَّهُم شأنُ المخزومية التي سرقتْ فقالوا: مَن يُكلِّم فيها ــ تعني: رسولَ الله ﷺ ــ؟ قالوا: ومن يَجترئ إلا أسامة بن زيد حِبُّ رسول الله ﷺ ، فكلَّمه أسامة، فقال رسول الله ﷺ : «يا أسامة، أتشفع في حَدٍّ من حدود الله؟!» ثم قام فاختَطب، فقال: «إنما هَلَك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سَرَق فيهم الشريف تَرَكُوه، وإذا سَرقَ فيهم الضعيف أقاموا عليه الحدَّ؛ وَايمُ اللهِ! لو أن فاطمة بنت محمدٍ سرقت لقطعتُ يدها». وأخرجه الباقون (٥).

стр. 1370

٥٢٨/ ٤٢٠٨ - وعنها ﵂ قالت: «كانت امرأةٌ مخزومية تَستَعير المتاعَ وتَجْحَده، فأمر النبيُّ ﷺ بقطع يدها ... وقَصَّ نحو حديث الليثِ ــ يعني الحديث الذي قبله ــ، قال: فقطعَ النبي ﷺ يدها. وأخرجه مسلم (١). قال أبو داود: روى ابنُ وهبٍ هذا الحديث عن يونس عن الزهري، وقال فيه كما قال الليث: «إن امرأةً سرقت في غزوة الفتح». وحديث ابن وهب هذا الذي علّقه أبو داود أخرجه البخاري ومسلم والنسائي (٢). وقال أيضًا: رواه الليث عن يونس عن ابن شهاب بإسناده، فقال: «استعارت امرأة». وهذا الذي علقه أيضًا قد ذكره البخاري تعليقًا (٣) ولم يذكر لفظه. وقال أبو داود: وروى مسعود بن الأسود عن النبي ﷺ نحو هذا الخبر، قال: «سرقت قطيفة من بيت رسول الله ﷺ ». وهذا الذي علّقه أيضًا قد أخرجه ابن ماجه (٤)، وفيه ابن إسحاق. وقال أيضًا: ورواه أبو الزبير عن جابر: «أن امرأة سرقت فعاذَت بزينب بنت رسول الله ﷺ » (٥).

стр. 1371

وذكر مسلم في «صحيحه» والنسائي في «سننه» (١) من حديث أبي الزبير عن جابر: «فعاذت بأم سلمة». وهذا أولى (٢)، وقيل: يحتمل أن تكون عاذت بهما (٣). قال ابن القيم ﵀: وهذا الحديث قد ذهب إليه الإمام أحمد وإسحاق (٤). وأعلَّ بعضُ الناس (٥) الحديث بأن معمرًا تفرد من بين سائر الرواة بذكر العارية في هذا الحديث، وأن الليث ويونس وأيوب بن موسى رووه عن الزهري وقالوا: «سرقت»، ومعمر لا يقاومهم. قالوا: ولو ثبت، فذِكرُ وصف جحدِ العارية للتعريف المجرد لا أنه سبب القطع. فأما تعليله بما ذكر فباطل: فقد رواه أبو مالك الجَنْبي عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر:

стр. 1372

أن امرأة كانت تستعير الحُليَّ للناس ثم تمسكه، فقال رسول الله ﷺ : «لِتَتُبْ هذه المرأة إلى الله ورسوله، وتردّ ما تأخذ على القوم»، ثم قال رسول الله ﷺ : «قم يا بلال فخُذ بيدها فاقطَعْها». ذكره النسائي (١). ورواه شعيب بن إسحاق عن عبيد الله عن نافع بنحوه سواء، ذكره النسائي (٢) أيضًا وقال فيه: «لتتب هذه المرأة ولتؤدي ما عندها» مرارًا، فلم تفعل، فأَمَر بها فقُطِعت. وهو يبطل قول من قال: إنَّ ذِكر هذا الوصف للتعريف المجرد. ورواه سفيان عن أيوب بن موسى عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: كانت مخزومية تستعير متاعًا وتجحده، فرُفِعت إلى رسول الله ﷺ وكُلِّم فيها، فقال: «لو كانت فاطمة لقَطَعتُ يدها». ذكره النسائي (٣). ورواه بِشر بن شعيب أخبرني أبي عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: استعارت امرأة على ألسنة أناس يُعرَفون ــ وهي لا تُعْرف ــ حُليًّا، فباعته وأخذت ثمنه، فأُتي بها رسول الله ﷺ ، فذكر الحديث وقال في آخره: ثم قطع تلك المرأة. ذكره النسائي (٤) أيضًا. ورواه هشام عن قتادة عن سعيد بن يزيد عن سعيد بن المسيب: أن

стр. 1373

امرأة من بني مخزوم استعارت حليًا على لسان أناس فجحدته، فأمر بها النبي ﷺ فقطعت. ذكره النسائي (١) أيضًا. فقد صحّ الحديث ولله الحمد. ولا تنافي بين ذكر جحد العارية وبين السرقة، فإن ذلك داخل في اسم السرقة. فإن هؤلاء الذين قالوا: «إنها جحدت العارية»، وذكروا أن قطعها لهذا السبب= قالوا: «إنها سرقت»، فأطلقوا على ذلك اسم السرقة، فثبت لغة أن فاعل ذلك سارق، وثبت شرعًا أن حدَّه قطع اليد. وهذه الطريقة أولى من سلوك طريقة القياس في اللغة، فيُثبَت كون الخائن سارقًا لغة قياسًا على السارق، ثم يثبت الحكم فيه. وعلى ما ذكرناه يكون تناولُ اسم السارق للجاحد لغةً، بدليل تسمية الصحابة له سارقًا. ونظير هذا سواء ما تقدم (٢) من تسمية نبيذ التمر وغيره خمرًا لغةً لا قياسًا، وكذلك تسمية النباش سارقًا. وأما قولهم: إن ذكر جحد العارية للتعريف، لا أنه المؤثر؛ فكلام في غاية الفساد، لو صح مثله ــ وحاشا وكلّا ــ لذهب من أيدينا عامة الأحكام المترتبة على الأوصاف. وهذه طريقة لا يرتضيها أئمة العلم، ولا يردّون بمثلها السنن، وإنما

стр. 1374

يسلكها بعض المقلدين من الأتباع. ولو ثبت أن جاحد العارية لا يسمّى سارقًا لكان قطعه بهذا الحديث جاريًا على وَفْق القياس، فإن ضرره مثل ضرر السارق أو أكثر، إذ يمكن الاحتراز من السارق بالإحراز والحفظ. وأما العارية فالحاجة الشديدة التي تبلغ الضرورةَ ماسَّةٌ إليها، وحاجة الناس فيما بينهم إليها من أشد الحاجات، ولهذا ذهب مَن ذهب [مِن] العلماء إلى وجوبها، وهو مذهب كثير من الصحابة والتابعين (١)، وأحد القولين في مذهب أحمد (٢). فترتيب القطع على جاحدها طريق إلى حفظ أموال الناس، وتركِ باب هذا المعروف مفتوحًا. وأما إذا علم أن الجاحد لا يقطع فإنه يُفضي إلى سدّ باب العارية في الغالب. وسر المسألة أن السارق إنما قطع دون المنتهب والمختلس لأنه لا يمكن التحرّز منه، بخلاف المنتهب والمختلس، فإنه إنما يفعل ذلك عند عدم احتراز المالك. وقد ذكرنا أن العارية فيما بين الناس أمر تدعو إليه الحاجة، فلا يمكن سده والاحتراز منه، فكان قطع اليد في جنايته كقطعها في جناية السرقة، وبالله التوفيق.

стр. 1375

٣ - باب إذا سرق مرارًا ٥٢٩/ ٤٢٤٨ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: جيء بسارق إلى النبي ﷺ فقال: «اقْتُلُوه». فقالوا: يا رسول الله، إنما سرقَ، فقال: «اقْطَعُوه». قال: فقُطع، ثم جيء به الثانيةَ فقال: «اقتلوه»، فقالوا: يا رسول الله، إنما سرق، قال: «اقطعوه»، قال: فقطع. ثم جيء به الثالثة فقال: «اقتلوه»، فقالوا: يا رسول الله، إنما سرق، قال: «اقطعوه». ثم أُتي به الرابعةَ فقال: «اقتلوه»، فقالوا: يا رسول الله، إنما سرق، قال: «اقطعوه»، فأتي به الخامسة فقال: «اقتلوه». قال جابر: فانطلقنا به فقتلناه، ثم اجتررناه فألقيناه في بئر، ورمينا عليه الحجارة. وأخرجه النسائي (١) وقال: هذا منكر، ومصعب بن ثابت ليس بالقوي في الحديث. مصعب بن ثابت هذا هو: أبو عبد الله مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام، وقد ضعَّفه غير واحدٍ من الأئمة (٢). وقال محمد بن المنكدر لمّا حُدِّث بحديث القتل في الرابعة: وقد تُرِك ذلك؛ قد أتي النبي ﷺ بابن النُّعَيمان فجلده ثلاثًا، ثم أتي به الرابعة فجلده ولم يزد (٣).

стр. 1376

قال الشافعي (١): والقتل منسوخ بهذا الحديث وغيره، وهذا ما لا اختلاف فيه عند أهل العلم علمته ــ يريد: حديث قبيصة بن ذؤيب وفيه: «ووَضَع القتلَ، وكانت رخصة» (٢) ــ. وقال أيضًا في موضع آخر (٣): ثم حفظ عن النبي ﷺ جلد الشارب هذا العدد الذي قال يقتل بعده، ثم جيء به فجلده ورفع القتل وصارت رخصة. وقال بعضهم (٤): يحتمل أن يكون ما فعله إن صحَّ الحديث فإنما فعله بوحي من الله، ويكون معنى الحديث خاصًّا فيه. قال: وقد يخرَّج على (٥) مذاهب بعض الفقهاء أن يُباح دمه، وهو أن يكون من المفسدين في الأرض، فإن للإمام أن يجتهد في تعزيره وإن زاد على مقدار الحدّ، وإن رأى أن يُقتل قتل. وقد يدلّ على ذلك من الحديث أنه ﷺ أمر بقتله لمّا جيء به أول مرة، فيحتمل أن يكون هذا مشهورًا بالفساد معلومًا من أمره أنه سيعود إلى سوء فعله ولا ينتهي حتى تنتهي حياته.

стр. 1377

وقال آخرون: الحديث لا يثبت، والسنةُ مصرِّحة بخلافه، والإجماعُ من الأمة على أنه لا يُقتل (١). قال ابن القيم ﵀: وهذا المعنى قد رواه النسائي من حديث مصعب بن ثابت عن محمد بن المنكدر عن جابر وهو المتقدم. ورواه (٢) من حديث النضر بن شميل، حدثنا حماد، أخبرنا يوسف، عن الحارث بن حاطب: أن رسول الله ﷺ أُتي بلصٍّ فقال: «اقتلوه»، فقالوا: يا رسول الله، إنما سرق [ثم قال: «اقتلوه»، قالوا: يا رسول الله، إنما سرق]، قال: «اقطعوا يده». قال: ثم سرق فقُطِعت رِجُله، ثم سرق على عهد أبي بكر حتى قطعت قوائمه كلها، ثم سرق أيضًا الخامسةَ فقال أبو بكر: كان رسول الله ﷺ أعلم بهذا حين قال: «اقتلوه»، ثم دفعه إلى فِتْية من قريش ليقتلوه، منهم عبد الله بن الزبير وكان يحب الإمارة فقال: أمِّروني عليكم، فأَمَّروه عليهم، فكان إذا ضرب ضربوه، حتى قتلوه. قال النسائي (٣): ولا أعلم في هذا الباب حديثًا صحيحًا.

стр. 1378

وأما ما ذكره مِن قتل شارب الخمر بعد الرابعة، فقد قال طائفة من العلماء: إن الأمر بقتله في الرابعة متروك بالإجماع، وهذا هو الذي ذكره الترمذي (١) وغيره. وقيل: هو منسوخ بحديث عبد الله «حمار» (٢) وأن النبي ﷺ لم يقتله في الرابعة (٣). وقال الإمام أحمد (٤) وقد قيل له: لم تركتَه؟ فقال: لحديث عثمان: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث» (٥). وفي ذلك كله نظر. أما دعوى الإجماع على خلافه، فلا إجماع. قال عبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو: «ائتوني به في الرابعة، فعلي أن أقتله» (٦). وهذا مذهب بعض السلف.

стр. 1379

وأما ادعاء نسخه بحديث عبد الله «حمار»، فإنما يتم بثبوت تأخُّرِه، والإتيان به بعد الرابعة (١)، ومنافاته للأمر بقتله. وأما دعوى نسخه بحديث: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث»، فلا يصح، لأنه عام وحديث القتل خاص. والذي يقتضيه الدليل أن الأمر بقتله ليس حتمًا، ولكنه تعزيرٌ بحسب المصلحة، فإذا أكثرَ الناسُ من الخمر، ولم ينزجروا بالحد، فرأى الإمام أن يقتل فيه= قَتَل. ولهذا كان عمر ينفي فيه مرة (٢)، ويحلق فيه الرأس [ق ٢٢٣] مرة (٣)، وجلد فيه ثمانين، وقد جلد فيه رسول الله ﷺ وأبو بكر أربعين. فقَتْله في الرابعة ليس حدًّا، وإنما هو تعزيز بحسب المصلحة، وإنما على هذا يَتَخرَّجُ حديث الأمر بقتل السارق إن صحّ، والله أعلم. ٤ - باب الرجم ٥٣٠/ ٤٢٦٦ - عن عبد الرحمن بن الصامت ابن عمِّ أبي هريرة أنه سمع

стр. 1380

أبا هريرة يقول: جاء الأسلمي نبيَّ الله ﷺ ، فشهد على نفسه أنه أصاب امرأةً حرامًا أربع مرات، كل ذلك يُعرِض عنه النبي ﷺ ، فأقبل في الخامسة فقال: «أنِكْتَها؟» قال: نعم، قال: «حتى غاب ذلك منك في ذلك منها؟» قال: نعم، قال: «كما يغيب المِرْوَد في المُكحُلة والرِّشاءُ في البئر؟» قال: نعم، قال: «فهل تدري ما الزنا؟» قال: نعم، أتيتُ منها حرامًا ما يأتي الرجل من امرأته حلالًا، قال: «فما تريد بهذا القول؟» قال: أريد أن تُطهِّرَني، فأمر به فرُجم، فسمع النبي ﷺ رجلين من أصحابه يقول أحدهما لصاحبه: انظر إلى هذا الذي ستر الله عليه، فلم تَدَعْه نفسُه حتى رُجِم رجمَ الكلب، فسكت عنهما، ثم سار ساعةً حتى مرَّ بجيفةِ حمارٍ شائلٍ برجله، فقال: «أين فلان وفلان؟» فقالا: نحن ذان يا رسول الله، قال: «انزلا فكُلا من جيفةِ هذا الحمار»، فقالا: يا نبي الله، مَن يأكل مِن هذا؟ قال: «فما نِلتُما من عِرض أخيكما آنفًا أشدُّ مِن أكلٍ منه، والذي نفسي بيده، إنه الآن لفي أنهار الجنة ينغمِس فيها». وأخرجه النسائي (١)، وقال فيه: «أنكحتَها؟» قلتُ: عبد الرحمن هذا يقال فيه: ابن الصامت، كما تقدّم، ويقال فيه: ابن هضَّاض (٢)، وابن الهضهاض، وصحّح بعضهم (٣): ابن الهضهاض. وذكره البخاري في «تاريخه» (٤)، وحكى الخلاف فيه، وذكر له هذا

стр. 1381

الحديث وقال: حديثه في أهل الحجاز، ليس يُعرف إلا بهذا الحديث الواحد (١). قال ابن القيم ﵀: وقد روى ابن حبان في «صحيحه» (٢) من حديث زيد بن أبي أنيسة، عن أبي الزبير، عن عبد الرحمن بن الهضهاض الدوسي، عن أبي هريرة قال: جاء ماعز بن مالك إلى رسول الله ﷺ ،فقال له: الأبعد قد زنى، فقال له النبي ﷺ : «وما يدريك ما الزنا؟»، ثم أمر به فطُرِد وأُخرِج. ثم أتاه الثانية فقال: يا رسول الله، إن الأبعد قد زنى، فقال: «ويلك، وما يدريك ما الزنا؟» فطرد وأخرج. ثم أتاه الثالثة، فقال يا رسول الله، إن الأبعد قد زنى، قال: «ويلك، وما يدريك ما الزنا؟» قال: أتيتُ امرأة حرامًا مثلَ ما يأتي الرجلُ مِن امرأته، فأمر به فطُرِد وأخرج. ثم أتاه الرابعة فقال: يا رسول الله، إن الأبعد قد زنى، قال: «ويلك، وما يدريك ما الزنا؟» قال: «أدخلت وأخرجت؟» قال: نعم، فأمر به أن يرجم ... فذكر الحديث، وقال فيه: «إنه الآن لفي نهر من أنهار الجنة ينغمس (٣)». وهذا صريح في تعدد الإقرار، وأن ما دون الأربع لا يستقل بإيجاب الحد، وفيه حجة لمن اعتبر تعدد المجلس. وقد روى ابن حبان أيضًا في «صحيحه» (٤) من حديث أيوب عن أبي

стр. 1382

الزبير عن جابر: أن النبي ﷺ لما رجم ماعز بن مالك قال: «لقد رأيته يتخضخض في أنهار الجنة». ٥ - باب في المرأة التي أُمِر برجمها من جُهَينة ٥٣١/ ٤٢٧٦ - عن عمران بن حصين أن امرأة من جهينة أتت النبي ﷺ فقالت: إنها زنت وهي حُبلى، فدعا النبي ﷺ وليًّا لها، فقال له رسول الله ﷺ : «أَحسِنْ إليها، فإذا وضعتْ فجئ بها»، فلما أن وضعت جاء بها، فأمر بها النبي ﷺ فشُكَّت عليها ثيابُها، ثم أمر بها فرجمت، ثم أمرهم فصلَّوا عليها، فقال عمر: يا رسول الله، تصلي عليها وقد زنت؟ قال: «والذي نفسي بيده، لقد تابت توبةً لو قُسِمت بين سبعين من أهل المدينة لوَسِعَتْهم، وهل وجدتَ أفضلَ مِن أن جادت بنفسها؟». وأخرجه مسلم (١). ٥٣٢/ ٤٢٧٧ - وعن عبد الله بن بريدة، عن أبيه ﵄ أن امرأة ــ يعني من غامِد ــ أتت النبي ﷺ فقالت: إنِّي قد فَجرْتُ، فقال: «ارجعي» فرجعتْ، فلما كان الغدُ أتته فقالت: لعلك أن تُردّدني كما رَدَّدْتَ ماعِزَ بن مالك، فوالله إني لحُبْلى، فقال لها: «ارجعي» فرجعت، فلما كان الغَدُ أتته فقال لها: «ارْجِعي حتَّى تَلدي» فرجَعت، فلما ولدت أتته بالصَّبي فقالت: هذا قد ولدتُه، فقال لها: «ارْجعي، فأَرْضِعِيه حتى تَفْطِميه»، فجاءت به وقد فَطَمته، وفي يده شيء يأكله،

стр. 1383

فأمر بالصبي فدُفِعَ إلى رجل من المسلمين، وأمرَ بها فحُفِرَ لها، وأمر بها فرُجِمَت، وكان خالد فيمن يرجمها فرجمها بحجر فوقَعَت قطرةٌ من دمها على وَجْنته فسَبَّها، فقال له النبي ﷺ : «مَهلًا يا خالد، فوالذي نفسي بيده لقد تابت توبةً لو تابها صاحبُ مَكْسٍ لَغُفِر له»، وأمرَ بها فصُلِّي عليها ودفنت. وأخرجه مسلم أتمّ من هذا، و [حديث] النسائي (١) مختصر كالذي هنا. وفي إسناده [بشير بن] مهاجر الغَنَوي الكوفي، وليس له في «صحيح مسلم» سوى هذا الحديث، وقد وثَّقه ابن معين. وقال الإمام أحمد: منكر الحديث، يجيء بالعجائب، مُرْجِئ متَّهم. وقال: في أحاديث ماعزٍ كلِّها أن ترديده إنما كان في مجلس واحد، إلا ذاك الشيخ بشير بن مهاجر. وقال أبو حاتم الرازي: يُكتَب حديثه ولا يُحتج به (٢). وغمزه غيرهما. ولا عيب على مسلم في إخراج هذا الحديث، فإنه أتى به في الطبقة الثانية بعدما ساق طرق حديث ماعز، وأتى به آخِرًا، ليُبيِّن اطِّلاعَه على طرق الحديث. وذُكِر أن حديث عمران بن حصين فيه أنه أمر برجمها حين وَضَعت ولم يستأنِ بها. وكذا روي عن علي ﵁ أنه فعل بشَراحة (٣). وإلى هذا ذهب مالك والشافعي وأصحاب الرأي.

стр. 1384

وقال أحمد وإسحاق: تُترك حتى تضع ما في بطنها ثم تُترك حَولين حتى تفطمه، ويشبه أن يكونا ذهبا إلى هذا الحديث. وحديث عمران أجود، وهذا الحديث راويه بشير بن المهاجر. وقيل: يحتمل أن تكونا امرأتين: إحداهما وجد لولدها كفيل وقبلها، والأخرى لم يوجد لولدها كفيل أو لم يقبل، فوجب إمهالُها حتى يستغني عنها، لئلا يهلك بهلاكها؛ ويكون الحديثان على واقعتين ويرتفع الخلاف (١). قال ابن القيم ﵀: وقد اختلف في حديث ماعز، هل حُفِر له أم لا؟ ففي «صحيح مسلم» (٢) عن أبي سعيد الخدري قال: لمَّا أمرنا رسول الله ﷺ أن نرجُمَ ماعز بن مالكٍ، خرجنا به إلى البقيع، فوالله ما حفرنا له ولا أوثقناه ولكن قام لنا فرميناه بالعظام والخَزَف، فاشتكى، فخرج يشتدّ حتى انتصب لنا في عُرْض الحرة ... الحديث. وفي «صحيح مسلم» (٣) أيضًا عن ابن بريدة قال: جاء ماعز بن مالك إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إني قد (٤) زنيت فأريد أن تطهرني، فرَدَّه، فلما كان من الغد أتاه، فقال: يا رسول الله، إني قد زنيت، فرده الثانية، فأرسل رسول الله ﷺ إلى أهله، فقال: «هل تعلمون بعقله بأسًا؟ تنكرون منه شيئًا؟» فقالوا: ما نعلمه إلا وفيَّ العقل من صالحينا فيما نُرَى، فأتاه الثالثة،

стр. 1385

فأرسل إليهم أيضًا فسأل عنه، فأخبروه أنه لا بأس به ولا بعقله، فلما كان الرابعة حَفَر له حُفرةً، ثم أمر به فرُجِم ... فذكر الحديث. وهذا الحديث فيه أمران سائر طرق حديث ماعز تدل على خلافهما: أحدهما: أن الإقرارَ منه وترديدَ النبي ﷺ كان في مجالس متعددة، وسائر الأحاديث تدل على أن ذلك كان في مجلس واحد. الثاني: ذكر الحفر فيه، والصحيح في حديثه: أنه لم يحفر له، والحفر فيه وهم، ويدل عليه أنه هرب وتبعوه. وهذا والله أعلم من سوء حفظ بشير بن مهاجر، وقد تقدم قول الإمام أحمد: إن ترديده إنما كان في مجلس واحد، إلا ذلك الشيخ بشير بن مهاجر. ٦ - باب الرجل يزني بمحارمه ٥٣٣/ ٤٢٩١ - عن البراء بن عازب ﵄ قال: بَينَما أنا أطوف على إبلٍ لي ضَلَّت، إذ أقبل رَكْبٌ ــ أو فَوَارِسُ ــ معهم لواء، فجعل الأعراب يُطيفون بي لمنزلتي من النبي ﷺ ، إذ أَتَوا قُبَّةً فاستخرجوا منها رجُلًا فضربوا عنقه، فسألتُ عنه، فذكروا أنه أعرس بامرأة أبيه (١). ٥٣٤/ ٤٢٩٢ - وعن يزيد بن البراء، عن أبيه، قال: لَقيتُ عَمِّي ومعه رايةٌ، فقلت: أين تريد؟ قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى رجل نكح امرأةَ أبيه، فأمرني أن أضربَ عُنقه وآخذَ ماله.

стр. 1386

وأخرجه النسائي وابن ماجه والترمذي (١) وقال: حسن غريب. وقد اختُلف في هذا اختلافًا كثيرًا غيرَ مؤثِّر في تعليله (٢). فروي عن البراء كما تقدم، وروي عنه عن عمه كما ذكرناه. وروي عنه قال: مرَّ بي خالي أبو بُرْدة بن نِيار ومعه لواء. وهذا لفظ الترمذي فيه. وروي عنه عن خاله، وسماه هشيمٌ في حديثه: الحارث بن عمرو. وهذا لفظ ابن ماجه فيه. وروي عنه قال: مرَّ بنا ناسٌ يَنطلقون (٣). وروي عنه: إنِّي (٤) لأطوِّف على إبلٍ لي ضلَّتْ في تلك الأحياء في عهد النبي ﷺ ، إذ جاءهم رهط معهم لواء. وهذا لفظ النسائي (٥).

стр. 1387

قال ابن القيم ﵀: وهذا كله يدل على أن الحديث محفوظ، ولا يوجب هذا تَرْكَه بوجه، فإن البراء بن عازب حدَّث به عن أبي بُردة بن نِيار، واسمه الحارث بن عمرو، وأبو بردة كنيته، وهو عمّه وخاله، وهذا واقع في النسب، وكان معه رهط؛ فاقتصر على ذكر الرهط مرة، وعيّن من بينهم أبا بردة بن نِيار باسمه مرّة، وبكنيته أخرى، وبالعمومة تارة، وبالخؤولة أخرى. فأي علة في هذا توجب ترك الحديث؟! والله الموفق للصواب. والحديث له طرق حسان يؤيد بعضُها بعضًا، منها: مُطَرِّف عن أبي الجهم عن البراء. ومنها: شعبة عن الربيع بن الرُّكين عن عدي بن ثابت عن البراء. ومنها: الحسن بن صالح عن السُّدِّي عن عدي عن البراء. ومنها: معمر عن أشعث عن عدي عن يزيد بن البراء عن أبيه. وذكر النسائي في «سننه» (١) من حديث عبد الله بن إدريس: حدثنا خالد بن أبي كريمة، عن معاوية بن قرة، عن أبيه: أن رسول الله ﷺ بعث أباه (جدَّ معاوية) إلى رجل عرّس بامرأة أبيه، فضرب عنقه وخمَّسَ ماله.
следующие страницы →