← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 201

تهذيب سنن أبي داود - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 675 стр.). Показаны 1383–1422 · переход к 1388.

стр. 1383

فأمر بالصبي فدُفِعَ إلى رجل من المسلمين، وأمرَ بها فحُفِرَ لها، وأمر بها فرُجِمَت، وكان خالد فيمن يرجمها فرجمها بحجر فوقَعَت قطرةٌ من دمها على وَجْنته فسَبَّها، فقال له النبي ﷺ : «مَهلًا يا خالد، فوالذي نفسي بيده لقد تابت توبةً لو تابها صاحبُ مَكْسٍ لَغُفِر له»، وأمرَ بها فصُلِّي عليها ودفنت. وأخرجه مسلم أتمّ من هذا، و [حديث] النسائي (١) مختصر كالذي هنا. وفي إسناده [بشير بن] مهاجر الغَنَوي الكوفي، وليس له في «صحيح مسلم» سوى هذا الحديث، وقد وثَّقه ابن معين. وقال الإمام أحمد: منكر الحديث، يجيء بالعجائب، مُرْجِئ متَّهم. وقال: في أحاديث ماعزٍ كلِّها أن ترديده إنما كان في مجلس واحد، إلا ذاك الشيخ بشير بن مهاجر. وقال أبو حاتم الرازي: يُكتَب حديثه ولا يُحتج به (٢). وغمزه غيرهما. ولا عيب على مسلم في إخراج هذا الحديث، فإنه أتى به في الطبقة الثانية بعدما ساق طرق حديث ماعز، وأتى به آخِرًا، ليُبيِّن اطِّلاعَه على طرق الحديث. وذُكِر أن حديث عمران بن حصين فيه أنه أمر برجمها حين وَضَعت ولم يستأنِ بها. وكذا روي عن علي ﵁ أنه فعل بشَراحة (٣). وإلى هذا ذهب مالك والشافعي وأصحاب الرأي.

стр. 1384

وقال أحمد وإسحاق: تُترك حتى تضع ما في بطنها ثم تُترك حَولين حتى تفطمه، ويشبه أن يكونا ذهبا إلى هذا الحديث. وحديث عمران أجود، وهذا الحديث راويه بشير بن المهاجر. وقيل: يحتمل أن تكونا امرأتين: إحداهما وجد لولدها كفيل وقبلها، والأخرى لم يوجد لولدها كفيل أو لم يقبل، فوجب إمهالُها حتى يستغني عنها، لئلا يهلك بهلاكها؛ ويكون الحديثان على واقعتين ويرتفع الخلاف (١). قال ابن القيم ﵀: وقد اختلف في حديث ماعز، هل حُفِر له أم لا؟ ففي «صحيح مسلم» (٢) عن أبي سعيد الخدري قال: لمَّا أمرنا رسول الله ﷺ أن نرجُمَ ماعز بن مالكٍ، خرجنا به إلى البقيع، فوالله ما حفرنا له ولا أوثقناه ولكن قام لنا فرميناه بالعظام والخَزَف، فاشتكى، فخرج يشتدّ حتى انتصب لنا في عُرْض الحرة ... الحديث. وفي «صحيح مسلم» (٣) أيضًا عن ابن بريدة قال: جاء ماعز بن مالك إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إني قد (٤) زنيت فأريد أن تطهرني، فرَدَّه، فلما كان من الغد أتاه، فقال: يا رسول الله، إني قد زنيت، فرده الثانية، فأرسل رسول الله ﷺ إلى أهله، فقال: «هل تعلمون بعقله بأسًا؟ تنكرون منه شيئًا؟» فقالوا: ما نعلمه إلا وفيَّ العقل من صالحينا فيما نُرَى، فأتاه الثالثة،

стр. 1385

فأرسل إليهم أيضًا فسأل عنه، فأخبروه أنه لا بأس به ولا بعقله، فلما كان الرابعة حَفَر له حُفرةً، ثم أمر به فرُجِم ... فذكر الحديث. وهذا الحديث فيه أمران سائر طرق حديث ماعز تدل على خلافهما: أحدهما: أن الإقرارَ منه وترديدَ النبي ﷺ كان في مجالس متعددة، وسائر الأحاديث تدل على أن ذلك كان في مجلس واحد. الثاني: ذكر الحفر فيه، والصحيح في حديثه: أنه لم يحفر له، والحفر فيه وهم، ويدل عليه أنه هرب وتبعوه. وهذا والله أعلم من سوء حفظ بشير بن مهاجر، وقد تقدم قول الإمام أحمد: إن ترديده إنما كان في مجلس واحد، إلا ذلك الشيخ بشير بن مهاجر. ٦ - باب الرجل يزني بمحارمه ٥٣٣/ ٤٢٩١ - عن البراء بن عازب ﵄ قال: بَينَما أنا أطوف على إبلٍ لي ضَلَّت، إذ أقبل رَكْبٌ ــ أو فَوَارِسُ ــ معهم لواء، فجعل الأعراب يُطيفون بي لمنزلتي من النبي ﷺ ، إذ أَتَوا قُبَّةً فاستخرجوا منها رجُلًا فضربوا عنقه، فسألتُ عنه، فذكروا أنه أعرس بامرأة أبيه (١). ٥٣٤/ ٤٢٩٢ - وعن يزيد بن البراء، عن أبيه، قال: لَقيتُ عَمِّي ومعه رايةٌ، فقلت: أين تريد؟ قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى رجل نكح امرأةَ أبيه، فأمرني أن أضربَ عُنقه وآخذَ ماله.

стр. 1386

وأخرجه النسائي وابن ماجه والترمذي (١) وقال: حسن غريب. وقد اختُلف في هذا اختلافًا كثيرًا غيرَ مؤثِّر في تعليله (٢). فروي عن البراء كما تقدم، وروي عنه عن عمه كما ذكرناه. وروي عنه قال: مرَّ بي خالي أبو بُرْدة بن نِيار ومعه لواء. وهذا لفظ الترمذي فيه. وروي عنه عن خاله، وسماه هشيمٌ في حديثه: الحارث بن عمرو. وهذا لفظ ابن ماجه فيه. وروي عنه قال: مرَّ بنا ناسٌ يَنطلقون (٣). وروي عنه: إنِّي (٤) لأطوِّف على إبلٍ لي ضلَّتْ في تلك الأحياء في عهد النبي ﷺ ، إذ جاءهم رهط معهم لواء. وهذا لفظ النسائي (٥).

стр. 1387

قال ابن القيم ﵀: وهذا كله يدل على أن الحديث محفوظ، ولا يوجب هذا تَرْكَه بوجه، فإن البراء بن عازب حدَّث به عن أبي بُردة بن نِيار، واسمه الحارث بن عمرو، وأبو بردة كنيته، وهو عمّه وخاله، وهذا واقع في النسب، وكان معه رهط؛ فاقتصر على ذكر الرهط مرة، وعيّن من بينهم أبا بردة بن نِيار باسمه مرّة، وبكنيته أخرى، وبالعمومة تارة، وبالخؤولة أخرى. فأي علة في هذا توجب ترك الحديث؟! والله الموفق للصواب. والحديث له طرق حسان يؤيد بعضُها بعضًا، منها: مُطَرِّف عن أبي الجهم عن البراء. ومنها: شعبة عن الربيع بن الرُّكين عن عدي بن ثابت عن البراء. ومنها: الحسن بن صالح عن السُّدِّي عن عدي عن البراء. ومنها: معمر عن أشعث عن عدي عن يزيد بن البراء عن أبيه. وذكر النسائي في «سننه» (١) من حديث عبد الله بن إدريس: حدثنا خالد بن أبي كريمة، عن معاوية بن قرة، عن أبيه: أن رسول الله ﷺ بعث أباه (جدَّ معاوية) إلى رجل عرّس بامرأة أبيه، فضرب عنقه وخمَّسَ ماله.

стр. 1388

كتاب الديات ١ - باب ترك القَوَد بالقسامة (١) ٥٣٥/ ٤٣٥٨ - عن سعيد بن عبيد الطائي، عن بُشَير بن يسار، زعم أن رجلًا مِنَ الأنصار يقال له: سَهْل بن أبي حَثْمة أخبره: أن نفرًا من قومه انطلقوا إلى خَيْبرَ فتفرقوا فيها، فوجدوا أحدَهم قتيلًا، فقالوا للذين وجدوه عندهم: قتلتم صاحبنا، فقالوا: ما قتلنا ولا علمنا قاتلًا، فانطلقنا إلى رسول الله ﷺ ، فقال لهم: «تأتوني بالبينة على مَن قتل؟» قالوا: ما لَنا بَيِّنَة، قال: «فيحلفون لكم؟» قالوا: لا نرضى بأيمان اليهود، فكره نبيُّ الله ﷺ أن يُبْطِلَ دَمَه، فَوَدَاه مائةً من إبل الصدقة. وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي (٢)، ولم يذكر مسلم لفظ الحديث. قال ابن القيم ﵀: وذكر النسائي (٣) من حديث عبيد الله بن الأخنس عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن ابن مُحَيِّصة الأصغر أصبح قتيلًا على أبواب خيبر، فقال رسول الله ﷺ : [ق ٢٢٤] «أقم شاهدين على من قتله أدفعْه إليك بِرُمَّته»، قال: يا رسول الله: أين أصيب شاهدين؟ وإنما أصبح قتيلًا على أبوابهم، قال: «فتحلف خمسين قسامةً؟» قال: يا رسول الله، وكيف أحلف على ما لا أعلم؟ فقال رسول الله ﷺ : «فتستحلف منهم خمسين قسامة؟» فقال: يا رسول الله كيف نستحلفهم وهم اليهود؟ فقَسَم رسول الله ﷺ ديته عليهم وأعانهم بنصفها.

стр. 1389

قال النسائي: لا نعلم أحدًا تابع عمرو بن شعيب على هذه الرواية، ولا سعيدَ بن عبيد على روايته عن بُشَير بن يسار، والله أعلم. وقال مسلم (١): رواية سعيد بن عُبَيد غلط ويحيى بن سعيد أحفظ منه (٢). وقال البيهقي (٣): هذا يحتمل أن لا يخالف رواية يحيى بن سعيد عن بشير، وكأنه أراد بالبينة هنا أيمان المدعِين مع اللَّوْث كما فسره يحيى بن سعيد، أو طالبهم بالبينة كما في رواية سعيد بن عبيد، فلما لم يكن عندهم بينة عرض عليهم الأيمان كما في رواية يحيى بن سعيد، فلما لم يحلفوا ردّها على اليهود كما في الروايتين جميعًا. ويدل على ما ذكره البيهقي حديثُ النسائي عن عمرو بن شعيب. والصواب رواية الجماعة الذين هم أئمة أثبات أنه بدأ بأيمان المدَّعِين، فلما لم يحلفوا ثنَّى بأيمان اليهود. وهذا هو المحفوظ في هذه القصة وما سواه وهْم، وبالله التوفيق. ٥٣٦/ ٤٣٦١ - وعن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يَسار، عن رجال من الأنصار: أن النبي ﷺ قال لليهود ــ وبدأ بهم ــ: «يَحْلِفُ منكم خمسون رجلًا»، فأبَوا، فقال للأنصار: «اسْتَحِقُّوا». قالوا: نحلِفُ على الغَيبِ يا

стр. 1390

رسول الله؟! فجعلها رسول الله ﷺ ديةً على يهود لأنه وُجِد بين أظهرهم (١). قال بعضهم: وهذا ضعيف لا يُلتفَت إليه. وقد قيل للإمام الشافعي ﵀ (٢): فما منعك أن تأخذ بحديث ابن شهاب؟ قلت: مرسل، والقتيل أنصاري، والأنصاريون بالعناية أولى بالعلم به من غيرهم إذا (٣) كان كلٌّ ثقة، وكلٌّ عندنا بنعمة الله ثقة. قال ابن القيم ﵀: وهذا الحديث له علة، وهي أن معمرًا انفرد به عن الزهري، وخالفه ابن جريج وغيره، فرووه عن الزهري بهذا الإسناد بعينه عن أبي سلمة وسليمان عن رجال من أصحاب النبي ﷺ : أن رسول الله ﷺ أقرّ القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية وقضى بها بين ناس من الأنصار في قتيل ادَّعَوه على اليهود. ذكره البيهقي (٤). والقسامة في الجاهلية كانت قسامةَ الدم. وفي قول الشافعي: «إن حديث ابن شهاب مرسل» نظر، والرجال من الأنصار لا يمتنع أن يكونوا صحابة، فإن أبا سلمة وسليمان كل منهما من

стр. 1391

التابعين، قد لقي جماعة من الصحابة، إلا أن الحديث غير مجزوم باتصاله لاحتمال كون الأنصاريين من التابعين والله أعلم. قال البيهقي (١): وأصح ما روي في القتل بالقسامة وأعلاه بعد حديث سهل ما رواه عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال: حدثني خارجة بن زيد بن ثابت قال: قَتَل رجل من الأنصار وهو سكران رجلًا آخر من الأنصار من بني النجار في عهد معاوية، ولم يكن على ذلك شهادة إلا لَطْخ وشبهة. قال: فاجتمع رأي الناس على أن يَحلِف ولاة المقتول ثم يُسلَّم إليهم فيقتلوه. قال خارجة بن زيد: فركبنا إلى معاوية وقصصنا عليه القصة، فكتب معاوية إلى سعيد بن العاص ... فذكر الحديث وفيه: فقال سعيد: أنا منفّذ كتابَ أمير المؤمنين، فاغْدُوا على بركة الله، فغدَونا عليه، فأسلمه إلينا سعيد بعد أن حلفنا عليه خمسين يمينًا (٢). وفي بعض طرقه (٣): وفي الناس يومئذ من أصحاب رسول الله ﷺ ومن فقهاء الناس ما لا يحصى، وما اختلف اثنان منهم أن يحلف ولاة المقتول ويقتلوا أو يَستَحْيُوا، فحلفوا خمسين يمينًا وقتلوا، وكانوا يخبرون أن رسول الله ﷺ قضى بالقسامة. وأما حديث محمد بن راشد عن مكحول: أن رسول الله ﷺ لم يقضِ

стр. 1392

في القسامة بِقَوَد (١)، فمنقطع. وأما ما رواه الثوري في «جامعه» (٢) عن عبد الرحمن عن القاسم بن عبد الرحمن أن عمر بن الخطاب قال: «القسامة توجب العقل ولا تُشيط الدم»، فمنقطع موقوف. وأما حديث الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه استحلف اليهود خمسين يمينًا، ثم جعل عليهم الدية (٣)، فلا يحل لأحد معارضة رواية الأئمة الثقات بالكلبي وأمثاله. وأما حديث عمر بن صُبْح (٤) عن مقاتل بن حيان عن صفوان عن ابن المسيب عن عمر في قضائه بذلك، وقوله: «إنما قضيت عليكم بقضاء نبيكم ﷺ » (٥)، فلا يجوز أيضًا معارضة الأحاديث الثابتة بحديث من أجمع علماء الحديث على ترك الاحتجاج به، وهو ابن صُبْح الذي لم يُسفر صباحُ صِدقه في الرواية.

стр. 1393

وأما حديث سفيان بن عيينة عن منصور عن الشعبي أن عمر بن الخطاب كتب في قتيلٍ وُجِد بين خَيْوان (١) ووَادِعة: أن يقاس ما بين الفريقين، فإلى أيهما كان أقرب أخرج منهم خمسين رجلًا حتى يوافوه بمكة، فأدخلهم الحجر فأحلفهم، ثم قضى عليهم بالدية، فقالوا: ما وَقَتْ أموالُنا أيمانَنا، ولا أيمانُنا أموالَنا، فقال عمر: «كذلك الأمر»، وفي لفظ قال عمر: «حقنتُ (٢) بأيمانكم دماءَكم، ولا يُطَلُّ (٣) دم امرئ مسلم» (٤) = فقال

стр. 1394

الشافعي (١) وقد قيل له: هذا ثابت عندك؟ قال: لا، إنما رواه الشعبي عن [ق ٢٢٥] الحارث الأعور (٢)، والحارث مجهول، ونحن نروي عن النبي ﷺ بالإسناد الثابت أنه بدأ بالمدَّعِين، فلمَّا لم يحلفوا قال: «فتبرئكم يهود بخمسين يمينًا»، وإذ (٣) قال: «فتبرئكم» لم يكن عليهم غرامة، ولما لم يقبل الأنصار أيمانهم وداه النبيُّ ﷺ ولم يجعل على يهود شيئًا والقتيل بين أظهرهم. وقال محمد بن إسحاق بن خزيمة (٤) عن ابن عبد الحكم: سمعت الشافعي يقول: سافرت إلى خَيوان ووادِعة (٥) ثلاثًا وعشرين سفرة أسألهم عن حكم عمر بن الخطاب في القتيل وأحكي لهم ما روي عنه، فقالوا: إن هذا لشيء ما كان ببلدنا قط. قال الشافعي: والعرب أحفظ شيء لأمرٍ كان.

стр. 1395

وأما حديث أبي سعيد الخدري: أن قتيلًا وُجِد بين حيَّين فأمر النبي ﷺ أن يقاس إلى أيهما أقرب، فوُجِد أقرب إلى أحد الحيين بشِبْر، فألقى ديته عليهم؛ فرواه أحمد في «مسنده» (١)، وهو من رواية أبي إسرائيل الملائي عن عطية العَوفي، وكلاهما فيه ضعف. ومع هذا فليس فيه ما يضاد حديث القسامة. وقد ذهب إليه أحمد في رواية، حكاه [المرّوذي] في «كتاب الورع» (٢) عنه. وأما حديث ابن عباس: «لو يُعطى الناس بدعواهم لادَّعَى رجال دماء رجالٍ وأموالَهم، ولكن اليمين على المُدَّعى عليه» (٣)، فهذا إنما يدل على أنه لا يُعطَى أحد بمجرد دعواه دمَ رجل ولا ماله، وأما في القسامة فلم يُعطَ الأولياء فيها بمجرد دعواهم بل بالبينة، وهي ظهور اللَّوث وأيمانُ خمسين، لا بمجرد الدعوى؛ وظهورُ اللَّوث وحلف خمسين بينةٌ بمنزلة الشهادة أو أقوى. و قاعدة الشرع: أن اليمين تكون في جَنْبةِ أقوى المتداعِيَين ، ولهذا يُقضَى للمدَّعِي بيمينه إذا نكل المدعى عليه، كما حكم به الصحابة لقوة جَنْبَتِه بنكول الخصم المدعى عليه، ولهذا يحكم له بيمينه إذا أقام شاهدًا واحدًا

стр. 1396

لقوة جنبَته بالشاهد، فالقضاء بها في القسامة مع قوة جنبة المدعين باللوث الظاهر أولى وأحرى. وطرد هذا: القضاء بها في باب اللعان إذا لاعن الزوجُ ونكلت المرأة، فإن الذي يقوم عليه الدليل أن الزوجة تُحَدّ، وتكون أيمان الزوج بمنزلة الشهود، كما قاله مالك والشافعي. وقال أبو حنيفة (١): لا يُقتَل (٢) في الموضعين، وقال مالك (٣): يُقتَل في الموضعين، وقال أحمد (٤): يُقتَل في القسامة دون اللعان، وقال الشافعي (٥): يُقتَل في اللعان دون القسامة؛ وقول مالك أرجح وعليه تدل الأدلة. ٢ - باب لا يُقاد المسلم بالكافر (٦) ٥٣٧/ ٤٣٦٥ - عن قيس بن عُبَاد، قال: انطلقتُ أنا والأشتر إلى علي ﵁ فقلنا له: هل عَهِدَ إليك رسولُ الله ﷺ شيئًا لم يَعْهَدْه إلى الناس عامَّة؟

стр. 1397

قال: لا، إلا ما في كتابي هذا ــ قال مسدد: فأخرج كتابًا، وقال أحمد (وهو ابن حنبل): كتابًا من قِرابِ سَيْفه ــ فإذا فيه: «المؤمنون تَكافَأ دماؤهم، وهُم يدٌ على من سواهم، ويسعى بذمَّتهم أدناهم، ألا لا يُقتلُ مؤمن بكافر، ولا ذُو عهدٍ في عهده، من أحدث حدثًا فعلى نفسه، ومن أحدث حدثًا أو آوى محدثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين». وأخرجه النسائي (١). وقد أخرج البخاري في «صحيحه» (٢) من حديث أبي جُحَيفةَ وَهب بن عبد الله السُّوائي قال: سألت عليًّا ﵁: هل عندكم شيء مما ليس في القرآن؟ فقال: العقل، وفَكاك الأسير، وأن لا يُقتَل مسلم بكافر. وأخرجه أيضًا الترمذي والنسائي وابن ماجه (٣). ٥٣٨/ ٤٣٦٦ - وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله ﷺ : ــ ثم ذكر نحو حديث علي، زاد فيه ــ «ويُجِيرُ عليهم أقْصَاهم، وَيَرُدُّ مُشِدُّهم على مُضْعِفهم، ومُتَسَرِّيهم على قَاعِدهم». وأخرجه ابن ماجه (٤). قال ابن القيم ﵀: وأما الحديث الذي ذكره أبو داود في كتاب «المراسيل» (٥) عن عبد الله بن عبد العزيز الحضرمي قال: قَتَل رسول الله

стр. 1398

- ﷺ يوم خيبر مسلمًا بكافر قتله غِيلَةً، وقال: «أنا أولى وأحقُّ من أوفى بذمَّته» = فمرسل لا يثبت. ورواه أيضًا (١) من حديث ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن عبد الرحمن ابن البَيلَماني، ولا يصح من الوجهين: الإرسال وابن البيلماني. وقد أسنده بعضهم من حديث ابن البيلماني عن ابن عمر عن النبي ﷺ (٢)، ولا يصح. وهذا الحديث مداره على ابن البيلماني، والبليَّة فيه منه، وهو مُجمَع على ترك الاحتجاج به، فضلًا عن تقديم روايته على أحاديث الثقات الأئمة المخرجةِ في الصحاح كلها. ٣ - باب القصاص من اللطمة (٣) ٥٣٩/ ٤٣٧٠ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: بينما رسولُ الله ﷺ يَقْسِمُ قَسمًا أقبل رجلٌ فأكَبَّ عليه، فطعنه رسول الله ﷺ بعُرْجُونٍ كان معه، فجُرحَ بوجهه، فقال له رسول الله ﷺ : «تَعَالَ فاسْتَقِدْ»، فقال: بل عَفَوتُ يا رسول الله.

стр. 1399

وأخرجه النسائي (١). ٥٤٠/ ٤٣٧١ - وعن أبي نَضْرة، عن أبي فِراس قال: خطبنا عمر بن الخطاب ﵁ فقال: إني لم أَبعث عُمَّالي ليضربوا أبشاركم، ولا ليأخذوا أموالكم، فمن فُعِلَ به غير ذلك فَلْيَرفَعه إليَّ أُقِصُّه منه. قال عمرو بن العاص: لو أن رجلًا أدَّبَ بعض رعيته أَتُقِصُّه منه؟ قال: إِي والذي نفسي بيده أُقِصُّه، وقد رأيت رسولَ الله ﷺ أقَصَّ من نفسه. وأخرجه النسائي (٢). وأبو فراس قيل: هو الربيع بن زياد بن أنس الحارثي، وقيل: كنيته أبو عبد الله، وقيل: أبو عبد الرحمن. وسئل أبو زرعة الرازي عن أبي فراس هذا الذي روى عن عمر، وروى عنه أبو نضرة، فقال: لا أعرفه (٣). وقال الحافظ أبو أحمد الكرابيسي (٤): ولا أعرف أبا نَضْرة روى عن الربيع بن زياد شيئًا، إنما روى عنه أبو مِجْلَز وقتادة، وذكره الشعبي في بعض أخباره. وأبو فراس الذي روى عنه أبو نضرة هو النَّهْدي. هذا آخر كلامه.

стр. 1400

وأبو نضرة ــ بفتح النون وسكون الضاد المعجمة ــ هو المنذر بن مالك العَوَقِيُّ. قال ابن القيم ﵀: وقال الشافعي في رواية الربيع (١): ورُوي من حديث عمر أنه قال: رأيت رسول الله ﷺ يُعطي القَوَد من نفسه، وأبا بكر يعطي القود من نفسه، وأنا أعطي القود من نفسي (٢). احتج به الشافعي في القصاص فيما دون النفس. وقد تقدم (٣) حديث النعمان بن بشير وقولُه لمدعي السرقة: إن شئتم أن أضربهم، فإن خرج متاعكُم (٤) وإلا أخذت من ظهوركم مثل ما أخذتُ من ظهورهم، فقالوا: هذا حكمك؟ فقال هذا حكم الله ورسوله. وروى النسائي (٥) من حديث محمد بن هلال عن أبيه عن أبي هريرة

стр. 1401

قال: كنا نقعد مع رسول الله ﷺ في المسجد فإذا قام قمنا، فقام يومًا وقمنا معه حتى إذا بلغ وسط المسجد أدركه أعرابي، فجبذ بردائه من ورائه، وكان رداؤه خَشِنًا فحمَّر رقبته، قال: يا محمد، احمِلْ لي على بعيري هذين، فإنك لا تحمل من مالِك ولا من مال أبيك! فقال رسول الله ﷺ : «لا، وأستغفر الله، لا أحمل لك حتى تُقيدَني مما جبذت برقبتي»، فقال الأعرابي: لا والله لا أقيدك، [فقال رسول الله ﷺ ذاك ثلاث مرّات، كل ذلك يقول: لا والله لا أُقيدك] (١)، فلما سمعنا قول الأعرابي أقبلنا إليه سراعًا فالتفت إلينا رسول الله ﷺ فقال: «عزمتُ على من سمع كلامي أن لا يَبرحَ مقامه حتى آذَنَ له»، فقال رسول الله ﷺ لرجل من القوم: «يا فلان احمل له على بعير شعيرًا، وعلى بعيرٍ تمرًا» ثم قال رسول الله ﷺ : «انصرفوا». ترجم عليه: «القود من الجَبْذَة»، ورواه أبو داود. وروى النسائي (٢) أيضًا من حديث سعيد بن جبير أخبرني ابن عباس: أن رجلًا وقع في أبٍ كان له في الجاهلية، فلطمه العباس، فجاء (٣) قومَه فقالوا: لنَلْطِمَنَّه كما لطمه، فلبسوا السلاح، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فصعد المنبر، فقال: «أيها الناس، أي أهل الأرض تعلمون أكرمُ على الله؟» قالوا

стр. 1402

أنت، قال: «فإن العباس مني وأنا منه لا تسبُّوا أمواتَنا فتؤذوا أحياءَنا»، فجاء القوم فقالوا: يا رسول الله، نعوذ بالله من غضبك، استغفر لنا. وترجم عليه: «القود من اللطمة». وروى النسائي أيضًا حديث أبي سعيد المتقدم (١) وقال: بينا رسول الله ﷺ يقسم شيئًا إذ أكبَّ عليه رجل فطعنه رسولُ الله ﷺ بعُرجون كان معه، فصاح الرجل، فقال له رسول الله ﷺ : «تعال فاستَقِد»، فقال الرجل: بل عفوتُ يا رسول الله. وترجم عليه: «القود من الطعنة». وفي «الصحيحين» (٢) عن عائشة قالت: لَدَدْنا رسول الله ﷺ في مرضه فأشار أن لا تَلدُّوني، فقلنا كراهية المريض للدواء، فلما أفاق قال: «لا يبقى أحدٌ منكم إلا لُدَّ وأنا أنظر، إلا العباس فإنه لم يشهد». ومن بعض تراجم البخاري عليه: «باب القصاص بين الرجال والنساء في الجراحات». وفي الباب حديث أسيد بن حضير أن النبي ﷺ طعنه في خاصرته بعود فقال: أَصْبِرْني فقال: «اصطَبِرْ»، قال: إن عليك قميصًا، وليس عليّ قميص، فرفع النبي ﷺ عن قميصه. فاحتضنه وجعل يقبِّل كَشْحَه، قال: إنما أردت هذا يا رسول الله. رواه أبو داود في كتاب الأدب (٣)، وسيأتي هناك إن شاء الله تعالى. و «أَصبرني» أي أقدني من نفسك، و «اصطبر» أي استقد، والاصطبار: الاقتصاص، يقال: أصبرته بقتيله: أقدته منه (٤).

стр. 1403

وذكر النسائي (١) من حديث عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة: أن النبي ﷺ بعث أبا جهم بن حذيفة مُصَدِّقًا، فلاحَّه رجل في صدقته فضربه أبو جهم، فأتوا النبي ﷺ فقالوا: القَوَد يا رسول الله، فقال: «لكم كذا وكذا» [فلم يرضوا به، فقال: «لكم كذا وكذا»، فرضوا به] (٢)، فقال رسول الله ﷺ : «إني خاطب على الناس ومخبرهم برضاكم»، قالوا: نعم، فخطب النبي ﷺ ، فقال: «إن هؤلاء أتوني يريدون القَوَد فعرضتُ عليهم كذا وكذا، فرَضُوا»، قالوا: لا، فهمَّ المهاجرون بهم، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يكفوا فكفُّوا، ثم دعاهم فقال: «أرضيتم؟» قالوا: نعم، قال: «فإني خاطب على الناس ومخبرهم برضاكم»، قالوا: نعم، فخطب الناس ثم قال: «أرضيتم؟» قالوا: نعم». فصل وقد اختلف الناس في هذه المسألة ــ وهي القصاص في اللطمة والضربة ونحوها مما لا يمكن للمقتص أن يفعل بخصمه مثل ما فعله به من كل وجه، هل يسوغ القصاص في ذلك، أو يعدل إلى عقوبته بجنس آخر، وهو التعزير؟ ــ على قولين: أصحهما: أنه شرع فيه القصاص، وهو مذهب الخلفاء الراشدين، ثبت

стр. 1404

ذلك عنهم، حكاه عنهم أحمد وأبو إسحاق الجوزجاني في «المترجم» (١)، ونص عليه الإمام أحمد في رواية الشالَنْجي وغيره (٢). قال شيخنا (٣): وهو قول جمهور السلف. والقول الثاني: أنه لا يشرع فيه القصاص، وهو المنقول عن الشافعي ومالك وأبي حنيفة (٤)، وقول المتأخرين من أصحاب أحمد، حتى حكى بعضهم الإجماع على أنه لا قصاص فيه. وليس كما زعم، بل حكاية إجماع الصحابة على القصاص أقرب من حكاية الإجماع على منعه، فإنه ثبت عن الخلفاء الراشدين، ولا يعلم لهم مخالف فيه. ومأخذ القولين أن الله تعالى أمر بالعدل في ذلك، فبقي النظر في أي الأمرين أقرب إلى العدل؟ فقال المانعون: المماثلة لا تمكن هنا، فكان العدل يقتضي العدولَ إلى جنس آخر وهو التعزير، فإن القصاص لا يكون إلا مع المماثلة، ولهذا لا يجب في الجرح حتى ينتهي إلى حد، ولا في القطع إلا من مَفْصِل لتُمكن المماثلة، فإذا تعذرت في القطع والجرح صرنا

стр. 1405

إلى الدية، فكذا في اللطمة ونحوها، لما تعذَّرت صرنا إلى التعزير. قال المجوزون: القصاص في ذلك أقرب إلى الكتاب والسنة والقياس والعدل من التعزير. أما الكتاب: فإن الله سبحانه قال: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، وقال: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، ومعلوم أن المماثلة مطلوبة بحسب الإمكان، واللطمة أشد مماثلةً للطمة والضربة للضربة من التعزير لها، فإنه ضَرْب في غير الموضع، غير مماثل لا في الصورة، ولا في المحل، ولا في القدر؛ فأنتم فررتم من تفاوتٍ لا يمكن الاحتراز منه بين اللطمتين، فصرتم إلى أعظمَ تفاوتًا منه، بلا نصٍّ ولا قياس. قالوا: وأما السنة، فما ذكرنا من الأحاديث في هذا الباب، وقد تقدمت، ولو لم يكن في الباب إلا سنة الخلفاء الراشدين لكفى بها دليلًا وحجة. قالوا: فالتعزير لا يعتبر فيه جنس الجناية، ولا قدرها، بل قد يعزِّره بالسوط والعصا ويكون إنما ضربه بيده أو رِجله، فكانت العقوبة بحسب الإمكان في ذلك أقرب إلى العدل الذي أنزل الله به كتبه وأرسل به رسله. قالوا: وقد دل الكتاب والسنة في أكثر من مائة موضع على أن الجزاء من [ق ٢٢٧] جنس العمل في الخير والشر، كما قال تعالى: ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ [النبأ: ٢٦] أي: وَفق أعمالهم، وهذا ثابت شرعًا وقدرًا. أما الشرع، فلقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ... ﴾ إلى قوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]، فأخبر سبحانه أن الجروح

стр. 1406

قصاص، مع أن الجارح قد يشتد عذابُه إذا فُعِل به كما فعل، حتى يُستوفَى منه. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه رضخ رأس اليهودي كما رضخ رأس الجارية (١)، وهذا القتل قصاص، لأنه لو كان لنقض العهد أو للحراب لكان بالسيف، لا بِرَضْخ (٢) الرأس. ولهذا كان أصح الأقوال: أنه يُفعل بالجاني مثل ما فعل بالمجنيّ عليه، ما لم يكن محرّمًا لحق الله، كالقتل باللواطة وتجريع الخمر ونحوه؛ فيُحرَّق كما حرَّق، ويُلقَى من شاهق كما فعل، ويخنق كما خنق، لأن هذا أقرب إلى العدل، وحصولِ مسمى القصاص، وإدراك الثأر، والتشفي، والزجرِ المطلوب من القصاص. وهذا مذهب مالك والشافعي، وإحدى الروايات عن أحمد. قالوا: وأما كون القصاص لا يجب في الجرح حتى ينتهي إلى حد، ولا في الطرف حتى ينتهي إلى مَفصِل، لِتحقُّق المماثلة= فهذا إنما اشتُرط لئلا يزيد المُقتضي (٣) على مقدار الجناية، فيصير الجاني (٤) مظلومًا بذهاب ذلك الجزء، فتعذرت المماثلة فصِرنا إلى الدية. وهذا بخلاف اللطمة والضربة، فإنه لو قُدِّر تعدي المقتضي فيها لم يكن ذلك بذهاب جزء، بل بزيادة ألمٍ وهذا لا يمكن الاحتراز منه، ولهذا توجبون التعزير مع أن أَلمَه يكون أضعافَ ألم اللطمة، ويُبرَد من سنِّ الجاني مقدارُ ما كَسَر من سن المجني عليه مع شدة الألم، وكذلك قَلْعُ سنه وعينه ونحو ذلك لا بد فيه من زيادة ألمٍ ليصل المجنيُّ عليه إلى استيفاء حقه، فهلّا اغتفرتم (٥) هذا الألم المقدَّرَ زيادتُه في اللطمة والضربة،

стр. 1407

كما اغتفرتموه فيما ذكرنا من الصور وغيرها؟ قال المانعون: كما عدلنا في الإتلاف المالي إلى القيمة عند تعذّر المماثلة، فكذلك هاهنا، بل أولى لحرمة البشرة وتأكُّدِها على حرمة المال. قال المجوزون: هذا قياس فاسد من وجهين: أحدهما: أنكم لا تقولون بالمماثلة في إتلاف المال، فإذا أتلف عليه ثوبًا لم تجوّزوا أن يُتلف عليه مثلَه مِن كل وجه، ولو قطع يده أو قتله لقُطعت يده وقُتل به، فعلم الفرق بين الأموال والأبشار، ودل على أن الجناية على النفوس والأطراف تُطلب فيها المقاصّة بما لا تُطْلب في الأموال. الثاني: أنه لا يُسَلَّم (١) لكم أن غير المكيل والموزون يُضمَن بالقيمة لا بالنظير، ولا إجماعَ في المسألة ولا نص؛ بل الصحيح أنه يجب المثل في الحيوان وغيره بحسب الإمكان، كما ثبت عن الصحابة في جزاء الصيد أنهم قضوا فيه بمثله من النَّعَم بحسب الإمكان، فقضوا في النعامة ببدنة، وفي بقرة

стр. 1408

الوحش بقرةً (١)، وفي الظبي شاةً، إلى غير ذلك (٢). قال المانعون: هذا على خلاف القياس، فيصار إليه اتباعًا للصحابة، ولهذا منعه أبو حنيفة وقدَّم القياس عليه، وأوجب القيمة (٣). قال المجوزون: قولكم: إن هذا على خلاف القياس فرع على صحة الدليل الدال على أن المعتبر في ذلك هو القيمة دون النظير، وأنتم لم تذكروا على ذلك دليلًا من كتاب ولا سنة ولا إجماع، حتى يكون قضاء الصحابة بخلافه على خلاف القياس، فأين الدليل؟ قال المانعون: الدليل على اعتبار القيمة في إتلاف الحيوان دون المثل: أن النبي ﷺ ضمَّن مُعتِقَ الشِّقْص إذا كان موسِرًا بقيمته (٤)، ولم يُضمِّنه نصيبَ الشريك بمثله، فدل على أن الأصل هو القيمة في غير المكيل والموزون. قال المجوزون: هذا أصل ما بنيتم عليه اعتبارَ القيمة في هذه المسائل وغيرها، ولكنه بناء على غير أساس، فإن هذا ليس مما نحن فيه في شيء، فإن هذا ليس من باب ضمان المتلفات بالقيمة، بل هو من باب تَمَلُّك مال الغير

стр. 1409

بالقيمة، كتملك الشقص المشفوع بثمنه، فإن نصيب الشريك يُقدَّرُ دخولُه في مُلك المعتِق ثم يَعتِق عليه بعد ذلك، والقائلون بالسراية متفقون على أنه يَعتِق كلُّه على مُلك المعتِق، والولاء له دون الشريك. واختلفوا: هل يسري العتق عقب إعتاقه، أو لا يَعتِق حتى يؤدي الثمن؟ على قولين للشافعي (١)، وهما في مذهب أحمد (٢). قال شيخنا (٣): والصحيح أنه لا يَعتِق إلا بالأداء. وعلى هذا ينبني إذا أعتق الشريكُ نصيبه بعد عِتق الأول وقبل وزن القيمة، فعلى الأول: لا يَعتِق عليه، وعلى الثاني: يعتق عليه، ويكون الولاء بينهما. وعلى هذا أيضًا ينبني إذا قال أحدهما: إذا أعتقتَ نصيبك فنصيبي حر، فعلى القول الأول لا يصح هذا التعليق، ويَعتِق كله من (٤) مال المعتق، وعلى القول الثاني يصح التعليق، ويعتق نصيب الشريك من ماله. فظهر أن استدلالكم بالعتق استدلال باطل، بل إنما يكون إتلافًا إذا قتله، فلو ثبت لكم بالنص أنه ضمّن قاتل العبد بالقيمة دون المثل كان حجةً، وأنى لكم بذلك! قالوا: وأيضًا فالفرق (٥) بين أن يكون المتلَف عينًا كاملة أو بعض عين،

стр. 1410

فلو سلمنا أن التضمين كان تضمينَ إتلافٍ لم يجب مثله في العين الكاملة. والفرق بينهما: أن حق الشريك في العين التي لا تمكن [ق ٢٢٨] قسمتها في نصف القيمة مثلًا أو ثُلُثها، فالواجب له من القيمة بنسبة ملكه، ولهذا يُجبَر شريكه على البيع إذا طلبه ليتوصّل إلى حقه من القيمة. والنبي ﷺ راعى ذلك وقوَّم عليه العبد قيمةً كاملة، ثم أعطاه حقه من القيمة، ولم يقوِّم عليه الشِّقْصَ وحده فيعطيه قيمته، فدل على أن حق الشريك في نصف القيمة. فإذا كان كذلك فلو ضَمَّنّا المُعتِقَ نصيب الشريك بمثله من عبد آخرَ لم نجبره على البيع إذا طلبه شريكه، لأنه إذا لم يكن له حق في القيمة بل حقه في نفس العين فحقُّه باقٍ منها. قالوا: فظهر أنه ليس معكم أصل تقيسون عليه، لا من كتاب ولا سنة ولا إجماع. وقد ثبت في «الصحيح» (١): أن النبي ﷺ اقترض بَكرًا وقضى خيرًا منه. واحتج به من يُجوِّز قرض الحيوان، مع أن الواجب في القرض رد المثل، وهذا يدل على أن الحيوان مِثليٌّ. ومن العجب أن يقال: إذا اقترض حيوانًا ردَّ قيمته، ويقاس ذلك على الإتلاف والغصب، فيُترَك موجَبُ النص الصحيح لقياسٍ لم يثبت أصلُه بنصٍّ ولا إجماع! ومنصوص أحمد: أن الحيوان في القرض يُضمن بمثله. وقال بعض أصحابه: بل بالقيمة طردًا للقياس على الغصب. واختلف أصحابه في موجب الضمان في الغصب والإتلاف على ثلاثة أوجه (٢):

стр. 1411

أحدها: أن الواجب القيمة في غير المكيل والموزون. والثاني: الواجب المثل في الجميع. والثالث: الواجب المثل في غير الحيوان، ونص عليه أحمد في الثوب والقصعة ونحوهما. ونصَّ عليه الشافعي (١) في الجدار المهدوم ظلمًا يُعاد مثله. وأَقْوَل الناس بالقيمة أبو حنيفة، ومع هذا فعنده إذا أتلف ثوبًا ثبت في ذمته مثله لا قيمته (٢)، ولهذا يُجَوِّزُ الصلحَ عنه بأكثر من قيمته، ولو كان الثابت في الذمةِ القيمةَ لما جاز الصلح عنها بأكثر منها. فظهر أن من لم يعتبر المثل فلا بد مِن تناقضه أو مناقضته للنص الصريح، وهذا ما لا مخلص منه. وأصل هذا كله: هو الحكومة التي حكم فيها داود وسليمان وقصها الله علينا في كتابه (٣)، وكانت في الحرث ــ وهو البستان، وقيل: إنه كان أشجار عنب ــ، فنفشت فيه الغنم ــ والنفش إنما يكون ليلًا ــ، فقضى داود لأصحاب البستان بالغنم، لأنه اعتبر قيمة ما أفسدته، فوجده يساوي الغنم فأعطاهم

стр. 1412

إياها. وأما سليمان فقضى على أصحاب الغنم بالمثل، وهو أن يَعمُروا البستان كما كان، ثم رأى أن مُغَلَّه إلى حين عوده يفوت عليهم، ورأى أن مُغَلَّ الغنم يساويه، فأعطاهم الغنم يستغلونها حتى يعود بستانهم كما كان، فإذا عاد ردوا إليهم غنمهم (١). فاختلف العلماء في مثل هذه القضية على أربعة أقوال: أحدها: القول بالحكم السليماني في أصل الضمان وكيفيته، وهو أصح الأقوال وأشدُّها مطابقةً لأصول الشرع والقياس، كما قد بينا في كتاب مفرد في الاجتهاد (٢). وهذا أحد القولين في مذهب أحمد، نص عليه في غير موضع، ويُذكر وجهًا في مذهب مالك والشافعي. والثاني: موافقته في النفش دون المثل، وهذا المشهور من مذهب الشافعي ومالك وأحمد. والثالث: عكسه، وهو موافقته في المثل دون النفش، وهو قول داود وغيره (٣)، فإنهم يقولون: إذا أتلف البستان بتفريطه ضمنه بمثله، وأما إذا انفلتت الغنم ليلًا لم يضمن صاحبها ما أتلفته. والرابع: أن النفش لا يوجب الضمان، ولو أوجبه لم يكن بالمثل بل

стр. 1413

بالقيمة، فلم يوافقه لا في النفش ولا في المثل، وهو مذهب أبي حنيفة (١). وهذا من اجتهادهم في القياس والعدل الذي أوجبه الله، فكل طائفة رأت العدل هو قولها، وإن كانت النصوص والقياس وأصول الشرع تشهد بحكم سليمان، كما أن الله تعالى أثنى عليه به، وأخبر أنه فهّمه إياه. وذِكْر مآخذ (٢) هذه الأقوال وأدلتها وترجيح الراجح منها له موضع غير هذا أليق به من هذا. والمقصود: أن القياس والنص يدلان على أنه يُفعل به كما فعل، وقد تقدم أن النبي ﷺ رضخ رأس اليهودي كما رضخ رأس الجارية، وأن ذلك لم يكن لنقض العهد ولا للحراب، لأن الواجب في ذلك القتل بالسيف. وعن أحمد في ذلك أربع روايات (٣): إحداهن: أنه لا يستوفَى القود إلا بالسيف في العنق، وهذا مذهب أبي حنيفة (٤). والثانية: أنه يُفعَل به كما فعل إذا لم يكن محرمًا لحق الله تعالى، وهذا مذهب مالك والشافعي (٥).

стр. 1414

والثالثة: إن كان الفعل أو الجرح مُزهِقًا (١) فُعِلَ به نظيره، وإلا فلا. والرابعة: إن كان الجرح أو القطع موجبًا للقود لو انفرد، فُعِل به نظيره، وإلا فلا. وعلى الأقوال كلها إن لم يمت بذلك قُتِل (٢). وقد أباح الله تعالى للمسلمين أن يمثّلوا بالكفار إذا مثلوا بهم، وإن كانت المُثْلة منهيًّا عنها، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]. وهذا دليل على أن العقوبة بجدع الأنف وقطع الأذن وبقر البطن ونحوِ ذلك هو عقوبة بالمثل ليست بعدوان، والمِثل هو [ق ٢٢٩] العدل. وأما كون المثلة منهيًّا عنها، فَلِما روى أحمد في «مسنده» (٣) من حديث سمرة بن جندب وعمران بن حصين قالا (٤): ما خطبنا رسول الله ﷺ خطبة إلا أمرنا بالصدقة ونهانا عن المثلة. فإن قيل: فلو لم يمت إذا فُعل به نظير ما فَعل، فأنتم تقتلونه، وذلك زيادة

стр. 1415

على ما فعل، فأين المماثلة؟ قيل: هذا ينتقض بالقتل بالسيف، فإنه لو ضربه في العنق ولم يُوجِبْه (١)، كان له أن يضربَه ثانيةً وثالثة حتى يوجبه اتفاقًا، وإن كان الأول إنما ضربه ضربة واحدة. واعتبار المماثلة له طريقان: أحدهما (٢): اعتبار الشيء بنظيره ومثله، وهو قياس العلة الذي يُلحَق فيه الشيء بنظيره. والثاني: قياس الدلالة الذي يكون الجمع فيه بين الأصل والفرع بدليل العلة ولازمها. فإن انضاف إلى واحد من هذين عموم لفظي، كان من أقوى الأدلة، لاجتماع العمومين اللفظي والمعنوي، وتظافُر (٣) الدليلين السمعي والاعتباري. فيكون موجب الكتاب والميزان والقصاص في مسألتنا هو من هذا الباب، كما تقدم تقريره، وهذا واضح لا خفاء به، ولله الحمد والمنة. ٤ - باب عفو النساء ٥٤١/ ٤٣٧٢ - وعن حِصْن عن أبي سلمة عن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ أنه قال: «على المُقتَتِلِين أن يَنْحَجِزُوا الأوَّلُ فالأولُ وإن كانت امرأةً».

стр. 1416

وأخرجه النسائي (١). وحصن هذا قال أبو حاتم الرازي (٢): لا أعلم روى عنه غير الأوزاعي ولا أعلم أحدًا نسبه. وقال غيره (٣): حصن بن عبد الرحمن، ويقال: ابن مِحصَن أبو حذيفة التَّراغِمي، من أهل دمشق، روى عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، روى عنه الأوزاعي. وذكر له هذا الحديث. قال أبو داود: «ينحجزوا» يكُفُّوا عن القَوَد. وقيل: تفسيره أن يُقتل رجل وله ورثة رجال ونساء، فأيُّهم عفا ــ وإن كانت امرأة ــ سقط القَوَد وصار ديةً. وقال الخطابي (٤): يشبه أن يكون معنى المقتتلين هاهنا أن يطلب أولياء القتيل القود فيمتنع القَتَلة، فينشأ بينهم الحرب والقتال من أجل ذلك، فجعلهم مقتتلين لما ذكرناه، والله أعلم. قال: ويَحتمِل أن تكون الروايةُ «المُقتَتَلين» بنصب التاءين، يقال: اقتُتل فهو مُقتَتَل، غير أن هذا يُستعمل أكثره فيمن قتله الحُبُّ (٥). قال ابن القيم ﵀: وليس في شيء من هذا ما يبين وجهَ الحديث.

стр. 1417

وقد رُوي: «الأول فالأول»، ورُوي: «الأَولى فالأَولى» بفتح الهمزة (١)، أي الأقرب فالأقرب، وهو أولى، وبه يتبين معنى الحديث. وأصل الحجز: المنع، ومنه الحاجز بين الشيئين، و «ينحجزوا» مطاوع حجزته فانحجز، وهو يدل على حاجز بينهم، وهو عفوُ مَن له الدم، فإنه إذا عفا وجب عليهم أن ينحجزوا، لأن صاحب الدم قد عفا، وهذا العفو [عن] (٢) الحق يستحقه الأولى فالأولى من المقتول وإن كان امرأةً، فإذا عفت وهي أولى بالمقتول فقد حجز عفوُها بينهم، ولا يجوز للرجال الأباعد بعد ذلك الطلب بدمه، وقد عفا عنه الأولى منهم. فقد اتضح بحمد الله وجهه، وأسفر صبحُ معناه. وعلى هذا فيكون «الأولى فالأولى» فاعلُ فعلٍ دلَّ عليه المذكور، أي يحجز بينهم الأولى فالأولى، وإن كان امرأةً. وترجمة أبي داود تشعر بهذا، والله أعلم. ٥ - باب الدية كم هي ٥٤٢/ ٤٣٧٩ - وعن خِشْف بن مالك الطائي، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «في دِيَةِ الخطأ عشرون حِقَّة، وعشرون جَذَعة، وعشرون بنت مخاض، وعشرون ابنةَ لبون، وعشرون بني مخاض ذكر». وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه (٣)، وقال الترمذي: لا نعرفه مرفوعًا

стр. 1418

إلا من هذا الوجه، وقد رُوي عن عبد الله موقوفًا. وقال أبو بكر البزار (١): وهذا الحديث لا نعلمه روي عن عبد الله مرفوعًا إلا بهذا الإسناد. هذا آخر كلامه. وذكر الخطابي (٢): أن خشف بن مالك مجهول لا يعرف إلا بهذا الحديث. وعدل الشافعي عن القول به لما ذكرنا من العلة في راويه، ولأن فيه بني مخاض، ولا مدخل لبني مخاض في شيء من أسنان الصدقات؛ وقد روي عن النبي ﷺ في قصة القسامة أنه ودَى قتيل خيبر بمائة من إبل الصدقة (٣)، وليس في أسنان الصدقة ابن مخاض. وقال الدارقطني (٤): «هذا حديث ضعيف غير ثابت عند أهل المعرفة بالحديث»، وبسط الكلام في ذلك وقال: «لا نعلمه رواه إلا خِشف بن مالك عن ابن مسعود، وهو رجل مجهول لم يروِ عنه إلا زيد بن جبير». ثم قال: «لا نعلم أحدًا رواه عن زيد بن جبير إلا حجاج بن أرطاة، والحجاج فرجل مشهور بالتدليس وبأنه يحدث عمن لم يَلْقَه ولم يسمع منه»، ثم ذكر أنه قد اختلف فيه على الحجاج بن أرطاة. وقال البيهقي (٥): وخِشف بن مالك مجهول، واختلف فيه على الحجاج بن

стр. 1419

أرطاة، والحجاج غير محتج به. والله أعلم. وقال المَوْصِلي (١): خِشف بن مالك ليس بذاك، وذكر له هذا الحديث. قال ابن القيم ﵀: وهذا الحديث قد رواه إسرائيل عن أبي إسحاق عن علقمة عن عبد الله بن مسعود أنه قال: «في الخطأ أخماسًا: عشرون حقة، وعشرون جذعة، وعشرون بنات لبون، وعشرون بنت مخاض، وعشرون بني مخاض». ذكره البيهقي (٢). قال: وكذلك رواه سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن علقمة عن عبد الله (٣)، وعن منصور عن إبراهيم عن عبد الله (٤). وكذلك رواه أبو مجلز عن أبي عبيدة عن عبد الله (٥).

стр. 1420

قال البيهقي: فهذا الذي قاله عبد الله بن مسعود في السن أقل مما حكاه الشافعي عن بعض التابعين، واسم الإبل يقع عليه، وهو قول صحابي فقيه، فهو أولى بالاتباع. قال: ومن رغب عنه احتج بحديث سهل بن أبي حثمة في القسامة: «فوداه النبي ﷺ بمائة من إبل الصدقة»، وليس لبني المخاض مدخل في فرائض الصدقات. قال: وحديث القسامة وإن كان في قتل العمد، ونحن نتكلم في دية الخطأ، فكأن النبي ﷺ حين لم يثبت ذلك القتل عليهم وداه بدية الخطأ متبرعًا بذلك. وعلَّل حديث ابن مسعود بأنه منقطع، لأن أبا إسحاق لم يسمع من علقمة. قال يعقوب بن سفيان (١): حدثنا بندار، حدثنا أمية بن خالد، حدثنا شعبة قال: كنت عند أبي إسحاق الهمداني فقيل له: إن شعبة يقول: إنك لم تسمع من علقمة شيئًا؟ فقال: صدق. وأما أبو عبيدة فلم يسمع من أبيه، قال شعبة عن عمرو بن مُرَّة: سألت أبا عبيدة تحفظ من أبيك شيئًا؟ قال لا (٢). ثم ذكر تعليل حديث خِشْف بن مالك المرفوع.

стр. 1421

ومراد البيهقي بقولِ (١): «إن ما في حديث ابن مسعود أقل مما حكاه الشافعي عن بعض التابعين، والأخذ به أولى» = أن الشافعي قال في رواية الربيع (٢): «وإذا قال رسول الله ﷺ في قتل عمد الخطأ: «مغلظة، منها أربعون خَلِفة في بطونها أولادها» (٣)، ففي ذلك دليل على أن دية الخطأ الذي لا يخلطه عمد مخالِفة لهذه الدية، وقد اختلف الناس فيها، فأُلزِمُ القاتلَ مائةً من الإبل بالسُّنَّة، ثم ما لم يختلفوا فيه، فلا ألزمه من أسنان الإبل إلا أقلَّ ما قالوا يلزمه، لأن اسم الإبل يلزم الصغار والكبار، فدية الخطأ أخماس: عشرون ابنة مخاض، [ق ٢٣٠] وعشرون ابنة لبون، وعشرون بني لبون ذكور، وعشرون حِقَّة، وعشرون جَذَعة. أخبرنا مالك (٤) عن ابن شهاب وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وبلغه عن سليمان بن يسار، أنهم كانوا يقولون ذلك». فهذا الذي ألزمه البيهقي لأجله أن يقول بما قاله ابن مسعود= لوجهين، أحدهما: أنه أقل مما قاله هؤلاء، والثاني: أنه قول صحابي من فقهاء

стр. 1422

الصحابة، فالأخذ به أولى من قول التابعين. وأما تعليله بما ذكر فضعيف، فإنه قد روي من وجوه متعددة عن ابن مسعود، إذا جُمِع بعضُها إلى بعض قوي مجموعُها على دفع العلة التي عُلِّل بها. وقد ثبت عن إبراهيم أنه قال: إذا قلتُ: قال عبد الله، فهو ما حدثني به جماعة عنه، وإذا قلت: حدثني فلان عن عبد الله، فهو الذي سميت (١). وأبو عبيدة شديد العناية بحديث أبيه وفتاويه، وعنده من ذلك من العلم ما ليس عند غيره (٢). وأبو إسحاق وإن لم يسمع من علقمة، فإمامته وجلالته وعدم شهرته بالتدليس (٣) تمنع أن يكون سمعه من غير ثقة فيعَدَّ إسقاطُه تدليسًا للحديث. وبعد، ففي المسألة مذهبان آخران: أحدهما: أنها خمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة، وخمس وعشرون بنت لبون؛ أرباعًا. حكاه الشافعي (٤) فيما بلغه عن ابن مهدي عن سفيان، عن أبي إسحاق، [عن
следующие страницы →