← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 201

تهذيب سنن أبي داود - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 675 стр.). Показаны 1628–1667 · переход к 1633.

стр. 1628

سائرًا إليه بين مطالعة منّته وشهود عيب نفسك وأعمالك. والقسم الثاني: حسن الخلق مع الناس، وجِمَاعه أمران: بذل المعروف قولًا وفعلًا، وكف الأذى قولًا وفعلًا. وهذا إنما يقوم على أركان خمسة: العلم، والجود، والصبر، وطِيب العُود، وصحة الإسلام. أما العلم فلأنه به يَعرف معالِيَ الأخلاق وسَفْسافَها، فيمكنه أن يتصف بهذا ويتحلّى به، ويتركَ هذا ويتخلّى عنه. وأما الجود فسماحة نفسه وبذلُها وانقيادُها لذلك إذا أراده منها. وأما الصبر فلأنه إن لم يصبر على احتمال ذلك والقيام بأعبائه (١) لم يتهيأ له. وأما طِيب العُود فأن يكون الله تعالى خَلَقه على طبيعة منقادة سهلة القياد، سريعةِ الاستجابة لداعي الخيرات. والطبائع ثلاثة: طبيعة حجرية صلبة قاسية، لا تلين ولا تنقاد؛ وطبيعة مائية هوائية سريعةُ الانقياد، مستجيبةٌ لكل داع، كالغصنِ أيُّ نسيمٍ مرّ يعطفه ــ وهاتان منحرفتان؛ الأولى لا تقبل، والثانية لا تحفظ ــ؛ وطبيعة قد جمعت اللين والصلابة والصفاء (٢)، فهي تقبل بلينها، وتحفظ بصلابتها، وتدرك حقائق الأمور بصفائها، فهذه الطبيعة الكاملة التي ينشأ عنها كل خُلُق صحيح.

стр. 1629

وأما صحة الإسلام فهو جماع ذلك والمصحّح لكل خلق حسن، فإنه بحسب قوة إيمانه وتصديقه بالجزاء وحسنِ موعود الله وثوابِه= يسهُل عليه تحمّل ذلك، ويَلَذُّ له الاتصاف به، والله الموفق المعين. ٣ - باب في الرجل يقوم للرجل عن مجلسه ٦٠٤/ ٤٦٦١ - عن أبي الخَصِيب، عن ابن عمر ﵄ قال: جاء رجلٌ إلى رسول الله ﷺ ، فقام له رجلٌ عن مجلسه، فذهبَ ليجلس فيه، فنهاه رسولُ الله ﷺ (١). قال أبو داود: أبو الخصيب: زياد بن عبد الرحمن. هذا آخر كلامه. وهو بفتح الخاء المعجمة وكسر الصاد المهملة وسكون الياء آخر الحروف وبعدها باء بواحدة. قال ابن القيم ﵀: وقد أخرج الترمذي (٢) من حديث حماد بن زيد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «لا يقيمُ أحدكم أخاه من مجلسه ثم يجلس فيه». قال (٣): وكان الرجل يقوم لابن عمر فما يجلس. قال: هذا حديث حسن صحيح.

стр. 1630

وحديث ابن عمر هذا في «الصحيحين» (١)، ولفظه: نهى رسول الله ﷺ أن يُقام الرجل من مجلسه ويجلس فيه، ولكن تفسّحوا وتوسعوا. وفي «صحيح مسلم» (٢) عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يقيم أحدكم أخاه يومَ الجمعة (٣) ثم يخالفه إلى مقعده، ولكن ليقل: افسحوا». ٤ - باب الهدي في الكلام ٦٠٥/ ٤٦٧٣ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كلُّ كلامٍ لا يُبْدأ فيه بالحمد لله فهو أجْذَم» (٤). وقال فيه: «زعم الوليد عن الأوزاعي»، وذكر جماعةً رووه عن الزهري مرسلًا (٥). وأخرجه النسائي (٦) مسندًا ومُرسلًا. وأخرجه ابن ماجه (٧) وقال فيه: «أقطع».

стр. 1631

وفي إسناده قُرَّة، وهو ابن عبد الرحمن بن حَيْوِيل المَعافري المصري، كنيته أبو محمد، ويقال: أبو حيويل. قال الإمام أحمد (١): منكر الحديث جدًّا. قال ابن القيم ﵀: وأخرجه ابن حبان في «صحيحه» (٢). ٥ - باب في تنزيل الناس منازلهم ٦٠٦/ ٤٦٧٦ - عن أبي كنانة، عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن من إجلال الله إكرامَ ذي الشَّيبة المُسلم، وحاملِ القرآن غيرِ الغالي فيه والجافي عنه، وإكرامَ ذِي السُّلطان المُقسِط» (٣). أبو كنانة هذا هو القُرَشي، ذكر غير واحد أنه سمع من أبي موسى الأشعري (٤). قال ابن القيم ﵀: وفي الترمذي (٥) عن أنس عن النبي ﷺ قال: «ما أكرم شاب شيخا لسنّه إلا قيّض الله له من يكرمه عند سنه». قال: هذا حديث غريب.

стр. 1632

٦ - باب كفارة المجلس ٦٠٧/ ٤٦٩٠ - عن سعيد بن أبي سعيد المقبُري، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنه قال: كلماتٌ لا يتكلم بهنَّ أحَدٌ في مجلسه عند قيامه ثلاث مرَّاتٍ إلا كُفِّرَ بِهنَّ عنه، ولا يقولهن في مجلس خيرٍ ومجلس ذكرٍ إلا خُتِم له بهنَّ عليه، كما يُخْتَم بالخاتَم على الصحيفة: سُبحانَك اللهمَّ وبحمدِك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوبُ إليك (١). ٦٠٨/ ٤٦٩١ - وعنه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ مثله (٢). وقد أخرجه الترمذي (٣)، وقال: حسن صحيح غريب من هذا الوجه (٤).

стр. 1633

٦٠٩/ ٤٦٩٢ - وعن أبي بَرْزة الأسْلَمي ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يقول بأخَرَةٍ إذا أراد أن يقوم من المجلس: «سُبحانَكَ اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك»، فقال رجل: يا رسول الله، إنك لتقولُ قولًا ما كنتَ تقوله فيما مضَى، قال: «كفَّارة لِما يكون في المجلس». وأخرجه النسائي (١). قال ابن القيم ﵀: هذه ثلاثة أحاديثَ ذكرها أبو داود في كفارة المجلس. فأما حديث عبد الله بن عمرو فموقوف عليه. وأما حديث أبي هريرة فهو معروف بموسى بن عقبة عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة. قال الحاكم أبو عبد الله (٢): «هذا حديث من تأمّله لم يشك أنه من شرط الصحيح؛ وله علة فاحشة: حدثني أبو نصر الوراق قال: سمعت أبا [حامد] أحمد القصّار يقول: سمعت مسلم بن الحجاج وجاء إلى محمد بن إسماعيل البخاري فقبَّل [ق ٢٦٣] بين عينيه وقال: دعني حتى أُقبّل رِجلَيك يا أستاذ الأستاذين، وطبيبَ الحديث في عِلَله، حدَّثك محمد بن سلام، حدثنا مخلد بن يزيد الحرّاني،

стр. 1634

أخبرنا ابن جريج، عن موسى بن عقبة، عن سهيل عن [أبيه عن] أبي هريرة عن النبي ﷺ في كفارة المجلس، فما عِلّته؟ قال محمد بن إسماعيل: هذا حديث مليح، ولا أعلم في الدنيا في هذا الباب (١) غير هذا الحديث، إلا أنه معلول؛ حدثنا به موسى بن إسماعيل، حدثنا وهيب، حدثنا سهيل، عن عون بن عبد الله قولَه. قال محمد بن إسماعيل: هذا أولى، فإنه لا يُذكر لموسى بن عقبة سماع من سهيل». وأما الحديث الذي رواه أبو داود من حديث أبي بَرْزة الأسلمي فإسناده حسن، رواه عن عثمان بن أبي شيبة والجَرْجَرائي (٢) عن عبدة بن سليمان، عن الحجاج بن دينار، عن أبي هاشم، عن أبي العالية عن أبي برزة؛ والحجاج بن دينار صدوق وثّقه غيرُ واحد، وأبو هاشم: هو الرُّمّاني، من رجال «الصحيحين» (٣).

стр. 1635

وفي الباب حديث عائشة، رواه الليث عن ابن الهاد، عن يحيى بن سعيد عن زرارة عن عائشة قالت: ما كان رسول الله ﷺ يقوم من مجلس إلا قال: «لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك»، فقلت: يا رسول الله ما أكثر ما تقول هؤلاء الكلمات إذا قمت؟ فقال: «إنه لا يقولهن أحد حين (١) يقوم من مجلسه إلا غُفر له ما كان في ذلك المجلس». رواه الحاكم في «المستدرك» (٢) وقال: صحيح الإسناد. ورواه النسائي (٣) عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم عن شعيب (٤) عنه. ولهذا الحديث أيضًا علة، وهي أن قُتيبة خالف شعيبًا فيه، فقال: عن الليث، عن يحيى، عن محمد بن عبد الرحمن الأنصاري، عن رجل من أهل الشام، عن عائشة: كان رسول الله ﷺ إذا قام من مجلس يُكثر أن يقول: «سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت ... » وساق الحديث. ذكره النسائي (٥).

стр. 1636

ورواه من حديث خالد بن أبي عمران عن عروة عن عائشة: أن رسول الله ﷺ كان إذا جلس مجلسًا، أو صلى صلاةً تكلم بكلمات، فسألتُ عائشة عن الكلمات فقالت (١): إن تكلّم بخير كان طابعًا عليهن إلى يوم القيامة، وإن تكلم بغير ذلك كان كفّارة له: «سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك». رواه (٢) عن أبي بكر بن إسحاق، أخبرنا أبو سلمة الخُزاعي، [عن خلّاد بن سليمان]، عن خالد به. ورواه في «الكبير» (٣) من حديث خالد بن أبي عمران أيضًا عن عروة عن عائشة قالت: ما جلس رسول الله ﷺ مجلسًا قطّ، ولا تلا قرآنًا ولا صلّى إلا ختم ذلك بكلمات، [قالت: فقلتُ: يا رسول الله، أراك ما تجلس مجلسًا، ولا تتلوا قرآنًا، ولا تصلّي صلاةً إلّا ختمتَ بهؤلاء الكلمات؟] (٤) قال: «نعم، من قال خيرًا خُتِم له طابع على ذلك الخير، ومن قال شرًّا كنّ له كفارةً: سبحانك (٥) وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك».

стр. 1637

٧ - باب الرجل يضع إحدى رجليه على الأخرى ٦١٠/ ٤٦٩٨ - وعن جابر ــ وهو ابن عبد الله ﵄ ــ قال: نهى رسول الله ﷺ أن يَضَع ــ وقال قتيبة: يَرْفَعَ ــ الرجلُ إحدى رجليه على الأخرى. وزاد قتيبة: وهو مُسْتَلقٍ على ظهره. وأخرجه مسلم (١) مختصرًا ومطولًا. ٦١١/ ٤٦٩٩ - وعن عَبَّاد بن تميم، عن عمه ــ وهو عبد الله بن زيد بن عاصم الأنصاري المازني ــ أنه رأى رسول الله ﷺ مُسْتَلْقِيًا ــ قال القَعْنَبي: في المسجد ــ واضعًا إحْدَى رجليه على الأخرى. وأخرجاه والنسائي (٢). ٦١٢/ ٤٧٠٠ - وعن سعيد بن المسيَّب أن عمر وعثمان كان يفعلان ذلك. وذكره البخاري (٣) عقب حديث عباد بن تميم فقال: وعن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب قال: كان عمر وعثمان يفعلان ذلك. هذا آخر كلامه. وسعيد بن المسيب لم يصح سماعه من عمر، وأدرك عثمان ولا يحفظ له عنه رواية عن رسول الله ﷺ (٤).

стр. 1638

قال ابن القيم ﵀: وأما الحديث الذي رواه الحاكم (١) عن الأصم، عن محمد بن إسحاق الصَّغاني، عن إبراهيم بن المنذر الحِزامي، عن محمد بن فليح، عن أبيه، عن سعيد بن الحارث، عن عبيد بن حنين قال: بينما أنا جالس في المسجد إذ جاءه (٢) قتادة بن النعمان فجلس فتحدث فثاب إليه أناس، ثم قال: انطلق بنا إلى أبي سعيد الخدري، فإني قد أُخبرت أنه قد اشتكى، فانطلقنا حتى دخلنا على أبي سعيد الخدري فوجدناه مستلقيًا واضعًا رِجله اليمنى على اليسرى، فسلّمنا وجلسنا، فرفع قتادة يده إلى رِجل أبي سعيد الخدري فقرصها قرصةً شديدة، فقال أبو سعيد: سبحان الله يا ابن أم أوجعتَني! قال: [ق ٢٦٤] ذلك أردتُ ــ فذكر حديث الاستلقاء ــ وقال فيه: «لا ينبغي لأحدٍ من خلقي أن يفعل مثل هذا». فهذا الحديث له علتان (٣):

стр. 1639

إحداهما: انفراد فليح بن سليمان به، وقد قال عباس الدُّوري (١): سمعتُ يحيى بن معين يقول: فليح بن سليمان لا يحتجّ بحديثه، وقال في رواية عثمان الدارمي (٢): فليح بن سليمان ضعيف. وقال النسائي (٣): ليس بالقوي (٤). العلة الثانية: أنه حديث منقطع، فإن قتادة بن النعمان مات في خلافة عمر وصلّى عليه عمر (٥)، وعبيد بن حنين مات سنة خمس ومائة، وله خمس وسبعون سنة في قول الواقديّ وابن بكير (٦)، فتكون روايته عن قتادة بن النعمان منقطعة، والله أعلم. ٨ - باب مَن ردّ عن مسلم غيبة ٦١٣/ ٤٧١٦ - وعن جابر بن عبد الله، وأبي طلحة بن سهل الأنصاري

стр. 1640

قالا: قال رسول الله ﷺ : «ما من امرئ يَخذُل امرأً مُسلمًا في موضع تُنْتَهك فيه حرمتُه ويُنتقَص فيه من عِرضه إلا خذله الله في مَوطنٍ يُحبُّ فيه نصرتَه، وما من امرئ ينصر مسلمًا في موضع يُنتَقص فيه من عِرضه وينتهك فيه من حرمته، إلا نصره الله في موطن يحب نُصرتَه» (١). ٦١٤/ ٤٧١٧ - وعن أبي عبد الله الجُشَمي، عن جُنْدُب ــ وهو ابن عبد الله البجَلي ﵁ ــ قال: جاء أعرابي فأناخَ راحلته ثم عَقَلها، ثم دخل المسجدَ فصلى خلف رسول الله ﷺ ، فلما سَلَّم رسول الله ﷺ أتَى راحلتَه، فأطلقها ثم ركبَ، ثم نادى: اللهم ارحمني ومحمدًا، ولا تُشرك في رحمتنا أحدًا، فقال رسول الله ﷺ : «أتقولون هو أضلُّ أم بعيرُه؟ ألم تسمعوا إلى ما قال؟» قالوا: بلى (٢). قال ابن القيم ﵀: وإدخال أبي داود هذا الحديث هنا يريد به أنّ ذِكر الرجل بما فيه في موضع الحاجة ليس بغيبة مثل هذا. ونظيره ما تقدم (٣) من حديث عائشة المتفق عليه (٤): «ائذنوا له فبئس أخو العشيرة». بوّب عليه البخاري: «باب غيبة أهل الفساد والريب» (٥).

стр. 1641

وذكر (١) في الباب عنها قالت: قال رسول الله ﷺ : «ما أظن فلانًا وفلانًا يعرفان من ديننا شيئًا». وفي الباب حديث فاطمة بنت قيس لمّا خطبها معاوية وأبو جهم، فقال النبي ﷺ : «أما معاوية فصعلوك، وأما أبو الجهم: فلا يضع العصا عن عاتقه» (٢). وقالت هند للنبي ﷺ : «إن أبا سفيان رجل شحيح» (٣). وقال الأشعث بن قيس للنبي ﷺ في خصمه: «إنه امرؤ فاجر» (٤). وقال الحضرمي بين يدي النبي ﷺ في خصمه: «إنه رجل فاجر لا يبالي ما حلف عليه، وليس يتورّع من شيء» رواه مسلم (٥). وقد رد النبي ﷺ غيبة مالك بن الدُّخْشُن وقال للقائل: إنه منافق لا يحب الله ورسوله: «لا تقل ذاك» (٦). وردَّ معاذُ بن جبل غيبةَ كعب بن مالك لما قال الرجل فيه عند النبي

стр. 1642

- ﷺ : حَبَسه بُرداه والنظر في عِطفَيه، فقال معاذ: «بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرًا»، فسكت رسول الله ﷺ (١). والحديثان متفق عليهما. وقد أخرج الترمذي (٢) عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: «من ردَّ عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة». قال: هذا حديث حسن. ٩ - باب النهي عن سب الموتى ٦١٥/ ٤٧٣١ - عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «إذا مات صَاحِبُكم فَدَعُوهُ، لا تَقَعُوا فيه» (٣). ٦١٦/ ٤٧٣٢ - وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «اذكروا محاسنَ موتاكم، وكُفُّوا عن مَساويهم». وأخرجه الترمذي (٤) وقال: غريب، سمعت محمدًا ــ يعني البخاري ــ يقول:

стр. 1643

عمران بن أنس منكر الحديث. هذا آخر كلامه. وقال أبو جعفر العُقَيلي (١): لا يتابع على حديثه، وذكر له حديث الربا. وقال أبو أحمد الكرابيسي (٢): حديثه ليس بالمعروف. وذكر له حديث الربا أيضًا. وحديث الربا هو: «لَدِرهمُ ربًا أعظم حُوبًا عند الله من سبعة وثلاثين زنية». وذكر البخاري (٣) حديثه في الربا، وقال: هذا لا يتابع عليه. قال الشيخ ابن القيم ﵀: وقد روى البخاري في «صحيحه» (٤) عن عائشة عن رسول الله ﷺ قال: «لا تسبوا الأموات، فإنهم قد أفضَوا إلى ما قدَّموا». وأخرج النسائي (٥) من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تسبوا أمواتَنا فتؤذوا أحياءنا»، وفي الحديث قصة وقد تقدم والله أعلم. ١٠ - باب الحسد ٦١٧/ ٤٧٣٥ - عن إبراهيم بن [أبي] أَسِيد، عن جده، عن أبي هريرة

стр. 1644

- ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إيَّاكم والحسدَ، فإنّ الحسدَ يأكُلُ الحسناتِ كما تأكُلُ النَّارُ الحطبَ ــ أوقال: العُشْب ــ» (١). قال ابن القيم ﵀: وفي «سنن ابن ماجه» (٢) من حديث أبي الزناد عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: «الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، والصلاة نور المؤمن، والصيام جُنَّة من النار». ولما كان الحاسد يكره نعمة الله على عباده، والمتصدّق يُنعم عليهم، كانت صدقة هذا ونعمته تطفئ خطيئته وتُذهبها، وحسدُ هذا وكراهته نعمةَ الله على عباده تُذهب حسناتِه.

стр. 1645

ولمّا كانت الصلاة مَرْكَب الإيمان (١)، وأصلَ الإسلام، ورأسَ العبودية، ومحلّ المناجاة والقربةِ إلى الله، وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو مصلٍّ، وأقرب ما يكون منه في صلاته وهو ساجد= كانت الصلاةُ نورَ المسلم. ولمّا كان الصوم يسد عليه باب الشهوات، ويضيّق مجاري الشيطان، ولا سيما باب الأجوفين: الفم والفرج، اللذين منهما ينشأ معظم الشهوات= كان كالجُنّة من النار، فإنه يتترَّس به من سهام إبليس. وفي «الصحيحين» (٢) عن أنس أن النبي ﷺ قال: «لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تقاطعوا، وكونوا عباد الله إخوانًا، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث» (٣). ١١ - باب اللعن ٦١٨/ ٤٧٣٧ - عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنَّ العبد إذا لَعَن شيئًا صَعِدَت اللَّعنةُ إلى السَّماء، فتُغْلَقُ أبوابُ السماءِ دُونها، ثُمَّ تَهبِطُ إلى الأرض فتُغلَقُ أبوابُها دُونَها، ثُمَّ تَأخُذُ يمينًا وشِمالًا، فإذا لم تَجِد مَساغًا رَجَعَت إلى الذي لُعِنَ، فإن كانَ لِذلك أهلًا، وإلَّا رَجَعت إلى قائلها» (٤).

стр. 1646

٦١٩/ ٤٧٣٨ - وعن الحسن ــ وهو البصري ــ عن سَمُرة بن جُندُب ﵁، عن النبي ﷺ قال: «لا تَلاعنوا بلعنة الله، ولا بغضب الله، ولا بالنار». وأخرجه الترمذي (١) وقال: حسن صحيح. هذا آخر كلامه. وقد تقدم اختلاف الأئمة في سماع الحسن من سَمُرة. ٦٢٠/ ٤٧٣٩ - وعن أبي الدرداء ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يكون اللَّعَّانُون شُفعاءَ ولا شُهداء». وأخرجه مسلم (٢). ٦٢١/ ٤٧٤٠ - عن ابن عباس ﵄ أن رجلًا لعن الريح ــ وقال مسلم (وهو ابن إبراهيم): إن رجلًا نازعَتْه الريحُ رداءَه على عهد النبي ﷺ فلعنها ــ فقال النبي ﷺ : «لا تَلعَنْها فإنها مأمورة، وإنَّه من لعن شيئًا ليس له بأهل رَجَعت اللعنةُ عليه». وأخرجه الترمذي (٣) وقال: غريب، لا نعلم أحدًا أسنده غير بِشر بن عمر. هذا آخر كلامه. بشر بن عمر هذا هو الزهراني، احتجّ به البخاري ومسلم.

стр. 1647

قال ابن القيم ﵀: وفي «الصحيحين» (١) عن ثابت بن الضحاك قال: قال رسول الله ﷺ : «لعن المؤمن كقتله». وفي «صحيح مسلم» (٢) عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: «لا ينبغي لصِدّيق أن يكون لعّانًا». وفي الترمذي (٣) عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس المؤمن بالطعّان، ولا اللعّان، ولا الفاحش، ولا البذيء» وقال: حديث حسن. ١٢ - باب في تغيير الأسماء ٦٢٢/ ٤٧٨١ - عن عبد الله بن أبي زكرياء، عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنَّكُم تُدْعَون يومَ القيامة بِأَسمائِكم وأَسماءِ آبائِكم، فَأَحسِنُوا أَسماءَكم» (٤). عبد الله بن أبي زكرياء لم يسمع من أبي الدرداء (٥).

стр. 1648

قال ابن القيم ﵀: وفي هذا الحديث ردّ على من قال: إن الناس يوم القيامة إنما يُدعَون بأمهاتهم، لا بآبائهم. وقد ترجم البخاري في «صحيحه» (١) لذلك فقال: «باب ما يدعى الناس بآبائهم»، وذكر فيه حديث نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «الغادر يُرفَع له لواء يوم القيامة يقال: هذه غدرة فلان بن فلان». واحتج من قال بالأوّل بما رواه الطبراني في «معجمه» (٢) من حديث سعيد بن عبد الله الأودي قال: شهدتُ أبا أمامة وهو في النزع، قال: إذا متُّ فاصنعوا بي كما أمرَنا رسولُ الله ﷺ ، [أن نصنع بموتانا؛ أمرنا رسول الله ﷺ ] فقال: «إذا مات أحد من إخوانكم فسوَّيتم الترابَ على قبره، فليَقُم أحدُكم على رأس قبره، ثم ليقل: يا فلان بن فلانة، فإنه يسمعه ولا يُجيبه، ثم يقول: يا فلان بن فلانة، [فإنه يستوي قاعدًا، ثم يقول: يا فلان بن فلانة،] فإنه يقول: أرشِدْنا رحمك الله ... » فذكر الحديث وفيه: فقال رجل: يا رسول الله، فإن لم يعرف أمَّه، قال: «فلينسِبْه إلى أمه حوّاء: فلان بن حواء». ولكن هذا الحديث متفق على ضعفه فلا تقوم به حجة فضلًا عن أن يعارَض به ما هو أصح منه. وفي «الصحيحين» (٣) عن أبي موسى قال: «وُلد لي غلام فأتيت به

стр. 1649

النبي ﷺ ، فسمّاه إبراهيم وحنَّكه بتمرة»، زاد البخاري: «ودعا له بالبركة، ودفعه إلي»، وكان أكبرَ ولدِ أبي موسى. ١٣ - باب في حفظ المنطق ٦٢٣/ ٤٨٠٩ - عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: «لا يقولنَّ أحدُكم: الكَرْم، فإنَّ الكَرْمَ الرَّجلُ المسلم، ولكن قولوا: حَدائقُ الأعناب» (١). وقد أخرجه مسلم في «صحيحه» (٢) من حديث محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «لا تُسمُّوا العنبَ الكرم، فإن الكرمَ الرجلُ المسلم». وأخرجه البخاري ومسلم في «صحيحيهما» (٣) من حديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة بمعناه. وأخرج مسلم (٤) من حديث وائل بن حُجر أن النبي ﷺ قال: «لا تقولوا: الكرم، ولكن قولوا: العنب والحَبْلة». قال ابن القيم ﵀: العرب سَمَّت شجر العنب كَرْمًا لكرَمه، والكرَم: كثرة الخير والمنافع والفوائدِ وسهولةُ تناولها من الكريم، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ [لقمان: ١٠]، وفي آية أخرى: ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحج: ٥]، فهو كريم في مخبره، بهيج في منظره، وشجر العِنَب قد جمع وجوهًا من ذلك:

стр. 1650

منها: تذليل ثمره لقاطفه. ومنها: أنه ليس دونه شوك يؤذي مُجتنيه. ومنها: أنه ليس بممتنع على من أراده لعلوّ ساقه وصعوبته [ق ٢٦٥] كغيره. ومنها: أن الشجرة الواحدة تَحمل منه مع ضَعْفها ودقّة ساقها أضعافَ ما تحمله غيرُها. ومنها: أن الشجرة منه إذا قُطِع أعلاها أخلفت من جوانبها وفروعها، والنخلة إذا قطع أعلاها ماتت ويَبِست جملةً. ومنها: أن ثمره يؤكل قبل نضجه، وبعد نضجه، وبعد يُبْسه. ومنها: أنه يُتخذ منه من أنواع الأشربة الحُلْوة والحامضة كالدِّبْس والخَل ما لا يُتّخذ من غيره، ثم يُتّخذ من شرابه من أنواع الحلاوة والأطعمة والأقوات ما لا يتخذ من غيره، وشرابُه الحلال غذاءٌ وقُوت ومنفعة وقوة. ومنها: أنه يُدّخر يابسه قوتًا وطعامًا وأُدمًا. ومنها: أن ثمره قد جمع نهاية المطلوب من الفاكهة من الاعتدال، فلم يُفْرط إلى البرودة كالخَوخ وغيره، ولا إلى الحرارة كالتمر، بل هو في غاية الاعتدال، إلى غير ذلك من فوائده. فلما كان بهذه المنزلة سمَّوه كَرْمًا، فأخبرهم النبي ﷺ أن الفوائد والثمراتِ والمنافعَ التي أودعها الله قلب عبده المؤمن مِن البر وكثرة الخير= أعظمُ من فوائد كَرْم العنب، فالمؤمن أولى بهذه التسمية منه.

стр. 1651

فيكون معنى الحديث على هذا: النهي عن قَصْر اسم الكرم على شجر العنب، بل المسلم أحقُّ بهذا الاسم منه. وهذا نظير قوله: «ليس الشديد بالصُّرَعة، ولكن الذي يملك نفسه عند الغضب» (١)، أي مالك نفسه أولى أن يُسمّى شديدًا من الذي يصرع الرجال. وكقوله: «ليس المسكين بهذا الطوّاف الذي تردّه اللُّقمة واللقمتان والأَكْلة والأكلتان، ولكنّه الذي لا يسأل الناس ولا يُفْطَن له فيُتصدّق عليه» (٢)، أي هذا أولى بأن يقال له مسكين من الطوّاف الذي تسمونه مسكينًا. ونظيره في المُفْلِس (٣) والرَّقُوب (٤) وغيرهما.

стр. 1652

ونظيره قوله: «ليس الواصلُ بالمكافئ ولكنّه الذي إذا قُطِعَت رَحِمُه وصلها» (١)، وإن كان هذا ألطف من الذي قبله. وقيل في معنى النهي وجه آخر، وهو: قصد النبي ﷺ سلب هذا الاسم المحبوب للنفوس التي يلذ لها سماعه عن هذه الشجرة التي تُتّخذ منها أم الخبائث، فيسلُبها الاسم الذي يدعو النفوس إليها، ولا سيما فإن العرب قد تكون سمَّتها كرْمًا لأن الخمر المتخذةَ منها تحث على الكرَم وبذل المال، فلما حرّمها الشارع نفى اسم المدح عن أصلها، وهو «الكَرْم» كما نفى اسم المدح عنها، وهو «الدواء»، فقال: «إنها داء، وليست بدواء» (٢). ومَن عرف سرّ تأثير الأسماء في مسمّياتها نُفرةً وميلًا عرف هذا، فسلبها النبي ﷺ هذا الاسم الحسن، وأعطاه من هو أحق به منها، وهو قلب المؤمن. ويؤكد المعنى الأول أن النبي ﷺ شبّه المسلم بالنخلة (٣) لما فيها من المنافع والفوائد، حتى إنها كلَّها منفعة، لا يذهب منها شيء بلا منفعة حتى شوكها، ولا يسقط عنها لباسُها وزينتها كما لا يسقط عن المسلم زينته، فجذوعها للبيوت والمساكن والمساجد وغيرها، وسَعَفها للسقوف وغيرها، وخُوصها للحُصُر والمكاتل والآنية وغيرها، ومَسَدُها للحِبال وآلات الشد والحلّ وغيرها، وثمرها يؤكل رطبا ويابسًا، ويُتخذ قوتًا وأُدمًا، وهو أفضل المخرج في زكاة الفطر تقرّبًا إلى الله وطهرةً للصائم، ويتخذ منه ما يتخذ

стр. 1653

من شراب الأعناب، ويزيد عليه بأنه قُوت وحده بخلاف الزبيب، ونواه علف للإبل التي تحمل الأثقال إلى بلدٍ لا يُبْلَغ إلا بشقّ الأنفس، ويكفي فيه أن نواه يُشترى به العنب، فحَسْبك بثَمَرٍ (١) نواه ثَمَن لغيره! وقد اختلف الناس في العنب والنخل: أيهما أفضل وأنفع؟ واحتجت كل طائفة بما في أحدهما من المنافع (٢). والقرآن قد قدّم النخيل على الأعناب في موضع (٣)، وقدم الأعناب عليه في موضع (٤)، وأفرد النخل عن الأعناب (٥)، ولم يفرد العِنَب عن النخيل (٦). وفصل الخطاب في المسألة أن كلَّ واحد منهما في الموضع الذي يكثر فيه ويقلّ وجودُ الآخر أفضل وأنفع، فالنخيل بالمدينة والعراق وغيرهما أفضل وأنفع من

стр. 1654

الأعناب فيها، والأعناب في الشام ونحوها أفضل وأنفع من النخيل بها. ولا يقال: فما تقولون إذا استويا في بلدة؟ فإن هذا لا يوجد، لأن الأرض التي يطيب (١) [فيها] النخيل، ويكون سلطانه ووجوده بها= لا يكون للعنب بها سلطان، ولا تقبله تلك الأرض، وكذلك أرض العنب لا تقبل النخيلَ ولا يطيب فيها. والله سبحانه قد خص كل أرض بخاصية من النبات والمعدن والفواكه وغيرها، فهذا في موضعه أفضل وأطيب وأنفع، وهذا في موضعه كذلك. ١٤ - باب صلاة العَتَمة ٦٢٤/ ٤٨١٩ - عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: «لا تغلبنَّكم الأعرابُ على اسم صلاتكم، ألا وإنها العشاء، ولكنّهم يُعْتِمُون بالإبل (٢)». وأخرجه مسلم (٣). وفي رواية (٤): «فإنها في كتاب الله العشاء، وإنها تُعتِم بحلاب الإبل». وفي «الصحيحين» (٥) من حديث مالك عن أبي هريرة مرفوعًا: «لو يعلم

стр. 1655

الناس ما في النِّداء والصفِّ الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوًا». ورواه أحمد (١) عن عبد الرزاق عن مالك وزاد فيه: فقلتُ لمالك: أما يُكره أن يقول: العتمة؟ قال: هكذا قال الذي حدَّثني. وقد اختلف في كراهة تسميتها بالعتمة [على قولين] (٢)، هما روايتان عن أحمد. وسلكت طائفة في هذين الحديثين مسلك النسخ، [ولا يصحّ] لعدم معرفة المتقدم منهما، ولو قابل مُدَّعٍ دعواهم بنقيضها [لكانت نظير دعواهم]. وسلكت طائفة مسلكًا آخر فقالت: أرشدهم إلى اسمها في الـ[ـكتاب وهو العشاء]، وسمَّاها عتمةً بيانًا للإباحة (٣). قال ابن القيم ﵀: [ق ٢٦٦] وسلكت طائفة مسلكًا آخر فقالت: النهي صريح، لا يمكن فيه رواية بالمعنى، وأما حديث: «لو يعلمون ما في الصبح

стр. 1656

والعتمة»، فيجوز أن يكون تغييرًا من الراوي عنها باسم العتمة، ولم يَعلم بالنهي فرواه بمعناه، وهذا الاحتمال لا يتطرق إلى حديث النهي. وقالت طائفة: النهي إنما هو من غلبة الأعراب على اسم العشاء بحيث يهجر بالكلية، كما دل عليه قوله: «لا تغلبنكم»، فأما إذا سمّيت بالعشاء تسميةً غالبة على العتمة لم يمتنع أن تُسمّى بالعتمة أحيانًا، وهذا أظهر الأقوال. ١٥ - باب من الرخصة في ذلك ٦٢٥/ ٤٨٢٣ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان فَزَع بالمدينة فركب رسول الله ﷺ فرسًا لأبي طلحة، فقال: «ما رأينا شيئًا ــ أو ما رأينا من فزع ــ، وإنْ وجدناه لبحرًا». وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي (١). قال ابن القيم ﵀: لم يذكر أبو داود في هذا الباب إلا هذا الحديث، ولا تعلّق له في تسمية العشاء عتمةً، وإنما تعلّقه بالتوسّع في العبارة، واستعارةِ اسم البحر للفرس الجَوَاد الكثير الجَرْي، فكأنه راجع إلى قوله: باب في حفظ المنطق. ١٦ - باب في المزاح ٦٢٦/ ٤٨٣٣ - عن أنس بن مالك ﵁ أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، احْمِلْني، قال النبي ﷺ : «إنَّا حامِلُوكَ على وَلَدِ ناقةٍ». قال: ما أصنعُ

стр. 1657

بولدِ الناقة؟! فقال النبي ﷺ : «وهل تَلِدُ الإبلَ إلَّا النُّوقُ؟!». وأخرجه الترمذي (١)، وقال: صحيح غريب. ٦٢٧/ ٤٨٣٤ - وعن النعمان بن بشير ﵄ قال: استأذن أبو بكر ــ رحمة الله عليه ــ على النبي ﷺ ، فسَمِع صوتَ عائشة عاليًا، فلما دخل تناولها لِيَلْطِمها، وقال: ألا أرَاكِ ترفعين صوتك على رسول الله ﷺ ! فجعل النبي ﷺ يَحجُزه، وخرج أبو بكر مُغضَبًا، فقال النبي ﷺ حين خرج أبو بكر: كيف رأيتِني أنقذتُك من الرجل؟ قال: فمكث أبو بكر أيامًا، ثم استأذن على رسول الله ﷺ ، فوجدهما قد اصطلحا، فقال لهما: أَدخِلاني في سِلْمِكما كما أدخلتماني في حَرْبكما، فقال النبي ﷺ : «نعم، قد فعلنا، قد فعلنا». وأخرجه النسائي (٢)، وليس في حديثه ذكر أبي إسحاق السبيعي. ٦٢٨/ ٤٨٣٥ - وعن عوف بن مالك الأشجعي ﵁ قال: أتيت رسول الله ﷺ في غزوة تبوك وهو في قُبَّة من أَدَمٍ فسلمتُ، فردَّ وقال: «ادْخُل». فقلت: أكُلِّي يا رسول الله؟ قال: «كُلَّك» فدخلت. وأخرجه البخاري وابن ماجه (٣) مطولًا. وليس في حديث البخاري قصة الدخول. ٦٢٩/ ٤٨٣٦ - وعن عثمان بن أبي العاتِكة قال: إنما قال: «أدخل كلي؟»

стр. 1658

من صِغَرِ القُبَّة (١). وعثمان هذا فيه مقال. ٦٣٠/ ٤٨٣٧ - وعن أنس ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : «يا ذا الأُذُنَين». وأخرجه الترمذي (٢). قال ابن القيم ﵀: وفي «الصحيحين» (٣) عن أنس: كان رسول الله ﷺ يخالطنا حتى يقول لأخ لي صغير: «يا أبا عمير، ما فعل النغير؟». وقد أخرج الترمذي (٤) من حديث أسامة بن زيد عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: قالوا يا رسول الله، إنك تداعبنا، قال: «إني لا أقول إلا حقًّا». قال الترمذي: حديث حسن. ١٧ - باب ما جاء في الشِّعر ٦٣١/ ٤٨٤٨ - وعن سعيد ــ وهو ابن المسيَّب ــ قال: مرَّ عمر ﵁ بحسّانٍ وهو يُنْشِدُ في المسجد فلَحَظ إليه، فقال: قد كنتُ أنشدُ فيه مَن هو خيرٌ منك.

стр. 1659

وأخرجه النسائي (١). وسعيد بن المسيب لم يصح سماعه من عمر، فإن كان سمع ذلك من حسان فيتصل. قال ابن القيم ﵀: وقد تكرر له في هذا الكتاب في مواضع، وبه يُعلِّل ابنُ القطان وغيره حديث سعيد عن عمر، وهو تعليل باطل أنكره الأئمة، كأحمد بن حنبل ويعقوب بن سفيان وغيرهما. قال أحمد (٢): إذا لم يُقبل سعيد بن المسيب عن عمر فمن يُقبل؟ سعيد عن عمر عندنا حجة. وقال حنبل في «تاريخه» (٣): حدثنا أبو عبد الله ــ يعني أحمد بن حنبل ــ، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة (٤)، عن إياس بن معاوية قال: قال سعيد بن المسيب: ممن أنت؟ قلتُ: من مُزَينة، قال: إني لأذكر يومَ نَعى عمرُ بن الخطاب النعمانَ بن مُقَرِّن المُزَني على المنبر. وهذا صريح في الرد على من قال: إنه ولد لسنتين بَقِيتا من خلافة عمر. وقال يحيى بن سعيد الأنصاري (٥): كان سعيد بن المسيب يُسَمَّى

стр. 1660

راوِيَة (١) عمر بن الخطاب، لأنه كان أحفظَ الناس لأحكامه. وقال مالك (٢): بلغني أن عبد الله بن عمر كان يرسل إلى ابن المسيب يسأله عن بعض شأن عمر وأمره. هذا، ولم يحفظ عن أحد من الأئمة أنه طعن في رواية سعيد عن عمر، بل تلقَّوها كلهم بالقبول والتصديق (٣)، ومن لم يقبل المرسل قَبِل مرسلَه عن النبي ﷺ . وقال الحاكم في «علوم الحديث» (٤): سعيد بن المسيب أدرك عمر وعليًّا وطلحة، وباقي العشرة، وسمع منهم. والمقصود أن تعليل الحديث برواية سعيد له عن عمر تعنّت بارد، والصحيح أنه وُلد لسنتين مضتا من خلافة عمر، فيكون له وقت وفاة عمر ثمان سنين. فكيف يُنكر سماعه منه (٥) ويُقدح في اتصال روايته عنه؟ والله الموفق للصواب.

стр. 1661

وقد أخرجا في «الصحيحين» (١) ــ وذكره أبو داود عقب هذا الحديث ــ عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ... فذكر الحديث بمعنى ما تقدم دون ذكر الزيادة. ٦٣٢/ ٤٨٤٩ - وعن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة بمعناه، زاد: فخشي أن يرميه برسول الله ﷺ فأجازه (٢). ١٨ - باب الرؤيا ٦٣٣/ ٤٨٥٢ - عن زُفَر بن صَعصَعة، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان إذا انصرف من صلاة الغداة يقول: «هل رأى أحدٌ منكم الليلةَ رُؤيا؟» ويقول: «إنّهُ ليس يَبْقَى بعدي من النُّبُوَّة إلا الرُّؤيا الصالحة» (٣). وأخرجه النسائي (٤) من حديث زفر بن صعصعة عن أبي هريرة من غير ذكر صعصعة، والمحفوظ من حديث الإمام مالك بن أنس إثبات صعصعة في إسناده. قال ابن القيم ﵀: وقد روى البخاري في «صحيحه» (٥) من حديث الزهري: حدثني سعيد بن المسيب أن أبا هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لم يبقَ من النبوة إلا المبشِّرات»، قالوا: وما المبشرات؟ قال: «الرؤيا

стр. 1662

الصالحة». وأخرجه مسلم (١) من حديث ابن عباس. ٦٣٤/ ٤٨٥٨ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَن رَأَىني في المنام فَسَيَراني في اليَقَظَة ــ أو لكأنَّما رآني في اليقَظَة ــ، ولا يَتَمثّلُ الشيطانُ بي». وأخرجاه (٢). قال ابن القيم ﵀: ولم يشك البخاري فيه، بل قال: «من رآني في المنام فسيراني في اليقظة ولا يتمثل الشيطان بي (٣)». وفي «الصحيحين» (٤) من حديث أبي قتادة قال: قال رسول الله ﷺ : «من رآني في المنام فقد رأى الحق». وأخرجه البخاري (٥) من حديث أبي سعيد وزاد: «فإن الشيطان لا

стр. 1663

يتكوّنني». وفي لفظ له (١) في حديث أبي قتادة: «فإن الشيطان لا يتراءى (٢) بي». وفي «صحيح مسلم» (٣) عن جابر عن النبي ﷺ : «من رآني في النوم فقد رآني، فإنه لا ينبغي للشيطان أن يتمثّل في صورتي»، وفي لفظ آخر: «فإنه لا ينبغي للشيطان أن يتشبه بي». ١٩ - باب ما جاء في تشميت العاطس (٤) ٦٣٥/ ٤٨٦٦ - عن هلال بن يِساف قال: كنا مع سالم بن عبيد فعَطَس رجل من القوم فقال: السلام عليكم، فقال سالم: وعليك وعلى أُمِّك، ثم قال بعد: لعلَّك وجدتَ مما قلت لك؟ قال: لوددت أنك لم تذكر أمي بخير ولا بِشرٍّ، قال: إنما قلت لك كما قال رسول الله ﷺ ؛ إنا بينا نحن عند رسول الله ﷺ إذ عطس رجل من القوم فقال: السلام عليكم، فقال رسول الله ﷺ : «وعليك وعلى أمك»، ثم قال «إذا عطس أحدكم فليحمد الله ــ قال: فذكر بعض المحامد ــ، وليقل له من عنده يرحمك الله وليَرُدَّ ــ يعني عليهم ــ: يغفر الله لنا ولكم». وأخرجه الترمذي والنسائي (٥)، وقال الترمذي: هذا حديث اختلفوا في

стр. 1664

روايته عن منصور، وقد أدخلوا بين هلال وبين سالم رجلًا. ٦٣٦/ ٤٨٦٧ - وعن هلال بن يساف، عن خالد بن عَرْفَجة، عن سالم بن عبيد الأشجعي بهذا الحديث عن النبي ﷺ . وأخرجه النسائي (١). وأخرجه النسائي (٢) أيضًا عن منصور عن رجل عن خالد بن عُرفُطَة عن سالم. وأخرجه (٣) أيضًا عن منصور عن هلال بن يساف عن رجل [عن] آخر. وقال: هذا الصواب عندنا، والأول: خطأ. هذا آخر كلامه. وقد رواه علي ابن المديني عن يحيى بن سعيد القطان عن سفيان عن منصور عن هلال عن رجل عن رجل عن سالم. ورواه مسدَّد عن يحيى القطان عن سفيان عن منصور عن هلال عن رجل من آل خالد بن عُرفُطة عن آخر منهم قال: كنا مع سالم. ورواه زائدة عن منصور عن هلال عن رجل من أشجع عن سالم. ورواه عبد الرحمن بن مهدي عن أبي عَوانة عن منصور عن هلال عن رجل من آل عُرْفُطة عن سالم.

стр. 1665

واختُلِف على وَرْقاء فيه، فقال بعضهم: خالد بن عَرْفجة، وقال بعضهم: خالد بن عُرفطة، أو عَرْفَجة. ويشبه أن يكون خالدٌ هذا مجهولًا، فإن أبا حاتم الرازي قال (١): لا أعرف أحدًا يقال له: خالد بن عُرفطة إلا واحدًا: الذي له صحبة. ٦٣٧/ ٤٨٦٨ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله على كل حال، وليقُل أخوه ــ أو صاحبه ــ: يرحمك الله، ويقول هو: يهديكم الله ويصلح بالكم». وأخرجه البخاري والنسائي (٢). قال ابن القيم ﵀: [ق ٢٦٧] وقد أخرج الترمذي (٣) عن نافع أن رجلًا عطس إلى جنب ابن عمر، فقال: الحمد لله والسّلامُ على رسول الله، قال ابن عمر: «وأنا أقول: الحمد لله والسلام على رسول الله، وليس هكذا علَّمَنا رسولُ الله ﷺ أن نقول، علّمنا أن نقول: الحمد لله على كل حال»، وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث زياد بن الربيع. وفي الترمذي (٤) أيضًا من حديث سعيد المقبري عن أبي هريرة قال:

стр. 1666

قال رسول الله ﷺ : «لما خلق الله آدم ونفخ فيه الروح عطس فقال: الحمد لله، فحمد الله بإذنه، فقال له ربه: رحمك الله يا آدم، اذهب إلى أولئك الملائكة ــ إلى ملأ منهم جلوس ــ فقل: السلام عليكم، قالوا: وعليك السلام ورحمة الله، ثم رجع إلى ربّه، فقال: إن هذه تحيتك وتحية ذريتك بينهم ... » وذكر الحديث. قال: «هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، وقد روي من غير وجه عن النبي ﷺ ، ورواه زيد بن أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة» (١). وقصة السلام منه مخرجة في «الصحيحين» (٢) عن أبي هريرة. ٢٠ - بابٌ كم يشمَّت العاطس ٦٣٨/ ٤٨٦٩ - عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة ﵁ قال: «سَمِّت أخاك ثلاثًا، فما زاد فهو زُكام» (٣).

стр. 1667

٦٣٩/ ٤٨٧٠ - وفي رواية عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة ﵁ قال ــ لا أعلمه إلا أنه رفع الحديث إلى النبي ﷺ ــ بمعناه (١). قال أبو داود: رواه أبو نعيم عن موسى بن قيس عن محمد بن عجلان عن سعيد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ (٢). موسى بن قيس هذا الذي رفعه هو: موسى بن قيس الحضرمي الكوفي، ويقال له: عصفور الجنة. قال يحيى بن معين: ثقة، وقال أبو حاتم الرازي: لا بأس به (٣). وقال أبو جعفر العُقيلي (٤): يحدث بأحاديث رديَّة بواطيل، وذكر أيضًا أنه من الغلاة في الرفض. ٦٤٠/ ٤٨٧١ - وعن حُميدة ــ أو عُبيدة ــ بنت عبيد بن رِفاعة الزُّرَقي، عن أبيها، عن النبي ﷺ قال: «يُسَمَّتُ العاطس ثلاثًا، فإن شئت فسَمِّتْه، وإن شئتَ فكُفَّ» (٥). هذا مرسل. عبيد بن رفاعة ليست له صحبة، فأما أبوه وجده فلهما صحبة.
следующие страницы →