قال أبو محمد بن حزم (١): محدوج ساقط, وأبو الخطاب مجهول. ثم رواه من طريق عبد الوهاب بن عطاء الخَفّاف، عن ابن أبي غَنيّة (٢)، عن إسماعيل، عن جسرة، عن أم سلمة، عن النبي ﷺ : "هذا المسجد حرام على كلِّ جُنُب من الرجال وحائض من النساء, إلا محمدًا وأزواجه وعليًّا وفاطمة" (٣).
قال ابن حزم: عبد الوهاب بن عطاء منكر الحديث، وإسماعيل مجهول.
وليس الأمر كما قال أبو محمد؛ فقد قال ابن معين في رواية الدوري (٤): إنه ثقة, وقال في رواية الدَّارمي (٥) وابن أبي خيثمة: ليس به بأس. وقال في رواية الغَلّابي: يُكتب حديثُه. وقال أحمد (٦): كان يحيى بن سعيد حَسَن الرأي فيه, وكان يعرفه معرفةً قديمة. وقال صالح بن محمد: أنكروا على الخفَّاف حديثًا رواه لثور بن يزيد، عن مكحول، عن كُرَيب، عن ابن عباس في فضل العباس (٧). وما أنكروا عليه غيرَه, فكان يحيى يقول:
стр. 194
هذا موضوع، وعبد الوهاب لم يقل فيه: حدثنا ثور, ولعله دلّس فيه، وهو ثقة (١).
وأما إسماعيل, فإن كان إسماعيل بن رجاء بن ربيعة الزُّبَيدي الكوفي فإنه ذكر في ترجمة ابن أبي غَنيَّة (٢) أنه روى عن إسماعيل هذا, ولم يُذْكَر في شيوخه إسماعيل غيره, فهو ثقة, روى له مسلم في "الصحيح" (٣).
وبعدُ، فهذا الاستثناء باطلٌ موضوع، من زيادة بعض غُلاة الشيعة, ولم يخرِّجه ابنُ ماجه (٤) في الحديث.
٢٠ - باب المرأة هل تنقض شعرها عند الغسل ؟
٣٢/ ٢٤٤ - عن أم سلمة ﵂ أن امرأة من المسلمين ــ وقال زهير (يعني: ابنَ حرب): أنها ــ قالت: يا رسول الله، إني امرأة أشدّ ضُفْرَ رأسي أفأنقضُه للجنابة؟ قال: "إنما يكفيك أن تحفني عليه ثلاثًا ــ وقال زهير: تَحثي عليه ثلاثَ (٥) حَثَيات من ماء ــ ثم تُفيضي على سائر جسدك، فإذا أنت قد طَهُرتِ".
стр. 195
وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه (١).
وفي روايةٍ لأبي داود: "وَاغْمِزي قُرونَكِ عند كلِّ حَفْنَةٍ" (٢).
قال ابن القيم ﵀: حديث أم سلمة هذا يدل على أنه ليس على المرأة أن تنقض شعرها لغسل الجنابة, وهذا اتفاق من أهل العلم, إلا ما يُحكى عن عبد الله بن عَمرو وإبراهيم النخعي (٣) أنهما قالا: تنقضه, ولا يُعلَم لهما موافق. وقد أنكرت عائشةُ على عبد الله قولَه, وقالت: "يا عجبا لابن عَمرو هذا! يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن, أوَلا (٤) يأمرهن أن يحلقن رؤوسهن!؟ لقد كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد ما أزيد أن أُفْرِغ على رأسي ثلاث إفراغات" رواه مسلم (٥).
وأما نقضه في غُسل الحيض فالمنصوص عن أحمد أنها تنقضه فيه (٦). قال مهنّا: سألت أحمدَ عن المرأة تنقض شعرَها [إذا اغتسلت من الجنابة؟ فقال: لا. فقلت له: في هذا شيء؟ قال: نعم، حديث أمّ سلمة. قلت: فتنقض شعرها] من الحيض؟ قال: نعم. قلت له: كيف تنقضه من الحيض ولا
стр. 196
تنقضه من الجنابة؟ فقال: حدثت أسماء عن النبي ﷺ أنه قال: "تنقضه" (١).
فاختلف أصحابُه في نصِّه هذا؛ فحملَتْه طائفةٌ منهم على الاستحباب, وهو قول الشافعي ومالك وأبي حنيفة. وأجرَتْه طائفة على ظاهره, وهو قول الحسن وطاوس. وهو الصحيح, لِمَا احتجَّ به أحمد من حديث عائشة: "أن أسماء سألت النبيَّ ﷺ عن غُسل المحيض؟ فقال: "تأخذ إحداكنّ ماءها وسدرها فتطهَّر, فتحسن الطهور, ثم تصبُّ على رأسها فتدلكه دلكًا شديدًا حتى تبلغ شؤونَ رأسِها" الحديث. رواه مسلم (٢).
وهذا دليل على أنه لا يُكتفَى فيه بمجرّد إفاضة الماء كغسل الجنابة, ولا سيما فإن في الحديث نفسه: وسألته عن غُسل الجنابة فقال: "تأخذ ماء فتطهّر (٣) فتحسن الطهور, أو تُبْلِغ الطهور, ثم تصبّ على رأسها فتدلكه حتى تبلغ شؤونَ رأسِها. ثم تُفِيض عليها الماء"، ففرَّق بين غُسل الحيض والجنابة في هذا الحديث، وجعل غُسل الحيض آكد. ولهذا أمر فيه بالسدر المتضمِّن لنقضه.
стр. 197
وفي وجوب السدر قولان, هما وجهان لأصحاب أحمد (١). وفي حديث عائشة: أن النبي ﷺ قال لها إذ كانت حائضًا: "خذي ماءَك وسدرَك وامتشطي" (٢). وللبخاري (٣): "انقضي رأسَكِ وامتشطي". وقد روى ابن ماجه (٤) بإسناد صحيح عن عروة، عن عائشة: أن النبيَّ ﷺ قال لها, وكانت حائضًا: "انقضي شعرك واغتسلي".
والأصل نقض الشعر لتيقّن وصول الماء إلى ما تحته, إلا أنه عُفي عنه في غُسل الجنابة لتكرُّره ووقوع المشقَّة الشديدة في نقضه, بخلاف غُسل الحيض, فإنه في الشهر أو الأشهر مرة, ولهذا أمر فيه بثلاثة أشياء لم يأمر بها في غسل الجنابة: أخْذ السدر, والفُرْصة المُمَسَّكة, ونقض الشعر.
ولا يلزم من كون السدر والمسك مستحبًّا أن يكون النقض كذلك, فإن الأمر به لا معارِض له, فبأيّ شيء يُدفع وجوبُه؟
فإن قيل: يُدفع وجوبه بما رواه مسلم في "صحيحه" (٥) من حديث أم سلمة قالت: قلت يا رسول الله, إني امرأة أشدّ ضُفْر (٦) رأسي, أفأنقضه
стр. 198
للحيضة والجنابة؟ قال: "لا, إنما يكفيك أن تَحْثي على رأسك ثلاث حَثَيات ثم تُفيضين عليك الماء فتطهُرين".
وفي "الصحيح" (١) عن عائشة قالت: "كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد, وما أزيد على أن أُفْرغ على رأسي ثلاثَ إفراغات". وفي حديث أبي داود (٢): أن امرأة جاءت إلى أم سلمة فسألت لها النبيَّ ﷺ عن الغسل، وقال فيه: "واغمزي قرونَك عند كلِّ حَفْنَة".
وحديث عائشة وإنكارها على عبد الله بن عَمرو أمْرَ النساء بنقض رؤوسهن دليلٌ على أنه ليس بواجب.
قيل: لا حجة في شيء من هذا؛ أما حديث أم سلمة فالصحيح فيه الاقتصار على ذِكْر الجنابة دون الحيض, وليست لفظة "الحيضة" فيه محفوظة, فإن هذا الحديث رواه أبو بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن راهويه وعَمرو الناقد وابنُ أبي عمر, كلهم عن ابن عُيينة، عن أيوب بن موسى، عن سعيد بن أبي سعيد، عن عبد الله بن رافع، عن أم سلمة قلت: يا رسول الله ﷺ , إني امرأة أشدُّ ضُفْرَ رأسي، أفأنقضُه لغُسل الجنابة؟ فقال: "لا".ذَكَره
стр. 199
مسلم (١) عنهم.
وكذلك رواه عَمرو الناقد، عن يزيد بن هارون، عن الثوري، عن أيوب بن موسى. ورواه عَبْد بن حُميد، عن عبد الرزاق، عن الثوري، عن أيوب, وقال: "أفأنقضه للحيضة والجنابة؟ " (٢).
قال مسلم (٣): وحدثنيه أحمد الدارمي، أخبرنا زكريا بن عدي، أخبرنا (٤) يزيد يعني ابنَ زُرَيع، عن رَوْح بن القاسم, قال: حدثنا أيوب بهذا الإسناد وقال: "أَفأحُلّه وأغسله من الجنابة؟ " ولم يذكر "الحيضة". فقد اتفق ابنُ عيينة ورَوحُ بن القاسم عن أيوب, فاقتصرا على الجنابة.
واخْتُلِفَ فيه على الثوري، فقال يزيد بن هارون عنه كما قال ابنُ عيينة ورَوح، وقال عبد الرزاق عنه: "أفأنقضه للحيضة والجنابة". وروايةُ الجماعة أولى بالصواب, فلو أن الثوريّ لم يُخْتَلَف عليه لترجَّحت رواية ابن عيينة ورَوْح, [ق ٣١] فكيف وقد روى عنه يزيد بن هارون مثل رواية الجماعة؟! ومن أعطى النظرَ حقَّه عَلِم أن هذه اللفظة ليست محفوظة في الحديث.
وأما حديث عائشة: "أنها كانت تُفرغ على رأسها ثلاث إفراغات" (٥) فإنما ذلك في غُسل الجنابة, كما يدلُّ عليه سياق حديثها, فإنها وصفت
стр. 200
غُسلها مع رسول الله ﷺ وإنما كانت تغتسل معه من الجنابة التي يشتركان فيها, لا من الحيض, فإن رسول الله ﷺ لم يكن يغتسل معها من الحيض. وهذا بيِّن.
وأما حديث أم سلمة الذي ذكره أبو داود وفيه: "واغمزي قرونك" فإنما هو في غُسل الجنابة. وعنه وقع السؤال كما هو مصرَّح به في الحديث.
فإن قيل: فحديث عائشة الذي استدللتم به ليس فيه أمرها بالغسل, إنما أمرها بالامتشاط, ولو سلمنا أنه أمرها بالغُسل فذاك غُسل الإحرام لا غسل الحيض, والمقصود منه التنظُّف وإزالة الوَسَخ, ولهذا تؤمر به الحائض حال حَدَثها. ولو سلمنا أنه أَمَر الحائضَ بالنقض وجب حملُه على الاستحباب جمعًا بين الحديثين, وهو أولى من إلغاء أحدهما والمصير إلى الترجيح.
فالجواب: أما قولكم ليس فيه أمْرُها بالغسل ففاسد, فإنه قال: "خذي ماءَك وسِدْرَك" وهذا صريح في الغسل, وقوله: "انقضي رأسك وامتشطي" أمرٌ لها في غسلها بنقض رأسها لا أمر بمجرَّد النقض والامتشاط. وأما قولكم: إنه كان في غسل الإحرام فصحيح, وقد بينَّا أن غُسل الحيض آكد الأغسال، وأَمَر فيه النبيُّ ﷺ بما لم يأمر به في سواه من زيادة التطهُّر والمبالغة فيه, فأَمْرُها بنقضِه ــ وهو غير رافعٍ لحَدَث الحيض ــ تنبيهٌ (١) على وجوب نقضه إذا كان رافعًا لحدَثِه بطريق الأولى.
وأما قولكم: إنه يُحْمَل على الاستحباب جمعًا بين الحديثين، فهذا إنما يكون عند ثبوت تلك الزيادة التي تنفي النقضَ للحيض, وقد تبين أنها غير
стр. 201
ثابتة, وأنها ليست محفوظة.
٣٣/ ٢٤٨ - عن شُرَيح بن عبيد قال: أفتاني جُبير بن نُفير عن الغسل من الجنابة: أن ثوبان حدَّثهم أنهم استفتوا النبيَّ ﷺ عن ذلك فقال: "أما الرجل فليَنْشُر رأسه فليغسِلْه حتى يبلغ أصول الشعر، وأما المرأة فلا عليها أن لا تنقُضَه، لتغرفْ على رأسها ثلاث غَرَفات بِكَفَّيها" (١).
في إسناده محمد بن إسماعيل بن عيَّاش وأبوه، وفيهما مقال.
قال ابن القيم ﵀: وهذا الحديث رواه أبو داود من حديث [محمد بن] (٢) إسماعيل بن عيّاش، عن أبيه، عن ضمضم بن زُرْعة، عن شُريح بن عُبيد، عن جُبَير بن نُفَير، عن ثوبان. وهذا إسناد شاميّ, وأكثرُ أئمة الحديث (٣) يقول: حديث إسماعيل بن عياش عن الشاميين صحيح, ونصَّ عليه أحمدُ بن حنبل (٤) ﵁.
٢١ - باب إتيان الحائض (٥)
٣٤/ ٢٥٧ - عن ابن عباس، عن النبيِّ ﷺ في الذي يأتي امرأتَه وهي حائض
стр. 202
قال: "يتصدَّق بدينار أو نصف دينار".
قال أبو داود: هكذا الرواية الصحيحة؛ قال: "دينار أو نصف دينار". وربما لم يرفعه شعبة.
قال ابن القيم ﵀: قول أبي داود: "هكذا الرواية الصحيحة" يدلَّ على تصحيحه للحديث, وقد حكم أبو عبد الله الحاكم بصحته, وأخرجه في "مستدركه" (١) , وصحَّحه ابنُ القطان (٢) أيضًا, فإن عبد الحميد بن زيد بن الخطاب أُخرج له في "الصحيحين" ووثَّقه النسائيُّ (٣). وأما مِقْسَم فاحتجّ به البخاريُّ في "صحيحه" (٤) , وقال فيه أبو حاتم: صالح الحديث لا بأس به (٥).
وأما أبو محمد بن حزم (٦) فإنه أعلَّ الحديث بمِقْسَم وضعَّفه. وهو تعليلٌ فاسد, وإنما علَّته المؤثِّرة وقفه. وقد رواه الطبراني (٧) من طريق سفيان الثوري، عن عبد الكريم وعلي بن بَذِيمة وخُصَيف، عن مِقْسَم، عن ابن
стр. 203
عباس, فهؤلاء أربعة عن مِقْسم.
وعبدُ الكريم قال شيخنا أبو الحجَّاج المِزّي (١): هو ابن مالك الجَزَري.
وقد رواه شَريك، عن خُصَيف، عن عكرمة، عن ابن عباس: عن النبي ﷺ "في الذي يأتي أهلَه حائضًا يتصدّق بنصف دينار". رواه النسائي (٢). وأعلَّه أبو محمد بن حزم (٣) بشريك وخُصيف. قال: كلاهما ضعيف, فسقط الاحتجاج به.
وشَريك هذا هو القاضي, قال يزيد (٤) بن الهيثم: سمعت يحيى بن معين يقول: شريك ثقة, وقال أيضًا: قلت ليحيى بن معين: روى يحيى بن سعيد القطان عن شريك؟ قال: لم يكن شريك عند يحيى بشيء, وهو ثقة ثقة (٥). وقال العجلي (٦): ثقةٌ حَسَن الحديث. واحتجَّ به أهلُ السنن الأربعة, واستشهد به البخاريُّ, وروى له مسلم في المتابعات.
وأما خُصَيف فقال ابن معين وابن سعد: ثقة. وقال النسائي: صالح روى له أهل السنن الأربعة. وفي رواية عن ابن معين: ليس به بأس. وعن أحمد
стр. 204
قال: ليس بالقوي في الحديث. وعن عليِّ بن المديني: سمعت يحيى يقول: كنا نجتنب خُصَيفًا (١).
وروى عبدُ الملك بن حبيب، أخبرنا أصبغ بن الفرج، عن السبيعي، عن زيد بن عبد الحميد، عن أبيه أن عمر بن الخطاب وطئ جاريةً, فإذا بها (٢) حائض, فأتى رسولَ الله ﷺ فأخبره, فقال له رسول الله ﷺ : "تصدَّق بنصف دينار" (٣).
وأعلَّ ابنُ حزم (٤) هذا الحديث بعبد الملك بن حبيب وبالسبيعي, وذكر أنه لا يُدْرَى مَن هو! وهذا تعليل باطل, فإن عبد الملك أحد الأئمة الأعلام, ولم يلتفت الناسُ إلى قول ابن حزم فيه.
وأما السَّبيعي فهو عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي. وقد روى إسحاق بن راهويه هذا الحديث في "مسنده" (٥) عن عيسى بن يونس بن أبي إسحاق، عن زيد بن عبد الحميد. وعيسى هذا احتجَّ به الأئمةُ الستة ولم يُذكر بضَعْف.
стр. 205
وروى ابن حزم (١) من طريق موسى بن أيوب، عن الوليد بن مسلم، عن ابن جابر، عن علي بن بَذِيمة، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس: "أن رسول الله ﷺ أمرَ رجلًا أصابَ حائضًا بعتق نسمة" وأعلَّه بموسى بن أيوب, وقال: هو ضعيف. وموسى بن أيوب هذا هو النصيبي الأنطاكي, روى عنه أبو زرعة وأبو حاتم الرازيّان وأحمد بن صالح العجلي, وقال: ثقة (٢). وقال أبو حاتم الرازي: صدوق (٣). روى له أبو داود والنسائي.
٢٢ - بابٌ يصيب منها (أي: من الحائض) دون الجماع (٤)
٣٥/ ٢٦١ - عن ميمونة ﵂: "أنّ رسولَ الله ﷺ كان يُباشر المرأةَ من نسائه وهي حائض، إذا كان عليها إزار إلى أنصاف الفخذين أو الركبتين تَحْتَجِزُ به".
وأخرجه النسائي (٥).
قال ابن القيم ﵀: حديث ميمونة هذا يرويه الليثُ بن سعد، عن الزهري، عن حبيب مولى عروة، عن ندبة مولاة ميمونة، عن ميمونة. قال أبو
стр. 206
محمد بن حزم (١): ندبة مجهولة لا تُعرَف, و (٢) أبو داود يروي هذا الحديث من طريق الليث فقال: قال "نَدَبة" بفتح النون والدال, ومعمر يرويه يقول "نُدْبة" بضم النون وإسكان الدال, ويونس يقول: "بُدَيَّة" بالباء المضمومة والدال المفتوحة والياء (٣) المشدّدة, كلهم يرويه عن الزهري كذلك, فسقط خبر ميمونة. تم كلامه.
ولهذا الحديث طريق آخر: رواه ابن وهب، عن مَخْرمة بن بُكير، عن أبيه، عن كُرَيب مولى ابن عباس قال: سمعتُ ميمونةَ أم المؤمنين قالت: "كان رسول الله ﷺ يضطجع معي وأنا حائض, وبيني وبينه ثوب" رواه مسلم في "الصحيح" (٤) عن ابن السرح وهارون الأيلي, ومحمد بن عيسى, ثلاثتهم عن ابن وهب به.
وأعلَّ أبو محمد بن حزم (٥) هذا أيضًا بعلتين, إحداهما: أن مخرمة لم يسمع من أبيه, والثانية: أن يحيى بن معين قال فيه: مخرمة ضعيف ليس حديثه بشيء.
فأما تعليله حديث نَدَبة بكونها مجهولة، فإنها مدنية رَوَت عن مولاتها
стр. 207
ميمونة وروى عنها حبيب, ولم يُعلَم أحدٌ جرحَها (١). والراوي إذا كانت هذه حاله إنما يُخْشَى منه تفرُّدُه بما لا يُتابَع عليه، فأما إذا روى ما رواه الناس وكان لروايته شواهد ومتابعات، فإن أئمة الحديث يقبلون حديث مثل هذا ولا يردّونه ولا يعللونه بالجهالة, فإذا صاروا إلى معارضة ما رواه لما هو أثبت منه وأشهر علَّلوه بمثل هذه الجهالة وبالتفرُّد. ومَن تأمّل كلامَ الأئمة رأى فيه ذلك, فيظن أن ذلك تناقضٌ منهم، وهو بمحض العلم والذوق والوزن المستقيم, فيجب التنبُّه لهذه النكتة, فكثيرًا ما تمرُّ بك في الأحاديث ويقع الغلط بسببها.
وأما مَخْرمة بن بُكير (٢) فقد قال أحمد وابن معين: إنه لم يسمع من أبيه شيئًا, إنما يروي عن كتاب أبيه, ولكن قال أحمد: هو ثقة, وقال أبو حاتم الرازي: سألتُ إسماعيل بن أبي أويس: هذا الذي يقول مالك: حدثني الثقة, من هو؟ قال: مخرمة بن بُكَير بن الأشج. وقال إسماعيل بن أبي أويس: وجدتُ في ظهر كتاب مالك: سألت مخرمة بن بكير: ما يحدِّث به عن أبيه, سمَعه من أبيه؟ فحلف لي وقال: [ق ٣٢] وربِّ هذا البيت ــ يعني المسجد ــ سمعتُ من أبي. وقال مالك: كان رجلًا صالحًا, وقال النسائي: ليس به بأس, وقال أحمد بن صالح: كان من ثقات المسلمين.
стр. 208
٣٦/ ٢٦٥ - وعن عائشة أنها قالت: "كنتُ إذا حِضْت نزلتُ عن المثال على الحصير، فلم نَقْرَب رسولَ الله ﷺ ، ولم نَدْنُ منه حتى نطهُر" (١).
قال ابن القيم ﵀: قال أبو محمد بن حزم (٢): أما هذا الخبر فإنه من طريق أبي اليمان كثير بن اليمان الرحَّال, وليس بالمشهور, عن أم ذَرَّة وهي مجهولة, فسقط.
وما ذكره ضعيف؛ فإن أبا اليمان هذا ذكره البخاريُّ في "تاريخه" (٣) , فقال: سمع أمَّ ذرَّة, روى عنه أبو هاشم عمَّار بن هاشم وعبد العزيز الدراوردي. وذكره ابن حبان في "الثقات" (٤) , وقال: يروي عن أمّ ذَرّة [و] عن شداد بن أبي عمرو.
وأمّا أمّ ذَرَّة (٥) فهي مدنيَّة, رَوَت عن مولاتها عائشة وعن أمِّ سلمة, وروى عنها محمد بن المنكدر وعائشة بنت سعد بن أبي وقاص وأبو اليمان كثير بن اليمان. فالحديث غير ساقط.
стр. 209
٢٣ - بابٌ المرأة تُسْتَحاض (١)
٣٧/ ٢٧٧ - عن عروة بن الزبير، عن فاطمة بنت أبي حُبيش أنها كانت تُسْتَحاض، فقال لها النبي ﷺ : "إذا كان دم الحيضة (٢) فإنه أسود يُعرَف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضئي وصلي فإنما هو عِرْق".
حسن. وأخرجه النسائي (٣).
قال ابن القيم ﵀: حديث عُروة عن فاطمة هذا قال ابن القطان (٤): منقطع, لأنه انفرد به محمد بن عَمرو، عن الزُّهري، عن عروة, ورواه عن محمدِ بن عمرو محمدُ بن أبي عدي مرتين: إحداهما من كتابه هكذا، والثانية زاد فيه "عائشة" بين عروةَ وفاطمةَ، وهذا متصل, ولكن لما حدَّث به من
стр. 210
[ق ٣٣] كتابه منقطعًا ومن حفظه متصلًا، فزاد "عائشة" أورثَ ذلك نظرًا فيه. وقد جاء في "سنن أبي داود" مصرّحًا به أنه أخذه من عائشة لا من فاطمة.
وروى أبو داود (١) من حديث الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن بُكَير بن عبد الله، عن المنذر بن المغيرة، عن عروة: أن فاطمة حدثَتْه أنها سألَتْ رسولَ الله ﷺ . لكنّ المنذر (٢) مجهول, قاله أبو حاتم الرازي (٣). والحديثُ عند غير أبي داود معنعن, لم يقل فيه: "إن فاطمة حدثته". قال: وكذلك حديث سُهيل بن أبي صالح، عن الزهري، عن عروة: حدثتني فاطمةُ "أنها أمرَتْ أسماءَ، أو أسماءُ حدثتني أنها أمرَتْها (٤) فاطمةُ أن تسأل رسولَ الله ﷺ " فهو مشكوك فيه في سماعه من فاطمة.
قال: وفي متن الحديث ما أُنْكِر على سُهيل, وعُدّ مما ساء حفظه فيه, وظهر أثر تغيُّره عليه. وذلك لأنه أحال فيه على الأيام, قال: "فأمرها أن تقعد الأيام التي كانت تقعد", قال: والمعروف في قصة فاطمة الإحالة على الدم وعلى القروء. تمّ كلامه.
وهذا كلُّه عَنَت ومناكَدَة من ابن القطان؛ أما قوله: "إنه منقطع" فليس كذلك, فإنّ محمد بن أبي عَدي مكانه من الحفظ والإتقان معروف لا
стр. 211
يُجْهَل. وقد حفظه وحدَّث به مرةً عن عروة، عن فاطمة. ومرّةً عن عائشة، عن فاطمة. وقد أدرك كلتيهما وسمع منهما بلا ريب, ففاطمة بنت عمه، وعائشة خالته، فالانقطاع الذي رَمى به الحديثَ مقطوعٌ دابِرُه, وقد صرَّح بأن فاطمة حدثَتْه به.
وقوله: "إن المنذر (١) جَهَّله أبو حاتم" لا يضره ذلك, فإنّ أبا حاتم الرازي يجهِّل رجالًا وهم ثقات معروفون, وهو متشدِّد (٢) في الرجال. وقد وثّق المنذرَ جماعةٌ وأثنوا عليه وعرفوه (٣).
وقوله: "الحديث عند غير أبي داود معنعن", فإن ذلك لا يضرّه, ولا سيَّما على أَصْله في زيادة الثقة, وقد صرَّح سهيلٌ، عن الزهري، عن عروة قال: حدثتني فاطمةُ. وحَمْلُه على سهيل، وأن هذا مما ساء حفظُه فيه= دعوى باطلة, وقد صحَّح مسلمٌ وغيرُه حديثَ سُهَيل.
وقوله: "إنه أحال فيه على الأيام, والمعروف الإحالة على القروء والدم"، كلامٌ في غاية الفساد, فإنّ المعروف الذي في "الصحيح" (٤) إحالتها على الأيام التي كانت تحتسِبُها حيضها, وهي القرء بعينها, فأحدهما يصدِّق
стр. 212
الآخر. وأما إحالتها على الدم فهو الذي يُنْظَر فيه, ولم يروه أصحاب الصحيح, وإنما رواه أبو داود والنسائي, وسأل عنه ابنُ أبي حاتم أباه فضعَّفه وقال: هذا منكر (١) , وصححه الحاكم (٢).
٣٨/ ٢٧٨ - عن حَمْنة بنت جحش ﵂ قالت: كنتُ أُستحاض حيضةً كثيرة شديدة، فأتيتُ رسولَ الله ﷺ أستفتيه وأخبره، فوجدته في بيت أختي زينب بنت جحش فقلت: يا رسول الله، إني (٣) أُستحاض حيضةً كثيرة شديدة، فما ترى فيها؟ قد منعتني الصلاة والصوم. فقال: "أنعَتُ لكِ الكُرْسفَ، فإنه يُذهب الدمَ". قلت (٤): هو أكثر من ذلك. قال: "فاتخذي ثوبًا". قالت: هو أكثر من ذلك إنما أثجّ ثجًّا. قال رسول الله ﷺ : "سآمرك بأمرين أيهما فعلتِ أجزأ عنكِ من الآخر، وإن قويتِ عليهما فأنتِ أعْلَم". قال لها: "إنما هذه ركضة من ركضات الشيطان فتَحَيَّضي ستةَ أيام أو سبعة أيام في علم الله تعالى ذِكْرُه، ثم اغتسلي حتى إذا رأيتِ أنكِ قد طَهُرت واستنقأت فصلِّي ثلاثًا وعشرين ليلة أو أربعًا وعشرين ليلة وأيامها (٥)، فإن ذلك يجزيك، وكذلك فافعلي كلَّ (٦) شهر كما تحيض النساء، وكما يطهرن ميقات حيضهن وطهرهن، وإن قويتِ على أن تؤخري الظهر وتعجِّلي العصرَ فتغتسلين وتجمعين بين الصلاتين الظهر والعصر، وتؤخِّرين المغرب وتعجِّلين العشاء، ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين فافعلي،
стр. 213
وتغتسلين مع الفجر فافعلي، وصومي إن قدرتِ على ذلك". قال رسول الله ﷺ : "وهذا أعجب الأمرين إليَّ".
وقد أخرجه الترمذي وابن ماجه (١). وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال أيضًا: وسألت محمدًا ــ يعني البخاري ــ عن هذا الحديث، فقال: هو حديث حسن. وهكذا قال أحمد بن حنبل: هو حديث حسن صحيح. وقال أبو داود: رواه عمرو بن ثابت عن ابن عقيل، فقال: "قالت حمنة هذا أعجب الأمرين إليّ" لم يجعله قول النبي ﷺ [جعله كلام حمنة]. قال أبو داود: كان عمرو بن ثابت رافضيًّا. وذكره عن يحيى بن معين. هذا آخر كلامه. وعمرو بن ثابت ــ هذا ــ هو أبو ثابت، ويعرف بابن أبي المقدام، كوفي، لا يحتج بحديثه.
قال ابن القيم ﵀: هذا الحديث مداره على ابن عقيل, وهو عبد الله بن محمد بن عقيل, ثقة صدوق لم يُتكلَّم فيه بجرحٍ أصلًا. وكان الإمام أحمد وعبد الله بن الزبير الحميدي وإسحاق بن راهويه يحتجون بحديثه, والترمذيُّ يصحِّح له, وإنما يُخْشى من حفظه إذا تفرّد (٢) عن الثقات أو خالفهم, فأما إذا لم يخالف الثقات ولم يتفرّد بما يُنْكَر عليه فهو حجة. وقال البخاري في هذا الحديث: هو حديث حسن, وقال الإمام أحمد: هو حديث صحيح (٣).
وأما ابن حزم (٤) فإنه أعلّه بأن قال: لا يصح, لأن ابن جُرَيج لم يسمعه
стр. 214
من ابن عقيل، ثم ذَكَر عن الإمام أحمد أنه قال: قال ابن جريج: حُدِّثْتُ عن ابن عقيل، ولم يسمعه, قال أحمد: وقد رواه ابنُ جُرَيج عن النعمان بن راشد, قال أحمد: والنعمانُ يُعْرَف فيه الضعف (١).
وقال ابن منده: لا يصح هذا الحديث عندهم مِن وجهٍ من الوجوه, لأنه من رواية عبد الله بن محمد بن عَقيل، وقد أجمعوا على ترك حديثه.
والجواب عن هذه العلل:
أما قوله: "إن ابن جريج لم يسمعه من ابن عَقيل وأن بينهما النعمان بن راشد" فجوابه: أن النعمان بن راشد ثقة. أخرج له مسلم في "صحيحه" (٢) وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه, واستشهد به البخاري (٣) , وقال: "في حديثه وهم كثير, وهو صدوق" (٤). وقال ابن أبي حاتم: أدخله البخاري في "الضعفاء"، فسمعتُ أبي يقول: يُحوَّل اسمُه منه (٥). فقد عادت علة هذا
стр. 215
الحديث إلى النعمان بن راشد و [عبد الله بن] (١) محمد بن عقيل, وابنُ عَقيل قد تقدَّم عن الترمذي أن الحميديَّ وإسحاق والإمام أحمد, كانوا يحتجون بحديثه. ودعوى ابنِ منده الإجماعَ على تركِ حديثه غلطٌ ظاهر منه.
ونحن نستوفي الكلامَ على هذا الحديث بعون الله فنقول: قال الدارقطني في "العلل" (٢): "اختلف عن (٣) عبد الله بن محمد بن عقيل في هذا الحديث, فرواه أبو أيوب الإفريقي عبد الله بن عليّ (٤)، عن عبد الله بن محمد بن عَقيل، عن جابر, قال: ووهم فيه. وخالفه عُبيد الله بن عمر (٥) وابن جُرَيج وعَمرو بن ثابت وزهير بن محمد وإبراهيم بن أبي يحيى, فرووه عن ابن عَقيل، عن إبراهيم بن محمد بن طلحة، عن عمران بن طلحة، عن أمه حَمْنة بنت جحش" (٦).
ورواه ابن ماجه في "سننه" (٧) عن محمد بن يحيى، عن عبد الرزاق،
стр. 216
عن ابن جُريج، عن ابن عقيل، عن إبراهيم بن محمد بن طلحة، عن عمه عمر بن [ق ٣٤] طلحة، عن أمه حَمْنة بنت جحش. ورواه ابن ماجه في "سننه" (١) عن محمد بن يحيى، عن عبد الرزاق، عن ابن جُريج، عن ابن عَقيل، عن إبراهيم بن محمد بن طلحة، عن عمر بن طلحة، عن أم حبيبة. وكذلك رواه الترمذي في "جامعه" (٢) وقال: "إن ابن جريج قال: عمر بن طلحة", قال: ورواه عُبيد الله بن عمرو (٣) الرقّي وشَريك, وذكر أنهما قالا: عمران بن طلحة. ورواه الترمذي (٤) من طريق زهير بن محمد، عن ابن عقيل فقال: "عمران بن طلحة", وقد تقدم في كلام الدارقطني (٥) أن ابن جريج قال فيه: "عمران بن طلحة", وهو الصواب. فوقع الغلط من عمران بن طلحة إلى عمر بن طلحة.
وتعلَّق أبو محمد بن حزم (٦) في رَدّه بأن قال: رواتُه شريكٌ وزهير بن
стр. 217
محمد, وكلاهما ضعيف عن عمرو بن ثابت, وهو ضعيف, قال: وعمر بن طلحة غير مخلوق, لا يُعرف لطلحة ابنٌ اسمه عمر. قال: والحارثُ بن أبي أسامة قد تُرِكَ حديثُه فسقط الخبر جملةً.
وهذا تعلُّقٌ باطل؛ أما شَريك فقد تقدم (١) ذِكْره, وتوثيق الأئمة له. وأما زهير بن محمد فاحتجَّ به الشيخان وباقي الستة, وعن الإمام أحمد فيه أربع روايات (٢): إحداها: أنه ثقة. والثانية: مستقيم الحديث. والثالثة: مقارب الحديث. والرابعة: ليس به بأس. وعن يحيى بن معين فيه ثلاث روايات (٣): إحداها: صالح لا بأس به. والثانية: ثقة. والثالثة: ضعيف. وقال عثمان الدارمي: ثقة صدوق, وقال أبو حاتم: محلّه الصِّدْق, وقال يعقوب بن شيبة: صدوق صالح الحديث, وقال البخاري: ما روى عنه أهل الشام فإنه مناكير, وما رواه عنه أهل البصرة فإنه صحيح (٤).
وهذا الحديث قد رواه أبو داود والترمذي (٥) من حديث أبي (٦) عامر العَقَدي عبد الملك بن عمرو عنه, وهو بصري, فيكون على قول البخاري صحيحًا. وأما عَمرو بن ثابت فلم ينفرد به عن ابن عقيل, فقد تقدم مَن رواه
стр. 218
عن ابن عقيل, وأنهم جماعة، فلا يضرّ متابعة عَمرو بن ثابت لهم.
وأما قوله: "عمر بن طلحة غير مخلوق", فقد ذكرنا أن هذا وهم ممن سماه عمر, وإنما هو عمران بن طلحة.
وقوله: "الحارث بن أبي أسامة قد تُرِكَ حديثُه", فإنما اعتمد في ذلك على كلام أبي الفتح الأزديّ فيه (١) , ولم يُلْتَفَت إلى ذلك, وقد قال إبراهيم الحربي: هو ثقة, وقال البرقاني: أمرني الدارقطنيُّ أن أخرج عنه في الصحيح, وصحَّح له الحاكم, وهو أحد الأئمة الحُفّاظ.
٢٤ - باب ما رُوي أن المستحاضة تغتسل لكلّ صلاة
٣٩/ ٢٨١ - عن عائشة، أن أم حبيبة بنت جحش اسْتُحيضت في عهد رسول الله ﷺ فأمرها بالغُسْل لكلِّ صلاة (٢).
في إسناده محمد بن إسحاق، وهو مختلَف في الاحتجاج بحديثه. قال أبو داود: ورواه أبو الوليد الطيالسي ــ ولم أسمعه منه ــ، عن سليمان بن كثير، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة: اسْتُحِيضت زينب بنت جحش فقال لها النبي ﷺ : "اغتسلي لكل صلاة" وساق الحديث. ورواه عبد الصمد، عن سليمان بن كثير
стр. 219
قال: "توضّئي لكلِّ صلاة". وهذا وهم من عبد الصمد، والقول قول أبي الوليد. هذا آخر كلامه.
قال ابن القيم ﵀: وقد ردَّ جماعةٌ من الحفَّاظ هذا وقالوا: زينب بنت جحش زوجة النبيِّ ﷺ لم تكن مُسْتَحاضة, وإنما المعروف أن أختيها أم حبيبة وحمنة هما اللتان اسْتُحِيْضتا. وقال أبو القاسم السُّهَيلي (١): قال شيخنا أبو عبد الله محمد بن نجاح: أمّ حبيبة كان اسمها زينب، فهما زينبان, غلبت على إحداهما الكنية, وعلى الأخرى الاسم (٢).
ووقع في "الموطأ" (٣): "أن زينب بنت جحش التي كانت تحت عبد الرحمن بن عوف". واسْتُشكِل ذلك بأنها لم تكن تحت عبد الرحمن, وإنما كانت عنده (٤) أختُها أمّ حبيبة. وعلى ما قال السُّهَيلي عن ابن نجاح يرتفع الإشكال.
٤٠/ ٢٨٢ - وعن أبي سلمة ــ وهو ابن عبد الرحمن ــ قال: أخبرتني زينب
стр. 220
بنت أبي سلمة: أن امرأةً كانت تُهْرَاق الدمَ، وكانت تحت عبد الرحمن بن عوف، أن رسول الله ﷺ أمرها أن تغتسل عند كلِّ صلاة وتصلي.
وأخبرني أن أم بكر أخبرته، أن عائشة قالت: إن رسول الله ﷺ قال في المرأة ترى ما يريبها بعد الطُّهْر: "إنما هي عرق ــ أو قال: عروق ــ".
حسن (١). وأخرج ابنُ ماجه (٢) حديث أم بكر فقط. قال محمد بن يحيى: يريد "بعد الطهر": بعد الغسل.
قال ابن القيم ﵀: وقد أعلَّ ابنُ القطَّان (٣) هذا الحديثَ بأنه مرسل, قال: "لأن زينبَ ربيبةَ النبيِّ ﷺ معدودةٌ في التابعيات, وإن كانت ولدت بأرض الحبشة، فهي [إنما] تروي عن عائشة وأمِّها أمِّ سلمة. وحديث: "لا يحلُّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحدّ إلا على زوج" (٤) ترويه عن أمها وعن أم حبيبة وعن زينب أزواج النبيِّ ﷺ . وكلّ ما جاء عنها عن النبيِّ ﷺ مما لم تَذْكر بينها وبينه أحدًا لم تذكر سماعًا منه, مثل حديثها هذا, أو حديثها: أن النبيَّ ﷺ نهى عن الدُّبّاء والحنتم. وحديثها في تغيير اسمها".
وهذا تعليل فاسد, فإنها معروفة الرواية عن النبيِّ ﷺ ، وعن أمّها وأمِّ حبيبة وزينب (٥). وقد أخرج النسائيُّ هذا الحديث وابنُ ماجه (٦) من روايتها عن أمِّ سلمة, والله أعلم. وقد حفظَتْ عن النبي ﷺ ، ودخلت عليه وهو
стр. 221
يغتسل، فنضح في وجهها, فلم يزل ماءُ الشباب في وجهها حتى (١) كبرت (٢).
٢٥ - [ق ٣٥] باب ما جاء في وقت النُّفَساء
٤١/ ٢٩٥ - عن مُسَّة ــ وهي الأزديّة ــ، عن أم سلمة ﵂ قالت: "كانت النفساء على عهد رسول الله ﷺ تقعد بعد نفاسها أربعين يومًا ــ أو أربعين ليلة ــ وكنّا نطلي على وجوهنا الوَرْس" تعني من الكَلَف.
وأخرجه الترمذي وابن ماجه (٣). وقال الترمذي: ولا نعرفه إلا من حديث أبي سهل عن مُسَّة الأزدية. وقال: قال محمد بن إسماعيل: عليُّ بن عبد الأعلى ثقة، وأبو سهل ثقة، ولم يعرف محمدٌ هذا الحديثَ إلا من حديث أبي سهل.
وقال الخطابي: حديثُ مُسَّة أثنى عليه محمد بن إسماعيل قال: مسّة هذه أزدية.
قال ابن القيم ﵀: وقد روى عنها أبو سهل كثير بن زياد, والحَكَم بن عُتَيبة, ومحمد بن عبد الله العرزمي, وزيد بن علي بن الحسين (٤).
стр. 222
٢٦ - باب الجُنُب يتيمم
٤٢/ ٣١٣ - عن عَمرو بن بُجْدان، عن أبي ذر ﵁ قال: اجتمعت غُنَيمة عند رسول الله ﷺ فقال: "يا أبا ذر ابْدُ فيها". فبدوتُ إلى الرّبَذة، فكانت تصيبني الجنابة، فأمكث الخمسَ والستّ، فأتيتُ النبيَّ ﷺ فقال: "أبو ذر" فسكتُّ، فقال: "ثكلتك أمك أبا ذر! لأمِّك الويل! ". فدعا لي بجارية سوداء فجاءت بعُسٍّ فيه ماء، فسترتني بثوب واستترتُ بالراحلة واغتسلت، فكأني ألقيتُ عنِّي جبلًا. فقال: "الصعيد الطيب وَضوء المسلم ولو إلى عشر سنين، فإذا وجدتَ الماء فأمسَّه جلدك، فإن ذلك خير". وفي رواية: "غُنَيمة مِن الصدقة".
وأخرجه الترمذي والنسائي (١). وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
قال ابن القيم ﵀: وصحَّحه الدارقطنيُّ (٢). وفي "مسند البزار" (٣) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "الصعيدُ الطيِّب وضوءُ المسلم وإن لم يجد الماءَ عشرَ سنين, فإذا وجدَ الماءَ فليتقِ الله وَلْيُمِسَّه بشرتَه, فإن ذلك خير". وذكره ابنُ القطان (٤) في باب "أحاديثَ ذَكَر أن أسانيدها صحاح".
стр. 223
٢٧ - باب المجدور (١) يتيمم
٤٣/ ٣١٧ - عن جابر ــ وهو ابن عبد الله ﵄ قال: "خرجنا في سفر فأصاب رجلًا معنا حجرٌ، فشجَّه في رأسه، ثم احتلم، فسأل أصحابه فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ قالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات، فلما قدمنا على النبي ﷺ أُخبر بذلك، فقال: قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذْ لم يعلموا؟ فإنما شفاء العِيّ السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر، أو يعصب ــ شكّ موسى ــ على جُرحه خرقة، ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده" (٢).
فيه الزبير بن خُرَيق، قال الدارقطني: ليس بالقوي. وخُرَيق بضم الخاء المعجمة بعدها راء مهملة مفتوحة، وياء آخر الحروف ساكنة، وقاف (٣).
قال ابن القيم ﵀: قال أبو عليّ بن السَّكَن: لم يُسنِد الزبيرُ بن خُرَيق غيرَ حديثين, أحدهما هذا, والآخر عن أبي أمامة الباهلي (٤) , وقال لي أبو
стр. 224
بكر بن أبي داود: حديث الزبير بن خُرَيق أصح من حديث الأوزاعي, وهذا أمثل ما رُوي في المسح على الجبيرة.
وحديث الأوزاعي الذي أشار إليه أبو بكر بن أبي داود: حديث ابن أبي العشرين عنه، عن عطاء بن أبي رباح قال: سمعت ابنَ عباس يخبر: أن رجلًا أصابه جُرح في رأسه على عهد رسول الله ﷺ ، ثم أصابه الاحتلام, فأُمِر بالاغتسال فاغتسل، فكُزَّ (١) فمات, فبلغ ذلك النبي ﷺ , فقال: "قتلوه, قتلهم الله, أولم يكن شفاء العِيِّ السؤال؟ ". قال عطاء: وبلغنا أن رسول الله ﷺ قال: "لو غسل جسده وترك رأسه حيث أصابه الجرح؟ " رواه ابن ماجه (٢)
عن هشام بن عمار عنه. قال البيهقي (٣): وأصح ما في هذا حديث عطاء بن أبي رباح. يعني حديث الأوزاعي هذا.
وأما حديث عليّ: "انكسرت إحدى زنديه فأمره النبيُّ ﷺ أن يمسح على الجبائر" (٤) فهو من رواية عَمرو بن خالد، وهو متروك. رماه أحمد بن
стр. 225
حنبل ويحيى بن معين بالكذب. وذكر ابنُ عديّ (١) عن وكيع قال: كان عمرو بن خالد في جوارنا يضع الحديث، فلما فُطِنَ له تحوَّل إلى واسط. وقد سرقه عُمر بن موسى بن وجيه، فرواه عن [زيد بن] (٢) عليّ مثله, وعمر هذا متروك منسوب إلى الوضع. ورُوي بإسنادٍ آخر لا يثبت (٣). قال البيهقي (٤): وصحّ عن ابن عمر المسح على العِصابة موقوفًا عليه, وهو قول جماعة من التابعين.
* * *
стр. 226
كتاب الصلاة
١ - بابٌ في الأذان قبل دخول الوقت
٤٤/ ٥٠١ - عن بلال: أن رسول الله ﷺ قال له: «لا تُؤذِّن حتّى يَستبينَ لكَ الفجرُ هكذا» ومدّ يديه عرضًا (١).
قال ابن القيم ﵀: قال أبو داود ــ في رواية ابن داسة ــ: «شدَّاد مولى عياض لم يدرك بلالًا» (٢). وهذا من روايته عنه.
٢ - باب المرأة تصلي بغير خِمار
٤٥/ ٦١٢ - عن صفية بنت الحارث، عن عائشة، عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يقبلُ الله صلاةَ حائضٍ إلا بخِمار».
وأخرجه الترمذي وابن ماجه (٣). وقال الترمذي: حديث حسن. وقال أبو داود: رواه سعيد ــ يعني ابن أبي عَروبة ــ عن قَتادة، عن الحسن، عن النبي ﷺ .
قال ابن القيم ﵀: وأخرجه ابنُ خزيمة في «صحيحه» (٤) ولفظه: «لا يقبل الله صلاةَ امرأةٍ قد حاضت إلا بخمار». ورجال إسناده محتجٌّ بهم في
стр. 227
«الصحيحين» , إلا صفية بنت الحارث, وقد ذكرها ابن حبان في «الثقات» (١).
٣ - باب الرجل يصلي وحدَه خلفَ الصفّ
٤٦/ ٦٥٣ - عن وابِصة ــ وهو ابن مَعبد الأسدي ــ: أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا يصلي خلفَ الصفِّ وحدَه، فأمره أن يعيد. قال سليمانُ: الصلاة.
وأخرجه الترمذي وابن ماجه (٢). وقال الترمذي: حديث وابصة حديث حسن.
قال ابن القيم ﵀: وقد روى الإمام أحمد, وابن حبان في «صحيحه» (٣) , من حديث عليِّ بن شيبان ــ وكان أحدَ الوفد الذين وفدوا إلى رسول الله ﷺ من بني حنيفة ــ قال: صليتُ خلفَ رسولِ الله ﷺ ، فلما قضى رسول الله ﷺ [صلاته] نظر إلى رجل خلف الصفِّ وحدَه, فقال النبي ﷺ : «هكذا صليت؟» قال: نعم, قال: «فأعِدْ صلاتَك, فإنه لا صلاةَ لفردٍ
стр. 228
خلف الصفِّ وحدَه». هذا لفظ أبي حاتم.
ولفظ أحمد عنه: «أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا يصلي خلف الصف, فوقف حتى انصرف الرجلُ, فقال له: «استقبل صلاتك, فإنه لا صلاة لفردٍ خلفَ الصفّ». وحديث وابصة أخرجه أيضًا أبو حاتم في «صحيحه» والإمام أحمد (١).
وفي لفظ لأحمدَ فيه (٢): سئل رسول الله ﷺ عن رجلٍ صلى خلفَ الصفِّ وحدَه؟ فقال: «يعيد الصلاة».
وقد أعلَّ الشافعيُّ حديثَ وابصةَ, فقال: قد سمعت من أهل العلم بالحديث [ق ٣٦] مَن يذكر أن بعض المحدِّثين يُدْخِل بين هلال بن يِساف ووابصة رجلًا. ومنهم مَن يرويه عن هلال عن (٣) وابصة, سمعه منه. وسمعتُ بعضَ أهل العلم منهم كأنه يوهِّنه بما وصفتُ (٤).
وأعلَّه غيرُه بأنّ هلال بن يِساف تفرَّد به عن وابصة.
والعلَّتان جميعًا ضعيفتان، فأما الأولى فإن هلال بن يِساف رواه عن عَمرو بن راشد عن وابصة, وعن (٥) زياد بن أبي الجعد عن وابصة. ذكر ذلك أبو حاتم في «صحيحه» (٦). وقال: سمع هذا الخبر هلال بن يساف من عَمرو بن راشد، وسمعه من زياد بن أبي الجعد, كلاهما عن وابصة. قال: والطريقان (٧) جميعًا محفوظان. فإدخال زياد وعمرو بن راشد بين هلال
стр. 229
ووابصة لا يوهن الحديث شيئًا.
وأما العلة الثانية: فباطلة. وقد أشار أبو حاتم (١) إلى بطلانها فقال: «ذِكْر الخبر المُدْحِض قول مَن زعم أن هلال بن يِساف تفرَّد بهذا الخبر». ثم ساق من حديث عُبيد بن أبي الجعد، عن أبيه زياد بن أبي الجعد، عن وابصة, فذكره. فالحديث محفوظ.
قال الشافعي (٢): ولو ثبت حديثُ وابصةَ فحديثنا أولى أن يؤخَذ به, لأن معه القياس وقول العامة. يريد حديث أبي بكرة لما ركع وحدَه دون الصف ومشى حتى دخل في الصف (٣).
قال (٤): فإن قيل: ما القياس؟ قال: أرأيت صلاةَ الرجل منفردًا وصلاة الإمام أمام الصف وهو في صلاة.
قال: فإن قيل: فهكذا سنة موقف الإمام والمنفرد.
قيل: فسنة موقفهما تدلّ على أنه ليس في الانفراد شيء يُفسِد الصلاة.
ثم ذكر حديث أنس في صلاة المرأة وحدها خلف [الصف] (٥). وليس
стр. 230
في شيء من هذا ما يعارض حديثَ وابصةَ وعليِّ بن شيبان. أما حديث أبي بكرة فإنما فيه «أنه ركع دون الصف، ثم مشى حتى دخل في الصف» والاعتبارُ إنما هو بإدراك الركوع مع الإمام في الصف, وليس في حديثه أنه لم يجامعه في الركوع في الصف. فلا حجةَ فيه (١).
وأما موقف الإمام والمرأة, فالسنة تقدّم هذا وتأخر المرأة, والسنة للمأموم الوقوف في الصف, إما استحبابًا وإما وجوبًا. فكيف يقاس أحدهما على الآخر؟ ولو خالفت المرأةُ موقفها بطلت صلاتها في أحد القولين, وكُرِه لها ذلك من غير بطلان في القول الآخر. ولو وقف الرجل فَذًّا كما تقف المرأة, بطلت صلاتُه في قول وكُرِهت في آخر، فأين أحدُهما من الآخر؟
٤ - باب إذا صلى إلى سارية أو نحوها، أين يجعلها منه؟
٤٧/ ٦٦١ - عن ضُباعة بنت المقداد بن الأسود، عن أبيها قال: ما رأيتُ رسولَ الله ﷺ يصلي إلى عود ولا عمود ولا شجرة إلا جعَلَه على حاجبه الأيمن أو الأيسر، ولا يَصْمُد له صَمْدًا (٢).
في إسناده أبو عبيدة الوليد بن كامل البَجَلي الشامي، وفيه مقال.
قال ابن القيم ﵀: حديث ضُباعة قال ابن القطان (٣): فيه ثلاثة مجاهيل: الوليد بن كامل، عن المهلّب بن حُجْر، عن ضُباعة بنت المقداد
стр. 231
عن أبيها. قال عبد الحق: ليس إسناده بقويّ (١). ورواه النسائي (٢) من حديث بقيّة، عن الوليد بن كامل: حدثنا المهلّب بن حُجر البَهْراني، عن ضُبيعة بنت المقدام بن معديكرب، عن أبيها [قال]: قال رسول الله ﷺ : «إذا صلى أحدُكم إلى عمود أو سارية أو شيء، فلا يجعله نُصْب عينيه، وليجعله على حاجبه الأيسر». فهذا أمرٌ وحديث أبي داود فعل.
فقد اخْتُلف على الوليد بن كامل كما ترى, فعليُّ بن عيّاش رواه فعلًا, وبقيّةُ رواه قولًا. وابن أبي حاتم (٣) ذكر المهلّب بن حُجر أنه يروي عن ضُباعة بنت المقدام بن معديكرب. وهذا غير ما في الإسنادين، فإن فيهما ضباعة بنت المقداد, أو ضُبيعة بنت المقدام. والله أعلم.
٥ - باب الدُّنّوِ من السُّتْرة
٤٨/ ٦٦٣ - عن سهل بن أبي حَثْمَة ــ يبلغ به النبيَّ ﷺ ــ قال: «إذا صلى أحدُكم إلى سُتْرة فليَدْنُ منها، لا يقطع الشيطانُ عليه صلاتَه».
وأخرجه النسائي (٤). وقال أبو داود: واختلف في إسناده.
стр. 232
قال ابن القيم ﵀: قلتُ: رجال إسناده رجال مسلم، والاختلاف الذي أشار إليه أبو داود: هو أنه رُوي مرفوعًا وموقوفًا، ومسندًا ومتصلًا.
٦ - باب ما يُؤمَر المصلِّي أن يدرأ عن المَمَرِّ بين يديه
٤٩/ ٦٦٨ - وعن حميد ــ يعني ابن هلال ــ قال: قال أبو صالح: «أُحَدِّثك عما رأيتُ من أبي سعيد، وسمعته منه: دخل أبو سعيدٍ على مروان، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا صلى أحدُكم إلى شيء يستره من الناس، فأراد أحدٌ أن يجتاز بين يديه فليدفع في نَحْره، فإن أبى فليقاتله، فإنما هو شيطان».
وأخرجه البخاري ومسلم بمعناه أتمّ منه (١).
قال ابن القيم ﵀: قال ابن حبان وغيره: التحريم المذكور في الحديث إنما هو إذا صلى الرجل إلى سُترة, فأما إذا لم يصلِّ إلى سُترة فلا يحرم المرور بين يديه. واحتجَّ أبو حاتم على ذلك بما رواه في «صحيحه» (٢) عن المطلب بن أبي وداعة قال: «رأيت النبيَّ ﷺ ــ حين فرغ من طوافه ــ أتى حاشية المطاف, فصلى ركعتين, وليس بينه وبين الطوَّافين أحد». قال أبو حاتم: في هذا الخبر دليل على إباحة مرور المرء بين يدي المصلي إذا صلى إلى غير سُتْرة (٣).