خلف الصفِّ وحدَه». هذا لفظ أبي حاتم.
ولفظ أحمد عنه: «أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا يصلي خلف الصف, فوقف حتى انصرف الرجلُ, فقال له: «استقبل صلاتك, فإنه لا صلاة لفردٍ خلفَ الصفّ». وحديث وابصة أخرجه أيضًا أبو حاتم في «صحيحه» والإمام أحمد (١).
وفي لفظ لأحمدَ فيه (٢): سئل رسول الله ﷺ عن رجلٍ صلى خلفَ الصفِّ وحدَه؟ فقال: «يعيد الصلاة».
وقد أعلَّ الشافعيُّ حديثَ وابصةَ, فقال: قد سمعت من أهل العلم بالحديث [ق ٣٦] مَن يذكر أن بعض المحدِّثين يُدْخِل بين هلال بن يِساف ووابصة رجلًا. ومنهم مَن يرويه عن هلال عن (٣) وابصة, سمعه منه. وسمعتُ بعضَ أهل العلم منهم كأنه يوهِّنه بما وصفتُ (٤).
وأعلَّه غيرُه بأنّ هلال بن يِساف تفرَّد به عن وابصة.
والعلَّتان جميعًا ضعيفتان، فأما الأولى فإن هلال بن يِساف رواه عن عَمرو بن راشد عن وابصة, وعن (٥) زياد بن أبي الجعد عن وابصة. ذكر ذلك أبو حاتم في «صحيحه» (٦). وقال: سمع هذا الخبر هلال بن يساف من عَمرو بن راشد، وسمعه من زياد بن أبي الجعد, كلاهما عن وابصة. قال: والطريقان (٧) جميعًا محفوظان. فإدخال زياد وعمرو بن راشد بين هلال
стр. 229
ووابصة لا يوهن الحديث شيئًا.
وأما العلة الثانية: فباطلة. وقد أشار أبو حاتم (١) إلى بطلانها فقال: «ذِكْر الخبر المُدْحِض قول مَن زعم أن هلال بن يِساف تفرَّد بهذا الخبر». ثم ساق من حديث عُبيد بن أبي الجعد، عن أبيه زياد بن أبي الجعد، عن وابصة, فذكره. فالحديث محفوظ.
قال الشافعي (٢): ولو ثبت حديثُ وابصةَ فحديثنا أولى أن يؤخَذ به, لأن معه القياس وقول العامة. يريد حديث أبي بكرة لما ركع وحدَه دون الصف ومشى حتى دخل في الصف (٣).
قال (٤): فإن قيل: ما القياس؟ قال: أرأيت صلاةَ الرجل منفردًا وصلاة الإمام أمام الصف وهو في صلاة.
قال: فإن قيل: فهكذا سنة موقف الإمام والمنفرد.
قيل: فسنة موقفهما تدلّ على أنه ليس في الانفراد شيء يُفسِد الصلاة.
ثم ذكر حديث أنس في صلاة المرأة وحدها خلف [الصف] (٥). وليس
стр. 230
في شيء من هذا ما يعارض حديثَ وابصةَ وعليِّ بن شيبان. أما حديث أبي بكرة فإنما فيه «أنه ركع دون الصف، ثم مشى حتى دخل في الصف» والاعتبارُ إنما هو بإدراك الركوع مع الإمام في الصف, وليس في حديثه أنه لم يجامعه في الركوع في الصف. فلا حجةَ فيه (١).
وأما موقف الإمام والمرأة, فالسنة تقدّم هذا وتأخر المرأة, والسنة للمأموم الوقوف في الصف, إما استحبابًا وإما وجوبًا. فكيف يقاس أحدهما على الآخر؟ ولو خالفت المرأةُ موقفها بطلت صلاتها في أحد القولين, وكُرِه لها ذلك من غير بطلان في القول الآخر. ولو وقف الرجل فَذًّا كما تقف المرأة, بطلت صلاتُه في قول وكُرِهت في آخر، فأين أحدُهما من الآخر؟
٤ - باب إذا صلى إلى سارية أو نحوها، أين يجعلها منه؟
٤٧/ ٦٦١ - عن ضُباعة بنت المقداد بن الأسود، عن أبيها قال: ما رأيتُ رسولَ الله ﷺ يصلي إلى عود ولا عمود ولا شجرة إلا جعَلَه على حاجبه الأيمن أو الأيسر، ولا يَصْمُد له صَمْدًا (٢).
في إسناده أبو عبيدة الوليد بن كامل البَجَلي الشامي، وفيه مقال.
قال ابن القيم ﵀: حديث ضُباعة قال ابن القطان (٣): فيه ثلاثة مجاهيل: الوليد بن كامل، عن المهلّب بن حُجْر، عن ضُباعة بنت المقداد
стр. 231
عن أبيها. قال عبد الحق: ليس إسناده بقويّ (١). ورواه النسائي (٢) من حديث بقيّة، عن الوليد بن كامل: حدثنا المهلّب بن حُجر البَهْراني، عن ضُبيعة بنت المقدام بن معديكرب، عن أبيها [قال]: قال رسول الله ﷺ : «إذا صلى أحدُكم إلى عمود أو سارية أو شيء، فلا يجعله نُصْب عينيه، وليجعله على حاجبه الأيسر». فهذا أمرٌ وحديث أبي داود فعل.
فقد اخْتُلف على الوليد بن كامل كما ترى, فعليُّ بن عيّاش رواه فعلًا, وبقيّةُ رواه قولًا. وابن أبي حاتم (٣) ذكر المهلّب بن حُجر أنه يروي عن ضُباعة بنت المقدام بن معديكرب. وهذا غير ما في الإسنادين، فإن فيهما ضباعة بنت المقداد, أو ضُبيعة بنت المقدام. والله أعلم.
٥ - باب الدُّنّوِ من السُّتْرة
٤٨/ ٦٦٣ - عن سهل بن أبي حَثْمَة ــ يبلغ به النبيَّ ﷺ ــ قال: «إذا صلى أحدُكم إلى سُتْرة فليَدْنُ منها، لا يقطع الشيطانُ عليه صلاتَه».
وأخرجه النسائي (٤). وقال أبو داود: واختلف في إسناده.
стр. 232
قال ابن القيم ﵀: قلتُ: رجال إسناده رجال مسلم، والاختلاف الذي أشار إليه أبو داود: هو أنه رُوي مرفوعًا وموقوفًا، ومسندًا ومتصلًا.
٦ - باب ما يُؤمَر المصلِّي أن يدرأ عن المَمَرِّ بين يديه
٤٩/ ٦٦٨ - وعن حميد ــ يعني ابن هلال ــ قال: قال أبو صالح: «أُحَدِّثك عما رأيتُ من أبي سعيد، وسمعته منه: دخل أبو سعيدٍ على مروان، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا صلى أحدُكم إلى شيء يستره من الناس، فأراد أحدٌ أن يجتاز بين يديه فليدفع في نَحْره، فإن أبى فليقاتله، فإنما هو شيطان».
وأخرجه البخاري ومسلم بمعناه أتمّ منه (١).
قال ابن القيم ﵀: قال ابن حبان وغيره: التحريم المذكور في الحديث إنما هو إذا صلى الرجل إلى سُترة, فأما إذا لم يصلِّ إلى سُترة فلا يحرم المرور بين يديه. واحتجَّ أبو حاتم على ذلك بما رواه في «صحيحه» (٢) عن المطلب بن أبي وداعة قال: «رأيت النبيَّ ﷺ ــ حين فرغ من طوافه ــ أتى حاشية المطاف, فصلى ركعتين, وليس بينه وبين الطوَّافين أحد». قال أبو حاتم: في هذا الخبر دليل على إباحة مرور المرء بين يدي المصلي إذا صلى إلى غير سُتْرة (٣).
стр. 233
وفيه دليل واضح على أن التغليظ الذي رُوي في المارِّ بين يدي المصلي إنما أريد بذلك إذا كان المصلِّي يصلي إلى سُتْرة, دون الذي يصلي إلى غير سُتْرة يستتر بها. قال أبو حاتم (١): «ذِكْر البيان بأن هذه الصلاة لم تكن بين الطوَّافين وبين النبي ﷺ سترة» ثم ساق من حديث المطلب قال: «رأيتُ النبي ﷺ يصلي حَذْوَ [ق ٣٧] الركن الأسود، والرجالُ والنساءُ يمرُّون بين يديه, ما بينهم وبينه سترة» (٢).
٧ - باب ما يقطعُ الصلاةَ
٥٠/ ٦٧٢ - وعن عكرمة، عن ابن عباس قال: أحسبه عن رسول الله ﷺ ، قال: «إذا صلى أحدُكم إلى غير سُترةٍ، فإنه يقطع صلاتَه الحمارُ، والخنزيرُ، واليهوديُّ، والمجوسيُّ، والمرأةُ. ويجزئ عنه ــ إذا مرّوا بين يديه ــ على قَذْفةٍ بحجر» (٣).
قال أبو داود (٤): في نفسي من هذا الحديث شيء، كنتُ أذاكِرُ به إبراهيمَ وغيرَه، فلم أرَ أحدًا جاء به عن هشام ولا يَعْرِفه، ولم أر أحدًا يحدِّث به عن هشام،
стр. 234
وأحسب الوهم من ابن أبي سَمينة، والمنكَرُ فيه ذِكْر المجوسيّ، وفيه: «على قذفةٍ بحجر» وذِكْر الخنزير، وفيه نَكارة. قال أبو داود: ولم أسمع هذا الحديث إلا من محمد بن إسماعيل. وأحسبه وهم، لأنه كان يحدِّثنا من حفظه.
قال ابن القيم ﵀: وقال ابن القطان (١): «علَّته شكُّ الراوي في رفعه, فإنه قال عن ابن عباس: «أحسبه عن رسول الله ﷺ » فهذا رأيٌ لا خبر, ولم يجزم ابنُ عباس برفعه، وابنُ أبي سَمَينة (٢) , أحد الثقات.
وقد جاء هذا الخبر موقوفًا على ابن عباس بإسنادٍ جيد, بِذِكْر «أربعة» فقط. قال البزار (٣): حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: قلت لجابر بن زيد: ما يقطع الصلاة؟ قال: قال ابن عباس: الكلبُ الأسود, والمرأةُ الحائض (٤). قلت: قد كان يذكر الثالث (٥)؟ قال: ما هو؟ قلت: الحمار, قال: رويدك, الحمار؟ قلت: قد كان يذكر رابعًا؟ قال: ما هو؟ قال: العِلْج الكافر. قال: إن استطعت أن لا يمرّ بين يديك كافرٌ ولا مسلم فافعل» تم كلامه.
٥١/ ٦٧٥ - وعن سعيد بن غزوان، عن أبيه: «أنه نزل بتبوك ــ وهو حاج ــ فإذا برجل مقعَد فسأله عن أمره. فقال: سأحدِّثك حديثًا، فلا تحدِّث به ما سمعتَ أني حيٌّ: إن رسول الله ﷺ نزل بتبوك إلى نخلة. فقال: هذه قبلتُنا، ثم صلى إليها،
стр. 235
فأقبلتُ، وأنا غلام أسعى، حتى مررتُ بينه وبينها. فقال: قطعَ صلاتَنا قطعَ الله أثرَه. فما قمت عليها إلى يومي هذا» (١).
قال ابن القيم ﵀: حديث ابن غزوان هذا قال عبد الحق: إسنادُه ضعيف, قال ابن القطان (٢): «سعيد مجهول. فأما أبوه غزوان: فإنه لا يعرف مذكورًا, وأما ابنه فقد ذُكِر وتُرجم في مظانّ ذِكْره بما يُذْكَر به المجهولون. وظنّ عبدُ الحق أن غزوان هذا صحابي, وليس كذلك, فإنه نقص في إسناده» (٣).
* * *
стр. 236
تفريع استفتاح الصلاة
٨ - باب رفع اليدين في الصلاة
٥٢/ ٦٩٤ - وعن عاصم بن كُليب، عن أبيه، عن وائل بن حُجر قال: «قلت: لأنظرنَّ إلى صلاة رسول الله ﷺ كيف يصلي؟ قال: فقام رسول الله ﷺ ، فاستقبل القبلة، فكبَّر فرفع يديه، حتى حاذتا أُذنيه. ثم أخذ شمالَه بيمينه. فلما أراد أن يركع رفعهما مثل ذلك. ثم وضع يديه على ركبتيه. فلما رفع رأسَه من الركوع رفعهما مثل ذلك. فلما سجد وضع رأسَه بذلك المنزل من بين يديه، ثم جلس فافترش رجلَه اليسرى ووضع يده اليسرى على فخذه اليسرى، وحَدَّ مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى، وقبض ثنتين، وحلّق حَلْقة. ورأيته يقول هكذا» وحلّقَ بِشْرٌ الإبهامَ والوسطَى وأشار بالسبابة».
٥٣/ ٦٩٥ - وفي رواية: «ثم وضع يدَه اليمنى على ظهر كفِّه اليسرى، والرُّسْغ والساعد» وقال فيه: «ثم جئت بعد ذلك في زمنٍ فيه بردٌ شديد، فرأيت الناسَ عليهم جُلُّ الثياب، تَحَرَّكُ أيديهم تحت الثياب».
وأخرجه النسائي وابن ماجه (١).
قال ابن القيم ﵀: فيه وَضْع اليمنى على اليسرى في القيام. وفي الباب: حديث سهل بن سعد الساعدي قال: «كان الناس يُؤمرون أن يضع الرجل اليدَ اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة» قال أبو حازم: لا أعلمه
стр. 237
إلا يَنْمِي ذلك. رواه مالك في «موطئه» (١) عن أبي حازم بن دينار عنه, وبوَّب عليه, فقال: «وضع اليدين إحداهما على الأخرى في الصلاة». وقال في الباب (٢): عن عبد الكريم بن أبي المُخَارق أنه قال: «من كلام النبوّة: إذا لم تستح فافعل ما شئت، ووضع اليدين إحداهما على الأخرى في الصلاة, يضع اليمنى على اليسرى, وتعجيل الفطر، والاستيناء بالسَّحُور».
قال أبو عمر (٣): «يضع اليمنى على اليسرى» من كلام مالك.
وهذه الترجمة والدليل والتفسير صريح في أن مذهبه وضع اليمنى على اليسرى. وقد روى أبو حاتم ابن حبان في «صحيحه» (٤) من حديث ابن وهب: أخبرنا عَمرو بن الحارث، أنه سمع عطاء بن أبي رباح يحدِّث عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ قال: «إنَّا معشرَ الأنبياء أُمِرنا أن نؤخِّر سُحُورنا,
стр. 238
ونعجِّل فِطْرنا, وأن نُمسِك بأيماننا على شمائلنا في صلاتنا».
٩ - باب افتتاح الصلاة
٥٤/ ٦٩٨ - وعن محمد بن عَمرو بن عطاء قال: سمعت أبا حُميد الساعديّ في عشرة من أصحاب رسول الله ﷺ ، منهم أبو قتادة، قال أبو حميد: «أنا أعلمكم بصلاة رسول الله ﷺ : قالوا: فلم؟ فوالله ما كنتَ بأكثرنا له تَبِعَةً، ولا أقدمِنا له صحبة. قال: بلى. قالوا: فاعْرِضْ. قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يرفع يديه، حتى يحاذيَ بهما مَنكِبيه، ثم كبر حتى يَقِرَّ كلَّ عظمٍ في موضعه معتدلًا، ثم يقرأ، ثم يكبر، فيرفع يديه حتى يحاذيَ بهما مَنكِبيه، ثم يركع ويضع راحتيه على ركبتيه، ثم يعتدل، فلا يَصُبّ رأسَه، ولا يُقْنِع، ثم يرفع رأسه، فيقول: «سمع الله لمن حمده»، ثم يرفع يديه، حتى يحاذي مَنكِبيه معتدلًا، ثم يقول: الله أكبر، ثم يَهْوي إلى الأرض، فيُجافي يديه على جنبيه، ثم يرفع رأسَه ويَثني رجله اليسرى، فيقعد عليها، ويَفْتح أصابع رجليه إذا سجد، ثم يسجد، ثم يقول: الله أكبر، ويرفع، ويثني رجله اليسرى، فيقعد عليها حتى يرجع كلُّ عظم إلى موضعه. ثم يصنع في الأخرى مثل ذلك، ثم إذا قام من الركعتين كبَّر ورفع يديه حتى يحاذي بهما مَنكِبيه، كما كبر عند افتتاح الصلاة، ثم يصنع ذلك في بقية صلاته، حتى إذا كانت السجدةُ التي فيها التسليم: أخَّر رجلَه اليسرى، وقعد مُتوَرِّكًا على شقّه الأيسر، قالوا: صدقت، هكذا كان يصلي ﷺ ».
وأخرجه البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه مختصرًا ومطولًا (١).
قال ابن القيم ﵀: حديث أبي حُميد هذا حديث صحيح, متلقًّى بالقبول, لا علة له. وقد أعلَّه قومٌ بما برّأه الله وأئمةُ الحديث منه. ونحن نذكر
стр. 239
ما عللوه به, ثم نبين فساد تعليلهم وبطلانه بعون الله.
قال ابن القطان في كتابه «الوهم والإيهام» (١): «هذا الحديث من رواية عبد الحميد بن جعفر، عن محمد بن عمرو، صدوق (٢) , وثَّقه يحيى بن سعيد, وأحمد بن حنبل, ويحيى بن معين، وأخرج له مسلم. وضعَّفه يحيى بن سعيد في روايةٍ عنه، وكان الثوريُّ يَحْمِل (٣) عليه من أجل القَدَر. فيجب التثبُّت فيما روى مِن قوله: «فيهم أبو قتادة»، فإن أبا قتادة توفي في زمن عليّ, وصلى عليه عليّ، وهو ممن قُتِل معه, وسِنُّ محمد بن عَمرو مقصِّرة عن إدراك ذلك».
قال: «وقيل في وفاة أبي قتادة غير ذلك؛ أنه توفي سنة أربع وخمسين, وليس بصحيح, بل الصحيح ما ذكرناه. وقُتِل عليٌّ (٤) سنةَ أربعين. ذَكَر هذا التعليل أبو جعفر الطحاوي. قال الطحاوي: والذي زاده محمد بن عمرو غير معروف ولا متصل, لأن في حديثه أنه حضر أبا حميد وأبا قتادة, ووفاة أبي قتادة قبل ذلك بدهر طويل, لأنه قُتِل مع عليٍّ وصلى عليه. فأين سنّ محمد بن عَمرو من هذا؟ قال الطحاوي: وعبد الحميد بن جعفر ضعيف».
قال ابن القطان: «ويزيد هذا المعنى تأكيدًا: أن عطَّاف بن خالد روى هذا الحديثَ فقال: حدثنا محمد بن عمرو بن عطاء، حدثنا رجل: أنه وجد
стр. 240
عشرة من أصحاب النبي ﷺ جلوسًا» فذكر نحو حديث أبي عاصم.
وعطَّاف بن خالد مدنيّ ليس بدون عبد الحميد بن جعفر، وإن كان البخاريُّ حكى أن مالكًا لم يحمده, قال: وذلك لا يضرُّه, لأن ذلك غير مفسَّر مِن مالك بأمرٍ يجبُ لأجله ترك روايته».
قال: «وقد اعترض الطبريُّ على مالك في ذلك بما ذكرناه مِن عدم تفسير الجرح، [و] (١) بأمر آخر لا نراه صوابًا, وهو أن قال: وحتى لو كان مالكٌ قد فسّر, لم يجب أن يُتْرَك بتجريحه روايةُ عطّاف, حتى يكون معه مجرِّح آخر. قال ابن القطان: وإنما [ق ٣٨] لم نره صوابًا لوجهين:
أحدهما: أن هذا المذهب ليس بصحيح، بل إذا جَرَح واحدٌ بما هو جُرحة قُبِل، فإنه نَقْلٌ منه لحالٍ سيئة تَسْقط بها العدالة، ولا يحتاج في النقل إلى تعدّد الرواة.
والوجه الثاني: أن ابن مهدي أيضًا لم يرض عطّافًا، لكن لم يفسّر بماذا لم يرضه, فلو قبلنا قولَه فيه قلَّدْناه في رأيٍ لا في رواية.
وغيرُ مالكٍ وابنِ مهدي يوثّقه. قال أبو طالب عن أحمد: هو من أهل المدينة، ثقة صحيح الحديث، روى نحو مائة حديث. وقال ابن معين: صالح الحديث, ليس به بأس. وقد قال ابن معين: مَن قلت: «ليس به بأس» فهو عندي ثقة. وقال أبو زرعة: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: ليس بذاك. قال ابن القطان: ولعله أحسن حالًا من عبد الحميد بن جعفر, وهو قد بيَّن أن بَيْن محمد بن عَمرو وبين أولئك الصحابة رجلًا. قال: ولو كان هذا عندي
стр. 241
محتاجًا إليه في هذا الحديث للقضاء بانقطاعه لكتبته في المدرك الذي قد فرغتُ منه, ولكنه غير محتاج إليه للمقرَّر من تاريخ وفاة أبي قتادة، وتقاصُر سنّ محمد بن عمرو عن إدراك حياته رجلًا. فإنما جاءت روايةُ عطَّاف عاضدة لما قد صحّ وفُرِغ منه».
قال: «وقد رواه عيسى بن عبد الله بن مالك، عن محمد بن عمرو فقال فيه: عن عياش أو عباس بن سهل الساعدي: «أنه كان في مجلس فيه أبو قتادة (١) وأبو هريرة وأبو أسيد وأبو حميد» ولم يذكر فيه من الفرق بين الجلوسين ما ذكره عبد الحميد بن جعفر. ذكره أبو داود (٢). وقد رواه البخاري في «صحيحه» (٣): حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، سمع يزيد بن أبي حبيب ويزيد بن محمد، سمعا محمد بن عَمرو بن حلحلة، سمع محمد بن عمرو بن عطاء: «أنه كان جالسًا في نفرٍ من أصحاب النبي ﷺ فذكروا صلاةَ النبي ﷺ فقال أبو حميد: أنا كنتُ أحفظكم لصلاة رسول الله ﷺ . رأيته إذا كَبَّر ... فذكر الحديث». وهذا لا ذِكْر فيه لأبي قتادة, ولكن ليس فيه ذِكْر لسماعه من أبي حميد, وإن كان ذلك ظاهره».
هذا آخر كلامه. وهو مع طوله مداره على ثلاثة فصول:
أحدها: تضعيف عبد الحميد بن جعفر.
والثاني: تضعيف محمد بن عَمرو بن عطاء.
стр. 242
والثالث: انقطاع الحديث بين محمد بن عَمرو، وبين الصحابة الذين رواه عنهم.
والجواب عن هذه الفصول:
أما الأول: فعبد الحميد بن جعفر قد وثّقه يحيى بن معين في جميع الروايات عنه (١)، ووثقه الإمام أحمد (٢) أيضًا، واحتجّ به مسلم في «صحيحه»، ولم يُحْفَظ عن أحدٍ من أئمة الجرح والتعديل تضعيفُه بما يوجب سقوطَ روايته، فتضعيفه بذلك مردود على قائله. وحتى لو ثبت عن أحدٍ منهم إطلاقُ الضعف عليه، لم يقدح ذلك في روايته ما لم يبيّن سببَ ضعفه، وحينئذٍ يُنظَر فيه هل هو قادح أم لا؟ وهذا إنما يُحتاج إليه عند الاختلاف في توثيق الرجل وتضعيفه، وأما إذا اتفق أئمةُ الحديث (٣) على تضعيف رجلٍ لم يُحتج إلى ذِكْر سبب ضعفه، هذا أولى ما يقال في مسألة التضعيف المطلق (٤).
وأما الفصل الثاني: وهو تضعيف محمد بن عَمرو بن عطاء؛ ففي غاية الفساد، فإنه من كبار التابعين المشهورين بالصدق والأمانة والثقة، وقد وثَّقه أئمةُ الحديث، كأحمد، ويحيى بن سعيد، ويحيى بن معين، وغيرهم (٥)،
стр. 243
واتفق صاحبا الصحيح على الاحتجاج به (١).
وتضعيف يحيى بن سعيد ــ إن صح عنه ــ فهو روايةٌ المشهور عنه خلافها (٢). وحتى لو ثبت على تضعيفه وأقام عليه، ولم يبيّن سببَه= لم يُلتفَت إليه مع توثيق غيره من الأئمة له.
ولو كان كلُّ رجلٍ ضعَّفَه رجلٌ سقط حديثُه لذهبت عامَّة الأحاديث الصحيحة من أيدينا، فقلّ رجلٌ من الثقات إلا وقد تكلَّم فيه آخر (٣).
وأما قوله: «كان سفيان يحمل عليه»؛ فإنما كان ذلك من جهة رأيه لا من جهة روايته، وقد رُمِي جماعةٌ من الأئمة المحتجّ بروايتهم بالقدَرِ كابن أبي عَروبة، وابن أبي ذِئب وغيرهم. وبالإرجاء كطَلْق بن حبيب، وغيره. وهذا أشْهر من أن يُذْكر نظائره، وأئمة الحديث لا يردّون حديثَ الثقة بمثل ذلك.
وأما الفصل الثالث: وهو انقطاع الحديث؛ فغير صحيح، وهو مبنيّ على
стр. 244
ثلاث مقدمات، أحدها (١): أن وفاة أبي قتادة كانت في خلافة عليّ، والثاني: أن محمد بن عَمرو لم يدرك خلافةَ عليّ، والثالث: أنه لم يثبت سماعُه من أبي حُميد، بل بينهما رجل.
فأما المقام الأول، وهو وفاة أبي قتادة، فقال البيهقي (٢): «أجمع أهلُ التواريخ على أن أبا قتادة الحارث بن رِبْعي بقي إلى سنة أربع وخمسين، وقيل: بعدها.
ثم روى من طريق [ق ٨٠] يعقوب بن سفيان، قال ابن بُكَير: قال الليث: مات أبو قتادة الحارث بن رِبْعي بن النعمان الأنصاري سنة أربع وخمسين.
قال: وكذلك قاله الترمذي فيما أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، عن أبي حامد المقرئ عنه. وكذلك ذكره أبو عبد الله بن [ق ٣٩] مَنده الحافظ في كتاب «معرفة الصحابة». وكذلك ذكر الواقديُّ عن يحيى بن عبد الله بن أبي قتادة: أن أبا قتادة مات بالمدينة سنة خمس وخمسين، وهو ابن سبعين سنة.
قال: والذي يدلُّ على هذا أن أبا سلمة بن عبد الرحمن، وعبد الله ابن أبي قتادة، وعَمرو بن سليم الزُّرَقي، وعبد الله بن رَباح الأنصاري رووا عن أبي قتادة، وإنما حملوا العلمَ بعد أيام عليّ، فلم يثبت لهم عن أحدٍ ممن توفي في أيام عليّ سماع. وروّينا عن معمر، عن عبد الله بن محمد بن عقيل: أن معاوية ابن أبي سفيان لمّا قَدِم المدينة تلقّته الأنصارُ، وتخلَّف أبو قتادة،
стр. 245
ثم دخل عليه بعدُ وجرى بينهما ما جرى. ومعلومٌ أن معاوية إنما قَدِمها حاجًّا قَدْمته الأولى في خلافته سنة أربع وأربعين.
وفي «تاريخ البخاري» (١) بإسناده عن عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك: أن مروان بن الحكم أرسل إلى أبي قتادة وهو على المدينة: أنِ اغْدُ معي حتى تريني مواقف النبيِّ ﷺ وأصحابِه، فانطلق مع مروان حتى قضى حاجته (٢).
ومروان إنما ولي المدينة في أيام معاوية، ثم نُزِع عنها سنة ثمان وأربعين، واسْتُعْمِل عليها سعيد بن العاص، ثم نُزِع سعيد بن العاص سنة أربع وخمسين , وأُمِّر عليها مروان» (٣).
قال النسائي في «سننه» (٤): أخبرنا محمد بن رافع، حدثنا عبدالرزاق، أخبرنا ابن جُريج، قال: سمعت نافعًا يزعم: أنّ ابنَ عمر صلّى على تسع جنائز جميعًا، فجعل الرجال يلون الإمام، والنساء يلين القِبْلة، فصفَّهن صفًّا واحدًا، ووُضِعت جنازةُ أمِّ كلثوم ابنةِ عليّ امرأةِ عمر بن الخطاب وابنٍ لها يقال له: زيد، وُضِعا جميعًا، والإمام يومئذ سعيد بن العاص، وفي الناس ابن عباس (٥)، وأبو هريرة، وأبو سعيد، وأبو قتادة، فوُضِعَ الغلامُ مما يلي الإمام،
стр. 246
فقال رجل: فأنكرتُ ذلك فنظرتُ إلى ابن عباس، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وأبي قتادة، فقلت: ما هذا؟ قالوا: هي السنة.
فتأمل سندَ هذا الحديث وصحّتَه وشهادةَ نافعٍ بشهود أبي قتادة هذه الجنازة، والأميرُ يومئذ سعيد بن العاص، وإنما كانت إمْرَتُه في خلافة معاوية سنة ثمان وأربعين إلى سنة أربع وخمسين كما قدمناه، وهذا مما لا يشكّ فيه عوامُّ أهلِ النقل وخاصَّتُهم.
فإن قيل: فما تصنعون بما رواه موسى بن عبد الله بن يزيد: «أن عليًّا صلى على أبي قتادة, فكبَّر عليه سبعًا، وكان بدريًّا» (١). وبما رواه الشعبيّ قال: «صلى عليٌّ على أبي قتادة وكبّر عليه ستًّا» (٢).
قلنا: لا تجوز معارضةُ الأحاديث الصحيحة المعلومة الصحَّة بروايات التاريخ المنقطعة المغلوطة، وقد خطَّأ الأئمةُ روايةَ موسى هذه ومَن تابعه، وقالوا: هي غلط، قاله البيهقي (٣) وغيره. ويدلّ على أنها غلط وجوه:
أحدها: ما ذكرناه من الأحاديث الصحيحة المصرِّحة بتأخير وفاته وبقاء مُدَّته بعد موت عليّ.
الثاني: أنه قال: «كان بدريًّا»، وأبو قتادة لا يُعرَف أنه شهد بدرًا، وقد ذكر
стр. 247
عروةُ بن الزبير، والزهري، وموسى بن عقبة، ومحمد بن إسحاق، وغيرُهم أسامي مَن شهد بدرًا من الصحابة، وليس في شيء منها ذِكْر أبي قتادة (١)، فكيف يجوز ردّ الرّوايات الصحيحة التي لا مَطْعَن فيها بمثل هذه الرواية الشاذَّة التي قد عُلِم خطؤها يقينًا، إمّا في قوله: «وصلى عليه عليّ»، وإمّا في قوله: «وكان بدريًّا»!
وأما رواية الشعبي؛ فمنقطعة (٢) أيضًا غير ثابتة، ولعلّ بعضَ الرواة غلط من تسمية قتادة بن النعمان أو غيره إلى أبي قتادة، فإن قتادة بن النعمان بدريٌّ، وهو قديم الموت (٣).
وأما المقام الثاني: أن محمد بن عَمْرو لم يدرك خلافةَ عليّ؛ فقد تبيَّن أن أبا قتادة تأخَّر عن خلافة عليّ.
وأما المقام الثالث: وهو أن محمد بن عَمرو لم يثبت سماعُه من أبي حُمَيد بل بينهما رجل؛ فباطل أيضًا.
قال الترمذي في «جامعه» (٤): «حدثنا محمد بن بشَّار والحسن بن عليّ الخلّال وسَلَمة بن شَبيب، وغيرُ واحد قالوا: حدّثنا أبو عاصم، حدّثنا عبد الحميد بن جعفر، حدّثنا محمد بن عَمرو بن عطاء، قال: سمعتُ أبا
стр. 248
حُمَيد السَّاعدي في عشرة من أصحاب النبي ﷺ منهم: أبو قتادة بن رِبْعي ... » فذَكَره.
وقال سعيد بن منصور في «سننه» (١): «حدّثنا هُشَيم، حدّثنا عبدالحميد بن جعفر، عن محمد بن عَمرو بن عطاء القرشي، قال: رأيتُ أبا حُمَيد الساعديّ مع عشرةِ رهطٍ من أصحاب النبيّ ﷺ فقال: ألا أحدّثكم». فذكره.
وقال البخاري في «التاريخ الكبير» (٢): «محمد بن عَمرو بن عطاء بن عيَّاشِ (٣) بن علقمة العامري القرشي المدني، سمع أبا حُمَيد الساعديّ، وأبا قَتادة، وابنَ عباس. روى عنه عبدالحميد بن جعفر، وموسى بن عُقبة، ومحمد بن عمرو بن حَلْحَلَة، والزُّهري».
وأبو حُميد توفي قبل الستين في خلافة معاوية، وأبو قتادة توفي بعد الخمسين كما ذكرنا، فكيف ننكر لقاء محمد لهما وسماعه منهما؟
ثم ولو سلَّمنا أن أبا قتادة توفي في خلافة عليّ، فمِنْ أين يمتنع أن يكون محمد بن عَمْرو في ذلك الوقت رجلًا؟ ولو امتنع أن يكون رجلًا لِتقاصُرِ
стр. 249
سِنّه عن ذلك لم يمتنع [ق ٤٠] أن يكون صبيًّا مميّزًا، وقد شاهد هذه القصَّةَ في صغره ثم أداها بعد بلوغه، وذلك لا يقدح في روايته وتحمُّله اتفاقًا، وهو أُسْوةُ أمثاله في ذلك. فردُّ الأحاديث الصحيحة بمثل هذه الخيالات الفاسدة مما يَرْغَب عن مثله أئمةُ العلم، والله الموفق.
وأما إدخال من أدْخَل بين محمد بن عَمرو بن عطاء، وبين أبي حُميد الساعدي رجلًا، فإن ذلك لا يضرّ الحديثَ شيئًا. فإنّ الذي فعل ذلك رجلان: عطَّاف بن خالد، وعيسى بن عبد الله (١)؛ فأما عطَّافٌ فلم يرض أصحابُ الصحيح إخراجَ حديثهِ، ولا هو ممن يُعارَض به الثقات الأثبات، قال مالك: ليس هو من جِمال المحامل (٢). وقد تابع عبدَالحميد بن جعفر على روايته محمدُ بن عَمرو بن حَلْحَلة، كلاهما قال: عن محمد بن عَمرو بن عطاء، عن أبي حميد. ولا يُقاوَم عَطّاف بن خالد بهذين حتى تُقدَّم روايتُه على روايتهما.
وقوله: «لم يصرِّح محمد بن عَمرو بن حَلْحَلة في حديثه بسماع ابن عطاء من أبي حميد»؛ فكلام بارد، فإنه قد قال: «سمع محمد بن عَمرو بن عطاء أنه كان جالسًا في نفرٍ من أصحاب النبيّ ﷺ ، فذكروا صلاةَ النبيّ ﷺ ،
стр. 250
فقال أبو حميد». وقد قال: «رأيتُ أبا حميد»، ومرة: «سمعتُ أبا حُميد». فما هذا التكلّف البارد والتعَنُّت الباطل في قطع ما وصله الله؟!
وأما حديث عيسى بن عبد الله فقال البيهقي (١): «اختلف في اسمه فقيل: عيسى بن عبد الله، وقيل: عيسى بن عبد الرحمن، وقيل: عبد الله بن عيسى.
ثم اخْتُلف عليه في ذلك؛ فروى عن الحسن بن الحرّ، عن عيسى بن عبد الله، عن محمد بن عَمرو، عن عيّاش ــ أو عباس ــ بن سهل، عن أبي حُميد. ورُوي عن عُتبة بن أبي حكيم، عن عبد الله بن عيسى، عن العباس ابن سهل، عن أبي حُميد. ليس فيه محمد بن عطاء (٢).
ورُوِّينا حديثَ أبي حُميد، عن فُليح بن سليمان، عن عبّاس بن سهل، عن أبي حميد. وبَيَّن فيه عبدُ الله بن المبارك، عن فُليح سماعَ عيسى من (٣) عبّاس، مع سماع فُلَيح من عبّاس، فذِكْرُ محمد بن عَمرو بينهما وَهْم». آخر كلامه.
وهذا ــ والله أعلم ــ من تَخْليط عيسى أو مَن دونه, فإنّ حديثَ عبّاس هذا لا ذِكْر فيه لمحمد بن عَمرو، ولا رواه محمد بن عَمرو عنه، ونحن نذكر حديثه:
стр. 251
قال الترمذي (١): «حدثنا محمد بن بشّار، حدثنا أبو عامر العَقَديّ، حدثنا فُلَيح بن سليمان، حدثنا عبَّاس بن سهل قال: اجتمع أبو حميد، وأبو أسيد، وسهل بن سعد، ومحمد بن مَسْلمة، فذكروا صلاةَ النبيّ ﷺ [فقال أبو حميد: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله ﷺ ]: إنّ رسول الله ﷺ ركع فوضع يديه على ركبتيه كأنَّه قابضٌ عليهما، ووَتّر يديه فنحّاهما عن جنبيه». قال: حسن صحيح.
وقال أبو داود (٢): «حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا عبد الملك بن عَمرو، أخبرنا فُليح، حدثنا عباس بن سهل، قال: اجتمع أبو حُميد، وأبو أسيد» فذكره أطولَ من حديث الترمذي.
قال أبو داود: «ورواه عُتبة بن أبي حكيم، عن عبد الله بن عيسى، عن العبَّاس بن سهل».
قال: «ورواه ابنُ المبارك، أخبرنا فُلَيح، قال: سمعت عباس بن سهل يحدّث فلم أحفظه، فحدَّثنيه [أُراه ذَكَر] عيسى بن عبد الله، أنه سمعه من عبّاس بن سهل، قال: حضرتُ أبا حميد».
فهذا هو المحفوظ من رواية عبَّاس لا ذِكْر فيه لمحمد بن عَمرو بوجه.
ورواه أبو داود (٣) من حديث أبي خيثمة، حدثنا الحسن بن الحُرّ، أخبرنا عيسى بن عبد الله بن مالك، عن محمد بن عَمرو بن عطاء أَحَد بني
стр. 252
مالك، عن عباس أو عياش بن سهل الساعدي: أنه كان في مجلسٍ فيه أبوه، وفي المجلس أبو هريرة، وأبو حُميد، وأبو أسَيد ... » بهذا الخبر يزيد وينقص (١).
فهذا الذي غرَّ مَن قال: إن محمد بن عَمرو لم يسمعه من أبي حُميد، وهذا ــ والله أعلم ــ من تخليط عيسى أو من دونَه؛ لأن محمدًا قد صرَّح بأنّ أبا حُميد حدَّثه به وسمعه منه, ورآه حين حَدَّثه به, فكيف يُدْخِل بينه وبينه عبَّاس بن سهل؟
وإنما وقع هذا لمّا رواه محمد بن عَمرو عن أبي حُميد، ورواه العبَّاس ابن سهل عن أبي حُميد، فخلّط بعضُ الرواة، وقال: «عن محمد بن عَمرو عن العباس»، وكان ينبغي أن يقول: «وعن العباس» (٢) بالواو.
ويدلّ على هذا: أنّ عيسى بن عبد الله قد سمعه من عبَّاس, كما في رواية ابن المبارك، فكيف يشافهه به عبَّاس بن سهل ثم يرويه عن محمد ابن عَمرو عنه؟ فهذا كلُّه يبيّن أنّ محمد بن عَمرو وعبَّاس بن سهل اشتركا في روايته عن أبي حُميد، فصحّ الحديثُ بحمد الله.
وظهر أن العلة التي رُمي بها مما تدلُّ على قوَّته وحفظه, وأن رواية عبَّاس بن سهل شاهدةٌ ومُصدِّقة لرواية محمد بن عَمرو. وهكذا الحق يصدِّق بعضُه بعضًا.
وقد رواه الشافعي من حديث إسحاق بن عبد الله، عن عبَّاس بن سهل,
стр. 253
عن أبي حُميد ومَن مَعَه من الصحابة (١). ورواه فُلَيح بن سليمان، عن عبَّاس, عن أبي حُميد (٢). وهذا لا ذِكْر فيه لمحمد بن عَمرو, وهو إسناد متّصل تقومُ به [ق ٤١] الحجّة، فلا ينبغي الإعراضُ عن هذا والتعلّق عليه بالباطل.
ثم لو نزلنا عن هذا كلِّه، وضربنا عنه صفحًا إلى التسليم أن محمد ابن عَمرو لم يدرك أبا قتادة, فغايتُه أن يكون الوهم قد وقع في تسمية أبي قتادة وحده دون غيره ممن معه. وهذا لا يُجوِّز بمجرّده تركَ حديثه، والقدحَ فيه عند أحدٍ من الأئمة.
ولو كان كلُّ من غَلِط ونسيَ واشتبه عليه اسم رجل بآخر يسقط حديثُه= لذهبت الأحاديثُ ورواتها (٣) من أيدي الناس.
فهَبْه غلطَ في تسميته أبا قتادة، أفيلزم من ذلك أن يكون ذِكْر باقي الصحابة غلطًا، ويقدحُ في قوله: «سمعت أبا حميد» , و «رأيت أبا حُميد» , أو «أن أبا حميد قال»؟!
وأيضًا فإن هذه اللفظة لم يتفق عليها الرواة، وهي قوله: «فيهم أبو قتادة»، فإن محمد بن عَمرو بن حَلْحلة رواه عن محمد بن عَمرو بن عطاء ولم يذكر «فيهم أبو قتادة». ومن طريقه رواه البخاري ولم يذكرها (٤).
стр. 254
وأما عبد الحميد بن جعفر، فرواه عنه هُشَيم ولم يذكرها (١)، ورواه عنه أبو عاصم الضحَّاك بن مَخْلد، ويحيى بن سعيد فذكراها عنه (٢). وأظنّ عبد الحميد بن جعفر تفرَّدَ بها.
ومما يُبيّن أنها ليست بوهم: أن محمد بن مسلمة قد كان في أولئك الرَّهْط، ووفاته سنة ثلاث وأربعين، فإذا لم تتقاصر سنُّ محمد بن عَمرو عن لقائه، فكيف تتقاصر عن لقاء أبي قتادة؟ ووفاتُه إما بعد الخمسين عند الأكثرين، أو قُبَيل الأربعين عند بعضهم. والله الموفّقُ للصواب (٣).
٥٥/ ٧٠٧ - وعن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن أبي هريرة أنه قال: «كان رسول الله ﷺ إذا كَبَّر للصلاة جَعَل يديه حَذْو مَنْكِبيه، وإذا ركع فَعَل مثل ذلكَ، وإذا رفع للسجود فعل مثل ذلك، وإذا قام من الركعتين فعل مثل ذلك» (٤).
стр. 255
قال ابن القيم ﵀: وهذا الحديث على شرط مسلم رواه جماعةٌ عن الزهري، عن أبي بكر.
١٠ - باب مَن لم يذكر الرفعَ عند الركوع
٥٦/ ٧١٧ - عن عبد الرحمن بن الأسود عن علقمة قال: قال عبد الله بن مسعود: ألا أصلي بكم صلاة رسول الله ﷺ ؟ قال: فصلى، فلم يرفع يديه إلا مرة.
٥٧/ ٧١٨ - وفي رواية: قال: «فرفع يديه في أول مرة».
٥٨/ ٧١٩ - وفي رواية: «مرة واحدة».
وأخرجه الترمذيُّ والنسائي (١). وقال الترمذي: «حديث حسن». وقد حُكيَ عن عبد الله بن المبارك أنه قال: لا يثبت هذا الحديث. وقال غيره: لم يسمع عبد الرحمن من علقمة. وقد يكون خَفِي هذا على ابن مسعود، كما خفي عليه نسخ التطبيق، ويكون ذلك كان في الابتداء قبل أن يُشرع رفع اليدين في الركوع، ثم صار التطبيق منسوخًا، وصار الأمر في السنة إلى رفع اليدين عند الركوع ورفع الرأس منه.
قال ابن القيم ﵀: وقال سفيان بن عبد الملك: سمعت ابنَ المبارك يقول: لم يثبت حديثُ ابن مسعود «أنه رفع يديه في أول تكبيرة» (٢).
стр. 256
وقال ابن أبي حاتم في كتاب «العلل» (١): سألتُ أبي عن هذا الحديث فقال: هذا خطأ, يقال: وَهِم فيه الثوريُّ. وروى هذا الحديثَ جماعةٌ عن عاصم فقالوا كلهم: «إن النبي ﷺ افتتح فرفع يديه ثم ركع فطبَّق» ولم يقل أحدٌ ما روى الثوريّ.
وقال الحاكم (٢): خبرُ ابن مسعود مختصر, وعاصم بن كُلَيب لم يخرَّج حديثُه في الصحيح. وليس كما قال، فقد احتجَّ به مسلم (٣) , إلا أنه ليس في الحفظ كابن شهاب وأمثاله.
وأما إنكار سماع عبد الرحمن من علقمة فليس بشيء, فقد سمع منه، وهو ثقة، وأُدخِل على عائشة وهو صبيّ (٤). ولكن معارضة سالمٍ عن أبيه بعاصم بن كليب عن عبد الرحمن بن الأسود لا تُقبَل.
وقال الأثرم: قال أبو عبد الله: كان وكيع يقول في الحديث «يعني» وربما طرح «يعني» وذَكَر تفسير (٥) الحديث، ثم قال أحمد: عن عاصم بن كُليب سمعته منه, يعني من وكيع غير مرة فيه «ثم لم يعد» فقال لي أبو عبد الرحمن
стр. 257
الوكيعي (١): كان وكيع يقول فيه: «يعني: ثم لم يعد» وتبسَّم أحمد (٢).
وقال أبو حاتم البستي في كتاب «الصلاة» له: هذا الحديث له علّة توهِّنه؛ لأن وكيعًا اختصره من حديث طويل, ولفظة «ثم لم يعد» إنما كان وكيع يقولها في آخر الخبر مِن قِبَلِه وقبلها «يعني»، فربما أسقطت «يعني».
وحكى البخاريُّ (٣) تضعيفَه عن يحيى بن آدم وأحمد بن حنبل وتابعهما عليه, وضعَّفه الدارميُّ والدارقطني والبيهقي.
وهذا الحديث روي بأربعة ألفاظ (٤): أحدها: قوله: «فرفع يديه في أول مرة ثم لم يعد». والثانية: «فلم يرفع يديه إلا مرة». والثالثة: «فرفع يديه في أول مرة» لم يذكر سواها. والرابعة: «فرفع يديه مرة واحدة». والإدراجُ ممكن في قوله «ثم لم يعد». وأما باقيها فإما أن يكون قد رُوي بالمعنى, وإما أن يكون صحيحًا.
٥٩/ ٧٢٠ - وعن البراء ــ وهو ابن عازب ــ: «أن رسول الله ﷺ كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه إلى قريب من أذنيه، ثم لا يعود» (٥).
стр. 258
في إسناده يزيد بن أبي زياد، أبو عبد الله الهاشمي، مولاهم الكوفي، ولا يحتج بحديثه، وقال الدارقطني: إنما لُقِّن يزيد في آخر عمره «ثم لم يَعُد» فتَلَقَّنه، وكان قد اختلط. وقال البخاري: وكذلك روى الحفاظ الذين سمعوا من يزيد قديمًا، منهم الثوري، وشعبة، وزهير، ليس فيه: «ثم لا يعود».
قال ابن القيم ﵀: وقال عثمان الدارمي: سألت أحمد بن حنبل عن هذا الحديث؟ فقال: لا يصح هذا الحديث (١). وقال يحيى بن محمد الذهلي: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: هذا حديث واهٍ (٢).
[ق ٤٢] ورواه الشافعيُّ (٣) عن ابن عيينة، عن يزيد, ولفظه: «رأيت رسولَ الله ﷺ إذا افتتح الصلاةَ رفع يديه» , قال ابن عيينة: ثم قدمتُ الكوفة فلقيتُ يزيد, فسمعته يحدِّث بهذا. وزاد فيه «ثم لا يعود» فظننتُ أنهم قد لقَّنوه. قال الشافعي (٤): ذهب سفيان إلى تغليط يزيد. وقال الإمام أحمد: هذا حديث واهٍ (٥). وقال ابن عبد البر (٦): تفرَّد به يزيدُ بن أبي زياد, ورواه شعبة والثوري وابن عيينة وهُشَيم وخالد بن عبد الله لم يذكر أحدٌ منهم: «ثم لا يعود».
стр. 259
وقال يحيى بن معين (١): يزيد بن [أبي] (٢) زياد ضعيف الحديث. وقال ابن عديّ: ليس بذاك (٣).
وقال الحميدي الكبير: قلنا للمحتج بهذا: إنما رواه يزيد, ويزيدُ يزيد (٤). وقال أحمد في روايةٍ عنه: لا يصحّ عنه هذا الحديث. وقال الدارمي: ومما يحقِّق قولَ سفيان أنهم لقنوه هذه الكلمة: أن الثوريَّ وزهيرَ بن معاوية وهُشيمًا وغيرَهم من أهل العلم لم يجيئوا بها إنما جاء بها من سمع منه بأخرة (٥).
قال البيهقي (٦): وقد رواه إبراهيم بن بشار، عن سفيان، حدثنا يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب قال: «رأيت النبيَّ ﷺ إذا افتتح الصلاةَ رفع يديه, وإذا أراد أن يركع، وإذا رفع رأسَه من الركوع» قال سفيان: فلما قدمتُ الكوفةَ سمعته يقول: «يرفع يديه إذا افتتح الصلاة, ثم لا يعود» وظننت أنهم لقَّنوه.
стр. 260
فهذه ثلاثه أوجه عن يزيد, فلو قُدِّر أنه من الحفّاظ الأثبات، وقد اختلف حديثُه، لوجب تركُه والرجوع إلى الأحاديث الثابتة التي لم تختلف, مثل حديث الزهري، عن سالم، عن أبيه ونحوها. فمعارضتُها بمثل هذا الحديث الواهي المضطرب المخْتَلِف في غاية البطلان.
قال الحاكم: وإبراهيم بن بشَّار ثقة مأمون (١)، وقال ابن معين: ليس بشيء (٢)، وقال أحمد: يأتي عن سفيان بالطامات, حتى كأنه ليس بسفيان (٣).
١١ - باب ما يُستفتحُ به الصلاة من الدعاء
٦٠/ ٧٢٥ - عن علي بن أبي طالب قال: «كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة كبَّر، ثم قال: وجَّهتُ وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين، إنَّ صلاتي ونُسُكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أُمِرتُ وأنا أول المسلمين. اللهم أنت الملكُ لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدُك، ظلمتُ نفسي، واعترفتُ بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعًا، لا يغفر الذنوبَ إلا أنت، واهدِني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سَيّئها لا يصرفُ سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك والخيرُ كلُّه في يديك [والشر ليس إليك]، أنا بك وإليك، تباركت وتعاليتَ، أستغفرك وأتوب إليك. وإذا ركع قال: اللهم لك ركعتُ، وبك آمنت، ولك أسلمت، خشع لك سمعي وبصري ومُخِّي وعظامي وعصَبي. وإذا رفع قال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد مِلءَ السموات والأرض وما بينهما، ومِلْءَ ما شئتَ من شيء بعدُ. وإذا سجد قال: اللهم لك سجدت، وبك آمنت، ولك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه وصوَّره
стр. 261
فأحسن صوره، وشَقَّ سمعه وبصره، وتبارك الله أحسن الخالقين. وإذا سلَّم من الصلاة قال: اللهم اغفر لي ما قدَّمتُ وما أخّرتُ، وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مِنّي، أنت المقدِّمُ وأنت المؤخِّر، لا إله إلا أنت».
وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي مطولًا، وأخرجه ابن ماجه مختصرًا (١).
قال ابن القيم ﵀: واختُلِف في وقت هذا الدعاء الذي في آخر الصلاة، ففي «سنن أبي داود» كما ذكره هنا قال «وإذا سلَّم قال»، وفي «صحيح مسلم» روايتان, إحداهما (٢): «ثم يكون من آخر ما يقول بين التشهد والتسليم، اللهم اغفر لي» إلى آخره. والرواية الثانية (٣): «قال: وإذا سلَّم قال: اللهم اغفر لي» كما ذكره أبو داود.
وفي هذا الحديث شيء آخر, وهو أن مسلمًا أدخله في باب صلاة النبي ﷺ بالليل, وظاهر هذا أن هذا الافتتاح كان في قيام الليل, وقال الترمذي وابن حبان في «صحيحه» (٤) في هذا الحديث: «كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة المكتوبة كبَّر ثم قال» الحديث.
وروى النسائيُّ (٥) من حديث محمد بن المنكدر، عن جابر قال: «كان
стр. 262
النبيُّ ﷺ إذا استفتحَ الصلاةَ كبَّر ثم قال: إن صلاتي ونُسُكي ومحياي ومماتي لله ربّ العالمين لا شريك له وبذلك أُمِرتُ وأنا أول المسلمين» وذكر دعاءً بعده. قال النسائي (١): هذا حديث حمصي رجع إلى المدينة ثم إلى مكة.
١٢ - باب (٢) الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم
٦١/ ٧٤٧ - وعن عائشة ﵂ ــ وذَكَر [عروة] الإفك ــ قالت: «جلس رسول الله ﷺ وكشف عن وجهه، وقال: أعوذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ (٣) الآية [النور: ١١]».
قال أبو داود: هذا حديث منكر. قد روى هذا الحديث جماعة عن الزهري، لم يذكروا هذا الكلام على هذا الشرح. وأخاف أن يكون أمرُ الاستعاذة منه كلامَ حُميد. هذا آخر كلامه. وحميد ــ هذا ــ هو أبو صفوان حميد بن قيس المكي الأعرج، احتجَّ به الشيخان.
قال ابن القيم ﵀: قال ابن القطَّان (٤): «حُمَيد بن قيس أحد الثقات, وإنما عِلّته أنه من رواية قَطَن بن نُسَير، عن جعفر بن سليمان، عن حُمَيد. وقَطَن ــ وإن كان روى عنه مسلم ــ فكان أبو زرعة يحمل عليه ويقول: روى عن جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس أحاديثَ مما أُنْكِر عليه. وجعفرٌ
стр. 263
أيضًا مختلَف فيه, فليس ينبغي أن يُحْمَل على حُميد ــ وهو ثقة بلا خلاف ــ في شيء جاء به عنه مَن يُخْتَلَف فيه».
١٣ - باب مَن ترك القراءةَ في صلاته
٦٢/ ٧٨٦ - وعن [عبادة بن الصامت] قال: «كُنّا خلفَ رسولِ الله ﷺ في صلاة الفجر، فقرأ رسول الله ﷺ ، فثَقُلَتْ عليه القراءةُ، فلما فرغ قال: لعلكم تقرؤون خلف إمامكم؟ قلنا: نعم، هَذًّا يا رسول الله، قال: لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب، فإنه لا صلاة لِمَنْ لم يقرأ بها».
وأخرجه الترمذي (١)، وقال: حديث حسن.
قال ابن القيم ﵀: وأُعِلّ هذا الحديث بأن ابن إسحاق رواه عن مكحول, وهو مدلِّس, لم يصرِّح بسماعه من مكحول وإنما عَنْعَنَه, والمدلِّس إذا عنعن لم يُحتجّ بحديثه, وكذلك رواه أبو داود.
قال البيهقي (٢): وقد رواه إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق. فذكر سماعَه فيه من مكحول, فصار الحديثُ بذلك موصولًا صحيحًا.
وقد رواه البخاريُّ في كتاب «القراءة خلف الإمام» (٣) وقال: هو
стр. 264
صحيح, ووثَّقَ ابنَ إسحاق وأثنى عليه, واحتج بحديثه فيه (١) , ثم رواه من غير حديث ابن إسحاق أيضًا (٢) , وقال: هو صحيح.
١٤ - باب مَن رأى القراءةَ إذا لم يجهر
٦٣/ ٧٨٩ - عن ابن أُكَيمة الليثي، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ انصرف من صلاةٍ جَهَر فيها بالقراءة، فقال: «هل قرأ معي أحدٌ منكم آنفًا؟» فقال رجل: نعم، يا رسول الله، قال: «إني أقول: ما لي أُنازَعُ القرآن؟» قال: فانتهى الناسُ عن القراءة مع رسول الله ﷺ ، فيما جهر فيه النبي ﷺ بالقراءة من الصلوات، حين سمعوا ذلك من رسول الله ﷺ .
وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه (٣). وقال الترمذي: هذا حديث حسن.
٦٤/ ٧٩٠ - وفي رواية لأبي داود: عن الزهري قال: سمعت ابن أُكيمة يحدث سعيد بن المسيب، قال: سمعت أبا هريرة يقول: «صلى بنا سول الله ﷺ صلاة نظن أنها الصبح ــ بمعناه إلى قوله ــ: ما لي أُنازع القرآن؟ وفيها ــ قال معمر، عن الزهري ــ قال أبو هريرة: فانتهى الناس.
قال أبو داود: سمعت محمد بن يحيى بن فارس قال: قوله «فانتهى الناس»: من كلام الزهري.
стр. 265
[ق ٤٣] قال ابن القيم ﵀: وقد أعلَّ البيهقيُّ (١) هذا الحديث بابن أُكيمة, وقال: تفرَّد به وهو مجهول, ولم يكن عند الزهري من معرفته أكثر من أن رآه يحدِّث سعيدَ بن المسيب. واختلفوا في اسمه، فقيل: عمارة، وقيل: عمّار, قاله البخاري.
وقوله: «فانتهى الناس عن القراءة» من قول الزهري, قاله محمد بن يحيى الذهلي صاحب «الزُّهريات» , والبخاري, وأبو داود (٢). واستدلوا على ذلك برواية الأوزاعي, حين ميَّزه من الحديث, وجعله من قول الزهري. قال: وكيف يكون ذلك من قول أبي هريرة وهو يأمر بالقراءة خلف الإمام فيما جَهَر فيه وفيما خافت؟!
وقال غيره: هذا التعليل ضعيف, فإن ابن أُكَيمة من التابعين وقد حدَّث بهذا الحديث ولم ينكره عليه أعلمُ الناس بأبي هريرة وهو سعيد بن المسيب، ولا يُعلَم أحدٌ قدحَ فيه ولا جرحَه بما يوجبُ ترك حديثه، ومثل هذا أقلّ درجات حديثه أن يكون حسنًا. كما قال الترمذي (٣).
وقوله: «فانتهى الناس» وإن كان الزهري قاله فقد رواه مَعْمَر، عن
стр. 266
الزهري قول أبي هريرة، وأيُّ تنافٍ بين الأمرين؟ بل كلاهما صواب, قاله أبو هريرة كما قال معمر، وقاله الزهري كما قال هؤلاء، وقاله معمر أيضًا كما قال أبو داود. فلو كان قول الزهري له علَّة في قول أبي هريرة لكان قول معمر له علة في قول الزهري, وأن نجعل ذلك كلام معمر.
وقوله: «كيف يصحّ ذلك عن أبي هريرة, وهو يأمر بالقراءة خلف الإمام؟» فالمحفوظ عن أبي هريرة أنه قال: «اقرأ بها في نفسك» وهذا مطلق ليس فيه بيان أن يقرأ بها حالَ الجهر. ولعله قال له يقرأ بها في السرِّ والسكتات, ولو كان عامًّا فهذا رأيٌ له خالفه فيه غيرُه من الصحابة، والأخذ بروايته أولى.
وقد روى الدارقطنيُّ والبيهقيُّ (١) من حديث زيد بن واقد، عن حرام بن حكيم ومكحول، عن نافع بن محمود: «أنه سمع عُبادة بن الصامت يقرأ بأمِّ القرآن وأبو نعيم يجهر بالقراءة, فقلت: رأيتُك صنعتَ في صلاتك شيئًا؟ قال: وما ذاك؟ قلت: سمعتُك تقرأ بأمّ القرآن وأبو نعيم يجهر بالقراءة؟ قال: نعم, صلى بنا رسول الله ﷺ بعض الصلوات التي يُجْهَر فيها بالقراءة، فلما انصرف قال: «هل منكم من أحدٍ يقرأ شيئًا من القرآن إذا جهرتُ بالقراءة؟» قلنا: نعم يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : «وأنا أقول: مالي أُنازَع القرآن؟ لا يقرأنَّ أحدٌ منكم شيئًا من القرآن إذا جَهَرتُ بالقراءة, إلا بأم القرآن». قال الدارقطني: إسناده حسن ورجاله ثقات.
قال البيهقي (٢): وزيد بن واقد ثقة, ومكحولٌ سمع هذا الحديث من
стр. 267
محمود بن الربيع, ومن ابنه نافع بن محمود, ونافع بن محمود وأبوه محمود بن الربيع سمعا من عُبادة بن الصامت.
وروى البيهقيُّ (١) من طريق سفيان، عن خالد الحذَّاء، عن أبي قلابة، عن محمد بن أبي عائشة، عن رجل من أصحاب النبيِّ ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : «لعلكم تقرؤون والإمام يقرأ؟» قالوا: إنا لنفعل, قال: «فلا تفعلوا, إلا أن يقرأ أحدُكم بفاتحة الكتاب» رواه جماعة عن سفيان. قال: وهذا إسناد صحيح، وأصحابُ النبي ﷺ كلُّهم ثقة, فتَرْك ذِكْر أسمائهم في الإسناد لا يضرّ. إذا لم يعارِضْه ما هو أصحّ منه.
ولكن لهذا الحديث علّة, وهي أن أيوبَ خالف فيه خالدًا, ورواه عن أبي قِلابة عن النبي ﷺ مرسلًا, وهو كذلك في «تاريخ البخاري» (٢) عن مُؤمّل، عن إسماعيل بن عُلَية، عن أيوب، عن أبي قِلابة، عن النبي ﷺ .
وأما حديث جابر يرفعه: «مَن كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة» (٣) فله علتان:
إحداهما: أن شعبةَ والثوريَّ وابنَ عُيينة وأبا (٤) عوانة وجماعةً من