أيضًا مختلَف فيه, فليس ينبغي أن يُحْمَل على حُميد ــ وهو ثقة بلا خلاف ــ في شيء جاء به عنه مَن يُخْتَلَف فيه».
١٣ - باب مَن ترك القراءةَ في صلاته
٦٢/ ٧٨٦ - وعن [عبادة بن الصامت] قال: «كُنّا خلفَ رسولِ الله ﷺ في صلاة الفجر، فقرأ رسول الله ﷺ ، فثَقُلَتْ عليه القراءةُ، فلما فرغ قال: لعلكم تقرؤون خلف إمامكم؟ قلنا: نعم، هَذًّا يا رسول الله، قال: لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب، فإنه لا صلاة لِمَنْ لم يقرأ بها».
وأخرجه الترمذي (١)، وقال: حديث حسن.
قال ابن القيم ﵀: وأُعِلّ هذا الحديث بأن ابن إسحاق رواه عن مكحول, وهو مدلِّس, لم يصرِّح بسماعه من مكحول وإنما عَنْعَنَه, والمدلِّس إذا عنعن لم يُحتجّ بحديثه, وكذلك رواه أبو داود.
قال البيهقي (٢): وقد رواه إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق. فذكر سماعَه فيه من مكحول, فصار الحديثُ بذلك موصولًا صحيحًا.
وقد رواه البخاريُّ في كتاب «القراءة خلف الإمام» (٣) وقال: هو
стр. 264
صحيح, ووثَّقَ ابنَ إسحاق وأثنى عليه, واحتج بحديثه فيه (١) , ثم رواه من غير حديث ابن إسحاق أيضًا (٢) , وقال: هو صحيح.
١٤ - باب مَن رأى القراءةَ إذا لم يجهر
٦٣/ ٧٨٩ - عن ابن أُكَيمة الليثي، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ انصرف من صلاةٍ جَهَر فيها بالقراءة، فقال: «هل قرأ معي أحدٌ منكم آنفًا؟» فقال رجل: نعم، يا رسول الله، قال: «إني أقول: ما لي أُنازَعُ القرآن؟» قال: فانتهى الناسُ عن القراءة مع رسول الله ﷺ ، فيما جهر فيه النبي ﷺ بالقراءة من الصلوات، حين سمعوا ذلك من رسول الله ﷺ .
وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه (٣). وقال الترمذي: هذا حديث حسن.
٦٤/ ٧٩٠ - وفي رواية لأبي داود: عن الزهري قال: سمعت ابن أُكيمة يحدث سعيد بن المسيب، قال: سمعت أبا هريرة يقول: «صلى بنا سول الله ﷺ صلاة نظن أنها الصبح ــ بمعناه إلى قوله ــ: ما لي أُنازع القرآن؟ وفيها ــ قال معمر، عن الزهري ــ قال أبو هريرة: فانتهى الناس.
قال أبو داود: سمعت محمد بن يحيى بن فارس قال: قوله «فانتهى الناس»: من كلام الزهري.
стр. 265
[ق ٤٣] قال ابن القيم ﵀: وقد أعلَّ البيهقيُّ (١) هذا الحديث بابن أُكيمة, وقال: تفرَّد به وهو مجهول, ولم يكن عند الزهري من معرفته أكثر من أن رآه يحدِّث سعيدَ بن المسيب. واختلفوا في اسمه، فقيل: عمارة، وقيل: عمّار, قاله البخاري.
وقوله: «فانتهى الناس عن القراءة» من قول الزهري, قاله محمد بن يحيى الذهلي صاحب «الزُّهريات» , والبخاري, وأبو داود (٢). واستدلوا على ذلك برواية الأوزاعي, حين ميَّزه من الحديث, وجعله من قول الزهري. قال: وكيف يكون ذلك من قول أبي هريرة وهو يأمر بالقراءة خلف الإمام فيما جَهَر فيه وفيما خافت؟!
وقال غيره: هذا التعليل ضعيف, فإن ابن أُكَيمة من التابعين وقد حدَّث بهذا الحديث ولم ينكره عليه أعلمُ الناس بأبي هريرة وهو سعيد بن المسيب، ولا يُعلَم أحدٌ قدحَ فيه ولا جرحَه بما يوجبُ ترك حديثه، ومثل هذا أقلّ درجات حديثه أن يكون حسنًا. كما قال الترمذي (٣).
وقوله: «فانتهى الناس» وإن كان الزهري قاله فقد رواه مَعْمَر، عن
стр. 266
الزهري قول أبي هريرة، وأيُّ تنافٍ بين الأمرين؟ بل كلاهما صواب, قاله أبو هريرة كما قال معمر، وقاله الزهري كما قال هؤلاء، وقاله معمر أيضًا كما قال أبو داود. فلو كان قول الزهري له علَّة في قول أبي هريرة لكان قول معمر له علة في قول الزهري, وأن نجعل ذلك كلام معمر.
وقوله: «كيف يصحّ ذلك عن أبي هريرة, وهو يأمر بالقراءة خلف الإمام؟» فالمحفوظ عن أبي هريرة أنه قال: «اقرأ بها في نفسك» وهذا مطلق ليس فيه بيان أن يقرأ بها حالَ الجهر. ولعله قال له يقرأ بها في السرِّ والسكتات, ولو كان عامًّا فهذا رأيٌ له خالفه فيه غيرُه من الصحابة، والأخذ بروايته أولى.
وقد روى الدارقطنيُّ والبيهقيُّ (١) من حديث زيد بن واقد، عن حرام بن حكيم ومكحول، عن نافع بن محمود: «أنه سمع عُبادة بن الصامت يقرأ بأمِّ القرآن وأبو نعيم يجهر بالقراءة, فقلت: رأيتُك صنعتَ في صلاتك شيئًا؟ قال: وما ذاك؟ قلت: سمعتُك تقرأ بأمّ القرآن وأبو نعيم يجهر بالقراءة؟ قال: نعم, صلى بنا رسول الله ﷺ بعض الصلوات التي يُجْهَر فيها بالقراءة، فلما انصرف قال: «هل منكم من أحدٍ يقرأ شيئًا من القرآن إذا جهرتُ بالقراءة؟» قلنا: نعم يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : «وأنا أقول: مالي أُنازَع القرآن؟ لا يقرأنَّ أحدٌ منكم شيئًا من القرآن إذا جَهَرتُ بالقراءة, إلا بأم القرآن». قال الدارقطني: إسناده حسن ورجاله ثقات.
قال البيهقي (٢): وزيد بن واقد ثقة, ومكحولٌ سمع هذا الحديث من
стр. 267
محمود بن الربيع, ومن ابنه نافع بن محمود, ونافع بن محمود وأبوه محمود بن الربيع سمعا من عُبادة بن الصامت.
وروى البيهقيُّ (١) من طريق سفيان، عن خالد الحذَّاء، عن أبي قلابة، عن محمد بن أبي عائشة، عن رجل من أصحاب النبيِّ ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : «لعلكم تقرؤون والإمام يقرأ؟» قالوا: إنا لنفعل, قال: «فلا تفعلوا, إلا أن يقرأ أحدُكم بفاتحة الكتاب» رواه جماعة عن سفيان. قال: وهذا إسناد صحيح، وأصحابُ النبي ﷺ كلُّهم ثقة, فتَرْك ذِكْر أسمائهم في الإسناد لا يضرّ. إذا لم يعارِضْه ما هو أصحّ منه.
ولكن لهذا الحديث علّة, وهي أن أيوبَ خالف فيه خالدًا, ورواه عن أبي قِلابة عن النبي ﷺ مرسلًا, وهو كذلك في «تاريخ البخاري» (٢) عن مُؤمّل، عن إسماعيل بن عُلَية، عن أيوب، عن أبي قِلابة، عن النبي ﷺ .
وأما حديث جابر يرفعه: «مَن كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة» (٣) فله علتان:
إحداهما: أن شعبةَ والثوريَّ وابنَ عُيينة وأبا (٤) عوانة وجماعةً من
стр. 268
الحفاظ رووه عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شدَّاد مرسلًا (١).
والعلة الثانية: أنه لا يصح رفعُه، وإنما المعروف وقفُه (٢) , قال الحاكم: سمعت سلَمة بن محمد يقول: سألت أبا موسى الرازي الحافظ عن الحديث المرويِّ عن النبي ﷺ : «مَن كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة»؟ فقال: لم يصح فيه عن النبي ﷺ شيء, إنما اعتمد مشايخُنا فيه على الروايات عن عليّ وابن مسعود والصحابة. قال الحاكم: أعجبني هذا لما سمعته, فإن أبا موسى أحْفَظ مَن رأينا من أصحاب الرأي تحت أديم السماء, وقد رفعه جابرٌ الجعفي وليثُ بن أبي سُلَيم, عن أبي الزبير، عن جابر, وتابعهما مَن هو أضعف منهما أو مثلهما (٣).
١٥ - باب ما يُجزئ [الأميَّ] (٤) والأعجميَّ من القراءة
٦٥/ ٧٩٥ - وعن إبراهيم السَّكْسَكي، عن عبد الله بن أبي أوفى قال: جاء رجل إلى النبيِّ ﷺ فقال: إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئًا، فعلمني ما
стр. 269
يجزئني منه، فقال: قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله. قال: يا رسول الله، هذا لله ، فما لي؟ قال: قل: اللهم ارحمني، وارزقني، وعافني، واهدني. فلما قام قال هكذا بيده، فقال رسول الله ﷺ : «أمَّا هذا فقد ملأ يديه من الخير».
وأخرجه النسائي (١)، وقال: إبراهيم السكسكي ليس بذاك القوي، وقال يحيى بن سعيد القطان: كان شُعبة يُضَعِّف إبراهيم السّكْسَكي. وذكر ابنُ عَديّ أن مدار هذا الحديث على إبراهيم السكسكي. وقد احتجَّ البخاريُّ في «صحيحه» بإبراهيم السكسكي.
قال ابن القيم ﵀: وصحح الدارقطنيُّ هذا الحديث (٢).
١٦ - باب كيف يضع ركبتيه قبل يديه
٦٦/ ٨٠١ - عن وائل بن حُجْر قال: «رأيتُ النبيَّ ﷺ إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه».
وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه (٣). وقال الترمذي: هذا حديث حسن
стр. 270
غريب، لا نعرف أحدًا رواه غير شريك. وذكر أن همَّامًا (١) رواه عن عاصم مرسلًا، ولم يذكر فيه وائل بن حجر. وقال النسائي: لم يقل هذا عن شريك غير يزيد بن هارون. وقال الدارقطني: تفرد به يزيد عن شريك، ولم يحدِّث به عن عاصم بن كُلَيب غير شَريك، وشَريك ليس بالقوي فيما ينفرد به.
[ق ٤٤] قال ابن القيم ﵀: وقد صحَّحه ابنُ خزيمة وأبو حاتم بن حبان والحاكم (٢).
٦٧/ ٨٠٢ - وعن محمد بن جُحادة، عن عبد الجبار بن وائل، عن أبيه: «أن النبي ﷺ ــ فذكر حديث الصلاة ــ قال: فلما سجد وقعتا ركبتاه إلى الأرض قبل أن يقعا كَفَّاه. قال همام: وحدثنا شقيق قال: حدثني عاصم بن كُلَيب، عن أبيه، عن النبي ﷺ بمثل هذا، وفي حديث أحدهما ــ وأكبرُ علمي أنه في حديث محمد بن جُحادة ــ: وإذا نهضَ نهضَ على ركبتيه، واعتمد على فخذه» (٣).
стр. 271
عبد الجبار بن وائل لم يسمع من أبيه. وكُلَيب بن شهاب ــ والد عاصم ــ حديثه عن النبي ﷺ مرسل، فإنه لم يدركه.
قال ابن القيم ﵀: قاله جماعةٌ (١). ومسلم أخرج له من روايته عن أخيه علقمة، عن أبيه وائل (٢).
٦٨/ ٨٠٣ - وعن محمد بن عبد الله بن حسن، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا سجدَ أحدُكم فلا يَبْرُك كما يبرك البعير، ولْيَضَعْ يديه قبل ركبتيه» (٣).
٦٩/ ٨٠٤ - وفي رواية: «يعتمد أحدكم في صلاته: يبرك كما يبرك الجمل».
وأخرجه الترمذي والنسائي (٤). وقال الترمذي: حديث غريب، لا نعرفه من حديث أبي الزناد إلا من هذا الوجه. وذكر البخاري أن محمد بن عبد الله بن حسن لا يتابع عليه، ولا أدري سمع من أبي الزناد أم لا؟
قال ابن القيم ﵀: قال الترمذي (٥): وقد رُوي من حديث عبد الله بن
стр. 272
سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة.
[قال المنذري]: وقال أبو بكر بن أبي داود السجستاني: وهذه سنة تفرد بها أهل المدينة، ولهم فيها إسنادان، هذا أحدهما، والآخر: عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ .
قال ابن القيم ﵀: كان يضع يديه قبل ركبتيه (١).
قال المنذري: وأخرج البخاريُّ حديثَه في «صحيحه» مقرونًا بعبد العزيز بن أبي حازم.
قال ابن القيم ﵀: قال ابن المنذر (٢): وقد زعم بعضُ أصحابنا أن وضع اليدين قبل الركبتين منسوخ، وقال هذا القائل: حدثنا إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى بن سلمة بن كُهيل, حدثنا أبي، عن أبيه، عن سلمة، عن مصعب بن سعد، عن سعد قال: «كنَّا نضعُ اليدين قبل الركبتين، فأُمِرْنا بالركبتين قبل اليدين» تم كلامه.
стр. 273
وهذا الحديث هو في «الصحيحين» (١) عن مصعب بن سعد قال: «صليتُ إلى جنب أبي, فجعلتُ يديَّ بين ركبتيَّ, فنهاني عن ذلك, فعدْتُ, فقال: لا تصنع هذا, فإنَّا كنّا نفعله فنُهِينا عن ذلك, وأُمِرْنا أن نضع أيدينا على الرُّكَب». فهذا هو المعروف عن سعد أن المنسوخ هو قصة التطبيق ووضع الأيدي على الرُّكَب, ولعلَّ بعض الرواة غلط فيه من وضع اليدين على الركبتين إلى وضع اليدين قبل الركبتين.
قال ابن المنذر (٢): وقد اختلف أهلُ العلم في هذا الباب، فممن رأى أن يضعَ ركبتيه قبل يديه: عمرُ بن الخطاب, وبه قال النخعي، ومسلم بن يسار، والثوري, والشافعي, وأحمد, وإسحاق, وأبو حنيفة وأصحابه, وأهل الكوفة. وقالت طائفة: يضع يديه قبل ركبتيه, قاله مالك. وقال الأوزاعيُّ: أدركتُ الناسَ يضعون أيدِيَهم قبل رُكَبهم, ورُوِي عن ابن عمر فيه حديث.
أما حديث سعد ففي إسناده مقال (٣)، ولو كان محفوظًا لدلَّ على النَّسْخ, غير أن المحفوظ عن مصعب، عن أبيه حديث نسخ التطبيق.
وقد روى الدارقطني (٤) من حديث حفص بن غِياث عن عاصم الأحول، عن أنس قال: رأيتُ رسولَ الله ﷺ ... انحطَّ بالتكبير, فسبقت ركبتاه يديه.
وروى البيهقيُّ (٥) من حديث إبراهيم بن موسى، عن محمد بن فُضَيل،
стр. 274
عن عبد الله بن سعيد، عن جَدّه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «إذا سجد أحدُكم فليبدأ بركبتيه قبل يديه ولا يبرُك بروكَ الجَمَل». قال البيهقي: وكذلك رواه أبو بكر بن أبي شيبة، عن محمد بن فُضَيل، إلا أن عبد الله بن سعيد المقبري ضعيف.
قلت: قال أحمد والبخاري: متروك (١). وهذا الحديث الذي أشار إليه الترمذي (٢) , وهو خلاف حديث الأعرج عنه.
وقد روى ابنُ خزيمة في «صحيحه» (٣) من حديث يحيى بن سلمة بن كُهَيل، عن أبيه، عن مصعب بن سعد، عن أبيه قال: «كنا نضع اليدين قبل الركبتين, فأُمِرنا بالركبتين قبل اليدين» وهذا الحديث مداره على يحيى بن سلمة بن كُهَيل (٤) , وقد قال النسائي: ليس بثقة, وقال البخاري: في أحاديثه مناكير. قال البيهقي (٥): المحفوظ عن مصعب بن سعد، عن أبيه نسخ التطبيق, وإسناد هذه الرواية ضعيف, وكذلك قال الحازميُّ (٦) وغيره.
والراجحُ البداءةُ بالركبتين لوجوه:
أحدها: أن حديث وائل بن حُجْر لم يُخْتَلف عليه, وحديث أبي هريرة
стр. 275
قد اخْتُلِف فيه كما ذكرنا.
الثاني: أن النبيَّ ﷺ نهى عن التشبُّه بالجَمَل في بروكه, والجمل إذا برك إنما يبدأ بيديه قبل ركبتيه. وهذا موافق لنهيه ﷺ عن التشبُّه بالحيوانات في الصلاة, فنهى عن التشبُّه بالغراب في النَّقْر, والتفاتٍ كالتفات الثعلب، وافتراش كافتراش السَّبُع، وإقعاء كإقعاء الكلب, ورفع الأيدي في السلام كأذناب الخيل, وبروك كبروك البعير.
الثالث: حديث أنس (١) من رواية حفص بن غياث، عن عاصم الأحول عنه, ولم يختلف.
الرابع: أنه ثابت عن عمر بن الخطاب (٢) , وأما حديث عبد الله ابنه فالمرفوع منه ضعيف, وأما الموقوف فقال البيهقي (٣): المشهور عنه: «إذا سجد أحدكم فليضع يديه, فإذا رفع فليرفعهما, فإن اليدين تسجدان كما يسجد الوجه» فهذا هو الصحيح عنه.
١٧ - باب صلاة مَن لا يقيم صُلْبَه في الركوع والسجود
قال ابن القيم ﵀ ــ عقب حديث المسيئ صلاته وغيره من الأحاديث الواردة في الباب ــ (٤): فصلٌ في سياق صلاة رسول الله ﷺ ، وبيان اتفاق
стр. 276
الأحاديث [ق ٤٥] فيها، وغلط مَن ظنَّ أن التخفيف الوارد فيها هو التخفيف الذي اعتاده سُرَّاق الصلاة والنقَّارون لها:
ففي «الصحيحين» (١) عن البراء بن عازب قال: «رمقتُ الصلاةَ مع محمد ﷺ , فوجدتُ قيامَه فركعتَه فاعتدالَه بعد ركوعه، فسَجْدَته فجلسته بين السجدتين، فسجدته فجلسته ما بين التسليم والانصراف قريبًا من السواء» لفظ مسلم.
وفي «صحيح مسلم» (٢) أيضًا: عن شعبة، عن الحكم قال: غَلَب على الكوفة رجلٌ قد سماه زمنَ ابنِ الأشعث, فأمر أبا عبيدة بن عبد الله أن يصليَ بالناس, فكان يصلي, فإذا رفع رأسَه من الركوع قام قدرَ ما أقول: «اللهم ربنا لك الحمد، مِلءَ السماوات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيءٍ بعد, أهلَ الثناء والمجد, لا مانعَ لما أعطيتَ, ولا معطيَ لما منعتَ, ولا ينفعُ ذا الجدِّ منك الجَدُّ». قال الحَكَم: فذكرتُ ذلك لعبد الرحمن بن أبي ليلى فقال: سمعتُ البراءَ بنَ عازب يقول: كانت صلاةُ رسول الله ﷺ وركوعُه، وإذا رفعَ رأسَه من الركوع، وسجودُه، وما بين السجدتين قريبًا من السواء.
وروى البخاريُّ (٣) هذا الحديث وقال فيه: «ما خلا القيامَ والقعودَ, قريبًا من السواء». ولا شكّ أن القيامَ: قيامَ القراءة، وقعودَ التشهُّد يزيدان في الطول على بقية الأركان. ولما كان ﷺ يوجز القيامَ ويستوفي بقيةَ الأركان صارت صلاتُه قريبًا من السواء. فكلُّ واحدةٍ من الروايتين تُصَدِّق الأخرى.
стр. 277
والبراءُ تارةً قرَّب ولم يحدِّد, فلم يذكر القيامَ والقعودَ, وتارةً استثنى وحدَّد، فاحتاج إلى ذِكْر القيام والقعود.
وقد غلط بعضُهم حيث فهم من استثناء القيام والقعود أنه استثنى القيام من الركوع والقعود بين السجدتين, فإنه كان يُخَفّفهما فلم يكونا قريبًا من بقية الأركان، فإنهما ركنان قصيران. وهذا من سوء الفهم, فإن سياق الحديث يُبْطِله, فإنه قد ذكر هذين الركنين بأعيانهما, فكيف يذكرهما مع بقية الأركان، ويخبر عنهما بأنهما مساويان لها, ثم يستثنيهما منها؟ وهل هذا إلا بمنزلة قول القائل: قام زيد وعمرو وبكر وخالد إلا زيدًا وعَمْرًا؟! وقد ثبت تطويل هذين الركنين عن النبي ﷺ في عدَّة أحاديث صحيحة صريحة، أحدها هذا.
وقد استدلَّ البراءُ بن عازب على إصابة أبي عبيدة في تطويله ركن الاعتدال من الركوع بقوله: «كانت صلاةُ رسول الله ﷺ , وركوعُه، وإذا رفعَ رأسه، وسجودُه، وما بين السجدتين قريبًا من السواء». ولو كان النبي ﷺ يخفِّف هذين الركنين لأنكر البراءُ صلاةَ أبي عبيدة, ولم يرو عن رسول الله ﷺ ما يتضمَّن تصويبَه.
ومنها: ما رواه مسلم في «صحيحه» (١) من حديث حماد بن سلمة: أخبرنا ثابت، عن أنس قال: «ما صليتُ خلفَ أحدٍ أوجزَ صلاةً من رسول الله ﷺ في تمام، كانت صلاةُ رسول الله ﷺ متقاربة, وكانت صلاة أبي بكر متقاربة, فلما كان عمر مدَّ في صلاة الفجر. وكان رسول الله ﷺ إذا قال: «سمع الله لمن حمده» قامَ حتى نقول: قد أَوْهَم, ثم يسجدُ ويقعُد بين
стр. 278
السجدتين حتى نقول: قد أوهم».
رواه مسلم بهذا اللفظ. ورواه أبو داود (١) من حديث حماد بن سلمة، أخبرنا ثابت وحُميد، عن أنس قال: «ما صليتُ خلفَ رجلٍ أوْجَزَ صلاةً من رسول الله ﷺ في تمام, وكان رسول الله ﷺ إذا قال: «سمع الله لمن حمده» قام حتى نقول: قد أوهم, ثم يكبِّر, ثم يسجد, وكان يقعُدُ بين السجدتين حتى نقولَ: قد أوهم».
فجمع أنسٌ ﵁ في هذا الحديث الصحيح بين الإخبار عن إيجاز رسول الله ﷺ الصلاةَ وإتمامها، وأنّ من إتمامها إطالة الاعتدالين جدًّا, كما أخبر به. وقد أخبر أنه ما رأى أوجزَ صلاةً منها ولا أتمّ, فيشبه ــ والله أعلم ــ أن يكون الإيجاز عاد إلى القيام, والإتمام إلى الركوع والسجود ورُكني الاعتدال, فبهذا تصير الصلاةُ تامَّةً موجزة, فيصدق قوله: «ما رأيتُ أوْجَزَ منها ولا أتمّ». ويطابق هذا حديثَ البراء المتقدِّم.
وأحاديثُ أنسٍ كلُّها تدلّ على أن النبي ﷺ كان يطيل الركوعَ والسجودَ والاعتدالين زيادةً على ما يفعله أكثرُ الأئمة ويعتادونه. وروايات «الصحيحين» تدلُّ على ذلك؛ ففي «الصحيحين» (٢) عن حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس قال: «إني لا آلو أن أصلي بكم كما كان رسول الله ﷺ يصلي بنا. قال ثابت فكان أنسٌ يصنع شيئًا لا أراكم تصنعونه, كان إذا رفعَ رأسَه من الركوع انتصبَ قائمًا, حتى يقول القائل: قد نسي, وإذا رفع رأسَه في السجدة مكَثَ حتى يقول القائل: قد نسي». وفي لفظ: «وإذا رفع رأسه بين
стр. 279
السجدتين» (١).
وفي رواية للبخاري (٢) من حديث شعبة، عن ثابت: «كان أنس ينعتُ لنا صلاةَ رسول الله ﷺ , فكان يصلي، وإذا رفع رأسَه مِن الركوع قام حتى نقول: قد نسي».
وهذا يبيِّن أن إطالة ركني الاعتدال مما ضُيِّع من عهدِ ثابتٍ. ولهذا قال: «فكان أنسٌ يصنع شيئًا لا أراكم تفعلونه». وهذا والله أعلم مما أنكره أنسٌ مما أحْدَث الناسُ في الصلاة حيث [ق ٤٦] قال: «ما أعلم شيئًا مما كان على عهد رسول الله ﷺ . قيل: ولا الصلاة؟ قال: أوليس قد أحدثتم فيها؟» (٣). فقول ثابت: إنهم لم يكونوا يفعلون كفعل أنس: وقول أنس: «إنكم قد أحدثتم فيها» يبين لك أن تقصير هذين الركنين هو مما أُحْدِث فيها.
ومما يدلّ على أن السنة إطالتهما: «أن النبيَّ ﷺ كان يصلي بالليل, فقرأ البقرة والنساء وآل عمران, وركع نحوًا من قيامه، ورفع نحوًا من ركوعه, وسجد نحوًا من قيامه, وجلس نحوًا من سجوده» متفق عليه (٤).
وفي «صحيح مسلم» (٥) عن ابن عباس: أن النبي ﷺ كان إذا رفع رأسه من الركوع قال: «اللهم ربَّنا لك الحمدُ ملءُ السموات وملءُ الأرض وما
стр. 280
بينهما، وملءُ ما شئتَ مِن شيءٍ بعدُ, أهلَ الثناء والمجد، لا مانع لما أعطيتَ ولا معطيَ لما منعتَ، ولا ينفعُ ذا الجدِّ منكَ الجدُّ».
وفي «صحيح مسلم» (١) عن أبي سعيد قال: كان النبيُّ ﷺ إذا رفع رأسَه من الركوع قال: «اللهم ربنا لكَ الحمدُ ملءُ السموات وملءُ الأرض وملءُ ما شئتَ مِن شيء بعد, أهلَ الثناء والمجد, أحقُّ ما قال العبد، وكلُّنا لكَ عبد, لا مانع لما أعطيتَ ولا معطيَ لما منعتَ, ولا ينفعُ ذا الجدِّ منكَ الجَدُّ».
وفي «صحيح مسلم» (٢) نحوه من حديث عبد الله بن أبي أوفى. وزاد بعد قوله: «وملء ما شئت من شيء بعد: اللهم طهِّرني بالثلج والبرد والماء البارد, اللهم طهِّرني من الذنوب والخطايا كما يُنقَّى الثوبُ الأبيض من الوَسَخ» (٣).
فهذه الأذكار والدعوات ونحوها ــ والله أعلم ــ من التي كان يقولها في حديث أنس: «أنه كان يمكث بعد الركوع حتى يقولوا: قد أوهم» لأنه ليس محلّ سكوتٍ, فجاء الذِّكْر مفسَّرًا في هذه الأحاديث.
وروى النسائيُّ وأبو داود (٤) عن سعيد بن جُبير قال: سمعت أنس بن مالك يقول: «ما صليتُ وراءَ أحدٍ بعد رسول الله ﷺ أشبه صلاةً برسول الله ﷺ من هذا الفتى, يعني عمر بن عبد العزيز. قال: فحزرنا في ركوعه عشرَ تسبيحات, وفي سجوده عشرَ تسبيحات» وإسناده ثقات.
стр. 281
وفي «صحيح مسلم» (١) عن أبي قَزْعة قال: «أتيتُ أبا سعيد الخدريَّ وهو مكثورٌ عليه, فلما تفرَّق الناسُ عنه قلت: إني لا أسألك عما يسألك هؤلاء عنه, أسألك عن صلاة رسول الله ﷺ ؟ فقال: ما لك في ذلك من خير, فأعادها عليه, فقال: كانت صلاةُ الظهر تُقام, فينطلق أحدُنا إلى البقيع, فيقضي حاجته, ثم يأتي أهلَه فيتوضأ ثم يرجع إلى المسجد, ورسولُ الله ﷺ في الركعة الأولى»، وفي رواية: «مما يطوِّلها» (٢). وفي هذا ما يدلُّ على أن أبا سعيد رأى أن صلاةَ الناسِ في زمانه أنقصُ مما كان رسول الله ﷺ يفعلها. ولهذا قال للسائل: «ما لك في ذلك من خير».
وفي «الصحيحين» (٣): «أنه ﷺ كان يقرأ في الفجر بالستين إلى المائة». ومن المتيقّن أنه ﷺ لم تكن قراءته في الصلاة هذًّا بل ترتيلًا بتدبُّرٍ وتأنٍّ.
وروى النسائيُّ (٤) بإسناد صحيح عن عائشة: «أن النبيَّ ﷺ قرأ في المغرب بسورة الأعراف, فرَّقها في ركعتين».
وأصله في «الصحيح» (٥): «أن النبيَّ ﷺ قرأ في المغرب بِطُولى الطّولَيين» يريد الأعرافَ, كما جاء مفسَّرًا في رواية النسائي.
стр. 282
وفي «الصحيحين» (١) عن جُبَير بن مُطعِم: «أنه سمع النبيَّ ﷺ يقرأ في المغرب بالطور».
وفي «الصحيحين» (٢) عن ابن عباس: أنّ أمّ الفضل بنت الحارث سمعَتْه وهو يقرأ: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ , فقالت: يا بُنيّ لقد ذَكَّرتني بقراءتك هذه السورة, إنها لآخر ما سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقرأ بها في المغرب. وهذا يدلُّ على أن هذا الفعل غير منسوخ, لأنه كان في آخر حياته ﷺ .
وقد روى الإمام أحمد (٣) عن أبي هريرة قال: شكا أصحابُ النبيِّ ﷺ مشقَّةَ السجود عليهم, قال: «استعينوا بالرُّكَب» قال ابن عجلان: هو أن يضع مَرْفِقَيه على ركبتيه إذا طال السجودُ وأعيا. وهذا يدلُّ على أن النبي ﷺ كان يطيل السجود بحيث يحتاج الصحابةُ إلى الاعتماد على رُكَبهم, وهذا لا يكون مع قِصَر السجود.
وفي «الصحيحين» (٤) أنه ﷺ قال: «إني لأقومُ في الصلاة وأنا أريدُ أن
стр. 283
أُطَوِّل فيها, فأسمع بكاءَ الصبيِّ فأتجوَّز فيها مخافَة أن أشقَّ على أُمِّه».
وأما ما رواه مسلم في «صحيحه» (١) من حديث جابر بن سَمُرة: «أن النبيَّ ﷺ كان يقرأ في الفجر بـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ , وكانت صلاته بعدُ تخفيفًا» فالمراد به ــ والله أعلم ــ أن صلاته كانت بعد الفجر تخفيفًا, يعني أنه كان يطيلُ قراءةَ الفجر ويخفِّف قراءةَ بقية الصلوات، لوجهين:
أحدهما: أن مسلمًا روى في «صحيحه» (٢) عن سِماك بن حرب قال: سألتُ جابر بن سَمُرة عن صلاة النبي ﷺ ؟ فقال: كان يخفِّف الصلاةَ ولا يصلي صلاةَ هؤلاء, قال: وأنبأني أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في الفجر [ق ٤٧] بـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ ونحوها. فجمع بين وصف صلاة رسول الله ﷺ بالتخفيف وأنه كان يقرأ في الفجر بـ ﴿ق﴾.
الثاني: أن سائر الصحابة اتفقوا على أن هذه كانت صلاة رسول الله ﷺ التي ما زال يصليها. ولم يذكر أحدٌ أنه نقص في آخر أمره من الصلاة, وقد أخبرَتْ أمُّ الفضل عن قراءته في المغرب بـ «المرسلات» في آخر الأمر, وأجمع الفقهاء أن السنة في صلاة الفجر أن يقرأ بطوال المفصَّل.
وأما قوله: «ولا يصلي صلاةَ هؤلاء» فيحتمل أمرين:
أحدهما: أنه لم يكن يحذف كحذفهم, بل يتمّ الصلاة.
والثاني: أنه لم يكن يطيل القراءةَ إطالتهم.
стр. 284
وفي «مسند أحمد» و «سنن النسائي» (١) عن عبد الله بن عمر قال: «إن كان رسول الله ﷺ ليأمرنا بالتخفيف, وإن كان ليؤمّنا بالصافات». وهذا يدلُّ على أن الذي أَمَر به هو الذي فعَلَه, فإنه ﷺ أمرَ أصحابَه أن يصلوا مثلَ صلاته, ولهذا صلى على المنبر وقال: «إنما فعلت هذا لتأتمُّوا بي ولتعلموا صلاتي» (٢). وقال لمالك بن الحويرث وصاحبه: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (٣).
وذلك أنه ما من فعل في الغالب إلا ويسمَّى خفيفًا بالنسبة إلى ما هو أطول منه، وطويلًا بالنسبة إلى ما هو أخفّ منه, فلا يمكن تحديد التخفيف المأمور به في الصلاة باللغة ولا بالعُرْف, لأنه ليس له عادة في العرف، كالقبض والحِرز والإحياء والاصطياد, حتى يُرْجَع فيه إليه, بل هو من العبادات التي يُرْجَع في صفاتها ومقاديرها إلى الشارع, كما يُرْجَع إليه في أصلها, ولو جاز الرجوع فيه إلى العرف لاختلفت الصلاةُ الشرعية اختلافًا متباينًا لا ينضبط, ولكان لكلِّ أهل عصر ومصر ــ بل لأهل الدرب والسِّكّة, وكلّ محلّ وكل (٤) طائفة ــ غَرَض وعُرْف وإرادة في مقدار الصلاة يخالف عُرْفَ غيرِهم, وهذا يفضي إلى تغيير الشريعة, وجَعْل السنة تابعةً لأهواء
стр. 285
الناس, فلا يُرْجَع في التخفيف المأمور به إلَّا إلى فعله ﷺ , فإنه كان يصلي وراءَه الضعيفُ والكبيرُ وذو الحاجة, وقد أَمَرَنا بالتخفيف لأجلهم, فالذي كان يفعله هو التخفيف, إذ من المحال أن يأمر بأمر ويعلِّله بعلّةٍ، ثم يفعل خلافَه مع وجود تلك العلة, إلا أن يكون منسوخًا.
وفي «صحيح مسلم» (١) عن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ طولَ صلاةِ الرجل وقِصَرَ خطبته مَئِنَّةٌ مِن فقهِهِ, فأطيلوا الصلاةَ واقْصُروا الخُطبةَ, وإن من البيان سِحْرًا». فجعل طولَ الصلاة علامةً على فقه الرجل, وأمر بإطالتها, وهذا الأمر إما أن يكون عامًّا في جميع الصلوات, وإما أن يكون المراد به صلاة الجمعة, فإن كان عامًّا فظاهر, وإن كان خاصًّا بالجمعة مع كون الجَمْع فيها يكون عظيمًا، وفيه الضعيف والكبير وذو الحاجة, وتُفْعَل في شدَّة الحرّ, ويتقدمها خطبتان، ومع هذا فقد أمر بإطالتها, فما الظنُّ بالفجر ونحوِ التي تُفْعَل وقتَ البرد والراحة مع قلة الجَمْع؟! وقد روى النسائيُّ في «سننه» (٢): أن النبي ﷺ قرأ في الفجر بالروم. وفي «سنن أبي داود» (٣) عن جابر بن سَمُرة: أن النبيَّ ﷺ كان إذا دحضَتِ الشمسُ صلى الظهرَ وقرأ بنحوٍ من ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ , والعصر كذلك, والصلوات كلها كذلك إلا الصبح فإنه كان يطيلها».
стр. 286
وقد روى الإمام أحمد والنسائيُّ (١) بإسنادٍ على شرط مسلم عن سليمان بن يسار، عن أبي هريرة قال: «ما صليتُ وراءَ أحدٍ أشبَهَ صلاةً برسول الله ﷺ من فلان, قال سليمان: كان يُطيل الركعتين الأوليين من الظهر, ويخفِّف الأُخريين, ويخفِّف العصرَ, ويقرأ في المغرب بقصار المفصَّل, ويقرأ في العشاء بوسط المفصَّل, ويقرأ في الصبح بطوالِ المفصّل».
وفي «الصحيحين» (٢) عن أبي بَرْزة قال: «كان رسول الله ﷺ يُصلي الصبحَ فينصرفُ الرجلُ فيعرفُ جليسَه, وكان يقرأ في الركعتين ــ أو إحداهما ــ ما بين الستين إلى المائة» لفظ البخاري. وهذا يدلُّ على أمرين: شدة التغليس بها, وإطالتها.
فإن قيل: ما ذكرتموه من الأحاديث معارَض بما يدلُّ على نقيضه, وأن السنة هي التخفيف, فروى أبو داود في «سننه» (٣) من حديث ابن وهب، أخبرني سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العَمْياء، أن سهل بن أبي أُمامة حدَّثه «أنه دخل هو وأبوه على أنس بن مالك بالمدينة، في زمن عمر
стр. 287
بن عبد العزيز, وهو أمير المدينة, فإذا هو يصلي صلاةً خفيفةً كأنها صلاة مسافر أو قريبًا منها, فلما سلَّم قال [أبي]: يرحمُك الله, أرأيتَ هذه الصلاة المكتوبة, أم شيء تَنَفَّلْتَه؟ قال: إنها لَلْمَكتوبة, وإنها لَصلاة رسول الله ﷺ , [ما أخطأتُ إلا شيئًا سهوتُ عنه، إن رسول الله ﷺ ] (١) كان يقول: «لا تشدِّدوا على أنفسكم فيُشَدَّد عليكم, فإنّ قومًا شدَّدوا على أنفسهم فشُدِّد عليهم, فتلك بقاياهم في الصوامع والديار. ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ [الحديد: ٢٧]». وسهلُ بن أبي أُمامة وثَّقه يحيى بن معين وغيره، وروى له مسلم (٢).
وفي «الصحيحين» (٣) عن أنس قال: «كان النبي ﷺ يوجِزُ الصلاةَ [ق ٤٨] ويكمِّلها». وفي «الصحيحين» (٤) أيضًا عنه قال: «ما صليتُ وراءَ إمامٍ قطّ أخفّ صلاةً ولا أتمّ من صلاة النبي ﷺ ». زاد البخاريُّ: «وإن كان ليسمع بكاءَ الصبيِّ فيخفف, مخافة أن تفتتن أمُّه». وفي «سنن أبي داود» (٥) عن رجل من جُهينة: «أنه سمع النبيَّ ﷺ يقرأ في الصبح: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ في الركعتين كلتيهما, فلا أدري أنسيَ رسولُ الله ﷺ أم عمدًا فَعَل ذلك». وفي «صحيح مسلم» عن جابر بن سَمُرة: أن النبيَّ ﷺ كان يقرأ في الظهر بـ ﴿اللَّيْلِإِذَا يَغْشَى﴾ , وفي العصر نحو ذلك».
стр. 288
وفي «سنن ابن ماجه» (١) عن ابن عمر قال: «كان النبيُّ ﷺ يقرأ في المغرب ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]».
وفي «سنن ابن ماجه» (٢) عن عَمرو بن حُرَيث قال: «كأني أسمع صوت رسول الله ﷺ يقرأ في صلاة الغداة: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ [التكوير: ١٥ - ١٦]».
وفي «سنن أبي داود» (٣) عن جابر بن سَمُرة قال: «كان رسول الله ﷺ يقرأ في الظهر والعصر بـ ﴿السَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ , ﴿السَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ , وشبههما».
وفي «صحيح مسلم» (٤) عنه أيضًا قال: «كان النبيُّ ﷺ يقرأ في الظهر بـ ﴿اللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ , وفي العصر نحو ذلك, وفي الصبح أطول من ذلك».
وفي «الصحيحين» (٥) عن البراء: «أن النبيَّ ﷺ قرأ في العشاء بـ ﴿التِّينِ
стр. 289
وَالزَّيْتُونِ﴾ , في السفر».
وفي بعض السنن (١) عن النبي ﷺ أنه قرأ في الصبح بالمعوِّذتين.
وفي «الصحيحين» (٢) عن جابر: أن النبيَّ ﷺ قال لمعاذ: «أفتَّانٌ أنتَ يا معاذ؟ هلَّا صليتَ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ , ﴿الشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ , ﴿اللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾؟».
وفي «الصحيحين» (٣) عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «إذا صلى أحدُكم للناس فليخفِّف، فإن فيهم الضعيفَ والسقيمَ والكبير, وإذا صلى أحدُكم لنفسه فليطوِّل ما شاء». ورواه ابنُ ماجه (٤) من حديث عثمان بن أبي العاص.
وفي «صحيح مسلم» (٥) عن أنس قال: كان رسولُ الله ﷺ يسمعُ بكاءَ الصبيِّ مع أمه وهو في الصلاة، فيقرأ بالسورة الخفيفة أو بالسورة القصيرة (٦).
فالجواب: أنه لا تعارُضَ بحمد الله بين هذه الأحاديث, بل هي أحاديث
стр. 290
يصدِّقُ بعضُها بعضًا, وأن ما وصَفَه أنسٌ من تخفيف النبيِّ ﷺ صلاتَه هو مقرونٌ بوصفه إيّاها بالتمام كما تقدم, وهو الذي وصفَ تطويلَه ركنَي الاعتدال حتى كانوا يقولون: «قد أوْهَم» , ووصفَ صلاةَ عمرَ بن عبد العزيز بأنها تشبه صلاةَ النبيِّ ﷺ , مع أنهم قدَّروها بعشر تسبيحات. والتخفيف الذي أشار إليه أنس, هو تخفيف القيام مع تطويل الركوع والسجود, كما جاء مصرَّحًا به فيما رواه النسائي (١) عن قتيبة، عن العطَّاف بن خالد، عن زيد بن أسلم قال: «دخلنا على أنس بن مالك فقال: صليتم؟ قلنا: نعم, قال: يا جارية, هَلُمِّي لنا وضوءًا. ما صليتُ وراءَ إمامٍ أشبَهَ بصلاة رسول الله ﷺ من إمامكم هذا, قال زيد: «وكان عمر بن عبد العزيز يتمُّ الركوعَ والسجودَ, ويخففُ القيامَ والقعودَ» وهذا حديثٌ صحيح, فإن العطَّاف بن خالد المخزومي وثقه ابنُ معين, وقال أحمد: ثقة صحيح الحديث (٢).
وقد جاء هذا صريحًا في حديث عمران بن حُصَين, لما صلى خلفَ عليٍّ بالبصرة قال: «لقد أذكرني صلاةَ رسول الله ﷺ ، وكانت صلاةُ رسول الله ﷺ معتدلة, كان يخفِّف القيامَ والقعودَ ويطيلُ الركوعَ والسجودَ» (٣). وقد تقدَّم قولُ أنس: «كانت صلاة رسول الله ﷺ متقاربة»، وحديث البراء بن عازب: «أن قيامَه ﷺ وركوعَه وسجودَه كان قريبًا من السواء» (٤).
стр. 291
فهذه الأحاديثُ كلُّها تدلُّ على معنى واحد, (١) أنه كان يطيل الركوعَ والسجودَ ويخفِّفُ القيامَ. وهذا بخلاف ما كان يفعله بعضُ الأمراء الذين أنكر الصحابةُ صلاتهم من إطالة القيام على ما كان النبي ﷺ يفعله غالبًا, وتخفيف الركوع والسجود والاعتدالين. ولهذا أنكر ثابتٌ عليهم تخفيف الاعتدالين, وقال: «كان أنس يصنع شيئًا لا أراكم تصنعونه» (٢). وحديث ابن أبي العمياء إنما فيه أن صلاة أنس كانت خفيفة. وأنسٌ فقد وصف خِفَّة صلاة النبي ﷺ , وأنها أشبه شيء بصلاة عمر بن عبد العزيز مع تطويل الركوع والسجود والاعتدالين، وأحاديثُه لا تتناقض, والتخفيفُ أمرٌ نسبيٌّ إضافيّ, فعشر تسبيحات وعشرون آية أخفّ من مائة تسبيحة ومائتي آية, فأيُّ معارَضة في هذا لما تقدم من الأحاديث الصحيحة الصريحة؟!
وأما تخفيف النبيِّ ﷺ الصلاةَ عند بكاء الصبيّ, فلا يُعارِض [ق ٤٩] ما ثبت عنه من صفة صلاته, بل قد قال في الحديث نفسه: «إني أدخل في الصلاة وأنا أريد أن أطيلها, فأسمع بكاءَ الصبيِّ فأتجَوَّز». فهذا تخفيفٌ لعارض, وهو من السنة, كما يخفف صلاة السفر وصلاة الخوف, وكلُّ ما ثبت عنه من التخفيف فهو لعارض, كما ثبت عنه أنه قرأ في السَّفَر في العشاء بالتين والزيتون، وكذلك قراءته في الصبح بالمعوِّذَتَين (٣) , فإنه كان في السَّفَر, ولذلك رفع الله تعالى الجُنَاح عن الأمة في قصر الصلاة في السفر والخوف.
стр. 292
والقصرُ قصران: قصرُ الأركان, وقصرُ العدد؛ فإن اجتمع السفر والخوف, اجتمع القصران, وإن انفرد السفرُ وحده شُرِع قصر العدد, وإن انفرد الخوفُ وحدَه, شُرِع قصر الأركان.
وبهذا يُعْلَم سرّ تقييد القصر المطلق في القرآن بالخوف والسفر, فإن القصر المطلق الذي يتناول القصرين إنما يُشْرَع عند الخوف والسفر، فإن انفرد أحدُهما بقي مطلق القصر, إما في العدد وإما في القَدْر. ولو قُدّر أنه ﷺ خفّفَ الصلاةَ لا لعذرٍ, كان في ذلك بيان الجواز, وأن الاقتصار على ذلك العذر ونحوه يكفي في أداء الواجب. فأما أن يكون هو السُّنَّة وغيره مكروه, مع أنه فِعْل النبي ﷺ في أغلب أوقاته فحاشى وكلّا, ولهذا رواته عنه أكثر من رواة التخفيف, والذين رووا التخفيف رووه أيضًا, فلا تُضْرَب سنن رسول الله ﷺ بعضُها ببعض, بل يُستعمل كلٌّ منها في موضعه.
وتخفيفُه إما لبيان الجواز, وتطويله لبيان الأفضل، وقد يكون تخفيفه لبيان الأفضل إذا عَرَض ما يقتضي التخفيفَ, فيكون التخفيف في موضعه أفضل, والتطويل في موضعه أفضل, ففي الحالتين ما خرج عن الأفضل, وهذا اللائق بحاله ﷺ , وجزاه عنَّا أفضل ما جزى نبيًّا عن أمته, وهو اللائق بمن اقتدى به وائتمَّ به ﷺ .
وأما حديث معاذ فهو الذي فَتَن النقَّارين وسُرّاق الصلاة, لعدم علمهم بالقصة وسياقها؛ فإنّ معاذًا صلى مع النبيِّ ﷺ عشاء الآخرة, ثم ذهب إلى بني عمرو بن عوف بقباء, فقرأ بهم بسورة (١) البقرة. هكذا جاء في
стр. 293
«الصحيحين» (١) من حديث جابر: «أنه استفتح بهم بسورة البقرة, فانفرد بعضُ القوم وصلى وحدَه، فقيل: نافقَ فلانٌ؟ فقال: والله ما نافقتُ, ولآتينَّ رسولَ الله ﷺ ، فأتاه فأخبره, فقال النبيُّ ﷺ حينئذٍ: «أفتَّانٌ أنتَ يا معاذ؟ هلَّا صليتَ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ , ﴿الشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ , ﴿اللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾».
وهكذا نقول: إنه يستحبُّ أن تُصلَّى العشاءُ بهذه السور وأمثالها. فأيُّ متعلَّقٍ في هذا للنقَّارين وسُرَّاق الصلاة؟!
ومن المعلوم أنّ النبيَّ ﷺ كان يؤخِّر عشاءَ الآخرة، وبُعْد ما بين بني عَمرو بن عوف وبين المسجد, ثم طول سورة البقرة= فهذا الذي أنكره النبيُّ ﷺ ، وهو موضع الإنكار, وعليه يُحْمَل الحديث الآخر: «يا أيها الناس، إن منكم مُنَفّرين» (٢).
ومعلومٌ أن الناسَ لم يكونوا يَنْفِرون من صلاة رسول الله ﷺ ، ولا ممن يصلِّي بقَدْرِ صلاته, وإنما ينفرون ممن يزيد في الطول على صلاته, فهذا الذي يُنَفِّر. وأما إن قُدِّر نفور كثير ممن لا يأتون الصلاة إلا وهم كُسالى, وكثير من الباطولية الذين يعتادون النَّقْر كصلاة المنافقين, وليس لهم في الصلاة ذوق ولا لهم فيها راحة, بل يصليها أحدُهم استراحةً منها لا بها, فهؤلاء لا عبرة بنفورهم, فإنَّ أحدَهم يقف بين يدي المخلوق مُعْظَمَ اليوم, ويسعى في خدمته أعظم السعي, فلا يشكو طولَ ذلك ولا يتبرَّمُ به, فإذا وقف بين يدي ربِّه في خدمته جزءًا يسيرًا من الزمان, وهو أقلّ القليل بالنسبة
стр. 294
إلى وقوفه في خدمة المخلوق= استثقل ذلك الوقوفَ, واستطالَ وشكا منه, وكأنه واقفٌ على الجمر يتلوَّى ويتقلَّى (١). ومَن كانت هذه كراهته لخدمة ربه والوقوف بين يديه, فالله تعالى أَكْرَه لهذه الخدمة منه, والله المستعان.
١٨ - باب مقدار الركوع والسجود
٧٠/ ٨٤٨ - عن السَّعدي، عن أبيه ــ أو عن عمّه ــ قال: «رمقتُ النبيَّ ﷺ في صلاته، فكان يتمكَّنُ في ركوعِه وسجودِه قَدْرَ ما يقول: سبحان الله ــ ثلاثًا ــ» (٢).
السعديُّ مجهول.
قال ابن القيم ﵀: قال ابن القطَّان (٣): السعديُّ وأبوه وعمه ما منهم من يُعْرَف, وقد ذكره ابنُ السَّكَن في «كتاب الصحابة» في الباب الذي ذَكَر فيه رجالًا لا يُعرفون.
١٩ - باب التأمين وراء الإمام
٧١/ ٨٩٥ - عن وائل بن حُجْر قال: «كان رسول الله ﷺ إذا قرأ ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: آمين، ورفعَ بها صوتَه».
стр. 295
وأخرجه الترمذي وابن ماجه (١). وقال الترمذي: حديث حسن.
قال ابن القيم ﵀: حديث وائل بن حُجْر رواه شعبة وسفيان, فأما سفيان فقال: «ورفع بها صوته»، وأما شعبة فقال: «خفض بها صوته» ذكره الترمذي (٢). قال البخاري: حديث سفيان أصحّ, وأخطأ شعبة في قوله: «خفض بها صوته» (٣).
وفي هذا [ق ٥٠] الحديث أمور أربعة (٤):
أحدها: اختلاف شُعبة وسفيان في «رفع وخفض».
الثاني: اختلافهما في «حُجْر» , فشعبة يقول: «حجر أبو العنبس» , والثوري يقول: «حجر بن عنبس» , وصوَّب البخاريُّ وأبو زُرعة قولَ
стр. 296
الثوري (١).
الثالث: أنه لا يُعْرَف حال حُجْر.
الرابع: أن الثوري وشعبة اختلفا؛ فجعله الثوريُّ من رواية حُجْر، عن وائل بن حُجْر, وشعبة جعله من رواية حُجْر عن علقمة بن وائل، عن وائل, والدارقطنيُّ (٢) ذكر رواية الثوري وصححها ولم يره منقطعًا بزيادة شعبة علقمةَ بن وائل في الوسط, وفيه نظر. ولهذه العلة لم يصحّحه الترمذيُّ (٣).
والله أعلم.
٧٢/ ٨٩٧ - وعن أبي هريرة قال: «كان رسول الله ﷺ إذا تلا: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: آمين، حتى يُسْمِع من يَليه من الصفِّ الأول».
وأخرجه ابن ماجه (٤).
قال ابن القيم ﵀: وروى الحاكم حديث أبي هريرة في
стр. 297
«المستدرك» (١) بلفظ آخر, من حديث الزهري، عن أبي سلمة وسعيد، عن أبي هريرة قال: «كان رسول الله ﷺ إذا فرغَ مِن أمِّ القرآن رفعَ صوتَه قال: آمين». قال الحاكم: هذا حديث حسن صحيح.
٢٠ - باب مَن تجبُ عليه الجُمُعة
٧٣/ ١٠١٥ - وعن عبد الله بن عَمْرو ﵄ عن النبيّ ﷺ قال: «الجُمعةُ على مَن سَمِع النداء» (٢).
قال أبو داود: روى هذا الحديث جماعةٌ عن سفيان، مقصورًا على عبد الله بن عمرو، ولم يرفعوه، وإنما أسنده قَبيصة. هذا آخر كلامه. وفي إسناده محمد بن سعيد الطائفي، وفيه مقال.
قال ابن القيم ﵀: حديث «الجمعةُ على مَن سمع النداء» قال عبد الحق (٣): الصحيح أنه موقوف. وفيه أبو سلمة بن نُبَيه, قال ابن
стр. 298
القطان (١): لا يُعرَف بغير هذا, وهو مجهول. وفيه أيضًا الطائفيُّ, مجهول عند ابن أبي حاتم, ووثقه الدارقطني (٢). وفيه أيضًا عبد الله بن هارون, قال ابن القطان: مجهول الحال. وفيه أيضًا قَبيصة, قال النسائي: كثير الخطأ, وأطْلَق, وقيل: كثير الخطأ على الثوري, وقيل: هو ثقة إلا في الثوري (٣).
٢١ - باب ما يقرأ في الأضحى [والفطر] (٤)
٧٤/ ١١١٣ - عن عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة بن مسعود: «أن عمر بن الخطاب سأل أبا واقدٍ الليثيَّ: ماذا كان يقرأ به رسولُ الله ﷺ في الأضحى والفِطْر؟ قال: كان يقرأ فيهما بـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾، و ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾.
وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه (٥).
قال ابن القيم ﵀: أبو واقد الليثي اسمه الحارث بن عوف على المشهور. والحديث غير متصل في ظاهره, لأن عبيد الله لا سماع له من عمر. وقد ذكره مسلم (٦) بغير هذا, فبيَّن فيه الاتصال, فإنه أخرجه من رواية
стр. 299
فُلَيح بن سليمان عن ضَمْرة بن سعيد، عن عبيد الله، عن أبي واقد الليثي, قال: «سألني عمر».
وسؤالُ عمرَ عن هذا ومثله لا يخفى عليه, لعله ليختبره: هل حَفِظَه أم لا؟ أو يكون دخل عليه الشكُّ أو نازعه غيرُه فأحبَّ الاستشهادَ, أو نسيه. والله أعلم.
٢٢ - باب من قال: يصلي بكلِّ طائفةٍ ركعتين
٧٥/ ١٢٠٤ - عن أبي بَكْرَة قال: «صلى النبيُّ ﷺ في خوفٍ الظهرَ، فصفَّ بعضُهم خلفَه وبعضُهم بإزاء العدوِّ، فصلّى ركعتين ثم سلَّم، فانطلق الذين صلّوا معه، فوقفوا موقفَ أصحابهم، ثم جاء أولئك فصلّوا خلفَه، فصلى بهم ركعتين ثم سلَّم، فكانت لرسول الله ﷺ أربعًا، ولأصحابه ركعتين ركعتين». وبذلك كان يفتي الحَسَن.
وأخرجه النسائي (١)، وليس فيه فتوى الحسن.
قال أبو داود: وكذلك في المغرب، تكون للإمام ستّ ركعات وللقوم ثلاثًا. وذَكَر أنه رُوِي من حديث أبي سلمة، عن جابر، عن النبي ﷺ (٢)، وسليمان اليَشْكرِي، عن جابر، عن النبي ﷺ (٣).
стр. 300
قال ابن القيم ﵀: وحديث أبي بَكْرة هذا رواه الدارقطني (١) عنه, فقال فيه: «إنّ النبي ﷺ صلى بالقوم صلاة المغرب ثلاث ركعات, ثم انصرف وجاء الآخرون, فصلى بهم ثلاث ركعات, وكانت له ستّ ركعات, وللقوم ثلاث ركعات».
قال ابن القطان (٢): وعندي أن الحديثين غيرُ متصلَيْن, فإن أبا بكرة لم يصلِّ معه صلاةَ الخوف, لأنه بلا ريب أسلم في حصار الطائف, فتدلى ببكرةٍ من الحِصْن, فسمّي أبا بكرة, وهذا كان بعد فراغه من هوازن، ثم لم يلق كيدًا ﷺ إلى أن قبضه الله.
وهذا الذي قاله لا ريب فيه, لكن مثل هذا ليس بعلة ولا انقطاع عند جميع أئمة الحديث والفقه؛ فإن أبا بكرة وإن لم يشهد القصةَ فإنه إنما سمعها من صحابيٍّ غيره, وقد اتفقت الأمة على قبول رواية ابن عباس ونظرائه من الصحابة, مع أن عامتها مرسلة عن النبي ﷺ ، ولم يتنازع في ذلك اثنان من السلف وأهل الحديث والفقهاء. فالتعليل على هذا باطل, والله أعلم.
٢٣ - باب مَن فاتته (أي: ركعتا الفجر) (٣)، متى يقضيها؟
٧٦/ ١٢٢٣ - عن محمد بن إبراهيم، عن قيس بن عمرو قال: «رأى رسولُ الله
стр. 301
- ﷺ رجلًا يصلي بعد صلاة الصبح ركعتين، فقال رسول الله ﷺ : صلاةُ الصبحِ ركعتان! فقال الرجل: إني لم أكن صليتُ الركعتين اللتين قبلهما، فصليتُهما الآن، فسكت رسول الله ﷺ ».
وأخرجه الترمذي وابن ماجه (١). وقال الترمذي: لا نعرفه مثل هذا إلا من حديث سعد بن سعيد. وذكر أن هذا الحديث إنما يُروى مرسلًا، وأن إسناده ليس بمتصل، محمد بن إبراهيم التيمي لم يسمع من قيس. هذا آخر كلامه.
[قال ابن القيم ﵀:] وقيسٌ هذا هو قيس بن عَمرو, ويقال: قيس بن قَهْد (٢) , وجعلهما ابنُ السَّكَن اثنين: ابن قهد, وابن عمرو. وسعد بن سعيد ــ راويه عن محمد بن إبراهيم ــ: فيه اختلاف.
٢٤ - باب في صلاة الليل
٧٧/ ١٣٠٥ - وعن علقمة بن وقَّاص، عن عائشة: أن رسول الله ﷺ كان يوتر بتسع ركعات، ثم أوتر بسبع ركعات. وركع ركعتين وهو جالس بعد الوتر، يقرأ فيهما، فإذا أراد أن يركع قام فركع، ثم سجد.
وفي رواية: قال علقمة بن وقَّاص: «يا أُمَّتاه، كيف كان يصلي الركعتين؟».
стр. 302
وأخرج مسلم (١) طرفًا منه في الركعتين.
قال ابن القيم ﵀: وقد روى أبو حاتم في «صحيحه» (٢) من حديث حفص بن غِياث، عن حُمَيد الطويل، عن عبد الله بن شقيق، عن عائشة: «أن النبيَّ ﷺ صلى متربِّعًا». وهذا يدلُّ على أن أفضل هيئات المصلِّي جالسًا التربُّع, والله أعلم.
٢٥ - باب مَن لم يَرَ السجودَ في المُفَصَّل
٧٨/ ١٣٥٧ - عن عكرمة عن ابن عباس: «أنَّ رسولَ الله ﷺ لم يسجد في شيءٍ من المفصَّل منذ تحوَّل إلى المدينة» (٣).
في إسناده أبو قُدامة، واسمه الحارث بن عُبيد، إياديٌّ بصريٌّ، لا يحتجّ بحديثه. وقد صحَّ أن أبا هريرة سجد مع النبيِّ ﷺ في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ على ما سيأتي، وأبو هريرة إنما قدم على رسول الله ﷺ في السنة السابعة من الهجرة.