← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 201

تهذيب سنن أبي داود - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 675 стр.). Показаны 333–372 · переход к 338.

стр. 333

قال ابن القيم ﵀: هذا الحديث ــ حديث أم سلمة ــ قال غير واحد من الحفَّاظ: إسناده ليس بالقوي, وقد شكّ (١) عبدُ الله بن عبد الرحمن بن يُحَنّس: هل قال: «و وجبت له الجنة» , أو قال: «أو وجبت» بالشكّ بدل قوله: «غُفِر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر»؟ هذا هو الصواب بـ «أو». وفي كثير من النُّسَخ «ووجبت» بالواو, [ق ٥٥] وهو غلط، والله أعلم (٢). ٢ - باب في هدي البقرة ٩٥/ ١٦٧٦ - وعن أبي هريرة: «أنّ رسولَ الله ﷺ ذَبحَ عمَّن اعتمر من نسائه بقرةً بينهنّ». وأخرجه النسائيُّ وابن ماجه (٣). قال ابن القيم ﵀: وقد روى النسائيُّ (٤) من حديث إسرائيل، عن عمّار، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة قالت: «ذبحَ عنَّا رسولُ الله ﷺ يومَ حَجَجْنا بقرةً بقرةً». وعن الزهري، عن عَمْرة، عن عائشة قالت: «ما ذُبِح عن آل محمد في الوداع إلا بقرة» (٥). وبه عن عائشة: «أن

стр. 334

رسول الله ﷺ نَحَر عن آل محمدٍ في حجَّة الوداع بقرةً واحدةً» (١). وسيأتي قول عائشة: «ذبَحَ رسول الله ﷺ عن نسائه البقَرَ يومَ النحر» (٢). ولا ريب أن رسول الله ﷺ حجَّ بنسائه كلِّهن, وهنّ يومئذٍ تسع, وكلُّهن كنَّ متمتّعات حتى عائشة, فإنها قَرَنت, فإن كان الهدي متعدِّدًا فلا إشكال, وإن كان بقرةً واحدةً بينهنّ, وهنّ تسع, فهذا حجة لإسحاق ومن قال بقوله: أن البدنة تُجْزئ عن عشرة، وهو إحدى الروايتين عن أحمد (٣). وقد ذهب ابن حزم (٤) إلى أن هذا الاشتراك في البقرة إنما كان بين ثمانِ نسوة, قال: لأن عائشة لمّا قَرَنت لم يكن عليها هَدْي, واحتجَّ بما في «صحيح مسلم» (٥) عنها من قولها: «فلما كانت ليلة الحَصْبة وقد قضى الله حجَّنا، أرسل معي عبد الرحمن فأردفني، وخرج بي إلى التنعيم، فأهللتُ بعمرة، فقضى الله حجَّنا وعمرَتَنا, ولم يكن في ذلك هدي ولا صدقة ولا صوم». وجعل هذا أصلًا في إسقاط الدم عن القارن. ولكن هذه الزيادة وهي: «ولم يكن في ذلك هدي» مُدرجةٌ في الحديث

стр. 335

من كلام هشام بن عروة, بيَّنه مسلمٌ في «الصحيح» (١). قال: أنبأنا أبو كُرَيب، أنبأنا وكيع، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ــ فذكرت الحديث ــ وفي آخره: قال عروة في ذلك: «إنه قضى الله حجَّها وعمرتها» قال هشام: «ولم يكن في ذلك هدي ولا صيام ولا صدقة». فجعل وكيعٌ هذا اللفظ لهشامٍ، وابنُ نُمَير وعَبْدةُ لم يقولا: «قالت عائشة» , بل أدرجاه إدراجًا, وفصَّلَه وكيعٌ وغيره. ٣ - باب تبديل الهدي ٩٦/ ١٦٨٢ - عن سالم بن عبد الله، عن أبيه قال: «أهدى عمرُ بن الخطاب بُخْتِيًّا فأُعْطِي بها ثلثمائة دينار، فأتى النبيَّ ﷺ فقال: يا رسول الله، إني أهْدَيتُ بُختيًّا فأُعْطِيتُ بها ثلثمائة دينار، أفأبيعها وأشتري بثمنها بُدْنًا؟ قال: لا، انْحَرها إيَّاها» (٢). قال البخاري: لا نعرف للجَهم سماعًا من سالم. قال ابن القيم ﵀: هو الجهم بن الجارود. وقد ذكر هذا الحديثَ البخاريُّ في «تاريخه الكبير» (٣) , وعلَّله بهذه العلة, وأعلَّه ابنُ القطّان (٤) بأنّ جَهْم بن الجارود لا يُعْرَف حاله, ولا يُعْرَف له راوٍ إلا أبو عبد الرحيم

стр. 336

خالد بن أبي يزيد. قال: وبذلك ذكره البخاري وأبو حاتم (١). ٤ - باب في الهدي إذا عَطِب قبل أن يبلغ ٩٧/ ١٦٩١ - وعن عبد الله بن قُرْطٍ، عن النبيِّ ﷺ قال: «إن أعظم الأيام عند الله يوم النحر، ثم يوم القَرِّ، وهو اليوم الثاني»، قال: وقُرِّب لرسول الله ﷺ بدناتٌ خمسٌ أوستٌّ، فطفِقْن يَزدَلِفن إليه، بأيَّتِهنَّ يبدأ، فلما وجَبت جُنوبُها، قال، فتكلّم بكلمةٍ خَفيّة لم أفهمها، فقلت: ما قال؟ قال: «من شاء اقتطع». وأخرجه النسائي (٢).

стр. 337

قال ابن القيم ﵀: وفيه (١) دليل على أن يوم النحر أفضل الأيام, وذهبت جماعةٌ من العلماء إلى أن يوم الجمعة أفضل الأيام, واحتجُّوا بقوله ﷺ : «خير يومٍ طلعت فيه الشمس يوم الجمعة» وهو حديث صحيح رواه ابن حبان (٢) وغيره. وفَصْل النزاع: أن يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع, ويوم النحر أفضل أيام العام, فيوم النحر مُفضَّل على الأيام كلِّها التي فيها الجمعة وغيرها, ويوم الجمعة مفضَّل على أيام الأسبوع، فإن اجتمعا في يومٍ تظاهرت الفضيلتان, وإن تباينا, فيوم النحر أفضل وأعظم لهذا الحديث. والله أعلم (٣). ٥ - باب إفراد الحجِّ ٩٨/ ١٧٠٤ - وعن [عائشة] أنها قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ مُوَافِين هلالَ ذي الحِجّة، فلما كان بذي الحُلَيفة قال: «مَن شاءَ أن يُهِلّ بِحَجٍّ (٤) فليُهِلَّ، ومن شاء أن يهلّ بعمرة فليُهِلّ بعمرة. قال موسى ــ يعني ابن إسماعيل ــ في حديث وُهيب: فإني لولا أني أهْدَيْتُ لأهللت بعمرة ــ. وقال في حديث حماد بن

стр. 338

سلمة: وأما أنا فأُهِلُّ بالحج، فإنّ معي الهدي ــ ثم اتفقوا (١) ــ فكنتُ فيمن أهلَّ بعمرة، فلما كان في بعض الطريق حِضْتُ، فدخل عليَّ رسول الله ﷺ وأنا أبكي، فقال: ما يُبكيك؟ قلت: وَدِدْتُ أني لم أكن خرجتُ العامَ، قال: ارفضي عمرتَك، وانقُضي رأسك، وامتَشِطي ــ قال موسى: وأهلِّي بالحج، وقال سليمان، يعني ابن حرب: واصنعي ما يصنع المسلمون في حجهم، فلما كان ليلة الصَّدَرَ أمر ــ يعني رسول الله ﷺ ــ عبدَ الرحمن فذهب بها إلى التنعيم. زاد موسى: فأهلَّتْ بعمرة مكان عمرتها، وطافت بالبيت، فقضى الله تعالى عمرتها وحَجَّها ــ قال هشام، يعني ابن عروة: ولم يكن في شيء من ذلك هَديٌ. زاد موسى في حديث حماد بن سلمة: فلما كانت لَيْلَةُ البَطْحَاءِ طَهرت عائشة». وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه (٢). قال ابن القيم ﵀: والأحاديث الصحيحة صريحة بأنها أهلَّتْ أولًا بعمرة, ثم أمرها رسول الله ﷺ لما حاضت أن تُهِلّ بالحجِّ, فصارت قارنة. ولهذا قال لها النبيُّ ﷺ : «يكفيكِ طوافُكِ بالبيت وبين الصفا والمروة لحجّك وعمرتك» متفق عليه (٣) , وهو صريح في ردِّ قول من قال: إنها رفضت إحرام العمرة رأسًا وانتقلت إلى الإفراد, وإنما أُمِرت برفض أعمال العمرة من الطواف والسعي حتى تطهُر, لا برفض إحرامها.

стр. 339

وأما قوله: «ولم يكن في شيء من ذلك هديٌ» فهو مُدرَج من كلام هشام, كما بيَّنه وكيعٌ وغيرُه عنه, حيث فَصَل كلامَ عائشة من كلام هشام, وأما ابن نُمَير وعَبْدة فأدرجاه في حديثها ولم يميِّزاه, والذي ميَّزه معه زيادةُ عِلْم, ولم يعارضه غيرُه، فابن نُمَير وعَبْدة لم [ق ٥٦] يقولا: «قالت عائشة: ولم يكن في شيء من ذلك هدي» بل أدرجاه وميَّزَه غيرُهما (١). وأما قول من قال: إنها أحرمت بحجٍّ ثم نوت فسخَه بعمرة, ثم رجعت إلى حجٍّ مفرد, فهو خلاف ما أخبرَتْ به عن نفسها, وخلاف ما دلَّ عليه قولُ النبيِّ ﷺ لها: «يسعُك طوافُك لحجِّك وعمرتك» (٢)، والنبيُّ ﷺ إنما أمرها أن تُهِلَّ بالحجِّ لمّا حاضت, كما أخبرت بذلك عن نفسها, وأمرها أن تدعَ العمرةَ وتهِلَّ بالحجِّ. وهذا كان بِسَرِف (٣) , قبل أن يأمر أصحابه بفسخ حَجِّهم إلى العمرة, فإنه إنما أمرهم بذلك على المروة. وقوله: إنها أشارت بقولها: «فكنتُ فيمن أهلَّ بعمرة» إلى الوقت الذي نَوَت فيه الفسخ= في غاية الفساد، فإن صريح الحديث يشهد ببطلانه, فإنها قالت: «فكنتُ فيمن أهلَّ بعمرةٍ، فلما كان في بعض الطريق حضت» فهذا صريح في أنها حاضت بعد إهلالها بعمرة.

стр. 340

ومَن تأمَّل أحاديثها علم أنها أحرمت أوّلًا بعمرة, ثم أدْخَلَتْ عليها الحجَّ فصارت قارنة, ثم اعتمرت من التنعيم عمرةً مستقلّة تطييبًا لقلبها. وقد غَلِط في قصة عائشة من قال: إنها كانت مفردة, فإن عمرَتَها من التنعيم هي عمرة الإسلام الواجبة. وغلط مَن قال: إنها كانت متمتِّعة, ثم فسخت المتعةَ إلى إفراد, وكأنّ عمرةَ التنعيم قضاءٌ لتلك العمرة. وغلط مَن قال: إنها كانت قارِنةً, ولم يكن عليها دم ولا صوم, وأن ذلك إنما يجب على المتمتِّع. ومن تأمل أحاديثها علم ذلك, وتبيَّن له أن الصواب ما ذكرنا. والله أعلم. ٩٩/ ١٧٠٧ - وعنها أنها قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ في حَجَّة الوداع، فأهْلَلْنا بعمرة، ثم قال رسول الله ﷺ : «مَن كان معه هديٌ فَلْيُهِلَّ بالحج مع العمرة، ثم لا يَحِلّ حتى يحلّ منهما جميعًا، فقدمت مكةَ وأنا حائض، فلم أطُف بالبيت، ولا بين الصفا والمروة، فشكوت ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فقال: انقضي رأسك وامتشطي، وأهلّي بالحجّ ودعي العمرة، قالت: ففعلت، فلما قضينا الحجَّ أرسلني رسول الله ﷺ مع عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم، فاعتمرت، فقال: هذه مكانَ عمرتك، قالت: فطاف الذين أهلُّوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم حَلُّوا، ثم طافوا طوافًا آخر، بعد أن رجعوا من منًى لحجهم، وأما الذين كانوا جمعوا الحجَّ والعمرةَ، فإنما طافوا طوافًا واحدًا». وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي (١).

стр. 341

قال ابن القيم ﵀: وقد احتجَّ به ابنُ حزم (١) على أن المُحْرِم لا يحرُم عليه الامتشاط, ولم يأت بتحريمه نصٌّ، وحَمَله الأكثرون على امتشاطٍ رفيقٍ لا يقطع الشعر. ومَن قال: كان بعد جمرة العقبة, فسياق الحديث يبطل قولَه. ومَن قال: هو التمشُّط بالأصابع, فقد أبْعَدَ في التأويل. ومَن قال: إنها أُمِرت بترك العمرة رأسًا, فقوله باطل لما تقدم, فإنها لو تركَتْها رأسًا لكان قضاؤها واجبًا, والنبيُّ ﷺ قد أخبرها أنه لا عمرة عليها, وأن طوافها يكفي عنهما. وقوله: «أهلِّي بالحجّ» صريحٌ في أن إحرامها الأول كان بعمرة, كما أخبرَتْ به عن نفسها، وهو يُبطل قولَ مَن قال: كانت مفرِدَةً, فأُمِرَت باستدامة الإفراد. وفي الحديث دليل على تعدُّد السعي على المتمتِّع, فإن قولها: «ثم طافوا طوافًا آخر بعد أن رجعوا مِن منى لحجِّهم» تريد به الطواف بين الصفا والمروة، ولهذا نفَتْه عن القارِنِين, ولو كان المراد به الطواف بالبيت لكان الجميع فيه سواء، فإن طواف الإفاضة لا يفترق فيه القارن والمتمتِّع. وقد خالفها جابر في ذلك, ففي «صحيح مسلم» (٢) عنه أنه قال: «لم يطف النبيُّ ﷺ ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافًا واحدًا طوافَه اللأول».

стр. 342

وأخَذَ الإمام أحمد بحديث جابرٍ هذا في رواية ابنه عبد الله (١) , والمشهور عنه أنه لا بدّ من طوافَين على حديث عائشة, ولكن هذه اللفظة وهي «فطاف الذين أهلُّوا بالعمرة بالبيت» إلى آخره قد قيل: إنها مدرجة في الحديث من كلام عروة (٢). ١٠٠/ ١٧١٠ - وعنها أن رسول الله ﷺ قال: «لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لما سُقْتُ الهديَ، قال محمد ــ وهو ابن يحيى الذُّهْلي ــ: أحسبه قال: ولحللتُ مع الذين أحلّوا مِن العمرة، قال: أراد أن يكون أمر الناس واحدًا». وأخرجه البخاري بنحوه (٣). وليس فيه «أراد أن يكون أمرُ الناسِ واحدًا». قال بعضهم: إنه يدل على أن التمتع أفضل، إذ لا يتمنى ﷺ إلا ما هو أفضل. ويحتمل أن يريد بذلك الفسخ، كما ذكر في هذا الحديث وهو قوله ﷺ : «ولحللت مع الناس حين حلُّوا» أخرجه البخاري كذلك؛ أراد أن يطيّب قلوبهم بموافقته لهم، وكره ما ظهر منهم من إشفاقهم لمخالفتهم له في الحلّ (٤).

стр. 343

قال ابن القيم ﵀: والصوابُ أن ما أحرم به ﷺ ,كان أفضل, وهو القِران, ولكن أخبر أنه لو استقبل مِن أمره ما استدبر لأحرم بعمرة, وكان حينئذٍ موافقةً لهم في المفضول, تأليفًا لهم وتطييبًا لقلوبهم, كما ترك بناءَ الكعبة على قواعد إبراهيم, وإدخال الحِجْر فيها, وإلصاق بابها بالأرض, تأليفًا لقلوب الصحابة الحديثي العهد بالإسلام, خشيةً أن تنفر قلوبُهم. وعلى هذا فيكون الله تعالى قد جمع له الأمرين: النُّسُك الأفضل الذي أحرم به, وموافقته لأصحابه بقوله: «لو استقبلت» فهذا بفعله, وهذا بتبيينه (١) وقوله, وهذا الألْيَق بحاله صلوات الله وسلامه عليه. ١٠١/ ١٧١٣ - وعن عطاء بن أبي رَباح قال: حدثني جابر بن عبد الله قال: «أهللنا مع رسول الله ﷺ بالحج خالصًا، لا يُخالطه شيء، فقدمنا مكة لأربع ليالٍ خَلَوْنَ من ذي الحجة، فطُفنا وسعينا، ثم أمرَنا رسولُ الله ﷺ أن نَحلّ، وقال: لولا هَدْيِي لحللتُ، ثم قام سُراقة بن مالك فقال: يا رسول الله، أرأيتَ مُتْعتَنا هذه، لعامنا هذا أم للأبد؟ فقال رسول الله ﷺ : بل هي للأبد». وأخرجه البخاريُّ ومسلم والنسائيُّ وابن ماجه (٢).

стр. 344

قال ابن القيم ﵀: وعند النسائي (١) عن سُراقة: «تمتَّعَ رسولُ الله ﷺ وتمتَّعْنا معه, فقلنا: أَلَنا خاصةً أم للأبد؟ قال: بل للأبد». وهو صريح في أنّ العمرةَ التي فسخوا حجَّهم إليها لم تكن مختصةً بهم، وأنها مشروعة للأمة إلى يوم القيامة. وقول مَن قال: إن المراد به السؤال عن المُتْعة في أشهر الحجّ, لا عن عُمرة الفسخ= باطل من وجوه: أحدها: أنه لم يقع السؤال عن ذلك, ولا في اللفظ ما يدلُّ عليه, وإنما سأله عن تلك العمرة المعينة, التي أُمِروا بالفسخ إليها, ولهذا أشار إليها بعينها, فقال: «مُتْعتنا هذه» ولم يقل: العمرة في أشهر الحج. الثاني: أنه لو قُدِّر أن السائل أراد ذلك, فالنبي ﷺ أطلقَ الجوابَ بأن تلك العمرة مشروعة إلى الأبد, ومعلومٌ أنها مشتملة على وصفين: كونها عمرة, فُسِخ الحجُّ إليها, وكونها في أشهر الحجّ. فلو كان المراد أحد الأمرين, وهو كونها في أشهر الحج, لبينه للسائل، لا سيما إذا كان الفسخُ حرامًا باطلًا, فكيف يُطلِق الجوابَ عما يجوز ويُشرع وما لا يحلّ ولا يصح إطلاقًا واحدًا؟ هذا مما يُنَزَّه عنه آحادُ أُمَّته ﷺ فضلًا عنه ﷺ . ومعلومٌ أنّ مَن سُئل عن [ق ٥٧] أمر يشتمل على جائز ومحرَّم, وجبَ عليه أن يبين للسائل جائِزَه من حرامِه، ولا يطلقُ الجوازَ والمشروعية عليه إطلاقًا واحدًا. الثالث: أن النبيَّ ﷺ قد اعتمر قبل ذلك ثلاثَ عُمَر كلّهن في أشهر

стр. 345

الحج (١) , وقد علم ذلك الخاصُّ والعامُّ, أفما كان في ذلك ما يدلُّ على جواز العمرة في أشهر الحج؟! الرابع: أن النبيَّ ﷺ قال لهم عند إحرامهم: «من شاء أن يُهِلَّ بعمرة فليهلّ» وفي هذا أعظم البيان لجواز العمرة في أشهر الحج. الخامس: أنه خصَّ بذلك الفسخَ مَن لم يكن معه هَدْي، وأما مَن كان معه هدي فأَمَرَه بالبقاء على إحرامه وأن لا يفسخ, فلو كان المراد ما ذكروه لعمَّ الجميعَ بالفسخ، ولم يكن للهدي أثرٌ أصلًا, فإن سبب الفسخ عندهم الإعلام المجرَّد بالجواز, وهذا الإعلام لا تأثير للهدي في المنع منه. السادس: أن طُرق الإعلام بجواز الاعتمار في أشهر الحج أظْهَر وأَبْيَن قولًا وفعلًا من الفسخ, فكيف يَعْدِل ﷺ عن الإعلام بأقرب الطرق وأبينها وأسهلها وأدلّها, إلى الفسخ الذي ليس بظاهر فيما ذكروه من الإعلام؟ والخروج من نُسُك إلى نُسُك وتعريضهم لمشقّة (٢) ذلك عليهم لمجرَّد الإعلام الممكن الحصول بأقرب الطرق (٣)؟ وقد بيَّن ﷺ ذلك غايةَ البيان بقوله وفعله, فلم يُحِلْهم بالإعلام على الفسخ. السابع: أنه لو فُرِض أن الفسخ للإعلام المذكور, كان ذلك دليلًا على دوام مشروعيته إلى يوم القيامة, فإنّ ما شُرِع في المناسك لمخالفة

стр. 346

المشركين مشروع أبدًا, كالوقوف بعرفة لقريش (١) وغيرهم, والدفع من مزدلفة قبل طلوع الشمس. الثامن: أن هذا الفسخ وقع في آخر حياة النبيِّ ﷺ ، ولم يجئ عنه كلمة قطُّ تدلّ على نسخِه وإبطاله, ولم تُجمع الأمة بعده على ذلك, بل منهم مَن يوجبه, كقول حَبْر الأمة وعالمها عبدِ الله بن عباس ومن وافقه, وقول إسحاق, وهو قول الظاهرية وغيرهم (٢). ومنهم مَن يستحبُّه ويراه سُنَّة رسول الله ﷺ ، كقول إمام السنة (٣) أحمد بن حنبل, وقد قال له سَلَمة بن شبيب: يا أبا عبد الله كلّ شيء منك حَسَن إلا خصلة واحدة, تقول بفَسْخ الحجِّ إلى العمرة؟! فقال: يا سلمة، كان يبلغني عنك أنك أحمق, وكنت أدافع عنك, والآن علمتُ أنَّك أحمق! عندي في ذلك بضعة عشر حديثًا صحيحًا عن رسول الله ﷺ , أدعُها لقولك (٤)؟

стр. 347

وهو قول الحسن وعطاء ومجاهد وعُبيد الله بن الحسن، وكثير من أهل الحديث, أو أكثرهم (١). التاسع: أن هذا موافق لحجِّ خيرِ الأمة وأفضلها, مع خير الخلق وأفضلهم, فإنه ﷺ أمرهم بالفسخ إلى المُتْعة, وهو لا يختار لهم إلا الأفضل, فكيف يكون ما اختاره لهم هو المفضول المنقوص, بل الباطل الذي لا يسوغ لأحدٍ أن يقتدي بهم فيه؟ العاشر: أن الصحابة ﵃ إذا لم يكتفوا بعمل العمرة معه ثلاثة أعوام في أشهر الحج، وبقوله لهم عند الإحرام: «مَن شاء أن يُهلَّ بعمرة فليهلّ» على جواز العمرة في أشهر الحج, فهم أحرى أن لا يكتفوا بالأمر بالفسخ في العلم بجواز العمرة في أشهر الحجّ, فإنه إذا لم يحصل لهم العلم بالجواز بقوله وفعله, فكيف يحصل بأمره لهم بالفسخ؟ الحادي عشر: أن ابن عباس الذي روى أنهم كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور, وأن النبيَّ ﷺ أمرهم لما قدموا بالفسخ، هو كان يرى وجوبَ الفسخِ ولا بدّ (٢) , بل كان يقول: «كلُّ مَن طاف بالبيتِ فقد حَلَّ من إحرامه ما لم يكن معه هدي» (٣). وابنُ عباس أعلم بذلك, فلو كان النبي ﷺ إنما أمرهم بالفسخ للإعلام بجواز العمرة, لم يَخْفَ ذلك على ابن عباس, ولم يقل: «إن كلَّ مَن طاف بالبيت مِن قارنٍ أو حجَّ (٤) لا هدْيَ معه فقد حَلَّ».

стр. 348

الثاني عشر: أنه لا يُظنّ بالصحابة الذين هم أصحُّ الناس أذهانًا وأفهامًا, وأَطْوَعهم لله ولرسوله= أنهم لم يفهموا جواز العمرة في أشهر الحج, وقد عملوها مع رسول الله ﷺ ثلاثة أعوام, وأذن لهم فيها, ثم فهموا ذلك من الأمر بالفسخ. الثالث عشر: أن النبيَّ ﷺ إما أن يكون أمرهم بالفسخ لأن التمتُّع أفضل, فأمرهم بالفسخ إلى أفضل الأنساك, أو يكون أمرهم به ليكون نُسُكهم مخالفًا للمشركين في التمتُّع في أشهر الحج, وعلى التقديرَين, فهو مشروع غير منسوخ إلى الأبد. أما الأول فظاهر, وأما الثاني فلأن الشريعة قد استقرَّت ــ ولا سيما في المناسك ــ على قَصْد مخالفة المشركين, فالنُّسُك المشتمل على مخالفتهم أفضل بلا ريب, وهذا واضح. الرابع عشر: أن السائل للنبي ﷺ : «عمرتنا هذه لعامنا أم للأبد؟» (١) لم يُرِد به أنها هل تُجزئ عن تلك السَّنَة فقط, أو عن العمر كلّه؟ فإنه لو كان مراده ذلك لسأل عن الحجِّ الذي هو فرض الإسلام, ومن المعلوم أن العمرة إن كانت واجبةً لم تجب في العُمُر إلا مرةً واحدةً. ولأنه لو أراد ذلك لم يقل له النبي ﷺ : «بل لأبد الأبد» فإن أبدَ الأبدِ إنما يكون في حقِّ الأمة قومًا بعد قوم (٢) إلى يوم القيامة, و «أبد (٣) الأبد» لا يكون في حقِّ طائفة معينة,

стр. 349

بل هو لجميع الأمة. ولأنه قال [ق ٥٨] في رواية النسائي (١): «أَلَنا خاصة أم للأبد؟» فدلَّ على أنهم إنما سألوه: هل يسوغ فِعْلها بعدك على هذا الوجه؟ فأجابهم بأن فِعْلها كذلك سائغ أبَدَ الأبَد. وفي رواية للبخاري (٢): «أن سُراقة بن مالك لقي النبيَّ ﷺ فقال: ألكم هذه خاصة يا رسول الله؟ قال: «بل للأبد». الخامس عشر: أن النبيَّ ﷺ أخبرهم في تلك الحَجَّة أن كلّ مَن طاف بالبيت فقد حلَّ إلا مَن كان معه الهَدْي, ففي «السنن» (٣) من حديث الرّبِيع بن سَبْرة، عن أبيه قال: «خرجنا مع رسول الله ﷺ حتى إذا كان بعُسْفان قال له سُرَاقة بن مالك المُدْلجيّ: يا رسول الله اقضِ لنا قضاءَ قومٍ كأنما ولدوا اليوم؟ فقال: «إن الله قد أدخل عليكم في حجكم هذا عمرةً, فإذا قدمتم فمن تَطَوَّف بالبيت وبين الصفا والمروة فقد حلّ, إلا مَن كان معه هَدْي» , وسيأتي الحديث. فهذا نصٌّ في انفساخه شاء أم أبى, كما قال ابن عباس وإسحاق ومَن وافقهما. وقوله: «اقض لنا قضاءَ قومٍ كأنما ولدوا اليوم» يريد قضاء لازمًا لا يتغير ولا يتبدَّل، بل نتمسك به من يومنا هذا إلى آخر العمر. السادس عشر: أن النبيَّ ﷺ لما سُئل عن تلك العمرة التي فسخوا إليها الحجَّ وتمتّعوا بها ابتداءً فقال: «دخلت العمرةُ في الحجِّ إلى يوم القيامة»

стр. 350

كان هذا تصريحًا منه بأن هذا الحكم ثابت أبدًا, لا ينسخ إلى يوم القيامة, ومَن جعله منسوخًا فهذا النصّ يردُّ قولَه. وحَمْله على العمرة المبتدأة التي لم يُفْسَخ الحجُّ إليها باطل, فإنّ عمرة (١) الفسخ سبب (٢) الحديث فهي مرادة منه نصًّا, وما عداها ظاهرًا. وإخراجُ محلِّ السبب وتخصيصُه من اللفظ العامِّ لا يجوز, فالتخصيص وإن تطرَّق إلى العموم فلا يتطرَّق إلى محلِّ السبب. وهذا باطل. السابع عشر: أن متعةَ الفسخ لو كانت منسوخةً لكان ذلك من المعلوم عند الصحابة ضرورةً، كما كان من المعلوم عندهم نسخ الكلام في الصلاة, ونسخ القبلة, ونسخ تحريم الطعام والشراب على الصائم بعد ما ينام, بل كان بمنزلة الوقوف بعرفة والدفع من مزدلفة قبل طلوع الشمس, فإنَّ هذا من أمور المناسك الظاهرة المشترك فيها أهل الإسلام, فكان نسخه لا يخفى على أحد. وقد كان ابن عباس إذا سألوه عن فتياه بها يقول: «سنة نبيكم, وإن رَغِمْتُم» (٣) فلا يراجعونه. فكيف تكون منسوخةً عندهم وابن عباس يخبرهم (٤) أنها سنة نبيهم، ويفتي بها الخاصَّ والعامَّ, وهم يُقرِّونه على ذلك؟ هذا من أبطل الباطل. الثامن عشر (٥): أن الفسخَ قد رواه عن النبي ﷺ أربعةَ عشر من

стр. 351

الصحابة, وهم: عائشة, وحفصة, وعليّ, وفاطمة, وأسماء بنت أبي بكر, وجابر, وأبو سعيد, وأنس, وأبو موسى, [وابن عمر] (١)، والبراء, وابن عباس, وسُراقة, وسَبْرة. ورواه عن عائشة: الأسودُ بن يزيد, والقاسم, وعُروة، وعَمْرة, وذَكوان مولاها. ورواه عن جابر: عطاء, ومجاهد, ومحمد بن علي, وأبو الزبير. ورواه عن أسماء: صفية، ومجاهد. ورواه عن أبي سعيد: أبو نضرة. ورواه عن البراء: أبو إسحاق. ورواه عن ابن عمر: سالمٌ ابنُه, وبكر بن عبد الله. ورواه عن أنس: أبو قِلابة. ورواه عن أبي موسى: طارقُ بن شهاب. ورواه عن ابن عباس: طاوس, وعطاء، وأنس بن سُلَيم (٢)، وجابر بن

стр. 352

زيد, ومجاهد, وكُرَيب, وأبو العالية, ومسلم القُرّي (١) , وأبو حسّان الأعرج. ورواه عن سَبْرة: ابنُه (٢). فصار نَقْلَ كافةٍ عن كافة، يوجِب العلمَ, ومثل هذا لا يجوز دعوى نسخه إلا بما يترجَّح عليه أو يقاومه. فكيف يسوغ دعوى نسخه بأحاديث لا تقاومه ولا تدانيه ولا تقاربه, وإنما هي بين مجهولٍ رواتُها, أو ضعفاء لا تقوم بهم حُجّة؟ وما صحَّ فيها فهو رأيُ صاحِبٍ, قاله بظنه واجتهاده, وهو أصح ما فيها, وهو قول أبي ذر: «كانت المتعة لنا خاصة» (٣) , وما عداه فليس بشيء, وقد كفانا رواتُه مؤنتَه. فلو كان ما قاله أبو ذر رواية صحيحة ثابتة مرفوعة لكان نسخ هذه الأحاديث المتواترة به ممتنعًا, فكيف وإنما هو قوله؟! ومع هذا فقد خالفه فيه عشرةٌ من الصحابة كابن عباس, وأبي موسى الأشعري (٤) , وغيرهما؟! التاسع عشر: أن الفسخ موافقٌ للنصوص والقياس. أما موافقته للنصوص فلا ريب فيه كما تقدم. وأما موافقته للقياس: فإن المحرم إذا التزم أكثر مما كان التزمه جاز بالاتفاق, فلو أحرم بالعمرة ثم أدخل عليها الحجَّ

стр. 353

جاز اتفاقًا, وعكسه لا يجوز عند الأكثرين، وأبو حنيفة يجوِّزه على أصله, في أن القارِن يطوف طوافين ويسعى سعيين (١) , فإذا أدخلَ العمرةَ على الحجِّ جاز عنده, لالتزامه طوافًا ثانيًا وسعيًا, وإذا كان كذلك فالمُحْرِم بالحجِّ لم يلتزم إلا الحجّ، فإذا صار متمتِّعًا صار ملتزمًا لعمرة وحجّ، فكان ما التزمه بالفسخ أكثر مما كان عليه, فجاز ذلك بل استُحِبّ له لأنه أفضل وأكثر مما التزمه أولًا. وإنما يتوهّم الإشكال مَن يتوهم أنه فَسْخ حجٍّ إلى عمرة, وليس كذلك, فإنه لو أراد أن يفسخ الحجَّ إلى عمرة مفردة، لم يجز عند أحدٍ, وإنما يجوز الفسخ لمن نيّتُه أن يحجَّ بعد متعته من عامه, والمتمتع من حين يحرم بالعمرة دخَلَ في الحج, كما قال النبي ﷺ : «دخلت العمرةُ في الحج» (٢). [ق ٥٩] فهذه المتعةُ التي فُسِخ إليها هي جزءٌ من الحجِّ, ليست عمرةً مفردةً, وهي من الحجِّ بمنزلة الوضوء من غُسل الجنابة، فهي عبادة واحدة قد تخللها الرخصة بالإحلال, وهذا لا يمنع أن تكون واحدة, كطواف الإفاضة, فإنه من تمام الحج, ولا يُفْعَل إلا بعد التحلل الأول, وكذلك رَمْي الجمار أيام منى من تمام الحج, وهو يُفْعَل بعد التحلل التام. وقول النبي ﷺ : «من حَجَّ هذا البيت فلم يرفُثْ ولم يَفْسُق» (٣) يتناول من حجّ حجةً تمتّعَ فيها بالعمرة, وإن تحلل من إحرامه ولم تكن حجته مكية, إذ لا ينقلهم الرؤوف الرحيم بهم من الفاضل الراجح إلى المفضول

стр. 354

الناقص، بل إنما نقَلَهم من المفضول إلى الفاضل الكامل, لا يجوز غير هذا البتة. العشرون: أن القياس أنه إذا اجتمعت عبادتان, كبرى وصغرى، فالسنة تقديم الصغرى على الكبرى منهما, ولهذا كان النبي ﷺ يبدأ في غسل الجنابة بالوضوء أولًا, ثم يُتبِعُه الغسل, وقال في غسل ابنته: «ابدَأْنَ بميامنها, ومواضع الوضوء منها» (١). ففَسْخ الحجِّ إلى العمرة يتضمَّن موافقةَ هذه السنة. فقد تبيَّن أنه موافق للنصوص والقياس, ولحجِّ خيار الأمة مع نبيها ﷺ . ولو لم يكن فيه نصٌّ لكان القياس يدلُّ على جوازه من الوجوه التي ذكرنا وغيرها, ولو تتبعنا أدلة جوازه لطالت. وفي هذا كفاية والحمد لله. ١٠٢/ ١٧١٤ - وعنه قال: قَدِم رسولُ الله ﷺ وأصحابُه لأربعِ ليالٍ خَلَوْنَ من ذي الحجّة، فلما طافوا بالبيت وبالصفا والمروة، قال رسول الله ﷺ : اجعلوها عمرةً، إلَّا مَنْ كان معه الهدي، فلما كان يومُ التَّروية أَهَلُّوا بالحجِّ، فلما كان يوم النحر، قدموا فطافوا بالبيت، ولم يطَّوّفوا بين الصفا والمروة». وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه (٢)، بنحوه مختصرًا ومطولًا. قال ابن القيم ﵀: وفيه اكتفاء المتمتِّع بسعي واحد, كما تقدم. والله أعلم.

стр. 355

١٠٣/ ١٧١٦ - وعن مجاهد، عن ابن عباس (١)، عن النبي ﷺ أنه قال: «هذه عمرة اسْتَمْتَعْنا بها، فمن لم يكن عنده هدي فليُحِلَّ الحِلَّ كلَّه، وقد دخلت العمرةُ في الحجّ إلى يوم القيامة». وأخرجه مسلم والنسائي (٢). وقال أبو داود: هذا منكر، إنما هو قول ابن عباس (٣). وفيما قاله أبو داود نظر؛ وذلك أنه قد رواه الإمام أحمد بن حنبل ومحمد بن المثنَّى ومحمد بن بشار وعثمان بن أبي شيبة، عن محمد بن جعفر، عن شُعبة مرفوعًا. ورواه أيضًا يزيد بن هارون ومعاذ بن معاذ العَنْبري وأبو داود الطيالسي وعَمْرو بن مرزوق، عن شعبة مرفوعًا. وتقصير من يقصِّر به من الرواة لا يؤثِّر فيما أثبته الحُفَّاظ. والله أعلم. ١٠٤/ ١٧١٧ - وعن عطاءٍ، عن ابن عباس، عن النبيِّ ﷺ قال: «إذا أهلَّ الرجلُ بالحجِّ، ثم قدم مكةَ فطافَ بالبيت وبالصفا والمروة، فقد حلَّ، وهي عمرة» (٤).

стр. 356

في إسناده النَّهاسُ بن قَهْم أبو الخطَّاب البصري، ولا يحتَجُّ بحديثه. قال أبو داود: رواه ابن جُريج، [عن رجل] (١)، عن عطاء قال: «دخل أصحابُ النبيِّ ﷺ مُهِلِّين بالحجِّ خالصًا، فجعلها النبيُّ ﷺ عُمرة». قال ابن القيم ﵀: والتعليل الذي تقدَّم لأبي داود في قوله: «هذا حديث منكر» إنما هو لحديث عطاءٍ هذا, عن ابن عباس يرفعه: «إذا أهلَّ الرجلُ بالحجِّ» فإنّ هذا قول ابن عباس الثابت عنه بلا ريب, رواه عنه أبو الشعثاء وعطاء وأنس بن سُليم وغيرهم من كلامه, فانقلب على الناسخ, فنقله إلى حديث مجاهدٍ عن ابن عباس, وهو إلى جانبه, وهو حديث صحيح لا مَطْعَن فيه ولا علة, ولا يعلِّلُ أبو داود مثلَه, ولا من هو دون أبي داود, وقد اتفق الأئمة الأثبات على رَفْعه, والمنذريُّ ﵀ رأى ذلك في «السنن» , فنقله كما وجده, والأمر كما ذكرناه. والله أعلم. وقوله (٢): «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة» لا ريب في أنه من كلام رسول الله ﷺ ، ولم يقل أحدٌ إنه من قول ابن عباس, وكذلك قوله: «هذه عمرة استمتعنا بها» , وهذا لا يشكُّ فيه مَن له أدنى خبرة بالحديث. والله أعلم. ١٠٥/ ١٧١٩ - وعن سعيد بن المسيَّب: «أن رجلًا من أصحاب النبي ﷺ أتى عمرَ بنَ الخطاب ﵁، فشهد عنده أنه سمعَ رسولَ الله ﷺ في مرضه

стр. 357

الذي قُبِضَ فيه ينهى عن العمرة قبل الحج» (١). سعيد بن المسيّب لم يصح سماعُه من عمر بن الخطاب. وقال أبو سليمان الخطابي (٢): في إسناد هذا الحديث مقال، وقد اعتمر رسول الله ﷺ عمرتين قبل حَجِّه، [والأمر الثابت المعلوم لا يُترك بالأمر المظنون] وجواز ذلك إجماعٌ من أهل العلم، ولم يذكر فيه خلاف. وقد يحتمل أن يكون النهي [عنه اختيارًا أو] استحبابًا، وأنه إنما أمر بتقديم الحج لأنه أعظم الأمرين [وأهمهما] ووقته محصور [والعمرة ليس لها وقت موقوت]، وأيّام السنة كلّها تتسع للعمرة، وقد قدّم الله تعالى اسم الحجّ عليها فقال: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٣) [البقرة: ١٩٦]. قال ابن القيم ﵀: وهذا الحديث باطل, ولا يحتاج تعليله إلى عدم سماع ابن المسيّب من عُمر, فإن ابن المسيّب إذا قال: «قال رسول الله ﷺ » فهو حجة. قال الإمام أحمد: إذا لم يُقْبَل سعيد بن المسيب عن عمر, فمَن يُقبل (٤)؟ وقال أبو محمد بن حزم (٥): «هذا حديث في غاية الوهي والسقوط,

стр. 358

لأنه مرسل عمن لم يُسمّ, وفيه أيضًا ثلاثة مجهولون: أبو عيسى الخراساني, وعبد الله بن القاسم, وأبوه, ففيه خمسة عيوب ... وهو ساقط لا يَحتجّ به مَن له أدنى علم». وقال عبد الحق (١): هذا منقطع ضعيف الإسناد (٢). ١٠٦/ ١٧٢٠ - وعن أبي شيخ الهُنائي (٣) ــ حَيْوان بن خَلْدة ــ ممن قرأ على أبي موسى الأشعري من أهل البصرة: أن معاوية بن أبي سفيان قال لأصحاب النبي ﷺ : هل تعلمون أن رسول الله ﷺ نهى عن كذا وكذا، وركوب جلود النمور؟ قالوا: نعم، قال: فتعلمون أنه نهى أن يُقْرَن بين الحج والعمرة؟ فقالوا: أما هذا فلا، قال: أمّا إنها معهن، ولكنكم نسيتم». وأخرجه النسائي مختصرًا (٤). وقد اخْتُلِف في هذا الحديث اختلافًا كثيرًا، فرُويَ (٥) كما ذكرناه؛ ورُوِي عن أبي شيخ، عن أخيه حِمَّان، ويقال: أبو حمان، عن معاوية. ورُوي عن بَيْهس بن فَهْدان، عن أبي شيخ، عن عبد الله بن عُمر. وعن بَيْهَس، عن أبي شيخ، عن معاوية.

стр. 359

وقد اختلف على يحيى بن أبي كثير فيه. فروي عنه عن أبي شيخ (١)، عن أخيه. ورُوِي عنه عن أبي إسحاق عن حِمّان. ورُوِي عنه حدّثني حُمرَان، من غير واسطة. وسماه حمران. وقال الخطابي (٢): جواز القِرَان بين الحج والعمرة إجماع من الأمة، ولا يجوز أن يتفقوا على جواز شيءٍ منهيٍّ عنه. قال ابن القيم ﵀: وقال عبد الحق (٣): لم يسمع أبو شيخ من معاويَة هذا الحديث, وإنما سمع منه النهيَ عن ركوب جلود النمور, فأما النهي عن القِران فسمعه من أبي حسان عن معاوية. ومرَّةً يقول: عن أخيه حِمّان, ومرّةً يقول: جمّاز (٤) وهم مجهولون. وقال ابن القطان (٥): يرويه عن أبي شيخ رجلان: قتادةُ ومطر، فلا يجعلان بين أبي شيخ وبين معاوية أحدًا, ورواه عنه بيهس بن فهدان, فذَكَر سماعَه من معاوية لفظ النهي عن ركوب جلود النمور خاصة. قال النسائي (٦): ورواه عن أبي شيخ: يحيى بن أبي كثير, فأَدْخَل بينه وبين معاوية رجلًا اختلفوا في ضبطه، فقيل: أبو حمان, وقيل: [جماز،

стр. 360

وقيل:] (١) حمان, وهو أخو أبي شيخ. وقال الدارقطني (٢): القول قول مَن لم يُدخل بين أبي شيخ ومعاوية فيه أحدًا, يعني: قتادة ومطرًا وبيهس بن فهدان (٣). وقال غيره: أبو شيخ هذا لم نعلم عدالتَه وحفظَه, ولو كان حافظًا, لكان حديثه هذا معلوم البطلان, إذ هو خلاف المتواتر عن رسول الله ﷺ مِن فِعْله وقوله, فإنه أحرم قارنًا, رواه عنه ستة عشر نفسًا من أصحابه, وخَيّر أصحابَه بين القِران والإفراد والتمتع, وأجمعت الأمةُ على جوازه. ولو فُرِض صحّة هذا عن معاوية, فقد أنكر الصحابةُ عليه أن يكونَ [ق ٦٠] رسولُ الله نهى عنه, فلعله ﵁ وهم, أو اشتبه عليه ﵁ نهيُه عن مُتعة النساء بمتعة الحجّ, كما اشتبه على غيره. والقِران داخلٌ عندهم في اسم المتعة. وكما اشتبه عليه تقصيرُه عن رسول الله ﷺ في بعض عُمَره, بأن ذلك في حجَّته (٤). وكما اشتبه على ابن عباس نكاح رسول الله ﷺ لميمونة, فظن أنه نَكَحها محرِمًا (٥) , وكان قد أرسل أبا رافع إليها, ونَكَحها وهو حلال (٦)

стр. 361

فاشتبه الأمرُ على ابن عباس. وهذا كثير. ووقع في بعض نسخ «سنن أبي داود» (١): «نهى أن يُفرّق بين الحج والعمرة» بالفاء والقاف. قال ابن حزم (٢): «هكذا روايتي عن عبد الله بن ربيع, وهكذا في كتابه, وهو ــ والله أعلم ــ وهم, والمحفوظ: «يُقْرَن» في هذا الحديث». تم كلامه. وقد رواه النسائي في «سننه» (٣) قال: حدثنا أبو داود، أخبرنا يزيد بن هارون، أخبرنا شَرِيك عن أبي فروة (٤)، عن الحسن قال: «خطبَ معاويةُ الناسَ, فقال: إني مُحدِّثكم بحديث سمعتُه مِن رسول الله ﷺ [فما سمعتم منه] فصدِّقوني, سمعتُ رسولَ الله يقول: «لا تلبسوا الذهبَ إلا مُقطّعًا» , قالوا: سمعنا, قال: وسمعتُه يقول: «من ركب النمور (٥) لم تصحبه

стр. 362

الملائكة» , قالوا: سمعنا, قال: وسمعتُه ينهى عن المُتْعَة, قالوا: لم نسمع. فقال: بلى, وإلا فصُمّتا». فهذا أصحُّ من حديث أبي شيخ، وإنما فيه النهي عن المتعة, وهي ــ والله أعلم ــ متعة النساء, فظنَّ مَن ظنَّ أنها متعة الحجِّ, والقِران متعة, فرواه بالمعنى, فأخطأ خطأً فاحشًا. وعلى كلِّ حال فليس أبو شيخ مما يُعارَض به كبار الصحابة الذين رووا القِران عن رسول الله ﷺ ، وإخباره أن العمرة دخلت في الحج إلى يوم القيامة, وأجمعت الأمةُ عليه. والله أعلم. ٦ - بابٌ في القِرَان (١) قال ابن القيم ﵀: ومَنْ تأمل الأحاديثَ الواردةَ في هذا الباب حقَّ التأمُّل جَزَم جزمًا لا ريب فيه: أن النبيَّ ﷺ أحرم في حجَّته قارنًا, ولا تحتمل الأحاديثُ غير ذلك بوجهٍ من الوجوه أصلًا. قال الإمام أحمد: لا أشكُّ أن رسول الله ﷺ كان قارنًا. تم كلامه (٢). وقد روى عنه ذلك خمسة عشر (٣) من أصحابه, وهم: عمر بن

стр. 363

الخطاب, وعليّ بن أبي طالب, وعائشة أم المؤمنين, وعبد الله بن عمر, وجابر بن عبد الله, وعبد الله بن عباس, وعِمْران بن حُصَين, والبراء بن عازب, وحفصة أم المؤمنين, وأنس بن مالك, وأبو قَتادة, وابن أبي أوفى. فهؤلاء صحَّت عنهم الرواية بغاية البيان والتصريح. ورواه الهِرْماس بن زياد، وسُرَاقة بن مالك، وأبو طلحة, وأم سلمة. لكن رَوَت أن رسول الله ﷺ أمَرَ أهلَه بالقِران (١). وهؤلاء منهم مَن أخبر عن لفظه في إهلاله بنُسُكه أنه قال: «لبيك حجًّا وعمرة» كأنس (٢). وهو متفق على صحته, وكعليّ بن أبي طالب, فإنه قال: «سمعتُ رسولَ الله ﷺ يلبِّي بهما جميعًا» وهو في «الصحيحين» والنسائي و «سنن أبي داود» (٣) , ولفظ أصحاب «الصحيح»: أن عليًّا أهلَّ بحجٍّ وعمرة, وقال: «ما كنتُ لأدعَ سنةَ رسولِ الله ﷺ لقولِ أحدٍ». فقد أخبر عليٌّ أن رسول الله ﷺ لبَّى بهما جميعًا, وأهلَّ هو بهما جميعًا، وأخبر أنها سنة النبي ﷺ ، ووافقه عثمانُ على ذلك. ومنهم مَن أخبر عن خبره ﷺ عن نفسه بأنه كان قارنًا, وهم البراء بن

стр. 364

عازب, فإنه روى عن رسول الله ﷺ ,لفظه أنه قال لعليّ: «إني سقتُ الهديَ وقَرَنت» وهو حديث صحيح رواه أهل «السنن» (١). ومنهم مَن أخبر عنه ﷺ باللفظ الذي أُمِر به من ربِّه, وهو أن يقول: «عمرة في حجة» كعمر بن الخطاب (٢). وحَمْلُ ذلك على أنه أَمْرٌ بتعليمه، كلامٌ في غاية البطلان. ومَن تأمل سياقَ الحديث ولفظَه ومقصودَه، عَلِم بطلان هذا التأويل الفاسد. وقولهم: إن الرواية الصحيحة: «قل: عمرة وحجة» (٣)، وأنه فَصَل بينهما بالواو. وهو صريح في نفس القِران, فإنه جمع بينهما في إحرامه وامتثل ﷺ أمرَ ربه, وهو أحقُّ مَن امتثله, فقال: «لبيكَ عمرةً وحجًّا» (٤) بالواو. وقولهم: يحتمل أن يريد به أنه يحرم بعمرة إذا فرغَ مِن حجَّته قبل أن يرجع إلى منزله, فعياذًا بالله مِن تقليدٍ يوقع في مثل هذه الخيالات الباطلة! فمن المعلوم بالضرورة أن النبيَّ ﷺ لم يعتمر بعد حجَّته قطّ, هذا ما لا يشكُّ فيه مَن له أدنى إلمام بالعلم, وهو ﷺ أحقُّ الخلق بامتثال أمر ربِّه, فلو كان أُمِر أن يعتمر بعد الحجِّ كان أولى الخلق بالمبادرة إلى ذلك. ولا ريبَ أنه ﷺ اعتمر مع حجَّته, فكانت عمرته مع الحجِّ لا بعده قطعًا. ونُصرة الأقوال

стр. 365

إذا أفضت بالرجل إلى هذا الحدِّ ظهر قُبْحُها وفسادُها. وقولهم: محمول على تحصيلهما معًا. قلنا: أجل, وقد حصَّلهما ﷺ جميعًا بالقِران, على الوجه الذي أخبر به عن نفسه, وتبعه أصحابُه من إهلاله. ومنهم مَن أخبر عن فعله, وهو عِمران بن حُصَين في «الصحيحين» (١) عنه قال: «جمعَ رسولُ الله ﷺ بين حَجّةٍ وعمرة». وتأويلُ هذا بأنه أَمَر أو أذِنَ في غاية الفساد, ولهذا قال: «تمتع وتمتّعنا [ق ٦١] معه» فأخبر عن فِعْله وفعلهم. وسَمّى القِرانَ تمتُّعًا, وهو لغة الصحابة, كما سيأتي. ومنهم مَن أخبر عن إهلاله بهما أحدهما بعد الآخر, وهم عبد الله بن عمر وعائشة ففي «الصحيحين» عنهما: «وبدأ رسول الله ﷺ فأهلَّ بالعمرة, ثم أهلَّ بالحجِّ» (٢) وعن عائشة مثله (٣). وفي «الصحيحين» عن عائشة: «أن النبيَّ ﷺ اعتمر أربع عُمَر, الرابعة مع حجته» (٤). ومن المعلوم ضرورةً أنه

стр. 366

لم يعتمر بعد الحج, فكانت عمرته مع حجَّته قطعًا. وفي «الصحيحين» مثله عن أنس (١). واتفق ستة عشر نفسًا من الثقات عن أنس: «أن النبيَّ ﷺ أهلَّ بهما جميعًا» , وهم: الحسن البصري, وأبو قِلابة, وحُمَيد بن هلال, وحُمَيد بن عبد الرحمن الطويل (٢) , وقَتادة, ويحيى بن سعيد الأنصاري, وثابت البُناني, وبكر بن عبد الله المزني, وعبد العزيز بن صُهيب, وسليمان التيمي, ويحيى بن أبي إسحاق, وزيد بن أسلم, ومصعب بن سليم, وأبو أسماء, وأبو قُدامة, وأبو قَزَعة الباهلي. وروى البزار (٣) من حديث ابن أبي أوفى قال: «إنما جمع رسول الله ﷺ بين الحجِّ والعمرة لأنه علم أنه لا يحجّ بعد عامه ذلك». وروى أبو القاسم البغويُّ (٤) من حديث سفيان بن عيينة، عن ابن أبي

стр. 367

خالد: أنه سمع عبد الله بن أبي قتادة [عن أبيه] (١) يقول: «إنما جمع رسولُ الله ﷺ بين الحجِّ والعمرة لأنه علم أنه لا يحجّ بعدها». وروى الإمام أحمد في «مسنده» (٢) من حديث الهرماس بن زياد: «أن رسول الله ﷺ أهلَّ بالحجِّ والعمرة». وروى ابن أبي شيبة (٣): حدثنا شَبَابة، حدثنا الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي عمران قال: دخلتُ على أمِّ سَلَمة أم المؤمنين, فقالت: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «أهِلّوا يا آل محمد بعمرةٍ وحجّ». ولم يكن ﷺ يختار لآله إلا أفضل الأنساك, وهو الذي اختاره لعليٍّ, وأخبر عن نفسه أنه فَعَله. فهذه الأحاديثُ صحيحة صريحة, لا تحتمل مطعنًا في سندها, ولا تأويلًا يخالف مدلولَها, وكلُّها دالة على أنه ﷺ كان قارنًا. والذين عليهم مدار الإفراد أربعة: عائشة, وابن عمر, وجابر, وابن

стр. 368

عباس, وكلهم قد روى القِران. أما ابن عمر وعائشة، ففي «الصحيحين» عن ابن عمر أنه قال: «بدأ رسولُ الله ﷺ فأهلَّ بالعمرة, ثم أهلَّ بالحجِّ» (١)، وفي «الصحيحين» عن عروة: «أن عائشة أخبرته عن رسول الله ﷺ في تمتُّعِه بالحجِّ إلى العمرة، وتمتَّع الناسُ معه بمثل هذا» (٢). وروى عبد الرزاق (٣)، حدثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع: أن ابن عمر قَرَن بين الحج والعمرة, فطاف لهما بالبيت وبين الصفا والمروة طوافًا واحدًا, وقال: «هكذا صنع رسول الله ﷺ ». ورواه مسلم (٤) عن قُتيبة، عن الليث، عن نافع، عن ابن عمر. وقالت عائشة: «اعتمر رسول الله ﷺ ثلاثًا سوى التي قرن بحجة الوداع». ذكره أبو داود (٥) , وسيأتي. وروى الثوريُّ، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر: «أن رسول الله ﷺ حجّ ثلاثَ حِجَج: [حَجّتين] قبل أن يهاجر، وحجّة بعد ما هاجر, معها عمرة» الحديث (٦).

стр. 369

وفي «صحيح مسلم» (١) عن ابن عباس: «أهلَّ النبيُّ ﷺ بعمرة وأهلَّ أصحابُه بحجّ, فلم يحلّ النبيُّ ﷺ ولا مَن ساق الهديَ من أصحابه, وحلّ بقيتهم». وسيأتي في كتاب «السنن» (٢) عن عكرمة عنه قال: «اعتمر رسول الله ﷺ أربعَ عُمَر: عمرةَ الحديبية, والثانيةَ حين تواطؤوا على عُمرة قابلٍ, وثالثة (٣) من الجِعْرَانة, والرابعة التي قَرَن مع حجته» فهذه العمرة التي قرنها مع حجَّته هي التي قال فيها: «أهلَّ النبيُّ ﷺ بعمرة» ردًّا على من قال: أهلَّ بحجٍّ مفرد. ولم يقل أحدٌ من هؤلاء ولا من غيرهم قطُّ عن النبي ﷺ أنه قال: إني أفردت الحج كما قال: «قَرَنت»، ولا قال: «سمعته يقول: لبيك حجًّا» كما قال: «لبيك حجًّا وعمرة» ولا هو أخبر عن نفسه بذلك, ولا أحد من أصحابه (٤) أخبر عن لفظِ إهْلالِه به. وأما إخباره عن نفسه بالقِران، وإخبار أصحابه عنه بلفظه فصريحٌ لا معارضَ له. والذين رووا الإفراد قد تبين أنهم رووا القِران والتمتُّع, وهم

стр. 370

لا يتناقضون في روايتهم, بل رواياتهم يصدِّقُ بعضُها بعضًا, وإنما وقع الإشكال حيث لم تقع الإحاطة بمعرفة مراد الصحابة ولغتهم, فإنهم كانوا يسمّون القِرانَ تمتعًا, كما في «الصحيحين» من حديث ابن عمر وقد تقدم, وحديث عليّ: «أن عثمان لما نهى عن المُتعة قال علي: لبيك بهما, وقال: لم أكن لأدع سنة رسول الله ﷺ لقول أحد» (١). ومن قال: أفرد الحج, لم يقل أفرد إهلال الحجِّ وإنما مرادُه أنه اقتصر على أعمال الحجِّ ودخلت عمرتُه في حجّه، فلم يُفرد كلَّ واحد من النُّسُكَين بعمل، ولهذا أخبر أيضًا أنه قَرَن، فعُلِم أن مراده بالإفراد ما ذكرنا. ومَن قال: «تمتع» أراد به التمتُّع العام الذي يدخل فيه القِران بنصّ القرآن, في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] والقارن داخل في هذا النص، فتمتَّع ﷺ بِتَرَفُّهِه بسقوط أحدِ السَّفَرين، وقَرَن بجَمْعِه في إهلاله بين النُّسُكَيْن، وأفرد فلم يطُفْ طوافَين ولم يَسْعَ سَعْيين. ومن تأمل [ق ٦٢] الأحاديث الصحيحة في هذا الباب جزم بهذا, وهذا فَصْل النزاع, والله أعلم. ١٠٧/ ١٧٢٩ - وعن ابن عباس أن معاويةَ قال له: «أما علمتَ أني قَصَّرت عن رسول الله ﷺ بمِشْقَصِ أعرابيٍّ، على المروة لحجَّتِه؟». وأخرجه النسائي (٢)، وليس فيه «لحجته». وقوله: «لحجته» يعني لعمرته.

стр. 371

وقد أخرجه النسائي (١) أيضًا، وفيه: «في عمرة على المروة»، وتسمَّى العمرة حجًّا لأن معناها القَصْد (٢). وقد قالت حفصة ﵂: «ما بالُ الناس حَلُّوا ولم تحلل أنت من عُمرتك؟» قيل: إنما تعني من حَجَّتِك. قال ابن القيم ﵀: واحتجَّ بهذا مَن قال: إن رسول الله ﷺ تمتَّع في حجَّة الوداع تمتُّعًا حلَّ فيه كالقاضي أبي يعلى وغيره (٣). وهذا غلطٌ منهم, فإن المعلوم من شأن رسول الله ﷺ أنه لم يحلّ بعمرة في حجَّته, وقد تواتر عنه ذلك، وقال: «لولا أن معيَ الهَدْيَ لأحللتُ» (٤). وهذا لا يستريبُ فيه مَن له علمٌ بالحديث, فهذا لم يقع في حجته بلا ريب, إنما وقع في بعض عُمَرِه, ويتعيَّن أن يكون في عمرة الجِعْرَانة, والله أعلم, لأن معاوية إنما أسلم يوم الفتح مع أبيه, فلم يقصِّر عنه في عمرة الحديبية, ولا عمرة القضية, و النبيُّ ﷺ لم يكن محرِمًا في الفتح, ولم يحلّ من إحرامه في حجَّة الوداع بعمرة, فتعيَّن أن يكون ذلك في عمرة الجِعْرَانة, هذا إن كان المحفوظ أنه هو الذي قصَّر عن رسول الله ﷺ . وإن كان المحفوظ هو الرواية الأخرى, وهو قوله: «رأيته يُقَصَّر عنه على المروة» (٥) فيجوز أن يكون في عُمرة القضية والجِعْرَانة حَسْبُ, ولا يجوز أن يكون في غيرهما لما تقدم. والله أعلم (٦).

стр. 372

١٠٨/ ١٧٣١ - وعن عبد الله بن عمر قال: «تمتَّعَ رسولُ الله ﷺ في حَجَّة الوداع بالعمرة إلى الحج وأهدى، وساقَ معه الهديَ مِن ذي الحُليفة، وبدأ رسولُ الله ﷺ فأهلَّ بالعمرة، ثم أهلَّ بالحج، وتَمتَّع الناسُ مع رسول الله ﷺ بالعمرة إلى الحج، فكان مِن الناس مَن أهدى فساقَ الهديَ، ومنهم من لم يُهْدِ، فلما قَدِم رسولُ الله ﷺ مكةَ قال للناس: مَن كان منكم أهدى، فإنه لا يَحِلّ له (١) من شيء حَرُمَ منه حتى يقضي حَجَّه، ومَن لم يكن منكم أهدى فَلْيَطُفْ بالبيت وبالصفا والمروة، وليُقَصِّر ولْيَحلِلْ، ثم ليهلَّ بالحج وليُهْدِ، فمن لم يجد هدْيًا فليصم ثلاثةَ أيام في الحجِّ وسبعةٍ إذا رجع إلى أهلِه، وطافَ رسولُ الله ﷺ حين قدم مكَةَ، فاستلم الرُّكْن أوَّلَ شيء، ثم خَبَّ ثلاثةَ أطواف من السبع، ومشى أربعةَ أطواف، ثم
следующие страницы →