← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 201

تهذيب سنن أبي داود - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 675 стр.). Показаны 368–407 · переход к 373.

стр. 368

عباس, وكلهم قد روى القِران. أما ابن عمر وعائشة، ففي «الصحيحين» عن ابن عمر أنه قال: «بدأ رسولُ الله ﷺ فأهلَّ بالعمرة, ثم أهلَّ بالحجِّ» (١)، وفي «الصحيحين» عن عروة: «أن عائشة أخبرته عن رسول الله ﷺ في تمتُّعِه بالحجِّ إلى العمرة، وتمتَّع الناسُ معه بمثل هذا» (٢). وروى عبد الرزاق (٣)، حدثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع: أن ابن عمر قَرَن بين الحج والعمرة, فطاف لهما بالبيت وبين الصفا والمروة طوافًا واحدًا, وقال: «هكذا صنع رسول الله ﷺ ». ورواه مسلم (٤) عن قُتيبة، عن الليث، عن نافع، عن ابن عمر. وقالت عائشة: «اعتمر رسول الله ﷺ ثلاثًا سوى التي قرن بحجة الوداع». ذكره أبو داود (٥) , وسيأتي. وروى الثوريُّ، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر: «أن رسول الله ﷺ حجّ ثلاثَ حِجَج: [حَجّتين] قبل أن يهاجر، وحجّة بعد ما هاجر, معها عمرة» الحديث (٦).

стр. 369

وفي «صحيح مسلم» (١) عن ابن عباس: «أهلَّ النبيُّ ﷺ بعمرة وأهلَّ أصحابُه بحجّ, فلم يحلّ النبيُّ ﷺ ولا مَن ساق الهديَ من أصحابه, وحلّ بقيتهم». وسيأتي في كتاب «السنن» (٢) عن عكرمة عنه قال: «اعتمر رسول الله ﷺ أربعَ عُمَر: عمرةَ الحديبية, والثانيةَ حين تواطؤوا على عُمرة قابلٍ, وثالثة (٣) من الجِعْرَانة, والرابعة التي قَرَن مع حجته» فهذه العمرة التي قرنها مع حجَّته هي التي قال فيها: «أهلَّ النبيُّ ﷺ بعمرة» ردًّا على من قال: أهلَّ بحجٍّ مفرد. ولم يقل أحدٌ من هؤلاء ولا من غيرهم قطُّ عن النبي ﷺ أنه قال: إني أفردت الحج كما قال: «قَرَنت»، ولا قال: «سمعته يقول: لبيك حجًّا» كما قال: «لبيك حجًّا وعمرة» ولا هو أخبر عن نفسه بذلك, ولا أحد من أصحابه (٤) أخبر عن لفظِ إهْلالِه به. وأما إخباره عن نفسه بالقِران، وإخبار أصحابه عنه بلفظه فصريحٌ لا معارضَ له. والذين رووا الإفراد قد تبين أنهم رووا القِران والتمتُّع, وهم

стр. 370

لا يتناقضون في روايتهم, بل رواياتهم يصدِّقُ بعضُها بعضًا, وإنما وقع الإشكال حيث لم تقع الإحاطة بمعرفة مراد الصحابة ولغتهم, فإنهم كانوا يسمّون القِرانَ تمتعًا, كما في «الصحيحين» من حديث ابن عمر وقد تقدم, وحديث عليّ: «أن عثمان لما نهى عن المُتعة قال علي: لبيك بهما, وقال: لم أكن لأدع سنة رسول الله ﷺ لقول أحد» (١). ومن قال: أفرد الحج, لم يقل أفرد إهلال الحجِّ وإنما مرادُه أنه اقتصر على أعمال الحجِّ ودخلت عمرتُه في حجّه، فلم يُفرد كلَّ واحد من النُّسُكَين بعمل، ولهذا أخبر أيضًا أنه قَرَن، فعُلِم أن مراده بالإفراد ما ذكرنا. ومَن قال: «تمتع» أراد به التمتُّع العام الذي يدخل فيه القِران بنصّ القرآن, في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] والقارن داخل في هذا النص، فتمتَّع ﷺ بِتَرَفُّهِه بسقوط أحدِ السَّفَرين، وقَرَن بجَمْعِه في إهلاله بين النُّسُكَيْن، وأفرد فلم يطُفْ طوافَين ولم يَسْعَ سَعْيين. ومن تأمل [ق ٦٢] الأحاديث الصحيحة في هذا الباب جزم بهذا, وهذا فَصْل النزاع, والله أعلم. ١٠٧/ ١٧٢٩ - وعن ابن عباس أن معاويةَ قال له: «أما علمتَ أني قَصَّرت عن رسول الله ﷺ بمِشْقَصِ أعرابيٍّ، على المروة لحجَّتِه؟». وأخرجه النسائي (٢)، وليس فيه «لحجته». وقوله: «لحجته» يعني لعمرته.

стр. 371

وقد أخرجه النسائي (١) أيضًا، وفيه: «في عمرة على المروة»، وتسمَّى العمرة حجًّا لأن معناها القَصْد (٢). وقد قالت حفصة ﵂: «ما بالُ الناس حَلُّوا ولم تحلل أنت من عُمرتك؟» قيل: إنما تعني من حَجَّتِك. قال ابن القيم ﵀: واحتجَّ بهذا مَن قال: إن رسول الله ﷺ تمتَّع في حجَّة الوداع تمتُّعًا حلَّ فيه كالقاضي أبي يعلى وغيره (٣). وهذا غلطٌ منهم, فإن المعلوم من شأن رسول الله ﷺ أنه لم يحلّ بعمرة في حجَّته, وقد تواتر عنه ذلك، وقال: «لولا أن معيَ الهَدْيَ لأحللتُ» (٤). وهذا لا يستريبُ فيه مَن له علمٌ بالحديث, فهذا لم يقع في حجته بلا ريب, إنما وقع في بعض عُمَرِه, ويتعيَّن أن يكون في عمرة الجِعْرَانة, والله أعلم, لأن معاوية إنما أسلم يوم الفتح مع أبيه, فلم يقصِّر عنه في عمرة الحديبية, ولا عمرة القضية, و النبيُّ ﷺ لم يكن محرِمًا في الفتح, ولم يحلّ من إحرامه في حجَّة الوداع بعمرة, فتعيَّن أن يكون ذلك في عمرة الجِعْرَانة, هذا إن كان المحفوظ أنه هو الذي قصَّر عن رسول الله ﷺ . وإن كان المحفوظ هو الرواية الأخرى, وهو قوله: «رأيته يُقَصَّر عنه على المروة» (٥) فيجوز أن يكون في عُمرة القضية والجِعْرَانة حَسْبُ, ولا يجوز أن يكون في غيرهما لما تقدم. والله أعلم (٦).

стр. 372

١٠٨/ ١٧٣١ - وعن عبد الله بن عمر قال: «تمتَّعَ رسولُ الله ﷺ في حَجَّة الوداع بالعمرة إلى الحج وأهدى، وساقَ معه الهديَ مِن ذي الحُليفة، وبدأ رسولُ الله ﷺ فأهلَّ بالعمرة، ثم أهلَّ بالحج، وتَمتَّع الناسُ مع رسول الله ﷺ بالعمرة إلى الحج، فكان مِن الناس مَن أهدى فساقَ الهديَ، ومنهم من لم يُهْدِ، فلما قَدِم رسولُ الله ﷺ مكةَ قال للناس: مَن كان منكم أهدى، فإنه لا يَحِلّ له (١) من شيء حَرُمَ منه حتى يقضي حَجَّه، ومَن لم يكن منكم أهدى فَلْيَطُفْ بالبيت وبالصفا والمروة، وليُقَصِّر ولْيَحلِلْ، ثم ليهلَّ بالحج وليُهْدِ، فمن لم يجد هدْيًا فليصم ثلاثةَ أيام في الحجِّ وسبعةٍ إذا رجع إلى أهلِه، وطافَ رسولُ الله ﷺ حين قدم مكَةَ، فاستلم الرُّكْن أوَّلَ شيء، ثم خَبَّ ثلاثةَ أطواف من السبع، ومشى أربعةَ أطواف، ثم

стр. 373

ركع حين قضى طوافَه بالبيت عند المقام ركعتين، ثم سَلَّم، فانصرف فأتى الصفا، فطاف بالصفا والمروة سبعة أطواف، ثم لم يحلِلْ مِن شيء حَرُم منه، حتى قضى حجَّه، ونحرَ هديَه يوم النَّحر، وأفاضَ، فطاف بالبيت، ثم حَلَّ مِن كلِّ شيء حَرُم منه، وفعَلَ الناسُ مثلَ ما فعل رسول الله ﷺ ، مَنْ أهدى وساق الهديَ مِن الناس». أخرجه البخاري ومسلم والنسائي (١). قال ابن القيم ﵀: الذين قالوا: قَرَن النبيُّ ﷺ في حجَّته اختلفَتْ طرُقُهم في كيفية قِرانه: فطائفة قالت: أحرمَ بالعمرة أوّلًا, ثم أدخل عليها الحجّ، وهذا ظاهر حديث ابن عمر وعائشة كما تقدم، وهي طريقة أبي حاتم بن حبان في «صحيحه» (٢). قال: هذه الأخبار التي ذكرناها في إفراد النبيِّ ﷺ وقِرانه وتمتّعه بهما (٣) مما تنازع الأئمة فيها من لَدُن النبيِّ ﷺ إلى زماننا هذا, وشَنَّع بها المعطِّلةُ وأهلُ البدع على أئمتنا, وقال (٤): رويتم ثلاثةَ أحاديثَ متضادَّة في فعلٍ واحد ورَجُل واحد وحالة واحدة, وزعمتم أنها ثلاثتها صحاح من جهة النقلِ، والعقلُ يدفع ما قلتم, إذ مُحالٌ أن يكون النبيُّ ﷺ في حجَّة الوداع كان مُفرِدًا قارِنًا متمتّعًا. إلى أن قال: ولو تمَلَّق (٥) قائل هذا في الخَلْوة إلى الباري وسأله التوفيقَ لإصابة الحقّ والهدايةَ لطلب الرشد في الجمع

стр. 374

بين الأخبار، ونفي التضادّ عن الآثار, لَعَلِمَ بتوفيق الواحد القهَّار (١) أن أخبار المصطفى لا تتضادّ ولا تتهاتر (٢) , ولا يكذِّب بعضُها بعضًا, إذا صحّت من جهة النقل. قال: والفصل بين الجمع في هذه الأخبار: أن النبي ﷺ أهلَّ بالعمرة حيث أحرم، كذلك قاله مالك، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة (٣). فخرج وهو مُهِلّ بالعمرة وحدها, حتى بلغ سَرِف أمرَ أصحابَه بما ذكرنا في خبر أفلح بن حُمَيد (٤) (يعني بالفسخ إلى العمرة) , فمنهم مَن أفرد, ومنهم مَن أقام على عمرته, وأما مَن ساقَ الهديَ منهم فأدخلَ الحجَّ على عمرته (٥) , ولم يحلّ, فأهلَّ ﷺ بهما معًا حينئذٍ إلى أن دخل مكة، وكذلك أصحابُه الذين ساقوا الهدي. فكلُّ خبر رُوي في قِران النبي ﷺ إنما كان ذلك حيث رأوه يهلّ بهما بعد إدخاله الحجَّ على العمرة, إلى أن دخل مكة فطاف وسعى, وأمر ثانيًا مَن لم يكن ساق الهديَ وكان قد أهلَّ بعمرة أن يتمتع ويحلّ, وكان يتلهَّف على

стр. 375

ما فاته من الإهلال حيث كان ساق الهدي, حتى إن بعض أصحابه ممن لم يكن ساق الهدي لم يحلّوا, حيث رأوه ﷺ لم يحلّ, حتى كان مِن أمره ما وصفنا مِن دخوله ﷺ على عائشة وهو مُغْضَب, فلما كان يوم التروية، وأحرم المتمتعون، خرج ﷺ إلى منى وهو يُهلّ بالحج مفردًا, إذ العمرة التي قد أهلّ بها في أول الأمر قد انقضَتْ عند دخوله مكة بطوافه بالبيت, وسعيه بين الصفا والمروة. فحكى ابنُ عمر وعائشةُ أن النبي ﷺ أفردَ الحجَّ, أرادا أنَّ (١) خروجه إلى منى من مكة من غير أن يكون بين هذه الأخبار تضادّ أو تهاتُر. وفقنا الله لما يحبُّه من الخضوع عند ورود السنن إذا صحّت والانقياد لقبولها، واتهام الأنفس وإلزاق العيب (٢) بها إذا لم يوفَّق لإدراك حقيقة الصواب, دون القدح في السنن, والتعريج على الآراء المنكوسة والمقاييس المعكوسة, إنه خير مسؤول. تمّ كلامه (٣). وطائفة قالت (٤): كان مفرِدًا أولًا, ثم أدخل العمرةَ على الحج, فصار قارنًا, فظنوا أن ذلك من خصائصه, وأنهم يجمعون بذلك بين الأحاديث. وهذا مع أن الأكثر لا يُجَوِّزونه, فلم تأتِ لفظةٌ واحدة تدلُّ عليه, بخلاف الأول, فإنه قد قاله طائفةٌ, وفيه أحاديث صحاح.

стр. 376

وطائفة قالت (١): قَرَن ابتداءً مِن حين أحرم, وهو أصح الأقوال, لحديث عُمر وأنس وغيرهما وقد تقدما. والذين قالوا: أفرد, طائفتان: طائفةٌ ظنت أنه أفرد إفرادًا اعتمر عقيبه من التنعيم، وهذا غلط بلا ريب, لم يُنقَل قطّ بإسناد صحيح ولا ضعيف, ولا قاله أحدٌ من الصحابة, [ق ٦٣] وهو خلاف المتواتر المعلوم مِن فعله ﷺ . وطائفة قالت: أفرد إفرادًا اقتصر فيه على الحجِّ ولم يعتمر (٢). والأحاديثُ الثابتةُ التي اتفق أئمة الحديث على صحتها صريحة في أنه اعتمر مع حجته، وهذا يبطل الإفراد قطعًا، فإنه إن كان إفرادًا اعتمر (٣) عقيبه, فهو باطل قطعًا, وإن كان إفرادًا مجرَّدًا عن العمرة, فالأحاديث الصحيحة تدلّ على خلافه. والذين قالوا: تمتَّعَ طائفتان: طائفة قالت: تمتَّعَ تمتُّعًا حلّ منه. وهذا باطل قطعًا كما تقدم (٤). وطائفة قالت: تمتّعَ تمتُّعًا لم يحلّ منه لأجل الهدي (٥). وهذا وإن كان

стр. 377

أقلّ خطأً مِن الذي قبله, فالأحاديث الصحيحة تدلُّ على أنه قَرَن, إلا أن يريدوا بالتمتُّع القِران فهذا حقّ. وطائفة قالت: أحْرَم إحرامًا مطلقًا, ثم عيَّنه بالإفراد, وهذا أيضًا يكفي في ردِّه الأحاديثُ الثابتةُ الصريحة. وطائفةٌ قالت: قَرَن وطاف طوافين, وسعى سعيين. والأحاديث الثابتة التي لا مَطْعَن فيها تبطل ذلك, والله أعلم (١). ١٠٩/ ١٧٣٢ - وعن حَفصةَ زوجِ النبيِّ ﷺ أنها قالت: يا رسولَ الله، ما شأنُ الناسِ حَلُّوا ولم تَحْلِل أنتَ مِن عُمْرتك؟ فقال: إني لَبَّدْتُ رأسي، وقَلّدْتُ هديي، فلا أحِلّ حتى أنحر». وأخرجه البخاريّ ومسلم والنسائي وابن ماجه (٢). وقد تقدم أن المراد بالعمرة ههنا الحج. وقد رُوِي: «حَلّوا فلم تحْلِل من حَجِّك». واختُلِف في قولها هذا، فقيل: قالتَ ذلك لأنها ظنّت أن رسول الله ﷺ كان فسخ حجّه بعمرة كما أمر بذلك مَن لا هديَ معه، فذكر ﷺ لها العلّةَ، وهي سوقُه الهدي. وقيل: معناه ما شأن الناس حلّوا مِن إحرامهم ولم تحلّ أنتَ من إحرامك الذي ابتدأته معهم بنيّةٍ واحدة، بدليل قوله: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سُقتُ الهدي ولجعلتها عمرة» فعُلِم بهذا أنه لم يحرم بعمرة. وقيل: معناه: لِمَ لَمْ

стр. 378

تحلِل من حجّك بعمرة كما أمرتَ أصحابك؟ وقد تأتي «من» بمعنى «الباء» كما قال تعالى: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١] أي: بأمر الله، يريد ولم تحلّ أنت بعمرة من إحرامك الذي جئت به مفردًا في حجتك (١). قال ابن القيم ﵀: وقالت طائفة: هذه اللفظة غير محفوظة, فإن عبيد الله بن عمر لم يذكرها في حديثه. حكاهما ابن حزم (٢). وقالت طائفة: هي مروية بالمعنى, والحديث: «ولم تحِلّ أنتَ مِن حَجِّك» , فأبدل لفظ الحجِّ بالعمرة. وقالت طائفة: الحديث إنما فيه إقراره لها على أنه في عمرة, وليس فيه أنها عمرة مفردة لا حجَّةَ معها. وقد أخبر عن نفسه بأنه قَرَن, فهو إذن في حجٍّ وعمرة ومَن كان في حج وعمرة فهو في عُمرة قطعًا. وهذه الوجوه بعضها واهٍ وبعضها مُقارِب. فقول من قال: المراد به من حجتك بعيدٌ جدًّا, إذ لا يُعَبَّر بالعمرة عن الحجّ, وليس هذا عُرْف الشرع, ولا يطلق ذلك إلا إطلاقًا مقيَّدًا, فيقال: هي الحجّ الأصغر.

стр. 379

وقول من قال: إنها ظنّت أنه ﷺ كان فسخ العمرةَ, كما أمرَ أصحابَه, ولم يحل كما أحلوا، فبعيدٌ جدًّا, فإن هذا الظن إنما كان يظهر بإحلاله، فبه يكون معتمرًا، فكيف تظنّ أنه قد فسخَ بعُمَرة, وهي تراه لم يحلّ؟ وأما قول من قال: معناه لم تحلل بعمرة, و «مَن» بمعنى الباء (١)، فتعسُّفٌ ظاهر, وإضافة العمرة إليه تدل على أنها عمرة مختصة به هو فيها. وأما قول من قال: معناه لم تحلل من العمرة التي أمرتَ الناسَ بها ففاسدٌ, فإنه كيف يحلّ مِن عمرةِ غيره؟ وحفصة أجلُّ مِن أن تسأل هذا السؤال (٢). وأما قول مَن قال: إن هذه اللفظة غير محفوظة, ولم يذكرها عُبيد الله، فخطأ من وجهين، أحدهما: أن مالكًا قد ذكرها, ومالكٌ مالكٌ (٣). والثاني: أن عُبيدَ الله نفسَه قد ذكرها أيضًا, ذكره مسلم في «الصحيح» (٤) عن محمد بن المثنّى، حدثنا يحيى بن سعيد، عن عبيد الله, فذكر الحديثَ, وفيه: «ولم تحِلّ من عمرتك». وقول مَن قال: مروية بالمعنى بعيدٌ أيضًا. فالوجه الأخير أقربها إلى الصواب؛ وهو أنه ليس فيه إلا الإخبار عن

стр. 380

كونه في عمرة, وهذا لا ينفي أن يكون في حجة. وأجود منه أن يقال: المراد بالعمرة المُتْعة, وقد تقدم أن التمتُّع يُراد به القِران, والعمرة تُطلَق على التمتُّع, فيكون المراد لم تحلّ مِن قِرانك، وسَمّتْه عمرةً, كما يسمّى تمتُّعًا, وهذه لغة الصحابة كما تقدم, والله أعلم. ١١٠/ ١٧٣٣ - (١) عن سُلَيم بن الأسود: أن أبا ذرٍّ كان يقول، فيمن حجَّ ثمَّ فسَخَها بعمرة: لم يكن ذلك إلا للرَّكب الذين كانوا مع رسول الله ﷺ . وقد أخرجه مسلم في «صحيحه» (٢) من حديث يزيد بن شَريك التيمي، عن أبي ذر قال: «كانت المتعةُ في الحجِّ لأصحابِ محمدٍ ﷺ خاصة» وأخرجه النسائي وابن ماجه (٣). قال ابن القيم ﵀: وهذا الحديث قد تضمَّن أمرين: أحدهما: فِعْل الصحابة لها, وهو بلا ريب بأمر النبي ﷺ , وهذا رواية. والثاني: اختصاصهم بها دون غيرهم, وهذا رأي. فروايتُه حُجّة ورأيه غير حجة. وقد خالفه فيه عبد الله بن عباس, وأبو موسى الأشعري.

стр. 381

وقد حَمَله طائفةٌ على أن الذين (١) اختصوا به هو وجوب الفسخ عليهم حتمًا, وأما غيرهم فيستحبّ له ذلك, هذا إن كان مراده مُتعة الفسخ, وإن كان المراد مطلق المتعة، فهو خلاف الإجماع والسُّنة المتواترة. والله أعلم. ١١١/ ١٧٣٤ - وعن بلال بن الحارث، قال: قلتُ: يا رسولَ الله، فَسْخُ الحجِّ لنا خاصَّة، أو لِمَن بعدَنا؟ قال: «لكم خاصة». وأخرجه النسائي وابن ماجه (٢). قال الدارقطني: تفرَّد به ربيعة بن عبد الرحمن، عن الحارث، عن أبيه، وتفرَّد به عبدُ العزيز الدراوردي عنه. هذا آخر كلامه. والحارث هو ابن بلال بن الحارث، وهو شبيه المجهول. وقد قال الإمام أحمد في حديث بلال هذا: إنه لا يثبت. هذا آخر كلامه. قال ابن القيم ﵀: وقد قال عبد الله بن أحمد (٣): سألت أبي عن حديث بلال بن الحارث المزني في فسخ الحج؟ فقال: لا أقول به, وليس إسناده بالمعروف, ولم يروه إلا الدراورديُّ وحدَه. وقال عبد الحق (٤): الصحيح في هذا قول أبي ذرٍّ غير المرفوع إلى النبي ﷺ . وقال ابن القطان (٥): فيه الحارث بن بلال، عن أبيه بلال بن

стр. 382

الحارث, والحارث بن بلال لا يُعرَف حاله. ٧ - بابُ الرجلِ يحُجُّ عن غيره ١١٢/ ١٧٣٦ - وعن أبي رَزِين ــ وهو لَقِيْطٌ العُقَيلي ــ أنه قال: يا رسولَ الله، إن أبي شيخٌ كبير، لا يستطيع الحجَّ والعمرةَ ولا الظَّعَنَ، قال: «احْجُجْ (١) عن أبيك واعتَمِرْ». وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه (٢). وقال الترمذي: حسن صحيح. وقال الإمام أحمد: لا أعلم في [ق ٦٤] إيجاب العمرة حديثًا أجودَ مِن هذا ولا أصحّ منه. قال ابن القيم ﵀: قول الإمام أحمد, قال البيهقي (٣): قال مسلم: سمعتُ أحمدَ بن حنبل يقول، فذَكَره. وفي «سنن ابن ماجه» (٤) بإسنادٍ على شرط «الصحيحين» عن عائشة قالت: قلتُ: يا رسول الله, هل على النساء جهاد؟ قال: «جهادٌ لا قتالَ فيه, الحجُّ والعمرة». واحتجَّ مَن نفى الوجوبَ بحديث جابر: «أن النبيَّ ﷺ سُئل عن العمرة, أواجبةٌ هي؟ قال: «لا, وأنْ تعتمر خيرٌ لك» , رواه الترمذي (٥) من حديث

стр. 383

الحجَّاج بن أرطاة، عن محمد بن المُنْكَدِر، عن جابر. وقال: حسن صحيح. قال البيهقي (١): كذا رواه الحجاج مرفوعًا, والمحفوظ إنما هو عن جابر موقوف عليه غير مرفوع. وقد نوقش الترمذيُّ في تصحيحه, فإنه من رواية الحجاج بن أرطاة, وقد ضُعِّف, ولو كان ثقة فهو مدلِّس كبير, وقد قال: «عن محمد بن المنكدر» , لم يذكر سماعًا. ولا ريب أن هذا قادحٌ في صحة الحديث. وقد قال الشافعي (٢): ليس في العمرة شيء ثابت بأنها تطوُّع, وقد رُوي عن النبيِّ ﷺ بإسناد ضعيف, لا تقوم بمثله حجة. تم كلامه. قال البيهقي (٣): وروى ابنُ لهيعة، عن عطاء، عن جابر مرفوعًا: «الحجُّ والعمرة فريضتان واجبتان» , قال البيهقي: وهذا أيضًا ضعيف لا يصح. فقد سقط الاحتجاج برواية جابر من الطريقين. وفي «سنن ابن ماجه» (٤) من حديث عُمر بن قيس، أخبرني طلحة بن

стр. 384

يحيى، عن محمد بن إسحاق، عن طلحة بن عُبيد الله: أنه سمع رسولَ الله ﷺ يقول: «الحجُّ جهاد, والعمرةُ تطوُّع» رواه عن هشام بن عمّار، عن الحسن بن يحيى الخُشَني. ٨ - باب كيف (١) التلبية ١١٣/ ١٧٣٨ - عن عبد الله بن عمر: «أنَّ تلبيةَ رسول الله ﷺ : لبَّيْكَ اللهم لبيك، لبَّيك لا شريكَ لكَ لبيك، إنَّ الحمدَ، والنعمةَ لكَ والملكَ، لا شريكَ لك، قال: وكان عبد الله بن عمر يزيد في تلبيته: لبيك لبيك، لبيك وسَعْديك، والخير بيديك، والرَّغْبَاءُ إليك والعمل». وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه (٢). قال ابن القيم ﵀: في معنى التلبية ثمانية أقوال: أحدها: إجابةً لك بعد إجابة, ولهذا المعنى كُرِّرت التلبية إيذانًا بتكرير الإجابة. الثاني: أنه انقياد لكَ بعد انقياد, من قولهم: لبَّبْتُ الرجلَ, إذا قبضتُ على تلابيبه, ومنه: «فلبّبْتُه بردائه». والمعنى: انقدْتُ لكَ, وسَعَت نفسي لك خاضعةً ذليلة, كما يُفْعَل بمن لُبِّبَ بردائه, وقُبِضَ على تلابيبه. الثالث: أنه مِن «لَبّ بالمكان» , إذا أقام به ولزمه. والمعنى: أنا مقيم على

стр. 385

طاعتك ملازم لها. اختاره صاحب «الصَّحاح» (١). الرابع: أنه مِن قولهم: «داري تلُبُّ دارَك» , أي تواجهها وتقابلها, أي: أنا مواجِهُك بما تحبُ متوجِّه إليك. حكاه في «الصَّحاح» (٢) عن الخليل. الخامس: معناه: حُبًّا لكَ بعد حُبّ, مِن قولهم: امرأةٌ لَبَّة, إذا كانت مُحِبّة لولدها. السادس: أنه مأخوذ مِن لُبّ الشيء, وهو خالصه, ومنه: لُبّ الطعام, ولُبّ الرجل: عقلُه وقلبُه. ومعناه: أخلصت لُبّي وقَلْبي لك, وجعلتُ لك لُبِّي وخالصتي. السابع: أنه مِن قولهم: فلانٌ رَخيُّ اللَّبَبِ, وفي لَبَبٍ رَخِيٍّ, أي: في حالٍ واسعةٍ منشرح الصدر. ومعناه: أني منشرحُ الصدر متسعُ القلب لقبول دعوتك وإجابتها, متوجه (٣) إليك بلَبَبٍ رَخِيّ توجّه (٤) المحبّ إلى محبوبه, لا بِكُره ولا تكلُّف. الثامن: أنه من الإلباب, وهو الاقتراب: أي اقترابًا إليك بعد اقتراب, كما يتقرَّب المحبّ من محبوبه. و «سعديك»: من المساعدة, وهي المُطاوَعة. ومعناه: مساعدةً في طاعتك وما تحبّ بعد مساعدة.

стр. 386

قال الجَرْمي (١): ولم يُسْمَع «سعديك» مفردًا. و «الرَّغْباء إليك» يقال: بفتح الراء مع المدّ, وبضمها مع القَصْر. ومعناها الطلب والمسألة والرغبة. واختلف النُّحاة في الياء في «لبيك». فقال سيبويه (٢): هي ياء التثنية. وهو من المُلْتَزم نصبُه على المصدر, كقولهم: حمدًا وشكرًا وكرامةً ومسرَّةً. والتزموا تثنيتَه إيذانًا بتكرير معناه واستدامته. والتزموا إضافتَه إلى ضمير المخاطَب لما خصوه بإجابة الداعي. وقد جاء إضافته إلى ضمير الغائب نادرًا, كقول الشاعر (٣): دعوتُ لِمَا نابني مسورًا ... فلبَّى فلبَّيْ يَدَي مسور والتثنية فيه كالتثنية في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك:٤] وليس المراد ما يشفع الواحد فقط. وكذلك «سعديك ودواليك». وقال يونس: هو مفرد, والياء فيه مثل الياء في «عليك وإليك ولديك». ومِن حُجَّة سيبويه على يونس: أن «على» و «إلى» يختلفان بحسب الإضافة, فإن جَرَّا مُضمرًا كانا بالياء, وإن جَرَّا ظاهرًا كانا بالألف، فلو كان «لبيك» كذلك لما كان بالياء في جميع أحواله، سواء أضيف إلى ظاهر أو

стр. 387

مضمر, كما قال: «فلبّي يَدَي مِسْور». وقالت طائفة من النحاة: أصلُ الكلمة لبًّا لبًّا, أي إجابة بعد إجابة, فثقل عليهم تكرار الكلمة, فجمعوا بين اللفظين ليكون أخفَّ عليهم, فجاءت التثنيةُ وحُذِف التنوين لأجل الإضافة. وقد اشتملت كلمات التلبية على قواعد عظيمة وفوائد جليلة: إحداها: أن قولك «لبيك» يتضمن إجابة داعٍ دعاك ومنادٍ ناداك, ولا يصح في لغةٍ ولا عقل إجابةُ مَن لا يتكلَّم ولا يدعو (١). الثانية: أنها تتضمن المحبة كما تقدم, ولا يقال «لبيك» إلا لمن تحبُّه وتعظِّمُه, ولهذا قيل في معناها: أنا مواجِهٌ لك بما تحبّ, وأنها من قولهم: امرأة لَبَّة, أي مُحِبّة لولدها. الثالثة: أنها تتضمّن التزام دوام العبودية, ولهذا قيل: هي من الإقامة, أي: أنا مقيم على طاعتك. الرابعة: أنها تتضمن الخضوعَ والذُّلَّ, [ق ٦٥] أي خضوعًا لك (٢) بعد خضوع, من قولهم. أنا مُلِبّ بين يديك, أي خاضع ذليل. الخامسة: أنها تتضمّن الإخلاص, ولهذا قيل: إنها من اللُّبّ, وهو الخالص.

стр. 388

السادسة: أنها تتضمّن الإقرار بسمع الرب تعالى, إذ يستحيل أن يقول الرجل «لبيك» لمن لا يسمع دعاءه. السابعة (١): أنها تتضمّن التقرُّب من الله, ولهذا قيل: من الإلباب, وهو التقرُّب. الثامنة: أنها جُعِلَت في الإحرام شعار الانتقال (٢) من حال إلى حال, ومن مَنْسك إلى مَنْسك, كما جُعل التكبير في الصلاة شعار الانتقال (٣) من ركن إلى ركن, ولهذا (٤) السنةُ أن يُلَبِّي حتى يَشْرَع في الطواف, فيقطع التلبية, ثم إذا سار لبَّى حتى يقف بعرفة فيقطعها، ثم يلبِّي حتى يقف بمزدلفة فيقطعها، ثم يلبِّي حتى يرمي جمرة العقبة فيقطعها، فالتلبية شعار الحجِّ والتنقُّل في أعمال المناسك, فالحاجُّ كلما انتقل من ركن إلى ركن قال: «لبيك اللهم لبيك» كما أن المصلي يقول في انتقاله من ركن إلى ركن: «الله أكبر»، فإذا حلّ من نُسُكه قطعها, كما يكون سلام المصلي قاطعًا لتكبيره. التاسعة: أنها شعار التوحيد وملّة إبراهيم, الذي هو روح الحجِّ ومقصده, بل روح العبادات كلها والمقصود منها. ولهذا كانت التلبية مفتاح هذه العبادة التي يُدْخَل فيها بها. العاشرة: أنها متضمنة لمفتاح الجنة وباب الإسلام الذي يُدخَل منه إليه,

стр. 389

وهو كلمة الإخلاص والشهادة لله بأنه لا شريك له. الحادية عشر: أنها مشتملة على الحمد لله الذي هو مِن أحبِّ ما يَتَقرَّب به العبدُ إلى الله, وأول من يُدعَى إلى الجنة أهلُه, وهو فاتحة الصلاة وخاتمتها. الثانية عشر: أنها مشتملة على الاعتراف لله بالنعمة كلِّها, ولهذا عرَّفها باللام المفيدة للاستغراق, أي النعم كلها لك ومنك (١) , وأنتَ موليها (٢) والمُنْعِم بها. الثالثة عشر: أنها مشتملة على الاعتراف بأن المُلْك كلَّه لله وحده, فلا مُلك على الحقيقة لغيره. الرابعة عشر: أن هذا المعنى مؤكَّد الثبوت بـ «إنَّ» المقتضية تحقيق الخبر وتثبيته، وأنه مما لا يدخله ريبٌ ولا شكّ. الخامسة عشر: في «أنّ» وجهان: فتحها وكسرها, فمن فتحها تضمَّنت معنى التعليل, أي لبيك لأنّ الحمدَ والنعمةَ لك. ومَن كسرها كانت جملةً مستقلّةً مستأنَفَةً, تتضمن ابتداءَ الثناء على الله, والثناءُ إذا كَثُرت جُمَلُه وتعدَّدَت كان أحسن من قِلّتها, وأما إذا فُتِحت فإنها تُقدَّر بلام التعليل المحذوفة معها قياسًا, والمعنى: لبيك لأن الحمد لك، والفرق (٣) بين أن تكون جُمَل الثناء علةً لغيرها وبين أن تكون مستقلةً مرادة لنفسها, ولهذا قال

стр. 390

ثعلب (١): من قال «إن» بالكسر فقد عمّ, ومَن قال: «أن» بالفتح فقد خصّ. ونظير هذين الوجهين والتعليلين والترجيح سواء قوله تعالى حكاية عن المؤمنين: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨] بكسر «إن» وفتحها. فمَن فتَحَ كان المعنى: «ندعوه لأنه هو البَرُّ الرحيم»، ومَن كَسَر كان الكلام جملتين, إحداهما قولهم: «ندعوه» , ثم استأنف فقال: «إنه هو البر الرحيم» , قال أبو عبيد (٢): والكسر أحسن, ورجَّحَه بما ذكرناه. السادسة عشر: أنها متضمِّنة للإخبار عن اجتماع المُلْك والنعمة والحمد لله , وهذا نوعٌ آخر مِن الثناء عليه, غير الثناء بمفردات تلك الأوصاف العَليَّة, فله (٣) سبحانه من أوصافه العُلى نوعا ثناءٍ: نوعٌ متعلِّق بكلّ صِفَةٍ صِفَةٍ (٤) على انفرادها, ونوعٌ متعلِّق باجتماعها، وهو كمالٌ مع كمال، وهو غاية الكمال, والله سبحانه يَقْرِن في صفاته بين المُلك والحمد, ويُنَوِّع هذا المعنى إذ (٥) اقتران أحدهما بالآخر من أعظم الكمال؛ فالملك وحدَه كمال, والحمد كمال، واقتران أحدهما بالآخر كمال, فإذا اجتمع المُلك المتضمِّن للقدرة مع النعمة المتضمِّنة لغاية النفع والإحسان والرحمة، مع

стр. 391

الحَمْد المتضمِّن لغاية الجلال والإكرام الداعي إلى محبَّته= كان في ذلك من العَظَمة والكمال والجلال ما هو أولى به وهو أهله, وكان في ذِكْر الحَمْد له ومعرفته به من انجذاب قلبه إلى الله وإقباله عليه, والتوجُّه بدواعي المحبَّة كلها إليه= ما هو مقصود العبودية ولُبّها. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. ونظير هذا: اقتران الغِنَى بالكرم, كقوله: ﴿فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل:٤٠] فله كمالٌ مِن غناه وكرمه, ومنِ اقتران أحدهما بالآخر. ونظيره اقتران العِزّة بالرحمة: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء:٩]. ونظيره اقتران العفو بالقدرة: ﴿فَإِنَّ (١) اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء:١٤٩]. ونظيره اقتران العِلْم بالحلم: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [النساء:١٢]. ونظيره اقتران الرحمة بالقدرة: ﴿وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الممتحنة:٧]. وهذا يُطْلِع ذا اللبِّ على رياضٍ من العلم أنيقات, ويفتح له بابَ محبَّةِ الله ومعرفته, والله المستعان وعليه التكلان. السابعة عشر: أن النبي ﷺ قال: «أفضل ما قُلتُ أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له, له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير» (٢) وقد اشتملت التلبيةُ على هذه الكلمات بعينها, وتضمَّنت معانيها,

стр. 392

وقوله: «وهو على كل شيء قدير» , لك أن تُدخلها تحت قولك في التلبية: «لا شريك لك»، ولك أن تُدخلها تحت قولك: «إن الحمد (١) لك». ولك أن تُدخلها تحت إثبات الملك له تعالى, [ق ٦٦] إذ لو كان بعض الموجودات خارجًا عن قُدْرته ومُلكه, واقعًا بخلق غيره, لم يكن نفي الشريك عامًّا, ولم يكن إثبات الملك والحمد له عامًّا, وهذا من أعظم المحال, والمُلك كلُّه له, والحمد كلُّه له, وليس له شريك بوجه من الوجوه. الثامنة عشر: أن كلمات التلبية متضمِّنة للردِّ على كلِّ مُبطِل في صفات الله وتوحيده؛ فإنها مُبْطِلة لقول المشركين على اختلاف طوائفهم ومقالاتهم، ولقول الفلاسفة وإخوانهم من الجهمية المعطِّلين لصفات الكمال التي هي مُتعَلَّق الحمدِ, فهو سبحانه محمودٌ لذاته ولصفاته ولأفعاله, فمَن جَحَد صفاته وأفعاله فقد جَحَد حَمْدَه. ومُبْطِلةٌ لقول مجوس الأمة من (٢) القدَرِيَّة الذين أخرجوا عن ملكِ الرب وقدرتِه أفعالَ عبادِه من الملائكة والجن والإنس, فلم يُثبِتوا له عليها قدرةً، ولا جعلوه خالقًا لها. فعلى قولهم لا تكون داخلةً تحت مُلكه, إذ مَنْ لا قدرةَ له على الشيء كيف يكون (٣) داخلًا تحت ملكه؟ فلم يجعلوا الملكَ كلَّه لله, ولم يجعلوه على كلِّ شيء قدير.

стр. 393

وأما الفلاسفة فعندهم لا قدرة له على شيءٍ البتة. فمن علم معنى هذه الكلمات وشهدها وأيقن بها بايَنَ جميعَ الطوائف المبطلة (١). التاسعة عشر: في عطف المُلك على الحمد والنعمة بعد كمال الخَبَر, وهو قوله: «إنّ الحمدَ والنعمةَ لك والملك» ولم يقل: إن الحمد والنعمة والملك لك= لطيفة بديعة, وهي: أن الكلام يصير بذلك جملتين مستقلّتين, فإنه لو قال: «إن الحمد والنعمة والملك لك» كان عطفُ الملكِ على ما قبله عطفَ مفردٍ على مفردٍ, فلما تمَّت الجملةُ الأولى بقوله «لك» ثم عَطَف الملكَ, كان تقديره: والملك لك. فيكون مساويًا لقوله: «له الملك وله الحمد» , ولم يقل: له الملك والحمد, وفائدته تكرار الجُمَل (٢) في الثناء. العشرون: لمَّا عَطَف النعمةَ على الحمد ولم يفصل بينهما بالخبر, كان فيه إشعار باقترانهما وتلازمهما, وعدم مفارقة أحدهما للآخر, فالإنعام والحمد قرينان. الحادية والعشرون: في إعادة الشهادة له بأنه لا شريك له لطيفة، وهو (٣): أنه أخبر أنه لا شريك له عقب إجابته بقوله «لبيك» , ثم أعادها عقب قوله: «إنّ الحمدَ والنعمةَ لك والملك لا شريكَ لك». وذلك يتضمَّن أنه لا شريك له في الحمد والنعمة والملك, والأول يتضمَّن أنه لا شريك لك في إجابة هذه الدعوة, وهذا نظير قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ

стр. 394

وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨] فأخبر بأنه «لا إله إلا هو» في أول الآية, وذلك داخل تحت شهادته وشهادة ملائكته وأولي العلم, وهذا هو المشهود به, ثم أخبر عن قيامه بالقسط وهو العدل, فأعاد الشهادةَ بأنه لا إله إلا هو مع قيامه بالقسط. ٩ - باب ما يلبسُ المُحْرِم ١١٤/ ١٧٤٩ - عن سالم، عن أبيه قال: سأل رجلٌ رسولَ الله ﷺ : ما يتركُ المحرمُ من الثياب؟ فقال: لا يلبس القميصَ، ولا البُرْنُسَ، ولا السراويل، ولا العمامة، ولا ثوبًا مَسَّهُ وَرْسٌ ولا زَعْفران، ولا الخُفَّين، إلا أن لا يجد النعلَين، فمَنْ لم يجد النعلين فليلبَسِ الخُفَّين، وليقْطَعْهما حتى يكونا أسفلَ مِن الكعبين». وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي بنحوه (١). قال ابن القيم ﵀: حديث ابن عمر هذا فيه أحكام عديدة: الحكم الأول: أنه ﷺ سُئل عما يُلْبَس (٢) وهو غير محصور, فأجاب بما لا يُلْبَس لحصره. فعُلِم أن غيرَه على الإباحة، ونبَّه بالقميص على ما فُصِّل للبدن كلِّه, مِن جُبّة أو دَلَق (٣) أو درَّاعة أو عَرَقْشِين (٤) ونحوه. ونبَّه بالعمامة

стр. 395

على كلِّ ساترٍ للرأسِ معتادٍ كالقُبْع (١) والطاقية والقَلَنْسُوة والكُلْتة (٢) ونحوها. ونبَّه بالبُرْنُس على المحيط بالرأس والبدن جميعًا, كالغفارة (٣) ونحوها. ونبَّه بالسراويل على المفصَّل على الأسافل, كالتُّبّان ونحوه. ونبَّه بالخُفَّين على ما في معناهما, من الجُرْمُوق (٤) والجورب والزَّرْبول ذي الساق (٥) ونحوه. الحكم الثاني: أنه مَنَعه من الثوب المصبوغ بالوَرْس أو الزعفران, وليس هذا لكونه طِيبًا, فإن الطِّيْب في غير الوَرْس والزعفران أشدّ, ولأنه خصَّه بالثوب دون البدن. وإنما هذا من أوصاف الثوب الذي يحرم فيه, أن لا يكون مصبوغًا بوَرْس ولا زعفران، وقد نَهَى أن يتزعفر الرجل (٦) , وهذا منهيٌّ عنه خارج الإحرام, وفي الإحرام أشدّ. والنبيُّ ﷺ لم يتعرَّض هنا إلا

стр. 396

لأوصاف الملبوس, لا لبيان جميع محظورات الإحرام. الحكم الثالث: أنه ﷺ رخَّص في لُبس الخُفّين عند عدم النعلين ولم يذكر فديةً, ورخَّص في حديث كعب بن عُجْرة في حَلْق رأسِه مع الفدية, وكلاهما محظور بدون العذر. والفرق بينهما: أن أذى الرأس ضرورة خاصة لا تعمّ, فهي رفاهية للحاجة. وأما لُبس الخُفّين عند عدم النعلين فبَدَل يقوم مقام المُبْدَل, والمُبْدَل ــ وهو النعل ــ لا فدية فيه, فلا فدية في بدله, وأما حلق الرأس فليس ببدل، وإنما هو ترفُّه للحاجة, فجُبِر بالدم. الحكم الرابع: أنه أمَرَ لابس الخُفَّين بقطعهما أسفل مِن كعبيه, في حديث ابن عمر, لأنه إذا قطعهما أسفل من الكعبين صارا شبيهين بالنعل. فاختلف الفقهاء في هذا القطع, هل هو واجب أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنه واجب, وهذا قول الشافعي وأبي حنيفة ومالك [ق ٦٧] والثوري وإسحاق وابن المنذر, وإحدى الروايتين عن أحمد (١) , لأمر رسول الله ﷺ بقطعهما, وتعجَّبَ الخطّابيُّ (٢) من أحمد فقال: العجَبُ من أحمد في هذا! فإنه لا يكاد يخالف سنةً تبلُغُه, وَقلَّت سنةٌ لم تبلُغْه. وعلى هذه الرواية إذا لم يقطعهما تلزمه الفدية. والثاني: أن القطع ليس بواجبٍ, وهو أصحّ الروايتين عن أحمد, ويُروى عن عليّ بن أبي طالب, وهو قول أصحاب ابن عباس, وعطاء,

стр. 397

وعكرمة (١). وهذه الرواية أصح, لما في «الصحيحين» (٢) عن ابن عباس قال: سمعتُ النبيَّ ﷺ يخطب بعرفات: «مَن لم يجد إزارًا فليلبس سراويل, ومن لم يجد نعلين فليلبس خُفّين». فأطلق الإذن في لبس الخُفّين ولم يشترط القطع، وهذا كان بعرفات, والحاضرون معه إذ ذاك أكثرهم لم يشهدوا خطبتَه بالمدينة, فإنه كان معه مِن أهل مكة واليمن والبوادي مَن لا يحصيهم إلا الله تعالى, وتأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع. وفي «صحيح مسلم» (٣) عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «مَن لم يجد نعلين فليلبس خُفّين, ومن لم يجد إزارًا فليلبس سراويل» , فهذا كلام مُبتدأٌ من النبي ﷺ ,بَيَّن فيه في عَرَفات ــ في أعظم جَمْع كان له ــ أن من لم يجد الإزار فليلبس السراويل, ومن لم يجد النعلين فليلبس الخُفَّين, ولم يأمر بقطعٍ ولا فَتْق, وأكثر الحاضرين بعرفات لم يسمعوا خطبته بالمدينة، ولا سمعوه يأمر بقطع الخُفّين، وتأخير البيان عن وقته ممتنع؛ فدلَّ هذا على أن هذا الجواز لم يكن شُرِع بالمدينة, وأن الذي شُرِع بالمدينة هو الخفّ المقطوع, ثم شرع بعرفات الخف (٤) من غير قطع. فإن قيل: فحديث ابن عمر مُقيَّد، وحديث ابن عباس مطلق, والحكم والسبب واحد, وفي مثل هذا يتعيَّن حَمْل المطلق على المقيَّد, وقد أَمَر في

стр. 398

حديث ابن عمر بالقطع. فالجواب من وجهين: أحدهما: أن قوله في حديث ابن عمر: «وليقطعهما» قد قيل: إنه مُدْرَج من كلام نافع. قال صاحب «المغني» (١): «كذلك رُوِيَ في «أمالي أبي القاسم بن بشران» بإسناد صحيح: أن نافعًا قال بعد روايته للحديث: وليقطع الخُفّين أسفلَ مِن الكعبين». والإدراجُ فيه محتمل, لأن الجملة الثانية يستقلّ الكلام الأول بدونها, فالإدراج فيه ممكن, فإذا جاء مصرَّحًا به أن نافعًا قاله زال الإشكال. ويدلُّ على صحة هذا: أن ابن عمر كان يفتي بقطعهما للنساء, فأخبرَتْه صفيةُ بنت أبي عبيد عن عائشة: أن رسول الله ﷺ رخَّصَ للمحرم أن يلبس الخفين ولا يقطعهما, قالت صفية: فلما أخبرته بهذا رجع» (٢). الجواب الثاني: أن الأمر بالقطع كان بالمدينة و رسول الله ﷺ يخطب على المنبر, فناداه رجل فقال: ما يلبس المحرم من الثياب؟ فأجابه بذلك, وفيه الأمر بالقَطْع، وحديثُ ابن عباس وجابر بعده، وعَمرو بن دينار روى الحديثين معًا ثم قال: انظروا أيهما كان قبل (٣). وهذا يدلُّ على أنهم علموا نسخَ الأمرِ بحديث ابن عباس.

стр. 399

وقال الدارقطني (١): قال أبو بكر النيسابوري: حديث ابن عمر قبل, لأنه قال: نادى رجلٌ رسولَ الله ﷺ وهو في المسجد» فذَكَره, وابنُ عباس يقول: سمعتُ رسول الله ﷺ يخطب بعرفات. فإن قيل: حديث ابن عباس رواه أيوبُ والثوريُّ وابنُ عيينة وحماد بن زيد وابن جُرَيج وهُشَيم, كلُّهم عن عَمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس, ولم يقل أحدٌ منهم «بعرفات» غيرُ شعبة, ورواية الجماعة أولى من رواية الواحد. قيل: هذا عَنَت (٢) , فإن هذه اللفظة متفق عليها في «الصحيحين» , وناهيك برواية شعبةَ لها, وشعبةُ حفِظَها وغيرُه لم يَنْفِها, بل هي في حكم جملة أخرى في الحديث مستقلّة, وليست تتضمن مخالفة للآخرين, ومثل هذا يُقْبَل ولا يُردّ, ولهذا رواها الشيخان. وقد قال عليٌّ ﵁: «قَطْع الخُفّين فسادٌ، يلبسهما كما هما» (٣). وهذا مقتضى القياس، فإن النبيَّ ﷺ سوَّى بين السراويل وبين الخفّ في لُبس كلٍّ منهما عند عدم الإزار والنّعْل, ولم يأمر بفتق السراويل, لا في حديث ابن عمر ولا في حديث ابن عباس ولا غيرهما. ولهذا كان مذهب الأكثرين: أنه يلبس السراويل بلا فَتْق عند

стр. 400

عدم الإزار, فكذلك الخُفّ يُلْبَس بلا قطعٍ, ولا فرق بينهما. وأبو حنيفة (١) طَرَد القياسَ وقال: تُفْتَق السراويل, حتى تصير كالإزار, والجمهور قالوا: هذا خلاف النص, لأن النبي ﷺ قال: «السراويل لمن لم يجد الإزار» (٢) وإذا فُتِق لم يبق سراويل. ومَن اشترط قطعَ الخُفّ خالفَ القياس مع مخالفته النصَّ المطلق بالجواز. ولا يسلم مِن مخالفة النصِّ والقياس إلا مَن جوَّز لُبسهما بلا قطع, أما القياس فظاهر, وأما النصّ فما تقدم تقريرُه (٣). والعجبُ أن مَن يوجب القطعَ يوجبُ ما لا فائدةَ فيه, فإنهم لا يجَوِّزون لُبس المقطوع كالمداس والجمجم ونحوهما، بل عندهم المقطوع كالصحيح في عدم جواز لُبسه. فأيُّ معنًى للقطع والمقطوعُ عندكم كالصحيح؟! وأما أبو حنيفة (٤) ﵀ فيجوِّز لبس المقطوع, وليس عنده كالصحيح, وكذلك المداس والجمجم ونحوهما. قال شيخنا (٥): وأفتى به جدِّي أبو البركات في آخر عمره [ق ٦٨] لمّا حجَّ. قال شيخنا: وهو الصحيح, لأن المقطوع لُبسه أصلٌ لا بَدَل. قال شيخنا (٦): فأبو حنيفة ﵀ فهم من حديث ابن عمر أن المقطوعَ

стр. 401

لبسه أصلٌ لا بَدَل, فجَوَّز لبسه مطلقًا, وهذا فهمٌ صحيح, وقولُه في هذا أصحّ من قول الثلاثة. والثلاثةُ فهموا منه الرخصة في لُبس السراويل عند عدم الإزار والخفِّ عند عدم النعل, وهذا فهمٌ صحيح, وقولهم في هذا أصح من قوله. وأحمدُ فهم من النص المتأخر لبس الخفِّ صحيحًا بلا قطع عند عدم النعل, وأن ذلك ناسخ للأمر بالقطع, وهذا فهم صحيح, وقوله في ذلك أصح الأقوال. فإن قيل: فلو كان المقطوع أصلًا، لم يكن عدم النعل شرطًا فيه, و النبيُّ ﷺ إنما جعله عند عدم النعل. قيل: بل الحديث دليلٌ على أنه ليس كالخفّ, إذ لو كان كالخُفّ لما أمر بقطعه، فدلَّ على أنه بقطعه يخرج عن شَبَه الخفِّ, ويلتحق بالنعل. وأما جَعْله عدم النعل شرطًا فلأجل أن القطعَ إفساد لصورته ومالِيَّته, وهذا لا يُصارُ إليه إلا عند عدم النعل, وأما مع وجود النعل فلا يُفْسِدُ الخفَّ ويُعْدِم مالِيّته, فإذا تبيَّن هذا تبين أن المقطوع ملحقٌ بالنعل لا بالخُفّ, كما قال أبو حنيفة, وأن على قول الموجبين للقطع لا فائدة فيه, فإنهم لا يجوِّزون لبس المقطوع, وهو عندهم كالخفِّ. فإن قيل: فغايةُ ما يدلُّ عليه الحديث جوازُ الانتقال إلى الخفّ والسراويل عند عدم النعل والإزار, وهذا يفيد الجواز, وأما سقوط الفدية فلا, فهلَّا قلتم كما قال أبو حنيفة: يجوز له ذلك مع الفدية؟ فاستفادَ الجوازَ من هذا الحديث, واستفادَ الفديةَ من حديث كعب بن عُجْرة, حيث جوَّز له

стр. 402

فِعْل المحظورِ مع الافتداء (١) , فكان أسعدَ بالنصوص وموافقتها منكم, مع موافقته لابن عمر في ذلك. قيل: بل إيجاب الفدية ضعيف في النصِّ والقياس, فإنّ النبيَّ ﷺ ذكر البَدَلَ في حديث ابن عمر وابن عباس وجابر وعائشة, ولم يأمر في شيءٍ منها بالفدية, مع الحاجة إلى بيانها, وتأخيرُ البيان عن وقته ممتنع, فسكوته عن إيجابها مع شدَّة الحاجة إلى بيانه ــ لو كان واجبًا ــ دليلٌ على عدم الوجوب, كما أنه جَوَّز لبس السراويل بلا فتق, ولو كان الفتقُ واجبًا لبيَّنَه. وأما القياس فضعيف جدًّا؛ فإن مثل (٢) هذا من باب الأبدال التي تجوز عند عدم مُبْدَلاتها, كالتراب عند عدم الماء, وكالصيام عند العجز [عن] (٣) الإعتاق والإطعام, وكالعدة بالأشهر عند تعذُّر الأقراء ونظائره, ليس هذا من باب المحظور المستباح بالفدية. والفرقُ بينهما: أن الناس مشتركون في الحاجة إلى لبس ما يسترون به عوراتِهم, ويَقُوْنَ به أرجلَهم الأرضَ والحرَّ والشوكَ ونحوَه, فالحاجة إلى ذلك عامة, ولما احتاج إليه العموم لم يُحْظَر عليهم, ولم يكن عليهم فيه فدية، بخلاف ما يحتاج إليه لمرض أو برد, فإنَّ ذلك حاجة لعارض, ولهذا رخَّص النبيُّ ﷺ للنساء في اللباس مطلقًا بلا فدية, ونهى عن النقاب والقُفَّازين, فإن المرأة لما كانت كلها عورة, وهي محتاجة إلى ستر بدنها, لم

стр. 403

يكن عليها في ستر بدنها فدية, وكذلك حاجة الرجال إلى السراويلات والخِفاف هي عامة, إذا لم يجدوا الإزار والنعال, وابنُ عمر لمَّا لم يبلُغْه حديث الرخصة مطلقًا أخذ بحديث القطع, وكان يأمر النساءَ بقطع الخِفاف, حتى أخبرَتْه بعد هذا صفيةُ زوجتُه عن عائشة: «أن النبيَّ ﷺ أرخص للنساء في ذلك» , فرجع عن قوله (١). ومما يبيِّن أنّ النبي ﷺ أرخص في الخفين بلا قطع بعد أن منع منهما: أن في حديث ابن عمر المنع من لبس السراويل مطلقًا, ولم يبيِّن فيه حالة من حالة, وفي حديث ابن عباس وجابر المتأخِّرَين ترخيصُه في لبس السراويل عند عدم الإزار, فدلَّ على أن رُخصة البدل لم تكن شُرِعت في لبس السراويل, وأنها إنما شُرِعت وقت خُطبته بها, وهي متأخرة, فكان الأخْذُ بالمتأخِّر أولى, لأنه إنما يُؤخَذ بالآخر فالآخر مِن أَمْرِ رسول الله ﷺ . فمدار المسألة على ثلاث نُكَت: إحداها: أن رُخصة البدليَّة إنما شُرِعت بعرفات لم تُشْرَع قَبْلُ. والثانية: أن تأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع. والثالثة: أن المقطوعَ (٢) كالنعل أصلٌ, لا أنه بدل. والله أعلم. فصل وأما نهيه ﷺ في حديث ابن عمر المرأةَ أن تنتقب، وأن تلبس القُفَّازَين, فهو دليل على أن وجه المرأة كبدن الرجل لا كرأسه, فيحرم عليها فيه ما وُضِع وفُصِّل على قَدْر الوجه كالنقاب والبرقع, ولا يحرم عليها ستره

стр. 404

بالمقنعة والجلباب ونحوهما، وهذا أصحّ القولين. فإن النبيَّ ﷺ سوى بين وجهها ويديها, ومنَعَها من القُفّازَين والنقاب, ومعلومٌ أنه لا يحرم عليها سَتْر يديها (١) , وأنهما كبدن المحرم يحرم سترهما بالمفصَّل على قدرهما وهما القفازان, فهكذا الوجه إنما يَحْرُم سَتْره بالنقاب ونحوه, وليس عن النبيِّ ﷺ حرفٌ واحد في وجوب كشف المرأة وجهها عند الإحرام, إلا النهي عن النقاب, وهو كالنهي عن القُفَّازَين، [ق ٦٩] فنسبة النقاب إلى الوجه كنسبة القُفّازَين إلى اليد سواء. وهذا واضح بحمد الله. وقد ثبت عن أسماء أنها كانت تُغطِّي وجهها وهي محرمة (٢) , وقالت عائشة: «كانت الركبانُ يمرون بنا, ونحن محرمات مع رسول الله ﷺ ، فإذا حاذوا بنا سدلَتْ إحدانا جلبابَها على وجهها, فإذا جاوزونا كشفنا» ذكَرَه أبو داود (٣). واشتراط المجافاة عن الوجه كما ذكره القاضي (٤) وغيره ضعيفٌ لا أصل له دليلًا ولا مذهبًا. قال صاحب «المغني» (٥): «ولم أر هذا الشرط ــ يعني المجافاة ــ عن أحمد ولا هو في الخَبَر, مع أن الظاهر خلافُه, فإن الثوب المسدولَ لا يكاد يسلم من إصابة البشرة, فلو كان هذا شرطًا لَبُيِّن,

стр. 405

وإنما مُنِعَت المرأةُ مِن البرقع والنقاب ونحوهما مما يُعَدّ لستر الوجه, قال أحمد: لها أن تسدل على وجهها مِن فوق, وليس لها أن ترفع الثوبَ مِن أسفل. كأنه يقول: إن النقاب من أسفل على وجهها. تم كلامه. فإن قيل: فما تصنعون بالحديث المرويِّ عن النبي ﷺ أنه قال: «إحرام الرجل في رأسه, وإحرام المرأة في وجهها» (١) فجعَلَ وجهَ المرأة كرأس الرجل, وهذا يدلُّ على وجوب كشفه؟ قيل: هذا الحديث لا أصل له, ولم يروه أحدٌ مِن أصحاب الكتب المعتمد عليها, ولا يُعْرَف له إسناد, فلا تقوم به حُجّة (٢) , ولا يُتْرَك له الحديثُ الصحيحُ الدالُّ على أن وجهها كبدنها, وأنه يحرم عليها فيه ما أُعِدّ للعضو كالنقاب والبرقع ونحوه, لا مطلق الستر كاليدين. والله أعلم.

стр. 406

١١٥/ ١٧٥٠ - وعن نافعٍ، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ بمعناه، زاد: «ولا تَنْتَقِبُ المرأةُ الحرام، ولا تلبسُ القُفَّازَين». وأخرجه البخاريُّ والترمذي والنسائي (١). هذا مستثنى من تضييع المال، وكل إتلاف وباب المصلحة فليس بتضييع وليس في أوامر الشريعة إلا الاتباع. وقال عطاء: لا يقطعهما فإن في قطعهما فسادًا .... أن يكون لم يبلغه حديث ابن عمر. وقال الشافعي: أرى أن يقطعهما لأن ذلك في حديث ابن عمر وإن لم يكن في حديث ابن عباس، وكلاهما صادق حافظ، وليس زيادة أحدهما على الآخر شيئًا لم يروه الآخر إما غير رغبة وإما شك فيه فلم يؤدّه، وإما سكت عنه وإما أدّاه فلم يُؤدَّ عنه لبعض هذه المعاني إطلاقًا. والقفّاز بالضم والتشديد شيء يلبسه نساء العرب في أيديهن يُغطّي الأصابع والكف والساعد من البرد، يُحْشى بقطن ويكون له أزرار تُزَرّ على الساعدين. وقيل: هو ضربٌ من الحليّ ... المرأة لديها. وذهب أكثر العلماء إلى أنه لا شيء على المرأة في لباسه، وعللوا حديثَ ابن عمر بأن ذكر القفّازين إنما هو قول ابن عمر ليس عن النبي ﷺ ، وعَلَّق الشافعيُّ القولَ في ذلك (٢). قال ابن القيم ﵀: تحريم لبس القُفَّازَين قول عبد الله بن عمر وعطاء

стр. 407

وطاوس ومجاهد وإبراهيم النَّخَعي ومالك والإمام أحمد والشافعي في أحدِ قوليه وإسحاق بن راهويه (١). وتُذْكَر الرخصة عن عليّ وعائشة وسعد بن أبي وقاص, وبه قال الثوريُّ وأبو حنيفة (٢) والشافعيُّ في القول الآخر (٣). ونَهْي المرأةِ عن لُبسهما ثابتٌ في الصحيح, كنهي الرجل عن لُبس القميص والعمائم, وكلاهما في حديثٍ واحدٍ, عن راوٍ واحدٍ. وكنهيه المرأةَ عن النقاب, وهو في الحديث نفسه. وسنةُ رسولِ الله ﷺ أولى بالاتباع, وهي حجةٌ على مَن خالفها، وليس قولُ مَن خالفها حجةً عليها. وأما تعليل حديث ابن عمر في القُفّازَين بأنه مِن قوله (٤). فإنه تعليل باطل, وقد رواه أصحابُ الصحيح والسنن والمسانيد عن ابن عمر عن النبي ﷺ في حديث نَهْيه عن لبس القُمُص والعمائم والسراويلات وانتقاب المرأة ولبسها القفازين. ولا ريب عند أحدٍ من أئمة الحديث أن هذا كلَّه حديث واحد من أصح الأحاديث عن رسول الله ﷺ مرفوعًا إليه, ليس من كلام ابن عمر.
следующие страницы →