← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 201

تهذيب سنن أبي داود - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 675 стр.). Показаны 403–442 · переход к 408.

стр. 403

يكن عليها في ستر بدنها فدية, وكذلك حاجة الرجال إلى السراويلات والخِفاف هي عامة, إذا لم يجدوا الإزار والنعال, وابنُ عمر لمَّا لم يبلُغْه حديث الرخصة مطلقًا أخذ بحديث القطع, وكان يأمر النساءَ بقطع الخِفاف, حتى أخبرَتْه بعد هذا صفيةُ زوجتُه عن عائشة: «أن النبيَّ ﷺ أرخص للنساء في ذلك» , فرجع عن قوله (١). ومما يبيِّن أنّ النبي ﷺ أرخص في الخفين بلا قطع بعد أن منع منهما: أن في حديث ابن عمر المنع من لبس السراويل مطلقًا, ولم يبيِّن فيه حالة من حالة, وفي حديث ابن عباس وجابر المتأخِّرَين ترخيصُه في لبس السراويل عند عدم الإزار, فدلَّ على أن رُخصة البدل لم تكن شُرِعت في لبس السراويل, وأنها إنما شُرِعت وقت خُطبته بها, وهي متأخرة, فكان الأخْذُ بالمتأخِّر أولى, لأنه إنما يُؤخَذ بالآخر فالآخر مِن أَمْرِ رسول الله ﷺ . فمدار المسألة على ثلاث نُكَت: إحداها: أن رُخصة البدليَّة إنما شُرِعت بعرفات لم تُشْرَع قَبْلُ. والثانية: أن تأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع. والثالثة: أن المقطوعَ (٢) كالنعل أصلٌ, لا أنه بدل. والله أعلم. فصل وأما نهيه ﷺ في حديث ابن عمر المرأةَ أن تنتقب، وأن تلبس القُفَّازَين, فهو دليل على أن وجه المرأة كبدن الرجل لا كرأسه, فيحرم عليها فيه ما وُضِع وفُصِّل على قَدْر الوجه كالنقاب والبرقع, ولا يحرم عليها ستره

стр. 404

بالمقنعة والجلباب ونحوهما، وهذا أصحّ القولين. فإن النبيَّ ﷺ سوى بين وجهها ويديها, ومنَعَها من القُفّازَين والنقاب, ومعلومٌ أنه لا يحرم عليها سَتْر يديها (١) , وأنهما كبدن المحرم يحرم سترهما بالمفصَّل على قدرهما وهما القفازان, فهكذا الوجه إنما يَحْرُم سَتْره بالنقاب ونحوه, وليس عن النبيِّ ﷺ حرفٌ واحد في وجوب كشف المرأة وجهها عند الإحرام, إلا النهي عن النقاب, وهو كالنهي عن القُفَّازَين، [ق ٦٩] فنسبة النقاب إلى الوجه كنسبة القُفّازَين إلى اليد سواء. وهذا واضح بحمد الله. وقد ثبت عن أسماء أنها كانت تُغطِّي وجهها وهي محرمة (٢) , وقالت عائشة: «كانت الركبانُ يمرون بنا, ونحن محرمات مع رسول الله ﷺ ، فإذا حاذوا بنا سدلَتْ إحدانا جلبابَها على وجهها, فإذا جاوزونا كشفنا» ذكَرَه أبو داود (٣). واشتراط المجافاة عن الوجه كما ذكره القاضي (٤) وغيره ضعيفٌ لا أصل له دليلًا ولا مذهبًا. قال صاحب «المغني» (٥): «ولم أر هذا الشرط ــ يعني المجافاة ــ عن أحمد ولا هو في الخَبَر, مع أن الظاهر خلافُه, فإن الثوب المسدولَ لا يكاد يسلم من إصابة البشرة, فلو كان هذا شرطًا لَبُيِّن,

стр. 405

وإنما مُنِعَت المرأةُ مِن البرقع والنقاب ونحوهما مما يُعَدّ لستر الوجه, قال أحمد: لها أن تسدل على وجهها مِن فوق, وليس لها أن ترفع الثوبَ مِن أسفل. كأنه يقول: إن النقاب من أسفل على وجهها. تم كلامه. فإن قيل: فما تصنعون بالحديث المرويِّ عن النبي ﷺ أنه قال: «إحرام الرجل في رأسه, وإحرام المرأة في وجهها» (١) فجعَلَ وجهَ المرأة كرأس الرجل, وهذا يدلُّ على وجوب كشفه؟ قيل: هذا الحديث لا أصل له, ولم يروه أحدٌ مِن أصحاب الكتب المعتمد عليها, ولا يُعْرَف له إسناد, فلا تقوم به حُجّة (٢) , ولا يُتْرَك له الحديثُ الصحيحُ الدالُّ على أن وجهها كبدنها, وأنه يحرم عليها فيه ما أُعِدّ للعضو كالنقاب والبرقع ونحوه, لا مطلق الستر كاليدين. والله أعلم.

стр. 406

١١٥/ ١٧٥٠ - وعن نافعٍ، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ بمعناه، زاد: «ولا تَنْتَقِبُ المرأةُ الحرام، ولا تلبسُ القُفَّازَين». وأخرجه البخاريُّ والترمذي والنسائي (١). هذا مستثنى من تضييع المال، وكل إتلاف وباب المصلحة فليس بتضييع وليس في أوامر الشريعة إلا الاتباع. وقال عطاء: لا يقطعهما فإن في قطعهما فسادًا .... أن يكون لم يبلغه حديث ابن عمر. وقال الشافعي: أرى أن يقطعهما لأن ذلك في حديث ابن عمر وإن لم يكن في حديث ابن عباس، وكلاهما صادق حافظ، وليس زيادة أحدهما على الآخر شيئًا لم يروه الآخر إما غير رغبة وإما شك فيه فلم يؤدّه، وإما سكت عنه وإما أدّاه فلم يُؤدَّ عنه لبعض هذه المعاني إطلاقًا. والقفّاز بالضم والتشديد شيء يلبسه نساء العرب في أيديهن يُغطّي الأصابع والكف والساعد من البرد، يُحْشى بقطن ويكون له أزرار تُزَرّ على الساعدين. وقيل: هو ضربٌ من الحليّ ... المرأة لديها. وذهب أكثر العلماء إلى أنه لا شيء على المرأة في لباسه، وعللوا حديثَ ابن عمر بأن ذكر القفّازين إنما هو قول ابن عمر ليس عن النبي ﷺ ، وعَلَّق الشافعيُّ القولَ في ذلك (٢). قال ابن القيم ﵀: تحريم لبس القُفَّازَين قول عبد الله بن عمر وعطاء

стр. 407

وطاوس ومجاهد وإبراهيم النَّخَعي ومالك والإمام أحمد والشافعي في أحدِ قوليه وإسحاق بن راهويه (١). وتُذْكَر الرخصة عن عليّ وعائشة وسعد بن أبي وقاص, وبه قال الثوريُّ وأبو حنيفة (٢) والشافعيُّ في القول الآخر (٣). ونَهْي المرأةِ عن لُبسهما ثابتٌ في الصحيح, كنهي الرجل عن لُبس القميص والعمائم, وكلاهما في حديثٍ واحدٍ, عن راوٍ واحدٍ. وكنهيه المرأةَ عن النقاب, وهو في الحديث نفسه. وسنةُ رسولِ الله ﷺ أولى بالاتباع, وهي حجةٌ على مَن خالفها، وليس قولُ مَن خالفها حجةً عليها. وأما تعليل حديث ابن عمر في القُفّازَين بأنه مِن قوله (٤). فإنه تعليل باطل, وقد رواه أصحابُ الصحيح والسنن والمسانيد عن ابن عمر عن النبي ﷺ في حديث نَهْيه عن لبس القُمُص والعمائم والسراويلات وانتقاب المرأة ولبسها القفازين. ولا ريب عند أحدٍ من أئمة الحديث أن هذا كلَّه حديث واحد من أصح الأحاديث عن رسول الله ﷺ مرفوعًا إليه, ليس من كلام ابن عمر.

стр. 408

وموضع الشُّبْهَة في تعليله أن نافعًا اختلف عليه فيه: فرواه الليث بن سعد عنه، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ ,فذكر فيه: «ولا تلبس القُفّازين» قال أبو داود (١): ورواه حاتم بن إسماعيل ويحيى بن أيوب، عن موسى بن عُقْبة، عن نافع على ما قال الليث. ورواه موسى بن طارق، عن موسى بن عُقْبة موقوفًا على ابن عمر. وكذلك رواه عُبيدُ الله بن عمر ومالكٌ وأيوبُ [عن نافع عن ابن عمر] (٢) موقوفًا, وكذلك هو في «الموطأ» (٣) عن نافع: أن عبد الله بن عمر كان يقول: «لا تنتقِبُ المرأةُ, ولا تلبس القُفّازين. ولكن قد رفعه الليثُ بن سعد وموسى بن عُقبة في الأكثر عنه. وإبراهيم بن سعيد أيضًا رفَعَه عن نافع, ذكره أبو داود (٤). ورواه محمد بن إسحاق عن نافع مرفوعًا, كما تقدم. فأما حديث الليث بن سعد فأخرجه البخاري في «صحيحه» والترمذي (٥). وقال: حديث صحيح. ورواه النسائي في «سننه» (٦). ولم يروا وَقْف مَن وَقَفه عِلّة.

стр. 409

وأما حديث موسى بن عُقبة فرواه النسائي في «سننه» (١) عن سُويد بن نَصْر، أخبرنا عبد الله بن المبارك، عن موسى بن عُقبة فذكر الحديث وقال في آخره: «ولا تنتقب المرأةُ الحرام ولا تلبس القُفّازين» مرفوعًا. قال البخاري (٢): «تابعه موسى بن عقبة، وإسماعيل بن إبراهيم بن عُقبة، وجُوَيرية، وابنُ إسحاق في النقاب والقفازين». وقال عبيد الله: [ولا وَرْس] وكان يقول: «لا تَنْتَقِبُ المُحْرِمةُ ولا تلبس القُفّازين». وقال مالك عن نافع عن ابن عمر: «لا تَنْتَقِبُ [المُحْرِمة] (٣)» وتابعه ليثُ بن أبي سُلَيم. فالبخاري ﵀ ذكر تعليلَه، ولم يرها عِلّة مؤثِّرة, فأخرجه في «صحيحه» عن عبد الله بن يزيد، حدثنا الليث، حدثنا نافع، عن ابن عمر فذَكَره. ١٠ - باب المحرم يَنْكِح (٤) ١١٦/ ١٧٦٧ - وعن ابن عباس: «أن النبيَّ ﷺ تزوَّج ميمونةَ وهو مُحْرِم». وأخرجه البخاري والترمذي والنسائي بنحوه (٥). وعن سعيد بن المسيَّب، قال: وَهِمَ ابنُ عباس في تزويج ميمونة وهو محرم.

стр. 410

قال أبو عُمر النَّمري: والرواية أن رسول الله ﷺ تزوّج ميمونة وهو حلال متواترة عن ميمونة وعن أبي رافع مولى النبي ﷺ ، وعن سليمان بن يسار مولاها، وعن يزيد بن الأصم وهو ابن أخيها، وهو مولى سعيد بن المسيّب، وسليمان بن يسار وأبي بكر بن عبد الرحمن وابن شهاب وجمهور علماء المدينة: أن رسول الله ﷺ لم ينكح ميمونة إلا وهو حلال قبل أن يُحرِم، وما أعلم أن أحدًا من الصحابة روى أن رسول الله ﷺ نكح ميمونة وهو محرم إلا عبد الله بن عباس، ورواية مَن ذكرنا معارضة لروايته، والقلبُ إلى رواية الجماعة أمْيَل، لأن الواحد أقرب إلى الغلط. وأقرب أحوال حديث ابن عباس أن يجعل متعارضًا مع رواية مَن ذكرنا، فإذا كان كذلك سقط الاحتجاج بجميعها، ووجب طلب الدليل على هذه المسألة من غيرها، فوجدنا عثمان بن عفان ﵁ روى عن النبي ﷺ أنه نهى عن نكاح المحرم وقال: «لا يَنكِح المحرم ولا يُنْكِح» فوجب المصير إلى هذه الرواية التي لا معارض لها» (١). قال ابن القيم ﵀: وعن سعيد بن المسيب قال: «وهم ابن عباس في تزويج ميمونةَ وهو محرم» , وقد روى مالك في «الموطأ» (٢) عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن سُليمان بن يَسار: «أن رسول الله ﷺ بعث أبا رافع مولاه ورجلًا من الأنصار, فزوَّجاه ميمونة بنت الحارث, ورسول الله ﷺ بالمدينة قبل أن يخرج» , وهذا وإن كان ظاهره الإرسال فهو متصل (٣) , لأن سليمان بن يسار رواه عن أبي رافع: «أن رسول الله تزوَّج ميمونةَ وهو حلال,

стр. 411

وبنى بها وهو حلال, وكنتُ الرسولَ بينهما» (١). وسليمان بن يسار مولى ميمونة, وهذا صريح في تزوّجها بالوكالة قبل الإحرام (٢). ١١ - باب لَحْم الصيد للمحْرِم ١١٧/ ١٧٧٤ - وعن أبي قَتادة: أنه كان مع رسول الله ﷺ ، حتى إذا كان ببعض طريقِ مكةَ، تخلَّف مع أصحابٍ له مُحْرِمين، وهو غيرُ محرمٍ، فرأى حمارًا وحشيًّا، فاستوى على فرسه، قال: فسأل أصحابَه أن يُناولوه سَوْطَه، فأبوا، فسألهم رُمْحَه، فأبوا، فأخذَه ثم شَدَّ على الحمار فقتله، فأكلَ منه بعضُ أصحاب رسول الله ﷺ ، وأبى بعضُهم، فلما أدركوا رسولَ الله ﷺ سألوه عن ذلك؟ فقال: «إنما هي طُعْمَة أطعَمَكُموها الله تعالى». وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي (٣). ووقع في البخاري ومسلم (٤): «أنه ﷺ أكل منه». وأخرجه الدارقطني في «سننه» (٥) من حديث مَعْمَر بن راشد، وفيه: «وإني إنما اصطدته لكَ، فأمر النبيُّ ﷺ أصحابَه فأكلوا، ولم يأكل حين أخبرتُه أني اصطدته له». قال الدارقطني: قال أبو بكر ــ يعني النيسابوري ــ قوله: «اصطدتُه لكَ»، وقوله: «ولم يأكل منه» لا أعلم أحدًا ذكَرَه في

стр. 412

هذا الحديث غير مَعْمر. وقال غيره: هذه لفظة غريبة، لم نكتبها إلا من هذا الوجه. هذا آخر كلامه. وقد تقدم في «الصحيحين»: «أنه أكل منه ﷺ ». قال ابن القيم ﵀: وروى مسلم في «صحيحه» (١) من حديث عبد الرحمن بن عُثمان التيمي قال: «كُنّا مع طلحةَ بن عُبيد الله في طريق مكة, ونحن محرمون، فأهدوا لنا لحم صيدٍ وطلحةُ راقد, فمنّا مَن أكل ومِنّا مَن تورَّع فلم يأكل, فلما استيقظ قال للذين أكلوا: أصبتم, وقال للذين لم يأكلوا: أخطأتم, فإنّا قد أكلنا مع رسول الله ﷺ ونحن حُرُم». وروى مالك (٢) عن يحيى بن سعيد: أخبرني محمد بن إبراهيم التيمي، عن عيسى بن طلحة، عن عُمَير (٣) بن سَلَمة الضّمْري، عن البَهْزيّ (٤): «أن رسول الله ﷺ خرج يريد مكة, وهو محرم, حتى إذا كانوا بالروحاء, إذ حمارٌ وحشيٌّ عقير, فذُكِر ذلك لرسول الله ﷺ , فقال: «دعوه, فإنه يوشك أن يأتي صاحبُه» , فجاء البهزيُّ ــ وهو صاحبه ــ إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله شأنكم بهذا الحمار, فأمرَ رسولُ الله ﷺ أبا بكر فقَسَمه بين الرفاق ثم مضى, حتى إذا كان بالأُثاية بين الرُّوَيْثة والعَرْج (٥) , إذا ظبيٌ حاقِفٌ في ظلّ وفيه سهم, فزعم أن رسول الله ﷺ أمرَ رجلًا يقف عنده, لا يريبُه أحدٌ من الناس

стр. 413

حتى جاوزوه». وفي «الصحيحين» (١) عن الصّعْب بن جَثَّامة: «أنه أَهْدى لرسول الله ﷺ حمارًا وحشيًّا, وهو بالأبواء أو بودَّان، فردَّه عليه رسولُ الله ﷺ , وقال: «إنّا لم نردَّه عليك إلا أنا حُرُم». ورواه مسلم (٢) عن سفيان, وقال: «لحم حمار وَحْش». قال الحُمَيدي: كان سفيان يقول في الحديث: «أَهديتُ لرسول الله ﷺ لحمَ حمارِ وَحْشٍ»، وربما قال سفيان: «يقطر دمًا»، وكان فيما خلا ربما قال: «حمار وحش» ثم صار إلى «لحم» حتى مات. وفي رواية لمسلم (٣): «شقّ حمار وحش وهو محرم (٤) فردَّه»، وفي رواية له: «عَجُز حمار فردَّه»، وفي رواية له: «رجل حمار». قال الشافعي (٥): فإن كان الصّعْبُ أهدى للنبيِّ ﷺ الحمار حيًّا, فليس لمُحْرِم ذبح حمار وحشيّ, وإن كان أَهدَى له لحمًا, فقد يحتمل أن يكون علم أنه صِيْدَ له, فردَّه عليه. وإيضاحه في حديث جابر. قال: وحديث مالك «أنه أهدى إلى النبيِّ ﷺ حمارًا» أثبت مِن حديث من حَدَّث (٦) «أنه أهدى له من لحم حمار». تم كلامه.

стр. 414

قال البيهقي (١): وروى يحيى بن سعيد، عن جعفر بن عَمرو بن أمية الضمري، عن أبيه: «أن الصعبَ بن جَثَّامة أهدى للنبيِّ ﷺ عجز حمار وهو بالجُحْفة, فأكل منه وأكل القوم». قال: وهذا إسناد صحيح, فإن كان محفوظًا فكأنه ردَّ الحيَّ وقبل اللحمَ, تم كلامه. وقد اختلف الناسُ قديمًا وحديثًا في هذه المسألة, وأشكلت عليهم الأحاديثَ فيها, فكان عطاء ومجاهد وسعيد بن جبير يرون للمحرم أكلَ ما صادَه الحلال من الصيد, وبه قال أبو حنيفة وأصحابه, وهو قول عمر بن الخطاب وعثمان بن عفَّان والزبير بن العوَّام وأبي هريرة, ذَكَر ذلك ابنُ عبد البر (٢) عنهم. وحُجَّتهم: حديث أبي قتادة المتقدِّم, وحديث طلحة بن عُبيد الله، وحديث البَهْزيّ. وقالت طائفة: لحم الصيد حرامٌ على المحرم بكلِّ حال, وهذا قول عليّ وابن عباس وابن عمر. قال ابن عباس: «﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ﴾ [المائدة: ٩٦] هي مبهمة». ورُوي عن طاوس وجابر بن زيد وسفيان الثوري المنع منه (٣). وحجة هذا المذهب: حديث ابن عباس عن الصّعْب بن جَثَّامة (٤) , وحديث عليّ في أول الباب (٥) , واحتجّوا بظاهر الآية, وقالوا: تحريم الصيد يعمّ

стр. 415

اصطياده وأكله. وقالت طائفة: ما صاده الحلالُ للمحرِمِ ومِن أجله, فلا يجوز له أكله, [و] (١) ما لم يَصِدْه من أجله, بل صاده لنفسه أو لحلال, لم يَحْرُم على المُحْرِم أكلُه, وهذا قول مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وأصحابهم, وقول إسحاق وأبي ثور (٢). قال ابن عبد البر (٣): وهو الصحيح عن عثمان في هذا الباب. قال: وحجة من ذهب هذا المذهب: أنه عليه تصحّ الأحاديث في هذا الباب, وإذا حُمِلت على ذلك لم تتضادّ ولم تختلف ولم تتدافع, وعلى هذا [ق ٧١] يجب أن تُحْمَل السنن ولا يُعارَض بعضُها ببعض ما وُجِد إلى استعمالها سبيل. تم كلامه. وآثار الصحابة كلُّها في هذا الباب إنما تدلُّ على هذا التفصيل؛ فروى البيهقيُّ (٤) من حديث عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: «رأيتُ عثمانَ بن عفان بالعَرْج في يوم صائف وهو محرم، وقد غطَّى وجهَه بقطيفةِ أرجوان, ثم أُتيَ بلحمِ صيدٍ, فقال لأصحابه: كلوا, قالوا: ألا تأكل أنتَ؟ قال: إني لست كهيئتكم, إنما صِيْدَ من أجلي». وحديث أبي قتادة والبَهْزيّ وطلحة بن عُبيد الله قضايا أعيان لا عموم لها, وهي تدلّ على جواز أكل المحرم من صيد الحلال, وحديثُ

стр. 416

الصّعْب بن جَثَّامة يدلّ على منعه منه, وحديث جابر صريح في التفريق. فحيثُ أكَلَ عُلِم أنه لم يُصَد لأجله, وحيثُ امتنَع عُلِم أنه صيدَ لأجله, فهذا فعله وقوله في حديث جابر يدلُّ على الأمرين, فلا تعارض بين أحاديثه ﷺ بحال. وكذلك امتناع عليٍّ مِن أكلِه لعله ظنَّ أنه صِيْد لأجله, وإباحة النبي ﷺ لأصحابه حمارَ البهزيِّ، ومنعهم من التعرُّض للظبي (١) , لأن الحمار كان عقيرًا في حدِّ الموت, وأما الظبي فكان سالمًا لم يسقط إلى الأرض, فلم يتعرَّض له لأنه حيوانٌ حيٌّ. والله أعلم. ١٢ - بابُ الإحْصَارِ ١١٨/ ١٧٨٤ - وعن أبي حاضِرٍ الحِمْيري ــ وهو عثمان بن حاضر ــ قال: «خرجت مُعْتَمِرًا، عام حاصَر أهلُ الشام ابنَ الزُّبير بمكّةَ، وبعثَ معي رجالٌ من قومي بهَدْي، فلما انتهينا إلى أهل الشام منعونا أن ندخلَ الحرمَ، فنحرتُ الهَدْيَ مكاني، ثم أحللتُ، ثم رجعتُ، فلما كان من العام المقبل خرجتُ لأقضيَ عُمرتي، فأتيتُ ابنَ عباس، فسألته؟ فقال: أبْدِلَ الهديَ، فإنّ رسولَ الله ﷺ أمرَ أصحابَه أن يُبْدِلوا الهديَ الذي نحروا عامَ الحديبية في عمرةِ القضاء» (٢). في إسناده محمد بن إسحاق، وقد تقدَّم الكلامُ عليه. وقال البيهقي: ولعله إن

стр. 417

صحّ الحديثُ استحبّ الإبدال وإن لم يكن واجبًا، كما استحبّ الإتيان بالعمرة وإن لم يكن قضاء ما أحصر عنه واجبًا بالتحلُّل. والله أعلم. وإن صحَّ حديثُ الحجَّاج بن عَمرو فقد حَمَله بعضُ أهل العلم أنه يحلّ بعد فواته بما يحلّ به من يفوته الحجُّ بغير مَرَض, فقد رُوِّينا عن ابن عباس ثابتًا عنه أنه قال: «لا حَصْر إلا حَصْر عدوٍّ». تم كلامه. وقال غيره: معنى حديث الحجاج بن عَمرو أن تحلله بالكَسْر والعَرَج إذا كان قد اشترط ذلك في عقد الإحرام, على معنى حديث ضُباعة. قالوا: ولو كان الكسرُ مبيحًا للحلِّ, لم يكن للاشتراط معنى. قالوا: وأيضًا فلا يقول أحدٌ بظاهر هذا الحديث, فإنه لا يحلِّ بمجرَّد الكَسْر والعَرَج, فلا بد من تأويله, فيحمله على ما ذكرناه. قالوا: وأيضًا فإنه لا يستفيد بالحلّ زوال عذره, ولا الانتقال من حاله, بخلاف المحصر بالعدو. وقوله: «وعليه الحجُّ مِن قابل» هذا إذا لم يكن حجَّ الفرضَ, فأما إن كان متطوِّعًا, فلا شيء عليه غير هَدْي الإحصار. قال البيهقي (١): وحديث الحجَّاج بن عَمرو قد اختلف في إسناده, والثابت عن ابن عباس خلافه, وأنه لا حصر إلا حصر العدوّ. تم كلامه (٢). قال ابن القيم ﵀: اختلف العلماء من الصحابة فمَن بعدَهم فيمن مُنِعَ من الوصول إلى البيت بمرض أو كَسْر أو عَرَج هل حكمه حكم المحْصَر

стр. 418

بالعدوّ (١) في جواز التحلُّل؟ فرُوي عن ابن عباس وابن عمر ومروان بن الحكم: أنه لا يُحِلّه إلا الطواف بالبيت، وهو قول مالك والشافعي وإسحاق وأحمد في المشهور من مذهبه (٢). ورُوي عن ابن مسعود أنه كالمحصر بالعدوِّ، وهو قول عطاء والثوري وأبي حنيفة وأصحابه، وإبراهيم النخعي وأبي ثور وأحمد في الرواية الأخرى عنه (٣). ومن حُجّة هؤلاء: حديث الحجَّاج وأبي هريرة وابن عباس. قالوا: وهو حديث حسن يحتجُّ بمثله. قالوا: وأيضًا ظاهرُ القرآن بل صريحُه يدلُّ على أن الحصر يكون بالمرض، فإن لفظ الإحصار إنما هو للمرض، يقال: أحْصَره المرضُ وحَصَره العدوُّ، فيكون لفظ الآية صريحًا في المريض، وحصر العدوّ ملحقٌ به، فكيف يثبت الحكم في الفرع دون الأصل؟ قال الخليلُ (٤) وغيره: حصرتُ الرجلَ حصرًا منعتُه وحبستُه، وأُحْصِر عن بلوغ المناسك بمرضٍ أو نحوه. قالوا: وعلى هذا خُرِّج قولُ ابن عباس: «لا حصر إلا حصر العدوّ» (٥)،

стр. 419

ولم يقل: لا إحصار إلا إحصار العدوّ. فليس بين رأيه وروايته تعارض، ولو قُدِّر تعارضهما فالأخذ بروايته دون رأيه، لأن روايته حجة ورأيه ليس بحجة. قالوا: وقولكم: لو كان يحلّ بالحصر لم يكن للاشتراط معنى. جوابه من وجهين: أحدهما: أنكم لا تقولون بالاشتراط ولا يفيد الشرط عندكم شيئًا. فلا يحل عندكم بشرط ولا بدونه، فالحديثان معًا حجة عليكم، وأما نحن فعندنا أنه يستفيد بالشرط فائدتين: إحداهما: جواز الإحلال، والثانية: سقوط الدم، فإذا لم يكن شرط استفاد (١) بالعذر الإحلال وحده، وثبت وجوب الدم عليه، فتأثير الاشتراط في سقوط الدم. وأما قولكم: إن معناه أنه يحلّ بعد فواته بما يحلّ به مَن يَفُوته الحجّ لغير مرض، ففي غاية الضعف، فإنه لا تأثير للكَسْر ولا للعَرَج في ذلك، فإن المفوت يحل صحيحًا كان أو مريضًا. وأيضًا: فإن هذا يتضمّن تعليقَ الحكم بوصف لم يعتبره النص، وإلغاء الوصف الذي اعتبره، وهذا غير جائز. وأما قولكم: «إنه يُحْمَل على الحلّ بالشرط»، فالشرط إما أن يكون له تأثر في الحلّ عندكم, أو لا تأثير له, فإن كان مؤثرًا في الحِلّ لم يكن الكَسْر والعَرَج هو السبب الذي عُلِّق الحكمُ به, وهو خلاف النص, وإن لم يكن له تأثير في الحلّ بطَلَ حَمْل الحديث عليه.

стр. 420

قالوا: وأما قولكم: «إنه لا يقول أحد بظاهره» فإنّ ظاهره أنه بمجرَّد الكَسْر والعَرَج يحلّ. فجوابه: أن المعنى: فقد صار ممن يجوز له الحلّ بعد أن كان ممنوعًا منه, وهذا كقوله ﷺ : «إذا أقبل الليلُ من هاهنا وأدبرَ النهارُ من هاهنا, فقد أفطر الصائم» (١) وليس [ق ٧٢] المراد به أنه أفطر حكمًا, وإن لم يباشر المفطِّرات, بدليل إذنه لأصحابه في الوصال إلى السّحَر, ولو أفطروا حكمًا لاستحالَ منهم الوصال, ولقوله تعالى: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة:٢٣٠] فإذا نكَحَت زوجًا آخر حلَّت, لا بمجرَّد نكاح الثاني, بل لا بدَّ من مفارقته, وانقضاء العدة, وعَقْد الأول عليها. قالوا: وأما قولكم: «إنه لا يستفيد بالإحلال الانتقال من حاله التي هو عليها ولا التخلص من أذاه, بخلاف مَن حَصَره العدوُّ= كلامٌ لا معنى تحته, فإنه قد يستفيد بحله أكثر مما يستفيده المحصر بالعدوِّ, فإنه إذا بقي ممنوعًا من اللباس وتغطية الرأس والطيب مع مرضه, تضرَّر بذلك أعظم الضّرَر في الحرِّ والبرد, ومعلوم أنه قد يستفيد بحله من الترَفُّه ما يكون سبب زوال أذاه, كما يستفيد المحصر بالعدوِّ بحلِّه, ولا فرق بينهما, فلو لم يأت نصٌّ بحلّ المحصَر بمرضٍ لكان القياس على المحصر بالعدوِّ يقتضيه، فكيف وظاهر القرآن والسنة والقياس يدلّ عليه؟ والله أعلم. ١٣ - بابُ استلامِ الأركان ١١٩/ ١٧٩٥ - وعنه قال: كان رسول الله ﷺ لا يَدَعُ أن يستلمَ الرُّكْنَ

стр. 421

اليماني والحَجَر في كلِّ طَوْفة، قال (١): وكان عبد الله بن عمر يفعله. وأخرجه النسائي (٢). وفي إسناده عبد العزيز بن أبي روَّاد، وفيه مقال. قال ابن القيم ﵀: وقد روى ابن حبان في «صحيحه» (٣) عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «مَسْح الحَجَر والركن اليماني يحطّ الخطايا حطًّا». وروى النسائي (٤) من حديث حنظلة بن أبي سفيان قال: «رأيت طاوسًا يمرُّ بالركن, فإن وجد عليه زحامًا مرَّ ولم يُزاحِم, فإن رآه خاليًا قَبَّله ثلاثًا, ثم قال: رأيتُ ابنَ عباس فَعَل مثل ذلك, ثم قال ابن عباس: رأيتُ عمر بن الخطاب فعَلَ مثل ذلك, ثم قال: «إنك حَجَر لا تنفع ولا تضر, ولولا أني رأيتُ رسولَ الله ﷺ قَبَّلك ما قَبَّلتك» , ثم قال عمر ﵁: «رأيتُ رسولَ الله ﷺ فَعَل مثل ذلك». وترجم عليه النسائيُّ: «كم يُقَبِّل الحَجَرَ؟» (٥). وفي النسائي (٦) عن عمر: «أنه قَبَّل الحجرَ الأسودَ والتزمه, وقال: رأيتُ أبا القاسم ﷺ بك حَفِيًّا».

стр. 422

وفي النسائي (١) عن ابن عباس، عن النبي ﷺ أنه قال: «الحَجَر الأسود من الجنة». وفي «صحيح أبي حاتم» (٢) عن نافع بن شيبة الحَجَبِي قال: سمعتُ عبدَ الله بن عَمْرو يقول: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول وهو مُسنِدٌ ظهرَه إلى الكعبة: «الركنُ والمَقامُ ياقوتتان من ياقوت الجنة, ولولا أن الله طمس نورَهما, لأضاءا ما بين المشرق والمغرب». وفي «صحيحه» (٣) أيضًا عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «إن لهذا الحَجَر لسانًا وشفتين يشهدان لمن استلمَه يومَ القيامة بحقٍّ». وفي «صحيحه» (٤) أيضًا عنه، عن رسول الله ﷺ : «ليبعثنَّ الله هذا الركنَ يوم القيامة له عينان يُبصِر بهما, ولسانٌ ينطق به, يشهد لمن استلَمَه بالحقِّ». وأخرج النسائي (٥) عن ابن عباس: أن النبيَّ ﷺ كان يطوف بالبيت على راحلته, فإذا انتهى إلى الركن أشار إليه.

стр. 423

وفي «الصحيح» (١) عن ابن عمر: «أنه سُئل عن استلامِ الحَجَر؟ فقال: رأيتُ النبيَّ ﷺ يستلمه ويقبِّله». رواه البخاري. وهذا يحتمل الجمعَ بينهما, ويحتمل أنه رآه يفعل هذا تارة وهذا تارة. وقد ثبت تقبيل اليدِ بعد استلامه، ففي «الصحيحين» (٢) أيضًا عن نافع قال: «رأيت ابنَ عُمَر استلم الحَجَر بيده, ثم قَبَّل يده, وقال: ما تركته منذ رأيتُ رسولَ الله ﷺ يفعله». فهذه ثلاثة أنواع صحّت عن النبي ﷺ : تقبيلُه, وهو أعلاها, واستلامُه وتقبيلُ يده, والإشارة إليه بالمحْجَن وتقبيله، لما رواه مسلم (٣) عن أبي الطفيل قال: «رأيتُ رسولَ الله ﷺ يطوف بالبيت, ويستلم الحَجَر بمحْجَنٍ معه, ويقبِّل المِحْجَن». وقد روى الإمام أحمد في «مسنده» (٤) عن عمر: أن النبي ﷺ قال له: «يا عمر إنك رجلٌ قويٌّ, لا تزاحم على الحَجَر, إن وجدت خَلْوة فاستلمه, وإلا فاستقبله, وهلِّل, وكبِّر». وأما الركن اليماني, فقد صحّ عن النبي ﷺ أنه استلمه, من رواية ابن عمر وابن عباس, وحديث ابن عمر في «الصحيحين» (٥): «لم يكن رسولُ الله ﷺ

стр. 424

يمسّ مِن الأركان إلا اليمانِيَيْن». وحديث ابن عباس في الترمذي (١). وقد روى البخاري في «تاريخه» (٢) عن ابن عباس قال: «كان رسول الله ﷺ إذا استلمَ الركنَ اليمانِيَ قَبَّله». وفي «صحيح الحاكم» (٣) عنه: «كان النبي ﷺ يُقبِّل الركَن اليماني, ويضع خَدَّه عليه» وهذا المراد به الأسود, فإنه يسمى يمانيًّا مع الركن الآخر, يقال لهما: اليمانيين (٤) , بدليل حديث عمر في تقبيله الحجر الأسود خاصة وقوله: «لولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبِّلك ما قَبَّلتك» (٥) , فلو قَبَّل الآخرَ لقبَّله عمر. وفي النفس من حديث ابن عباس هذا شيء وهل هو محفوظ أم لا؟ ١٤ - باب الطواف بعد العصر ١٢٠/ ١٨١٤ - عن جُبير بن مُطْعِم يبلغ به النبيَّ ﷺ قال: «لا تمنعوا أحدًا يطوف بهذا البيت ويصلي أيّ ساعةٍ شاء من ليل أو نهار».

стр. 425

وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه. وقال الترمذي: حديث جُبير بن مطعم حديث حسن صحيح (١). قال المنذري: «فيه دليل على أن الصلاة [جائزة] بمكة في الأوقات المنهيّ عنها في سائر البلدان، ومنع بعضُهم ذلك لعموم النهي، وتأوّل بعضهم الصلاةَ في هذا الحديث على الدعاء، وفيه بُعْد» (٢). قال ابن القيم ﵀: وقد روى ابن حبان في «صحيحه» (٣) عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ [ق ٧٣] يقول: «مَن طاف بالبيت أسبوعًا، لا يضع قدمًا ولا يرفع أخرى، إلا حطَّ الله عنه بها خطيئةً, وكتبَ له بها حسنةً ورفعَ له بها درجةً». وأخرج النسائي (٤) عن عبد الله بن عمر، عن النبي ﷺ قال: «مَن طاف بالبيت أسبوعًا, فهو كعِدْل رَقَبة». وهذه الأحاديث عامة في كلِّ الأوقات, لم يأتِ ما يُخَصّصها ويخرجها

стр. 426

عن عمومها. وقد روى الترمذي في «الجامع» (١) من حديث عبد الله بن سعيد بن جُبير، عن أبيه، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «مَن طاف بالبيت خمسين مرةً خرج مِن ذنوبه كيوم ولدته أمُّه». قال: وفي الباب عن أنس وابن عمر, وحديث ابن عباس غريب. وسألت محمدًا عن هذا الحديث؟ فقال: إنما يروى هذا عن ابن عباس قولَه. وقال أيوب السختياني: وكانوا يقولون: عبد الله بن سعيد بن جُبير أفضل من أبيه (٢). ١٥ - بابُ طوافِ القارِن ١٢١/ ١٨١٥ - عن جابر بن عبد الله قال: «لم يَطُفِ النبيُّ ﷺ ولا أصحابُه بين الصفا والمروةِ إلا طوافًا واحدًا، طوافَهُ الأول» (٣). وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه (٤). قال ابن القيم ﵀: اختلف العلماء في طواف القارن والمتمتع على ثلاثة مذاهب: أحدها: أن على كلٍّ منهما طوافَين وسعْيَين, رُوي ذلك عن علي وابن مسعود, وهو قول سفيان الثوري, وأبي حنيفة, وأهل الكوفة, والأوزاعي,

стр. 427

وإحدى الروايات عن الإمام أحمد (١). الثاني: أن عليهما كليهما طوافًا واحدًا وسعيًا واحدًا, نصّ عليه الإمامُ أحمد في رواية ابنه عبد الله (٢) , وهو ظاهر حديث جابر هذا. والثالث: أن على المتمتع طوافين وسعيين, وعلى القارن سعي واحد. وهذا هو المعروف عن عطاء, وطاووس, والحسن (٣)، وهو مذهب مالك والشافعي, وظاهر مذهب أحمد (٤). وحجتهم حديث عائشة, وقد تقدم, وذكرنا ما قيل فيه. وقد رُوي عن النبيِّ ﷺ : «أنه طاف طوافَين, وسعى سَعْيَين» من رواية عليٍّ وابن مسعود وعبد الله بن عمر وعِمران بن حُصَين، ولا يثبت شيء منها (٥). والذين قالوا: لا بدّ للمتمتع من سعيين تأوَّلوا حديثَ جابر بتأويلات مُسْتَكرَهة جدًّا. فقال بعضهم: «طوافًا واحدًا» أي: طوافين على صفةٍ واحدةٍ, فـ «الواحدة» راجعة إلى صفة الطواف لا إلى نفسه! وهذا في غاية البُعْد,

стр. 428

وسياق الكلام يشهد ببطلانه. وقال البيهقي (١): «أراد به أصحابَ النبيِّ ﷺ الذين كانوا قارنين خاصة. فإنه ﷺ كان مفرِدًا, وأمر أصحابَه أن يحلُّوا مِن إحرامهم إلا مَن ساق الهَدْيَ, فاكتفى هو وأصحابُه القارنون بطواف واحد». وهذا بعيدٌ جدًّا, فإن الذين قَرَنوا من أصحابه كلّهم حلُّوا بعمرة إلا من ساق الهدي من سائرهم, وهم آحاد يسيرة, لم يبلغوا العشرة بل ولا الخمسة, بل الحديث ظاهرٌ جدًّا في اكتفائهم كلّهم بطوافٍ واحدٍ بين الصفا والمروة, ولم يأتِ لهذا الحديث معارِضٌ إلا حديث عائشة. وقد ذَكَر بعضُ الحفَّاظ أن تلك الزيادة من قول عروة لا من قولها. وقد ثبت عن ابن عباس اكتفاء المتمتِّع بسعيٍ واحد؛ روى الإمام أحمد في مناسك ابنه عبد الله (٢)، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن عطاء, عن ابن عباس أنه كان يقول: «القارن والمفرد والمتمتع يجزيه طوافٌ بالبيت, وسعيٌ بين الصفا والمروة». ولكن في «صحيح البخاري» (٣) عن عكرمة, عن ابن عباس: «أنه سُئل عن مُتْعَة الحجّ؟ فقال: أهلَّ المهاجرون والأنصارُ وأزواجُ النبيِّ ﷺ في حَجَّة الوداع وأهْلَلْنا, فلما قدمنا مكةَ قال رسول الله ﷺ : «اجعلوا إهلالَكم بالحجِّ عمرةً, إلا من قلَّدَ الهَدْي» , طفنا بالبيت وبالصفا والمروة, وأتينا

стр. 429

النساءَ, ولبسنا الثياب, وقال: «مَن قَلَّد الهَدْيَ فإنه لا يحلّ له حتى يبلَغ الهديُ مَحِلَّه» , ثم أَمَرنا عشيةَ التروية أن نُهِلَّ بالحجِّ, فإذا فرغنا من المناسك جئنا فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة, فقد تمّ حَجُّنا, وعلينا الهدي، كما قال الله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة:١٩٦] إلى أمصاركم, الشاةُ تجزئ, فجمعوا نُسُكَين في عامٍ بين الحج والعمرة, فإن الله أنزله في كتابه وسنة نبيه ﷺ ، وأباحه للناس غير أهل مكة» وذَكَر باقي الحديث. فهذا صريحٌ في أن المتمتع يسعى سعيين, وهذا مثل حديث عائشة سواء, بل هو أصرح منه في تعدُّد السعي على المتمتع, فإن صحّ عن ابن عباس ما رواه الوليد، عن الأوزاعي، عن عطاء, فلعلَّ عنه في المسألة روايتان (١) , كما عن الإمام أحمد فيها روايتان. وفي «مسائل عبد الله» (٢) قال: قلت لأبي: المتمتع كم يسعى بين الصفا والمروة؟ قال: إن طاف طوافين فهو أجود, وإن طاف طوافًا واحدًا فلا بأس, قال: وإن طاف [طوافَين] (٣) فهو أعجبُ إليَّ, واحتجَّ بحديث جابر. وأحمدُ فَهِم من حديث عائشة قولها: «فطاف الذين أهلُّوا بالعمرة بالبيت وبالصفا والمروة, ثم حلوا, ثم طافوا طوافًا آخر بعد أن رجعوا مِن منى بحجهم» = أن هذا طواف القدوم. واستحبَّ في رواية المرُّوذي وغيره للقادم من عرفة, إذا كان متمتعًا أن

стр. 430

يطوف طوافَ القُدُوم. وردَّ عليه بعض أصحابه (١) ذلك, وفَهِم من حديث عائشة أن المراد به طواف الفرض, وهذا سهو منه, فإن طواف الفرض مشترك بين الجميع, وعائشة أثبتت للمتمتع ما نفَتْه عن القارن, وليس المراد بحديث عائشة إلا الطواف بين الصفا والمروة, والله أعلم. ١٢٢/ ١٨١٦ - وعن عائشة: «أن أصحابَ رسول الله ﷺ الذين كانوا معه لم يطوفوا حتى رَمَوُا الجَمْرَة» (٢). وأخرجه النسائي (٣). قال ابن القيم ﵀: وفي «الصحيحين» (٤) عن جابر: أن [ق ٧٤] النبي ﷺ قال لعائشة لما طافت بالكعبة وبالصفا والمروة: «حللتِ من حجِّك وعُمْرَتك جميعًا» , قالت: يا رسول الله, إني أجِدُ في نفسي أني لم أطف بالبيت حين حجَجْتُ, قال: «فاذهب بها يا عبد الرحمن, فأعْمِرها من التنعيم». ١٦ - باب المُلْتَزَم ١٢٣/ ١٨١٨ - عن عبد الرحمن بن صفوان قال: لما فتَح رسولُ الله ﷺ مكةَ، قلتُ: لألْبَسَنَّ ثيابي ــ وكانت داري على الطريق ــ ولأنظرنَّ كيف يصنعُ رسولُ الله ﷺ ؟ فانطلقتُ، فرأيتُ النبيَّ ﷺ قد خرجَ مِن الكعبة هو وأصحابُه، قد اسْتَلمُوا البيتَ مِن الباب إلى الحَطِيم، وقد وضعوا خُدُودَهم على البيت،

стр. 431

ورسولُ الله ﷺ وَسَطَهم» (١). في إسناده يزيدُ بن أبي زياد، ولا يحتجُّ به، وذكر الدارقطنيُّ أن يزيدَ بنَ أبي زياد تفرَّد به عن مجاهد. قال ابن القيم ﵀: وروى البيهقيُّ (٢) من حديث عَمْرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه قال: «رأيت رسولَ الله ﷺ يُلْزِقُ وجهَه وصدْرَه بالمُلْتَزَم». وفي البيهقي (٣) أيضًا عن ابن عباس: «أنه كان يَلْزَم ما بين الركن والباب, وكان يقول: ما بينَ الركن والباب يُدْعَى المُلتَزَم, لا يلزم ما بينهما أحدٌ يسألُ الله شيئًا إلا أعطاه إياه». وأما الحَطِيم فقيل فيه أقوال (٤): أحدها: أنه ما بين الركن والباب، وهو المُلْتَزَم, وقيل: ما بين الركن والمقام والحِجْر، وقيل (٥): هو جدار الحِجْر, لأن البيتَ رُفِعَ وتُرِكَ هذا الجدار محطومًا, والصحيح: أن الحطيمَ الحِجْرُ نفسُه، وهو الذي ذكره البخاري في «صحيحه» (٦) , واحتجَّ عليه بحديث

стр. 432

الإسراء قال: «بينا أنا نائم في الحطيم، وربما قال: في الحِجْر» , قال: وهو حطيم بمعنى محطوم, كقتيل بمعنى مقتول. ١٧ - باب الصلاة بِجَمْعٍ ١٢٤/ ١٨٤٥ - وعن عبد الله بن مالك قال: صلَّيتُ مع ابنِ عمرَ المغربَ ثلاثًا، والعشاءَ ركعتين، فقال له مالكُ بن الحارث: ما هذه الصلاة؟ قال: صليتُهما مع رسول الله ﷺ في هذا المكان بإقامةٍ واحدة. وأخرجه الترمذيُّ (١) وقال: حسن صحيح. وذهب سفيان الثوري وجماعة إلى أنه يصليهما بإقامة واحدة لهما, كما جاء في بعض روايات حديث ابن عمر (٢). قال ابن القيم ﵀: قال ابن عبد البر (٣): وهو محفوظ من روايات الثقات: «أن النبي ﷺ صلى المغرب والعشاء بِجَمْعٍ بإقامة واحدة». قلت: وقد ثبت ذلك عن ابن عباس: «أن النبيَّ ﷺ صلى الصلاتين بالمزدلفة بإقامةٍ واحدة» (٤). وقال مالك: صلاهما بأذانين وإقامتين, وهو

стр. 433

مذهب ابن مسعود. وفي «صحيح البخاري» (١) من حديث ابن مسعود «أنه صلى صلاتين كلَّ واحدةٍ وحدَها بأذان وإقامة». قال ابن المنذر: ورُوِيَ هذا عن عمر ﵁. قال ابن عبد البر (٢): ولا أعلم في ذلك حديثًا مرفوعًا إلى النبيِّ ﷺ بوجهٍ من الوجوه, ولكنه رُوِيَ عن عمر بن الخطاب أنه صلاهما بالمزدلفة كذلك. ومذهب إسحاق وسالم والقاسم: أنه يصليهما بإقامتين فقط، وحُجَّتهم حديث ابن عمر المتقدِّم، وهو رواية عن أحمد. ومذهب أحمد والشافعي في الأصح عنه وأبي ثور وعبد الملك الماجشون والطحاوي: أنه يصليهما بأذان واحد وإقامتين. وحجتهم: حديث جابر الطويل. وقد تكلَّف قومٌ الجمعَ بين هذه الأحاديث بضروبٍ من التكلُّف. وعن ابن عمر في ذلك ثلاث روايات. إحداهن: أنه جمع بينهما بإقامتين فقط, والثانية: أنه جمع بينهما بإقامة واحدة لهما, وقد ذكر أبو داود الروايتين (٣) , والثالثة: أنه صلاهما بلا أذان ولا إقامة, ذَكَر ذلك البغوي (٤): حدثنا الحجَّاج بن المِنهال، حدثنا حماد بن سلمة، عن أنس بن سيرين قال: «وقفتُ مع ابن عمر بعرفة, وكان يُكثِر أن يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له, له الملك وله الحمد, وهو على كل شيء قدير, فلما أفضنا من عرفة دخل

стр. 434

الشِّعْب فتوضَّأ, ثم جاء إلى جَمْعٍ فعرَّضَ راحلتَه, ثم قال: الصلاة، فصلى المغربَ, ولم يؤذِّن ولم يُقِم, ثم سَلَّم, ثم قال: الصلاة, ثم صلى العشاء, ولم يؤذِّن ولم يُقِم». والصحيح في ذلك كلِّه: الأخذُ بحديث جابر, وهو الجمع بينهما بأذان وإقامتين لوجهين اثنين: أحدهما: أن الأحاديث سواه مضطربة مختلفة؛ فهذا حديث ابن عمر في غاية الاضطراب, كما تقدم, فرُويَ عن ابن عمر مِن فِعْله الجمعُ بينهما بلا أذان ولا إقامة، ورُويَ عنه الجمعُ بينهما بإقامة واحدةٍ، ورُويَ عنه الجمعُ بينهما بأذان واحدٍ وإقامة واحدة، ورُويَ عنه مسنَدًا إلى النبي ﷺ الجمعُ بينهما بإقامة واحدة, ورُويَ عنه مرفوعًا الجمع بينهما بإقامتين, وعنه أيضًا مرفوعًا الجمعُ بينهما بأذان واحد وإقامة واحدة لهما, وعنه مرفوعًا الجمعُ بينهما دون ذكر أذان ولا إقامة. وهذه الروايات صحيحة عنه, فيسقط الأخذُ بها, لاختلافها واضطرابها. وأما حديث ابن مسعود فإنه موقوف عليه، فعله (١). وأما حديث ابن عباس فغايته أن يكون شهادةً على نفي الأذان والإقامة الثانية (٢)، ومن أثبتهما معه زيادةُ عِلْم, وقد شهد على أمرٍ ثابت عاينَه وسَمِعَه.

стр. 435

وأما حديث أسامة فليس فيه إلا بيان تعدُّد (١) الإقامة لهما وسكت عن الأذان, وليس سكوتُه عنه مقدَّمًا على حديث من أثبته سماعًا صريحًا، بل لو نفاه جملةً لقُدِّم عليه حديث مَن أثبته, لتضمُّنه زيادةَ علمٍ خَفِيَت على النافي. الوجه الثاني: أنه قد صحّ من حديث جابر (٢) في جمعه ﷺ بعرفة: أنه جمع بينهما بأذانٍ وإقامتين, ولم يأت في حديثٍ ثابت قطّ خلافُه, والجمعُ بين الصلاتين بمزدلفة كالجمع بينهما بعرفة, لا يفترقان إلا في التقديم [ق ٧٥] والتأخير, فلو فرضنا تدافُعَ أحاديثِ الجَمْع بمزدلفة جملةً لأخذنا حكم الجمع من جَمْع عرفة. ١٨ - باب التعجيل مِن جَمْع ١٢٥/ ١٨٦١ - وعن عائشة أنها قالت: أرسلَ النبيُّ ﷺ بأُمِّ سَلَمة لَيلةَ النَّحر، فرمَتْ الجمرةَ قبلَ الفجرِ، ثم مضَتْ فأفاضت، وكان ذلك اليومُ اليومَ الذي يكون رسول الله ﷺ ــ تعني عندها». قال البيهقي: هذا إسناد صحيح لا غبار عليه، ذكَرَ ذلك عقيب حديث أبي داود، وقال الشافعي: فدلّ على أن خروجها بعد نصف الليل وقبل الفجر، ولأنّ دفعها كان قبل الفجر، لأنها لا تصلي الصبح بمكة إلا وقد قدمت قبل الفجر بساعة. ووافق الشافعيَّ عطاءٌ وطاووس فقالا: ترمي قبل طلوع الفجر، وقال مالك وغيره: ترمي بعد الفجر ولا يجوز قبل ذلك (٣).

стр. 436

قال ابن القيم ﵀: قال ابن عبد البر (١): كان الإمام أحمد يدفع حديثَ أمِّ سلمة هذا ويُضَعِّفه. قال ابن عبد البر (٢): وأجمع المسلمون على أنّ النبيَّ ﷺ إنما رماها ضحى ذلك اليوم, وقال جابر: «رأيتُ النبيَّ ﷺ يرمي الجمرةَ ضحى يوم النحر وحدَه, ورمى بعد ذلك بعد زوال الشمس» أخرجه مسلم (٣). وقال أبو ثور (٤): اختلفوا في رميها قبل طلوع الشمس, فمن رماها قبل طلوع الشمس لم تُجزِئْ وعليه الإعادة. قال ابن عبد البر (٥): وحُجّته أن رسول الله ﷺ رماها بعد طلوع الشمس, فمن رماها قبل طلوع الشمس كان مخالفًا للسنة, ولزمه إعادتها. قال: وزعم ابنُ المنذر: أنه لا يعلم خلافًا فيمن رماها قبل طلوع الشمس وبعد الفجر أنه يُجْزِئه. قال: ولو علمتُ أن في ذلك خلافًا لأوجبتُ على فاعل ذلك الإعادة. قال: ولم يعلَمْ قولَ الثوري (٦) , يعني أنه لا يجوز رميها إلا بعد طلوع الشمس, وهو قول مجاهد وإبراهيم النخعي (٧).

стр. 437

فمقتضى مذهب ابن المنذر: أنه يجب الإعادة على مَن رماها قبل طلوع الشمس, وحديث ابن عباس صريح في توقيتها بطلوع الشمس, وفِعْله ﷺ متفق عليه بين الأمة, فهذا فعله وهذا قوله, وحديث أم سلمة قد أنكره الإمام أحمد وضعَّفه. وقال مالك: لم يبلغنا أن رسول الله ﷺ أرْخَصَ لأحدٍ رَمَى قَبَل طلوع الفجر. ١٢٦/ ١٨٦٢ - وعن عطاء ــ وهو ابن أبي رباح ــ قال: أخبرني مُخْبِرٌ عن أسماء: أنها رمت الجمرةَ، قلت: إنّا رمينا الجمرةَ بليلٍ؟ قالت: إنا كُنَّا نَصْنَع هذا على عهد رسول الله ﷺ . وأخرجه النسائي (١)، وقال فيه: عن عطاء: «أن مولى لأسماء أخبره» وأخرج البخاري ومسلم بمعناه أتمَّ منه من رواية عبد الله مولى أسماء عنها. قال ابن القيم ﵀: والحديث الذي أشار إليه هو ما في «الصحيحين» (٢) عن عبد الله مولى أسماء: أنها نزلت ليلة جَمْعٍ عند المزدلفة, فقامت تصلي فصلت ساعةً, ثم قالت: «يا بُنيَّ هل غابَ القمرُ؟ فقلتُ: لا، فصلَّت ساعة ثم قالت: هل غاب القمر؟ قلت: نعم, قالت: فارتحلوا, فارتحلنا, فمضينا حتى رمَتْ الجمرةَ, ثم رجعت, فصلّت الصبحَ في منزلها, فقلتُ لها: يا هَنْتاه, ما أُرانا إلا قد غَلَّسْنا؟ قالت: يا بنيَّ, إن رسول الله ﷺ أذِنَ للظُّعُن» وفي لفظ لمسلم: «لِظُعُنِه».

стр. 438

وليس في هذا دليل على جواز رميها بعد نصف الليل, فإن القمر يتأخر في الليلة العاشرة إلى قبيل الفجر, وقد ذهبت أسماء بعد غيبوبته (١) من مزدلفة إلى منى, فلعلها وصلت مع الفجر أو بعده, فهي واقعةُ عَينٍ, ومع هذا فهي رخصة للظُّعُن, وإن دَلّت على تقدُّم الرمي, فإنما تدلّ على الرمي بعد طلوع الفجر. وهذا قول أحمد في رواية, واختيار ابن المنذر (٢) , وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وأصحابهما (٣). ١٩ - باب يوم الحجِّ الأكبر ١٢٧/ ١٨٦٤ - عن ابن عمر: أنّ رسولَ الله ﷺ وقفَ يوم النَّحْرِ بين الجَمَرَاتِ في الحجَّةِ التي حَجَّ (٤)، فقال: أيُّ يومٍ هذا؟ قالوا: يوم النحر؟ قال: هذا يومُ الحجِّ الأكبر» (٥). وأخرجه ابن ماجه، وأخرجه البخاري تعليقًا (٦). قال ابن القيم ﵀: والقرآنُ قد صرَّح بأن الأذان يوم الحج الأكبر, ولا خلاف أن النداء بذلك إنما وقع يوم النحر بمنى, فهذا دليل قاطع على أن يوم

стр. 439

الحجِّ الأكبر يوم النحر. وذهب عمر بن الخطاب وابنه عبد الله والشافعي إلى أنه يوم عرفة. وقيل: أيام الحج كلها, فعبَّر عن الأيام باليوم, كما قالوا: يوم الجمل, ويوم صفين, قاله الثوري. والصواب القول الأول (١). ٢٠ - بابُ مَنْ لم يُدْرِك عرفةَ ١٢٨/ ١٨٦٩ - وعن عامر ــ وهو الشعبيّ ــ قال: أخبرني عروة بن مُضَرِّسٍ الطائيّ، قال: أتيتُ رسولَ الله ﷺ بالموقف ــ يعني بجَمْعٍ ــ قلتُ: جِئتُ يا رسول الله من جَبَلَي طَيِّئٍ، أكْلَلْتُ مَطِيَّتي، وأتعبتُ نفسي، والله ما تركتُ من حَبْلٍ إلا وقفتُ عليه، فهل لي من حَجٍّ؟ فقال رسول الله ﷺ : «مَن أدرك معنا هذه الصلاة، وأتى عَرَفات قبلَ ذلك ليلًا أو نهارًا فقد تمَّ حَجُّهُ وقَضى تَفَثَهُ» (٢). وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه (٣). وقال الترمذي: حسن صحيح. هذا آخر كلامه. قال ابن القيم ﵀: وقال عليُّ بن المديني: عروة بن مُضَرِّس لم يرو عنه غير الشعبيّ (٤).

стр. 440

٢١ - باب الصلاة بمنى ١٢٩/ ١٨٨٣ - وعن [الزهري]: أن عثمانَ بن عفَّان أتمَّ الصلاةَ بمنًى مِن أجلِ الأعراب، لأنهم كَثُروا عامَئِذٍ، فصَلّى بالناس أربعًا ليعلمهم أن الصلاة أربع» (١). والظاهر: أن هذا كلَّه إنما هو تأويلٌ لفعل عثمان ﵁، وقد أجبتُ عن هذا جميعه، أما من قال: «من أجل الأعراب» فردُّه أن رسول الله ﷺ صلى بهم ركعتين، وهو ﵇ القدوة للأعراب وغيرهم، وكان الأعراب في زمن رسول الله ﷺ أجهل بأحكام الصلاة، وأمرُ الصلاة في زمان عثمان أشهر من أن يخفى عددُها. وأما مَن قال: إنه أجمعَ المقام بمكة بعد الحج، فردُّه أن المهاجرين فُرِض عليهم ترك المقام بمكة، ولا يقيم بها بعد قضاء نُسُكِه سوى ثلاث، وقد رُوي عن عثمان أنه كان لا يودّع النساء إلا على راحلته ويسرع الخروج من مكة خشيةَ أن يرجع في هجرته. وأما مَن قال: إن عائشة تأولت أنها أم المؤمنين وعثمان أنه إمامهم، فحيث حلّا فكأنهما في منازلهما، فردّه أن رسول الله ﷺ كان أولى الناس بذلك ولم يُتمّ. وما رُوي عن عثمان أنه تأهّل بمكة يردّه سفر النبي ﷺ بزوجاته وقد قَصَر (٢).

стр. 441

قال ابن القيم ﵀: وأما ما رُوي عن عثمان «أنه تأهَّل بمكّة» فيردُّه أن هذا غير معروف، بل المعروف أنه لم يكن له بها أهلٌ ولا مال. وقد ذكر مالك في «الموطأ» (١) أنه بلغه «أن عثمان بن عفان كان إذا اعتمر ربما لم يحْطُطْ راحلته حتى يرجع»، ويردُّه ما تقدّم أن عثمان من المهاجرين الأولين, وليس لهم أن يقيموا بمكة بعد الهجرة. وقال ابن عبد البر (٢): وأصح ما قيل فيه: أن عثمان أخذ بالإباحة في ذلك. قال غيره: اعتقد عثمان وعائشة في قصر النبي ﷺ أنه كان رخصةً، أخذَ بالأيسر رِفقًا بأمته, فأخذا بالعزيمةِ وتركا الرخصةَ. والله أعلم. ٢٢ - باب (٣) رَمْي الجِمار ١٣٠/ ١٨٩٣ - وعن ابن مسعود: لما انتهى إلى الجَمْرة الكُبرى، جَعَل البيتَ عن يساره، ومِنًى عن يمينه، ورَمَى الجمرةَ بسبعِ حَصَيات، وقال: هكذا رَمَى الذي أُنزلَتْ عليه سورةُ البقرة (٤). وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه مختصرًا ومطولًا (٥).

стр. 442

قال ابن القيم ﵀: قد صحَّ عن رسول الله ﷺ أنه رمى الجمرةَ بسبع حَصَيات من رواية عبد الله بن عباس, وجابر بن عبد الله, وعبد الله بن عمر. وشكُّ الشاكِّ لا يؤثِّر في جَزْم الجازم. واختلف الناسُ في ذلك (١)، فالذي ذهب إليه الجمهور: وجوب استيفاء السبع في كلّ رمي, وحكى الطبريُّ عن بعضهم أنه لو ترك رمي جميعهن, بعد أن يُكَبِّر عند [ق ٧٦] كلِّ جمرة سبع تكبيرات, أجزأه ذلك, قال: وإنما جُعِل الرميُ بالحصى في ذلك سببًا لحفظ التكبيرات السبع. وقال عطاء: إن رمى بخمسٍ أجزأه. وقال مجاهد: إن رمى بستٍّ فلا شيء عليه, وبه قال إسحاق. وقال الإمام أحمد: إن نقصَ حصاةً أو حصاتين فلا بأس, وقال مرة: إن رمى بستٍّ ناسيًا, فلا شيء عليه, ولا ينبغي أن يتعمَّدَه, فإن تعمَّدَه تصدَّق بشيء. وكان [ابن] (٢) عمر يقول: «ما أبالي رميتُ بستٍّ أو بسبع». وقال مرة: لا يجزئه أقلّ مِن سبع (٣). وروى النسائي والبيهقي في «سننه» والأثرم وغيرهم (٤) عن ابن أبي
следующие страницы →