← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 201

تهذيب سنن أبي داود - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 675 стр.). Показаны 438–477 · переход к 443.

стр. 438

وليس في هذا دليل على جواز رميها بعد نصف الليل, فإن القمر يتأخر في الليلة العاشرة إلى قبيل الفجر, وقد ذهبت أسماء بعد غيبوبته (١) من مزدلفة إلى منى, فلعلها وصلت مع الفجر أو بعده, فهي واقعةُ عَينٍ, ومع هذا فهي رخصة للظُّعُن, وإن دَلّت على تقدُّم الرمي, فإنما تدلّ على الرمي بعد طلوع الفجر. وهذا قول أحمد في رواية, واختيار ابن المنذر (٢) , وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وأصحابهما (٣). ١٩ - باب يوم الحجِّ الأكبر ١٢٧/ ١٨٦٤ - عن ابن عمر: أنّ رسولَ الله ﷺ وقفَ يوم النَّحْرِ بين الجَمَرَاتِ في الحجَّةِ التي حَجَّ (٤)، فقال: أيُّ يومٍ هذا؟ قالوا: يوم النحر؟ قال: هذا يومُ الحجِّ الأكبر» (٥). وأخرجه ابن ماجه، وأخرجه البخاري تعليقًا (٦). قال ابن القيم ﵀: والقرآنُ قد صرَّح بأن الأذان يوم الحج الأكبر, ولا خلاف أن النداء بذلك إنما وقع يوم النحر بمنى, فهذا دليل قاطع على أن يوم

стр. 439

الحجِّ الأكبر يوم النحر. وذهب عمر بن الخطاب وابنه عبد الله والشافعي إلى أنه يوم عرفة. وقيل: أيام الحج كلها, فعبَّر عن الأيام باليوم, كما قالوا: يوم الجمل, ويوم صفين, قاله الثوري. والصواب القول الأول (١). ٢٠ - بابُ مَنْ لم يُدْرِك عرفةَ ١٢٨/ ١٨٦٩ - وعن عامر ــ وهو الشعبيّ ــ قال: أخبرني عروة بن مُضَرِّسٍ الطائيّ، قال: أتيتُ رسولَ الله ﷺ بالموقف ــ يعني بجَمْعٍ ــ قلتُ: جِئتُ يا رسول الله من جَبَلَي طَيِّئٍ، أكْلَلْتُ مَطِيَّتي، وأتعبتُ نفسي، والله ما تركتُ من حَبْلٍ إلا وقفتُ عليه، فهل لي من حَجٍّ؟ فقال رسول الله ﷺ : «مَن أدرك معنا هذه الصلاة، وأتى عَرَفات قبلَ ذلك ليلًا أو نهارًا فقد تمَّ حَجُّهُ وقَضى تَفَثَهُ» (٢). وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه (٣). وقال الترمذي: حسن صحيح. هذا آخر كلامه. قال ابن القيم ﵀: وقال عليُّ بن المديني: عروة بن مُضَرِّس لم يرو عنه غير الشعبيّ (٤).

стр. 440

٢١ - باب الصلاة بمنى ١٢٩/ ١٨٨٣ - وعن [الزهري]: أن عثمانَ بن عفَّان أتمَّ الصلاةَ بمنًى مِن أجلِ الأعراب، لأنهم كَثُروا عامَئِذٍ، فصَلّى بالناس أربعًا ليعلمهم أن الصلاة أربع» (١). والظاهر: أن هذا كلَّه إنما هو تأويلٌ لفعل عثمان ﵁، وقد أجبتُ عن هذا جميعه، أما من قال: «من أجل الأعراب» فردُّه أن رسول الله ﷺ صلى بهم ركعتين، وهو ﵇ القدوة للأعراب وغيرهم، وكان الأعراب في زمن رسول الله ﷺ أجهل بأحكام الصلاة، وأمرُ الصلاة في زمان عثمان أشهر من أن يخفى عددُها. وأما مَن قال: إنه أجمعَ المقام بمكة بعد الحج، فردُّه أن المهاجرين فُرِض عليهم ترك المقام بمكة، ولا يقيم بها بعد قضاء نُسُكِه سوى ثلاث، وقد رُوي عن عثمان أنه كان لا يودّع النساء إلا على راحلته ويسرع الخروج من مكة خشيةَ أن يرجع في هجرته. وأما مَن قال: إن عائشة تأولت أنها أم المؤمنين وعثمان أنه إمامهم، فحيث حلّا فكأنهما في منازلهما، فردّه أن رسول الله ﷺ كان أولى الناس بذلك ولم يُتمّ. وما رُوي عن عثمان أنه تأهّل بمكة يردّه سفر النبي ﷺ بزوجاته وقد قَصَر (٢).

стр. 441

قال ابن القيم ﵀: وأما ما رُوي عن عثمان «أنه تأهَّل بمكّة» فيردُّه أن هذا غير معروف، بل المعروف أنه لم يكن له بها أهلٌ ولا مال. وقد ذكر مالك في «الموطأ» (١) أنه بلغه «أن عثمان بن عفان كان إذا اعتمر ربما لم يحْطُطْ راحلته حتى يرجع»، ويردُّه ما تقدّم أن عثمان من المهاجرين الأولين, وليس لهم أن يقيموا بمكة بعد الهجرة. وقال ابن عبد البر (٢): وأصح ما قيل فيه: أن عثمان أخذ بالإباحة في ذلك. قال غيره: اعتقد عثمان وعائشة في قصر النبي ﷺ أنه كان رخصةً، أخذَ بالأيسر رِفقًا بأمته, فأخذا بالعزيمةِ وتركا الرخصةَ. والله أعلم. ٢٢ - باب (٣) رَمْي الجِمار ١٣٠/ ١٨٩٣ - وعن ابن مسعود: لما انتهى إلى الجَمْرة الكُبرى، جَعَل البيتَ عن يساره، ومِنًى عن يمينه، ورَمَى الجمرةَ بسبعِ حَصَيات، وقال: هكذا رَمَى الذي أُنزلَتْ عليه سورةُ البقرة (٤). وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه مختصرًا ومطولًا (٥).

стр. 442

قال ابن القيم ﵀: قد صحَّ عن رسول الله ﷺ أنه رمى الجمرةَ بسبع حَصَيات من رواية عبد الله بن عباس, وجابر بن عبد الله, وعبد الله بن عمر. وشكُّ الشاكِّ لا يؤثِّر في جَزْم الجازم. واختلف الناسُ في ذلك (١)، فالذي ذهب إليه الجمهور: وجوب استيفاء السبع في كلّ رمي, وحكى الطبريُّ عن بعضهم أنه لو ترك رمي جميعهن, بعد أن يُكَبِّر عند [ق ٧٦] كلِّ جمرة سبع تكبيرات, أجزأه ذلك, قال: وإنما جُعِل الرميُ بالحصى في ذلك سببًا لحفظ التكبيرات السبع. وقال عطاء: إن رمى بخمسٍ أجزأه. وقال مجاهد: إن رمى بستٍّ فلا شيء عليه, وبه قال إسحاق. وقال الإمام أحمد: إن نقصَ حصاةً أو حصاتين فلا بأس, وقال مرة: إن رمى بستٍّ ناسيًا, فلا شيء عليه, ولا ينبغي أن يتعمَّدَه, فإن تعمَّدَه تصدَّق بشيء. وكان [ابن] (٢) عمر يقول: «ما أبالي رميتُ بستٍّ أو بسبع». وقال مرة: لا يجزئه أقلّ مِن سبع (٣). وروى النسائي والبيهقي في «سننه» والأثرم وغيرهم (٤) عن ابن أبي

стр. 443

نَجيح: سُئل طاوسٌ عن رجل ترك حَصَاة؟ قال: يطعم لقمةً, [قال: فذكرتُ ذلك لمجاهد] (١) فقال أبو عبد الرحمن: لم تسمع قول سعد, قال سعد بن مالك: «رجعنا في حَجَّة رسول الله ﷺ ، فمِنَّا مَن يقول: رميتُ بستٍّ, ومِنّا مَن يقول: رميتُ بسبعٍ, فلم يعِبْ ذلك بعضُنا على بعض». ٢٣ - باب العمرة ١٣١/ ١٩٠٨ - وعن عائشة: «أن رسول الله ﷺ اعتمرَ عُمْرتين، عمرةً في ذي القَعْدة، وعمرةً في شوّال» (٢). قال ابن القيم ﵀: لم يتكلَّم المنذريُّ على هذا الحديث, وهو وهم, فإن رسول الله ﷺ لم يعتمر في شوال قطُّ، فإنه لا ريب أنه اعتمر عمرة الحديبية, وكانت في ذي القَعْدة, ثم اعتمر من العام القابل عمرةَ القضيَّة، وكانت في ذي القَعْدة, ثم غزا غزاة الفتح ودخل مكة غير محرم, ثم خرج إلى هوازن وحرب ثقيف, ثم رجع إلى مكة فاعتمر من الجِعْرَانة, وكانت في ذي القَعْدة, ثم اعتمر مع حَجَّته عمرةً قَرنَها بها, وكان ابتداؤها في ذي

стр. 444

القَعْدة. وسيأتي حديث أنس (١) بعد هذا في أن عُمَرَه كلّها كانت في ذي القعدة. وقد روى مالك في «الموطأ» (٢) عن هشام بن عروة عن أبيه: «أن رسول الله ﷺ لم يعتمر إلا ثلاثًا, إحداهن في شوَّال, واثنتين في ذي القعدة». وهذا مرسل عند جميع رواة «الموطأ». قال ابن عبد البر (٣): وقد رُوِي مسندًا عن عائشة, وليس رواته (٤) مسندًا ممن يُذْكَر مع مالك في صحّة النقل. وقال ابن شهاب: «اعتمر رسول الله ﷺ ثلاث عُمَر, اعتمر عام الحديبية, فصدَّه الذين كفروا في ذي القعدة سنة ستٍّ, واعتمر من العام المقبل في ذي القَعْدة سنة سبع, آمنًا هو وأصحابُه, ثم اعتمر العمرة الثالثة في ذي القَعْدة سنة ثمان, حين أقبل من الطائف من الجعرانة» (٥). وروى معمر، عن الزهري: «أن رسول الله ﷺ اعتمر أربعًا» (٦) , فذكر

стр. 445

مثل هذا, وكذلك في حديث عبد الله بن عمرو (١) وغيره, وكذلك ذكر موسى بن عقبة وزاد: «ومنهن واحدة مع حجته» (٢)، وكذلك قال جابر: «اعتمر رسول الله ﷺ ثلاث عمر كُلُّهن في ذي القعدة, إحداهن زمن الحديبية, والأخرى في صُلح قريش, والأخرى في رَجْعَته من الطائف ومن حُنين من الجعرانة» (٣). وهذا لا يناقض ما روى الثوري، عن جعفر، عن أبيه، عن جابر: «أن رسول الله ﷺ حجَّ ثلاث حِجَج: [حجّتين] قبل أن يهاجر, وحجة بعد ما هاجر معها عمرة» (٤) فإن جابرًا أرادَ عمرتَه المفردة التي أنشأ لها سفرًا لأجل العمرة. ولا يناقض هذا أيضًا حديثَ ابن عمر: «أنه ﷺ اعتمر عمرتين» (٥) كما سيأتي بعد هذا، فإن كان هذا محفوظًا عن عائشة: «أنه اعتمر في شوال» فلعله عَرَض لها في ذلك ما عرضَ لابن عمر من قوله: «إنه اعتمر في رجب». وإن لم يكن محفوظًا عن عائشة كان الوهم

стр. 446

من عروة أو من هشام, والله أعلم, إلا أن يُحْمَل على أنه ابتدأ إحرامها في شوال, وفَعَلها في ذي القعدة. فتتفق الأحاديثُ كلّها، والله أعلم (١). ١٣٢/ ١٩٠٩ - وعن مجاهد قال: سُئِلَ ابنُ عمر: كم اعتمر رسول الله ﷺ ؟ فقال: مرتين، فقالت عائشة: لقد عَلِم ابنُ عمر أن رسول الله ﷺ قد اعتمر ثلاثًا، سوى التي قَرَنها بحجَّة الوداع. وأخرجه النسائي. وأخرجه ابن ماجه مختصرًا بنحوه (٢). قال ابن القيم ﵀: قال ابن حزم (٣): «صَدَقَت عائشةُ, وصَدَق ابنُ عمر؛ لأن رسول الله ﷺ لم يعتمر منذ هاجر إلى المدينة عمرةً كاملةً مفردة. إلا اثنتين كما قال ابن عمر، وهما عمرة القضاء، وعمرة الجِعْرَانة عام حُنين. وعدَّتْ عائشةُ وأنسٌ إلى هاتين العمرتين عمرةَ الحديبية التي صُدَّ عنها, والعمرة التي قَرنَها بحَجَّته, فتآلفَتْ أقوالُهم وانتفى التعارض عنها». ثم قال ابن القيم ﵀ ــ بعد قول المنذري (٤): وذَكَر بعضُهم أن رسول الله خرج معتمرًا في رمضان، إلى أن قال المنذريُّ: وكان ابتداءُ خروجهم لها في رمضان ــ: وهذا لا يصحّ لأنه ﷺ لم يخرج في رمضان إلى مكةَ إلا في

стр. 447

غَزاة الفتح ولم يعتمر فيها. ٢٤ - باب الإفاضَةِ في الحجِّ ١٣٣/ ١٩١٥ - عن ابن عمر: أن النبيَّ ﷺ أفاضَ يومَ النحرِ، ثم صلى الظهرَ بمنًى، يعني راجعًا. وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي بنحوه، ولفظ البخاري مختصر (١). قال ابن القيم ﵀: هكذا قال ابن عمر, وقال جابر في حديثه الطويل: «ثم أفاض إلى البيت فصلى بمكّةَ الظهر» رواه مسلم (٢). وقالت عائشة: «أفاضَ رسولُ الله ﷺ مِن آخر يومه حين صلى الظهر, ثم رجع إلى منى, فمكث بها» (٣) الحديث, وسيأتي. فاختلف الناس في ذلك, فرجَّحت طائفةٌ ــ منهم [ق ٧٧] ابنُ حزم وغيرُه ــ حديثَ جابر وأنه صلى الظهر بمكة. قالوا: وقد وافقته عائشةُ, واختصاصها به وقربها منه, واختصاص جابر وحرصه على الاقتداء به, أمرٌ لا يُرْتابُ فيه. قالوا: ولأنه ﷺ رمى الجمرة وحلَقَ رأسَه, وخَطَب الناسَ, ونحرَ مائة بدَنَة هو وعليٌّ, وانتظر حتى سُلِخَت, وأخذ مِن كلِّ بَدَنة بضعة, فطُبِخَت وأكلا مِن لحمها.

стр. 448

قال ابن حزم (١): وكانت حجَّته في آذار, ولا يتسع النهارُ لِفِعْل هذا جميعه, مع الإفاضة إلى البيت والطواف وصلاة الركعتين, ثم يرجع إلى منى, ووقت الظهر باق. وقالت طائفة, منهم شيخ الإسلام ابن تيمية (٢) وغيره: الذي يترجَّح أنه إنما صلى الظهرَ بمنى لوجوه: أحدها: أنه لو صلى الظهرَ بمكة لنَابَه (٣) عنه في إمامة الناس بمنى إمامٌ يصلي بهم الظهرَ, ولم يُنْقَل ذلك قطّ (٤). ومُحالٌ أن يصلي بالمسلمين الظهرَ بمِنَى نائبٌ له, ولا ينقلُه أحدٌ, فقد نقلَ الناسُ نيابةَ عبد الرحمن بن عوف لما صلى بهم الفجرَ في السفر, ونيابةَ الصديق لما خرج ﷺ يصلح بين بني عَمرو بن عوف, ونيابته في مرضه. ولا يحتاج إلى ذِكْر مَن صلى بهم بمكة, لأن إمامهم الراتب الذي كان مستمرًّا على الصلاة قبل ذلك وبعده, هو الذي كان يصلي بهم. الثاني: أنه لو صلى بهم بمكة لكان أهل مكة مقيمين, فكان يتعيَّن عليهم الإتمام, ولم يقل لهم النبي ﷺ : «أتمُّوا صلاتَكم فإنا قوم سَفْر» كما قاله في

стр. 449

غزاة الفتح (١). الثالث: أنه يمكن اشتباه الظهر المقصورة بركعتي الطواف, ولا سيما والناس يصلونهما معه, ويقتدون به فيهما فظنَّهما الرائي الظهرَ. وأما صلاته بمنى والناس خلفه فهذه لا يمكن اشتباهها بغيرها أصلًا, لا سيما وهو ﷺ كان إمام الحجِّ الذي لا يصلي لهم سواه, فكيف يدعهم بلا إمام يصلون أفرادًا ولا يقيم لهم من يصلي بهم؟ هذا في غاية البعد. وأما حديث عائشة فقد فَهِم منه جماعةٌ ــ منهم المحبّ الطبري (٢) وغيره ــ أنه صلى الظهر بمنى, ثم أفاض إلى البيت بعد ما صلى الظهر, لأنها قالت: «أفاضَ مِن آخر يومه حين صلى الظهر, ثم رجع إلى منى» (٣).

стр. 450

قالوا: ولعله صلى الظهر بأصحابه, ثم جاء إلى مكة فصلى الظهر بمَن لم يصل, كما قال جابر, ثم رجع إلى منى، فرأى قومًا لم يصلوا فصلى بهم ثالثة, كما قال ابن عمر. وهذه خرفشةٌ (١) في العلم, وطريقة يسلكها القاصرون فيه, وأما فحول أهل العلم فيقطعون ببطلان ذلك, ويحيلون الاختلافَ على الوهم والنسيان, الذي هو عُرضة البشر. ومَن له إلمام بالسنة ومعرفة حجّه (٢) ﷺ , يقطعُ بأنه لم يصلِّ الظهرَ في ذلك اليوم ثلاثَ مرّات بثلاث جماعات, بل ولا مرتين. وإنما صلاها على عادته المستمرَّة قبل ذلك اليوم وبعده ﷺ . وفَهِم منه آخرون ــ منهم ابن حزم وغيره ــ أنه أفاض حين صلاها بمكة (٣). وفي نسخة من نسخ «السنن»: «أفاض حتى صلى الظهر ثم رجع» (٤). وهذه الرواية ظاهرة في أنه صلاها بمكة, كما قال جابر, ورواية «حين» محتملة للأمرين, والله أعلم. ١٣٤/ ١٩١٦ - وعن أم سلمة قالت: كانت ليلتي التي يصير إليَّ فيها رسولُ الله ﷺ مساءَ يومِ النحر، فصار إليَّ، فدخل عليَّ وَهْب بن زَمْعَة، ومعه رجلٌ من آل أبي أُمية مُتَقَمِّصَيْنِ. فقال رسول الله ﷺ لوهب: «هل أفَضْتَ أبا عبد الله؟»، قال:

стр. 451

لا والله يا رسول الله، قال: «انْزِعْ عنك القَمِيصَ»، قال: فنزعه من رأسه، ونزع صاحِبُه قميصَه مِن رأسه، ثم قال: ولِمَ يا رسول الله؟ قال: «إنَّ هذا يومٌ رُخِّصَ لكم إذا أنتم رَمَيْتُم الجمرة أن تَحلّوا، يعني مِن كلّ ما حُرِمتم منه إلا النساء، فإذا أمسيتم قبل أن تطوفوا هذا البيتَ صِرْتُم حُرُمًا كهيئتكم قبل أن ترموا الجمرة، حتى تطوفوا به» (١). في إسناده محمد بن إسحاق، وقد تقدم الكلامُ عليه. قال ابن القيم ﵀: هذا الحديث يرويه ابن إسحاق، عن أبي عُبيدة بن عبد الله بن زَمْعة، عن أبيه وعن أمه زينب بنت أبي سلمة, يحدثانه عن أم سلمة, وقال أبو عبيدة: وحدثتني أم قيس بنت مِحْصَن, وكانت جارة لهم, قالت: «خرج من عندي عُكَّاشة بن مِحْصَن في نفرٍ من بني أسد متقمِّصًا, عشيةَ يوم النحر, ثم رجعوا إليَّ عشاءً, وقُمُصُهم على أيديهم يحملونها, فقلت: أي عُكَّاشة, ما لكم خرجتم متقمِّصين ثم رجعتم وقُمُصكم على أيديكم تحملونها؟ فقال: خيرٌ يا (٢) أمَّ قيس، كان هذا يومًا رخَّص فيه رسول الله ﷺ لنا إذا نحن رمينا الجمرةَ حَلَلْنا مِن كلِّ ما حُرِمْنا منه إلا ما كان من النساء حتى نطوف بالبيت، فإذا أمسينا ولم نطف [به صِرْنا حُرُمًا كهيئتنا قبل

стр. 452

أن نرمي الجمرة حتى نطوف به، فأمسينا ولم نطف فـ] (١) جعلنا قُمُصَنا على أيدينا» (٢). وهذا يدلّ على أن الحديثَ محفوظٌ, فإن أبا عُبيدة رواه عن أبيه وعن أمه وعن أم قيس. وقد استشكله الناس, قال البيهقي (٣): وهذا حكمٌ لا أعلمُ أحدًا من الفقهاء يقول به. تم كلامه. وقد روى أبو داود (٤) عَقِبَه عن أبي الزبير، عن عائشة وابن عباس: «أن النبيَّ ﷺ أخَّر طوافَ يومِ النحر إلى الليل». وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه (٥) , وقال الترمذي: حديث حسن, وأخرجه البخاري (٦) تعليقًا. وكأنّ روايةَ أبي داود له عَقِب حديثِ أم سلمة استدلال (٧) منه على أنه أولى من حديث أمِّ سلمة, لأن رسول الله ﷺ أحلّ قبل طوافه بالبيت, ثم أخَّره إلى الليل. لكن هذا الحديث وهم, فإنّ المعلومَ مِن فِعْله ﷺ أنه إنما طاف طوافَ الإفاضة نهارًا بعد الزوال, كما قاله جابر وعبد الله بن عمر

стр. 453

وعائشة, وهذا أمرٌ لا يرتاب فيه أهلُ العلم بالحديث, وقد تقدّم (١) قولُ [ق ٧٨] عائشة: «أفاضَ رسولُ الله ﷺ حين صلى الظهر» من رواية أبي سلمة والقاسم عنها، قال البيهقي (٢): وحديث أبي سلمة عن عائشة أصح. وقال البخاري (٣): في سماع أبي الزبير من عائشة نظر, وقد سمع من ابن عباس. وقال المنذريّ (٤): ويمكن أن يُحْمَل قولها «أخَّر طوافَ يوم النحر إلى الليل» على أنه أَذِن في ذلك، فنُسِب إليه, وله نظائر. ٢٥ - بابُ تحريمِ مكة (٥) ١٣٥/ ١٩٣٤ - عن أبي هريرة قال: لمّا فَتَحَ الله تعالى على رسول الله ﷺ مكَّةَ قام رسول الله ﷺ فيهم، فحَمِد الله وأثنى عليه، ثم قال: «إنَّ الله حَبَسَ عن مكة الفيل، وَسلَّطَ عليها رسولَهُ والمؤمنين، وإنما أُحِلَّتْ لي ساعةً من النهار، ثم هي حرامٌ إلى يوم القيامة، لا يُعْضَدُ شَجَرُها، ولا يُنَفَّرُ صَيْدُها، ولا تَحِلُّ لُقَطَتُهَا إلا لِمُنْشِدٍ»، فقام عباس، أو قال: قال العباس: يا رسول الله، إلا الإذْخِرَ، فإنه لقبورنا وبيوتنا، فقال رسول الله ﷺ : «إلا الإذْخِرَ». وزاد فيه ابنُ المصفَّى عن الوليد: فقام أبو شاهٍ ــ رجلٌ من أهل اليمن ــ فقال: يا رسول الله، اكتبوا لي، فقال رسولُ الله ﷺ : «اكتُبُوا لأبي شاهٍ». فقلت للأوزاعي:

стр. 454

ما قوله: «اكتبوا لأبي شاه؟» قال: هذه الخطبة التي سمعها من رسول الله ﷺ . وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي (١). قال ابن القيم ﵀: في حديث: «اكتبوا لأبي شاه»: فيه أن مكة فُتِحَت عَنْوَة. وفيه تحريم قطع شجر الحرم, وتحريم التعرُّض لصيده بالتنفير فما فوقه. وفيه أن لُقَطتها لا تجوز (٢) إلا لتعريفها أبدًا, والحفظ على صاحبها. وفيه جواز قطع الإذخر خاصةً, رطبه ويابسه. وفيه أن اللاجئ إلى الحرم لا يُتَعرَّض له ما دام فيه, ويؤيده قوله في «الصحيحين» (٣) في هذا الحديث: «فلا يحلّ لأَحدٍ أن يسفكَ بها دمًا». وفيه جواز تأخير الاستثناء عن المستثنى منه, وأنه لا يشترط اتصاله به ولا نيته مِن أول الكلام. وفيه الإذن في كتابة السُّنَن, وأن النهيَ عن ذلك منسوخٌ. والله أعلم. ١٣٦/ ١٩٣٦ - وعن يوسف بن ماهَك، عن أمِّه، عن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله، ألا نَبْنِي لك بمنًى بيتًا، أو بناءً، يُظِلُّكَ من الشمس؟ فقال: «لا، إنما هو مُنَاخُ من سَبَقَ إليه». وأخرجه الترمذي وابن ماجه (٤). وقال الترمذي: حديث حسن. وفي حديث الترمذي وابن ماجه: عن أمه مُسَيكة، وذكر غيرهما: أنها مكية.

стр. 455

قال ابن القيم ﵀: قال ابن القطان (١): وعندي أنه ضعيف لأنه من رواية يوسف بن ماهَك عن أُمّه مُسَيكَة, وهي مجهولة, لا يُعرَف روى عنها غير ابنها. والصوابُ تحسين الحديث, فإن يوسف بن ماهَك من التابعين, وقد سمع أمَّ هانئ وابن عمر وابن عباس وعبد الله بن عمرو، وقد رَوى عن أمه, ولم يُعْلَم فيها جرح, ومثل هذا الحديث حَسَن عند أهل العلم بالحديث, وأمه تابعية قد سمعت عائشة (٢). ٢٦ - بابٌ في تحريم المدينة (٣) ١٣٧/ ١٩٥٩ - وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تجعلوا بيوتَكُم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلوا عَلَيَّ فإن صلاتَكُم تبلغني حيثُ كنتم» (٤).

стр. 456

في إسناده عبد الله بن نافع الصائغ المديني مولى بني مخزوم، كنيته أبو محمد، قال البخاري: يُعْرَف حفظه ويُنكر. ووثَّقه يحيى بن معين. وقال أحمد بن حنبل: لم يكن صاحبَ حديثٍ، كان ضعيفًا فيه، ولم يكن في الحديث بذاك. وقال أبو حاتم الرازي: ليس بالحافظ، هو ليّن، تَعْرِف حفظه وتُنْكِر. وقال أبو زُرْعة: لا بأس به. قال ابن القيم ﵀: وقد أبْعَدَ بعضُ المتكلِّفين وقال (١): «يحتمل أن يكون المراد به الحثّ على كثرة زيارة قبره، وأن لا يُهْمَل حتى لا يُزَار إلا في بعض الأوقات، كالعيد الذي لا يأتي في العام إلا مرتين. قال: ويؤيّد هذا التأويل: ما جاء في الحديث نفسه: «لا تجعلوا بيوتكم قبورًا» أي: لا تتركوا الصلاةَ في بيوتكم حتى تجعلوها كالقبور التي لا يصلَّى فيها». قال بعضهم (٢): وزيارةُ قبره صلوات الله وسلامه عليه غنيَّة عن هذا التكلُّف البارد والتأويل الفاسد، الذي يُعْلَم فسادُه مِن تأمُّل سياق الحديث ودلالة اللفظ على معناه، وقوله في آخره: «وصلوا عليَّ فإنّ صلاتَكم تبلغني حيثُ كنتم». وهل في الإلغاز أبعد من دلالة من يريد الترغيب في الإكثار من الشيء وملازمته بقوله: «لا تجعله عيدًا»؟ وقوله: «ولا تتخذوا بيوتكم قبورًا» نَهْيٌ لهم أن يجعلوها (٣) بمنزلة

стр. 457

القبور التي لا يُصلَّى فيها، وكذلك نهيه لهم أن يتخذوا قبرَه عيدًا نَهْيٌ لهم أن يجعلوه مَجْمعًا، كالأعياد التي يَقْصِد الناسُ الاجتماعَ إليها للصلاة. بل يُزار قبرُه صلوات الله وسلامه عليه كما كان يزوره الصحابة رضوان الله عليهم, على الوجه الذي يُرضيه ويُحبّه, صلوات الله وسلامه عليه. * * *

стр. 458

كتاب النكاح ١ - باب فيمن (١) حَرَّم به ــ يعني رضاع الكبير ــ ١٣٨/ ١٩٧٧ - عن عائشة زوج النبي ﷺ وأمِّ سَلَمة: أن أبا حُذيفة بن عُتبة بن رَبيعة بن عبد شمس كان تبَنَّى سالمًا، وأنكحه ابنةَ أخيه هندَ بنت الوليد بن عُتبة بن ربيعة، وهو مولًى لامرأةٍ من الأنصار، كما تبنَّى رسولُ الله ﷺ زيدًا. وكان مَن تبنَّى رجلًا في الجاهلية دعاه الناس إليه وَوُرِّثَ ميراثَه، حتى أنزل الله في ذلك: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]، فَرُدُّوا إلى آبائهم، فمن لم يُعلم له أبٌ كان مولًى وأخًا في الدين، [فجاءت] سهلةُ (٢) بنت سُهيل بن عَمرو القرشي ثم العامري، وهي امرأة أبي حذيفة، فقالت: يا رسول الله، إنّا كُنّا نرى سالمًا ولدًا، وكان يأوي معي ومع أبي حذيفة في بيت واحد، ويراني فُضُلًا، وقد أنزل الله فيهم ما قد علمتَ، فكيف ترى فيه؟ فقال لها النبي ﷺ : «أرْضِعيه»، فأرضعته خمسَ رضعات، فكان بمنزلة ولدها من الرضاعة، فبذلك كانت عائشة تأمر بنات أخواتها وبنات إخوتها أن يُرْضِعْنَ من أحَبَّت عائشةُ أن يراها ويدخُلَ عليها ــ وإن كان كبيرًا ــ خَمْسَ رَضَعَاتٍ، ثم يَدخُل عليها، وأبَتْ أُمُّ سَلَمة وسائرُ أزواجِ النبيِّ ﷺ أن يُدْخِلن عليهن بتلك الرضاعة أحدًا من الناس،

стр. 459

حتى يُرْضَع في المهد، وقُلْن لعائشة: والله ما ندري، لعلها كانت رُخصةً من النبي ﷺ لسالم دون الناس». وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي (١). قال ابن القيم ﵀: وقد قال بقول عائشة في رَضاع الكبير: الليثُ بن سعد وعطاءٌ وأهلُ الظاهر. والأكثرون حملوا الحديثَ إما على الخصوص وإما على النسخ (٢). واستدلوا على النسخ بأن قصِّةَ سالم كانت في أول الهجرة, لأنها جرت (٣) عقب نزول الآية، والآية نزلت في أوائل الهجرة (٤). وأما أحاديث الحكم بأن التحريم يختص بالصغر، فرواها مَن تأخَّر إسلامهم من الصحابة، نحو أبي هريرة وابن عباس وغيرهم فتكون أولى.

стр. 460

٢ - باب ما يُكرَه الجمع (١) بينهنّ من النساء ١٣٩/ ١٩٨٥ - وعن عليّ بن حسين: أنهم حين قدموا المدينة من عند يزيد بن معاوية مَقتَلَ الحسين بن علي ﵄ لقيه المِسْوَر بن مَخْرمة، فقال له: هل لك إليَّ من حاجة تأمرني بها؟ قال: فقلت له: لا، قال: هل أنت مُعْطِيَّ سَيْفَ رسول الله ﷺ ، فإني أخاف أن يَغلبكَ القومُ عليه، وايْمُ الله لئن أعطيتنيه لا يُخْلَصُ إليه أبدًا حتى يُبْلَغَ إلى نفسي، إن عليّ بن أبي طالب ﵁ خطَبَ بنتَ أبي جَهْلٍ على فاطمةَ ﵂، فسمعتُ رسولَ الله ﷺ وهو يخطب الناس في ذلك على منبره هذا، وأنا يومئذ مُحتَلِم، فقال: إن فاطمة مِنِّي، وأنا أتَخَوَّفُ أن تُفتنَ في دينها، قال: ثم ذكر صِهْرًا له من بني عبد شمس، فأثنى عليه في مصاهرته إياه، فأحسن، قال: حَدَّثني فَصَدَقَني، ووعدني فوفَّى لي، وإني لست أُحَرِّمُ حلالًا ولا أُحلُّ حرامًا، ولكن والله لا تجتمع بنتُ رسولِ الله وبنتُ عدوِّ الله مكانًا واحدًا أبدًا» (٢). قال المنذري: فيه جواز حلف الرجل على القطع في المستقبل ثقة بالله، كما حلف ﷺ (٣). قال ابن القيم ﵀: وفي الاستدلال بهذا نظر, فإنّ هذا حكمٌ من النبي ﷺ مؤيَّد مؤكَّد بالقَسَم, ولكن حلف المسْوَر بن مَخْرَمة أنه لا يوصل إليه أبدًا ظاهرٌ فيه ثقةً بالله في إبراره.

стр. 461

وفيه ردٌّ على مَن يقول: إن المِسْوَر ولد بمكة في السنة الثانية من الهجرة، وكان له يوم موت النبي ﷺ ثمان سنين, هذا قول أكثرهم (١). وقوله: «وأنا يومئذ محتلم» هذا الكلمة ثابتة في «الصحيحين». وفيه تحريم أذى النبيِّ ﷺ بكلِّ وجهٍ من الوجوه, وإن كان بفعلٍ مباح, فإذا تأذَّى به رسولُ الله ﷺ لم يَجُز فعله, لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب:٥٣]. وفيه غيرةُ الرجل وغضبه لابنته [ق ٧٩] وحُرمته. وفيه بقاء عار الآباء في الأعقاب لقوله: «بنت عدوِّ الله» , فدل على أنّ لهذا الوصف تأثيرًا في المنع, وإلا لم يذكره مع كونها مسلمة. وفيه (٢) بقاءُ أثر صلاح الآباء في الأعقاب, لقوله تعالى ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [الكهف:٨٢].

стр. 462

وفيه أوضح دليلٍ على فضل فاطمة, وأنها سيدة نساء هذه الأمة, لكونها بضعة من النبي ﷺ . وفيه ثناء الرجل على زوج ابنته بجميل أوصافه ومحاسن أفعاله. وفيه أن أذى أهلِ بيته ﷺ وإرابتهم أذًى له. وقوله: «يريبني ما أرابها» تقول: رابني فلان إذا رأيتَ منه ما يَرِيبك وتكرهه, وأرابني أيضًا لغتان (١) , قال الفراء (٢): هما بمعنى واحد. وفرَّق آخرون بينهما بأن «رابني» تحقّقْتَ منه الريبة، و «أرابني»: إذا ظننتَ ذلك به, كأنه أوقعك فيها (٣). والصِّهْر الذي ذكره النبيُّ ﷺ هو أبو العاص بن الربيع, وزوجته زينب بنت رسول الله ﷺ . وبنت أبي جهل هذه المخطوبة, قال عبد الغني بن سعيد وغيره: اسمها العوراء (٤) (٥).

стр. 463

٣ - باب نكاح (١) المُتْعة ١٤٠/ ١٩٨٩ - وعن ربيع بن سَبْرَة، عن أبيه: «أن رسول الله ﷺ حَرَّمَ مُتْعَةَ النساءِ» (٢). قال المنذري: اختلف العلماء في المتعة، فقال بعضهم: نُسِخت مرتين، كانت مباحة في أول الإسلام ثم نسخت عام خيبر بحديث علي ﵇ ثم أبيحت بعد ذلك، ثم حُرّمت في الفتح إلى يوم القيامة. وقال بعضهم: نسخ الله تعالى القبلةَ مرتين ونكاح المتعة مرتين وتحريم الحُمُر الأهلية مرتين، ولا أحفظ رابعًا. وقال آخرون: إنما نُسخت مرةً واحدة يوم خيبر وتحريمها في الفتح كان إشاعةً لما تقدم من التحريم وإشهارًا له، وكذلك تحريمها في حجة الوداع لهذا المعنى. وفي هذا نظر، فإنه قد صحّ أن رسول الله ﷺ أذِن فيها في الفتح ثم حرّمها بعد ذلك. وكان سفيان بن عيينة يزعم أن تاريخ خيبر في حديث علي إنما هو في النهي عن لحوم الحمر الأهلية لا في نكاح المتعة. قال البيهقي (٣): وهو يشبه أن يكون كما قال، فقد روي عن النبي ﷺ أنه رخّص فيه بعد ذلك ثم نهى عنه، فيكون احتجاج عليّ بنهيه عنه آخرًا حتى تقوم به الحجة على ابن عباس. وقال أيضًا (٤): فلولا معرفة عليّ بن أبي طالب بنسخ نكاح المتعة وأن النهي عنه كان بعد الرخصة لما أنكره على ابن عباس. والله أعلم.

стр. 464

وقال غيره (١): هذا الحُكم كان مباحًا مشروعًا في صدر الإسلام، وإنما أباحه النبي ﵇ للسبب الذي ذكره ابنُ مسعود، وإنما كان ذلك يكون في أسفارهم، ولم يبلغنا أن النبي ﷺ أباحه لهم وهم في بيوتهم، ولهذا نهاهم عنها غير مرة ثم أباحها لهم في أوقات مختلفة، حتى حرمها عليهم في آخر أيامه ﵇، وذلك في حجة الوداع، وكان تحريم تأبيدٍ لا تأقيت، فلم يبق اليوم في ذلك خلاف بين فقهاء الأمصار وأئمة الأمة، إلا شيئًا ذهب إليه بعض الشيعة، ويروى عن ابن جُريج جوازه. وقوله: «للسبب الذي ذكره ابن مسعود» وهو قول ابن مسعود: «كنّا نغزو مع رسول الله ليس معنا نساء فقلنا: ألا نستخصي، فنهانا عن ذلك، ثم رخّص لنا أن ننكح المرأةَ بالثوب إلى أجل». أخرجاه في «الصحيح» (٢). قال ابن القيم ﵀ (٣): وأما ابن عباس, فإنه سَلَك هذا المسلك في إباحتها عند الحاجة والضرورة, ولم يُبِحْها مُطلقًا, فلما بلغه إكثارُ الناس منها رَجَع, وكان يحملُ التحريمَ على مَن لم يحتج إليها. قال الخطَّابي (٤): حدثنا ابن السمَّاك, حدثنا الحسن بن سلام، حدثنا الفضل بن دُكَين، حدثنا عبد السلام، عن الحجَّاج، عن أبي خالد، عن المِنْهال، عن ابن جُبير قال: «قلت لابن عباس: هل تدري ما صنعت, وبما

стр. 465

أفتيتَ؟ قد سارت بفُتْياك الرُّكْبان, وقالت فيه الشعراء. قال: وما قالوا؟ قلت: قالوا: قد قلت للشيخ لما طال مجلسُه (١): ... يا صاحِ هل لك في فُتْيا ابنِ عباسِ؟ هل لكَ في رَخْصَةِ الأطْراف آنسةٍ ... تكون مثواك حتى رَجْعة الناسِ؟ فقال ابن عباس: إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون! والله ما بهذا أفتيتُ, ولا هذا أردْتُ, ولا أحللتُ إلا مثل ما أحلَّ الله الميتةَ والدمَ ولحمَ الخنزير, وما تحل إلا للمضطرّ, وما هي إلا كالميتة والدم ولحم الخنزير» (٢). وقال إسحاق بن راهويه: حدثنا رَوْحُ بن عُبادة، حدثنا موسى بن عُبَيدة، سمعت محمد بن كعب القُرَظي يحدِّث عن ابن عباس قال: «كانت المتعة في أول الإسلام, متعة النساء, فكان الرجل يَقْدَم بسلعته البلدَ, ليس له مَن يحفظ عليه ضيعتَه (٣) ويضمّ إليه متاعَه, فيتزوَّجُ المرأةَ إلى قَدْر ما يرى أنه يقضي حاجتَه, وقد كانت تُقرأ: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ (إلى أجلٍ مسمّى) فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء:٢٤] حتى نزلت: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء:٢٣ - ٢٤] فتُرِكَت المتعةُ وكان الإحصان, إذا شاء طلَّق وإذا شاء أمسك, ويتوارثان, وليس لهما

стр. 466

من الأمر شيء» (١). فهاتان الروايتان المقيَّدتان عن ابن عباس تفسِّران مرادَه من الرواية المطلقة (٢) , والله أعلم. ٤ - باب [في] (٣) الشِّغار ١٤١/ ١٩٩١ - وعن عبد الرحمن بن هُرْمُز الأعرج: أن العباس بن عبد الله بن العباس أنْكَحَ عبدَ الرحمن بن الحَكَم ابنتَه، وأنكحَهُ عبدُ الرحمن ابنتَه، وكانا جَعلا صَداقًا، فكتب معاويةُ إلى مروان يأمره بالتفريق بينهما، وقال في كتابه: هذا الشِّغَارُ الذي نهى عنه رسول الله ﷺ » (٤). في إسناده محمد بن إسحاق. قال ابن القيم ﵀: وقد روى ابن حبان في «صحيحه» (٥) من حديث عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 467

«لا شِغارَ في الإسلام» , ومن حديث حمّاد بن سلمة، عن حُمَيد، عن الحسن، عن عِمران بن حُصَين أن رسول الله ﷺ قال: «لا جَلَب, ولا جَنَب, ولا شِغار، ومَن انتهبَ نُهْبةً فليس مِنّا» (١). ٥ - باب التحليل ١٤٢/ ١٩٩٢ - عن الحارث، عن عليّ ــ قال إسماعيل: وأُراه قد رفعه إلى النبي ﷺ ــ قال: «لُعِنَ المُحِلّ والمحلَّلُ له». وأخرجه الترمذي وابن ماجه (٢). وقال الترمذي: حديث عليّ وجابر ــ يعني ابن عبد الله ــ حديث معلول. هذا آخر كلامه. والحارث ــ هذا ــ هو ابن عبد الله الأعور الكوفي، كنيته: أبو زُهَير، وكان كذّابًا. وقد روى هُزَيل بن شُرَحْبيل، عن عبد الله بن مسعود قال: «لعنَ رسولُ الله ﷺ المُحِلّ والمحلَّل له» أخرجه الترمذي (٣) والنسائي (٤)، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.

стр. 468

قال ابن القيم ﵀: وحديث جابر الذي أشار إليه رواه الترمذي (١) من حديث مُجالد، عن الشعبي، عن جابر: «أن رسول الله ﷺ لعن المُحِلَّ (٢) والمُحَلَّلَ له» , قال: «هكذا روى أشعثُ بن عبد الرحمن، عن مُجالِد، عن عامر، عن جابر، عن النبي ﷺ ، وهذا حديثٌ ليس إسناده بالقائم, لأن مجالدَ بن سعيد قد ضعَّفه بعضُ أهل العلم, منهم أحمد بن حنبل, وروى عبد الله بن نُمَير هذا الحديث عن مُجالِد، عن عامر، عن جابر، عن عليّ, وهذا وهم, وهِمَ فيه ابنُ نُمَير, والحديث الأول أصح, قال: وقد رُوي الحديثُ عن عليّ مِن غير وجه, قال: وفي الباب عن [ابن مسعود، و] أبي هريرة, وعُقْبة بن عامر, وابن عباس. قال: والعملُ على هذا الحديث عند أهل العلم من أصحاب النبيِّ ﷺ ، منهم: عمر بن الخطاب, وعثمان بن عفّان, وعبد الله بن عمر (٣) وغيرهم, وهو قول الفقهاء من التابعين، وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك, والشافعي وأحمد وإسحاق. قال: وسمعتُ الجارود يذكر عن وكيع أنه قال بهذا, وقال: ينبغي أن يُرمَى بهذا الباب من قول أصحاب الرأي. قال وكيع: وقال سفيان: إذا تزوج الرجلُ المرأةَ ليُحِلَّها ثم بدا له أن يمسكها فلا يحلّ له أن يمسكها حتى يتزوَّجها بنكاحٍ جديد. تم كلامه. وقال إبراهيم النخعي: لا يحلّها لزوجها الأول إلا نكاح (٤) رغبة, [ق ٨٠]

стр. 469

فإن كانت نية أحد الثلاثة: الزوج الأول أو الثاني أو المرأة, أن تُحَلَّل, فالنكاح باطل, ولا تحلّ للأول (١). وحديث أبي هريرة الذي أشار إليه الترمذي رواه الإمام أحمد في «مسنده» (٢): أن النبي ﷺ لَعَنَ المُحِلّ والمُحَلَّل له. قال الترمذي في «كتاب العلل» (٣): سألتُ محمدَ بن إسماعيل عن هذا الحديث؟ فقال: هو حديث حسن, وعبد الله بن جعفر المُخَرَّمي (٤) صدوق ثقة, وعثمان بن محمد الأخنسي ثقة, وكنتُ أظن أن عثمان لم يسمع من سعيد المَقْبري. ٦ - باب في (٥) كراهية أن يَخْطِب الرجلُ على خِطْبَةِ أخيه ١٤٣/ ١٩٩٧ - وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يخْطِب أحَدُكم على خِطْبةِ أخيه، ولا يَبيعُ على بيع أخيه إلا بإذنه». وأخرجه مسلم وابن ماجه (٦). ذكر الخطّابي أن نهيه ﷺ عن ذلك نهي تأديب وليس نهي تحريم يُبطل العقدَ، وهو قول أكثر العلماء. وذكر عن داود: إن خطَبَها رجلٌ بعد الأول وعَقدَ عليها فالنكاح باطل. وذكر أيضًا أنه دليل على أن ذلك إنما نُهي عنه إذا كان الخاطب الأول مسلمًا، ولا يضيق ذلك إذا كان الخاطب الأول يهوديًّا أو نصرانيًّا،

стр. 470

لقَطع الله تعالى الأخوّة بين المسلمين وبين الكفار. وقال غيره: هذا مذهب الأوزاعي وجمهور العلماء على خلافه. وقال بعضهم: هذا في غير الفُسّاق فأما الفاسق فيخطب على خطبته. وقال بعضهم: هذا إذا كان شكلين، فإما إذا لم يكن الزوجان شكلين جاز للمُشاكِل أن يدخل عليه. وقال الشافعي: إنما نهى عن ذلك في حال دون حال، وهو أن تأذن المخطوبة في إنكاح رجلٍ بعينه، فلا يَحلّ لأحدٍ أن يخطبها في تلك الحالة حتى يأذن الخاطب له، واحتج بحديث فاطمة بنت قيس. وقال غيره: أن يركن كلّ واحد من الزوجين إلى صاحبه ويتفقا على صَداق معلوم لا يبقى إلا الإعلان والإشهاد. وقال ابن المنذر: النهي في هذا الحديث نهي تحريم لا نهي تأديب، واستدل بحديث عقبة بن عامر أن رسول الله ﷺ قال: «المؤمن أخو المؤمن، لا يحل للمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه ولا يخطب على خطبة أخيه حتى يَذَر». وأخرجه مسلم (١). وذكر الطبريُّ أن بعضهم قال: نهيه ﵇ أن يخطب على خطبة أخيه منسوخ بخطبته ﷺ لأسامة فاطمةَ بنت قيس. وفيما قاله نظر (٢). قال ابن القيم ﵀: يعني بعد أن خطبها معاويةُ وأبو جهم. قال (٣):

стр. 471

وهذا غلط, فإن فاطمة لم تركن إلى واحدٍ منهما, وإنما جاءت مستشيرةً للنبيِّ ﷺ ، فأشار عليها بما هو الأصلح لها, والأرضى لله ولرسوله, ولم يخطبها لنفسه, ومورد النهي إنما هو خطبة الرجل لنفسه على خطبة أخيه, فأما إشارته على المرأة إذا استشارته بالكُفء الصالح فأين ذلك من الخطبة على خطبة أخيه؟ فقد تبيَّن غلطُ القائل, والحمد لله. وأيضًا فإنَّ هذا من الأحكام الممتنع نسخُها, فإنَّ صاحبَ الشرع علَّله بالأخوَّة, وهي علة مطلوبة البقاء والدوام, لا يلحقها نسخ ولا إبطال. ٧ - باب الرجلِ ينظر إلى المرأة وهو يريد تزويجها (١) ١٤٤/ ١٩٩٨ - عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا خطَبَ أحدُكم المرأةَ، فإن استطاع أن ينظرَ إلى ما يدعوه إلى نِكاحِها فليفعل»، فخطَبْتُ جاريةً، فكنتُ أتخبّأُ لها، حتى رأيتُ منها ما دعاني إلى نِكاحِها وتزويجها (٢)» (٣). في إسناده محمد بن إسحاق، وقد تقدم الكلام عليه. وقد أخرج مسلم في

стр. 472

«صحيحه» (١) من حديث أبي حازم عن أبي هريرة قال: «كنتُ عند النبي ﷺ فأتاه رجلٌ فأخبره أنه تزوَّجَ امرأةً من الأنصار، فقال له رسول الله ﷺ : أنظرتَ إليها؟ قال: لا، قال: فاذهب فانظر إليها، فإن في أعين الأنصار شيئًا». قال المنذري: قال الشافعي: ينظر إلى وجهها وكفيها وهي متغطية, ولا ينظر إلى ما وراء ذلك. وقال الشافعي: وسواء كان بإذنها أو بغير إذنها إذا كانت مستترة، وكره بعضُهم ذلك كلَّه، والسنةُ تقضي عليهم مع الإجماع على جواز النظر للحاجة كالشهادة وغيرها، وتمسك داودُ بظاهر اللفظ، وأجاز أن ينظر إلى سائر جسدها (٢). قال ابن القيم ﵀: وعن أحمد ثلاث روايات: إحداهن: ينظر إلى وجهها ويديها, والثانية: ينظر ما يظهر غالبًا, كالرقبة والساقين ونحوهما, والثالثة: ينظر إليها كلّها, عورة وغيرها، فإنه نصَّ على أنه يجوز أن ينظر إليها متجرِّدة (٣)! واللفظ الذي ذكره مسلم ليس بصريح في نظر الخاطب, وقد رواه النسائي (٤): خطب رجلٌ امرأةً من الأنصار, فقال له رسول الله ﷺ : «هل نظرتَ إليها؟»، قال: لا, فأمره أن ينظر إليها. رواه من طريق يزيد بن كيسان،

стр. 473

عن أبي حازم، عن أبي هريرة؛ قال مروان بن معاوية الفزاري، عن يزيد: «خَطَب رجلٌ امرأةً». وقال سفيان، عن يزيد، عن أبي حازم، عن أبي هريرة: «أن رجلًا أراد أن يتزوج امرأة» (١). وهذا مفسِّر لحديث مسلم: «أنه أخبره أنه تزوج امرأة». وقد روى (٢) ... من حديث بكر بن عبد الله المزني، عن المغيرة بن شعبة قال: خطبتُ امرأةً على عهد النبي ﷺ فقال النبي ﷺ : «أنظَرْتَ إليها؟» قلت: لا, قال: «فانظر (٣) , فإنه أجدر (٤) أن يُؤدَمَ بينكما». ٨ - باب لا نكاح إلا بوليّ (٥) ١٤٥/ ١٩٩٩ - عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : «أيُّما امرأةٍ نكَحَتْ بغير إذن مواليها (٦) فَنِكَاحُها باطِلٌ ــ ثلاث مرات ــ فإن دَخَل بها فالمهر لها بما أصاب منها، فإن تشاجروا فالسلطان وليُّ مَنْ لَا وَليَّ له».

стр. 474

وأخرجه الترمذي وابن ماجه (١). وقال الترمذي: «هذا حديث حسن». وقال في موضع آخر (٢): وحديث عائشة في هذا الباب عن النبي ﷺ : «لا نكاح إلا بولي» هو عندي حسن. ولم يؤثِّر عند الترمذي إنكارُ الزهريِّ له، فإن الحكاية في ذلك عن الزهري قد وهّنها بعضُ الأئمة. قال البيهقي: مع ما في مذهب أهل العلم بالحديث من وجوب قبول خبر الصادق، وإن نسيه مَن أخبره عنه. وقال علي ابن المديني: حديث إسرائيل صحيح في «لا نكاح إلا بوليّ». وسُئل عنه البخاري؟ فقال: الزيادة من الثقة مقبولة، وإسرائيل ثقة. فإن كان شعبة والثوري أرسلاه فإن ذلك لا يضرُّ الحديثَ. قال ابن القيم ﵀: قال الترمذي (٣) ــ وذَكَر سليمانَ بن موسى راويه

стр. 475

عن الزهري عن عروة عن عائشة ــ: سليمان بن موسى ثقة عند أهل الحديث، لم يتكلم فيه أحدٌ من المتقدمين إلا البخاري وحده, فإنه تكلم فيه من أجل أحاديث انفرد بها. وذَكَره دُحَيم فقال: في حديثه بعض اضطراب, وقال: لم يكن في أصحاب مكحول أثبت منه, وقال النسائي: في حديثه شيء, وقال البزار: سليمان بن موسى أجلّ مِن ابن جُرَيج, وقال الزهري: سليمان بن موسى أحفظ من مكحول. قال البيهقي (١): مع ما في مذهب أهل العلم بالحديث من وجوب قبول خبر الصادق, وإن نَسِيَه من أخبره عنه. قال الترمذي (٢): ورواه الحجَّاج بن أرطاة وجعفر بن ربيعة، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، عن النبي ﷺ . وروى عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، عن النبي ﷺ . قال ابنُ جُرَيج: ثم لقيتُ الزهريَّ فسألته, فأنكر (٣)، فضعَّفوا هذا الحديث من أجل هذا. وذُكِر عن يحيى بن معين أنه قال: لم يَذْكُر هذا الحرفَ عن ابنِ جريج إلا إسماعيلُ بن إبراهيم, قال يحيى بن معين: وسماع إسماعيل بن إبراهيم عن ابن جُرَيج ليس بذاك. إنما صحَّح كتبَه على كتب عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رَوَّاد ما سمع من ابن جُرَيج, وضعَّف يحيى روايةَ إسماعيل بن إبراهيم عن ابن جريج.

стр. 476

قال (١): والعمل على حديث النبي ﷺ في هذا الباب: «لا نكاحَ إلّا بوليّ» عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ؛ منهم: عمر بن الخطاب, وعليّ بن أبي طالب, وعبد الله بن عباس, وأبو هريرة, وغيرهم. وهكذا رُوِي عن فقهاء [ق ٨١] التابعين أنهم قالوا: «لا نكاح إلا بولي» , منهم: سعيد بن المسيّب, والحسن البصري, وشُرَيح, وإبراهيم النخعي, وعمر بن عبد العزيز, وغيرهم. وبهذا يقول سفيان الثوريّ والأوزاعيّ وعبدُ الله بن المبارك (٢) والشافعي وأحمد وإسحاق. ١٤٦/ ٢٠٠٠ - وعن أبي موسى ــ وهو الأشعري ــ أن النبي ﷺ قال: «لا نِكاحَ إلّا بوليِّ». وأخرجه الترمذيُّ وابنُ ماجه (٣). وقال الترمذي: وحديث أبي موسى حديث فيه اختلاف، وذكر أن بعضَهم رواه مرسلًا، وقال ــ بعد ذكر الاختلاف ــ: ورواية هؤلاء الذين رووا عن أبي إسحاق عن أبي بُرْدة عن أبي موسى عن النبي ﷺ : «لا نكاح إلا بوليٍّ» عندي أصح. قال ابن القيم ﵀: قال الترمذي (٤): «وحديث أبي موسى حديثٌ فيه اختلاف؛ رواه إسرائيل وشَرِيك بن عبد الله وأبو عَوَانة وزُهَير بن معاوية وقيس بن الربيع، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي ﷺ .

стр. 477

وروى أسباطُ بن محمد وزيد بن حُباب، عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق، عن أبي بُرْدة، عن أبي موسى، عن النبي ﷺ . [وروى أبو عبيدة الحداد، عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي ﷺ نحوه] (١) , ولم يذكر فيه «عن أبي إسحاق». وقد رُوي عن يونس بن أبي إسحاق، [عن أبي إسحاق]، عن أبي بردة، [عن أبي موسى]، عن النبي ﷺ . وروى شعبةُ والثوري عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن النبي ﷺ : «لا نكاحَ إلا بوليٍّ». وقد ذَكَر بعضُ أصحاب سفيان, عن سفيان، [عن أبي إسحاق، عن أبي بردة] , عن أبي موسى, ولا يصح. ورواية هؤلاء الذين رووا عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، [عن أبي موسى]، عن النبي ﷺ : «لا نِكاحَ إلا بوليّ» عندي أصح؛ لأن سماعَهم من أبي إسحاق في أوقات مختلفة, وإن كان شُعبة والثوري أحفظ وأثبت من جميع هؤلاء الذين رووا عن أبي إسحاق هذا الحديث، فإن رواية هؤلاء عندي أشبه [وأصح] لأن شعبةَ والثوريَّ سمعا هذا الحديث من أبي إسحاق في مجلس واحد. ومما يدلّ على ذلك ما حدثنا محمودُ بن غيلان، حدثنا أبو داود، حدثنا شعبة قال: سمعتُ سفيان الثوري يسأل أبا إسحاق: أسمعتَ أبا بُرْدة يقول:
следующие страницы →