← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 201

تهذيب سنن أبي داود - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 675 стр.). Показаны 473–512 · переход к 478.

стр. 473

عن أبي حازم، عن أبي هريرة؛ قال مروان بن معاوية الفزاري، عن يزيد: «خَطَب رجلٌ امرأةً». وقال سفيان، عن يزيد، عن أبي حازم، عن أبي هريرة: «أن رجلًا أراد أن يتزوج امرأة» (١). وهذا مفسِّر لحديث مسلم: «أنه أخبره أنه تزوج امرأة». وقد روى (٢) ... من حديث بكر بن عبد الله المزني، عن المغيرة بن شعبة قال: خطبتُ امرأةً على عهد النبي ﷺ فقال النبي ﷺ : «أنظَرْتَ إليها؟» قلت: لا, قال: «فانظر (٣) , فإنه أجدر (٤) أن يُؤدَمَ بينكما». ٨ - باب لا نكاح إلا بوليّ (٥) ١٤٥/ ١٩٩٩ - عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : «أيُّما امرأةٍ نكَحَتْ بغير إذن مواليها (٦) فَنِكَاحُها باطِلٌ ــ ثلاث مرات ــ فإن دَخَل بها فالمهر لها بما أصاب منها، فإن تشاجروا فالسلطان وليُّ مَنْ لَا وَليَّ له».

стр. 474

وأخرجه الترمذي وابن ماجه (١). وقال الترمذي: «هذا حديث حسن». وقال في موضع آخر (٢): وحديث عائشة في هذا الباب عن النبي ﷺ : «لا نكاح إلا بولي» هو عندي حسن. ولم يؤثِّر عند الترمذي إنكارُ الزهريِّ له، فإن الحكاية في ذلك عن الزهري قد وهّنها بعضُ الأئمة. قال البيهقي: مع ما في مذهب أهل العلم بالحديث من وجوب قبول خبر الصادق، وإن نسيه مَن أخبره عنه. وقال علي ابن المديني: حديث إسرائيل صحيح في «لا نكاح إلا بوليّ». وسُئل عنه البخاري؟ فقال: الزيادة من الثقة مقبولة، وإسرائيل ثقة. فإن كان شعبة والثوري أرسلاه فإن ذلك لا يضرُّ الحديثَ. قال ابن القيم ﵀: قال الترمذي (٣) ــ وذَكَر سليمانَ بن موسى راويه

стр. 475

عن الزهري عن عروة عن عائشة ــ: سليمان بن موسى ثقة عند أهل الحديث، لم يتكلم فيه أحدٌ من المتقدمين إلا البخاري وحده, فإنه تكلم فيه من أجل أحاديث انفرد بها. وذَكَره دُحَيم فقال: في حديثه بعض اضطراب, وقال: لم يكن في أصحاب مكحول أثبت منه, وقال النسائي: في حديثه شيء, وقال البزار: سليمان بن موسى أجلّ مِن ابن جُرَيج, وقال الزهري: سليمان بن موسى أحفظ من مكحول. قال البيهقي (١): مع ما في مذهب أهل العلم بالحديث من وجوب قبول خبر الصادق, وإن نَسِيَه من أخبره عنه. قال الترمذي (٢): ورواه الحجَّاج بن أرطاة وجعفر بن ربيعة، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، عن النبي ﷺ . وروى عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، عن النبي ﷺ . قال ابنُ جُرَيج: ثم لقيتُ الزهريَّ فسألته, فأنكر (٣)، فضعَّفوا هذا الحديث من أجل هذا. وذُكِر عن يحيى بن معين أنه قال: لم يَذْكُر هذا الحرفَ عن ابنِ جريج إلا إسماعيلُ بن إبراهيم, قال يحيى بن معين: وسماع إسماعيل بن إبراهيم عن ابن جُرَيج ليس بذاك. إنما صحَّح كتبَه على كتب عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رَوَّاد ما سمع من ابن جُرَيج, وضعَّف يحيى روايةَ إسماعيل بن إبراهيم عن ابن جريج.

стр. 476

قال (١): والعمل على حديث النبي ﷺ في هذا الباب: «لا نكاحَ إلّا بوليّ» عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ؛ منهم: عمر بن الخطاب, وعليّ بن أبي طالب, وعبد الله بن عباس, وأبو هريرة, وغيرهم. وهكذا رُوِي عن فقهاء [ق ٨١] التابعين أنهم قالوا: «لا نكاح إلا بولي» , منهم: سعيد بن المسيّب, والحسن البصري, وشُرَيح, وإبراهيم النخعي, وعمر بن عبد العزيز, وغيرهم. وبهذا يقول سفيان الثوريّ والأوزاعيّ وعبدُ الله بن المبارك (٢) والشافعي وأحمد وإسحاق. ١٤٦/ ٢٠٠٠ - وعن أبي موسى ــ وهو الأشعري ــ أن النبي ﷺ قال: «لا نِكاحَ إلّا بوليِّ». وأخرجه الترمذيُّ وابنُ ماجه (٣). وقال الترمذي: وحديث أبي موسى حديث فيه اختلاف، وذكر أن بعضَهم رواه مرسلًا، وقال ــ بعد ذكر الاختلاف ــ: ورواية هؤلاء الذين رووا عن أبي إسحاق عن أبي بُرْدة عن أبي موسى عن النبي ﷺ : «لا نكاح إلا بوليٍّ» عندي أصح. قال ابن القيم ﵀: قال الترمذي (٤): «وحديث أبي موسى حديثٌ فيه اختلاف؛ رواه إسرائيل وشَرِيك بن عبد الله وأبو عَوَانة وزُهَير بن معاوية وقيس بن الربيع، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي ﷺ .

стр. 477

وروى أسباطُ بن محمد وزيد بن حُباب، عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق، عن أبي بُرْدة، عن أبي موسى، عن النبي ﷺ . [وروى أبو عبيدة الحداد، عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي ﷺ نحوه] (١) , ولم يذكر فيه «عن أبي إسحاق». وقد رُوي عن يونس بن أبي إسحاق، [عن أبي إسحاق]، عن أبي بردة، [عن أبي موسى]، عن النبي ﷺ . وروى شعبةُ والثوري عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن النبي ﷺ : «لا نكاحَ إلا بوليٍّ». وقد ذَكَر بعضُ أصحاب سفيان, عن سفيان، [عن أبي إسحاق، عن أبي بردة] , عن أبي موسى, ولا يصح. ورواية هؤلاء الذين رووا عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، [عن أبي موسى]، عن النبي ﷺ : «لا نِكاحَ إلا بوليّ» عندي أصح؛ لأن سماعَهم من أبي إسحاق في أوقات مختلفة, وإن كان شُعبة والثوري أحفظ وأثبت من جميع هؤلاء الذين رووا عن أبي إسحاق هذا الحديث، فإن رواية هؤلاء عندي أشبه [وأصح] لأن شعبةَ والثوريَّ سمعا هذا الحديث من أبي إسحاق في مجلس واحد. ومما يدلّ على ذلك ما حدثنا محمودُ بن غيلان، حدثنا أبو داود، حدثنا شعبة قال: سمعتُ سفيان الثوري يسأل أبا إسحاق: أسمعتَ أبا بُرْدة يقول:

стр. 478

قال رسول الله ﷺ : «لا نكاحَ إلا بوليٍّ»؟ فقال: نعم. فدلّ هذا (١) الحديث أن سماع شعبة وسفيان (٢) الثوري هذا الحديث في وقت واحد, وإسرائيل هو ثقة (٣) ثبت في أبي إسحاق. سمعتُ محمدَ بن المثنى يقول: سمعتُ عبدَ الرحمن بن مهدي يقول: ما فاتني الذي فاتني (٤) من حديث الثوري عن أبي إسحاق, إلا لمّا اتكلتُ به على إسرائيل, لأنه كان يأتي به أتمّ. هذا آخر كلام الترمذي. وقال علي ابن المديني: حديث إسرائيل صحيح في «لا نكاح إلا بولي» (٥). وسئل عنه البخاريّ فقال: الزيادة من الثقة مقبولة, وإسرائيل ثقة, فإن كان شعبة والثوري أرسلاه، فإن ذلك لا يضرّ الحديث (٦). وقال قَبيصة بن عُقبة: جاءني عليُّ بن المديني فسألني عن هذا الحديث؟ فحدثته به عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى, لم يذكر فيه أبا إسحاق فقال: استرحنا من خلاف أبي إسحاق. قلت: وكذلك رواه الحسن بن محمد بن الصبَّاح، عن أسباط بن

стр. 479

محمد، عن يونس، عن أبي بُرْدة، عن أبي موسى. ذكره الحاكم في «المستدرك» (١) , فهذا وجه. الثاني: رواية عيسى ابنه وحجَّاج بن محمد المِصّيصي والحسن بن قتيبة وغيرهم، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن النبي ﷺ مرسلًا. الثالث: رواية شعبة والثوري عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن النبي ﷺ مرسلًا. هذه رواية أكثر الأثبات عنهما. الرابع: رواية يزيد بن زُرَيع، عن شعبة, ورواية مُؤمَّل بن إسماعيل وبشر بن منصور عن الثوري, كليهما عن أبي إسحاق، عن أبي بُرْدة، عن أبيه موصولًا. فهذه أربعة أوجه. والترجيح لحديث إسرائيل في وصله من وجوه عديدة: أحدها: تصحيح من تقدَّم من الأئمة له وحكمهم لروايته بالصحة, كالبخاري, وعليّ بن المديني, والترمذي, وبعدهم الحاكم, وابن حبان, وابن خزيمة. الثاني: ترجيح إسرائيل في حفظه وإتقانه لحديث أبي إسحاق, وهذا بشهادة الأئمة له, وإن كان شعبة والثوري أجلّ منه, لكنه لحديث أبي إسحاق أتْقَن وبه أعْرَف. الثالث: متابعة مَنْ وافق إسرائيل على وصله, كشَرِيك, ويونس بن أبي

стр. 480

إسحاق. قال عثمان الدارمي (١): سألتُ يحيى بن معين: شريكٌ أحبُّ إليك في أبي إسحاق أو إسرائيل؟ فقال: شَريك أحبّ إليّ, وهو أقدم, وإسرائيل صدوق. قلتُ: يونس بن أبي إسحاق أحبُّ إليك أو إسرائيل؟ فقال: كلٌّ ثقة. الرابع: ما ذكره الترمذيُّ (٢) , وهو أن سماع الذين وصلوه عن أبي إسحاق كان في أوقات مختلفة, وشعبةُ والثوريُّ سمعاه منه في مجلس واحد. الخامس: أن وَصْلَه زيادةٌ مِن ثقة، ليس دون من أرسله, والزيادة إذا كان هذا حالُها فهي مقبولة, كما أشار إليه البخاري, والله أعلم. ١٤٧/ ٢٠٠١ - وعن أم حبيبة: أنها كانت عند ابن جَحْشٍ فهَلَك عنها، وكان فيمن هاجر إلى أرض الحبَشة، فزوَّجها النَّجاشيُّ رسولَ الله ﷺ ، وهي عندهم. وأخرجه النسائي بنحوه (٣). قال ابن القيم ﵀: هذا هو المعروف المعلوم عند أهل العلم, أن الذي زوَّج أمَّ حبيبة للنبيِّ ﷺ هو النجاشيُّ في أرض الحبشة, وأمْهَرها مِن عنده, وزوجها الأول التي كانت معه في الحبشة هو عُبيد الله بن جحش بن رئاب [ق ٨٢] , أخو زينب بنت جحش زوج رسول الله ﷺ , تنصَّر بأرض الحبشة, ومات بها نصرانيًّا, فتزوّج امرأتَه رسولُ الله ﷺ .

стр. 481

وفي اسمها قولان: أحدهما: رملة, وهو الأشهر. والثاني: هند (١). وتزويج النجاشي لها حقيقة, فإنه كان مسلمًا, وهو أميرُ البلد وسلطانُه. وقد تأوَّله بعضُ المتكلِّفين على أنه ساق المهرَ من عنده، فأضيفَ التزويجُ إليه. وتأوَّله بعضُهم على أنه كان هو الخاطب، والذي ولي العقدَ عثمانُ بن عفان, وقيل: عَمْرو بن أمية الضَّمْري. والصحيح أن عَمرو بن أمية كان وكيل رسول الله ﷺ في ذلك, بعث به إلى النجاشي يزوِّجه إيَّاها, وقيل: الذي ولي العقدَ عليها خالدُ بن سعيد بن العاص, ابن عمِّ أبيها. وقد روى مسلم في «الصحيح» (٢) من حديث عكرمة بن عمَّار، [عن أبي زُمَيل]، عن ابن عباس قال: «كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان ولا يقاعدونه, فقال للنبي ﷺ يا نبيَّ الله, ثلاث أعْطِنِيهِنّ، قال: «نعم». قال: عندي أحسن العرب وأجمله, أمّ حبيبة بنت أبي سفيان, أزوِّجُكَها؟ قال: «نعم» , قال: ومعاوية تجعله كاتبًا بين يديك، قال: «نعم» , قال: وتُؤمّرني حتى أقاتل الكفار كما كنتُ أقاتل المسلمين؟ قال: «نعم». وقد ردَّ هذا الحديثَ جماعةٌ من الحفَّاظ, وعدُّوه من الأغلاط في كتاب مسلم, قال ابن حزم (٣): هذا حديث موضوع لا شكَّ في وضعه, والآفةُ فيه من عكرمة بن عمار, فإنه لم يختلف في أن رسول الله ﷺ تزوَّجها قبل الفتح بدهر وأبوها كافر.

стр. 482

وقال أبو الفرج بن الجوزي في كتاب «الكشف» (١) له: «هذا الحديث وهم من بعض الرواة, لا شكَّ فيه ولا تردُّد, وقد اتهموا به عكرمةَ بن عمار راويه, وقد ضعَّف أحاديثَه يحيى بنُ سعيد (٢) , وقال: ليست بصحاح, وكذلك قال أحمد بن حنبل: هي أحاديث ضعاف, وكذلك لم يُخْرِج عنه البخاريُّ, إنما أخرج عنه مسلم لقول يحيى بن معين: ثقة. قال: وإنما قلنا إن هذا وهم, لأن أهل التاريخ أجمعوا على أن أم حبيبة كانت تحت عبيد الله بن جحش, وولدت له, وهاجر بها وهما مسلمان إلى أرض الحبشة, ثم تنصَّر, وثبتت أمُّ حبيبةَ على دينها, فبعثَ رسولُ الله ﷺ إلى النجاشي يخطبها عليه, فزوَّجه إياها, وأصْدَقها عن رسول الله ﷺ أربعة آلاف درهم, وذلك سنة سبع من الهجرة, وجاء أبو سفيان في زمن الهدنة فدخل عليها, فثَنَتْ (٣) بساطَ رسولِ الله ﷺ حتى لا يجلس عليه (٤). ولا خلاف أن أبا سفيان ومعاوية أسلما في فتح مكة سنة ثمان, ولا يُعْرَف أن رسول الله ﷺ أمَّرَ أبا سفيان (٥).

стр. 483

وقد تكلَّف أقوام تأويلات فاسدة لتصحيح الحديث؛ كقول بعضهم: إنه سأله تجديد النكاح عليها! وقول بعضهم: إنه ظنَّ أن النكاحَ بغير إذنه وتزويجه غيرُ تامّ, فسأل رسولَ الله ﷺ أن يزوّجه إياها نكاحًا تامًّا, فسلَّم له النبي ﷺ حاله, وطيَّبَ قلبَه بإجابته! وقول بعضهم: إنه ظن أن التخيير كان طلاقًا, فسألَ رَجْعتها وابتداء النكاح عليها! وقول بعضهم: إنه استشعر كراهةَ النبيِّ ﷺ لها وأراد بلفظ التزويج استدامة نكاحها لا ابتداءه! وقول بعضهم: يحتمل أن يكون وقع طلاقٌ فسألَ تجديدَ النكاح! وقول بعضهم: يحتمل أن يكون أبو سفيان قال ذلك قبل إسلامه, كالمشترط له في إسلامه, ويكون التقدير: ثلاث إن أسلمتُ تُعْطِنِيهِنّ! وعلى هذا اعتمد المحبّ الطبري (١) في جواباته للمسائل الواردة عليه, وطوَّل في تقريره. وقال بعضهم: إنما سأله أن يزوِّجه ابنته الأخرى, وهي أختها, وخَفِيَ عليه تحريمُ الجمع بين الأختين لقرب عهده بالإسلام, فقد خفي ذلك على ابنته أم حبيبة, حتى سألَتْ رسولَ الله ﷺ (٢) , وغَلِط الراوي في اسمها. وهذه التأويلات في غاية الفساد والبطلان, وأئمة الحديث والعلم لا

стр. 484

يرضون بأمثالها, ولا يصححون أغلاط الرواة بمثل هذه الخيالات الفاسدة والتأويلات الباردة, التي يكفي في العلم بفسادها تصوُّرها وتأمّل الحديث. وهذا التأويل الأخير وإن كان في الظاهر أقلَّها فسادًا فهو أكْذَبُها وأبْطَلُها, وصريحُ الحديث يردُّه, فإنه قال: «أم حبيبة أزوجكها؟ قال: نعم» , فلو كان المسؤول تزويج أختها لما أنعم له بذلك ﷺ ، فالحديث غلطٌ لا ينبغي التردُّد فيه، والله أعلم. ٩ - باب قوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ (١) ١٤٨/ ٢٠٠٤ - عن عكرمة عن ابن عباس ــ قال الشيباني: وذكره عطاء أبو الحسن السُّوائي، ولا أظنه إلا عن ابن عباس ــ في هذه الآية: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٩] قال: كان الرجلُ إذا مات، كان أولياؤه أحقَّ بامرأته من وليِّ نفسها، إن شاء بعضهم زوَّجها أو زَوّجوها، وإن شاؤوا لم يزوّجوها، فنزلت هذه الآية في ذلك. قال ابن القيم ﵀: وقد استشكل بعضُ المفسرين (٢) معنى وراثتهم النساء المنهيّ عنها, حتى قال: المعنى لا يحلُّ لكم أن ترثوا نكاحهنَّ لترثوا

стр. 485

أموالهنّ كَرهًا. قال: وفي المراد بميراثهن [ق ٨٣] وجهان: أحدهما: ما يصل إلى الأزواج من أموالهنّ بالموت دون الحياة، على ما يقتضيه الظاهر من لفظ الميراث. الثاني: الوصول إلى أموالهن في الحياة وبعدها, وقد يسمّى ما وصل في الحياة ميراثًا, كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ﴾ [المؤمنون:١١]. وهذا تكلُّف وخروج عن مقتضى الآية (١) , بل الذي مُنِعوا منه: أن يجعلوا حقَّ الزوجية حقًّا موروثًا ينتقل إلى الوارث كسائر حقوقه, وهذه كانت شُبهتهم أن حقَّ الزوجية انتقل إليهم مِن موروثهم, فأبطل الله ذلك, وحكَمَ بأن الزوجية لا تنتقل بالميراث إلى الوارث, بل إذا مات الزوج كانت المرأةُ أحقَّ بنفسها, ولم يرث بُضْعَها أحدٌ, وليس البُضعُ كالمال فينتقل بالميراث. وقوله (٢): «فوَعَظَ اللهُ ذلك» فيه وجهان: أحدهما: أن يُقَدَّر فيه حرف جرّ, أي في ذلك. والثاني: أن يُضَمَّن «وعَظَ» معنى «مَنَع وحذَّر» ونحوه. واستنبط بعضُهم من الآية أنه لا يحلّ للرجل أن يمسك امرأتَه ولا أَرَب له فيها, طمعًا أن تموت فيرث مالها، وفيه نظر (٣). والله أعلم.

стр. 486

١٠ - باب في البِكْر يزوِّجها أبوها (١) ١٤٩/ ٢٠١١ - عن ابن عباس: أن جاريةً بكرًا أتتِ النبيَّ ﷺ ، فذكرَتْ أن أباها زوَّجها وهي كارهة، فخيَّرها النبي ﷺ . وأخرجه ابن ماجه (٢)، وأخرجه أبو داود أيضًا مرسلًا (٣). وقال: وكذا رواه الناس مرسلًا معروف. وقال البيهقي (٤): فهذا حديث أخطأ فيه جرير بن حازم على أيوب السختياني، والمحفوظ عن أيوب عن عكرمة: «أن النبي ﷺ » مرسلًا. وقال أيضًا: وقد روي من أوجه أخرى عن عكرمة موصولًا، وهو أيضًا خطأ، وذكره عن عطاء عن جابر. وقال: هذا وهم، والصواب مرسل، وقال: وإن صح ذلك فكأنه كان وضعها في غير كُفْءٍ، فخيَّرها النبي ﷺ . قال ابن القيم ﵀: وعلى طريقة البيهقي وأكثر الفقهاء وجميع أهل الأصول: هذا حديث صحيح, لأن جرير بن حازم ثقة ثبت, وقد وَصَله، وهم يقولون: زيادة الثقة مقبولة, فما بالها تُقْبَل في موضع, بل في أكثر المواضع التي توافق مذهبَ المقلِّد, وتُرَدّ في موضع يخالف مذهبه؟! وقد قبلوا زيادة الثقة في أكثر من مائتين من الأحاديث رفعًا ووصلًا وزيادةَ لفظٍ ونحوه, هذا لو انفرد به جرير, فكيف وقد تابعه على رفعه عن أيوب: زيدُ بن

стр. 487

حبان, ذكره ابن ماجه في «سننه» (١). وأما حديث جابر فهو حديث يرويه شُعَيب بن إسحاق، عن الأوزاعي، عن عطاء، عن جابر: «أن رجلًا زوَّج ابنتَه وهي بِكْر من غير أمرها, فأتتِ النبيَّ ﷺ ففرَّق بينهما» رواه النسائي (٢). ورواه أيضًا من حديث أبي حفص التنِّيسي (٣): سمعتُ الأوزاعيَّ قال: حدثني إبراهيم بن مرة, عن عطاء بن أبي رَباح قال: «زوَّج رجلٌ ابنتَه وهي بكر» وساق الحديث. وهذا الإرسال لا يدلّ على أن الموصول خطأ بمجرَّده. وأما حديث جرير الذي أشار البيهقي (٤) إلى أنه أخطأ فيه على أيوب, فرواه النسائي (٥) أيضًا من حديث جَرير، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس: «أن جارية بكرًا أتتِ النبيَّ ﷺ ,فقالت: إن أبي زَوَّجني, وهي كارهة, فردَّ النبيُّ ﷺ نكاحها». ورجاله محتجٌّ بهم في الصحيح. وقد تقدّم (٦) قولُ النبي ﷺ : «لا تُنْكَح البِكْرُ إلا بإذنها». وهذا نهيٌ صريح في المنع، فحَمْلُه على الاستحباب بعيد جدًّا.

стр. 488

وفي حديث ابن عباس: «والبِكْر يستأمرها أبوها» رواه مسلم (١)، وسيأتي, فهذا خبرٌ في معنى الأمر على إحدى الطريقتين, أو خبر محض, ويكون خبرًا عن حُكْم الشرع, لا خبرًا عن الواقع, وهي طريقة المحققين. فقد توافق أمرُه ﷺ وخبرُه ونهيه على أن البِكْر لا تُزوَّج إلا بإذنها. ومثل هذا يَقْرُب مِن القاطع (٢) ويبعُد كلَّ البعد حَمْلُه على الاستحباب. وروى النسائي (٣) من حديث عكرمة، عن ابن عباس قال: «أنكَحَ رجلٌ من بني المنذر ابنتَه وهي كارهة, فأتى النبيَّ ﷺ فردَّ نكاحها». وروى أيضًا (٤) من حديث عبد الله بن بُرَيدة، عن عائشة: أن فتاةً دخلت عليها فقالت: إن أبي زوَّجني ابن أخيه ليرفع بي خسيسته, وأنا كارهة, قالت: اجلسي حتى يأتي النبيُّ ﷺ ، فجاء رسول الله ﷺ فأخبرَتْه, فأرسل إلى أبيها فدعاه, فجعلَ الأمرَ إليها, فقالت: يا رسول الله، قد أجزتُ ما صنع أبي, ولكني أردت أن أعْلَم أللنساءِ مِن الأمر شيءٌ؟». ورَوى أيضًا (٥) عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة قال: «أنْكَح رجلٌ من بني المنذر ابنتَه وهي كارهة, فأتى النبيَّ ﷺ فردَّ نكاحها». وحَمْل هذه القضايا وأشباهها على الثيِّب دون البِكْر خلاف مقتضاها, لأن النبيَّ ﷺ لم يسأل عن ذلك ولا استفصل, ولو كان الحكم يختلف بذلك

стр. 489

لاستفصلَ وسألَ عنه, والشافعيُّ يُنَزِّلُ هذا منزلةَ العموم, ويحتجُّ به كثيرًا (١). وذكر أبو محمد بن حزم (٢) من طريق قاسم بن أصبغ، عن ابن عمر: «أن رجلا زوَّج ابنتَه بكرًا، فأتت النبيَّ ﷺ فردَّ نكاحه» وذكر الدارقطني هذا الحديثَ في «سننه» (٣) وفي كتاب «العلل» (٤) , وأعلَّه برواية مَن روى: «أنّ عمّها زوَّجها بعد وفاة أبيها, وزوَّجها من عُبيد الله بن عمر, وهي بنت عثمان بن مظعون, وعمها قدامة, فكرهته, ففرَّق رسولُ الله ﷺ بينهما, فتزوَّجها المغيرة بن شعبة». قال: وهذا أصحّ من قول مَن قال: زوجها أبوها, والله أعلم. ١١ - [ق ٨٤] باب في الثيِّب ١٥٠/ ٢٠١٥ - وعن خنساء بنت خِذَام الأنصارية: «أن أباها زوَّجها وهي ثَيِّبٌ، فكرهتْ ذلك، فجاءت رسولَ الله ﷺ فذكرَتْ ذلك له، فردَّ نكاحَها». وأخرجه البخاري والنسائي وابن ماجه (٥).

стр. 490

قال ابن القيم ﵀: وقد اخْتُلِف في خنساء هذه, هل كانت بكرًا أو ثيِّبًا؟ فقال مالك: وهي ثيِّب, وكذلك ذكره البخاري في «صحيحه» , من حديث مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عبد الرحمن ومُجَمِّع ابني يزيد بن جرير، عن خنساء. وخالف مالكًا سفيانُ الثوريُّ, فرواه عن عبد الرحمن بن القاسم، عن عبد الله بن يزيد، عن خنساء قالت: «أنكَحَنِي أبي وأنا كارهة, وأنا بِكْر, فشكوتُ ذلك للنبيِّ ﷺ فقال: «لا تُنْكِحها وهي كارهة» رواه النسائي (١) من حديث ابن المبارك عن سفيان. قال عبد الحق (٢): رُوِي أنها كانت بكرًا, ووقع ذلك في كتاب أبي داود والنسائي, والصحيح أنها كانت ثَيِّبًا. ١٢ - باب في التزويج على العمل يُعْمَل (٣) ١٥١/ ٢٠٢٥ - عن سهل بن سعد الساعدي: أن رسول الله ﷺ جاءته امرأةٌ فقالت: يا رسول الله، إني قد وهبت نفسي لك، فقامت قيامًا طويلًا، فقام رجل، فقال: يا رسول الله زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة، فقال رسول الله ﷺ : «هل عندكَ شيء تُصْدِقُها إيَّاه؟» فقال: ما عندي إلا إزاري هذا، فقال رسول الله ﷺ : «إنك إن أعطيتها إزارك جلستَ لا إزارَ لك، فالتمِسْ شيئًا»، قال: لا أجدُ شيئًا، قال: «فالتَمِسْ ولو خاتمًا من حديد»، فالتمس فلم يجد شيئًا، فقال رسول الله ﷺ :

стр. 491

«هل معك من القرآن شيء؟» قال: نعم، سورة كذا وسورة كذا، لسُوَرٍ سَمَّاها، فقال له رسول الله ﷺ : «قد زَوَّجْتُكَهَا بما مَعَكَ من القرآن». وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه (١). وفي رواية: فقال: «ما تحفظ من القرآن؟» قال: سورة البقرة والتي تليها. قال: «قم فعلّمها عشرين آية، وهي امرأتك» في إسناده عسل بن سفيان، وهو ضعيف. وفي رواية قال: وقد كان مكحول يقول: ليس ذاك لأحدٍ بعد رسول الله ﷺ . رُوي «مَلّكْتُكها» وروي أيضًا «مُلِّكْتَها» بضم الميم وكسر اللام. قال أبو الحسن الدارقطني: رواية من روى «مُلّكتَها» وهم، ورواية من قال: «زوّجْتُكها» الصوابُ، وهم أكثر وأحفظ (٢). قال ابن القيم ﵀: وادعى بعضُهم أن هذا الحديث منسوخٌ بقوله: «لا نكاح إلا بوليٍّ» (٣) ولا يصحّ ذلك, فإن الموهوبة كانت تحلّ لرسول الله ﷺ ، وقد جعلَتْ أمرَها إليه, فزوَّجها بالولاية. وأما دعوى الخصوص في الحديث, فإنها من وجه دون وجه, فالخصوص به ﷺ : نكاحُه بالهبة, لقوله تعالى ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ ــ إلى قوله ــ ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب:٥٠].

стр. 492

وأما تزويج المرأة على تعليم القرآن, فكثير من أهل العلم يجيزه, كالشافعي وأحمد وأصحابهما, وكثير يمنعه, كأبي حنيفة ومالك (١). وفيه جواز نكاح المُعْدَم الذي لا مال له. وفيه الردّ على من قال بتقدّر (٢) أقلّ الصّدَاق إما بخمسة دراهم كقول ابن شبرمة، أو بعشرة كقول أبي حنيفة، أو أربعين درهمًا كقول النخعي, أو خمسين كقول سعيد بن جُبَير, أو ثلاثة دراهم, أو ربع دينار كقول مالك. وليس لشيءٍ من هذه الأقوال حجةٌ يجب المصيرُ إليها, وليس بعضُها بأولى من بعض. وغاية ما ذكره المُقَدِّرون: قياس استباحة البُضْع على قَطْع يد السارق. وهذا القياسُ ــ مع مخالفته النصَّ ــ فاسدٌ, إذ ليس بين البابين علة مشتركة توجِب إلحاق أحدهما بالآخر, وأين قطع يد السارق من باب الصَّدَاق؟! وهذا هو الوصف الطّرْدي المحض الذي لا أثر له في تعلّق الأحكام به. وفيه جواز عرضِ المرأةِ نفسَها على الرجل الصالح. وفيه جواز كون الوليّ هو الخاطب، وترجم عليه البخاري في «صحيحه» (٣) كذلك, وذَكَر الحديث. وفيه جواز سكوت العالم، ومَن سُئل شيئًا لم يُرِدْ قضاءَه ولا الجوابَ

стр. 493

عنه, وذلك أَلْيَنُ في صَرْف السائل, وأحْمَدُ مِن جَبْهِهِ بالردّ (١) , وهو من مكارم الأخلاق. وفيه دليل على جواز أن تكون منافع الحرّ صَدَاقًا, وفيه نظر. والله أعلم. ١٣ - باب فيمن تزوَّج ولم يسمِّ لها صَدَاقًا [حتى مات] (٢) ١٥٢/ ٢٠٢٨ - عن عبد الله ــ وهو ابن مسعود ــ في رجل تزوج امرأة، فمات عنها ولم يدخل بها ولم يفرض لها، فقال: لها الصداق كاملًا، وعليها العدة، ولها الميراث. قال مَعْقِل بن سِنان: سمعت رسول الله ﷺ قضى به في بَرْوَعَ بنت واشِق. وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه (٣)، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. ١٥٣/ ٢٠٢٩ - وعن عبد الله بن عُتبة بن مسعود: «أن عبد الله بن مسعود أُتِيَ في رجل ــ بهذا الخبر ــ قال: فاختلفوا إليه شهرًا، أو قال: مَرَّات ــ قال: فإني أقول فيها: إن لها صداقًا كصداق نسائها، لا وَكْسَ ولا شَطَطَ، فإن لها الميراث، وعليها العِدَّة، فإن يكُ صوابًا فمن الله، وإن يكُ خطأ فمنِّي ومن الشيطان، والله

стр. 494

ورسوله بريئان. فقام ناسٌ من أشجع، فيهم الجرَّاح وأبو سنان، فقالوا: يا ابن مسعود، نحن نشهدُ أن رسولَ الله ﷺ قضاها فينا، في بَرْوَعَ بنتِ واشِقٍ، وإن زوجَها هلالُ بن مُرَّة الأشجعي، كما قضيتَ. قال: ففرح عبدُ الله بن مسعود فرحًا شديدًا حين وافق قضاؤه قضاءَ رسولِ الله ﷺ » (١). قال الشافعي (٢) ﵁ في هذا الحديث: فإن ثبت عن النبي ﷺ فهو أولى الأمور بنا ولا حجة في قول أحدٍ دون النبي ﷺ وإن كثروا ولا في قياس فلا شيء في قوله إلا طاعة الله بالتسليم له، وإن كان لا يثبت عن النبي ﷺ لم يكن لأحدٍ أن يُثبِت عنه ما لم يثبت، ولم أحفظه بعد من وجهٍ يثبت مثله، وهو مرة يقال: عن معقل [بن يسار ومرة عن معقل] بن سنان ومرة عن بعض أشجع ولا يسمّى. وذكر البيهقي (٣) أن عبد الرحمن بن مهدي إمام من أئمة أهل الحديث قد رواه ــ وذكر سنده أو قال: هذا إسناد صحيح، وقد سمّى فيه معقَلَ بن سنان وهو صحابي مشهور، ورواه يزيد بن هارون ــ وهو أحد حفاظ الحديث ــ مع عبد الرحمن بن مهدي وغيره بإسنادٍ آخر صحيح ــ وذكر سنده ــ. وقال البيهقي (٤) أيضًا: وهذا الاختلاف في قصة بَرْوع بنت واشق عن النبي ﷺ لا يوهن الحديث، فإن جميع هذه الروايات أسانيدُها صحاح، وفي بعضها ما دلّ على أن جماعة من أشجع شهدوا بذلك، فكأنّ بعض الرواة سمّى فيهم واحدًا وبعضهم سمى آخر وبعضهم سمّى اثنين وبعضهم أطلق ولم يسمّ، وبمثله لا يُردّ

стр. 495

الحديث، ولولا ثقة من رواه عن النبي ﷺ لما كان لفرح عبد الله بن مسعود بروايته معنى. هذا آخر كلامه. وقد صحّح الحديثَ الترمذي (١). قال ابن القيم ﵀: وفيه أن الصواب في قول واحد، ولا يكون القولان المتضادان صوابًا معًا. وهو منصوص الأئمة الأربعة والسلف وأكثر الخلف. وفيه أن الله تعالى هو الموفِّق للصواب، المُلْهِم له بتوفيقه وإعانته، وأن الخطأ من النفس والشيطان، ولا يضاف إلى الله ولا إلى رسوله. ولا حُجَّةَ فيه للقدرية المجوسية (٢)، إذ إضافته إلى النفس والشيطان إضافة إلى محلّه ومصدره وهو النفس، وسببه (٣)، وهو الشيطان وتلبيسه الحقَّ بالباطل. بل فيه ردٌّ على القدرية الجبريّة الذين يبرِّئون النفسَ والشيطانَ مِن الأفعال البتة، ولا يرون للمكلَّف فعلًا اختياريًّا يكون صوابًا أو خطأ. والذي دلَّ عليه قولُ ابن مسعود، وهو قول الصحابة كلهم وأئمة السنة من التابعين ومَن بعدهم: وهو إثبات القَدَر، الذي هو نظام التوحيد، وإثباتِ فعل العبد الاختياري، الذي هو نظام الأمر والنهي، وهو متعلَّق المدح والذم، والثواب والعقاب، والله أعلم. ١٤ - باب في خُطْبة النكاح ١٥٤/ ٢٠٣٢ - وعن أبي الأحوص وأبي عُبيدة عن عبد الله قال: «علّمنا

стр. 496

رسولُ الله ﷺ خُطبة الحاجة: إنّ الحمد لله، نستعينُه ونستغفرُه، ونعوذ به من شرور أنفسنا، مَن يهدِه الله فلا مُضلَّ له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهدُ أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، يا أيها الذين آمنوا ﴿اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١]. وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه (١). وقال الترمذي: حديث حسن. ومنهم من أخرجه عن أبي الأحوص وحده، ومنهم من أخرجه عنهما. قال ابن القيم ﵀: وقد روى النسائيُّ في «سننه» (٢) من حديث عَمرو بن سعيد (٣)، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس: أن رجلًا كلّم النبيَّ ﷺ في شيء, فقال النبي ﷺ : «إن الحمد لله, نحمده ونستعينه, مَن يهدِه الله فلا مضلَّ له, ومَن يُضلل فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له, وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسوله، أما بعد». والأحاديثُ كلّها متفقة على أن «نستعينه ونستغفره ونعوذ به» بالنون, والشهادتان بالإفراد, «وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله».

стр. 497

قال شيخ الإسلام [ق ٨٥] ابن تيمية (١): لمّا كانت كلمة الشهادة لا يتحمّلها أحدٌ عن أحد, ولا تَقْبل النيابةَ بحالٍ أفردَ الشهادةَ بها، ولمّا كانت الاستعانة والاستعاذة والاستغفار تقبل ذلك, فيستغفر الرجل لغيره, ويستعين الله له, ويستعيذ بالله له, أتى فيها بلفظ الجمع, ولهذا نقول: اللهم أعنّا, وأعِذْنا, واغفر لنا. قال ذلك في حديث ابن مسعود وليس فيه «نحمده» , وفي حديث ابن عباس «نحمده» بالنون, مع أن الحمد لا يتحمّله أحدٌ عن أحد, ولا يقبل النيابة, فإن كانت هذه اللفظة محفوظة فيه .... (٢) إلى ألفاظ الحمد والاستعانة على نَسَق واحد. وفيه معنى آخر, وهو أن الاستعانة والاستعاذة والاستغفار طلب وإنشاء, فيستحبّ للطالب أن يطلبه لنفسه ولإخوانه المؤمنين, وأما الشهادة فهي إخبار عن شهادته لله بالوحدانية ولنبيه بالرسالة, وهي خبر يطابق عقد القلب وتصديقه, وهذا إنما يخبر به الإنسانُ عن نفسه لعلمه بحاله, بخلاف إخباره عن غيره, فإنه إنما يخبر عن قوله ونطقه, لا عن عَقْد قلبه، والله أعلم. ١٥٥/ ٢٠٣٣ - وعن أبي العياض، عن ابن مسعود: «أن رسول الله ﷺ كان إذا تشهَّد، ذكر نحوه، وقال بعد قوله «ورسوله»: «أرسلَه بالحقّ بشيرًا ونذيرًا بين يدي الساعة، مَنْ يُطع الله ورسولَه فقد رَشد، ومن يعصهما فإنه لا يَضُرُّ إلا نفسَه، ولا يضرّ الله شيئًا» (٣).

стр. 498

في إسناده عمران بن دَاوَرَ القطان، وفيه مقال. قال ابن القيم ﵀: وقد روى النسائيُّ وغيرُه (١) من حديث عَديّ بن حاتم قال: «تشهَّد رجلان عند النبيِّ ﷺ , فقال أحدهما: مَن يُطِعِ اللهَ ورسولَه فقد رَشَد, ومَن يَعْصِهما (٢) , فقال رسول الله ﷺ : «بئس الخطيبُ أنتَ». فإن صحَّ حديثُ عمران بن داور, فلعله رواه بعضُهم بالمعنى, فظنَّ أن اللفظين سواء, ولم يبلغه حديث: «بئس الخطيبُ أنت». وليس عمران بذلك الحافظ. ١٥ - باب تزويج الصِّغار ١٥٦/ ٢٠٣٥ - عن عائشة قالت: «تزوَّجني رسولُ الله ﷺ وأنا بنتُ سَبْع ــ قال سليمان وهو ابن حرب: أو ستٍّ ــ ودَخَل بي، وأنا بنتُ تسعٍ». وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه (٣). قال ابن القيم ﵀: وروى النسائي (٤) من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عنها: «أن رسول الله ﷺ تزوَّجها لسبع سنين, ودخل عليها لتسع

стр. 499

سنين». ثم روى (١) من حديث الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود عنها: «أن رسول الله ﷺ تزوَّجها وهي بنت تسع, ومات عنها وهي بنت ثمان عشرة». ثم روى (٢) من حديث مُطَرِّف بن طريف، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة قال: قالت عائشة: «تزوَّجني رسولُ الله ﷺ لتسع سنين, وصَحِبْته تسعًا». وليس شيءٌ مِن هذا بمختلف, فإن عَقْده ﷺ عليها كان وقد استكملَتْ ستَّ سنين ودخلت في السابعة, وبناؤه بها كان لتسع سنين من مولدها, فعبَّر عن العقد بالتزويج، وكان لستٍّ (٣) , وعبَّر عن البناء بها بالتزويج, وكان لتسع. فالروايتان حقّ. ١٦ - باب ما يُقال للمتزوِّج ١٥٧/ ٢٠٤٣ - عن أبي هريرة: أن النبيَّ ﷺ كان إذا رَفَّأ الإنسانَ إذا تزوَّج قال: «باركَ الله لكَ، وباركَ عليك، وجمع بينكما في خير». وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه (٤). وقال الترمذي: حسن صحيح. قال المنذري: «رفأه» من قولهم: رفأتُ الثوبَ ورفوتُه، فيكون دعاء له بالموافقة والملائمة، ويكون أيضًا معناه التسكين والطمأنينة من قولهم: «رفوتُ الرجلَ» إذا سكّنت ما به من رَوْع (٥).

стр. 500

قال ابن القيم ﵀: (١) فعلى الأول أصله «رفأ» , بالهمز, ثم خُفّف, فقيل: «رفا» , وعلى الثاني: أصله الواو, فهو من المعتلّ. قال الجوهري (٢): رفوتُ الرجلَ, سكّنته من الرعب، قال أبو خراش الهذلي: رَفَوني وقالوا: يا خُويلد لم تُرعَ ... فقلتُ وأنكرت الوجوه هُمُ هُمُ (٣) والمرافاة: الاتفاق. قال: ولمّا أن رأيتُ أبا رُوَيمٍ ... يرافيني ويكره أن يُلاما والرِّفاء: الالتحام والاتفاق, ويقال: رَفَّيتُه تَرْفِيَةً, إذا قلتَ للمتزوج: بالرفاء والبنين. قال ابن السِّكِّيت: وإن شئتَ كان معناه بالسكون والطمأنينة, مِن: رفوتُ الرجلَ إذا سَكَّنْتُه. تم كلامه. [قال المنذري: ورُوي «رفّحَ» بالحاء المهملة أبدل من الهمزة حاء، وقال بعضهم: «رقح» بالقاف، والترقيح: إصلاح المعيشة، وقد رُوي من حديث عقيل بن أبي طالب ﵁ أن رسول الله ﷺ نهانا أن نقول: بالرفاء والبنين وأمرنا أن نقول: بارك الله لك وبارك عليك ــ إلا أنه من رواية الحسن البصري عنه، والحسن البصري لم يسمع من عقيل بن أبي طالب. ورُوي أيضًا عن الحسن

стр. 501

مرسلًا] (١). قال ابن القيم ﵀ بعدَه: وقد رواه النسائيُّ في «سننه» (٢) عن الحسن قال: «تزوَّج عَقيل بن أبي طالب امرأةً من بني جُشَم (٣) , فقيل له: بالرفاء والبنين. فقال: قولوا كما قال رسول الله ﷺ : «بارك الله فيكم, وبارك لكم». ١٧ - باب في الرجل يتزوّج المرأةَ فيجدها حُبْلَى ١٥٨/ ٢٠٤٤ - عن سعيد بن المسيّب، عن رجلٍ من الأنصار ــ قال ابنُ أبي السِّرِي وهو محمد: مِن أصحاب النبيّ ﷺ ، ولم يقل: من الأنصار ثم اتفقوا ــ يقال له: بَصْرَة، قال: تزوجتُ امرأةً بِكرًا في سِترها، فدخلتُ عليها، فإذا هي حُبلَى، فقال النبي ﷺ : «لها الصداقُ بما استحللتَ مِن فرجها، والولدُ عبدٌ لك. فإذا ولَدَتْ»، قال الحسن ــ وهو ابنُ عليّ ــ: «فاجلدها»، وقال ابن أبي السرى: «فاجْلِدوها»، أو قال: «فحُدُّوها» (٤). وذَكَر أن منهم من رواه مرسلًا (٥).

стр. 502

قال الخطابي (١):هذا الحديث لا أعلم أحدًا من الفقهاء قال به، وهو مرسل. ولا أعلم أحدًا من العلماء اختلف في أن وَلَد الزنا حرّ إذا كان من حرّة، فكيف يستعبده؟ ويُشبه أن يكون معناه ــ إن ثبتَ الخبرُ ــ أنه أوصاه به خيرًا أو أمره باصطناعه وتربيته واقتنائه لينتفع بخدمته إذا بلغ، فيكون كالعبد له في الطاعة مكافأة له على إحسانه وجزاء لمعروفه. وفيه حجة ــ إن ثبتَ الحديثُ ــ لمن رأى الحَمْل من الفجور يمنع عقد النكاح، وهو قول سفيان الثوري وأبي يوسف وأحمد بن حنبل وإسحاق. وقال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن: النكاح جائز، وهو قول الشافعي. والوطء على مذهبه مكروه، ولا عِدّة عليها في قول أبي يوسف وكذلك عند الشافعي. ويشبه أن يكون إنما جعل لها صداق المثل دون المسمى لأن في هذا الحديث من رواية زيد بن نعيم عن ابن المسيب: أنه فرَّق بينهما، ولو كان النكاح وقع صحيحًا لم يجب التفريق، لأن حدوث الزنا بالمنكوحة لا يفسخ النكاح ولا يوجب للزوج الخيار. ويحتمل أن يكون الحديث ــ إن كان له أصل ــ منسوخًا. قال ابن القيم ﵀: هذا الحديث قد اضْطُرِب في سنده وحكمه, واسم الصحابي راويه. فقيل: «بصرة» بالباء الموحَّدة والصاد المهملة, وقيل: «نضرة» بالنون المفتوحة والضاد المعجمة، وقيل: «نَضْلَة» , بالنون والضاد المعجمة واللام, وقيل: «بُسْرَة» بالباء الموحّدة والسين المهملة، وقيل: نضرة بن أكثم الخزاعي, وقيل: الأنصاري, وذكر بعضهم: أنه بصرة بن أبي

стр. 503

بصرة الغفاري, ووهم قائله. وقيل: بصرة هذا مجهول. وله علة عجيبة, وهي: أنه حديثٌ يرويه ابنُ جُرَيج، عن صفوان بن سُلَيم، عن سعيد بن المسيّب، عن رجل من الأنصار. وابنُ جُرَيج لم يسمعه من صفوان, إنما رواه عن إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي، عن صفوان. وإبراهيم (١) هذا متروك الحديث؛ تركه أحمدُ بن حنبل ويحيى بن معين وابنُ المبارك وأبو حاتم وأبو زرعة الرازيان وغيرهم. وسُئل عنه مالك بن أنس: أكان [ق ٨٦] ثقة؟ قال: لا, ولا في دينه. وله علّة أخرى: وهي أن المعروف إنما يُروَى مرسلًا عن سعيد بن المسيب عن النبي ﷺ . كذا رواه قتادة ويزيد بن نُعَيم وعطاء الخراساني، كلهم عن سعيد، عن النبي ﷺ (٢). ذَكَر عبد الحق (٣) هذين التعليلين, ثم قال: «والإرسال هو الصحيح». وقد اشتمل على أربعة أحكام: أحدها: وجوب الصَّدَاق عليه بما استحلّ مِن فرجها، وهو ظاهر لأن الوطء فيه غايته أن يكون وطءَ شبهة, إن لم يصحّ النكاح. الثاني: بطلان نكاح الحامل من الزنا.

стр. 504

وقد اخْتُلِف في نكاح الزانية؛ فمذهب الإمام أحمد بن حنبل: أنه لا يجوز تزوُّجها حتى تتوب, وتنقضي عدَّتها, فمتى تزوجها قبل التوبة أو قبل انقضاء عدتها كان النكاح فاسدًا, ويفرَّق بينهما (١). وهل عِدَّتها ثلاث حِيَض, أو حيضة؟ على روايتين عنه. ومذهب الثلاثة: أنه يجوز أن يتزوَّجها قبل توبتها, والزنا لا يمنع عندهم صحَّة العقد, كما لم يوجب فسخَه طريانُه (٢). ثم اختلف هؤلاء في نكاحها في عدّتها: فمَنَعَه مالك, احترامًا لماء الزوج, وصيانةً لاختلاط النسب الصريح بولد الزنا. وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أنه يجوز العقد عليها من غير انقضاء عدة. ثم اختلفا, فقال الشافعي: يجوز العقد عليها وإن كانت حاملًا, لأنه لا حُرْمة لهذا الحمل. وقال أبو يوسف وأبو حنيفة في إحدى الروايتين عنه: لا يجوز العقد عليها حتى تضع الحملَ, لئلا يكون الزوج قد سقى ماءَه زرعَ غيرِه, ولنهي النبي ﷺ أن توطأ المَسْبية الحاملُ حتى تضع. مع أن حملها مملوك له, فالحامل من الزنا أولى أن لا تُوطَأ حتى تضع, ولأنّ ماء الزاني وإن لم يكن له حُرْمة فماء الزوج محترم، فكيف يسوغ له أن يخلطه بماء الفجور؟ ولأن النبي ﷺ همّ بلعن الذي يريد أن يطأ أَمَته الحامل من غيره وكانت مسبية, مع انقطاع الولد عن أبيه, وكونه مملوكًا له. وقال أبو حنيفة

стр. 505

في الرواية الأخرى: يصح العقد عليها, ولكن لا توطأ حتى تضع. الثالث: وجوب الحدِّ بالحَبَل, وهذا مذهب مالك وأحمد في إحدى الروايتين (١). وحُجّتهم: قول عمر ﵁: «والرّجْم حقٌّ على مَن زنى من الرجال والنساء إذا كان محصنًا، إذا قامت البيِّنةُ, أو كان حَمْل أو اعتراف» متفق عليه (٢). ولأن وجود الحَمْل أمارة ظاهرة على الزنا أظهر من دلالة البينة, وما يتطرَّق إلى دلالة الحمل يتطرق مثلُه إلى دلالة البينة وأكثر. وحديث بصرة هذا أمره (٣) بجَلْدها بمجرَّد الحمل, من غير اعتبار بيِّنةٍ ولا إقرار. ونظير هذا: حدُّ الصحابة في الخمر بالرائحة والقيء. الحكم الرابع: إرقاق ولد الزنا, وهو موضع الإشكال في الحديث, وبعضُ الرواة لم يذكره في حديثه, كذلك رواه سعيد وغيره, وإنما قالوا: «ففرَّق بينهما, وجَعَل لها الصداقَ وجَلَدَها مائة» وعلى هذا فلا إشكال في الحديث. وإن ثبتت هذه اللفظة فقد قيل: إن هذا لعلَّه كان في أول الإسلام, حين كان الرقُّ يثبت على الحُرِّ المدين ثم نُسِخ. وقيل: إن هذا مجاز, والمراد به

стр. 506

استخدامه (١). ١٨ - باب في حقِّ الزوج على المرأة ١٥٩/ ٢٠٥٣ - عن قيس بن سعد قال: أتيت الحِيرَةَ، فرأيتهم يسجدون لِمَرْزُبَانٍ لهم، فقلت: رسولُ الله ﷺ أحقُّ أن يُسْجَدَ له! قال: فأتيتُ النبيَّ ﷺ ، فقلت: إني أتيتُ الحِيْرة، فرأيتهم يسجدون لمَرْزُبانٍ لهم، فأنتَ يا رسولَ الله أحقُّ أن نسجد لك! قال: «أرأيتَ لو مَرَرْتَ بقبري أكنتَ تسجدُ له؟»، قال: قلت: لا، قال: «فلا تفعلوا، لو كنتُ آمرًا أحدًا أن يَسْجُدَ لأحدٍ لأمرتُ النساءَ أن يَسْجُدْن لأزواجهنّ لِمَا جعَلَه لهم عليهنّ من الحقّ» (٢). في إسناده شَريك بن عبد الله القاضي، وقد تكلّم فيه غيرُ واحد، وأخرج له مسلم في المتابعات. قال ابن القيم ﵀: وقد أخرج الترمذي (٣) من حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «لو كنتُ آمرًا أحدًا أن يسجدَ لأحدٍ لأمرتُ المرأةَ أن تسجدَ لزوجها». قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب صحيح (٤). قال: وفي الباب عن معاذ بن جبل, وسُرَاقة بن مالك, وعائشة, وابن عباس,

стр. 507

وعبد الله بن أبي أوفى, وطَلْق بن عليّ, وأم سلمة, وأنس، وابن عمر. فهذه أحد عشر حديثًا (١). وحديث ابن أبي أوفى رواه أحمد في «مسنده» (٢) قال: لما قَدِم معاذٌ من الشام سَجَد للنبيّ ﷺ فقال: «ما هذا يا معاذ؟»، قال: أتيتُ الشامَ فوافيتهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم, فودِدْتُ (٣) في نفسي أن نفعل ذلك بك! فقال رسول الله ﷺ : «فلا تفعلوا, فلو كنتُ آمرًا أحدًا أن يسجد لغير الله لأمرت المرأةَ أن تسجد لزوجها, والذي نفسُ محمدٍ بيده لا تؤدِّي المرأةُ حقَّ ربها حتى تؤدِّي حقَّ زوجها، ولو سألها نفسَها وهي على قَتَب لم تمنعه» ورواه ابن ماجه (٤). وروى النسائيُّ (٥) من حديث حفص ابن أخي أنس، عن أنس, رَفَعَه: «لا يصلح لبشرٍ أن يسجدَ لبشرٍ, ولو صلح لبشرٍ أن يسجدَ لبشرٍ لأمرتُ المرأةَ أن تسجدَ لزوجها مِن عِظَم حقِّه عليها». ورواه أحمد (٦)، وفيه زيادة: «والذي نفسي بيده لو كان مِن قَدَمِه إلى

стр. 508

مفرق رأسه قُرْحَة تنبجس بالقيح والصديد، ثم استقبَلَتْه تلحسُه ما أدّتْ حقَّه». وروى النسائي (١) أيضًا من حديث أبي عُتبة، عن عائشة قالت: سألتُ النبيَّ ﷺ : أيُّ الناس أعظم حقًّا على المرأة؟ قال: «زوجها» , قلت: فأيُّ الناس أعظم حقًّا على الرجل؟ قال: «أمه». وروى النسائي وابن حبان (٢) من حديث عبد الله بن عَمرو، عن النبي ﷺ قال: «لا ينظر الله إلى امرأة لا تشكر لزوجها, وهي لا تستغني عنه». وقد روى الترمذي وابن ماجه (٣) من حديث أم سلمة أن النبي ﷺ قال: «أيّما امرأة ماتت وزوجُها راضٍ عنها دخلت الجنة» قال الترمذي: [ق ٨٧] حسن غريب. وفي «الصحيحين» (٤) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا دعا الرجلُ امرأتَه لفراشه, فأبَتْ أن تجيء فباتَ غضبانًا عليها, لعنتها الملائكةُ حتى تصبح».

стр. 509

١٩ - بابُ ما يُؤمَر به مِن غضّ البَصَر ١٦٠/ ٢٠٦٣ - وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تباشر المرأةُ المرأةَ لتنعتها لزوجها، كأنما ينظر إليها». وأخرجه البخاري والترمذي والنسائي (١). قال ابن القيم ﵀: فيه أن الوصفَ يقوم مقام الرؤية، فتمسَّك به مَن أجاز بيع الغائب بالصفة، والسَّلَم في الحيوان (٢). ٢٠ - بابٌ في وطء السبايا ١٦١/ ٢٠٦٩ - وعن أبي الدرداء: «أن رسول الله ﷺ كان في غزوةٍ، فرأى امرأة مُجِحًّا، فقال: لعلَّ صاحبها ألَمَّ بها؟ قالوا: نعم، فقال: لقد هَممتُ أن ألعنه لعنةً تدخل معه في قبره، كيف يورِّثه وهو لا يحلّ له؟ وكيف يستخدمه، وهو لا يحلّ له؟». وأخرجه مسلم بنحوه (٣). قال ابن القيم ﵀: فيه قولان: أحدهما: أن ذلك الحَمْل قد يكون من زوجها المشرك, فلا يحلّ له استلحاقه وتوريثه. وقد يكون إذا وطئها

стр. 510

تَنَفَّشَ (١) ما كان في الظاهر حملًا, وتَعْلق منه فيظنّه عبده وهو ولده، فيستخدمه استخدام العبد, وينفيه عنه. وهذان الوجهان ذكر معناهما المنذري (٢). قال ابن القيم ﵀: وهذا القول ضعيف, فإن النبيَّ ﷺ جمعَ بين إنكار الأمرين: استخدامه واستلحاقه، وقد جاء: «كيف يستعبده ويورّثه؟» (٣) ومعلوم أن استلحاقه واستعباده جَمْعٌ بين المتناقضَيْن، وكذا إذا تفشَّى الذي هو حَمْل في الظاهر وعَلِقَتْ منه لا يتصوّر فيه الاستلحاق والاستعباد. فالصواب القول الثاني, وهو أنه إذا وطئها حاملًا صار في الحمل جزء منه. فإن الوطء يزيد في تخليقه, وهو قد علم أنه عبدٌ له, فهو باق (٤) على أن يستعبده ويجعله كالمال الموروث عنه, فيورثه أي يجعله مالًا موروثًا عنه. وقد صار فيه جزء من الأب. قال الإمام أحمد: الوطء يزيد في سمعه وبصره (٥). وقد صرَّح النبيُّ ﷺ

стр. 511

بهذا المعنى في قوله: «لا يحلّ لرجلٍ أن يسقي ماءَه زرعَ غيرِه» (١). ومعلوم أن الماء الذي يُسْقى به الزرع يزيد فيه, ويتكوّن الزرع منه, وقد شبَّه وطءَ الحامل بساقي الزرع الماءَ, وقد جعل الله ﵎ محلّ الوطء حرثًا, وشبَّه النبيُّ ﷺ الحملَ بالزرع, ووطء الحامل بسَقْي الزرع. وهذا دليلٌ ظاهر جدًّا على أنه لا يجوز نكاح الزانية حتى تُعْلَم براءةُ رَحِمها, إما بثلاث حِيَض, أو بحيضة، والحيضة أقوى؛ لأن الماء الذي مِن الزنا والحمل, وإن لم يكن له حُرْمة, فَلِماء الزوج حُرْمة, وهو لا يحلّ له أن ينفي عنه ما قد يكون مِن مائه ووطئه، وقد صار فيه جزءٌ منه, كما لا يحلّ لواطئ المسبية الحامل ذلك, ولا فرق بينهما. ولهذا قال الإمام أحمد في إحدى الروايات عنه: إنه إذا تزوَّج الأمةَ وأحْبَلَها ثم مَلَكها حاملًا= أنه إن وطئها صارت أمَّ ولدٍ له, تُعْتَق بموته, لأن الولد قد يلحق من مائه الأول والثاني (٢) , والله أعلم.

стр. 512

٢١ - باب في جامع النِّكاح ١٦٢/ ٢٠٧٦ - وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «مَلْعُونٌ مَنْ أتى امرأته في دُبُرِهَا». وأخرجه النسائي وابن ماجه (١). قال ابن القيم ﵀: هذا الذي أخرجه أبو داود في هذا الباب, وقد بقي في الباب أحاديث أخرجها النسائي, ونحن نذكرها. الأول: عن خُزيمة بن ثابت: أنه سمع رسولَ الله ﷺ يقول: «إن الله لا يستحيي من الحقّ, لا تأتوا النساءَ في أدبارهنّ» (٢). الثاني: عن عَمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جدّه، عن النبي ﷺ : أن رجلًا سأله عن الرجل يأتي امرأةً في دبرها؟ قال: «تلك اللوطية الصغرى» (٣). رفَعَه همام، عن قتادة، عن عَمرو. ووقفه سفيانُ، عن حُمَيد الأعرج، عن عَمرو, وتابعه مَطَرٌ الورَّاق، عن عمرو بن شعيب موقوفًا. الثالث: عن كُرَيب، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: «لا ينظر الله إلى
следующие страницы →