مفرق رأسه قُرْحَة تنبجس بالقيح والصديد، ثم استقبَلَتْه تلحسُه ما أدّتْ حقَّه».
وروى النسائي (١) أيضًا من حديث أبي عُتبة، عن عائشة قالت: سألتُ النبيَّ ﷺ : أيُّ الناس أعظم حقًّا على المرأة؟ قال: «زوجها» , قلت: فأيُّ الناس أعظم حقًّا على الرجل؟ قال: «أمه».
وروى النسائي وابن حبان (٢) من حديث عبد الله بن عَمرو، عن النبي ﷺ قال: «لا ينظر الله إلى امرأة لا تشكر لزوجها, وهي لا تستغني عنه».
وقد روى الترمذي وابن ماجه (٣) من حديث أم سلمة أن النبي ﷺ قال: «أيّما امرأة ماتت وزوجُها راضٍ عنها دخلت الجنة» قال الترمذي: [ق ٨٧] حسن غريب.
وفي «الصحيحين» (٤) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا دعا الرجلُ امرأتَه لفراشه, فأبَتْ أن تجيء فباتَ غضبانًا عليها, لعنتها الملائكةُ حتى تصبح».
стр. 509
١٩ - بابُ ما يُؤمَر به مِن غضّ البَصَر
١٦٠/ ٢٠٦٣ - وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تباشر المرأةُ المرأةَ لتنعتها لزوجها، كأنما ينظر إليها».
وأخرجه البخاري والترمذي والنسائي (١).
قال ابن القيم ﵀: فيه أن الوصفَ يقوم مقام الرؤية، فتمسَّك به مَن أجاز بيع الغائب بالصفة، والسَّلَم في الحيوان (٢).
٢٠ - بابٌ في وطء السبايا
١٦١/ ٢٠٦٩ - وعن أبي الدرداء: «أن رسول الله ﷺ كان في غزوةٍ، فرأى امرأة مُجِحًّا، فقال: لعلَّ صاحبها ألَمَّ بها؟ قالوا: نعم، فقال: لقد هَممتُ أن ألعنه لعنةً تدخل معه في قبره، كيف يورِّثه وهو لا يحلّ له؟ وكيف يستخدمه، وهو لا يحلّ له؟».
وأخرجه مسلم بنحوه (٣).
قال ابن القيم ﵀: فيه قولان: أحدهما: أن ذلك الحَمْل قد يكون من زوجها المشرك, فلا يحلّ له استلحاقه وتوريثه. وقد يكون إذا وطئها
стр. 510
تَنَفَّشَ (١) ما كان في الظاهر حملًا, وتَعْلق منه فيظنّه عبده وهو ولده، فيستخدمه استخدام العبد, وينفيه عنه. وهذان الوجهان ذكر معناهما المنذري (٢).
قال ابن القيم ﵀: وهذا القول ضعيف, فإن النبيَّ ﷺ جمعَ بين إنكار الأمرين: استخدامه واستلحاقه، وقد جاء: «كيف يستعبده ويورّثه؟» (٣) ومعلوم أن استلحاقه واستعباده جَمْعٌ بين المتناقضَيْن، وكذا إذا تفشَّى الذي هو حَمْل في الظاهر وعَلِقَتْ منه لا يتصوّر فيه الاستلحاق والاستعباد. فالصواب القول الثاني, وهو أنه إذا وطئها حاملًا صار في الحمل جزء منه. فإن الوطء يزيد في تخليقه, وهو قد علم أنه عبدٌ له, فهو باق (٤) على أن يستعبده ويجعله كالمال الموروث عنه, فيورثه أي يجعله مالًا موروثًا عنه. وقد صار فيه جزء من الأب.
قال الإمام أحمد: الوطء يزيد في سمعه وبصره (٥). وقد صرَّح النبيُّ ﷺ
стр. 511
بهذا المعنى في قوله: «لا يحلّ لرجلٍ أن يسقي ماءَه زرعَ غيرِه» (١). ومعلوم أن الماء الذي يُسْقى به الزرع يزيد فيه, ويتكوّن الزرع منه, وقد شبَّه وطءَ الحامل بساقي الزرع الماءَ, وقد جعل الله ﵎ محلّ الوطء حرثًا, وشبَّه النبيُّ ﷺ الحملَ بالزرع, ووطء الحامل بسَقْي الزرع.
وهذا دليلٌ ظاهر جدًّا على أنه لا يجوز نكاح الزانية حتى تُعْلَم براءةُ رَحِمها, إما بثلاث حِيَض, أو بحيضة، والحيضة أقوى؛ لأن الماء الذي مِن الزنا والحمل, وإن لم يكن له حُرْمة, فَلِماء الزوج حُرْمة, وهو لا يحلّ له أن ينفي عنه ما قد يكون مِن مائه ووطئه، وقد صار فيه جزءٌ منه, كما لا يحلّ لواطئ المسبية الحامل ذلك, ولا فرق بينهما.
ولهذا قال الإمام أحمد في إحدى الروايات عنه: إنه إذا تزوَّج الأمةَ وأحْبَلَها ثم مَلَكها حاملًا= أنه إن وطئها صارت أمَّ ولدٍ له, تُعْتَق بموته, لأن الولد قد يلحق من مائه الأول والثاني (٢) , والله أعلم.
стр. 512
٢١ - باب في جامع النِّكاح
١٦٢/ ٢٠٧٦ - وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «مَلْعُونٌ مَنْ أتى امرأته في دُبُرِهَا».
وأخرجه النسائي وابن ماجه (١).
قال ابن القيم ﵀: هذا الذي أخرجه أبو داود في هذا الباب, وقد بقي في الباب أحاديث أخرجها النسائي, ونحن نذكرها.
الأول: عن خُزيمة بن ثابت: أنه سمع رسولَ الله ﷺ يقول: «إن الله لا يستحيي من الحقّ, لا تأتوا النساءَ في أدبارهنّ» (٢).
الثاني: عن عَمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جدّه، عن النبي ﷺ : أن رجلًا سأله عن الرجل يأتي امرأةً في دبرها؟ قال: «تلك اللوطية الصغرى» (٣). رفَعَه همام، عن قتادة، عن عَمرو. ووقفه سفيانُ، عن حُمَيد الأعرج، عن عَمرو, وتابعه مَطَرٌ الورَّاق، عن عمرو بن شعيب موقوفًا.
الثالث: عن كُرَيب، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: «لا ينظر الله إلى
стр. 513
رجلٍ أتى رجلًا أو امرأةً في دُبُر» (١). هذا حديث اختلف فيه، فرواه الضحَّاك بن عثمان، عن مَخْرمة (٢) بن سليمان، عن كُرَيب، عن ابن عباس. فرواه وكيع، عن الضحَّاك موقوفًا. ورواه أبو خالد عنه مرفوعًا, وصحَّح البُسْتِيُّ رَفْعَه, وأبو خالد هو الأحمر.
الرابع: عن ابن الهاد، عن عمر بن الخطاب، عن النبي ﷺ قال: «لا تأتوا النساء في أدبارهنّ» (٣).
الخامس: حديث أبي هريرة, وقد تقدم. وله عن النبي ﷺ : «لا ينظر الله إلى رجلٍ أتى امرأةً في دُبُرها» (٤).
السادس: عن علي بن طَلْق قال: جاء أعرابيٌّ, فقال: يا رسول الله, إنّا نكون في البادية فيكون من أحدنا الرُّوَيحة, فقال: «إن الله لا يستحيي من الحقِّ, ولا تأتوا النساء في أعجازهِنّ» (٥).
стр. 514
السابع: عن ابن عباس قال: جاء عمر بن الخطاب إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله, هلَكتُ! قال: «وما الذي أهْلَكك؟»، قال: حوَّلتُ رحلي الليلة, فلم يردّ عليه شيئًا. فأُوحِيَ إلى رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة:٢٢٣]: يقول: «أقْبِل وأدْبِر, واتقِ الدُّبرَ والحيضةَ» (١).
قال أبو عبد الله الحاكم (٢): وتفسير الصحابي في حكم المرفوع.
الثامن: عن أبي تميمة الهُجَيمي، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «مَن أتى حائضًا أو امرأةً في دُبُرها, أو كاهنًا, فقد كفر بما أُنزل على محمد ﷺ » (٣).
[ق ٨٨] ثم ذكر أبو داود تفسيرَ ابن عباس (٤) لقول الله تعالى: ﴿فَأْتُوا
стр. 515
حَرْثَكُمْ﴾.
ثم قال ابن القيم: وهذا الذي فسَّر به ابنُ عباس فسّرَ به ابنُ عمر، وإنما وهموا عليه لم يهم هو. فروى النسائي (١) عن أبي النضر أنه قال لنافع: «قد أُكثر عليك القول أنك تقول عن ابن عمر: إنه أفتى بأن يُؤتَى النساءُ في أدبارها (٢). قال نافع: لقد كذبوا عليَّ, ولكن سأخبرك, كيف كان الأمر: إن ابن عمر عرض المصحفَ يومًا, وأنا عنده, حتى بلغ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة:٢٢٣] قال: يا نافع, هل تعلم ما أمر هذه الآية؟ إنَّا كُنّا معشر قريش نُجبِّي النساءَ, فلما دخلنا المدينةَ ونكحنا نساءَ الأنصار أردنا منهنَّ مثلَ ما كنا نريدُ مِن نسائنا, فإذا هُنَّ قد كرهنَ ذلك وأَعْظَمْنَه, وكانت نساء الأنصار إنما يؤتَيْن على جنوبهن, فأنزل الله : ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة:٢٢٣]».
فهذا هو الثابت عن ابن عمر, ولم يَفْهم عنه مَن نقلَ عنه غيرَ ذلك.
ويدلُّ عليه أيضًا ما روى النسائي (٣) عن عبد الرحمن بن القاسم قال: قلت لمالك: «إن عندنا بمصر الليث بن سعد يحدِّث عن الحارث بن يعقوب، عن سعيد بن يسار قال: قلت لابن عمر. إنّا نشتري الجواري فنحَمِّض لهنّ, قال: وما التحميض؟ قال نأتيهن في أدبارهن, قال: أفّ!
стр. 516
أو يعمل هذا مسلم؟! فقال لي مالك: فأشهد على ربيعة لحدّثني عن سعيد بن يَسار: أنه سأل ابنَ عمر عنه؟ فقال: لا بأس به».
فقد صحَّ عن ابن عمر أنه فسَّر الآيةَ بالإتيان في الفَرْج من ناحية الدُّبُر، وهو الذي رواه عنه نافع، وأخطأ مَن أخطأ على نافع، فتوهَّم أن الدبرَ محلٌّ للوطء لا طريق إلى وطء الفرج, فكذَّبهم نافعٌ.
وكذلك مسألة الجواري, إن كان قد حُفِظ عن ابن عمر أنه رخَّص في الإحماض لهنّ, فإنما مراده إتيانهنَّ من طريق الدُّبُر, فإنه قد صرَّح في الرواية الأخرى بالإنكار على مَن وطئهنّ في الدبر, وقال «أوَيفعَلُ هذا مسلم»؟! فهذا يبين تصادُقَ الروايات وتوافقَها عنه.
فإن قيل: فما تصنعون بما رواه النسائي (١) من حديث سليمان بن بلال، عن زيد بن أسلم، عن عبد الله بن عمر: «أن رجلًا أتى امرأتَه في دُبُرها في عهد رسول الله ﷺ فوَجَد من ذلك وَجْدًا شديدًا, فأنزل الله : ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة:٢٢٣]»؟
قيل: هذا غلط بلا شك, غلط فيه سليمان بن بلال, أو ابن أبي أويس راويه عنه, وانقلبت عليه لفظة «من» بلفظة «في» وإنما هو «أتى امرأةً مِن دبرها» , ولعل هذه هي قصة عمر بن الخطاب بعينها لما حوَّل رَحْلَه, ووجد من ذلك وجدًا شديدًا, فقال لرسول الله ﷺ : «هلكتُ» , وقد تقدمت (٢). أو يكون بعض الرواة ظنَّ أن ذلك هو الوطء في الدُّبُر فرواه بالمعنى الذي ظنَّه.
стр. 517
مع أن هشام بن سعد قد خالف سليمانَ في هذا, فرواه عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار مرسلًا (١).
والذي يبيِّن هذا ويزيدُه وضوحًا: أن هذا الغلط قد عرضَ مثلُه لبعض الصحابة حين أفتاه النبيُّ ﷺ بجواز الوطء في قُبُلها مِن دُبرها, حتى بيّن له ﷺ ذلك بيانًا شافيًا.
قال الشافعي (٢): أخبرني عَمِّي قال: أخبرني عبد الله بن عليّ بن السائب، عن عَمرو بن أُحَيحة بن الجُلَاح, أو عن عَمرو بن فلان بن أُحَيحة ــ قال الشافعي: أنا شككتُ ــ عن خُزيمة بن ثابت: «أن رجلًا سألَ النبيَّ ﷺ عن إتيان النساء في أدبارهن, أو إتيان الرجل امرأتَه في دُبُرها فقال النبي ﷺ : «حلال» , فلما ولى الرجل دعاه, أو أَمَر به فدُعِي, فقال: «كيف قلتَ؟ في أيّ الخَرْبتين, أو في أيّ الخَرْزتين, أو في أيّ الخَصْفَتين (٣)؟ أمِنْ دُبرها في قُبُلها فنعم, أم مِن دُبُرها في دبرها فلا, إن الله لا يستحيي من الحقّ, لا تأتوا النساءَ في أدبارهنَّ».
قال الشافعي (٤): عمِّي ثقة, وعبد الله بن عليّ ثقة, وقد أخبرني محمد ــ وهو عمّه محمد بن علي ــ عن الأنصاري المحدِّثُ به أنه أثنى عليه خيرًا, وخزيمة ممن لا يشكّ عالمٌ في ثقته (٥). والأنصاريُّ الذي أشار إليه هو
стр. 518
عَمرو بن أُحَيحة.
فوقع الاشتباه في كون الدُّبُر طريقًا إلى موضع الوطء, أو هو مأْتَى. واشتبه على من اشتبه عليه معنى «من» بمعنى «في» فوقع الوهم.
فإن قيل: فما تقولون فيما رواه البيهقي (١) عن الحاكم: حدثنا الأصم قال: سمعتُ محمد بن عبد الله بن عبد الحكم يقول: سمعت الشافعيَّ يقول: ليس فيه عن رسول الله ﷺ في التحريم والتحليل حديثٌ ثابت, والقياس أنه حلال, وقد غلط سفيانُ في حديث ابن الهاد ــ يريد حديثَه عن عُمارة بن خزيمة عن أبيه يرفعه: «إن الله لا يستحيي من الحقِّ, لا تأتوا النساءَ في أدبارهنّ» (٢) , ويريد بغَلَطِه: أن ابن الهاد قال فيه مرةً: عن عبيد الله بن عبد الله بن حصين، عن هَرَميّ بن عبد الله الواقفي، عن خُزَيمة.
ثم اخْتُلف فيه عن عبيد الله. فقيل: عنه عن عبد الملك بن عَمْرو بن قيس الخَطْمي، عن هَرَمي، عن خُزيمة. وقيل: عن عبد الله بن هَرَمي, فمداره على هَرَميّ بن عبد الله، عن خزيمة, وليس لعمارة بن خزيمة فيه أصل إلا من حديث ابن عيينة. وأهلُ العلم بالحديث يروونه خطأ. هذا كلام البيهقي.
قيل (٣): هذه الحكاية مختصرة من مناظرة حكاها الشافعي, [ق ٨٩] جَرَت بينَه وبينَ محمد بن الحسن, وفي سياقها دلالة على أنه إنما قصد الذبَّ عن أهل المدينة على طريق الجَدَل, فأما هو فقد نصّ في كتاب عِشْرة
стр. 519
النساء على تحريمه. هذا جواب البيهقي.
والشافعيُّ ﵀ قد صرَّح في كتبه المصرية بالتحريم، واحتجَّ بحديث خُزيمة, ووثَّق رواتَه, كما ذكرنا. وقال في الجديد: قال الله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة:٢٢٣] , وبيَّن أن موضع الحرث هو موضع الولد, وأن الله تعالى أباح الإتيان فيه إلا في وقت المحيض. «وأنى شئتم» بمعنى مِنْ أين شئتم قال: وإباحة الإتيان في موضع الحَرْث يُشْبه أن يكون (١) تحريم إتيان غيره, فالإتيان في الدُّبُر حتى يبلغ منه مبلغ الإتيان في القبل محرَّم, بدلالة الكتاب ثم السنة, فذَكَر حديث عمِّه, ثم قال: «ولست أُرَخِّص فيه, بل أنهى عنه». فلعلَّ الشافعيَّ ﵀ توقَّف فيه أولًا, ثم لما تبيَّن له التحريم وثبوت الحديث فيه رجع إليه. وهو أولى بجلالته ومنصبه وإمامته من أن يناظر على مسألة يعتقد بطلانها, يذبّ بها عن أهل المدينة جدلًا, ثم يقول: والقياس حِلُّه, ويقول: ليس فيه عن رسول الله ﷺ في التحريم والتحليل حديثٌ ثابت, على طريق الجدل, بل إن كان ابن عبد الحكم حفظ ذلك عن الشافعي فهو مما قد رجع عنه لمَّا تبين له صريح التحريم. والله أعلم.
٢٢ - باب إتيان الحائض ومباشرتها
١٦٣/ ٢٠٨١ - وعن ميمونة بنت الحارث: «أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن يُباشر امرأة من نسائه وهي حائض، أمرها أن تَتَّزِرَ ثم يباشرها».
стр. 520
وأخرجه البخاري (١).
قال ابن القيم ﵀: وقد تقدم في «الصحيحين» (٢) حديثُ عائشة: «كنتُ أغتسل أنا والنبيُّ ﷺ مِن إناء واحد, كلانا جُنُب, وكان يأمرني فأتَّزِر, فيباشرني وأنا حائض».
قال الشافعيُّ (٣): قال بعضُ أهل العلم بالقرآن في قوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة:٢٢٢] يعني: في موضع الحيض. وكانت الآية محتملة لما قال, ومحتملة اعتزال جميع أبدانهنَّ، فدلّت سنةُ رسولِ الله ﷺ على اعتزال ما تحت الإزار منها, وإباحة ما فوقها.
وحديثُ أنسٍ المتقدّم (٤) ظاهرٌ في أن التحريمَ إنما وقع على موضع الحيض خاصةً, وهو النكاح, وأباح كلَّ ما دونه. وأحاديث الإزار لا تُناقِضُه، لأن ذلك أبلغ في اجتناب الأذى, وهو أولى.
وأما حديث معاذ قال: «سألت رسول الله ﷺ عما يحلّ للرجل مِن
стр. 521
امرأته وهي حائض؟ فقال: «ما فوق الإزار, والتعفُّف عن ذلك أفضل» (١) = ففيه بقيّة، عن سعد الأغطش, وهما ضعيفان.
قال عبد الحق (٢): رواه أبو داود، ثم قال: ورواه أبو داود (٣) من طريق حرام بن حكيم ــ وهو ضعيف ــ عن عمِّه: «أنه سأل رسول الله ﷺ : ما يحلّ لي من امرأتي وهي حائض؟ فقال: «لك ما فوق الإزار».
قال: «ويُروى عن عمر بن الخطاب عن النبي ﷺ ». ذكره أبو بكر بن أبي شيبة (٤) , وليس بقويّ.
٢٣ - باب كفَّارة مَن أتى حائضًا
١٦٤/ ٢٠٨٣ - وعن ابن عباس قال: «إذا أصابها في الدّمِ فدينارٌ، وإذا أصابها في انقطاع الدّمِ فنصف دينار».
وأخرجه النسائي (٥). وهذا الحديث قد اضطرب الرواةُ فيه اضطرابًا كثيرًا، في إسناده وفي متنه، فرُوي تارةً مرفوعًا وتارة موقوفًا، وتارة مرسلًا عن مِقْسم عن النبيّ ﷺ ، وتارةً معضلًا عن عبد الحميد بن عبد الرحمن، عن النبي ﷺ ، وتارة
стр. 522
على الشك: «دينار، أو نصف دينار»، وتارة على التفرقة بين أول الدم وآخره.
وقال الإمام الشافعي: فإن أتى رجلٌ امرأتَه حائضًا، أو بعد تولية الدم، ولم تغتسل، فليستغفر الله ولا يَعُد، وقد رُوي فيه شيء لو كان ثابتًا أخذنا به، ولكنه لا يثبت مثله. هذا آخر كلامه. وقيل لشعبة: كنت ترفعه؟ قال: إني كنت مجنونًا فصححت، فرجع عن رفعه بعد ما كان يرفعه.
قال ابن القيم ﵀: هذا الحديث قد رواه عفَّانُ وجماعة عن شعبة موقوفًا (١) , وكذلك رواه عبد الرحمن بن مهدي عنه موقوفًا (٢) , ثم قال: قيل لشعبة: إنك كنت ترفعُه. فذكر ما تقدم.
وقال النسائي (٣) بعدما رواه عن شعبة موقوفًا: قال شعبة: أنا حفظي مرفوع, وقال فلان وفلان: إنه كان لا يرفعه, فقال بعضُ القوم: يا أبا بسطام, حدِّثنا بحفظك ودَعْنا من فلان, فقال: والله ما أحبّ أني حدثتُ بهذا وسكتُّ عن هذا, وأني عُمِّرتُ في الدنيا عمر نوح في قومه.
وقد روى النسائي (٤) من حديث سعيد بن جُبير، عن ابن عباس: «أن رجلًا أخبر النبيَّ ﷺ أنه أصاب امرأتَه وهي حائض, فأمره أن يعتق نَسَمة». وله علّتان أشار إليهما النسائي:
إحداهما: أن هذا الحديث يرويه الوليد بن مسلم، عن ابن جابر، عن
стр. 523
عليّ بن بُذَيمة، عن ابن جُبير، عن ابن عباس. واخْتُلِف على الوليد, فرواه عنه موسى بن أيوب كذلك, وخالفه محمود بن خالد, فرواه عن الوليد، عن عبد الرحمن بن يزيد السلمي, قال النسائي: هو عبد الرحمن بن يزيد بن تميم, ضعيف (١).
العلة الثانية: الوَقْف على ابن عباس, ذكره النسائي (٢).
وقال عبد الحق (٣): حديث الكفارة في إتيان الحائض لا يُروى بإسناد يحتجّ به, ولا يصحُّ في إتيان الحائض إلا التحريم.
٢٤ - باب ما جاء في العَزْل
١٦٥/ ٢٠٨٥ - وعن رِفاعة، عن أبي سعيد الخدري: أن رجلًا قال: يا رسولَ الله، إن لي جاريةً، وأنا أعزِلُ عنها، وأنا أكره أن تحمِل، وأنا أريد ما يريد الرجال، وإن اليهود تُحَدِّث أن العزلَ مَوؤدةُ الصغرى؟ قال: «كَذَبَتْ يَهُودُ، لو أراد الله أن يخلُقَه ما استطعتَ أن تصرِفَه» (٤).
اختُلِفَ على يحيى بن أبي كثير فيه، فقيل فيه: عنه عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن جابر بن عبد الله، مختصرًا بمعناه، وأخرجه الترمذي والنسائي من حديثه. وقيل فيه: عن رفاعة، كما ذكرناه. وقيل: عن أبي مُطيع عن
стр. 524
رفاعة. وقيل فيه: عن أبي رفاعة.
قد أخرج مسلم في «صحيحه» من رواية جذامة بنت وهب قالت: ثم سألوه عن العزل؟ فقال رسول الله ﷺ : «ذلك الوأد الخفي» قال بعضهم: جعل العزل عن المرأة بمنزلة الوأد إلا أنه خفيّ، لأن مَن يعزل عن امرأته إنما يعزل هربًا من الولد، ولذلك سمّاه الموؤدة الصغرى، لأن وأد الأحياء الموءودة الكبرى.
وقد اختلف السلف في العزل، فاختاره جماعة منهم. قال الشافعي ﵁: ونحن نروي عن عدد من أصحاب النبي ﷺ أنهم أرخصوا في ذلك ولم يروا به بأسًا.
قال البيهقي: وقد روّينا الرُّخصةَ فيه من الصحابة، عن سعد بن أبي وقاص وأبي أيوب الأنصاري وزيد بن ثابت وابن عباس وغيرهم.
وذكر غيرُه أنه رُوي عن عليّ بن أبي طالب ﵁ وخباب بن الأرت وجابر بن عبد الله. ومن التابعين: سعيد بن المسيب وطاوس ومالك والشافعي والكوفيون وجمهور العلماء، واحتجوا بالأحاديث التي جاءت في ذلك.
وكرهت طائفة العزلَ، رُوي ذلك عن أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب، وعن علي رواية أخرى، وعن ابن مسعود وابن عمر.
وذكر بعضهم أن حجة القائلين بالكراهة حديث جذامة. وقال غيره: يشبه أن يكون حديث جذامة على طريق التنزيه وضعّف حديث جذامة. وقال: كيف يصح أن يكون النبي ﷺ كذبهم في ذلك ثم يخبرهم به كخبرهم، وفيما قاله نظر، فإن الحديث في تكذيبه ﷺ اليهودَ فيه اضطراب، وحديث جذامة في «الصحيح»، ثم من أين يتحقق له تقديم أحد الحديثين على الآخر؟ ويمكن أن يجمع بينهما بأن اليهود كانت تقول: العزل لا يكون معه حمل أصلًا، فكذّبهم ﷺ في ذلك. ويدل
стр. 525
عليه قوله ﷺ بعد تكذيبهم: «لو أراد الله أن يخلقه ما استطعتَ أن تصرفه» (١).
قال ابن القيم ﵀: فاليهود ظنّت أن العزلَ بمنزلة الوأد في إعدام ما انعقد سببُ خلقِه, فكذّبهم في ذلك، وأخبر أنه لو أراد الله خَلْقه ما صرفه أحدٌ.
وأما تسميته «وأدًا خفيًّا» فلأنّ الرجل إنما يعزل عن امرأته هربًا مِن الولد وحرصًا على أن لا يكون، فجرى قصدُه ونيَّتُه وحرصُه على ذلك مجرى مَن أعدمَ الولدَ بوأده, لكن ذاك وَأْدٌ ظاهر باشره (٢) العبدَ فعلًا وقصدًا، وهذا وأْدٌ خفيّ, إنّما أراده ونواه عزمًا ونية, فكان خفيًّا.
وقد روى الشافعيُّ (٣) [ق ٩٠] تعليقًا، عن سليمان التيمي، عن أبي عَمرو الشيباني، عن ابن مسعود في العَزْل, قال: «هو الوَأْد الخفيّ».
وقد اختلف السلف والخلف في العزل، فقال الشافعي: ونحن نروي (٤) عن عددٍ من أصحاب النبيِّ ﷺ أنهم رخَّصوا في ذلك، ولم يروا به بأسًا.
قال البيهقي (٥): ورُوِّينا الرخصةَ فيه من الصحابة عن سعد بن أبي
стр. 526
وقاص, وأبي أيوب الأنصاري, وزيد بن ثابت, وابن عباس, وغيرهم.
وذَكَر غيره (١): أنه رُوِي عن علي, وخَبّاب بن الأرتّ, وجابر بن عبد الله. والمعروف عن عليٍّ وابن مسعود كراهتُه.
قال البيهقي: ورُوِيت عنهما الرُّخْصة. ورويت الرخصةُ من التابعين عن سعيد بن المسيّب، وطاوس, وبه قال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابه.
وألزمهم الشافعيُّ (٢) المنعَ منه, فروَى عن عليّ وعبد الله بن مسعود المنعَ منه ثم قال: وليسوا يأخذون بهذا, ولا يرون بالعزل بأسًا. ذَكَر ذلك فيما خالف فيه العراقيون عليًّا وعبدَ الله.
وأما قول الإمام أحمد (٣) فيه فأكثر نصوصه أن له أن يعزل عن سُرّيته, وأما زوجته فإن كانت حُرّة لم يعزل عنها إلا بإذنها, وإن كانت أمةً لم يعزل إلا بإذن سَيِّدها.
ورُوِيَت كراهةُ العَزْل عن عمر بن الخطاب, ورُوِيَت عن أبي بكر الصديق, وعن عليّ وابن مسعود في المشهور عنهما, وعن ابن عمر (٤).
وقالت طائفة من أصحاب أحمد وغيرهم: يحرم كلُّ عَزْل، وقال بعض
стр. 527
أصحابه: يباح مطلقًا (١).
وقد روى مسلم في «صحيحه» (٢) عن سعد بن أبي وقاص: «أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ فقال: إني أعْزِل عن امرأتي، فقال رسول الله ﷺ : «لِمَ تفعل ذلك؟»، فقال الرجل: أُشْفِق على ولدها أو على أولادها, فقال رسول الله ﷺ : «لو كان ذلك ضارًّا ضرَّ فارسَ والرومَ».
وفي «الصحيحين» (٣) من حديث جابر: «كُنّا نعزل والقرآنُ ينزل، فلو كان شيء يُنْهَى عنه لنهى عنه القرآن».
وفي «صحيح مسلم» (٤) عنه في هذا الحديث: «كُنّا نَعْزِل على عهد رسول الله ﷺ ، فبلغ ذلك النبيَّ ﷺ ، فلم يَنْهنا».
وفي «الصحيحين» (٥) من حديث أبي سعيد قال: «ذُكِر العَزْل عند النبيّ ﷺ فقال: «وما ذاكم؟»، قالوا: الرجلُ تكونُ له المرأة تُرْضِع, فيصيبُ منها, ويكرَه أن تحمل منه؟ [والرجل تكون له الأَمة فيصيب منها، ويكره أن تحمل منه]، قال: «فلا عليكم أن لا تفعلوا ذلكم, فإنما هو القَدَر». قال ابن عون: فحدَّثتُ به الحَسَن فقال: والله لكأنَّ هذا زجرٌ.
стр. 528
وفي لفظ في «الصحيحين» (١): قال محمد بن سيرين: قوله: «لا عليكم» أقرب إلى النهي. ووَجْه ذلك ــ والله أعلم ــ: أنه إنما نَفَى الحرجَ عن عدم الفعل فقال: «لا عليكم أن لا تفعلوا» يعني في أن لا تفعلوا, وهو يدلُّ بمفهومه على ثبوت الحَرَج في الفعل, فإنه لو أراد نفي الحرج عن الفعل لقال: لا عليكم أن تفعلوا. والحكم بزيادة «لا» خلاف الأصل, فلهذا فَهِم الحسنُ وابنُ سيرين من الحديث الزجرَ. والله أعلم.
١٦٦/ ٢٠٨٦ - وعن ابن مُحَيْرِيز قال: «دخلتُ المسجدَ، فرأيت أبا سعيد الخدري، فجلست إليه فسألته عن العَزْل؟ فقال أبو سعيد: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة بني المُصْطَلِقْ، فأصَبْنا سبايا من سَبْي العرب، فاشتهينا النساءَ، واشتدّتْ علينا العُزْبَةُ، وأحببنا الفِدَاء، فأردنا أن نَعزل، ثم قلنا: نَعزل ورسول الله ﷺ بين أظْهُرِنا قبل أن نسأله عن ذلك؟ [فسألناه عن ذلك] فقال: ما عليكم أن لا تفعلوا، ما من نَسَمَة كائنة إلى يوم القيامة إلا وهي كائنة».
وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي (٢).
قال ابن القيم ﵀: وفيه دليل على جواز استرقاق العرب ووطء سباياهم, وكن كتابيات. وقد تقدم حديث أبي سعيد في سبايا أوطاس (٣) وإباحة وطئهنّ, وهُنّ من العرب. وحديثه الآخر: «لا توطأ حاملٌ حتى
стр. 529
تضع» (١).
وكان أكثر سبايا الصحابة في عصر النبي ﷺ من العرب, وكانوا يطؤوهنَّ بإذن النبي ﷺ ، ولم يشترط في الوطء غير استبرائهنّ, لم يشترط إسلامهن, وتأخيرُ البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
وقد دفع أبو بكر إلى سلمة بن الأكوع امرأةً من السبي, نَفّلَها إيّاه من العرب (٢). وأخذ عَمْرو بن أمية مِن سَبْي بني حنيفة (٣)، وأخذ الصحابةُ من سَبْي المجوس, ولم يُنقَل أنهم اجتنبوهن.
قال ابن عبد البر (٤): «إباحة وطئهنَّ منسوخٌ بقوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة:٢٢١]». وهذا في غاية الضعف, لأنه في النكاح. وسأل محمدُ بن الحكم أحمدَ عن ذلك، فقال: لا أدري, أكانوا أسلموا أم
стр. 530
لا (١)» (٢).
٢٥ - باب ما يُكْرَه مِن ذِكْر الرجل ما يكون بينه وبين أهْله
١٦٧/ ٢٠٨٨ - عن أبي نضْرةَ قال: حدّثني شيخ من طُفاوَة قال: «تَثَوَّيْتُ أبا هريرة بالمدينة، فلم أر رجلًا من أصحاب النبي ﷺ أشَدَّ تَشْمِيرًا، ولا أقْوَمَ على ضيْفٍ منه، فبينا أنا عنده يومًا وهو على سريرٍ له، مع كيس فيه حصًى أو نوًى، وأسفَلُ منه جارية له سَوْدَاء، وهو يُسَبِّحُ بها، حتى إذا أنْفَدَ ما في الكيس ألقاه إليها، فجمعَتْه فأعادته في الكيس، فدفعته إليه، فقال: ألا أحدثك عني وعن رسول الله ﷺ ؟ قال: قلت: بلى، قال: بينا أنا أُوعَكُ في المسجد، إذ جاء رسول الله ﷺ حتى دخل المسجد، فقال: «مَنْ أحَسَّ الفتى الدَّوْسِيَّ؟» ثلاث مرات، فقال رجل: يا رسول الله، هو ذَا يُوعَك في جانب المسجد، فأقبل يمشي حتى انتهى إليَّ، فوضع يده عليَّ، فقال لي معروفًا، فنهضتُ، فانطلق يمشي حتى أتى مقامه الذي يصلي فيه، فأقبل عليهم، ومعه صَفَّانِ من رجال وصفٌّ من نساء، أو صَفَّان من نساء وصَفٌّ من رجال، فقال: «إنْ نَسَّانيَ الشيطان شيئًا من صلاتي فلْيُسبِّح القومُ، ولْيُصَفِّقِ النساءُ»، قال: فصلى رسول الله ﷺ ، ولم يَنْسَ من صلاته شيئًا، فقال: «مَجالِسَكُم، مَجَالِسَكم».
زاد موسى ــ وهو ابن إسماعيل ههنا ــ: ثم حمد الله تعالى وأثنى عليه، ثم قال: «أما بعد»، ثم اتفقوا ــ: ثم أقبل على الرّجال فقال: «هل منكم الرجلُ إذا أتى أهله فأغلق عليه بابه، وألقى عليه سِتره، واستتر بستر الله؟»، قالوا: نعم، قال: «ثم يجلس بعد ذلك فيقول: فعلت كذا، فعلت كذا؟»، قال: فسكتوا، قال: فأقبل على النساء فقال: «هل منكنّ من تحدِّث؟»، فسكتْنَ، فَجَثَتْ
стр. 531
فتاةٌ على إحدى ركبتيها، وتَطاوَلَت لرسول الله ﷺ ليراها ويسمع كلامها، فقالت: يا رسول الله، إنهم لَيَتَحَدَّثُون، وإنَّهُنَّ لَيَتَحَدَّثْنَه، فقال: «هل تدرون ما مَثَل ذلك؟»، فقال: «إنما مَثَل ذلك مثل شيطانة لقيت شيطانًا في السِّكَّة فقضى منها حاجته والناسُ ينظرون إليه، ألا إنَّ طِيبَ الرِّجال ما ظهر ريحُهُ ولم يَظْهَر لَوْنه، ألا إن طيبَ النساء ما ظهر لونه ولم يظهر ريحه».
قال أبو داود: ومن ههنا حفظته عن مؤمَّل وموسى: «ألَا لا يُفْضِيَنَّ رجلٌ إلى رجل، ولا امرأة إلى امرأة، إلا إلى ولد أو والد، وذكر ثالثةً، فنسيتها».
وأخرجه الترمذي والنسائي (١) مختصرًا بقصة الطيب. وقال الترمذي: هذا حديث حسن، إلا أن الطُّفاوي لا نعرفه إلا من هذا الحديث، ولا يعرف اسمه. وقال أبو الفضل محمد بن طاهر: والطفاوي مجهول. هذا آخر كلامه. وذكر أبو موسى الأصبهاني أنه مرسل، وفيما قاله نظر، وإنما هي رواية مجهول. وقد سمى الحاكم أبو عبد الله وغيره رواية المجهول منقطعةً، فيحتمل أن يكون أبو موسى سلك طريقهم، وخالفهم غيرهم في ذلك. وقد أخرج مسلم في «صحيحه» من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «إن من أشرّ الناس عند الله منزلةً يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته، وتفضي إليه، ثم ينشر سرها»، وسيجيء في كتاب الأدب إن شاء الله.
قال ابن القيم ﵀: وقوله في الحديث: «وليصفق النساء» دليل على أن قوله في حديث سهل بن سعد المتفق عليه «التصفيق للنساء» (٢) أنه إذنٌ
стр. 532
وإباحة لهنَّ في التصفيق في الصلاة عند نائبة تنوب, لا أنه عيب وذم.
قال الشافعي: حكم النساء التصفيق, وكذا قاله أحمد. وذهب مالكٌ إلى أن المرأةَ لا تصفّق وأنها تسبِّح (١). واحتجّ له الباجيُّ (٢) وغيره بقوله ﷺ : «مَن نابه شيء في صلاته فليسبِّح» (٣) قالوا: وهذا عام في الرجال والنساء. قالوا: وقوله «التصفيق للنساء» هو على طريق الذمّ والعيب لهنّ, كما يقال: كفرانُ العشيرِ مِنْ فِعْل النساء.
وهذا باطل من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن في نفس الحديث تقسيم التسبيح بين الرجال والنساء، وإنما ساقه في معرض التقسيم وبيان اختصاص كلّ نوع بما يصلح له, فالمرأة لما كان صوتها عورةً مُنِعَت من التسبيح, وجُعِل لها التصفيق, [ق ٩١] والرجل لمّا خالفها في ذلك شُرِع له التسبيح.
الثاني: أن في «الصحيحين» (٤) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «التسبيح للرجال والتصفيق للنساء». فهذا التقسيم والتنويع صريح في أن حكم كلِّ نوعٍ ما خَصَّه به. وخرَّجه مسلم بهذا اللفظ, وقال في آخره: «في الصلاة».
стр. 533
الثالث: أنه أمر به في قوله: «وليصفّق النساء»، ولو كان قوله: «التصفيق للنساء» على جهة الذمِّ والعَيْب لم يأذن فيه. والله أعلم.
* * *
стр. 534
كتاب الطلاق
١ - باب كراهية الطلاق
١٦٨/ ٢٠٩١ - عن محارب ــ وهو ابن دِثار ــ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما أحلّ الله شيئًا أَبغضَ إليه من الطلاق» (١).
هذا مرسل.
قال ابن القيم ﵀: وقد روى الدارقطنيُّ (٢) من حديث معاذ بن جبل عن النبي ﷺ : «ما أحلَّ الله شيئًا أبغضَ إليه من الطلاق» , وفيه حُمَيد بن مالك, وهو ضعيف.
وفي «مسند البزار» (٣) من حديث أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: «لا تُطَلّق النساء إلا مِن رِيبة, إن الله لا يحبُّ الذوَّاقِين ولا الذوَّاقات».
٢ - باب في طلاق السنة
١٦٩/ ٢٠٩٨ - وعن أبي الزبير: «أنه سمع عبد الرحمن بن أيمن مولى
стр. 535
عروة يسأل ابنَ عمر، وأبو الزبير يسمع، قال: كيف ترى في رجل طلق امرأته حائضًا؟ قال: طلّقَ عبد الله بن عمر امرأته وهي حائض على عهد رسول الله ﷺ ، فسأل عمرُ رسولَ الله ﷺ ، فقال: إن عبد الله بن عمر طلق امرأته وهي حائض؟ قال عبد الله: فَرَدَّهَا عليَّ ولم يرها شيئًا، وقال: «إذا طَهُرَتْ فليطلق أو ليُمْسك»، قال ابن عمر: وقرأ النبي ﷺ : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ١] في قُبُلِ عِدَّتهن».
وأخرجه النسائي (١).
وقال أبو داود: الأحاديث كلها على خلاف ما قال أبو الزبير.
وقال الإمام الشافعي (٢): ونافع أثبتُ عن ابن عمر من أبي الزبير. والأثبتُ من الحديثين أولى أن يقال به إذا خالفه.
وقال أبو سليمان الخطابي (٣): حديث يونس بن جبير أثبت من هذا. وقال أهل الحديث: لم يرو أبو الزبير حديثًا أنكر من هذا.
وقال أبو عمر النَّمَري (٤): ولم يقله عنه أحد غير أبي الزبير. وقد رواه عنه جماعة جِلّة، فلم يقل ذلك واحدٌ منهم. وأبو الزبير ليس بحجة فيما خالفه فيه مثله، فكيف بخلاف من هو أثبت منه؟ وقد يحتمل أن يكون معناه أنه لم يره شيئًا باتًّا يحرُم معه المراجعة، ولا تحل له إلا بعد زوج، أو لم يره شيئًا جائزًا في السنة
стр. 536
قاضيًا في حكم الاختيار، وإن كان لازمًا له على سبيل الكراهة، والله أعلم.
قال ابن القيم ﵀: وقد أخرج مسلم في «صحيحه» (١) حديث أبي الزبير هذا بحروفه إلا أنه لم يقل: «ولم يرها شيئًا» بل قال: «فردَّها» , وقال: «إذا طَهُرَت» إلى آخره.
وقد دلَّ حديثُ ابن عمر هذا على أمورٍ، منها: تحريم الطلاق في الحيض.
ومنها: أنه حُجَّة لمن قال بوقوعه, قالوا: لأن الرجعة إنما تكون بعد الطلاق.
ونازعهم في ذلك آخرون وقالوا: لا معنى لوقوع الطلاق والأمر بالمراجعة, فإنه لو لم يعدّ الطلاق لم يكن لأمره بالرجعة معنى, بل أمْرُه بارتجاعها, وهو ردّها إلى حالها الأولى قبل تطليقها, دليلٌ على أن الطلاق لم يقع.
قالوا: وقد صرَّح بهذا في حديث أبي الزبير المذكور آنفًا. قالوا: وأبو الزبير ثقة في نفسه صدوق حافظ, إنما تُكُلِّم في بعض ما رواه عن جابر معنعنًا لم يصرح بسماعه منه, وقد صرَّح في هذا الحديث بسماعه من ابن عمر, فلا وجه لرده.
قالوا: ولا يناقض حديثُه ما تقدَّم من قول ابن عمر فيه وقولَه: «أرأيتَ إن عَجَز واستحمق»، وقوله: «فحُسِبَت مِن طلاقها» , لأنه ليس في ذلك لفظ مرفوع إلى النبي ﷺ . وقوله: «ولم يرها شيئًا» مرفوع صريح في عدم الوقوع.
стр. 537
قالوا: وهذا مقتضى قواعد الشريعة؛ فإن الطلاق لمّا كان منقسمًا إلى حلال وحرام, كان قياس قواعد الشرع أن حرامه باطل غير معتدٍّ به, كالنكاح وسائر العقود التي تنقسم إلى حلال وحرام, ولا يَرِد على ذلك الظِّهار, فإنه لا يكون قطّ إلا حرامًا, لأنه منكرٌ من القول وزور, فلو قيل: لا يصح, لم يكن للظهار حكم أصلًا.
قالوا: وكما أن قواعد الشريعة أن النهي يقتضي التحريم, فكذلك يقتضي الفساد, وليس معنا ما يستدلُّ به على فساد العقد إلا النهي عنه.
قالوا: ولأنّ هذا طلاقٌ مَنَع منه صاحبُ الشرع, وحَجَر على العبد في إيقاعه, فكما أفاد منعه وحجره عدم جواز الإيقاع أفاد عدمَ نفوذِه, وإلّا لم يكن للحَجْر فائدة, وإنما فائدة الحَجْر عدم صحة ما حُجِر على المكلَّف فيه.
قالوا: ولأن الزوج لو أذن لرجلٍ بطريق الوكالة أن يطلِّق امرأتَه طلاقًا معيَّنًا، فطلَّق غير ما أُذِنَ له فيه, لم ينفذ لعدم إذنه. والله سبحانه إنما أذن للعبد في الطلاق المباح, ولم يأذن له في المحرَّم, فكيف تصححون ما لم يأذن به وتوقعونه, وتجعلونه من صحيح أحكام الشرع؟!
قالوا: ولأنه لو كان الطلاق نافذًا في الحيض لكان الأمر بالمراجعة والتطليق بعده تكثيرًا من الطلاق البغيض إلى الله, وتقليلًا لما بقي من عدده الذي يتمكَّن من المراجعة معه. ومعلومٌ أنه لا مصلحة في ذلك.
قالوا: وإن مفسدة الطلاق الواقع في الحيض, لو كان واقعًا, لا يرتفع بالرجعة والطلاق بعدها, بل إنما يرتفع بالرجعة المستمرَّة التي تلمُّ شَعَث النكاح, وترقع خرقه. فأما رجعة يَعْقُبها طلاق, فلا تزيل مفسدة الطلاق الأول, لو كان واقعًا.
стр. 538
قالوا: وأيضًا فما حرَّمه الله سبحانه من العقود, فهو مطلوبُ الإعدامِ بكلِّ طريق حتى يُجْعَل وجودُه كعدمه في حكم الشرع, ولهذا كان ممنوعًا مِن فِعْله, باطلًا في حكم الشرع، والباطل شرعًا كالمعدوم. ومعلومٌ أن هذا هو مقصود الشارع مما حرَّمه ونَهَى عنه, فالحكم ببطلان ما حرَّمه ومَنَع منه أدنى إلى تحصيل هذا المطلوب وأقرب, بخلاف ما إذا صحح, فإنه يثبت له حكم الموجود.
قالوا: ولأنه إذا صحّح استوى هو والحلال في الحكم الشرعي, وهو الصحة. وإنما يفترقان في موجَب ذلك من الإثم والذمّ، ومعلومٌ أن الحلال المأذون فيه لا يساوي المحرَّم الممنوع منه البتة.
قالوا: وأيضًا فإنما حُرِّم لئلا ينفذ ولا يصح, فإذا نفذ وصح وترتَّب عليه حكم الصحيح, كان ذلك عائدًا على مقتضى النهي بالإبطال.
قالوا: وأيضًا فالشارع إنما حَرَّمه ونهى عنه لأجل المفسدة التي تنشأ من وقوعه, فإن ما نَهَى عنه الشرعُ وحرَّمه لا يكون قطّ إلا مشتملًا عن مفسدة خالصة أو راجحة, فنهى عنه قصدًا لإعدام تلك المفسدة. فلو حُكِم بصحته ونفوذه لكان ذلك تحصيلًا للمفسدة التي قَصَد الشارعُ إعدامَها, وإثباتًا لها.
قالوا: وأيضًا فالعقد الصحيح هو الذي يترتَّب عليه أثره ويحصل منه مقصوده. وهذا إنما يكون في العقود التي أَذِنَ فيها الشارع, وجعلَها أسبابًا لترتُّب آثارها عليها, فما لم يأذن فيه ولم يشرعه كيف يكون سببًا لترتُّب آثاره عليه, ويُجْعَل كالمشروع المأذون في ذلك؟!
قالوا: وأيضًا فالشارع إنما جَعَل للمكلف مباشرةَ الأسباب فقط, وأما
стр. 539
أحكامها المُرَتّبة (١) عليها فليس إلى المكلَّف, وإنما هو إلى الشارع, فهو نصبَ الأسبابَ وجعلَها مقتضياتٍ لأحكامها, وجعل السببَ مقدورًا للعبد, فإذا باشره رتَّب عليه الشارعُ أحكامَه. فإذا كان السببُ محرّمًا كان ممنوعًا منه ولم يَنْصبه الشارعُ مقتضيًا لآثار السبب المأذون فيه, والحكمُ ليس إلى المكلَّف حتى يكون إيقاعه إليه والسبب الذي إليه غير مأذون فيه, ولا نَصَبه الشارعُ لترتُّب الآثارِ عليه, فَتَرتُّبها عليه إنما هو بالقياس على السبب المباح المأذون فيه، وهو قياسٌ في غاية الفساد, إذ هو قياس أحد النقيضين على الآخر في التسوية بينهما في الحكم, ولا يخفى فساده.
قالوا: وأيضًا فصِحَّة العقد هو عبارة عن ترتُّب أثره المقصود للمكلَّف عليه, وهذا الترتيب نعمة من الشارع أنعم بها على العبد, وجعل له طريقًا إلى حصولها بمباشرة الأسباب التي أذن له فيها, فإذا كان السببُ محرّمًا منهيًّا عنه كان مباشرته معصيةً, فكيف تكون المعصية سببًا لترتُّب النعمة التي قَصَد المكلَّفُ حصولَها؟!
قالوا: وقد علَّل مَن أوقع الطلاقَ وأوجبَ الرجعةَ, إيجاب الرجعة بهذه العلة بعينها، وقالوا: أوجَبْنا عليه الرجعةَ معاملةً له بنقيضِ قصدِه, فإنه ارتكبَ أمرًا محرَّمًا يقصد به الخلاص من الزوجة, فعُومِل بنقيض قصده, فأُمِر برجعتها.
قالوا: فما جعلتموه أنتم علةً لإيجاب الرجعة, فهو بعينه علة لعدم وقوع الطلاق الذي قَصَده المكلّف بارتكابه ما حَرّم الله عليه. ولا ريب أن دَفْع وقوع الطلاق أسهل من رفعه بالرجعة, فإذا اقتضت هذه العلة رفع أثر
стр. 540
الطلاق بالرجعة, فلَأَنْ تقتضي دفعَ وقوعِه أولى وأحْرَى.
قالوا: وأيضًا فللّه تعالى في الطلاق المباح حكمان:
أحدهما: إباحته والإذن فيه.
والثاني: جعله سببًا للتخلُّص من الزوجة.
فإذا لم يكن الطلاقُ مأذونًا فيه انتفى الحكم الأول, وهو الإباحة, فما الموجب لبقاء الحكم الثاني, وقد ارتفع سبَبُه؟! ومعلومٌ أن بقاء الحكم بدون سببه ممتنع، ولا تصح دعوى أن الطلاقَ المحرّم سببٌ لما تقدم.
قالوا: وأيضًا فليس في لفظ الشارع «يصح كذا، ولا يصح» وإنما يستفاد ذلك من إطلاقه ومنعه, فما أطلقَه وأباحَه، فباشَرَه المكلَّفُ حُكِم بصحّته, بمعنى أنه وافق أمر الشارع فصحّ, وما لم يأذن فيه ولم يطلقه، فباشَرَه المكلَّف حُكِم بعدم صِحَّته, بمعنى أنه خالف أمر الشارع وحكمه.
وليس معنا ما يُسَتدلُّ به على الصحة والفساد إلا موافقة الأمر والإذن وعدم موافقتهما. فإن حكمتم بالصحة مع مخالفة أمر الشارع وإباحته, لم يبقَ طريقٌ إلى معرفة الصحيح من الفاسد, إذ لم يأت مِن الشرعِ إخبارٌ بأنَّ هذا صحيح وهذا فاسد غير الإباحة والتحريم, فإذا جَوَّزتم ثبوتَ الصحة مع التحريم, فبأيِّ شيء تستدلون بعد ذلك على فساد العقد وبطلانه؟!
قالوا: وأيضًا فإن النبيَّ ﷺ قال: «كلُّ عَمَلٍ ليس عليه أَمْرُنا فهو ردّ» (١) ,
стр. 541
وفي لفظٍ: «مَن عَمِل عملًا ليس عليه أمرُنا فهو رَدّ» (١). والرّدُّ فَعْل بمعنى المفعول, أي: فهو مردود, وعَبَّر عن المفعول بالمصدر مبالغةً, حتى كأنه نفس الردّ.
وهذا تصريح بإبطالِ كلِّ عملٍ على خلاف أمره, وردّه وعدم اعتباره في حكمه المقبول. ومعلومٌ أن المردود هو الباطل بعينه, بل كونه ردًّا أبلغ من كونه باطلًا, إذ الباطل قد يقال لما لا نفع فيه, أو لما منفعتُه قليلة جدًّا، وقد يُقال لما يُنتفَع به ثم يبطل نفعُه, وأما المردود فهو الذي لم يُجْدِ (٢) شيئًا ولم يترتَّب عليه مقصودُه أصلًا.
قالوا: فالمطلِّق في الحيض قد طلّق طلاقًا ليس عليه أمر الشارع, فيكون مردودًا, فلو صحّ ولزم لكان مقبولًا منه, وهو خلاف النص.
قالوا: وأيضًا فالشارع أباح للمكلَّف مِن الطلاق قدرًا معلومًا في زمن مخصوص، ولم يُمَلِّكه أن يتعدَّى القدرَ الذي حُدَّ له, ولا الزمنَ الذي عُيِّن له, فإذا تعدَّى ما حُدَّ له من العدد كان لغوًا باطلًا, فكذلك إذا تعدَّى ما حُدَّ له من الزمان يكون لغوًا باطلًا, وإلّا (٣) فكيف يكونُ عدوانه في الوقت صحيحًا معتبرًا لازمًا, وعدوانه في العدد لغوًا باطلًا؟
стр. 542
قالوا: وهذا كما أن الشارع حَدَّ له عددًا من النساء معيَّنًا في وقت معيَّن, فلو تعدَّى ما حُدّ له من العدد كان لغوًا وباطلًا. وكذلك لو تعدَّى ما حُدّ له من الوقت, بأن ينكحها قبل انقضاء العدة مثلًا, أو في وقت الإحرام, فإنه يكون لغوًا و (١) باطلًا. فقد شمل البطلانُ نوعَي التعدِّي عددًا و (٢) وقتًا.
قالوا: وأيضًا فالصحةُ إما أن تُفَسَّر بموافقة أمر الشارع, وإما أن تفسَّر بترتُّب أثر [ق ٩٣] الفعل عليه, فإن فُسِّرت بالأول لم يكن تصحيح هذا الطلاق ممكنًا, وإن فُسِّرت بالثاني وجبَ أيضًا أن لا يكون العقد المحرَّم صحيحًا, لأن ترتُّب الثمرة على العقد إنما هو بجعل الشارع العقد كذلك, ومعلومٌ أنه لم يعتبر العقْدَ المحرَّمَ, ولم يجعله مثمرًا لمقصوده, كما مرَّ تقديره.
قالوا: وأيضًا فوَصْف العقد المحرَّم بالصحة, مع كونه مَنْشأ المفسدة، ومشتملًا على الوصف المقتضي لتحريمه وفساده, جَمْعٌ بين النقيضين، فإن الصحة إنما تنشأ عن المصلحة, والعقد المحرَّم لا مصلحة فيه، بل هو مُنشئ لمفسدةٍ خالصة أو راجحة. فكيف تنشأ الصحةُ مِن شيء هو مَنْشأ المفسدة.
قالوا: وأيضًا فوصف العقد المحرَّم بالصحة إما أن يُعْلَم من نَصّ الشارع, أو مِن قياسه, أو مِن توارد عُرْفِه في محالّ حكمه بالصحة, أو من إجماع الأمة.
ولا يمكن إثبات شيء من ذلك في محلّ النزاع, بل نصوص الشّرْع
стр. 543
تقتضي ردَّه وبطلانه, كما تقدم. وكذلك قياس الشريعة كما ذكرناه, وكذلك استقراء موارد عُرف الشرع في محالّ الحكم بالصحة, إنما يقتضي البطلان في العقد المحرَّم لا الصحة. وكذلك الإجماع, فإن الأمةَ لم تُجْمِع قطّ ــ ولله الحمد ــ على صحة شيء حَرَّمه الله ورسوله, لا في هذه المسألة ولا في غيرها, فالحكم بالصحة فيها إلى أيّ دليلٍ يستند؟
قالوا: وأما قول النبي ﷺ : «مُرْه فليراجعها» فهذا حُجَّة لنا على عدم الوقوع, لأنه لَمّا طلَّقها ــ والرجلُ مِن عادته إذا طلقَ امرأتَه أن يخرجها عنه ــ أمَرَه بأن يراجعها ويمسكها, فإنَّ هذا الطلاقَ الذي أوْقَعَه ليس بمعتبر شرعًا, ولا تخرج المرأة عن الزوج بسببه, فهو كقوله ﷺ لبشير بن سعد في قصة نَحْلِه ابنَه النعمانَ غلامًا: «رُدَّه» (١). ولا يدلّ أمْرُه إياه برَدِّه على أن الولد قد مَلَك الغلام, وأن الردَّ إنما يكون بعد الملك, فكذلك أَمْره بردِّ المرأة ورجعتها لا يدلّ على أنه لا يكون إلا بعد نفوذ الطلاق, بل لمّا ظنَّ ابنُ عمر جوازَ هذا الطلاق فأقْدَم عليه قاصدًا لوقوعه, ردَّ إليه النبي ﷺ امرأتَه, وأمره أن يردَّها.
وردُّ الشيء إلى مِلْك مَن أخرجه لا يستلزم خروجَه عن ملكه شرعًا, كما تُرَدُّ العينُ المغصوبة إلى مالكها, ويقال للغاصب: ردَّها إليه، ولا يدلُّ ذلك على زوال مُلك صاحبها عنها. وكذلك إذا قيل: رُدَّ على فلان ضالَّته. ولمّا باع عليٌّ أحدَ الغلامين الأخوين قال له النبي ﷺ : «رُدّه, رُدّه» (٢). وهذا أمرٌ
стр. 544
بالردِّ حقيقةً.
قالوا: فقد وفينا اللفظ حقيقتَه التي وُضِع لها.
قالوا: وأيضًا فقد صرَّح ابنُ عمر «بأنّ النبيَّ ﷺ ردَّها عليه ولم يَرَها شيئًا» وتعلّقكم على أبي الزبير مما لا مُتَعَلَّق فيه, فإن أبا الزبير إنما يُخَاف مِن تدليسه, وقد صرَّح بالسماع كما تقدم, فدلَّ على أن الأمرَ بمراجعتها لا يستلزمُ نفوذ الطلاق.
قالوا: والذي يدل عليه أنَّ ابنَ عمر قال في الرجل يطلِّق امرأتَه وهي حائض: «لا يعتدُّ بذلك» ذكره الإشبيلي في «الأحكام» (١) مِن طريق محمد بن عبد السلام الخُشَني قال: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، حدثنا عُبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر أنه قال في الرجل يطلِّق امرأتَه (٢) وهي حائض, قال ابن عمر: لا يُعْتَدّ بذلك».
стр. 545
وذَكَره ابن حزم في كتاب «المحلى» (١) بإسناده من طريق الخُشَني. وهذا إسناد صحيح.
قالوا: وقد روى الدارقطني في «سننه» (٢) بإسنادٍ شيعي عن أبي الزبير قال: «سألتُ ابنَ عمر عن رجل طلَّق امرأتَه ثلاثًا وهي حائض؟ فقال لي: أتعرف عبدَ الله بن عمر؟ قلت: نعم, قال: طلّقتُ امرأتي ثلاثًا على عهد النبي ﷺ [وهي حائض] فردَّها رسولُ الله ﷺ إلى السنة». قال الدارقطني: كلهم شيعة, ولم يَزِدْ على هذا (٣).
ولكن هذا الحديث باطل قطعًا, ولا يُحتجّ به, وإنما ذكرناه للتعريف بحاله، ولو كان إسناده ثقاتًا لكان غلطًا, فإن المعروف من رواية الأثبات عن ابن عمر: أنه إنما طلق تطليقةً واحدةً, كما رواه مسلم في «الصحيح» (٤) من حديث يونس بن جبير.
ولكن لو حاكمنا منازعينا إلى ما يقرّون به من أن رواية أهل البدع مقبولة, فكم في «الصحيح» من رواية الشيعة الغلاة, والقدرية, والخوارج, والمرجئة, وغيرهم= لم يتمكَّنوا من الطعن في هذا الحديث بأن رواتَه شيعة, إذ مجرَّد كونهم شيعة لا يوجبُ ردَّ حديثهم (٥).
стр. 546
وبعدُ، ففي معارضته بحديث يونس بن جبير «أنه طلقها تطليقة» كلامٌ ليس هذا موضعه, فإنّ مَن جعل الثلاثَ واحدةً قال: هي ثلاث في اللفظ, وهي واحدة في الحُكْم, على ما في حديث أبي الصهباء عن ابن عباس (١). والله أعلم.
قالوا: وأما قولكم: إن نافعًا أثْبَت في ابن عمر وأولى به من أبي الزبير وأخصّ, فروايته أولى أن نأخذ بها, فهذا إنما يُحْتاج إليه عند التعارض, فكيف ولا تعارض بينهما؟ فإن رواية أبي الزبير صريحة في أنها لم تُحْسَب عليه, وأما نافع فرواياته ليس فيها شيء صريح قطّ أن النبيَّ ﷺ حَسَبها عليه, بل مرَّة قال: «فمَهْ» أي فما يكون؟ وهذا ليس بإخبارٍ عن النبيِّ ﷺ أنه حسبها. ومرة قال: «أرأيتَ إن عَجَز واسْتَحْمق؟» (٢) وهذا رأيٌ محض, ومعناه: أنه
стр. 547
رَكِب خُطّةَ عجز واستحمق, [ق ٩٤] أي: ركب أحموقةً وجهالةً, فطلَّق في زمنٍ لم يُؤذَن له في الطلاق فيه.
ومعلومٌ أنه لو كان عند ابن عمر أنه ﷺ حَسَبها عليه لم يحتج أن يقول للسائل: «أرأيتَ إن عَجَز واستحمق؟» , فإن هذا ليس بدليل على وقوع الطلاق, فإنّ من عَجَز واستحمق يُرَدّ إلى العلم والسنة التي سنها رسول الله ﷺ ، فكيف يُظَنّ بابن عمر أنه يكتم نصًّا عن رسول الله ﷺ في الاعتداد بتلك الطلقة, ثم يحتجّ بقوله: «أرأيتَ إن عَجَز واستحمق»؟! وقد سأله مرةً رجلٌ عن شيء فأجابه بالنصّ, فقال السائل: أرأيتَ إن كان كذا وكذا؟ قال: «اجعل أرأيتَ باليمن» (١) , ومرة قال: «تُحْسَب من طلاقها» , وهذا قول نافع ليس قول ابن عمر, كذلك جاء مصرَّحًا به في هذا الحديث في «الصحيحين» (٢) قال عبد الله لنافع: «ما فعَلَتِ التطليقةُ؟ قال: واحدة أعتدّ بها». وفي بعض ألفاظه: «فحُسِبَت بتطليقة» , وفي لفظ للبخاري (٣) عن سعيد بن جُبير، عن ابن عمر: «فحُسِبت عليَّ بتطليقة».
ولكن هذه اللفظة انفرد بها سعيد بن جُبير عنه, وخالفه نافعٌ وأنسُ بن سيرين ويونس بن جُبير وسائر الرواة عن ابن عمر (٤) , فلم يذكروا: