← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 201

تهذيب سنن أبي داود - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 675 стр.). Показаны 543–582 · переход к 548.

стр. 543

تقتضي ردَّه وبطلانه, كما تقدم. وكذلك قياس الشريعة كما ذكرناه, وكذلك استقراء موارد عُرف الشرع في محالّ الحكم بالصحة, إنما يقتضي البطلان في العقد المحرَّم لا الصحة. وكذلك الإجماع, فإن الأمةَ لم تُجْمِع قطّ ــ ولله الحمد ــ على صحة شيء حَرَّمه الله ورسوله, لا في هذه المسألة ولا في غيرها, فالحكم بالصحة فيها إلى أيّ دليلٍ يستند؟ قالوا: وأما قول النبي ﷺ : «مُرْه فليراجعها» فهذا حُجَّة لنا على عدم الوقوع, لأنه لَمّا طلَّقها ــ والرجلُ مِن عادته إذا طلقَ امرأتَه أن يخرجها عنه ــ أمَرَه بأن يراجعها ويمسكها, فإنَّ هذا الطلاقَ الذي أوْقَعَه ليس بمعتبر شرعًا, ولا تخرج المرأة عن الزوج بسببه, فهو كقوله ﷺ لبشير بن سعد في قصة نَحْلِه ابنَه النعمانَ غلامًا: «رُدَّه» (١). ولا يدلّ أمْرُه إياه برَدِّه على أن الولد قد مَلَك الغلام, وأن الردَّ إنما يكون بعد الملك, فكذلك أَمْره بردِّ المرأة ورجعتها لا يدلّ على أنه لا يكون إلا بعد نفوذ الطلاق, بل لمّا ظنَّ ابنُ عمر جوازَ هذا الطلاق فأقْدَم عليه قاصدًا لوقوعه, ردَّ إليه النبي ﷺ امرأتَه, وأمره أن يردَّها. وردُّ الشيء إلى مِلْك مَن أخرجه لا يستلزم خروجَه عن ملكه شرعًا, كما تُرَدُّ العينُ المغصوبة إلى مالكها, ويقال للغاصب: ردَّها إليه، ولا يدلُّ ذلك على زوال مُلك صاحبها عنها. وكذلك إذا قيل: رُدَّ على فلان ضالَّته. ولمّا باع عليٌّ أحدَ الغلامين الأخوين قال له النبي ﷺ : «رُدّه, رُدّه» (٢). وهذا أمرٌ

стр. 544

بالردِّ حقيقةً. قالوا: فقد وفينا اللفظ حقيقتَه التي وُضِع لها. قالوا: وأيضًا فقد صرَّح ابنُ عمر «بأنّ النبيَّ ﷺ ردَّها عليه ولم يَرَها شيئًا» وتعلّقكم على أبي الزبير مما لا مُتَعَلَّق فيه, فإن أبا الزبير إنما يُخَاف مِن تدليسه, وقد صرَّح بالسماع كما تقدم, فدلَّ على أن الأمرَ بمراجعتها لا يستلزمُ نفوذ الطلاق. قالوا: والذي يدل عليه أنَّ ابنَ عمر قال في الرجل يطلِّق امرأتَه وهي حائض: «لا يعتدُّ بذلك» ذكره الإشبيلي في «الأحكام» (١) مِن طريق محمد بن عبد السلام الخُشَني قال: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، حدثنا عُبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر أنه قال في الرجل يطلِّق امرأتَه (٢) وهي حائض, قال ابن عمر: لا يُعْتَدّ بذلك».

стр. 545

وذَكَره ابن حزم في كتاب «المحلى» (١) بإسناده من طريق الخُشَني. وهذا إسناد صحيح. قالوا: وقد روى الدارقطني في «سننه» (٢) بإسنادٍ شيعي عن أبي الزبير قال: «سألتُ ابنَ عمر عن رجل طلَّق امرأتَه ثلاثًا وهي حائض؟ فقال لي: أتعرف عبدَ الله بن عمر؟ قلت: نعم, قال: طلّقتُ امرأتي ثلاثًا على عهد النبي ﷺ [وهي حائض] فردَّها رسولُ الله ﷺ إلى السنة». قال الدارقطني: كلهم شيعة, ولم يَزِدْ على هذا (٣). ولكن هذا الحديث باطل قطعًا, ولا يُحتجّ به, وإنما ذكرناه للتعريف بحاله، ولو كان إسناده ثقاتًا لكان غلطًا, فإن المعروف من رواية الأثبات عن ابن عمر: أنه إنما طلق تطليقةً واحدةً, كما رواه مسلم في «الصحيح» (٤) من حديث يونس بن جبير. ولكن لو حاكمنا منازعينا إلى ما يقرّون به من أن رواية أهل البدع مقبولة, فكم في «الصحيح» من رواية الشيعة الغلاة, والقدرية, والخوارج, والمرجئة, وغيرهم= لم يتمكَّنوا من الطعن في هذا الحديث بأن رواتَه شيعة, إذ مجرَّد كونهم شيعة لا يوجبُ ردَّ حديثهم (٥).

стр. 546

وبعدُ، ففي معارضته بحديث يونس بن جبير «أنه طلقها تطليقة» كلامٌ ليس هذا موضعه, فإنّ مَن جعل الثلاثَ واحدةً قال: هي ثلاث في اللفظ, وهي واحدة في الحُكْم, على ما في حديث أبي الصهباء عن ابن عباس (١). والله أعلم. قالوا: وأما قولكم: إن نافعًا أثْبَت في ابن عمر وأولى به من أبي الزبير وأخصّ, فروايته أولى أن نأخذ بها, فهذا إنما يُحْتاج إليه عند التعارض, فكيف ولا تعارض بينهما؟ فإن رواية أبي الزبير صريحة في أنها لم تُحْسَب عليه, وأما نافع فرواياته ليس فيها شيء صريح قطّ أن النبيَّ ﷺ حَسَبها عليه, بل مرَّة قال: «فمَهْ» أي فما يكون؟ وهذا ليس بإخبارٍ عن النبيِّ ﷺ أنه حسبها. ومرة قال: «أرأيتَ إن عَجَز واسْتَحْمق؟» (٢) وهذا رأيٌ محض, ومعناه: أنه

стр. 547

رَكِب خُطّةَ عجز واستحمق, [ق ٩٤] أي: ركب أحموقةً وجهالةً, فطلَّق في زمنٍ لم يُؤذَن له في الطلاق فيه. ومعلومٌ أنه لو كان عند ابن عمر أنه ﷺ حَسَبها عليه لم يحتج أن يقول للسائل: «أرأيتَ إن عَجَز واستحمق؟» , فإن هذا ليس بدليل على وقوع الطلاق, فإنّ من عَجَز واستحمق يُرَدّ إلى العلم والسنة التي سنها رسول الله ﷺ ، فكيف يُظَنّ بابن عمر أنه يكتم نصًّا عن رسول الله ﷺ في الاعتداد بتلك الطلقة, ثم يحتجّ بقوله: «أرأيتَ إن عَجَز واستحمق»؟! وقد سأله مرةً رجلٌ عن شيء فأجابه بالنصّ, فقال السائل: أرأيتَ إن كان كذا وكذا؟ قال: «اجعل أرأيتَ باليمن» (١) , ومرة قال: «تُحْسَب من طلاقها» , وهذا قول نافع ليس قول ابن عمر, كذلك جاء مصرَّحًا به في هذا الحديث في «الصحيحين» (٢) قال عبد الله لنافع: «ما فعَلَتِ التطليقةُ؟ قال: واحدة أعتدّ بها». وفي بعض ألفاظه: «فحُسِبَت بتطليقة» , وفي لفظ للبخاري (٣) عن سعيد بن جُبير، عن ابن عمر: «فحُسِبت عليَّ بتطليقة». ولكن هذه اللفظة انفرد بها سعيد بن جُبير عنه, وخالفه نافعٌ وأنسُ بن سيرين ويونس بن جُبير وسائر الرواة عن ابن عمر (٤) , فلم يذكروا:

стр. 548

«فحُسِبَت عليَّ». وانفراد (١) ابن جُبير بها, كانفراد أبي الزبير بقوله: «ولم يرها شيئًا» , فإنْ تساقطتِ الروايتان لم يكن في سائر الألفاظ دليل على الوقوع, وإن رُجِّح إحداهما على الأخرى فرواية أبي الزبير صريحة في الرفع, ورواية سعيد بن جُبير غير صريحة في الرفع, فإنه لم يذكر فاعل الحساب, فلعلّ أباه ﵁ حَسَبها عليه بعد موتِ النبيِّ ﷺ في الوقت الذي ألزمَ الناسَ فيه بالطلاق الثلاث, وحَسَبه عليهم, اجتهادًا منه ومصلحةً رآها للأمة, لئلا يتتايعوا (٢) في الطلاق المحرَّم, فإذا علموا أنه يلزمهم وينفذ عليهم أمسكوا عنه. وقد كان في زمن النبي ﷺ لا يحتسب عليهم به ثلاثًا في لفظ واحد، فلما رأى عمرُ الناسَ قد أكثروا منه رأى إلزامهم به, والاحتساب عليهم به (٣). قالوا: وبهذا تتآلفُ الأحاديثُ الواردةُ في هذا الباب ويتبينُ وجهُها, ويزولُ عنها التناقضُ والاضطرابُ, ويُسْتغَنى عن تكلُّف التأويلات المستكرهة لها, ويتبين موافقتُها لقواعد الشرع وأصوله. قالوا: وهذا الظنُّ بعمر ﵁ أنه إذا احتسب على الناس بالطلاق الثلاث احتسب على ابنه بتطليقته التي طلقها في الحيض, وكون النبي ﷺ لم يرها شيئًا مثل كون الطلاق الثلاث على عهده كان واحدة. وإلزام عمر

стр. 549

الناسَ بذلك, كإلزامه لهم بهذا, وأدَّاه اجتهادُه ﵁ إلى أن ذلك كان تخفيفًا ورفقًا بالأمة, لقلّة إيقاعهم الطلاقَ وعدم تتايُعهم فيه, فلما أكثروا منه وتتايعوا فيه ألزمهم بما التزموه. وهذا كما أدّاه اجتهاده في الجَلْد في الخمر ثمانين (١) , وحَلْق الرأس فيه والنّفْي (٢) , والنبيُّ ﷺ إنما جَلَد فيه أربعين, ولم يحلق فيه رأسًا, ولم يغرِّب, فلما رأى الناسَ قد أكثروا منه، واستهانوا بالأربعين ضاعفها عليهم, وحَلَق ونَفَى. ولهذا نظائر كثيرة ستذكر في موضع آخر إن شاء الله. قالوا: وتوهُّم مَن توهّم أنا خالفنا الإجماعَ في هذه المسألة غَلَط, فإن الخلاف فيها أشهر من أن يُجْحَد, وأظهر من أن يُسْتَر. وإذا كانت المسألة من موارد النزاع فالواجب فيها امتثال ما أمر الله به ورسوله, مِن ردّ ما تنازع فيه العلماء إلى الله ورسوله, وتحكيم الله ورسوله دون تحكيم أحدٍ مِن الخَلْق, قال تعالى ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء:٥٩]. فهذه بعض كلمات المانعين من الوقوع، ولو استوفينا الكلامَ في المسألة لاحتملَتْ سِفرًا كبيرًا, فلنقتصر على فوائد الحديث. قال المُوقِعُون: وفيه دليل على أن الرجعةَ يستقلُّ بها الزوج دون الوليِّ

стр. 550

ورضا المرأة, لأنه جَعَل ذلك إليه دون غيره, ودلالة القرآن على هذا أظهر من هذه الدلالة، قال تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة:٢٢٨] فجعل الأزواجَ أحقَّ بالرجعة من المرأة والولي. واختلفوا في قوله: «مُرْه فليراجعها» هل الأمر بالرجعة على الوجوب أو الاستحباب (١)؟ فقال الشافعي وأبو حنيفة والأوزاعي وابن أبي ليلى وسفيان الثوري وأحمدُ في إحدى الروايتين بل أشهرهما عنه: الأمر بالرجعة استحباب. قال بعضهم: لأن ابتداء النكاح إذا لم يكن واجبًا فاستدامته كذلك. وقال مالك في الأشهر عنه, وداود وأحمد في الرواية الأخرى: الرجعة واجبة للأمر بها, ولأن الطلاقَ لمَّا كان محرّمًا في هذا الزمن كان بقاء النكاح واستدامته فيه واجبًا, وبهذا يبطل قولهم: إذا لم يجب ابتداء النكاح لم تجب استدامته, فإن الاستدامةَ هاهنا واجبة لأجل الوقت, فإنه لا يجوز فيه الطلاق. قالوا: ولأن الرجعةَ إمساكٌ, بدليل قوله: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:٢٢٩] فالإمساك مراجعتها في العدة, والتسريح تركها حتى تنقضي عِدّتُها. وإذا كانت الرجعة [ق ٩٥] إمساكًا, فلا ريب في وجوب إمساكها في زمن

стр. 551

الحيض, وتحريم طلاقها, فتكون واجبةً. ثم اختلف الموجبون للرجعة في علّة ذلك؛ فقالت طائفة: إنما أمَرَه برجعتها ليقعَ الطلاقُ الذي أراده في زمن الإباحة, وهو الطُّهْر الذي لم يمسّها فيه, فلو لم يرتجعها لكان الطلاق الذي ترتّبَتْ عليه الأحكامُ هو الطلاق المحرَّم, والشارعُ لا يرتِّب الأحكامَ على طلاق محرَّمٍ, فأمَر برجعتها, ليطلقها طلاقًا مباحًا يترتَّب عليه أحكام الطلاق. وقالت طائفة: بل أمره برجعتها عقوبةً له على طلاقها في زمن الحيض, فعاقبه بنقيض قصدِه, وأمره بارتجاعها عكس مقصوده. وقالت طائفة: بل العلة في ذلك أن تحريم الطلاق في زمن الحيض معلَّل بتطويل العِدّة، فأَمَر (١) برجعتها ليزول المعنى الذي حُرِّم الطلاقُ في الحيض لأجله. وقال بعضُ الموجِبين: إن أبى رَجْعَتها أُجبِر عليها، فإن امتنع ضُرِب وحُبِس, فإن أصرّ حُكِم عليه برجعتها، وأُشْهِد أنه قد ردَّها عليه, فتكون امرأته, يتوارثان, ويلزمه جميع حقوقها, حتى يفارقها فراقًا ثانيًا. قاله أصبغ وغيره من المالكية (٢). ثم اختلفوا. فقال مالك: يُجْبَر على الرجعة وإن طهرت, ما دامت في العدة, لأنه وقت للرجعة. وقال أشهب: إذا طهرت ثم حاضت ثم طهرت لم تجب رجعتها في هذه الحال وإن كانت في العدة, لأنه لا يجب عليه

стр. 552

إمساكها في هذه الحال لجواز طلاقها فيه, فلا يجب عليه رجعتها فيه, إذ لو وجبت الرجعةُ في هذا الوقت لَحرُمَ الطلاقُ فيه. وقوله ﷺ : «حتى تطهر, ثم تحيض, ثم تطهر, ثم إن شاء أمسك بعد ذلك وإن شاء طلق» قال البيهقي (١): أكثر الروايات عن ابن عمر: «أن النبيَّ ﷺ أمره أن يراجعها حتى تطهر, ثم إن شاء طلَّقَ وإن شاء أمْسَك» فإن كانت الروايةُ عن سالم ونافع وابن دينار (٢) في أمره بأن يراجعها حتى تطهر, ثم تحيض ثم تطهر, محفوظة, فقد قال الشافعي: يحتمل أن يكون إنما أراد بذلك الاستبراء, أن يكون أن (٣) يستبرئها بعد الحيضة التي طلَّقها فيها بطهرٍ تامّ, ثم حيض تامّ, ليكون تطليقها وهي تعلم عِدّتها أبالحمل هي أم بالحيض، أو ليكون تطليقها بعد علمه بالحمل, وهو غير جاهل ما صنع, أو يرغب فيمسك للحمل, أو ليكون إن كانت سألتِ الطلاقَ غيرَ حاملٍ أن تكفَّ عنه حاملًا. آخر كلامه. وأكثر الروايات في حديث ابن عمر مصرِّحة بأنه إنما أذِنَ في طلاقها بعد أن تطهر من تلك الحيضة, ثم تحيض ثم تطهر, هكذا أخرجاه في «الصحيحين» من رواية نافع عنه (٤) , ومن رواية ابنه سالم عنه (٥). وفي لفظٍ متفق عليه (٦):

стр. 553

«ثم يمسكها حتى تطهُر, ثم تحيض عنده حيضةً أخرى, ثم يمهلها حتى تطهر من حيضها». وفي لفظ آخر متفق عليه (١): «مُرْه فليراجعها حتى تحيض حيضة مستقبلةً سوى حيضتها التي طلقها فيها». ففي تعدّد الحيض والطُّهْر ثلاثة ألفاظ محفوظة متفق عليها, من رواية ابنه سالم، ومولاه نافع، وعبد الله بن دينار (٢) وغيرهم, والذين زادوا فقد (٣) حفظوا ما لم يحفظه هؤلاء. ولو قُدِّر التعارض فالزائدون أكثرُ وأثبتُ في ابن عمر وأخصُّ به, فرواياتهم أولى, لأن نافعًا مولاه أعلمُ الناس بحديثه, وسالمٌ ابنه كذلك, وعبد الله بن دينار من أثبت الناس فيه وأرْوَاهم عنه, فكيف يُقدّم اختصار أبي الزبير ويونس بن جُبير على هؤلاء؟! ومن العجب تعليل حديث أبي الزبير في ردِّها عليه من غير احتساب بالطلقة بمخالفة غيره له, ثم تقدَّم روايتُه التي سكت فيها عن تعدّد الحيض والطُّهْر على رواية نافع وابن دينار وسالم؟! فالصواب الذي لا شكّ فيه أن هذه الرواية ثابتة محفوظة, ولذلك أخرجها أصحاب «الصحيحين». واختلف في جواز طلاقها في الطُّهْر المتعقّب للحيضة التي طلَّق فيها على قولين (٤) هما روايتان عن أحمد ومالك، أشهرهما عند أصحاب مالك:

стр. 554

المنع حتى تحيض حيضةً مستقبلة سوى تلك الحيضة, ثم تَطْهُر كما أمر به النبيُّ ﷺ . والثاني: يجوز طلاقُها في الطُّهْر المتعقّب لتلك الحيضة وهو قول الشافعي وأبي حنيفة, وأحمد في الرواية الأخرى. ووجهه: أن التحريم إنما كان لأجل الحيض, فإذا طهرت زال موجِب التحريم, فجاز طلاقها في هذا الطهر كما يجوز في الطهر الذي بعده, وكما يجوز أيضًا طلاقها فيه لو لم يتقدّم طلاقٌ في الحيض, ولأنَّ في بعض طرق حديث ابنِ عمر في الصحيح: «ثم ليطلقها طاهرًا, أو حاملًا» (١)، وفي لفظ: «ثم ليطلقها طاهرًا من غير جماع في قُبُل عدتها» (٢). وفي لفظ: «فإذا طَهُرت فليطلِّقْها لِطُهْرها, قال: فراجعها ثم طلقها لطهرها» (٣). وفي حديث أبي الزبير: «وقال: إذا طهرت فليطلِّق أو ليمسك» (٤). وكلُّ هذه الألفاظ في «الصحيح». وأما أصحاب القول الثاني فاحتجّوا بما تقدّم مِن أمره ﷺ بإمساكها حتى تحيض, ثم تطْهُر ثم تحيض, ثم تطهر. وقد تقدم. قالوا: وحكمة ذلك من وجوه:

стр. 555

أحدها: أنه لو طلّقها عَقِبَ تلك الحيضة كان قد راجعها ليطلقها، وهذا عكس مقصود الرجعة, فإن الله سبحانه إنما شَرَع الرجعةَ لإمساك المرأة وإيوائها, ولَمّ شَعَث النكاح, وقَطْع سبب الفُرْقة, ولهذا سماه إمساكًا, فأمره الشارع [ق ٩٦] أن يمسكها في ذلك الطهر, وأن لا يطلِّقَ فيه حتى تحيض حيضةً أخرى, ثم تطهر, لتكون الرجعة للإمساك لا للطلاق. قالوا: وقد أكَّدَ الشارعُ هذا المعنى, حتى إنه أمر في بعض طُرُق هذا الحديث بأن يمسّها في الطهر المتعقّب لتلك الحيضة, فإذا حاضت بعده وطَهُرت, فإن شاء طلّقها قبل أن يمسها, فإنه قال: «مُرْه فليراجعها, فإذا طهرت مسّها, حتى إذا طهرت أخرى, فإن شاء طلقها وإن شاء أمسكها». ذكره ابنُ عبد البر (١) , وقال: الرجعةُ (٢) لا تكاد تُعْلَم صحتُها إلا بالوطء, لأنه المبتغَى من النكاح, ولا يحصل الوطء إلا في الطهر, فإذا وطئها حَرُم طلاقها فيه حتى تحيض ثم تطهر, فاعتبرنا مظنة الوطء ومحلّه, ولم يجعله محلًا للطلاق. الثاني: أن الطلاق حُرِّم في الحيض لتطويل العِدّة عليها, فلو طلّقها عقب الرجعة من غير وطء لم تكن قد استفادت بالرجعة فائدة, فإن تلك الحيضة التي طُلِّقت فيها لم تكن تُحْتَسب عليها من العِدّة, وإنما تَسْتقبِلُ العِدّة من الطهر التي (٣) يليها, أو من الحيضة الأخرى على الاختلاف في الأقراء, فإذا طلَّقها عقب تلك الحيضة كانت في معنى مَن طُلّقت ثم راجعها

стр. 556

ولم يمسَّها حتى طلّقها, فإنها تَبْني على عِدّتها في أحد القولين, لأنها لم تنقطع بوطء, فالمعنى المقصود إعدامه من تطويل العدة موجود بعينه هنا, لم يَزُل بطلاقها عقب الحيضة, فأراد رسول الله ﷺ قطع حكم الطلاق جملةً بالوطء, فاعتبرَ الطهرَ الذي هو موضع الوطء, فإذا وطئ حَرُم طلاقُها حتى تحيض ثم تطهر. ومنها: أنه ربما كانت حاملًا وهو لا يشعر, فإن الحامل قد ترى الدَّمَ بلا ريب ــ وهل حكمه حكم الحيض أو دم فساد؟ على الخلاف فيه ــ فأراد الشارع أن يستبرئها بعد تلك الحيضة بطُهْر تامّ, ثم حيض تامّ, فحينئذ يعلم هل هي حامل أو حائل؟ فإنه ربما يمسكها إذا علم أنها حامل منه, وربما تكفُّ هي عن الرغبة في الطلاق إذا علمت أنها حامل, وربما يزول الشرُّ الموجب للطلاق بظهور الحمل, فأراد الشارع تحقيق علمهما بذلك, نظرًا للزوجين, ومراعاةً لمصلحتهما, وحسمًا لباب الندم. وهذا من أحسن محاسن الشريعة. وقيل: الحكمة فيه أنه عاقبه بأمره بتأخير الطلاق جزاءً له على ما فَعَله من إيقاعه على الوجه المحرَّم. ورُدّ هذا (١) بأن ابن عمر لم يكن يعلم التحريم. وأجيب عنه بأن هذا حكم شامل له ولغيره من الأمة, وكونه ﵁ لم يكن عالمًا بالتحريم يفيدُ نفي الإثم لا عدم ترتُّب هذه المصلحة على الطلاق المحرَّم في نفسه.

стр. 557

وقيل: حكمته أن الطهر الذي بعد تلك الحيضة هو من حريم تلك الحيضة, فهما كالقُرْء الواحد, فلو شُرِع الطلاق فيه لصار كموقِعِ طلقتين في قُرْءٍ واحد, وليس هذا بطلاق السنة. وقيل: حكمتُه أنه نهى عن الطلاق في هذا الطُّهْر, ليطول مقامه معها, ولعلَّه تدعوه نفسُه إلى وطئها, وذهاب ما في نفسه من الكراهة لها, فيكون ذلك حرصًا على ارتفاع (١) البغيض إلى الله, المحبوب إلى الشيطان, وحضًّا على بقاء النكاح, ودوام المودّة والرحمة، والله أعلم. وقوله ﷺ : «ثم ليطلقها طاهرًا»، وفي اللفظ الآخر: «فإذا طهرت فليطلقها إن شاء» هل المراد به انقطاع الدم, أو التطهر بالغسل, وما يقوم مَقامه من التيمم؟ على قولين (٢) , هما روايتان عن أحمد. أحدهما (٣): أنه انقطاع الدم، وهو قول الشافعي. والثانية: أنه الاغتسال. وقال أبو حنيفة: إن طَهُرت لأكثر الحيض حلّ طلاقُها بانقطاع الدم, وإن طهرت لدون أكثره لم يحل طلاقها حتى تصير في حكم الطاهرات بأحد ثلاثة أشياء: إما أن تغتسل, وإما أن تتيمم عند العجز وتصلي, وإما أن يخرج عنها وقت صلاة, لأنه متى وُجِد أحدُ هذه الأشياء حكمنا بانقطاع حيضها. وسِرّ المسألة: أن الأحكامَ المترتبة على الحيض نوعان:

стр. 558

منها ما يزول بنفس انقطاعه، كصحة الغسل والصوم, ووجوب الصلاة في ذمتها. ومنها ما لا يزول إلا بالغسل كحِلّ الوطء, وصحة الصلاة, وجواز اللُّبث في المسجد, وصحة الطواف, وقراءة القرآن على أحد الأقوال, فهل يقال: الطلاقُ من النوع الأول, أو من الثاني؟ ولمن رجَّح إباحَتَه قبل الغُسل أن يقول: الحائض إذا انقطع دمها صارت كالجنب, يحرُم عليها ما يحرُم منه, ويصح منها ما يصح منه. ومعلومٌ أن المرأة الجُنُب لا يحرم طلاقها. ولمن رجَّح الثاني أن يجيب عن هذا بأنها لو كانت كالجُنُب لحلَّ وطؤها, ويحتجّ بما رواه النسائي في «سننه» (١) من حديث المعتمر بن سليمان، قال: سمعت عُبيدَ الله، عن نافع، عن عبد الله: «أنه طلّقَ امرأتَه وهي حائض تطليقةً, فانطلق عمرُ فأخبر النبيَّ ﷺ بذلك, فقال النبيُّ ﷺ : «مُرْ عبدَ الله فليراجعها, فإذا [اغتسلت فليتركها حتى تحيض، فإذا] اغتسلت من حيضتها الأخرى فلا يمسّها حتى يطلقها, فإن شاء أن يمسكها فليمسكها، فإنها العِدّة التي أمَرَ الله أن تُطلَّقَ لها النساء». وهذا على شرط «الصحيحين» , وهو مفسِّر لقوله: «فإذا طهرت»، فيجب حَمْلُه [ق ٩٧] عليه. وتمام هذه المسألة: أن العِدّة هل تنقضي بنفس انقطاع الدم وتنقطع الرجعة, أم لا تنقطع إلا بالغسل؟ وفيه خلاف بين السلف والخلف, يأتي في موضعه إن شاء الله تعالى (٢).

стр. 559

وقوله ﷺ : «ثم ليطلقها طاهرًا قبل أن يمسّ» دليلٌ على أن طلاقها في الطُّهْر الذي مَسّ فيه ممنوعٌ منه، وهو طلاق بدعة, وهذا متفق عليه. فلو طلق فيه، قالوا: لم يجب عليه رجعتها, قال ابن عبد البر (١): أجمعوا على أن الرجعةَ لا تجب في هذه الصورة. وليس هذا الإجماع ثابتًا, وإن كان قد حكاه صاحب «المغني» (٢) أيضًا, فإنَّ أحدَ الوجهين في مذهب أحمد وجوب الرجعة في هذا الطلاق, حكاه في «الرعاية» (٣) , وهو القياس, لأنه طلاق محرَّم, فتجب الرجعةُ فيه, كما تجب في الطلاق في زمن الحيض. ولمن فَرَّق بينهما أن يقول: زمن الطُّهْر وقت للوطء وللطلاق, وزمن الحيض ليس وقتًا لواحد منهما, فظهر الفرق بينهما, فلا يلزم من الأمر بالرجعة في غير زمن الطلاق الأمر بها في زمنه. ولكن هذا الفرق ضعيفٌ جدًّا, فإن زمن الطُّهْر متى اتصل به المَسِيْس صار كزمن الحيض في تحريم الطلاق سواء, ولا فرق بينهما, بل الفرق المؤثِّر بين الناس: أن المعنى الذي وجبت لأجله الرجعة إذا طلقها حائضًا منتفٍ في صورة الطلاق في الطهر الذي مَسَّها فيه, فإنها إنما حَرُم طلاقُها في

стр. 560

زمن الحيض لتطويل العِدّة عليها, فإنها لا تُحْتَسب ببقية الحيضة قُرْءًا اتفاقًا، فتحتاج إلى استئناف ثلاثة قروء كوامل. وأما الطُّهْر فإنها تعتدّ بما بقي منه قرءًا, ولو كان لحظة, فلا حاجة بها إلى أن يراجعها, فإنّ مَن قال: الأقراء الأطهار كانت أول عدتها عقيب (١) طلاقها, ومَن قال: هي الحيض استأنف بها بعد الطُّهْر, وهو لو راجعها ثم أراد أن يطلِّقها لم يطلّقْها إلا في طُهْر, فلا فائدة في الرجعة. هذا هو الفرق المؤثِّر بين الصورتين. وبعدُ, ففيه إشكال لا يتنبّه له إلا من له خبرة بمآخِذِ الشّرْع وأسرارِه, وجَمْعِه وفَرْقِه؛ وذلك أن النبيَّ ﷺ أمره أن يطلِّقها إذا شاء قبل أن يمسّها, وقال: «فتلك العدة التي أمر بها الله أن تُطَلَّق لها النساء». وهذا ظاهرٌ في أن العِدّة إنما يكون استقبالُها مِن طُهْر لم يمسَّها فيه, إن دلّ على أنها بالأطهار, وأما طُهْر قد أصابها فيه فلم يجعله النبيُّ ﷺ مِن العِدّة التي أمَرَ الله أن تُطَلَّقَ لها النساء، فكما لا تكون عِدّتها متصلةً بالحيضة التي طلَّق فيها ينبغي أن لا تكون متصلةً بالطُّهر الذي مسَّها فيه؛ لأن النبيَّ ﷺ سوّى بينهما في المنع من الطلاق فيهما, وأخبر أن العِدّة التي أمرَ (٢) الله أن تُطلَّقَ لها النساءُ هي مِن وقت الطُّهْر الذي لم يمسّها فيه. فمن أين لنا أن الطُّهْرَ الذي مسَّها فيه هو أول العِدّة التي أمر الله أن تُطلَّقَ لها النساء؟! وهذا مذهب أبي عُبيد, وهو في الظهور والحجة كما ترى. وقال الإمام أحمد والشافعي ومالك وأصحابُهم: لو بقي من الطُّهْر لحظة حُسِبَت لها

стр. 561

قرءًا, وإن كان قد جامَعَ فيه, إذا قلنا: الأقراء الأطهار (١). قال المنتصرون لهذا القول: إنما حَرُم الطلاقُ في زمن الحيض دفعًا لضرر تطويل العِدّة عليها, فلو لم تَحْتَسِب ببقية الطهرِ قُرءًا كان الطلاق في زمن الطُّهْر أضرَّ بها وأطولَ عليها. وهذا ضعيف جدًّا, فإنها إذ طُلِّقت فيه قبل المسيس احتسب به, وأما إذا طُلّقت بعد المسيس كان حكمها حكم المطلَّقة في زمن الحيض, فكما لا تحتسب ببقية الحيضة لا تحتسب ببقية هذا الطهر الممسوسة فيه. قالوا: ولم يُحَرَّم الطلاق في الطُّهْر لأجل التطويل الموجود في الحيض, بل إنما حُرِّم لكونها مرتابة, فلعلها قد حَمَلت من ذلك الوطء, فيشتدّ ندمُه إذا تحقق الحمل, ويكثر الضرر. فإذا أراد أن يطلِّقَها طلَّقهَا طاهرًا من غير جماع, لأنهما قد تيقَّنا عدمَ الرِّيبة, وأما إذا ظَهَر الحملُ فقد دخَلَ على بصيرة، وأقْدَم على فراقها حاملًا. قالوا: فهذا الفرق بين الطلاق في الحيض والطُّهْر المُجَامَع فيه. قالوا: وسِرُّ ذلك أن المرأةَ إن كانت حاملًا من هذا الوطء فعِدَّتها بوضع الحمل, وإن لم تكن قد حَمَلت منه فهو قرء صحيح, فلا ضررَ عليها في طلاقها فيه. ولمن نصر قول أبي عبيد أن يقول: الشارعُ إنما جَعَل استقبال عِدّة المطلّقة مِن طُهرٍ لم يمسّها فيه, ليكون المطلِّق على بصيرة من أمره, والمطلَّقة على بصيرة مِن عِدَّتها أنها بالأقراء. فأما إذا مسَّها في الطُّهْر ثم

стр. 562

طلّقها, لم يَدْر أحاملًا أم حائلًا, ولم تدرِ المرأةُ أعِدّتها بالحمل أم بالأقراء, فكان الضرر عليهما في هذا الطلاق أشدّ من الضرر في طلاقها وهي حائض, فلا تحتسب ببقية ذلك الطهر قُرءًا, كما لم يحتسب الشارع به في جواز إيقاع الطلاق فيه. وهذا التفريع كلُّه على أقوال الأئمة والجمهور. وأما من لم يوقع الطلاقَ البدعيَّ فلا يحتاج إلى شيء من هذا. وقوله: «ليطلقها طاهرًا أو حاملًا» دليل على أن الحامل طلاقها سُنّي, قال ابن عبد البر (١): «لا خلافَ بين العلماء أن الحامل طلاقها للسنة». قال الإمام أحمد: أذهَبُ إلى حديث سالم، عن أبيه: «ثم ليطلِّقْها طاهرًا أو حاملًا» (٢). وعن أحمد رواية أخرى أن طلاق الحامل ليس بسُنّي ولا بدعيّ, وإنما يثبت لها ذلك من جهة العدد, لا من جهة الوقت (٣). ولفظة «الحمل» في حديث ابن عمر انفرد بها مسلمٌ وحدَه (٤) في بعض طرق الحديث. ولم يذكرها البخاري. فلذلك لم يكن طلاقها سنيًّا ولا بدعيًّا, لأن الشارع لم يمنع منه. فإن قيل: إذا لم يكن سُنيًّا كان طلاقها بدعيًّا, لأن النبيَّ ﷺ إنما أباح

стр. 563

طلاقَها في طُهْر لم يمسّها فيه, فإذا مسّها في الطُّهْر وحَمَلت واستمرّ حملُها= استمر المنع من الطلاق, فكيف يبيحه تجدّد ظهور الحمل, فإذا لم يثبتوا هذه اللفظة لم يكن طلاق الحامل جائزًا. فالجواب: أن المعنى الذي لأجله حُرِّم الطلاق بعد المسيس معدومٌ عند ظهور الحمل, لأن المطلِّق عند ظهور الحمل قد دخل على بصيرة, فلا يخاف ظهور أمرٍ يتجدّد به الندمُ, وليست المرأة مرتابة لعدم اشتباه الأمر عليها, بخلاف طلاقها مع الشكِّ في حملها. والله أعلم. وقوله: «طاهرًا أو حاملًا» احتجَّ به من قال: الحامل لا تحيض, لأنه ﷺ حَرَّم الطلاقَ في زمن الحيض, وأباحه في وقت الطُّهر والحمل, فلو كانت الحامل تحيض لم يُبَح طلاقُها حاملًا إذا رأت الدَّمَ, وهو خلاف الحديث. ولأصحاب القول الآخر أن يجيبوا عن ذلك, بأن حيض الحامل لمّا لم يكن له تأثير في العِدّة بحال لا في تطويلها ولا تخفيفها, إذ عِدّتها بوضع الحمل, أباح الشارع طلاقَها حاملًا مطلقًا, وغيرُ الحامل لم يُبِح طلاقَها إلا إذا لم تكن حائضًا, لأن الحيض يؤثِّر في العِدّة, لأن عِدّتها بالأقراء. فالحديثُ دلّ على أن المرأة لها حالتان: إحداهما: أن تكون حائلًا, فلا تطلّق إلا في طُهْر لم يمسَّها فيه. والثانية: أن تكون حاملًا, فيجوز طلاقها. والفرقُ بين الحامل وغيرها في الطلاق إنما هو بسبب الحمل وعدمه, لا بسبب حيضٍ ولا طُهْر، ولهذا يجوز طلاق الحامل بعد المسيس دون الحائل, وهذا جواب سديد والله أعلم. وقد أفردْتُ لمسألة الحامل هل

стр. 564

تحيض أم لا؟ مصنَّفًا مفردًا (١). وقد احتجَّ بالحديث مَن يرى أن السنة تفريق الطلقات على الأقراء, فيطلِّق لكلِّ قُرء طلقة, وهذا قول أبي حنيفة وسائر الكوفيين, وعن أحمد رواية كقولهم (٢). قالوا: وذلك لأن النبيَّ ﷺ إنما أمره بإمساكها في الطُّهْر المتعقّب للحيض, لأنه لم يفْصِل بينه وبين الطلاق طُهْرٌ كامل, والسُّنةُ أن يفصل بين الطلقة والطلقة قُرءٌ كامل, فإذا طَهُرت ثم حاضت ثم طهرت طلّقها طلقة ثانيةً (٣) , لحصول الفصل بين الطلقتين بطهر كامل. قالوا: فلهذا المعنى اعتبر الشارع الفصلَ بين الطلاق الأول والثاني. قالوا: وفي بعض حديث ابن عمر: «السنة أن يُستقبَل الطهر, فيطلِّق لكلِّ قُرء» (٤). وروى النسائي في «سننه» (٥) عن ابن مسعود قال: «طلاق السنة: أن يطلقها تطليقةً، وهي طاهر في غير جماع, فإذا حاضت فطَهُرت طلَّقها أخرى, فإذا حاضت وطَهُرت طلقها أخرى, ثم تعتدَّ بعد ذلك بحيضة». وهذا الاستدلال ضعيف, فإن النبيَّ ﷺ لم يأمره بإمساكها في الطهر الثاني, ليفرّق الطلقات الثلاث على الأقراء, ولا في الحديث ما يدلّ على

стр. 565

ذلك, وإنما أمَرَه بطلاقها طاهرًا قبل أن يمسَّها, وقد ذكرنا حِكْمة إمساكها في الطهر الأول. وأما قوله: «والسنة أن يستقبلَ الطُّهْرَ فيطلِّق لكلِّ قُرْء» فهو حديث قد تكلَّم الناسُ فيه وأنكروه على عطاء الخراساني, فإنه انفرد بهذه اللفظة دون سائر الرواة. قال البيهقي (١): وأما الحديث الذي رواه عطاء الخراساني، عن ابن عمر في هذه القصة: أن النبي ﷺ قال: «السنة أن يستقبل الطُّهْر فيطلِّق لكلِّ قُرْء» , فإنه أتى في هذا الحديث بزيادات لم يُتابَع عليها, وهو ضعيف في الحديث لا يُقْبَل منه ما ينفرد به. وأما حديث ابن مسعود فمع أنه موقوف عليه, فهو حديث يرويه أبو إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله, واختُلِف على أبي إسحاق فيه, فقال الأعمش عنه كما تقدم, وقال سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص عنه: «طلاق السنة أن يطلِّقها طاهرًا من غير جماع» (٢). ولعل هذا حديثان؛ والذي يدلّ عليه: أن الأعمش قال: سألتُ إبراهيم, فقال لي مثل ذلك. وبالجملة فهذا غايته أن يكون قول ابن مسعود وقد خالفه عليٌّ (٣) وغيرُه. وقد رُوي عن ابن مسعود روايتان: إحداهما: التفريق. والثانية: إفراد

стр. 566

الطلقة وتركها حتى تنقضي عدتها. قال: «طلاق السُّنّة أن يطلقها وهي طاهر, ثم يدعها حتى تنقضي عدتها, أو يراجعها إن شاء». ذَكَره ابنُ عبد البر عنه (١). ولأن هذا إرداف طلاق لطلاق (٢) من غير حاجة إليه, وتعريضٌ لتحريم المرأة عليه إلا بعد زوجٍ وإصابة, والشارعُ لا غَرَض له في ذلك، ولا مصلحة للمطلِّق, فكان بِدْعيًّا. والله أعلم. قوله: «فتلك العِدَّة التي أمر الله أن تطلَّق [ق ٩٩] لها النساء» احتج به من يرى الأقراء هي الأطهار. قالوا: واللام بمعنى الوقت, كقوله تعالى ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء:٧٨] وقول العرب: كُتِب لثلاثٍ مَضَيْن ولثلاث بقين. وفي الحديث: «فليصلِّها حين يذكرها, ومن الغد للوقت» (٣). قالوا: فهذه اللام الوقتية بمعنى (في)». وأجاب الآخرون عن هذا بأن «اللام» في قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق:١] هي اللام المذكورة في قوله ﷺ : «أن تُطَلَّق لها النساء» , ولا يصح أن تكون وقتيَّة, ولا ذَكَر أحدٌ من أهل العربية أن اللام تأتي بمعنى «في» أصلًا، ولا يصحّ أن تكون هنا بمعنى «في» ــ ولو صح في غير هذا الموضع ــ لأن الطلاقَ لا يكون في نفس العِدّة, ولا تكون عدّة الطلاق ظرفًا له قط, وإنما اللام هنا على بابها للاختصاص. والمعنى:

стр. 567

طلقوهن مستقبلاتٍ عدّتَهنّ. ويفسِّر هذا قراءة النبيّ ﷺ في حديث ابن عمر: «فطلقوهنّ في قُبُل عِدّتهن» (١) , أي في الوقت الذي تستقبل فيه العدة. وعلى هذا فإذا طلقها في طُهرها استقبلت العِدَّةَ من الحيضة التي تليه, فقد طلقها في قُبُل عِدّتها, بخلاف ما إذا طلقها حائضًا, فإنها لا تعتدّ بتلك الحيضة, وينتظر فراغها وانقضاء الطهر الذي يليها ثم تشرع في العدة, فلا يكون طلاقُها حائضًا طلاقًا في قُبُل عِدّتها. وقد أفردْتُ لهذه المسألة مصنّفًا مستقلًّا ذكرتُ فيه مذاهِبَ الناس ومآخِذَهم, وترجيحَ القول الراجح، والجوابَ عما احتجّ به أصحابُ القول الآخر (٢). وقوله: «مُرْه فليراجعها» دليلٌ على أن الأمر بالأمر بالشيء أمرٌ به. وقد اختلف الناس في ذلك (٣) , وفَصْل النزاع: أن المأمور الأول إن كان مبلِّغًا محضًا، كأمر النبي ﷺ آحادَ الصحابة أن يأمر الغائبَ عنه بأمره, فهذا أمرٌ به من جهة الشارع قطعًا, ولا يَقْبل ذلك نزاعًا أصلًا, ومنه قوله: «مُرْها فلتَصْبِر ولتحتسب» (٤)، وقوله: «مروهم بصلاة كذا في حين كذا» (٥) ونظائره. فهذا

стр. 568

الثاني مأمور به من جهة الرسول ﷺ ,فإذا عصاه المبلَّغ إليه فقد عصى أمرَ الرسول صلوات الله وسلامه عليه, والمأمور الأول مبلِّغ محض. وإن كان الأمر متوجِّهًا إلى المأمور الأول توجُّه التكليف, والثاني غير مكلَّف, لم يكن أمرًا للثاني من جهة الشارع, كقوله ﷺ : «مروهم بالصلاة لسبع» (١). فهذا الأمر خطاب للأولياء بأمرهم الصبيانَ بالصلاة. فهذا فصل الخطاب في هذا الباب، والله أعلم بالصواب. فهذه كلمات نبَّهنا بها على بعض فوائد حديث ابن عمر, ولا تستطِلْها, فإنها مشتملة على فوائد جمّة, وقواعد مهمة, ومباحث من (٢) قَصْده الظَّفَر بالحق, وإعطاء كلِّ ذي حقٍّ حقَّه, من غير ميلٍ مع ذي مذهبه, ولا خدمة لإمامه وأصحابه بحديث رسول الله ﷺ ، بل تابعٌ للدليل، حريص على الظَّفَر بالسنة والسبيل, يدور مع الحقِّ أنى توجَّهت ركائبُه, ويستقرّ معه حيث استقرّتْ مضاربُه. ولا يعرف قدرَ هذا السير إلا مَن علَتْ هِمَّتُه, وتطلَّعت نوازعُ قلبه, واستشرفت نفسُه إلى الارتضاع من ثدي الرسالة, والورود من عين حوض النبوة, والخَلاص مِن شِباك الأقوال المتعارضة, والآراء المتناقضة, إلى

стр. 569

فضاء العلم الموروث عمن لا ينطق عن الهوى, ولا يتجاوز نطقه البيان والرشاد والهدى, وبيداء اليقين التي مَن حلّها حُشِر في زمرة العلماء, وعُدّ مِن ورثة الأنبياء, وما هي إلا أوقاتٌ محدودة, وأنفاسٌ على العبد معدودة, فلينفِقْها فيما شاء (١). أنتَ القتيلُ بكلّ مَن أحببتَه ... فانظر لنفسكَ في الهوى مَن تصطفي (٢) ٣ - بابٌ في نسخ المراجعة (٣) ذكر أبو داود حديثين فقال ابن القيم ﵀: لم يذكر أبو داود في النَّسْخ غيرَ هذين. وفيه أحاديث أصح وأصرح منهما: منها: حديث مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: «كان الرجل إذا طلَّق امرأتَه, ثم ارتجعها قبل أن تنقضي عِدّتُها, كان ذلك له, وإن طلَّقها ألف مرّة, فعَمَد رجلٌ إلى امرأةٍ له فطلقها، ثم أمهلها حتى إذا شارفت انقضاء عِدّتها ارتجعها, ثم طلقها, وقال: والله لا آويك إليَّ ولا تحلّين أبدًا, فأنزل الله : ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:٢٢٩]. فاستقبلَ الناسُ الطلاقَ

стр. 570

جديدًا مِن يومئذ مَن كان منهم طلَّق أو لم يطلِّق (١). ورواه الترمذي (٢) متصلًا عن عائشة, ثم قال: والمرسل أصح. وفيه حديث عائشة في قصة امرأة رفاعة, وقول النبي ﷺ : «لا, حتى تذوقي عُسَيلتَه ويذوقَ عُسَيلتك». وهو في «الصحيحين» (٣) , وهو صريح في تحريمها عليه بعد الطلقة الثالثة. ٤ - بابٌ في سُنّة طلاق العبد ١٧٠/ ٢١٠١ - أن أبا الحسن مولى بني نوفل أخبره أنه استفتى ابنَ عباس في مملوك كانت تحته مملوكة فطلقها تطليقتين، ثم عَتَقا بعد ذلك، هل يصح له أن يخطبها؟ قال: نعم، قضى بذلك رسول الله ﷺ . ١٧١/ ٢١٠١ - وفي رواية: قال ابن عباس: «بقيَتْ لك واحدة، قضى به رسول الله ﷺ ». وأخرجه النسائي وابن ماجه (٤). قال الخطّابي: لم يذهب إلى هذا أحدٌ من العلماء فيما أعلم، وفي إسناده مقال. وقد ذكر أبو داود عن أحمد بن حنبل عن عبد الرزاق: أن ابن المبارك قال

стр. 571

لمعمر: مَنْ أبو الحسن هذا؟ قال: لقد تحمَّل صَخْرَةً عظيمة! قال الشيخ: يريد بذلك إنكار ما جاء به الحديث. هذا آخر كلامه. وأبو الحسن هذا قد ذُكِر بخير وصلاح، وقد وثَّقه أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان، غير أن الراوي عنه عمر بن مُعَتِّب، وقد قال علي بن المديني: عمر بن مُعتِّب منكر الحديث، وسئل أيضًا عنه؟ فقال: مجهول، لم يرو عنه غير يحيى ــ يعني ابن أبي كثير ــ وقال أبو عبد الرحمن النسائي: عُمر بن مُعَتِّب ليس بالقوي. وقال الأمير أبو نصر بن ماكولا: منكر الحديث، هذا آخر كلامه. قال ابن القيم ﵀: وليس في المسألة إجماع, فإنَّ إحدى الروايتين عن الإمام أحمد القولُ بهذا الحديث, قال: ولا أرى شيئًا يدفعُه، وغيرُ واحدٍ يقول به: أبو سلمة وجابر وسعيد بن المسيب, هذا كلامه (١). وقال مرة: حديث عثمان وزيد في تحريمها عليه جيِّد, وحديث ابن عباس يرويه عُمر (٢) بن مُعَتِّب, ولا أعرفه, ثم ذكر كلام ابن المبارك. قال أحمد: أما أبو حسن فهو عندي معروف, ولكن لا أعرف عمر بن مُعَتِّب (٣). وقال الإمام أحمد في رواية ابن منصور (٤) , في عبدٍ تحتَه مملوكة, وطلقها تطليقتين، ثم عَتَقا: يتزوجها وتكون على واحدة, على حديث عمر بن مُعَتِّب. وقال في رواية أبي طالب في هذه المسألة: يتزوجها, ولا

стр. 572

يبالي عَتَقا أو بعد العِدة. وهو قول ابن عباس وجابر بن عبد الله وأبي سلمة وقَتادة. قال أبو بكر عبد العزيز: إن صحَّ الحديثُ فالعَمَل عليه, وإن لم يصح فالعمل على حديث عثمان وزيد. وحديث عثمان وزيد الذي أشار إليه: هو ما رواه الأثرم في «سننه» عن سليمان بن يسار: أن نُفَيعًا مُكاتَب أم سلمة طلَّق امرأتَه حرّةً تطليقتين, فسأل عثمان وزيد بن ثابت عن ذلك؟ فقالا: حَرُمت عليك (١). ١٧٢/ ٢١٠٢ - وعن عائشة، عن النبي ﷺ قال: «طلاقُ الأمَةِ تطليقتان، وقُرْؤُها حَيْضَتان». وفي رواية: «وعِدَّتُها حيضتان». وأخرجه الترمذي وابن ماجه (٢). وقال أبو داود: هو حديث مجهول. وقال الترمذي: «حديث غريب، لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث مُظاهر بن أسلم، ومظاهر لا يعرف له في العلم غير هذا الحديث». هذا آخر كلامه. وقد ذكر له أبو أحمد بن عدي حديثًا آخر، رواه عن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة: «أن رسول الله ﷺ كان يقرأ عشر آيات من آخر آل عمران كل ليلة». قلت: ومظاهر هذا، مخزومي مكي، ضعَّفه أبو عاصم النَّبيل، وقال يحيى بن معين: ليس بشيء مع أنه لا يُعرف. وقال أبو حاتم الرازي: منكر الحديث.

стр. 573

وقال الخطابي: والحديث حجة لأهل العراق إن ثبت، ولكن أهل الحديث ضعَّفوه، ومنهم من تأوله على أن يكون الزوج عبدًا. وقال البيهقي: ولو كان ثابتًا قلنا به، إلا أنَّا لا نثبت حديثًا يرويه من نجهلُ عدالتَه. هذا آخر كلامه. قال ابن القيم ﵀: وللحديث بعدُ عِلّةٌ عجيبة, ذكرها البخاريُّ في «تاريخه الكبير» (١) قال: مُظاهِر بن أسلم، عن القاسم، عن عائشة رَفَعَه: «طلاقُ الأمة تطليقتان وعِدّتها حيضتان» قال أبو عاصم: حدثنا ابن جريج، عن مُظاهر, ثم لقيتُ مظاهرًا فحدثنا به، وكان أبو عاصم يُضعِّفُ مُظاهرًا. وقال يحيى بن سليمان: حدثنا ابن وهب، قال: حدثني أسامة بن زيد بن أسلم، عن أبيه: أنه كان جالسًا عند أبيه, فأتاه رسولُ الأمير, فقال: إن الأمير يقول لك: كم عِدّة الأَمَة؟ قال: عِدّة الأَمَة حيضتان, وطلاق الحُرّ الأَمَةَ ثلاث, وطلاق العبد الحُرَّةَ تطليقتان, وعِدّة الحُرّة ثلاث حِيَض»، ثم قال للرسول: أين تذهب؟ قال: أمرني أن أسأل القاسمَ بنَ محمد, وسالمَ بن عبد الله, قال: فأقسمُ عليك إلا رجعتَ إليَّ فأخبرتني ما يقولان, فذهب ورجع إلى أبي, فأخبره أنهما قالا كما قال, وقالا له: قل: إن هذا ليس في

стр. 574

كتاب الله, ولا في سنة رسول الله, ولكن عمل به المسلمون (١). وذكر الدارقطني (٢) حديثَ مُظاهر هذا, ثم قال: والصحيح عن القاسم خلاف هذا. وذَكَر عن القاسم أنه قيل له: بلغك في هذا عن النبي ﷺ ؟ قال: لا. وذَكَره الدارقطني (٣) أيضًا من حديث ابن عمر مرفوعًا, وقال: تفرَّد به عُمر بن شَبيب، والصحيح أنه من قول ابن عمر. ٥ - باب في الطلاق على غلط ١٧٣/ ٢١٠٧ - عن عائشة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا طلاقَ ولا عَتَاقَ في غِلاق». قال أبو داود: الغلاق أظنه في الغضب. وأخرجه ابن ماجه (٤). وفي إسناده محمد بن عُبيد بن أبي صالح المكي، وهو ضعيف. والمحفوظ فيه «إغلاق»، وفسروه بالإكراه، لأن المكره يُغلق عليه أمرُه وتصرّفه. وقيل: كأن يغلق عليه الباب ويحبس ويضيق عليه حتى يطلق. وقيل: الإغلاق ههنا: الغضب، كما ذكره أبو داود. وقيل: معناه: النهي عن إيقاع الطلاق الثلاث كلّه في دفعة واحدة حتى لا يبقى منه شيء، ولكن ليطلِّق للسنة كما أُمِر.

стр. 575

قال ابن القيم ﵀: قال شيخنا (١): والإغلاق انسدادُ باب العلم والقَصْدِ عليه. فيدخل فيه طلاق المعتوه والمجنون والسكران والمُكْرَه والغضبان الذي لا يَعْقِل ما يقول, لأن كلًّا من هؤلاء قد أُغْلِق عليه باب العلم والقَصْد, والطلاقُ إنما يقع مِن قاصدٍ له عالمٍ به. والله أعلم. ٦ - باب في الطلاق على الهَزْل ١٧٤/ ٢١٠٨ - عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «ثلاثٌ جِدُّهُنَّ جِدُّ وهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: النكاح، والطلاق، والرَّجْعة». وأخرجه الترمذي وابن ماجه (٢). وقال الترمذي: حديث حسن غريب. هذا آخر كلامه. وقال أبو بكر المعافري: روي «والعتق» ولم يصح شيء منه. فإن كان أراد ليس منه شيء على شرط الصحيح، فلا كلام. وإن أراد أنه ضعيف، ففيه نظر، فإنه حسن كما قال الترمذي. قال ابن القيم ﵀: وقد احتجَّ به من يرى طلاقَ المكره لازمًا، قال: لأنه أكثر ما فيه أنه لم يقصده, والقصد لا يعتبر في الصريح, بدليل وقوعه من الهازل واللاعب.

стр. 576

وهذا قياس فاسد، فإن المُكْرَه غيرُ قاصدٍ للقول, ولا لموجَبه, وإنما حُمِل عليه وأُكْرِه على التكلُّم به, ولم يُكرَه على القصد. وأما الهازل فإنه تكلّم باللفظ اختيارًا وقَصَد به غيرَ موجَبه, وهذا ليس إليه, بل إلى الشارع, فهو أراد اللفظ الذي إليه, وأراد أن لا يكون موجَبه, وليس إليه, فإنَّ مَن باشر سببَ الحكم باختياره لزمه مسبّبه ومقتضاه وإن لم يرده. وأما المكره فإنه لم يُرِد لا هذا ولا هذا, فقياسه على الهازل غير صحيح (١). ٧ - باب نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث (٢) ١٧٥/ ٢١١٠ - وعن ابن عباس قال: «طَلَّقَ عبدُ يزيد ــ أبو ركانة وإخْوَتِهِ ــ أمَّ ركانة، ونكح امرأةً من مُزَيْنَةَ، فجاءت النبيَّ ﷺ فقالت: ما يُغْنِي عَنِّي إلا كما تغني هذه الشعرة، لشعرةٍ أخذتها من رأسها، ففَرِّق بيني وبينه، فأخذت النبيَّ ﷺ حَميَّةٌ، فدعا برُكَانَةَ وإخوته، ثم قال لجلسائه: أَتَرَوْنَ فلانًا يشبه منه كذا وكذا، من عبد يزيد، وفلانًا منه كذا وكذا؟ قالوا: نعم، قال النبي ﷺ لعبد يزيد: طلِّقها، ففعل، ثم قال: راجع امرأتك أمَّ ركانة وإخوته، فقال: إني طلقتها ثلاثًا يا رسول الله، قال: قَدْ عَلِمْتُ، رَاجِعْها» وتلا: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٣) [الطلاق: ١].

стр. 577

قال أبو داود: وحديث نافع بن عُجير، وعبد الله بن علي بن يزيد بن ركانة عن أبيه عن جده: «أن ركانة طلق امرأتَه، فردّها إليه النبيُّ ﷺ » أصحُّ، لأنهم ولدُ الرجل، وأهله أعلم (١) به، أن ركانة إنما طلَّق امرأتَه البتةَ، فجعلها النبي ﷺ واحدة. وقال الخطابي (٢): في إسناد هذا الحديث مقال، لأن ابن جريج إنما رواه عن بعض بني أبي رافع، ولم يسمِّه، والمجهول لا تقومُ به الحجة. وحكى أيضًا أن الإمام أحمد بن حنبل كان يضعِّف طرقَ هذا الحديث كلها. قال ابن القيم ﵀: والحديث الذي رجَّحه أبو داود هو حديث نافع بن عُجَير: «أنّ رُكانة بن عبد يزيد طلَّق امرأتَه سُهَيمة البتة, فأخبر بذلك النبيَّ ﷺ وقال: والله ما أردتُ إلا واحدة, فقال النبي ﷺ : «والله ما أردْتَ إلا واحدة؟»، فقال ركانة: والله ما أردْتُ إلا واحدة, فردَّها إليه رسول الله ﷺ , فطلَّقها الثانية في زمن عمر, والثالثة في زمن عثمان». قال [ق ١٠١] أبو داود: وهذا أصحُّ مِن حديث ابن جُرَيج، يعني الحديث الذي قبل هذا. تم كلامه. وهذا هو الحديث الذي ضعَّفه الإمامُ أحمد والناسُ، فإنه من رواية عبد الله بن علي بن السائب، عن نافع بن عُجير، عن رُكانة, ومن رواية الزبير بن سعيد، عن عبد الله بن علي بن يزيد بن ركانة، عن أبيه، عن جده, وكلُّهم ضعيف, والزبير أضعفهم. وضعَّف البخاريُّ (٣) أيضًا هذا الحديثَ, قال: عليُّ بن يزيد بن ركانة، عن أبيه، لم يصح حديثه.

стр. 578

وأما قول أبي داود: إنه أصحّ من حديث ابن جُرَيج, فلأنّ ابنَ جُريج رواه عن بعض بني رافع مولى النبي ﷺ ، عن عكرمة، عن ابن عباس, ولأبي رافع بنون ليس فيهم من يحتجُّ به إلا عبيد الله بن رافع, ولا نعلم هل هو هذا أو غيره؟ فلهذا ــ والله أعلم ــ رجَّح أبو داود حديثَ نافع بن عُجَير عليه. ولكن قد رواه الإمام أحمد في «مسنده» (١) من حديث ابن إسحاق، حدثني داود بن الحُصَين، عن عكرمة، عن ابن عباس. وهذا أصح من حديث نافع بن عُجَير, ومن حديث ابن جُريج. وقد صحح الإمام أحمد هذا السند في قصة ردِّ زينب ابنة رسول الله ﷺ على أبي العاص بن الربيع (٢) , وقال: الصحيح حديث ابن عباس: «أن رسول الله ﷺ ردَّها على أبي العاص بالنكاح الأول». وهو بهذا الإسناد بعينه من رواية ابن إسحاق، عن داود بن الحُصَين، عن عكرمة، عن ابن عباس. وهكذا ذكر الترمذيُّ والدارقطني (٣) أن رواية ابن (٤) إسحاق هي الصواب. وحكموا له على رواية حجاج بن أرطاة، عن عَمرو بن شُعيب،

стр. 579

عن أبيه، عن جده: «أن النبي ﷺ ردَّها عليه بنكاح جديد». وحجاجُ بن أرطاة أعرف من نافع بن عُجَير ومَن معه. وبالجملة فأبو داود لم يتعرَّض لحديث محمد بن إسحاق ولا ذَكَره. والله أعلم. ١٧٦/ ٢١١٤ - وعن طاوس: «أن أبا الصهباء قال لابن عباس: أتعلم إنما كانت الثلاث تُجعل واحدة على عهد النبي ﷺ وأبي بكر، وثلاثًا من إمارة عمر؟ قال ابن عباس: نعم». وأخرجه مسلم والنسائي (١). قال ابن القيم ﵀: قال البيهقي (٢): هذا الحديث أحد ما اختلف فيه البخاري ومسلم, فأخرجه مسلم وتركه البخاري, وأظنه إنما تركه لمخالفته سائر الروايات عن ابن عباس ــ وساق الروايات عنه ــ ثم قال: فهذه رواية سعيد بن جُبَير وعطاء بن أبي رَباح ومجاهد وعكرمة وعَمرو بن دينار ومالك بن الحارث ومحمد بن إياس بن البكير, ورُوِّيناه عن معاوية بن أبي عياش الأنصاري, كلهم عن ابن عباس: أنه أجاز الثلاثَ وأمضاهنّ. قال ابنُ المنذر: فغيرُ جائزٍ أن نظنّ بابن عباس أنه يحفظ عن النبي ﷺ شيئًا, ثم يفتي بخلافه. وقال الشافعي (٣): فإن كان معنى (٤) قول ابن عباس: «إن الثلاث كانت

стр. 580

تُحْتَسب على عهد رسول الله ﷺ واحدة» يعني أنه بأمر رسول الله ﷺ ، فالذي يشبه ــ والله أعلم ــ أن يكون ابن عباس قد علم أن كان شيء فنُسِخ. قال البيهقي (١): ورواية عكرمة، عن ابن عباس فيها تأكيد لصحَّة هذا التأويل. يريد البيهقيُّ الحديثَ الذي ذكره أبو داود في باب نسخ المراجعة وقد تقدم. وقال أبو العباس بن سُرَيج (٢): يمكن أن يكون ذلك إنما جاء في نوعٍ خاصّ من الطلاق الثلاث, وهو أن يفرّق بين اللفظ كأنْ يقول: أنتِ طالق, أنت طالق, أنت طالق. وكان في عهد النبيِّ ﷺ ,وعهد أبي بكر والناسُ على صِدْقهم وسلامتهم, لم يكن ظهر فيهم الخِبّ والخداع, فكانوا يُصَدَّقون أنهم أرادوا به التوكيد, ولا يريدون الثلاث. ولما رأى عمر ﵁ في زمانه أمورًا ظهرت وأحوالًا تغيَّرت، منع مِن حَمْل اللفظ على التكرار, فألزمَهم الثلاثَ. وقال بعضهم: إن ذلك إنما جاء في غير المدخول بها. وذهب إلى هذا جماعة من أصحاب ابن عباس, ورأوا أن الثلاث لا تقع على غير المدخول بها, لأنها بالواحدة تَبِيْن, فإذا قال: أنتِ طالق بانت, وقوله: «ثلاثًا» وقع بعد البينونة فلا يعتدّ به، وهذا مذهب إسحاق بن راهويه (٣).

стр. 581

وقال بعضهم: قد ثبتَ عن فاطمة بنت قيس أن أبا حفص بن المغيرة طلقها ثلاثًا، فأبانها النبيُّ ﷺ ولم يجعل لها نفقةً ولا سُكْنى (١). وفي حديث ابن عمر: أنه قال: يا رسول الله, أرأيتَ لو طلقتها ثلاثًا؟ قال: «إذن عصيتَ ربَّك وبانت منك امرأتُك». رواه الدارقطني (٢). وعن عليٍّ قال: سمع النبيُّ ﷺ رجلًا طلَّق امرأتَه البتة، فغضب وقال: «يتخذون آيات الله هزوًا؟ مَن طلَّق البتة ألزمناه ثلاثًا لا تحلّ له حتى تنكح زوجًا غيره». رواه الدارقطني (٣) أيضًا. قالوا: وهذه الأحاديث أكثر وأشهر من حديث أبي الصهباء, وقد عمل بها الأئمة, فالأَخْذ بها أولى. وقال بعضهم: المراد أنه كان المعتاد في زمن النبي ﷺ تطليقة واحدة, وقد اعتاد الناسُ الآن التطليق الثلاث, والمعنى: كان الطلاق المُوقَع الآن ثلاثًا يوقَع في عهد النبيِّ ﷺ وأبي بكر واحدة. وقال بعضهم: ليس في هذا الحديث أن ذلك كان يبلغ النبيَّ ﷺ ,فيُقِرُّ عليه, والحجة إنما هي في إقراره بعد بلوغه. ولمَّا بلغه طلاقُ رُكَانة امرأتَه البتة استحلفه: ما أردْتَ بها إلا واحدةً؟ (٤) ولو كانت الثلاثُ واحدةً [ق ١٠٢] لم يكن لاستحلافه معنى، فإنها واحدة, سواء أراد بها الثلاث أو الواحدة.

стр. 582

وقال بعضهم: الإجماع منعقدٌ على خلاف هذا الحديث, والإجماعُ معصومٌ من الغلط والخطأ, دون خبر الواحد. وقال بعضهم: إنما هذا في طلاق البتة. فإنها كانت على عهد رسول الله ﷺ يراد بها الواحدة, كما أراد بها رُكَانة, ثم تتايع (١) الناسُ فيها، فأرادوا بها الثلاث، فألزمهم عُمر إيّاها. فهذه عشرة مسالك للناس في ردِّ هذا الحديث (٢). وقال أبو بكر بن عربي (٣) المُعَافري في كتابه «الناسخ والمنسوخ» (٤): «(غائلة) قال تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة:٢٢٩]: زلَّ قومٌ في آخر الزمان فقالوا: إن الطلاق الثلاث في كلمة لا يلزم، وجعلوه واحدة, ونسبوه إلى السلف الأول, فحكوه عن عليٍّ والزبير وعبدالرحمن بن عوف وابن مسعود وابن عباس, وعزوه إلى الحجَّاج بن أرطاة الضعيف المنزلة, المغموز (٥) المرتبة, ورووا في ذلك حديثًا ليس له أصل. وغوى قومٌ مِن أهل المسائل، فتتبعوا الأهواءَ المبتدعةَ فيه, وقالوا: إن
следующие страницы →