وأما قول أبي داود: إنه أصحّ من حديث ابن جُرَيج, فلأنّ ابنَ جُريج رواه عن بعض بني رافع مولى النبي ﷺ ، عن عكرمة، عن ابن عباس, ولأبي رافع بنون ليس فيهم من يحتجُّ به إلا عبيد الله بن رافع, ولا نعلم هل هو هذا أو غيره؟ فلهذا ــ والله أعلم ــ رجَّح أبو داود حديثَ نافع بن عُجَير عليه.
ولكن قد رواه الإمام أحمد في «مسنده» (١) من حديث ابن إسحاق، حدثني داود بن الحُصَين، عن عكرمة، عن ابن عباس. وهذا أصح من حديث نافع بن عُجَير, ومن حديث ابن جُريج. وقد صحح الإمام أحمد هذا السند في قصة ردِّ زينب ابنة رسول الله ﷺ على أبي العاص بن الربيع (٢) , وقال: الصحيح حديث ابن عباس: «أن رسول الله ﷺ ردَّها على أبي العاص بالنكاح الأول».
وهو بهذا الإسناد بعينه من رواية ابن إسحاق، عن داود بن الحُصَين، عن عكرمة، عن ابن عباس.
وهكذا ذكر الترمذيُّ والدارقطني (٣) أن رواية ابن (٤) إسحاق هي الصواب. وحكموا له على رواية حجاج بن أرطاة، عن عَمرو بن شُعيب،
стр. 579
عن أبيه، عن جده: «أن النبي ﷺ ردَّها عليه بنكاح جديد». وحجاجُ بن أرطاة أعرف من نافع بن عُجَير ومَن معه. وبالجملة فأبو داود لم يتعرَّض لحديث محمد بن إسحاق ولا ذَكَره. والله أعلم.
١٧٦/ ٢١١٤ - وعن طاوس: «أن أبا الصهباء قال لابن عباس: أتعلم إنما كانت الثلاث تُجعل واحدة على عهد النبي ﷺ وأبي بكر، وثلاثًا من إمارة عمر؟ قال ابن عباس: نعم».
وأخرجه مسلم والنسائي (١).
قال ابن القيم ﵀: قال البيهقي (٢): هذا الحديث أحد ما اختلف فيه البخاري ومسلم, فأخرجه مسلم وتركه البخاري, وأظنه إنما تركه لمخالفته سائر الروايات عن ابن عباس ــ وساق الروايات عنه ــ ثم قال: فهذه رواية سعيد بن جُبَير وعطاء بن أبي رَباح ومجاهد وعكرمة وعَمرو بن دينار ومالك بن الحارث ومحمد بن إياس بن البكير, ورُوِّيناه عن معاوية بن أبي عياش الأنصاري, كلهم عن ابن عباس: أنه أجاز الثلاثَ وأمضاهنّ.
قال ابنُ المنذر: فغيرُ جائزٍ أن نظنّ بابن عباس أنه يحفظ عن النبي ﷺ شيئًا, ثم يفتي بخلافه.
وقال الشافعي (٣): فإن كان معنى (٤) قول ابن عباس: «إن الثلاث كانت
стр. 580
تُحْتَسب على عهد رسول الله ﷺ واحدة» يعني أنه بأمر رسول الله ﷺ ، فالذي يشبه ــ والله أعلم ــ أن يكون ابن عباس قد علم أن كان شيء فنُسِخ.
قال البيهقي (١): ورواية عكرمة، عن ابن عباس فيها تأكيد لصحَّة هذا التأويل. يريد البيهقيُّ الحديثَ الذي ذكره أبو داود في باب نسخ المراجعة وقد تقدم.
وقال أبو العباس بن سُرَيج (٢): يمكن أن يكون ذلك إنما جاء في نوعٍ خاصّ من الطلاق الثلاث, وهو أن يفرّق بين اللفظ كأنْ يقول: أنتِ طالق, أنت طالق, أنت طالق. وكان في عهد النبيِّ ﷺ ,وعهد أبي بكر والناسُ على صِدْقهم وسلامتهم, لم يكن ظهر فيهم الخِبّ والخداع, فكانوا يُصَدَّقون أنهم أرادوا به التوكيد, ولا يريدون الثلاث. ولما رأى عمر ﵁ في زمانه أمورًا ظهرت وأحوالًا تغيَّرت، منع مِن حَمْل اللفظ على التكرار, فألزمَهم الثلاثَ.
وقال بعضهم: إن ذلك إنما جاء في غير المدخول بها. وذهب إلى هذا جماعة من أصحاب ابن عباس, ورأوا أن الثلاث لا تقع على غير المدخول بها, لأنها بالواحدة تَبِيْن, فإذا قال: أنتِ طالق بانت, وقوله: «ثلاثًا» وقع بعد البينونة فلا يعتدّ به، وهذا مذهب إسحاق بن راهويه (٣).
стр. 581
وقال بعضهم: قد ثبتَ عن فاطمة بنت قيس أن أبا حفص بن المغيرة طلقها ثلاثًا، فأبانها النبيُّ ﷺ ولم يجعل لها نفقةً ولا سُكْنى (١). وفي حديث ابن عمر: أنه قال: يا رسول الله, أرأيتَ لو طلقتها ثلاثًا؟ قال: «إذن عصيتَ ربَّك وبانت منك امرأتُك». رواه الدارقطني (٢). وعن عليٍّ قال: سمع النبيُّ ﷺ رجلًا طلَّق امرأتَه البتة، فغضب وقال: «يتخذون آيات الله هزوًا؟ مَن طلَّق البتة ألزمناه ثلاثًا لا تحلّ له حتى تنكح زوجًا غيره». رواه الدارقطني (٣) أيضًا.
قالوا: وهذه الأحاديث أكثر وأشهر من حديث أبي الصهباء, وقد عمل بها الأئمة, فالأَخْذ بها أولى.
وقال بعضهم: المراد أنه كان المعتاد في زمن النبي ﷺ تطليقة واحدة, وقد اعتاد الناسُ الآن التطليق الثلاث, والمعنى: كان الطلاق المُوقَع الآن ثلاثًا يوقَع في عهد النبيِّ ﷺ وأبي بكر واحدة.
وقال بعضهم: ليس في هذا الحديث أن ذلك كان يبلغ النبيَّ ﷺ ,فيُقِرُّ عليه, والحجة إنما هي في إقراره بعد بلوغه. ولمَّا بلغه طلاقُ رُكَانة امرأتَه البتة استحلفه: ما أردْتَ بها إلا واحدةً؟ (٤) ولو كانت الثلاثُ واحدةً [ق ١٠٢] لم يكن لاستحلافه معنى، فإنها واحدة, سواء أراد بها الثلاث أو الواحدة.
стр. 582
وقال بعضهم: الإجماع منعقدٌ على خلاف هذا الحديث, والإجماعُ معصومٌ من الغلط والخطأ, دون خبر الواحد.
وقال بعضهم: إنما هذا في طلاق البتة. فإنها كانت على عهد رسول الله ﷺ يراد بها الواحدة, كما أراد بها رُكَانة, ثم تتايع (١) الناسُ فيها، فأرادوا بها الثلاث، فألزمهم عُمر إيّاها.
فهذه عشرة مسالك للناس في ردِّ هذا الحديث (٢).
وقال أبو بكر بن عربي (٣) المُعَافري في كتابه «الناسخ والمنسوخ» (٤): «(غائلة) قال تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة:٢٢٩]: زلَّ قومٌ في آخر الزمان فقالوا: إن الطلاق الثلاث في كلمة لا يلزم، وجعلوه واحدة, ونسبوه إلى السلف الأول, فحكوه عن عليٍّ والزبير وعبدالرحمن بن عوف وابن مسعود وابن عباس, وعزوه إلى الحجَّاج بن أرطاة الضعيف المنزلة, المغموز (٥) المرتبة, ورووا في ذلك حديثًا ليس له أصل.
وغوى قومٌ مِن أهل المسائل، فتتبعوا الأهواءَ المبتدعةَ فيه, وقالوا: إن
стр. 583
قوله: «أنت طالق ثلاثًا» كذب, لأنه لم يُطلّق ثلاثًا, كما لو قال: «طلقت ثلاثًا» , ولم يطلِّق إلا واحدة, وكما لو قال: «أحلف ثلاثًا» , كانت يمينًا واحدة.
(منبهة): لقد طوَّفتُ في الآفاق, ولقيتُ من علماء الإسلام وأرباب المذاهب كلَّ صفّاق (١)، فما سمعتُ لهذه المقالة بخبر, ولا حَسِسْتُ لها بأثر (٢) , إلا الشيعة الذين يرون نكاح المتعة جائزًا ولا يرون الطلاق واقعًا. ولذلك قال فيهم ابن سُكّرة الهاشمي (٣):
يا مَن يرى المتعةَ في دينه ... حلًّا (٤) , وإن كانَتْ بلا مهر
ولا يرى سبعين تطليقة ... تَبِينُ منه رَبَّةُ الخِدْر
من ها هنا طابت مواليدُكم ... فاغتنموها يا بني النظر (٥)
وقد اتفق علماء الإسلام, وأرباب الحلِّ والعقد في الأحكام, على أن الطلاق الثلاث في كلمة ــ وإن كان حرامًا في قول بعضهم, وبدعةً في قول الآخرين ــ لازمٌ, وأين هؤلاء البؤساء من عالم الدين, وعَلَم الإسلام
стр. 584
محمد بن إسماعيل البخاري, وقد قال في «صحيحه» (١): باب جواز الثلاث لقوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾، وذَكَر حديث اللعان: «فطلَّقها ثلاثًا قبل أن يأمره رسول الله ﷺ » (٢). ولم يغيِّر عليه النبيُّ ﷺ ، ولا يُقَرُّ على الباطل, ولأنه جَمَع ما فُسِح له في تفريقه فألزمته الشريعةُ حكمَه.
وما نسبوه إلى الصحابة كذبٌ بحت لا أصل له في كتاب, ولا رواية له عن أحد.
وقد أدخل مالكٌ في «موطئه» (٣) عن علي: «أن الحرام ثلاث لازمة في كلمة» فهذا في معناها، فكيف إذا صرَّح بها؟!
وأما حديث الحجاج بن أرطاة فغير مقبول في المِلّة, ولا عند أحدٍ من الأئمة.
فإن قيل: ففي «صحيح مسلم» (٤) عن ابن عباس ــ وذكر حديث أبي الصهباء هذا.
قلنا: هذا لا متعلَّق فيه من خمسة أوجه:
الأول: أنه حديث مختلَفٌ في صحته, فكيف يقدَّم على إجماع الأمة؟ ولم يُعرَف في هذه المسألة خلافٌ إلا عن قوم انحطُّوا عن رتبة التابعين, وقد
стр. 585
سبق العصران الكريمان والاتفاق (١) على لزوم الثلاث, فإن رووا ذلك عن أحدٍ منهم فلا تقبلوا منهم إلا ما يقبلون منكم, فِعْل (٢) العَدْل عن العَدْل, ولا تجد هذه المسألة منسوبةً إلى أحدٍ من السلف أبدًا.
الثاني: أن هذا الحديث لم يُرْو إلا عن ابن عباس, ولم يُرو عنه إلا من طريق طاوس. فكيف يُقبل ما لم يروه من الصحابة إلا واحد, وما لم يروه عن ذلك الصحابي إلا واحد؟ وكيف خفي هذا عن جميع الصحابة وسكتوا عنه إلا ابن عباس؟ وكيف خفي على جميع أصحاب ابن عباس إلا طاوس؟!
الثالث: يحتمل أن يُرَاد به قبل الدخول. وكذلك تأوَّله النسائيُّ, فقال (٣): باب طلاق الثلاث المتفرِّقة قبل الدخول بالزوجة. وذَكَر هذا الحديث بنصِّه (٤).
الرابع: أنه يعارضه حديث محمود بن لَبِيد, قال: أُخْبِر رسولُ الله ﷺ عن رجلٍ طلَّق امرأتَه ثلاث تطليقات جميعًا, فقام غضبان, ثم قال: «أيُلْعَب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟» حتى قام رجل فقال: يا رسول الله ألا أقتله؟ رواه النسائي (٥).
فلم يردّه النبيُّ ﷺ بل أمضاه, وكما في حديث عُوَيمر في اللعان حيث
стр. 586
أمضى طلاقَه الثلاث ولم يردّه (١).
الخامس: وهو قويٌّ في النظر والتأويل, أنه قال: «كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله ﷺ واحدة» , يحتمل أن يريد به: كان حكم الثلاث إذا وقعَتْ أن تُجْعَل واحدة، وأن يريد به: كانت عبارة الثلاث على عهده أن تُذْكَر واحدة، فلما تتايع الناسُ في الطلاق وذكروا الثلاثَ بدل الواحدةَ، أمضى ذلك عمر كما أمضاه رسولُ الله ﷺ على عويمر حين طلَّق ثلاثًا. فلا يبقى في المسألة إشكال. فهذا أقصى ما يُرَدُّ به هذا الحديث (٢).
٨ - باب في أمرك بِيَدِك
١٧٧/ ٢١١٨ - عن حماد بن زيد قال: «قلت لأيوب: هل تعلم أحدًا قال بقول الحسن في «أَمْرُكِ بِيَدِكِ»؟ قال: لا، إلا شيء حدثناه قَتادة، عن كثير مولى ابن سَمُرة عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ بنحوه، قال أيوب: فقدم علينا كثير، فسألته؟ فقال: ما حدثتُ بهذا قط، فذكرته لقتادة؟ فقال: بلى، ولكنه نَسي».
وأخرجه الترمذي والنسائي (٣). وقال الترمذي: لا نعرفه إلا من حديث سليمان بن حرب، وذكر [عن] البخاري أنه قال: إنما هو عن أبي هريرة موقوف، ولم يعرف حديث أبي هريرة مرفوعًا. وقال النسائي (٤): هذا حديث منكر.
стр. 587
قال ابن القيم ﵀: هكذا وقع في «السنن» (١) لأبي داود, ولم يفسَّر قول الحسن في حديثه. ورواه الترمذي (٢) [ق ١٠٣] مفسَّرًا عن حماد بن زيد قال: قلت لأيوب: هل علمتَ أحدًا قال: أمرك بيدك ثلاثًا (٣) إلا الحسن؟ قال: لا, ثم قال: اللهم غَفْرًا, إلا ما حدثني قَتادةُ، عن كثير مولى بني سمرة، عن أبي سَلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «ثلاث». ثم ذكر الترمذيُّ عن البخاري إنما هو موقوف.
قال أبو محمد بن حزم (٤): وكثير مولى بني سلمة مجهول، وعن الحسن في «أمرك بيدك» قال: «ثلاث» (٥).
٩ - باب في البتة
١٧٨/ ٢١٢١ - وعن عبد الله بن علي بن يزيد بن رُكانة، عن أبيه، عن جده: أنه طلَّقَ امرأتَه البتةَ، فأتى رسولَ الله ﷺ فقال: ما أردتُ إلا واحدة، قال: «آللهِ؟»، قال: آلله، قال: «هو على ما أردْتَ».
وأخرجه الترمذي وابن ماجه (٦). وقال الترمذي: لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وسألت محمدًا ــ يعني البخاري ــ عن هذا الحديث؟ فقال: فيه اضطراب. وذكر الترمذي أيضًا عن البخاري أنه مضطرب فيه: تارة قيل فيه: ثلاثًا، وتارة قيل فيه:
стр. 588
واحدة. وأصحه: أنه طلقها البتة، وأن الثلاث ذُكرت فيه على المعنى. وقال أبو داود: حديث نافع بن عجير حديث صحيح. وفيما قاله نظر، فقد تقدم عن الإمام أحمد أن طرقه ضعيفة، وضعَّفه أيضًا البخاري وقد وقع الاضطراب في إسناده ومتنه.
قال ابن القيم ﵀: وفي «تاريخ البخاري» (١): عليّ بن يزيد بن رُكانة القرشي عن أبيه, لم يصح حديثه. هذا لفظه. وقال عبد الحق (٢) في سنده: كُلُّهم ضعيف, والزبير أضعفهم. وذكر الترمذيُّ في «كتاب العلل» (٣) عن البخاري أنه مضطرب فيه؛ تارةً قيل فيه: «ثلاثًا» وتارة قيل فيه: «واحدة».
ثم ذكر الشيخُ (٤) كلامَ الحافظ المنذري (٥) واعتراضَه على أبي داود في تصحيحه.
ثم قال الشيخ: وفيما قاله المنذري نظر, فإن أبا داود (٦) لم يحكم بصحته, وإنما قال بعد روايته: «هذا أصحُّ من حديث ابن جريج أنه طلّق امرأتَه ثلاثًا, لأنهم أهل بيته وهم أعلم بقصتهم وحديثهم». وهذا لا يدل على أن الحديثَ عنده صحيح، فإن حديث ابنِ جُرَيج ضعيف، وهذا ضعيف
стр. 589
أيضًا, فهو أصح الضعيفين عنده, وكثيرًا ما يُطْلِق أهلُ الحديث هذه العبارة على أرجح الحديثين الضعيفين، وهو كثير في كلام المتقدمين.
ولو لم يكن اصطلاحًا لهم لم تدلّ اللغةُ على إطلاق الصحة عليه, فإنك تقول لأحد المريضين: «هذا أصح من هذا» , ولا يدل على أنه صحيح مطلقًا. والله أعلم.
١٠ - باب الرجل يقول لامرأته: يا أُختي
١٧٩/ ٢١٢٥ - وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ : «أن إبراهيم ﵇ لم يكذب قطُّ إلا ثلاث كذبات: ثنتان في ذاتِ الله تعالى: قوله ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٩٨]، وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣]، وبينما هو يسير في أرض جبَّار من الجبابرة، إذ نزل منزلًا، فأُتيَ الجبار، فقيل له: إنه نزل ههنا رجل معه امرأةٌ هي أحسنُ الناس، قال: فأرسل إليه، فسأله عنها؟ فقال: إنها أختي، فلما رجع إليها قال: إن هذا سألني عنكِ، فأنبأته أنكِ أختي، وإنه ليس اليومَ مسلمٌ غيري وغيرك، وإنكِ أختي في كتاب الله، فلا تُكذِّبيني عنده ــ وساق الحديث».
وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي (١).
قال ابن القيم ﵀: وفيه دليلٌ على أنّ مَن قال لامرأته: إنها أختي أو أمِّي على سبيل الكرامة والتوقير لا يكون مُظاهِرًا. وعلى هذا فإذا قال لعبده: «هو حرّ»، يعني أنه ليس بفاجر لم يُعْتَق، وهذا هو الصواب الذي لا ينبغي أن يُفْتَى بخلافه, فإن السيد إذا قيل له: «عبدك فاجر زان»، فقال: «ما هو إلا
стр. 590
حرٌّ» , قطَعَ سامعُه أنه إنما أراد العفّة لا العتق (١). وكذلك إذا قيل له: «جاريتك تبغي» , فقال: «إنما هي حُرّة».
وسَمَّى هذه كذبات (٢) لأنها تورية.
وقد أشكل على الناس تسميتها كذبًا, لكون المتكلِّم إنما أراد بلفظه المعنى الذي قصدَه, فكيف يكون كذبًا؟
والتحقيقُ في ذلك: أنها كذب بالنسبة إلى إفهام المخاطَب، لا بالنسبة إلى عناية المتكلم, فإن الكلامَ له نسبتان: نسبة إلى المتكلِّم ونسبة إلى المخاطَب, فلما أراد الموَرِّي أن يُفْهِم المخاطَبَ خلافَ ما قصدَه بلفظِه, أُطْلِق الكذبُ عليه بهذا الاعتبار, وإن كان المتكلِّم صادقًا باعتبار قصده ومراده.
١١ - باب في عِدّة المختلعة (٣)
١٨٠/ ٢١٣٧ - وعن ابن عباس: «أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت منه، فجعل النبي ﷺ عِدَّتها حَيْضَةً» (٤).
وذكر أنه رُوي مرسلًا. وأخرجه الترمذي مسندًا. وقال: هذا حديث حسن
стр. 591
غريب.
وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم: عدة المختلعة حيضة، قال إسحاق: وإن ذهب ذاهب إلى هذا فهو مذهب قويّ. وذكر غيره: أنه أدلُّ شيء على أن الخلع فسخ وليس بطلاق، وذلك أن الله سبحانه قال: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فلو كانت هذه مطلّقة لم يقتصر لها على حيضة واحدة.
قال ابن القيم ﵀: وروى النسائيُّ (١) حديثَ امرأة ثابت بن قيس موصولًا مطوَّلًا عن الرُّبَيّع بنت معوِّذ: «أن ثابت بن قيس بن شمَّاس ضربَ امرأتَه, فكسر يدَها, وهي جميلة بنت عبد الله بن أُبيّ, فأتى أخوها يشتكيه إلى رسول الله ﷺ ، فأرسلَ رسولُ الله ﷺ إلى ثابت, فقال له: «خذ الذي لها عليك, وخلِّ سبيلَها»، قال: نعم, فأمرها رسولُ الله ﷺ أن تتربَّصَ حيضةً واحدة, وتلحق بأهلها.
قال الترمذي في «جامعه» (٢): «الصحيح في حديث الرُّبَيّع: أنها أُمِرَت أن تعتدّ بحيضة. وهذا مرفوع, وقد صرَّح في الرواية الأخرى: أن الذي أمرها بذلك هو رسول الله ﷺ . ثم ذكر الترمذيُّ (٣) حديثَ ابن عباس: «أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت من زوجها على عهد النبي ﷺ ، فأمرها النبي ﷺ أن تعتدَّ بحيضة» وقال: هذا حديث حسن غريب.
стр. 592
والمعروف عن إسحاق (١): أن عدتها حيضة, وهي إحدى الروايتين عن الإمام أحمد, نقلها عنه [ابن] (٢) القاسم, وهو قول عثمان بن عفان، وعبد الله بن عباس. وعن ابن عمر روايتان: إحداهما: أن عدتها عدة المطلقة, ذكره مالك في «الموطأ» (٣) عن نافع عنه. والثانية: حيضة, نقلها ابن المنذر (٤) عنه، وهي رواية القعنبي عنه.
قال أبو داود (٥): حدثنا القعنبي، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر قال: «عدة المختلعة حيضة». واختار ابن المنذر أن عدتها حيضة.
وقد ذكر الله تعالى في آية الطلاق له ثلاثة أحكام:
أحدها: أن التربص فيه ثلاثة قروء. الثاني: أنه مرّتان. الثالث: أن الزوج أحقّ بردِّ امرأتِه في المرّتين.
فالخُلْع ليس بداخل في الحكم الثالث اتفاقًا, وقد دلت السنةُ أنه ليس
стр. 593
داخلًا في الحكم الأول, وذلك يدلُّ على عدم دخوله في حكم العدد, فيكون فسخًا. وهذا من أحسن ما يُحتجُّ به على ذلك.
١٢ - بابٌ في الظِّهار
١٨١/ ١١٢٦ - عن سليمان بن يسار، عن سَلَمة بن صَخْر البَياضي، قال: «كنتُ امرأً أصيبُ من النساء ما لا يصيب غيري، فلما دخل شهر رمضان خِفْتُ أن أصيب من امرأتي شيئًا يَتَّايَعُ بي حتى أصبح، فظاهَرْتُ منها حتى ينسلخَ شهر رمضان، فبينا هي تخدِمُني ذات ليلة، إذ تكشَّفَ لي منها شيء، فلم ألْبَثْ أن نَزَوْتُ عليها، فلما أصبحتُ خرجت إلى قومي، فأخبرتهم الخبر، وقلت: امشوا معي إلى رسول الله ﷺ ، قالوا: لا والله، فانطلقتُ إلى النبي ﷺ فأخبرته، فقال: أنتَ بذاكَ يا سلمة؟ قلت: أنا بذاك يا رسول الله، مرتين، وأنا صابر لأمر الله ، فاحكم فيَّ ما أراك الله، قال: «حَرِّرْ رقبةً»، قلت: والذي بعثك بالحقّ ما أملك رقبةً غيرها، وضربتُ صُفْحَةَ رقبتي، قال: «فصُمْ شَهرين مُتَتَابعين»، قال: وهل أصبتُ الذي أصبتُ إلا من الصيام؟ قال: «فأطْعِمْ وَسْقًا من تَمْرٍ بين ستين مسكينًا»، قلت: والذي بعثك بالحق لقد بتنا وَحْشَيْن ما لنا طعام، قال: «فَانْطَلِق إلى صاحب صدقةِ بني زُرَيق، فليدفعها إليك، فأطعم ستين مسكينًا وَسْقًا من تمر، وكُلْ أنتَ وعيالُك بقيَّتها». فرجعتُ إلى قومي، فقلت: وجدتُ عندكم الضيقَ وسُوء الرأي، ووجدتُ عند النبيِّ ﷺ السَّعَةَ وحُسنَ الرأي، وقد أمرني، أو أمر لي بصدقتكم».
وأخرجه الترمذي وابن ماجه (١). وقال الترمذي: وهذا حديث حسن. وقال
стр. 594
محمد ــ يعني البخاري ــ: سليمانُ بن يَسار لم يسمع عندي من سلمة بن صَخْر. وقال البخاري أيضًا: هو مرسل، سليمانُ بن يَسار لم يدرك سلمةَ بن صخر. هذا آخر كلامه. وفي إسناده محمد بن إسحاق، وقد تقدم الكلام عليه.
قال ابن القيم ﵀: [ق ١٠٤] قد ورد في هذه الكفارة «أنه أمره بإطعام وَسْق, والوَسْق ستون صاعًا»، وهو أكثر ما قيل فيه, وذهب إليه سفيانُ الثوريُّ وأصحابُ الرأي, مع قولهم: إن الصاع ثمانية أرطال بالعراقي.
وورد فيها: أنه أمر امرأة أوس بن الصامت أن تكفر عنه بالعَرَق الذي دفعه إليها, والعَرَق الذي أعانَتْه به (١).
واخْتُلِف في مقدار ذلك العَرَق: فقيل: ستون صاعًا, وهو وهم, وقيل: ثلاثون, هو الذي رجَّحه أبو داود, على حديث يحيى بن آدم, وقيل: خمسة عشر, فيكون العرقان ثلاثين صاعًا, لكلّ مسكين نصف صاع, وإلى هذا ذهبَ الإمام أحمد ومالك. وفي الرواية الأخرى: أن التمر الذي أمره أن يتصدق به كان زنبيلًا (٢) مِن خمسة عشر صاعًا, وإلى هذا ذهب الشافعيُّ وعطاء والأوزاعي، ورُوي عن أبي هريرة، فيكون لكلِّ مسكين مُدّ, وهو مقدار سُدُس (٣) ما يوجبه أهلُ الرأي, فإنهم يوجبون صاعًا, وهو ثمانية أرطال, فيوجبون زيادةً على ما يُوجبه هؤلاء ستّ مرات.
стр. 595
وأخذ الشافعيُّ ذلك من حديث المجامع في رمضان, فإن النبيَّ ﷺ أُتي بعَرَق فيه خمسة عشر صاعًا, فقال: «خذه وتصدَّق به» , وسيأتي إن شاء الله (١).
ثم اختلفوا في البُرِّ: هل هو على النصف من ذلك أم هو وغيره سواء؟ فقال الشافعيُّ: مُدّ من الجميع, وقال مالك: مُدّان من الجميع, وقال أحمد وأبو حنيفة: البرّ على النصف من غيره, على أصلهما, فعند أحمد مُدّ مِن بُرّ أو نصف صاع من غيره, وعند أبي حنيفة مُدّان مِن بُرّ, أو نصف صاع من غيره على اختلافهما في الصاع.
١٣ - باب في المملوكة تحت الحرّ أو العبد (٢)
١٨٢/ ٢١٤٠ - وعن ابن عباس: «أن زوج بَريرة كان عبدًا أسود، يسمى مُغيثًا، فَخَيَّرَها ــ يعني النبي ﷺ ــ وأمرها أن تَعْتَدَّ».
وأخرجه البخاري مختصرًا. وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه بمعناه (٣).
قال ابن القيم ﵀: هكذا الرواية فيه (٤): «وأمَرَها أن تعتدّ»، وزاد الدارقطني (٥): «عدّة الحُرّة». ولعله مدرج من تفسير بعض الرواة.
стр. 596
وقد روى ابن ماجه في «سننه» (١): أخبرنا عليّ بن محمد، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: «أُمِرَت بريرةُ أن تعتدّ بثلاث حِيَض». وهذا مع أنه إسناد «الصحيحين» , فلم يروه أحدٌ من أهل الكتب الستة إلا ابن ماجه, ويبعد أن تكون الثلاث حِيَض محفوظة فيه. فإن مذهب عائشة: أن الأقراءَ الأطهارُ (٢) , وقد أمرَ النبيُّ ﷺ المختلعةَ أن تستبرئ بحيضة كما تقدم, فهذه أولى, ولأن الأقراء الثلاثة إنما جُعِلَت في حقِّ المطلَّقة ليطول زمنُ الرجعة, فيتمكّن زوجُها مِن رَجْعتها متى شاء, ثم أُجْرِي الطلاقُ كلُّه مجرًى واحدًا. وطَرْد هذا: أن المَزْنيّ بها تُسْتبرأ بحيضة, وقد نصّ عليه أحمد (٣).
وبالجملة: فالأمر بالتربُّص ثلاثة قروء إنما هو للمطلَّقة. والمُعْتَقَةُ إذا فَسَخت فهي بالمختلعة والأمةِ المستبرأةِ أَشْبَه, إذ المقصود براءة رحمها, فالاستدلال على تعدُّد الأقراء في حقِّها بالآية غير صحيح, لأنها ليست مطلَّقة, ولو كانت مطلَّقةً لثبت لزوجها عليها الرجعة.
وأما الأحاديث في هذه اللفظة ففي صحتها نظر. وحديثُ الدارقطني المعروفُ أن الحسن رواه مرسلًا: «أن النبيَّ ﷺ أمر بريرة أن تعتدّ عِدّة الحُرّة» (٤)
стр. 597
ورواه البيهقي في «سننه» (١) من حديث عكرمة عن ابن عباس.
وفيه وجه رابع: وهو أنه جعل عدَّتها عدةَ المطلَّقة, رواه البيهقي (٢) من حديث أبي مَعْشَر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة. ورواه أبو يعلى الموصلي (٣)، عن محمد بن بكّار، عن أبي مَعْشَر.
فهذه أربعة أوجه: أحدها: أن تعتدّ. الثاني: عِدّة الحُرّة. الثالث: عِدّة المطلقة. الرابع: بثلاث حِيَض.
١٤ - باب في المملوكين يُعْتَقان معًا (٤)
١٨٣/ ٢١٤٥ - عن عائشة: أنها أرادت أن تعتق مملوكين لها، زوجٌ، قال: فسألتِ النبيَّ ﷺ عن ذلك؟ فأمرها أن تبدأ بالرجل قبل المرأة.
وأخرجه النسائي وابن ماجه (٥). وفي إسناده عبد الله بن عبد الرحمن بن مَوْهَب، وقد ضعّفه يحيى بن معين، وقال مرة: ثقة. وقال النسائي: ليس بذاك القوي.
قال ابن القيم ﵀: واستدلَّ به من يقول: إن التخيير إنما يكون للمعتَقَة تحت عبدٍ, ولو كان لها خيار إذا كانت تحت حرٍّ لم يكن لتقديم عتق الزوج عليها معنى ولا فائدة. وفيه نظر.
стр. 598
١٥ - بابٌ إلى متى تُرَدّ عليه امرأتُه إذا أسلم (١)
١٨٤/ ٢١٤٨ - عن ابن عباس قال: رَدَّ رسول الله ﷺ ابنَتَهُ زينبَ على أبي العاص بالنكاح الأول، لم يُحدِث شيئًا ــ قال محمد بن عمرو في حديثه: بعد ستّ سنين، وقال الحسن بن علي: بعد سنتين.
وأخرجه الترمذي وابن ماجه (٢). وفي حديث الترمذي: «بعد ست سنين». وفي حديث ابن ماجه: «بعد سنتين». وقال الترمذي: ليس بإسناده بأس، ولكن لا يُعرف وجه هذا الحديث، ولعله قد جاء هذا من قِبَل داود بن الحصين، مِن قِبَل حفظه. وحكي عن يزيد بن هارون أنه ذكر حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: «أن النبي ﷺ ردَّ ابنته على أبي العاص بن الربيع بمهر جديد ونكاح جديد»، وقال (٣): حديث ابن عباس أجود إسنادًا، والعمل على حديث عمرو بن شعيب. وقال الخطابي: وهذا إن صح فإنه يحتمل أن يكون عدتها قد تطاولت، لاعتراض سبب، حتى بلغت المدة المذكورة في الحديث، إما الطولى منها وإما القصرى، إلا أن حديث داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس نسخه، وقد ضعف أمره عليُّ بن المديني وغيره من علماء الحديث.
وقال بعضهم: معناه ردَّها عليه على النكاح الأول، أي على مثل النكاح الأول في الصداق والحباء. لم يحدث زيادة على ذلك من شرط ولا غيره. وقال البخاري: حديث ابن عباس أصح في هذا الباب من حديث عمرو بن شعيب. وقال الدارقطني في حديث عمرو بن شعيب هذا: لا يثبت، والصواب حديث ابن عباس.
стр. 599
وقال الخطابي (١): وإنما ضعَّفوا حديث عمرو بن شعيب من قبل الحجاج بن أرطاة، لأنه معروف بالتدليس، وحُكي عن محمد بن عقيل أن يحيى بن سعيد قال: لم يسمعه حجاجٌ من عَمرو.
قال ابن القيم ﵀: وقال الإمام أحمد (٢): حديث ابن عباس في هذا أصحّ, قيل له: أليس يروى «أنه ردَّها بنكاحٍ مستأنف (٣)»؟ قال: ليس لذلك أصل.
وقال ابن عبد البر (٤): قصة أبي العاص مع امرأته لا تخلو مِن أن تكون قبل نزول تحريم المسلمات على الكفار, فتكون منسوخةً بما جاء بعدها, أو تكون حاملًا واستمرّ حملُها حتى أسلم زوجها, أو مريضةً لم تحض ثلاث حيضات حتى أسلم, أو تكون رُدّت إليه بنكاح جديد ــ ثم ذكر حديث عمرو بن شعيب ــ تم كلامه.
وللناس في حديث ابن عباس عدة طرق:
أحدها: ردّه باستمرار العمل على خلافه, قال الترمذي (٥): سمعت
стр. 600
عَبْدَ بن حُميد يقول: سمعت يزيد بن هارون يقول: حديث ابن عباس أجود إسنادًا, والعملُ على حديث عَمرو بن شعيب.
وقال ابن عبد البر (١): لم يختلف العلماء أن بانقضاء العدة ينفسخ النكاح إلا شيء رُوي عن النخعي شَذَّ فيه عن جماعةِ العلماء, فلم يتبعه عليه أحد, زعم أنها تُرَدُّ إلى زوجها, وإن طالت المدة.
الثاني: معارضته بحديث عَمرو بن شعيب.
الثالث: تضعيف داود بن الحصين عن عكرمة.
الرابع: حمله على رَدِّها بنكاح مثل الأول, لم يحدث فيه شيئًا.
الخامس: حمله على تطاول زمن العِدّة.
السادس: القول بموجَبه, ويُروى عن علي بن أبي طالب، وإبراهيم النخعي وغيرهما (٢).
السابع: [ق ١٠٥] أن تحريم نكاح الكفار إنما كان في سورة الممتحنة: وهي قد نزلت بعد الحديبية, ولم يكن نكاحُ الكافرِ المسلمةَ قبل ذلك حرامًا, ولهذا في قصة الممتحنة لما نزلت: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة:١٠] عَمَد عمر إلى امرأتين له فطلقهما. ذكره البخاري (٣). فدلّ على
стр. 601
أن التحريم كان من يومئذ.
وإذا ثبت هذا فأبو العاص بن الربيع إنما أسلم في زمن الهدنة بعد ما أخذت سرية زيد بن حارثة ما معه, فأتى المدينةَ فأجارته زينب, فأنفذ رسولُ الله ﷺ جوارها, ودخل عليها فقال: «أي بنيَّة, أكرمي مثواه, ولا يخلُصُ إليك, فإنك لا تحلين له» (١). وكان هذا بعد نزول آية التحريم في الممتحنة.
ثم إن أبا العاص رجع إلى مكة, فأدَّى ما كان عنده من بضائع أهل مكة, ثم أسلم, وخرج إلى المدينة، فلم يطل الزمان بين إسلامه ونزول آية التحريم، فردَّها عليه بالنكاح الأول.
الثامن: أن حديث ابن عباس في قصته منسوخ, وسلك ذلك الطحاوي (٢) , وادَّعى أن النبيَّ ﷺ [ردَّها إليه] (٣) بعد رجوعه من بدر حين أسِر, وروى في ذلك عن الزهري: «أنه أُخِذ أسيرًا يوم بدر، فأُتيَ به النبي ﷺ ، فردَّ عليه ابنته» , ثم إن الله سبحانه حرم نكاح الكفار في قصة الممتحنة.
التاسع: ما حكاه (٤) عن بعض أصحابهم في الجمع بين الحديثين، بأن عبد الله بن عَمرو علمَ تحريم نكاح الكافر, فلم يكن ذلك عنده إلا بنكاح جديد، فقال: «ردَّها عليه بنكاح جديد» , ولم يعلم ابنُ عباس بالتحريم, فقال: «ردَّها بالنكاح الأول» , لأنه لم يكن عنده بينهما فسخ نكاح.
стр. 602
فهذه مجامع طرق الناس في هذا الحديث، أفْسَدُها هذان الأخيران, فإنهما غلط محض, و النبي ﷺ لم يردَّها على أبي العاص يومَ بدرٍ قطّ، وإنما الحديث في قصة بدر أن النبيَّ ﷺ أطلقَه وشَرَط عليه أن يردّ عليه ابنته, لأنها كانت بمكة, فلما أُسِر أبو العاص أطلقه بشرط أن يرسلها إلى أبيها, ففعل, ثم أسلم بعد ذلك بزمان في الهدنة. هذا هو المعروف الذي لا يشكُّ فيه من له علم بالمغازي والسير, وما ذكره (١) عن الزهريِّ وقَتادة فمنقطع لا يثبت.
وأما المسلك التاسع, فمعاذ الله أن يُظَنّ بالصحابة أنهم يروون أخبارًا عن الشيء الواقع والأمر بخلافه, لظنهم واعتقادهم, وهذا لا يدخله إلا الصدق والكذب, فإنه إخبار عن أمر واقع مشاهَد, هذا يقول: «ردَّها بنكاحٍ جديد» , فهل يسوغ أن يخبر بذلك بناءً على اعتقاده من غير أن يشهدَ القصةَ أو تُروى له؟ وكذا مَن قال: «ردَّها بالنكاح الأول»؟
وكيف يُظنّ بعبد الله بن عَمرو أنه يروي عن النبي ﷺ عقدَ نكاحٍ لم يثبته ولم يشهده ولا حُكِي له؟! وكيف يُظنّ بابن عباس أن يقول: «ردّها بالنكاح الأول، ولم يُحْدِث شيئًا» , وهو لا يحيط علمًا بذلك؟! ثم كيف يشتبه على مثله نزول آية الممتحنة, وما تضمَّنته من التحريم قبل ردّ زينب على أبي العاص, ولو قُدِّر اشتباهه عليه في زمن النبيّ ﷺ لحداثة سنه, أفترى دام هذا الاشتباه عليه واستمرّ حتى يرويه كبيرًا, وهو شيخ الإسلام؟!
ومثل هذه الطرق لا يسلكها الأئمة, ولا يرضَى بها الحُذَّاق.
وأما تضعيف حديث داود بن الحُصين عن عكرمة, فمما لا يُلْتَفَتُ إليه.
стр. 603
فإن هذه الترجمة صحيحة عند أئمة الحديث لا مطعَن فيها (١) , وقد صحَّح الإمامُ أحمد والبخاريُّ والناسُ حديثَ ابن عباس, وحكموا له على حديث عَمرو بن شعيب.
وأما حَمْلها على تطاول العِدّة فلا يخفى بعدُه.
وأما حمله على أنه ردَّها بنكاحٍ جديد مثل الأول, ففي غاية البعد, واللفظُ ينبو عنه.
وأما ردّه بكونه خلاف الإجماع ففاسد, إذ ليس في المسألة إجماع, والخلاف فيها أشهر, والحجةُ تفصِلُ بين الناس.
فليس القول في الحديث إلا أحد قولين: إما قول إبراهيم النخعي, وإما قول من يقول: إن التحريم لم يكن ثابتًا إلى حين نزول الممتحنة, فكانت الزوجية مستمرة قبل ذلك. فهذان المسلكان أجود ما سُلِك في الحديث. والله أعلم.
١٦ - باب فيمن أسلم وعنده نساء أكثر من أربع
١٨٥/ ٢١٤٩ - عن الحارث بن قيس الأسدي ﵁ قال: أسلمتُ وعندي ثمانُ نسوة، فذكرت ذلك للنبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : «اختَرْ منهُنَّ أربعًا».
وفي رواية (٢): «قيس بن الحارث»، وصوّبه بعضهم.
стр. 604
وأخرجه ابن ماجه (١). وفي إسناده محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وقد ضعَّفه غير واحد من الأئمة. وقال أبو القاسم البغوي (٢): ولا أعلم للحارث بن قيس حديثًا غير هذا. وقال أبو عمر النمري (٣): ليس له إلا حديث واحد، ولم يأت مِن وجه صحيح.
وقد أخرج الترمذي وابن ماجه (٤) من حديث عبد الله بن عمر: «أن غَيلان بن سلَمة الثقفي أسلم وله عشرُ نسوة في الجاهلية فأسلمن معه، فأمره النبي ﷺ أن يتخيَّر أربعًا منهن».
قال البخاري (٥): هذا حديث غير محفوظ. يعني أن الصحيح إرساله، وقد ذكر ذلك وبيَّنه.
وقال مسلم بن الحجاج (٦): أهل اليمن أعرف بحديث معمر (٧)، فإن حدّث به ثقة من غير أهل البصرة صار الحديث حديثًا، وإلا فالإرسال أولى. يعني أن أهل البصرة تفردوا بإسناده، وقد روي الحديث عن غير أهل البصرة موصولًا (٨).
стр. 605
وأخرجه الدارقطني (١) من حديث عبد الله بن عباس، وإسناده ضعيف.
قال ابن القيم ﵀: وقد اختصر كلامَ البخاري، ونحن نذكره لكمال الفائدة: قال البخاري: حديث غيلان بن سلمة ــ يعني من حديث عبد الله بن عمر ــ غير محفوظ، والصحيح ما رواه شعيب وغيره، عن الزهري: حُدِّثتُ (٢) عن محمد بن سويد الثقفي: أن غيلان أسلم.
قال البخاري: وإنما (٣) حديث الزهري عن سالم عن أبيه: أن رجلًا من ثقيف طلق نساءه، فقال عمر ﵁: لتراجعَنّ نساءك، أو لأرجمنّ قبرك كما رُجم قبر أبي رِغال.
وقال ابن عبد البر (٤): الأحاديث في تحريم ما زاد على الأربعة كلها معلولة.
وقال ابن القطان (٥): هذا حديث يُختلف فيه على الزهري، فمالك ومعمر يقولان عنه: بلغَنا أن رسول الله ﷺ قال [ق ١٠٦] لرجل من ثقيف (٦).
ويونس في روايةٍ عنه يقول: عن الزهري عن عثمان بن محمد بن أبي
стр. 606
سويد أن رسول الله ﷺ قال لغيلان حين أسلم. ذكره ابن وهب عن يونس.
وروى الليث عن يونس عن ابن شهاب: بلغني عن عثمان بن أبي سويد أن رسول الله ﷺ ... الحديث (١).
وروى شعيب بن أبي حمزة وغير واحد عن الزهري: حُدِّثت عن محمد بن سويد الثقفي: أن غيلان أسلم. ذكره البخاري والناس.
وقال معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه: أن غيلان أسلم. ذكره الإمام أحمد بن حنبل (٢) وغيره. فهذه خمس وجوه. آخر كلامه.
وقد رواه الدارقطني (٣) من حديث سيف بن عبيد الله (٤) الجَرْمي، أخبرنا سَرَّار بن مُجَشِّر (٥)، عن أيوب، عن نافع وسالم، عن ابن عمر: أن غيلان بن سلمة أسلم وعنده عشر نسوة، فأمره النبي ﷺ أن يمسك منهن أربعًا، فلما كان زمن عمر طلقهن، فقال له عمر: راجِعْهن، وإلا ورثتهن مالَك، وأمرتُ بقبرك (٦).
стр. 607
ولكن سيف وسرّار ليسا بمعروفين بحمل الحديث وحفظه، وقال الدارقطني في كتاب «العلل» (١) ــ وقد ذكر هذا الحديث ــ: تَفرّد به سيف بن عبيد الله الجرمي عن سرّار، وسرّار ثقة من أهل البصرة.
ومعلوم أن تفرد سيف بهذا مانع من الحكم بصحته، بل لو تفرد به من هو أجل من سيف لكان تفرّده علة. والله أعلم.
١٨٦/ ٢١٥٠ - وعن الضحاك بن فيروز عن أبيه ﵄ قال: قلت: يا رسول الله، إني أسلمت وتحتي أختان؟ قال: «طَلِّق أيَّتهما شئت».
وأخرجه الترمذي وابن ماجه (٢)، وقال الترمذي: حديث حسن.
وفي لفظ الترمذي: «اختر أيتهما شئت»، ولفظ ابن ماجه: «طلِّق» كما ذكره أبو داود.
قال ابن القيم ﵀: هذا الحديث يرويه أبو وهب الجَيْشاني، عن الضحّاك بن فَيْروز، عن أبيه. قال البخاري (٣): في إسناد هذا الحديث نظر. ووجه قوله أن أبا وهب والضحاك مجهولٌ حالُهما، وفيه يحيى بن أيوب، ضعيف (٤).
وقوله: «طلق أيتهما شئت» دليل على أنه إذا طلق واحدة لم يكن اختيارًا
стр. 608
لها كما قال أصحابنا (١) وأصحاب الشافعي (٢)، قالوا: لأن الطلاق إنما يكون للزوجة لا للأجنبية، فإذا طلّقها كان دليلًا على استبقاء نكاحها. وهذا ضعيف جدًّا، فإن طلاقه لها إنما هو رغبة عنها وقطع لنكاحها، فكيف يكون اختيارًا؟! وهو لو قال: طلّقتُ هذه، وأمسكت أو اخترت هذه، جعلتم التي اختار إمساكها مفارقةً والتي اختار طلاقها مختارةً! وهذا معلوم أنه ضد مقصوده.
وأقصى ما في الباب أنه استعمل لفظ الطلاق في مفارقتها، والنبي ﷺ قال له: «فارق سائرهن»، والفراق أيضًا من صرائح الطلاق عندكم، فإذا قال: فارقت هذه، كان اختيارًا لها!
وهذا أحد الوجهين لهم. وإنما يكون مفارقًا لها إذا قال: فسخت نكاح هؤلاء، أو اخترت هؤلاء، ونحوه. وصاحب الشرع قد أمره بالفراق والطلاق، فإذا أتى باللفظ الذي أمره به كان ذلك فراقًا لا اختيارًا.
وأما قولهم: إن الطلاق لا يكون إلا في زوجة، قلنا: هذا ينتقض بالفسخ، وإنكم قد قلتم: لو فسخ نكاح إحداهن كان اختيارًا للباقية، ومعلوم أن الفسخ لا يكون إلا في زوجة، فما هو جوابكم في الفسخ هو الجواب في الطلاق.
وأيضًا، فالطلاق جُعِل عبارةً عن الفسخ، وإخراج المطلقة، واستبقاء الأخرى؛ فكأنه قال: أرسلت هذه وسَيَّبتها ونحوه، وأمسكت هذه.
стр. 609
وأيضًا، فإن النكاح لم تَزُل أحكامُه كلها بالإسلام، ولهذا قلتم: إن عدة المفارقات من حين الاختيار، لا من حين الإسلام على الصحيح، وعللتم ذلك [بأنهن] (١) إنما بِنَّ منه بالاختيار لا بالإسلام، فالطلاق أَثَّر في قطعِ أحكام النكاح وإزالتها.
وأيضًا، فإن العبرة بالقصد والنية، وهو لم يرد قط بقوله «طلقت هذه» اختيارها، بل هذا قلب للحقائق!!
وأيضًا، فإن لفظ الطلاق لم يوضع للاختيار لغةً ولا شرعًا ولا عرفًا، ولا هو اصطلاح خاص له يريده بكلامه، فحمله على الاختيار ممتنع.
١٧ - باب في ادّعاء ولد الزنا
١٨٧/ ٢١٧١ - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: «أن النبي ﷺ قَضَى أنَّ كل مُسْتَلْحَق استُلحِق بعد أبيه الذي يُدْعَى له ادَّعاه ورثته، فقضى أن كل من كان من أَمَةٍ يَملكها يومَ أصابها، فقد لَحِق بمن استلحقه، وليس له مما قُسم قبله من الميراث، وما أدرك من ميراث لم يُقسَم فله نصيبه، ولا يَلحَق إذا كان أبوه الذي يُدعَى له أنكره، وإن كان من أمَةٍ لم يملكها أو مِن حُرَّة عاهَر بها، فإنه لا يَلحق ولا يرث، وإن كان الذي يُدعَى له هو ادّعاه فهو ولد زِنْيةٍ، من حُرَّة كان أو أمة».
وفي رواية: «هو ولد زنا لأَهل أُمِّه مَن كانوا، حُرَّةً كانت أو أمَةً، وذلك فيما استُلحق في أول الإسلام، فما اقتُسم من مالٍ قبل الإسلام فقد مضى» (٢).
стр. 610
وقد تقدم الكلام على عمرو بن شعيب. وروى عن عمرٍو هذا الحديث محمد بن راشد المكحولي، وفيه مقال (١).
قال بعضهم (٢): هذه أحكام وقعت في أول زمان الشريعة، وكان حدوثها ما بين الجاهلية وبين قيام الإسلام، كان لأهل الجاهلية إماء وهن البغايا اللواتي ذكرهن الله في قوله: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ [النور: ٣٣]، إذ كانت السادة يلمُّون بهن، فإذا جاءت بولدٍ وكان سيِّدُها يطؤها وقد وطئها غيره بالزنا، فربما ادَّعاه الزاني وربّما ادّعاه السيد، فحكم ﷺ بالولد لسيِّدها، لأن الأمة فراش له، ونفاه عن الزاني ــ ثم ذكر الاستلحاق (٣).
قال ابن القيم ﵀: وليس كما قال، فإن هذا القضاء إنما وقع بالمدينة بعد قيام الإسلام ومصيرها دارَ هجرة. وقد جعله النبي ﷺ على صور:
الصورة الأولى: أن يكون الولد من أَمَته التي في ملكه وقت الإصابة، فإذا استلحقه لحق به من حين استلحقه، وما قسم من ميراث قبل استلحاقه لم يُنقَض ويورَثْ منه المستلحِق، وما كان بعد استلحاقه من ميراثٍ لم يُقسَم ورث منه نصيبه، فإنه إنما تثبت بُنُوَّته من حين استلحقه، فلا تنعطف على ما
стр. 611
تقدم من قسمة المواريث.
وإن أنكره لم يَلحق به، وسمّاه «أباه» على كونه يدعى له ويقال إنه منه، [لا] (١) لأنه أبوه في حكم الشرع، إذ لو كان أباه حكمًا لم يُقبَل إنكارُه ولَحِق به.
الصورة الثانية: أن يكون الولد من أَمَة لم تكن في ملكه وقت الإصابة، فهذا ولد زنًا لا يلحق به ولا يرثه، بل نسبه منقطع منه.
وكذلك إذا كان من حرة قد زنى بها، فالولد غير لاحق به ولا يرث منه. وإن كان هذا الزاني الذي يُدعى الولد له ــ يعني أنه منه ــ قد ادّعاه= لم تُفِد دعواه شيئًا، بل الولد ولد زنا، وهو لأهل أمه؛ إن كانت أمةً فمملوك لمالكها، وإن كانت حرة فنسبه إلى أمه وأهلها، دون هذا الزاني الذي هو منه.
وقوله في أول الحديث: [ق ١٠٧] «استُلحق بعد أبيه الذي يدعى له، ادَّعاه ورثته»، الأب هاهنا هو الزاني الذي منه الولد، وسمّاه أبًا تسميةً مُقيدةً بكون الولد منه، ولهذا قال: «الذي يدعى له»، يعني يقال: إنه منه، ويُدعى له في الجاهلية أنه أبوه. فإذا ادّعاه ورثة هذا الزاني فالحكم ما ذكر.
ونظير هذا القضاء: قصة سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة في ابن أَمَة زمعة، فإن ورثة عتبة ــ وهو سعد ــ ادَّعَى الولد أنه من أخيه، وادعى عبد أنه أخوه وُلِد على فراش أبيه، فألحقه النبي ﷺ بمالك الأَمَة، دون عتبة. وهو تفسير قوله: «وإن كان من أَمَة لم يملكها أو من حرّةٍ عاهر بها فإنه لا يَلحق
стр. 612
ولا يرث». وسيأتي بعد هذا إن شاء الله تعالى.
وقد يتمسك به من يقول: إن الأَمَة لا تكون فراشًا، وإنما يُلحق الولد للسيد بالدِّعْوة (١)، لا بالفراش، كقول أبي حنيفة، لقوله: «من كان من أَمَة يملكها يوم أصابها فقد لحق بمن استلحقه»؛ فإنما جعله لاحقًا به بالاستلحاق، لا بالإصابة.
ولكن قصة عبد بن زمعة أصح من هذا وأصرح في كون الأمة تصير فراشًا، كما تكون الحرة، يَلحق الولد بسيِّدها بحكم الفراش، كما يلحق بالحرة، كما سيأتي. وليس في حديث عمرو بن شعيب أنه لا يَلحق ولدُه من أمته إلا بالاستلحاق، وإنما فيه أنه عند تنازع سيّدها والزاني في ولدها يلحق بسيدها الذي استلحقه دون الزاني، وهذا مما لا نزاع فيه؛ فالحديثان متفقان. والله أعلم.
١٨ - باب من قال بالقرعة إذا تنازعوا في الولد
١٨٨/ ٢١٧٥ - عن عبد الله بن الخليل، عن زيد بن أرقم ﵁ قال: كنت جالسًا عند النبي ﷺ فجاء رجل من أهل اليمن، فقال: إن ثلاثةَ نَفَرٍ من أهل اليمن أتوا عليًّا يختصمون إليه في ولد، وقد وقعوا على امرأة في طهر واحد، فقال لاثنين: طِيْبا بالولد لهذا، فغَلَيا، فقال: أنتم شركاء مُتَشاكِسون، إني مُقرِعٌ بينكم، فمن قَرَع فله الولد وعليه لصاحبَيه ثُلُثا الدية، فأقرع بينهم فجعله لمن قرع؛ فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت أضراسه أو نواجذه.
وأخرجه النسائي (٢). وفي إسناده الأجلح، واسمه يحيى بن عبد الله الكندي،
стр. 613
ولا يحتجّ بحديثه (١).
١٨٩/ ٢١٧٦ - وعن عبد خيرٍ عن زيد بن أرقم قال: أُتِيَ علي ﵁ بثلاثة، وهو باليمن، وقعوا على امرأة في طُهر واحد، فسأل اثنين: أتُقِرَّان لهذا؟ قالا: لا، حتى سألهم جميعًا، فجعل كلما سأل اثنين قالا: لا، فأقرع بينهم، فألحق الولد بالذي صارت عليه القُرعة، وجعل عليه ثلثي الدية، قال: فذُكر ذلك للنبي ﷺ فضحك حتى بدت نواجذه.
وأخرجه النسائي وابن ماجه (٢). ورواه بعضهم مرسلًا. وقال النسائي: هذا صواب. وقال الخطابي (٣): وقد تكلم بعضهم في إسناد حديث زيد بن أرقم. هذا آخر كلامه. ويشبه أن يكون المراد بذلك الحديث المتقدم، فأما حديث عبد خير فرجال إسناده ثقات، غير أن الصواب فيه الإرسال. والله أعلم.
قال ابن القيم ﵀: وقال أبو محمد بن حزم (٤): هذا الحديث إسناده صحيح، كلهم ثقات.
قال: فإن قيل: إنه خبر قد اضطرب فيه، فأرسله شعبة، عن سلمة بن
стр. 614
كهيل، عن الشعبي، عن مجهول؛ ورواه أبو إسحاق الشيباني، عن رجل من حضرموت، عن زيد بن أرقم= قلنا: قد وصله سفيان، وليس هو بدون شعبة، عن صالح بن حي (وهو ثقة)، عن عبد خير (وهو ثقة)، عن زيد بن أرقم. آخر كلامه.
وهذا الحديث قد اشتمل على أمرين:
أحدهما: إلحاق الولد عند التنازع (١) بالقرعة، وهو مذهب إسحاق بن راهويه، قال: هو السنة في دعوى الولد (٢). وكان الشافعي يقول به في القديم (٣).
وذهب أحمد ومالك إلى تقديم حديث القافة عليه (٤). قيل لأحمد في حديث زيد هذا، فقال: حديث القافة أحب إلي (٥).
ولم يقل أبو حنيفة بواحد من الحديثين، لا بالقرعة ولا بالقافة (٦).
стр. 615
الأمر الثاني: جَعْلُه ثلثي الدية على من وقعت له القرعة، وهذا مما أشكل على الناس، ولم يُعرف به قائل (١). وسألت عنه شيخنا، فقال: له وجه، ولم يزد.
ولكن قد رواه الحميدي في «مسنده» (٢) بلفظ آخر يرفع (٣) الإشكال جملةً؛ قال: «وأُغرّمه ثلثي قيمة الجارية لصاحبيه». وهذا لأن الولد لمّا لحق به صارت أم ولد له، وله فيها ثلثها، فغرّمه قيمة ثلثيها اللذين أفسدهما على الشريكين بالاستيلاد. فلعل هذا هو المحفوظ، وذكرُ ثلثي دية الولد وهم، أو يكون عبّر عن قيمة الجارية بالدية، لأنها هي التي تُودَى بها، فلا يكون بينهما تناقض. والله أعلم.
١٩ - باب الولد للفراش
١٩٠/ ٢١٧٨ - عن عائشة ﵂ قالت: اختصم سعد بن أبي وقاص وعبد بن زَمْعَةَ إلى رسول الله ﷺ في ابن أمَةِ زمعة، فقال سعد: أوصاني أخي عُتبة إذا قدمتُ مكة أن أنظر إلى ابن أمةِ زمعةَ فأقبضَه، فإنه ابنه. وقال عبد بن زمعة: أخي، ابنُ أمة أبي، وُلدَ على فراش أبي، فرأى رسول الله ﷺ شَبَهًا بَيِّنًا بعُتبة، فقال: الوَلَدُ للفراش (٤)، واحتجبي منه يا سودة».
стр. 616
وفي رواية قال: «هُوَ أخوك يا عبدُ».
وأخرجه البخاري والنسائي ومسلم وابن ماجه (١)
قيل في خصومتهما (٢): إن أهل الجاهلية كان يكون لهم إماء يبغين، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور: ٣٣]، وكانت السادة تأتي الإماء في خلال ذلك. فإذا أتت إحداهن بولد فربما يدّعيه السيّد وربما يدّعيه الزاني. فإن مات السيد ولم يكن ادّعاه ولا أنكره، فادّعاه ورثته= لحق به، إلا أنه لا يشارك مستلحقه في ميراثه إلا أن يستلحقه قبل القِسمة، وإن كان السيد قد أنكره لم يلحق به بحال.
وكان لزمعةَ بنِ قيس (والدِ سودة زوجِ رسول الله ﷺ ) أمةٌ على ما وُصِف، مِن أنّ عليها ضريبةً وهو يلم بها، فظهر بها حملٌ كان يظن أنه من عتبةَ أخي سعد بن أبي وقاص، وهلك كافرًا، فعهِد إلى أخيه سعدٍ قبل موته فقال: استلحِق الحملَ الذي بأمة زمعة. فلما استلحقه سعد خاصمه عبدُ بن زمعة، فقال سعد: هو ابن أخي، يشير إلى ما كانوا عليه في الجاهلية، وقال عبد: بل هو أخي، ولِد على فراش أبي، يشير إلى ما استقرّ عليه الحكم في الإسلام، فقضى رسول الله ﷺ لعبد بن زمعة إبطالًا لحكم الجاهلية (٣).
стр. 617
قال ابن القيم ﵀: وقد أشكل هذا الحديث على كثير من الناس، مِن حيث إن النبي ﷺ أمر سودة بالاحتجاب منه، وقد ألحقه بزمعة فهو أخوها، ولهذا قال: «الولد للفراش»؛ قالوا: فكيف يكون أخاها في الحكم وتؤمر بالاحتجاب منه؟
فقال بعضهم: هذا على سبيل الورع لأجل الشبه الذي رآه بِعُتبة (١).
وقال بعضهم: إنما جعله عبدًا لزمعة. قال: والرواية: «هو لك عبد» (٢)، فإنما جعله عبدًا لعبد بن زمعة لكونه رأى شبَهَه بعتبة، فيكون منه غير لاحق بواحدٍ منهما، فيكون عبدًا لعبد بن زمعة، إذ هو ولد زنا من جارية زمعة.
وهذا تصحيف منه وغلط في الرواية والمعنى، فإن الرواية الصحيحة: «هو لك يا عبدُ بنَ زمعة»، ولو صحّت رواية «هو لك عبد» فإنما هي على إسقاط حرف النداء، كقوله تعالى: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ [يوسف: ٢٩]. ولا يتصور أن يجعله عبدًا له وقد أخبره أنه وُلد على فراش أبيه، ويحكم النبي ﷺ بأن الولد للفراش.
وهذه الزيادة التي ذكرها أبو داود وهي قوله: «هو أخوك يا عبد» ترفع الإشكال، ورجال إسنادها ثقات (٣). ولو لم تأتِ فالحديث إنما يدل على إلحاقه بعبد أخًا له.