← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 201

تهذيب سنن أبي داود - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 675 стр.). Показаны 613–652 · переход к 618.

стр. 613

ولا يحتجّ بحديثه (١). ١٨٩/ ٢١٧٦ - وعن عبد خيرٍ عن زيد بن أرقم قال: أُتِيَ علي ﵁ بثلاثة، وهو باليمن، وقعوا على امرأة في طُهر واحد، فسأل اثنين: أتُقِرَّان لهذا؟ قالا: لا، حتى سألهم جميعًا، فجعل كلما سأل اثنين قالا: لا، فأقرع بينهم، فألحق الولد بالذي صارت عليه القُرعة، وجعل عليه ثلثي الدية، قال: فذُكر ذلك للنبي ﷺ فضحك حتى بدت نواجذه. وأخرجه النسائي وابن ماجه (٢). ورواه بعضهم مرسلًا. وقال النسائي: هذا صواب. وقال الخطابي (٣): وقد تكلم بعضهم في إسناد حديث زيد بن أرقم. هذا آخر كلامه. ويشبه أن يكون المراد بذلك الحديث المتقدم، فأما حديث عبد خير فرجال إسناده ثقات، غير أن الصواب فيه الإرسال. والله أعلم. قال ابن القيم ﵀: وقال أبو محمد بن حزم (٤): هذا الحديث إسناده صحيح، كلهم ثقات. قال: فإن قيل: إنه خبر قد اضطرب فيه، فأرسله شعبة، عن سلمة بن

стр. 614

كهيل، عن الشعبي، عن مجهول؛ ورواه أبو إسحاق الشيباني، عن رجل من حضرموت، عن زيد بن أرقم= قلنا: قد وصله سفيان، وليس هو بدون شعبة، عن صالح بن حي (وهو ثقة)، عن عبد خير (وهو ثقة)، عن زيد بن أرقم. آخر كلامه. وهذا الحديث قد اشتمل على أمرين: أحدهما: إلحاق الولد عند التنازع (١) بالقرعة، وهو مذهب إسحاق بن راهويه، قال: هو السنة في دعوى الولد (٢). وكان الشافعي يقول به في القديم (٣). وذهب أحمد ومالك إلى تقديم حديث القافة عليه (٤). قيل لأحمد في حديث زيد هذا، فقال: حديث القافة أحب إلي (٥). ولم يقل أبو حنيفة بواحد من الحديثين، لا بالقرعة ولا بالقافة (٦).

стр. 615

الأمر الثاني: جَعْلُه ثلثي الدية على من وقعت له القرعة، وهذا مما أشكل على الناس، ولم يُعرف به قائل (١). وسألت عنه شيخنا، فقال: له وجه، ولم يزد. ولكن قد رواه الحميدي في «مسنده» (٢) بلفظ آخر يرفع (٣) الإشكال جملةً؛ قال: «وأُغرّمه ثلثي قيمة الجارية لصاحبيه». وهذا لأن الولد لمّا لحق به صارت أم ولد له، وله فيها ثلثها، فغرّمه قيمة ثلثيها اللذين أفسدهما على الشريكين بالاستيلاد. فلعل هذا هو المحفوظ، وذكرُ ثلثي دية الولد وهم، أو يكون عبّر عن قيمة الجارية بالدية، لأنها هي التي تُودَى بها، فلا يكون بينهما تناقض. والله أعلم. ١٩ - باب الولد للفراش ١٩٠/ ٢١٧٨ - عن عائشة ﵂ قالت: اختصم سعد بن أبي وقاص وعبد بن زَمْعَةَ إلى رسول الله ﷺ في ابن أمَةِ زمعة، فقال سعد: أوصاني أخي عُتبة إذا قدمتُ مكة أن أنظر إلى ابن أمةِ زمعةَ فأقبضَه، فإنه ابنه. وقال عبد بن زمعة: أخي، ابنُ أمة أبي، وُلدَ على فراش أبي، فرأى رسول الله ﷺ شَبَهًا بَيِّنًا بعُتبة، فقال: الوَلَدُ للفراش (٤)، واحتجبي منه يا سودة».

стр. 616

وفي رواية قال: «هُوَ أخوك يا عبدُ». وأخرجه البخاري والنسائي ومسلم وابن ماجه (١) قيل في خصومتهما (٢): إن أهل الجاهلية كان يكون لهم إماء يبغين، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور: ٣٣]، وكانت السادة تأتي الإماء في خلال ذلك. فإذا أتت إحداهن بولد فربما يدّعيه السيّد وربما يدّعيه الزاني. فإن مات السيد ولم يكن ادّعاه ولا أنكره، فادّعاه ورثته= لحق به، إلا أنه لا يشارك مستلحقه في ميراثه إلا أن يستلحقه قبل القِسمة، وإن كان السيد قد أنكره لم يلحق به بحال. وكان لزمعةَ بنِ قيس (والدِ سودة زوجِ رسول الله ﷺ ) أمةٌ على ما وُصِف، مِن أنّ عليها ضريبةً وهو يلم بها، فظهر بها حملٌ كان يظن أنه من عتبةَ أخي سعد بن أبي وقاص، وهلك كافرًا، فعهِد إلى أخيه سعدٍ قبل موته فقال: استلحِق الحملَ الذي بأمة زمعة. فلما استلحقه سعد خاصمه عبدُ بن زمعة، فقال سعد: هو ابن أخي، يشير إلى ما كانوا عليه في الجاهلية، وقال عبد: بل هو أخي، ولِد على فراش أبي، يشير إلى ما استقرّ عليه الحكم في الإسلام، فقضى رسول الله ﷺ لعبد بن زمعة إبطالًا لحكم الجاهلية (٣).

стр. 617

قال ابن القيم ﵀: وقد أشكل هذا الحديث على كثير من الناس، مِن حيث إن النبي ﷺ أمر سودة بالاحتجاب منه، وقد ألحقه بزمعة فهو أخوها، ولهذا قال: «الولد للفراش»؛ قالوا: فكيف يكون أخاها في الحكم وتؤمر بالاحتجاب منه؟ فقال بعضهم: هذا على سبيل الورع لأجل الشبه الذي رآه بِعُتبة (١). وقال بعضهم: إنما جعله عبدًا لزمعة. قال: والرواية: «هو لك عبد» (٢)، فإنما جعله عبدًا لعبد بن زمعة لكونه رأى شبَهَه بعتبة، فيكون منه غير لاحق بواحدٍ منهما، فيكون عبدًا لعبد بن زمعة، إذ هو ولد زنا من جارية زمعة. وهذا تصحيف منه وغلط في الرواية والمعنى، فإن الرواية الصحيحة: «هو لك يا عبدُ بنَ زمعة»، ولو صحّت رواية «هو لك عبد» فإنما هي على إسقاط حرف النداء، كقوله تعالى: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ [يوسف: ٢٩]. ولا يتصور أن يجعله عبدًا له وقد أخبره أنه وُلد على فراش أبيه، ويحكم النبي ﷺ بأن الولد للفراش. وهذه الزيادة التي ذكرها أبو داود وهي قوله: «هو أخوك يا عبد» ترفع الإشكال، ورجال إسنادها ثقات (٣). ولو لم تأتِ فالحديث إنما يدل على إلحاقه بعبد أخًا له.

стр. 618

وأما أمره سودةَ ــ وهي أخته ــ بالاحتجاب منه، فهذا يدل على أصلٍ وهو تبعيض أحكام النسب، فيكون أخاها في التحريم والميراث وغيره، ولا يكون أخًا في المحرمية والخلوة والنظر إليها؛ لمعارضة الشبه للفراش، فأعطى الفراشَ حكمه من ثبوت الحرمة وغيرها، وأعطى الشَّبَه حكمَه من عدم ثبوت المحرمية لسودة. وهذا باب من دقيق العلم وسرّه لا يلحظه إلا الأئمة المطَّلِعون على أغواره، المَعنيّون بالنظر في مآخذ (١) الشرع وأسراره. ومَن نبا فهمُه عن هذا وغلُظ عنه طبعه [ق ١٠٨] فلينظر إلى الولد من الرضاعة كيف هو ابن في التحريم، لا في الميراث ولا في النفقة ولا في الولاية. وهذا ينفع في مسألة البنت المخلوقة من ماء الزاني، فإنها بنته في تحريم النكاح عليه عند الجمهور، وليست بنتًا في الميراث ولا في النفقة ولا في المحرمية. وبالجملة: فهذا من أسرار الفقه، ومراعاة الأوصاف التي تترتب عليها الأحكام، وترتيب مقتضى كلِ وصفٍ عليه. ومن تأمل الشريعة أَطلعتْه من ذلك على أسرار وحِكَم تَبهَر الناظرَ فيها. ونظير هذا: ما لو أقام شاهدًا واحدًا وحلف معه على سارق أنه سرق متاعه ثبت حكم السرقة في ضمان المال على الصحيح، ولم يثبت حكمها في وجوب القطع اتفاقًا. فهذا سارق من وجه دون وجهٍ، ونظائره كثيرة. فإن قيل: فكيف تصنعون في الرواية التي جاءت في هذا الحديث: «واحتجبي منه يا سودة فإنه ليس لكِ بأخ» (٢)؟ قيل: هذه الزيادة لا يُعلم

стр. 619

ثبوتها وصحتها، فلا يعارَض بها ما قد عُلمت صحته، ولو صحت لكان وجهها ما ذكرناه: أنه ليس لها بأخ في الخَلْوة والنظر، وتكون مفسرة لقوله: «واحتجبي منه»، والله أعلم. وهذا الولد الذي وقع فيه الاختصام هو عبد الرحمن بن زمعة مذكور في كتاب الصحابة (١). وهو حجة على من يقول: إن الأَمَة لا تكون فراشًا ويَحمِل قوله: «الولد للفراش» على الحرة؛ فإن سبب الحديث في الأمة فلا يتطرق إليه تخصيص، لأن محل السبب فيه كالنص، وما عداه في حكم الظاهر. والله أعلم. ٢٠ - باب من أنكر ذلك على فاطمة (٢)

стр. 620

١٩١/ ٢١٩٦ - عن أبي إسحق ــ وهو السَّبيعي ــ قال: كنتُ في المسجد الجامع مع الأسود، فقال: أتت فاطمةُ بنت قيس عمرَ بن الخطاب ﵁، فقال: ما كُنَّا لِندَع كتاب ربنا وسنة نبينا ﷺ لقول امرأةٍ لا ندري أحفظت أم لا؟ وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي (١)، مختصرًا ومطولًا. قال ابن القيم ﵀: قال أبو داود في «المسائل»: سمعت أحمد بن حنبل وذُكر له قول عمر: «لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا»، فلم يصحح هذا عن عمر. وقال الدارقطني: هذا الكلام لا يثبت عن عمر، يعني قوله: «وسنة نبينا» (٢). ١٩٢/ ٢١٩٧ - وعن هشام بن عروة عن أبيه قال: لقد عابت ذلك عائشة ﵂ أشدَّ العيب ــ يعني حديثَ فاطمة بنت قيس ــ وقالت: إن فاطمة كانت في مكانٍ وَحْشٍ فخِيفَ على ناحيتها، فلذلك أرخص لها رسول الله ﷺ . وأخرجه ابن ماجه، وأخرجه البخاري تعليقًا (٣). ١٩٣/ ٢١٩٨ - وعن عروة بن الزبير أنه قيل لعائشة: ألم تَرَي إلى قول فاطمة؟ قالت: أما إنه لا خير لها في ذكر ذلك. وأخرجه البخاري ومسلم بنحوه (٤). ١٩٤/ ٢١٩٩ - وعن سليمان بن يَسَار، في خروج فاطمة قال: إنما كان من

стр. 621

سوء الخلق (١). هذا مرسل. واختلف في سبب انتقالها، فقالت عائشة: «كانت فاطمة في مكان وَحْش، فخيف عليها، فرخص لها رسول الله ﷺ في الانتقال». وقال سعيد بن المسيب: «إنما نقلت عن بيت أحمائها لطول لسانها». وروي عنه أيضًا: «تلك امرأة استطالت على أحمائها بلسانها، فأمرها ــ ﵊ ــ أن تنتقل». ١٩٥/ ٢٢٠٠ - وعن القاسم بن محمد وسليمان بن يسار: أن يحيى بن سعيد بن العاص طلق بنتَ عبد الرحمن بن الحكم البتة، فانتقلها عبد الرحمن، فأرسلت عائشة ﵂ إلى مروان بن الحكم وهو أمير المدينة، فقالت له: اتق الله، واردد المرأة إلى بيتها، فقال مروان ــ في حديث سليمان ــ: إن عبد الرحمن غلبني، وقال مروان ــ في حديث القاسم ــ: أوَ ما بلغكِ شأنُ فاطمة بنت قيس؟ فقالت عائشة: لا يضرُّك أن لا تذكر حديث فاطمة، فقال مروان: إن كان بكِ الشرُّ فحسبُكِ ما كان بين هذين من الشر». وأخرجه مسلم (٢) بمعناه مختصرًا. ١٩٦/ ٢٢٠١ - وعن ميمون بن مِهران قال: قدمتُ المدينة، فدَفَعْت إلى سعيد بن المسيب، فقلت: فاطمةُ بنت قيس طُلِّقت فخرجت من بيتها، فقال سعيد: تلك امرأة فتنت الناس، إنها كانت لَسِنَةً، فوُضعت على يدي ابن أمّ مكتوم الأعمى. قال ابن القيم ﵀: اختلف الناس في المبتوتة هل لها نفقة أو سكنى؟ على ثلاثة مذاهب، وهي (٣) ثلاث روايات عن أحمد (٤):

стр. 622

أحدها: أنه لا سكنى لها ولا نفقة، وهي ظاهر مذهبه. وهذا قول علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، وجابر، وعطاء، وطاوس، والحسن، وعكرمة، وميمون بن مهران (١)، وإسحاق بن راهويه (٢)، وأبي ثور، وداود بن علي (٣)، وأكثر فقهاء الحديث. وهو مذهب صاحبة القصة فاطمة بنت قيس، وكانت تناظر عليه. [والثاني] (٤): ويروى عن عمر وعبد الله بن مسعود: أن لها السكنى والنفقة (٥). وهو قول أكثر أهل العراق وقول ابن شُبْرُمة، وابن أبي ليلى، وسفيان الثوري، والحسن بن صالح، وأبي حنيفة وأصحابه (٦)، وعثمان البَتِّي، والعنبري (٧).

стр. 623

وحكاه أبو يعلى ابن القاضي في «مفرداته» روايةً عن أحمد، وهي غريبة جدًا. والثالث: أن لها السكنى دون النفقة. وهذا قول مالك (١) والشافعي (٢)، وفقهاء المدينة السبعة (٣)، وهو مذهب عائشة أم المؤمنين (٤). وأسعد الناس بهذا الخبر من قال به، وأنه لا نفقة لها ولا سكنى. وليس مع من ردّه حجة تقاومه ولا تقاربه. قال ابن عبد البر (٥): أما مِن طريق الحجة وما يلزم منها فقول أحمد بن حنبل ومن تابعه أصح وأرجح، لأنه ثبت عن النبي ﷺ نصًّا صريحًا؛ فأي شيء يعارِض هذا إلا مِثلُه عن النبي ﷺ الذي هو المبين عن الله مرادَه؟ ولا شيء يدفع ذلك، ومعلوم أنه أعلمُ بتأويل قول الله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦]. وأما قول عمر ومن وافقه، فقد خالفه علي وابن عباس ومن وافقهما، والحجة معهم. ولو لم يخالفهم أحد منهم لَما قُبِل قول المخالف لقول رسول الله ﷺ ، فإن قول رسول الله ﷺ حجة على عمر وعلى غيره.

стр. 624

ولم يصح عن عمر أنه قال: «لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة»، فإن أحمد أنكره وقال: أمّا هذا فلا، ولكن قال: «لا نقبل في ديننا قول امرأة» (١). وهذا أمر يرده الإجماع على قبول قول المرأة في الرواية، فأي حجة في شيء يخالفه الإجماع، وترده السنة ويخالفه فيه علماءُ الصحابة؟ وقال إسماعيل بن إسحاق (٢): نحن نعلم أن عمر لا يقول: «لا ندع كتاب ربنا» إلا لما هو موجود في كتاب الله تعالى، والذي في الكتاب أن لها النفقة إذا كانت حاملًا لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]. وأما غير ذوات الحمل فلا يدل الكتاب إلا على أنهن لا نفقة لهن لاشتراطه الحمل في الأمر بالإنفاق. آخر كلامه. والذين ردوا خبر فاطمة هذا ظنوه معارضًا للقرآن، فإن الله تعالى قال: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦]، وقال: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ [الطلاق: ١]. وهذا لو كان كما ظنوه لكان في السكنى خاصة، وأما إيجاب النفقة لها فليس في القرآن إلا ما يدل على أنه لا نفقة لهن، كما قال القاضي إسماعيل، لأن الله سبحانه شرط في وجوب الإنفاق أن يكنّ من أولات الحمل، وهو يدل على أنها إذا كانت حائلًا (٣) فلا نفقة لها، كيف وإن القرآن لا يدل على وجوب السكنى للمبتوتة بوجه ما!

стр. 625

فإن السياق كله إنما هو في الرجعية. يبين ذلك [ق ١٠٩] قولُه (١): ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١]، وقولُه: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢] وهذا في البائن مستحيل. ثم قال: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، فاللاتي قال فيهن: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ قال فيهن ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ و ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾، وهذا ظاهر جدًّا. وشبهة من ظن أن الآية في البائن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، قالوا: ومعلوم أن الرجعية لها النفقة حاملًا كانت أو حائلًا. وهذا لا حجة فيه، فإنه إذا أوجب نفقتها حاملًا لم يدل ذلك على أنه لا نفقة لها إذا كانت حائلًا، بل فائدة التقييد بالحمل التنبيه على اختلاف جهة الإنفاق بسبب الحمل قبل الوضع وبعده، فقبل الوضع لها النفقة حتى تضعه، فإذا وضعته صارت النفقة بحكم الإجارة ورضاعة الولد، وهذه قد يقوم غيرُها مقامها فيه فلا تستحقها لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [الطلاق: ٦]، وأما النفقة حال الحمل فلا يقوم غيرها مقامها فيه، بل هي مستمرة حتى تضعه، فجهة الإنفاق مختلفة. وأما الحائل فنفقتها معلومة من نفقة الزوجات، فإنها زوجة ما دامت في العدة فلا حاجة إلى بيان وجوب نفقتها. وأما الحامل فلما اختلفت جهة النفقة عليها قبل الوضع وبعده، ذكر سبحانه الجِهَتين والسببين. وهذا من أسرار القرآن ومعانيه التي يختص الله بفهمها من يشاء.

стр. 626

وأيضًا فلو كان قوله: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ في البوائن لكان دليلًا ظاهرًا على أن الحائل البائن لا نفقة لها لاشتراط الحمل في وجوب الإنفاق، والحكم المعلق بالشرط عدمٌ عند عدمه. وأما آية السكنى فلا يقول أحد إنها مختصة بالبائن، لأن السياق يخالفه ويبين أن الرجعية مرادة منها. فإما أن يقال: هي مختصة بالرجعية كما يدل عليه سياق الكلام وتتحد الضمائر ولا تختلف مفسّراتها، بل يكون مفسّر قوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ٢] هو مفسر قوله ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾، وعلى هذا فلا حجة في سكنى البائن. وإما أن يقال: هي عامة للبائن والرجعية، وعلى هذا فلا يكون حديث فاطمة منافيًا للقرآن، بل غايته أن يكون مخصّصًا لعمومه، وتخصيص القرآن بالسنة جائز واقع؛ هذا لو كان قوله: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ عامًّا، فكيف ولا يصح فيه العموم لما ذكرناه. وقول النبي ﷺ : «لا نفقة لك ولا سكنى» (١). وقوله في اللفظ الآخر: «إنما النفقة والسكنى للمرأة إذا كان لزوجها عليها الرجعة» رواه الإمام أحمد والنسائي (٢)، وإسناده صحيح.

стр. 627

وفي لفظ لأحمد (١): «إنما النفقة والسكنى للمرأة على زوجها ما كانت له عليها الرجعة، فإذا لم يكن له عليها رجعة فلا نفقة ولا سكنى». وهذا يبطل كل ما تأولوا به حديث فاطمة، فإن هذا فتوى عامّة وقضاءٌ عام في حقّ كل مطلقة. فلو لم يكن لشأن فاطمة ذكر في المتن (٢)، لكان هذا اللفظ العام مستقلًّا بالحكم لا معارض له بوجه من الوجوه. فقد تبيّن أن القرآن لا يدل على خلاف هذا الحديث، بل إنما يدل على موافقته، كما قالت فاطمة: «بيني وبينكم القرآن» (٣). ولمّا ذُكر لأحمد قول عمر: «لا ندع كتاب ربنا لقول امرأة» تبسم أحمد وقال: أي شيء في القرآن خلاف هذا (٤)؟ وأما قوله في الحديث: «وسنة نبينا»، فإن هذه اللفظة وإن كان مسلم رواها (٥)، فقد طعن فيها الأئمة كالإمام أحمد وغيره. قال أبو داود في كتاب «المسائل» (٦): سمعتُ أحمد بن حنبل، وذُكر له قول عمر: «لا ندع كتاب

стр. 628

ربنا وسنة نبينا لقول امرأة»، قلتُ: يصح هذا عن عمر؟ قال: لا. وروى هذه الحكايةَ البيهقيُّ في «السنن والآثار» (١) عن الحاكم، عن ابن بطة، عن أبي حامد الأشعري، عن أبي داود. وقال الدارقطني (٢): هذا اللفظ لا يثبت ــ يعني قوله: «وسنة نبينا» ــ، ويحيى بن آدم أحفظ من أبي أحمد الزبيري وأثبت منه، وقد تابعه قَبِيصة بن عقبة، فرواه عن عمّار بن رُزَيق مثل قول يحيى بن آدم سواء. والحسن بن عمارة متروك. وأشعث بن سَوَّار ضعيف. ورواه الأعمش عن إبراهيم دون قوله: «وسنة نبينا»، والأعمش أثبت مِن أشعثَ وأحفظ. وقال البيهقي (٣): هذه اللفظة أخرجها مسلم في «صحيحه»، وذهب غيره من الحفاظ (٤) إلى أن قوله «وسنة نبينا» غير محفوظ في هذا الحديث، فقد رواه يحيى بن آدم وغيره عن عمار بن رزيق في السكنى دون هذه اللفظة، وكذلك رواه الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عمر دون قوله: «وسنة نبينا». وإنما ذكره أبو أحمد عن عمار، وأشعثُ عن الحكم وحماد عن إبراهيم عن الأسود عن عمر، والحسنُ بن عُمارة عن سلمة بن كُهَيل عن عبد الله بن الخليل الحضرمي عن عمر. ثم ذكر كلام الدارقطني أنها لا تثبت.

стр. 629

فقد تبين أنه ليس في السنة ما يعارض حديث فاطمة، كما أنه ليس في [ق ١١٠] الكتاب ما يعارضه. وفاطمة امرأة جليلة من فقهاء الصحابة غير متّهمَة في الرواية. وما يرويه بعض الأصوليين: «لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت؟» غلط، ليس في الحديث (١)، وإنما الذي في الحديث: «حفظت أو (٢) نسيت؟» هذا لفظ مسلم. قال هشيم عن إسماعيل بن أبي خالد أنه ذكر عند الشعبي قول عمر هذا: «حفظت أم نسيت؟»، فقال الشعبي: امرأة من قريش ذات عقل ورأي

стр. 630

تنسى قضاء قضي به عليها؟ قال: وكان الشعبي يأخذ بقولها (١). وقال ميمون بن مهران ــ لسعيد بن المسيب لمّا قال (٢): تلك امرأة فتنت الناس ــ: لئن كانت إنما أخذت بما أفتاها رسول الله ﷺ ما فتنت الناس، وإن لنا في رسول الله أسوة حسنة (٣). ثم ردُّ خبرها بأنها امرأة مما لا يقول به أحد، وقد أخذ الناس برواية من هو دون فاطمة، وبخبر الفُرَيعة (٤) وهي امرأة، وبحديث النساء كأزواج النبي ﷺ وغيرهن من الصحابة. بل قد احتج العلماء بحديث فاطمة هذا بعينه في أحكام كثيرة: منها: نظر المرأة إلى الرجل، ووضعها ثيابها في الخلوة، وجواز الخطبة على خطبة الغير إذا لم تُجبه المرأة ولم تسكن إليه، وجواز نكاح القرشية لغير القرشي، ونصيحة الرجل لمن استشاره في أمرٍ يعيب من استشاره فيه وأن ذلك ليس بغِيبة. ومنها: الإرسال بالطلاق في الغَيبة. ومنها: التعريض بخطبة المعتدة البائن بقوله: لا تفوّتيني بنفسك.

стр. 631

ومنها: احتجاج الأكثرين به على سقوط النفقة للمبتوتة التي ليست بحامل. فما بال حديثها محتجًّا به في هذه الأحكام دون سقوط السكنى؟! فإن كانت حفظته فهو حجة في الجميع، وإن لم يكن محفوظًا لم يَجُز أن يحتج به في شيء. والله أعلم. وقال الشافعي في القديم (١): فإن قال قائل: فإن عمر بن الخطاب اتهم حديث فاطمة بنت قيس وقال: «لا ندع كتاب ربنا لقول امرأة». قلنا: لا نعرف أن عمر اتهمها، وما كان في حديثها ما تُتَّهم له، ما حدَّثتْ إلا بما يجب، وهي امرأة من المهاجرين لها شرف وعقل وفضل. ولو رُدَّ شيء من حديثها كان إنما يرد منه أنه أمرَها بالخروج من بيت زوجها، فلم تذكر هي: لِمَ أُمرتْ بذلك؟ وإنما أمرت به لأنها استطالت على أحمائها، فأُمرت بالتحول عنهم للشر بينها وبينهم، فكأنهم أحبّوا لها ذكر السبب الذي له أُخرجت، لئلا يذهب ذاهب إلى أن النبي ﷺ قضى أن تعتد المبتوتة حيث شاءت في غير بيت زوجها. وهذا الذي ذكره الشافعي هو تأويل عائشة بعينه، وبه أجابت مروان لما احتج عليها بالحديث، كما تقدم. ولكن هذا التأويل مما لا يصلح دفعُ الحديث به من وجوه: أحدها: أنه ليس بمذكور في القصة، ولا عُلِّق عليه الحكم قط، لا باللفظ ولا بالمفهوم، وإن كان واقعًا فتعليق الحكم به تعليقٌ على وصفٍ لم

стр. 632

يعتبره النبي ﷺ ، ولا في لفظه قط ما يدل على إسقاط السكنى به؛ وتركٌ لتعليق الحكم بالوصف الذي اعتبره وعَلَّق به الحكمَ، وهو عدم ثبوت الرجعة. الثاني: أنكم لا تقولون به، فإن المرأة ولو استطالت، ولو عصت بما عسى أن تعصي به، لم يسقط حقها من السكنى، كما لو كانت حاملًا، بل كان يُستكرَى لها من حقها في مال زوجها وتسكن ناحية. وقد أعاذ الله فاطمة بنت قيس من ظلمها وتعديها إلى هذا الحد. كيف والنبي ﷺ لم يعنّفها بذلك، ولا نهاها عنه، ولا قال لها: إنما أُخرِجتِ من بيتك بظلمك لأحمائك، بل قال لها: «إنما السكنى والنفقة للمرأة إذا كان لزوجها عليها رجعة»، وهذا هو: الوجه الثالث: وهو أن النبي ﷺ ذكر لها السبب الذي من أجله سقط حقها من السكنى، وهو سقوط حق الزوج من الرجعة؛ وجعَل هذا قضاء عامًّا لها ولغيرها. فكيف يُعدل عن هذا الوصف إلى وصفٍ لو كان واقعًا لم يكن له تأثير في الحكم أصلًا؟ وقد روى الحميدي في «مسنده» (١) هذا الحديث وقال فيه: «يا ابنة قيس إنما السكنى والنفقة ما كان لزوجك عليك الرجعة»، ورواه الأثرم. فأين التعليل بسلاطة اللسان مع هذا البيان؟ ثم لو كان ذلك صحيحًا لما احتاج عمر في رده إلى قوله: «لا ندع كتاب ربنا لقول امرأة»، بل كان يقول: لم يُخرِجها من السكنى إلا لبذائها وسَلَطِها،

стр. 633

ولم يعللها بانفراد المرأة به، وقد كان عمر ﵁ يقف أحيانًا في انفراد بعض الصحابة، كما طلب من أبي موسى شاهدًا على روايته (١)، وغيره. وقد أنكرت فاطمة على من أنكر عليها، وردت على من رد عليها، وانتصرت لروايتها ومذهبها، ﵃ أجمعين. وقد قضى النبي ﷺ في المتلاعنين: «أن لا بيت لها عليه ولا قوت» (٢). ولو لم يكن في المسألة نص لكان القياس يقتضي سقوط النفقة والسكنى، لأنها إنما تجب في مقابلة التمكين من الاستمتاع، والبائن قد فُقِد في حقها ذلك، ولهذا وجبت للرجعية لتمكّنه من الاستمتاع بها. وأما البائن فلا سبيل له إلى الاستمتاع بها إلا بما يصل به إلى الأجنبية، وحَبْسها لعِدَّته لا يوجب نفقةً كما لو وطئها بشبهة، وكالملاعنة، والمتوفى عنها زوجها. والله أعلم. ٢١ - باب من رأى التحول ١٩٧/ ٢٢٠٦ - عن ابن عباس ﵄ قال: نسخت هذه الآيةُ عدَّتَها عند أهلها، فتعتدّ حيث شاءت، وهو قول الله : ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠]، قال عطاء: إن شاءت اعتدّت عند أهله وسكنت في وصيتها، وإن شاءت خرجت لقول الله : ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ﴾ [البقرة: ٢٤٠]، قال عطاء: ثم جاء الميراث فنسخ السكنى، تعتدُّ حيث شاءت».

стр. 634

وأخرجه البخاري والنسائي (١). وعطاء هذا هو عطاء بن أبي رباح. قال ابن القيم ﵀: [ق ١١١] اختلف السلف في وجوب اعتداد المتوفى عنها في منزلها، فأوجبه عمر وعثمان، وروي عن ابن مسعود وابن عمر وأم سلمة (٢). وبه يقول الثوري والأوزاعي وإسحاق والأئمة الأربعة (٣). قال ابن عبد البر (٤): وهو قول جماعة فقهاء الأمصار بالحجاز والشام والعراق ومصر. وروي عن علي وابن عباس وجابر وعائشة: تعتدّ حيث شاءت، وقال به جابر بن زيد والحسن وعطاء (٥). ثم اختلف الموجبون لملازمة المنزل فيما إذا جاءها خبر وفاته في غير منزلها، فقال الأكثرون: تعتدّ في منزلها. وقال إبراهيم النخعي وسعيد بن المسيب: لا تبرح من مكانها الذي أتاها فيه نعي زوجها (٦).

стр. 635

وحديث الفريعة حجة ظاهرة لا معارض لها (١). وأما قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٠]، وأنها (٢) نسخت الاعتداد في منزل الزوج= فالمنسوخ حكم آخر غير الاعتداد في المنزل، وهو استحقاقها للسكنى في بيت الزوج الذي صار للورثة سنةً، وصيةً أوصى الله بها الأزواج تُقدَّم به على الورثة، ثم نسخ ذلك بالميراث ولم يبق لها استحقاق في السكنى المذكورة، فإن كان المنزل الذي توفي فيه الزوج لها أو بَذل الورثة لها السكنى لزمها الاعتداد فيه، وهذا ليس بمنسوخ، فالواجب عليها فعل السكنى لا تحصيل المسكن، فالذي نسخ إنما هو اختصاصها بسكنى السنة دون الورثة، والذي أمرت به أن تمكث في بيتها حتى تنقضي عدتها، ولا تنافي بين الحكمين. والله أعلم.

стр. 636

٢٢ - باب في عدة الحامل ١٩٨/ ٢٢١١ - وعن عبد الله ــ وهو ابن مسعود ــ ﵁ قال: «من شاء لاعَنْتُه، لَأُنزِلَتْ سورة النساءِ القُصْرَى بعد الأربعة الأشهرِ وعشرًا». وأخرجه النسائي وابن ماجه (١). قال ابن القيم ﵀: وهذا يدل على أن ابن مسعود يرى نسخ الآية في البقرة بهذه الآية التي في الطلاق وهي قوله: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]. وهذا على عرف السلف في النسخ، فإنهم يسمّون التخصيص والتقييد نسخًا. وفي القرآن ما يدل على تقديم آية الطلاق في العمل بها، وهو أن قوله تعالى: ﴿أَجَلُهُنَّ﴾ مضاف ومضاف إليه، وهو يفيد العموم، أي هذا مجموع أجَلِهن، لا أجل لهن غيره. وأما قوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٤] فهو فِعل مُطلَق لا عموم له، فإذا عُمل به في غير الحامل كان تقييدًا لمطلقه بآية الطلاق؛ فالحديث مطابق للمفهوم من دلالة القرآن. والله أعلم. ٢٣ - باب في عدة أم الولد ١٩٩/ ٢٢١٢ - عن عمرو بن العاص ﵁ قال: «لا تَلبِسوا علينا سنَّة نبينا ﷺ ، عدَّة المتوفَّى عنها: أربعة أشهرٍ وعشرًا ــ يعني أمَّ الولد ــ». وأخرجه ابن ماجه (٢). وفي إسناده مطر بن طَهْمان أبو رَجاء الورّاق، وقد

стр. 637

ضعّفه غير واحد (١). قال ابن القيم ﵀: هذا الحديث يرويه قبيصة بن ذؤيب عن عمرو. وقال الدارقطني (٢): قبيصة لم يسمع من عمرو، والصواب: «لا تلبسوا علينا [دينَنا] (٣)» موقوف ــ يعني لم يذكر فيه «سنة نبينا» ــ، وقال الإمام أحمد (٤): هذا حديث منكر. آخر كلامه. وقد رواه سليمان بن موسى، عن رجاء بن حيوة، عن قبيصة، عن عمرو قوله: «عدة أم الولد عدة الحرة» (٥). وهذا الذي أشار إليه الدارقطني أنه الصواب. وقال ابن المنذر (٦): ضعّف أحمد وأبو عبيد حديث عمرو بن العاص. وقال محمد بن موسى: سألت أبا عبد الله عن حديث عمرو بن العاص

стр. 638

فقال: لا يصح. وقال الميموني: رأيت أبا عبد الله يعجب من حديث عمرو بن العاص هذا، ثم قال: أين سنة النبي ﷺ في هذا؟ وقال: أربعة أشهر وعشرًا إنما هي عدة الحرة من النكاح، وإنما هذه أَمَة خرجت من الرق إلى الحرية (١). وقد روى مالك في «الموطأ» (٢) عن نافع عن ابن عمر أنه قال في أم الولد يتوفى عنها سيّدها: «تعتد بحيضة». واختلف الفقهاء في عدتها، فالصحيح أنه حيضة، وهو المشهور عن أحمد (٣)، وقول ابن عمر وعثمان وعائشة (٤). وإليه ذهب مالك، والشافعي، وأبو عبيد، وأبو ثور وغيرهم (٥). وعن أحمد رواية أخرى: تعتد أربعة أشهر وعشرا. وهو قول سعيد بن المسيب، وابن سيرين، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وخِلاس، وعمر بن عبد العزيز، والزهري، والأوزاعي، وإسحاق (٦).

стр. 639

وعن أحمد رواية ثالثة: تعتد بشهرين (١) وخمسة أيام، حكاها أبو الخطاب، وهي رواية منكرة عنه، قال أبو محمد المقدسي (٢): ولا أظنها صحيحة عنه. وروي ذلك عن عطاء وطاوس وقتادة (٣). وقال أبو حنيفة وأصحابه (٤): عدتها ثلاث حِيَض. ويروى ذلك عن علي وابن مسعود (٥). وهو قول عطاء، وإبراهيم النخعي، والثوري (٦). * * *

стр. 640

تهذيبُ سننِ أبي داود وإيضاحُ علله ومشكلاته تأليف الإمام العلامة محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية (٦٩١ - ٧٥١) رحمه الله تعالى المجلد الثاني تحقيق نبيل بن نصار السِّنْدي

стр. 641

كتاب الصيام ١ - باب نسخ قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ ٢٠٠/ ٢٢١٨ - عن سَلَمَة بن الأكوع ﵁ قال: «لما نزلت هذه الآية: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] كان من أراد منَّا أن يُفطر ويفتدي، حتى نزلت الآية التي بعدها فنسخَتْها». وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي (١). قال ابن القيم ﵀: اختلف السلف في هذه الآية على أربعة أقوال (٢): أحدها: أنها ليست بمنسوخة، قاله ابن عباس (٣). الثاني: أنها منسوخة، كما قاله سلمة والجمهور. الثالث (٤): أنها مخصوصة، خُصّ منها القادر الذي لا عذر له، وبقيت متناولةً للمرضع والحامل. الرابع: أن بعضها منسوخ وبعضها محكم.

стр. 642

٢ - باب الشهر يكون تسعًا وعشرين ٢٠١/ ٢٢٢٦ - وعن عبد الرحمن بن أبي بَكْرَة عن أبيه ﵁ عن النبي ﷺ قال: «شَهْرَا عيدٍ لا ينقصان: رمضانُ، وذُو الحجة». وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه (١). [ق ١١٢] قال ابن القيم ﵀: وفي معناه أقوال: أحدها: لا يجتمع نقصُهما معًا في سنة واحدة، وهذا منصوص الإمام أحمد (٢). الثاني: أن هذا خرج على الغالب، والغالب أنهما لا يجتمعان في النقص، وإن وقع نادرًا. والثالث: أن المراد بهذا تلك السنة وحدها، ذكره جماعة. الرابع: أنهما لا ينقصان في الأجر والثواب، وإن كان رمضان تسعًا وعشرين فهو كامل في الأجر. الخامس: أن المراد بهذا تفضيل العمل في عشر ذي الحجة، وأنه لا ينقص أجره وثوابه عن ثواب شهر رمضان (٣). وقد اختلف في أيام العشر من ذي الحجة والعشر الأخير من رمضان أيهما أفضل؟ قال شيخنا (٤): وفصل الخطاب: أن ليالي العشر الأخير من

стр. 643

رمضان أفضل من ليالي عشر ذي الحجة، فإن فيها ليلة القدر، وكان رسول الله ﷺ يجتهد في تلك الليالي ما لا يجتهد في غيرها من الليالي، وأيام عشر ذي الحجة أفضل من أيام العشر الآخر من رمضان؛ لحديث ابن عباس (١)، وقول النبي ﷺ : «أعظم الأيام عند الله يوم النحر» (٢)، وما جاء في يوم عرفة. السادس: أن الناس كان يكثر اختلافهم في هذين الشهرين لأجل صومهم وحجهم، فأعلَمَهم ﷺ أن الشهرين وإن نقصت أعدادُهما فحكم عبادتهما على التمام والكمال (٣). ولما كان هذان الشهران هما أفضل شهور العام، وكان العمل فيهما أحب إلى الله من سائر الشهور= رغّب النبي ﷺ في العمل، وأخبر أنه لا ينقص ثوابه وإن نقص الشهران. والله أعلم. قالوا: ويشهد لهذا التفسير ما رواه الطبراني في «معجمه» (٤) من حديث

стр. 644

عبد الله (١) بن أبي بكرة عن أبيه يرفعه: «كل شهر حرام لا ينقص، ثلاثين يومًا وثلاثين ليلة». ورجال إسناده ثقات. وهذا لا يمكن حمله إلا على الثواب، أي للعامل فيها ثواب ثلاثين يومًا وليلة، وإن نقص عدده. والله أعلم. ٣ - باب إذا أخطأ القومُ الهلالَ ٢٠٢/ ٢٢٢٧ - عن محمد بن المنكَدِر عن أبي هريرة ﵁، ذَكَر النبيَّ ﷺ فيه، قال: «وفِطْرُكُم يوم تُفطرون، وأضْحاكم يوم تُضَحُّون، وكلُّ عرفة مَوقِفٌ، وكل مِنًى مَنْحَر، وكل فِجاج مَكَّةَ مَنْحَر، وكل جَمْعٍ موقفٌ». وأخرجه الترمذي (٢) من حديث سعيد بن أبي سعيد المقبُري عن أبي هريرة، وقال: حسن غريب. قال ابن القيم ﵀: وأما حديث أبي داود، فقال يحيى بن معين (٣):

стр. 645

محمد بن المنكدر لم يسمع من أبي هريرة. وقال أبو زرعة الرازي: لم يلقَ أبا هريرة (١). قال الترمذي: وفسر بعض أهل العلم هذا الحديث فقال: إن معنى هذا الصومُ والفطر مع الجماعة وعُظْم الناس. وقال الخطابي (٢) في معنى الحديث: إن الخطأ مرفوع عن الناس فيما كان سبيله الاجتهاد، فلو أن قومًا اجتهدوا، فلم يروا الهلال إلا بعد الثلاثين، فلم يفطروا حتى استوفوا العدد، ثم ثبت عندهم أن الشهر كان تسعًا وعشرين، فإن صومهم وفطرهم ماض، لا شيء عليهم من وِزرٍ أو عَنَت (٣)، وكذلك في الحج إذا أخطأوا يوم عرفة، ليس عليهم إعادة. وقال غيره: فيه الإشارة إلى أن يوم الشك لا يصام احتياطًا، وإنما يصام يوم يصوم الناس. وقيل: فيه الرد على من يقول: إن من عرف طلوع القمر بتقدير حساب المنازل جاز له أن يصوم به ويفطر، دون من لم يعلم. وقيل: إن الشاهد الواحد إذا رأى الهلال ولم يحكم القاضي بشهادته أنه لا يكون هذا له صومًا، كما لم يكن للناس. آخر كلامه (٤).

стр. 646

وفيه دليل على أن المنفرد بالرؤية لا يلزمه حكمها، لا في الصوم ولا في الفطر ولا في التعريف. ٤ - باب إذا أُغْمِي الشهرُ ٢٠٣/ ٢٢٢٩ - وعن حذيفة ــ وهو ابن اليَمَان ــ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تَقدَّمُوا الشهرَ حتى تَرَوُا الهلال، أو تكملوا العدة، ثم صوموا حتى تروا الهلال، أو تكملوا العدة». وأخرجه النسائي (١) مسندًا ومرسلًا، وقال (٢): لا أعلم أحدًا من أصحاب منصور قال في هذا الحديث «عن حذيفة» غيرَ جرير ــ يعني ابن عبد الحميد ــ. وقال البيهقي (٣): وصله جرير عن منصور، فذكر حذيفة فيه، وهو ثقة حجة. ورواه الثوري وجماعة عن منصور، عن رِبْعِيٍّ، عن بعض أصحاب النبي ﷺ . قال ابن القيم ﵀: هذا الحديث وَصْلُه صحيح، فإن الذين وصلوه أوثق وأكثر من الذين أرسلوه، والذي أرسله هو الحجاج بن أرطاة عن منصور. وقول النسائي: لا أعلم أحدًا قال في هذا الحديث «عن حذيفة» غير جرير، إنما عَنَى تسميةَ الصحابي، وإلا فقد رواه الثوري وغيره [عن

стр. 647

منصور] (١) عن رِبْعي عن بعض أصحاب النبي ﷺ (٢). وهذا موصول، ولا يضره عدم تسمية الصحابي ولا يُعلَّل بذلك. ٥ - باب من قال: إذا غُمَّ عليكم فصوموا ثلاثين ٢٠٤/ ٢٢٣٠ - عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تَقدَّموا الشهرَ بصيام يوم ولا يومين، إلا أن يكون شيء يصومه أحدُكم، لا تصوموا حتى تروه، ثم صوموا حتى تروْه، فإن حالَ دونه غَمامة فأتمُّوا العِدَّة ثلاثين، ثم أفطروا، والشهر تسع وعشرون». وأخرجه الترمذي والنسائي (٣) بنحوه. وقال الترمذي: حسن صحيح. قال ابن القيم ﵀: ولفظ النسائي فيه: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن حال بينكم وبينه سحاب فكمِّلوا العدة، ولا تستقبلوا الشهر استقبالا». وفي لفظ للنسائي (٤) أيضًا: «فأكملوا العدة عدة شعبان». رواه من حديث أبي يونس عن سماك عن عكرمة عنه. قال الدارقطني (٥): ولم يقل في حديث ابن عباس: «فأكملوا عدة شعبان» غير آدم، قال: ثنا شعبة: حدثني عمرو بن مرة قال: سمعت أبا البَخْتَري الطائي يقول: أهل هلال رمضان ونحن بذات الشقوق، فشككنا في

стр. 648

الهلال، فبعثنا رجلًا إلى ابن عباس فسأله؟ فقال ابن عباس [عن النبي ﷺ ] (١): «إن الله أمدّه لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين». قال الدارقطني: صحيح عن شعبة، ورواه حصين وأبو خالد الدالاني عن عمرو بن مرة، ولم يقل فيه «عدة شعبان» غير آدم، وهو ثقة. قال المنذري: وقد أخرج مسلم في «صحيحه»، والنسائي، وابن ماجه (٢) من حديث سعيد بن المسيِّب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا (٣) رأيتموه فأفطروا، فإن غُمَّ عليكم فصوموا ثلاثين يومًا». قال ابن القيم ﵀: حديث أبي هريرة هذا قد روي في «الصحيح» بثلاثة ألفاظ، [ق ١١٣] أحدها: هذا. اللفظ الثاني: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا العدة» (٤). وفي رواية: «فعدّوا ثلاثين» (٥). اللفظ الثالث: «فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين». وهذا اللفظ الآخر للبخاري وحده (٦)، وقد عُلِّل بعلّتين:

стр. 649

إحداهما (١): أنه من رواية محمد بن زياد عنه، وقد خالفه فيه سعيد بن المسيب فقال فيه: «فصوموا ثلاثين». قالوا: وروايته أولى لإمامته، واشتهار عدالته وثقته، ولاختصاصه بأبي هريرة وصهره منه، ولموافقة روايته لرأي أبي هريرة ومذهبه، فإن مذهب أبي هريرة، وعمر بن الخطاب، وابنه عبد الله، وعمرو بن العاص، وأنس، ومعاوية، وعائشة، وأسماء: صيام يوم الغيم (٢). قالوا: فكيف يكون عند أبي هريرة قول النبي ﷺ : «فأكملوا عدة شعبان» ثم يخالفه؟ العلة الثانية: ما ذكرها الإسماعيلي (٣) قال: وقد روينا هذا الحديث عن غندر وابن مهدي وابن عُليّة وعيسى بن يونس وشبابة وعاصم بن علي والنضر بن شميل ويزيد بن هارون وأبي داود كلهم عن شعبة، لم يذكر أحد منهم: «فأكملوا عدة شعبان ثلاثين»، فيجوز أن يكون آدم قال ذلك من عنده على وجه التفسير للخبر، وإلا فليس لانفراد البخاري عنه بهذا مِن بين مَن رواه عنه وجه. هذا آخر كلامه. وقد رواه الدارقطني (٤) فقال فيه: «فعُدُّوا ثلاثين، يعني عدوا شعبان ثلاثين»، ثم قال: أخرجه البخاري عن آدم فقال فيه: «فعدوا شعبان ثلاثين» ولم يقل «يعني».

стр. 650

وهذا يدل على أن قوله «يعني» من بعض الرواة، والظاهر أنه آدم وأنه قولُه. وقد تقدم حديث ابن عباس في ذلك، وتفرَّد آدمُ أيضًا فيه بقوله: «فأكملوا عدة شعبان ثلاثين»، وسائر الرواة إنما قالوا: «فأكملوا العدة» كما رواه: حماد بن سلمة عن عمرو بن دينار عن ابن عباس (١). وسفيان عن عمرو عن محمد بن حُنَين عن ابن عباس (٢). وحاتم بن أبي صغيرة عن سِماك عن عكرمة عن ابن عباس (٣). وأبو الأحوص عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس (٤). وحُصَين عن عمرو بن مُرَّة عن أبي البَخْتَري (٥).

стр. 651

وأبو خالد الدالاني عن عمرو عن أبي البختري (١). =كلهم قال في حديثه: «فأكملوا العدة»، ومنهم من قال: «فأكملوا ثلاثين»، وقال آدم من بينهم: «عدة شعبان»، فهذه الزيادة من آدم في حديث ابن عباس كهي في حديث أبي هريرة، وسائر الرواة على خلافه فيه (٢). قال بعض الحفاظ (٣): وهذا يدل على أن هذا تفسير منه في الحديثين. ومدار هذا الباب على حديث ابن عباس، وأبي هريرة، وابن عمر، وعائشة، وحذيفة، ورافع بن خديج، وطلق بن علي، وسعد بن أبي وقاص، وعمار بن ياسر؛ فهذه عشرة أحاديث. فأما حديث ابن عباس وأبى هريرة فقد ذكرناهما. وأما حديث ابن عمر وعائشة وحذيفة فقد تقدمت (٤).

стр. 652

وأما حديث رافع بن خديج، فرواه الدارقطني (١) من حديث الزهري، عن حنظلة بن علي الأسلمي، عن رافع بن خديج قال: قال رسول الله ﷺ : «أحصوا عدة شعبان لرمضان، ولا تقدموا الشهر بصوم، فإذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين يوما ثم أفطروا. فإن الشهر هكذا وهكذا وهكذا (وخنس إبهامه في الثالثة)». وفيه الواقدي، وهو وإن كان ضعيفًا، فليس العمدة على مجرد حديثه. وأما حديث طلق، فرواه الدارقطني (٢) أيضًا من حديث لُوَين (٣) عن محمد بن جابر، عن قيس بن طلق، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : «جعل الله الأهلة مواقيت للناس، فإذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فأتموا العدة ثلاثين»، قال محمد بن جابر: سمعت هذا منه وحديثين آخرين. ومحمد بن جابر وإن كان ليس بالقوي، فالعمدة على ما تقدم. وأما حديث سعد، فرواه النسائي (٤) عن محمد بن سعد، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: «الشهر هكذا، وهكذا، وهكذا ــ يعني تسعة وعشرين ــ». وفي رواية: «ثم قبض في الثالثة الإبهام في اليسرى». وأما حديث عمّار بن ياسر، فسيأتي بعد هذا إن شاء الله تعالى.
следующие страницы →