← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 201

تهذيب سنن أبي داود - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 675 стр.). Показаны 648–687 · переход к 653.

стр. 648

الهلال، فبعثنا رجلًا إلى ابن عباس فسأله؟ فقال ابن عباس [عن النبي ﷺ ] (١): «إن الله أمدّه لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين». قال الدارقطني: صحيح عن شعبة، ورواه حصين وأبو خالد الدالاني عن عمرو بن مرة، ولم يقل فيه «عدة شعبان» غير آدم، وهو ثقة. قال المنذري: وقد أخرج مسلم في «صحيحه»، والنسائي، وابن ماجه (٢) من حديث سعيد بن المسيِّب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا (٣) رأيتموه فأفطروا، فإن غُمَّ عليكم فصوموا ثلاثين يومًا». قال ابن القيم ﵀: حديث أبي هريرة هذا قد روي في «الصحيح» بثلاثة ألفاظ، [ق ١١٣] أحدها: هذا. اللفظ الثاني: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا العدة» (٤). وفي رواية: «فعدّوا ثلاثين» (٥). اللفظ الثالث: «فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين». وهذا اللفظ الآخر للبخاري وحده (٦)، وقد عُلِّل بعلّتين:

стр. 649

إحداهما (١): أنه من رواية محمد بن زياد عنه، وقد خالفه فيه سعيد بن المسيب فقال فيه: «فصوموا ثلاثين». قالوا: وروايته أولى لإمامته، واشتهار عدالته وثقته، ولاختصاصه بأبي هريرة وصهره منه، ولموافقة روايته لرأي أبي هريرة ومذهبه، فإن مذهب أبي هريرة، وعمر بن الخطاب، وابنه عبد الله، وعمرو بن العاص، وأنس، ومعاوية، وعائشة، وأسماء: صيام يوم الغيم (٢). قالوا: فكيف يكون عند أبي هريرة قول النبي ﷺ : «فأكملوا عدة شعبان» ثم يخالفه؟ العلة الثانية: ما ذكرها الإسماعيلي (٣) قال: وقد روينا هذا الحديث عن غندر وابن مهدي وابن عُليّة وعيسى بن يونس وشبابة وعاصم بن علي والنضر بن شميل ويزيد بن هارون وأبي داود كلهم عن شعبة، لم يذكر أحد منهم: «فأكملوا عدة شعبان ثلاثين»، فيجوز أن يكون آدم قال ذلك من عنده على وجه التفسير للخبر، وإلا فليس لانفراد البخاري عنه بهذا مِن بين مَن رواه عنه وجه. هذا آخر كلامه. وقد رواه الدارقطني (٤) فقال فيه: «فعُدُّوا ثلاثين، يعني عدوا شعبان ثلاثين»، ثم قال: أخرجه البخاري عن آدم فقال فيه: «فعدوا شعبان ثلاثين» ولم يقل «يعني».

стр. 650

وهذا يدل على أن قوله «يعني» من بعض الرواة، والظاهر أنه آدم وأنه قولُه. وقد تقدم حديث ابن عباس في ذلك، وتفرَّد آدمُ أيضًا فيه بقوله: «فأكملوا عدة شعبان ثلاثين»، وسائر الرواة إنما قالوا: «فأكملوا العدة» كما رواه: حماد بن سلمة عن عمرو بن دينار عن ابن عباس (١). وسفيان عن عمرو عن محمد بن حُنَين عن ابن عباس (٢). وحاتم بن أبي صغيرة عن سِماك عن عكرمة عن ابن عباس (٣). وأبو الأحوص عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس (٤). وحُصَين عن عمرو بن مُرَّة عن أبي البَخْتَري (٥).

стр. 651

وأبو خالد الدالاني عن عمرو عن أبي البختري (١). =كلهم قال في حديثه: «فأكملوا العدة»، ومنهم من قال: «فأكملوا ثلاثين»، وقال آدم من بينهم: «عدة شعبان»، فهذه الزيادة من آدم في حديث ابن عباس كهي في حديث أبي هريرة، وسائر الرواة على خلافه فيه (٢). قال بعض الحفاظ (٣): وهذا يدل على أن هذا تفسير منه في الحديثين. ومدار هذا الباب على حديث ابن عباس، وأبي هريرة، وابن عمر، وعائشة، وحذيفة، ورافع بن خديج، وطلق بن علي، وسعد بن أبي وقاص، وعمار بن ياسر؛ فهذه عشرة أحاديث. فأما حديث ابن عباس وأبى هريرة فقد ذكرناهما. وأما حديث ابن عمر وعائشة وحذيفة فقد تقدمت (٤).

стр. 652

وأما حديث رافع بن خديج، فرواه الدارقطني (١) من حديث الزهري، عن حنظلة بن علي الأسلمي، عن رافع بن خديج قال: قال رسول الله ﷺ : «أحصوا عدة شعبان لرمضان، ولا تقدموا الشهر بصوم، فإذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين يوما ثم أفطروا. فإن الشهر هكذا وهكذا وهكذا (وخنس إبهامه في الثالثة)». وفيه الواقدي، وهو وإن كان ضعيفًا، فليس العمدة على مجرد حديثه. وأما حديث طلق، فرواه الدارقطني (٢) أيضًا من حديث لُوَين (٣) عن محمد بن جابر، عن قيس بن طلق، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : «جعل الله الأهلة مواقيت للناس، فإذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فأتموا العدة ثلاثين»، قال محمد بن جابر: سمعت هذا منه وحديثين آخرين. ومحمد بن جابر وإن كان ليس بالقوي، فالعمدة على ما تقدم. وأما حديث سعد، فرواه النسائي (٤) عن محمد بن سعد، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: «الشهر هكذا، وهكذا، وهكذا ــ يعني تسعة وعشرين ــ». وفي رواية: «ثم قبض في الثالثة الإبهام في اليسرى». وأما حديث عمّار بن ياسر، فسيأتي بعد هذا إن شاء الله تعالى.

стр. 653

٦ - باب في التقدُّم ٢٠٥/ ٢٢٣١ - عن عِمران بن حُصين: أن رسول الله ﷺ قال لرجل: «هل صُمتَ من سَرَرِ شعبان شيئًا؟» قال: لا، قال: «فإذا أفطرتَ فَصُمْ يومًا». وفي رواية: «يومين». وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي (١). قال ابن القيم ﵀: وقد أشكل هذا على الناس، فحمله طائفة على الاحتياط لدخول رمضان، قالوا: وسَرَر الشهر، وسراره (بكسر السين وفتحها) ثلاث لغات، وهو آخرُه وقتَ استِسْرارِ هلاله، فأمره إذا أفطر أن يصوم يومًا أو يومين، عوض ما فاته من صيام سرره احتياطًا. وقالت طائفة منهم الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز: سِرُّه أوله، وسراره أيضًا، فأخبره أنه لم يَصُم من أوله فأمره بقضاء ما أفطر منه. ذكره أبو داود (٢) عن الأوزاعي وسعيد. وأنكر جماعة (٣) هذا التفسير فرأوه غلطًا، قالوا: فإن سرار الشهر آخره، سمي بذلك لاستسرار القمر فيه (٤).

стр. 654

وقالت طائفة: سرره هنا وسطه، وسِرُّ كل شيء جوفه. قال البيهقي (١): فعلى هذا أراد أيام البيض. هذا آخر كلامه. ورُجِّحَ هذا بأن في بعض الروايات فيه: «أصمت من سُرّة هذا الشهر؟» (٢)، وسُرَّته: وسطه، كسرة [ق ١١٤] الآدمي. وقالت طائفة: هذا على سبيل استفهام الإنكار، والمقصود منه الزجر. قال ابن حبان في «صحيحه» (٣): وقوله ﷺ : «أصمت من سرر هذا الشهر؟» لفظةُ استخبارٍ عن فعلٍ، مرادُها الإعلام بنفي جواز استعمال ذلك الفعل [المستخبَر] عنه، كالمنكِر عليه لو فعله. وهذا كقوله لعائشة: «أتسترين الجدار؟» (٤) وأراد به الإنكار عليها بلفظ الاستخبار. وأَمْرُه ﷺ بصوم يومين من شوال أراد به انتهاء (٥) السِّرار، وذلك أن الشهر إذا كان تسعًا وعشرين يَستَسِرُّ القمر يومًا واحدًا، وإذا كان الشهر ثلاثين يستسرّ القمر

стр. 655

يومين، والوقت الذي خاطب به ﷺ (١) هذا الخطاب يشبه أن يكون عدد شعبان كان ثلاثين، فمن أجله أمر بصوم يومين من شوال. آخر كلامه (٢). وقالت طائفة: لعل صوم سرر الشهر كان الرجلُ قد أوجَبَه على نفسه بنذر، فأمره بالوفاء (٣). وقالت طائفة: لعل ذلك الرجل كان قد اعتاد صيام أواخر الشهور، فترك آخر شعبان لظنه أن صومه يكون استقبالًا لرمضان، فيكون منهيًّا عنه، فاستحب له النبي ﷺ أن يقضيه، ورُجِّح هذا بقوله: «إلا صوم كان يصومه أحدكم فليَصُمْه». والنهيُ عن التقدّم لمن لا عادة [له] (٤)، فيتفق الحديثان. والله أعلم. ٧ - باب كراهية صوم يوم الشك ٢٠٦/ ٢٢٣٤ - عن صِلَة ــ وهو ابن زُفَر ــ قال: «كُنَّا عند عَمَّار في اليوم الذي يُشَكُّ فيه، فأتي بشاةٍ، فَتَنَحَّى بعضُ القوم، فقال عمار: من صام هذا اليوم فقد عصَى أبا القاسم ﷺ ».

стр. 656

وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه (١). وقال الترمذي: حسن صحيح. قال ابن القيم ﵀: وقال الدارقطني (٢): إسناده حسن صحيح، و [رواته] كلهم ثقات. قال المنذري: قال: ابن عبد البر (٣): هذا مُسنَد عندهم ولا يختلفون، يعني في ذلك. قال ابن القيم ﵀: وذكر جماعة (٤) أنه موقوف، ونظير هذا قول أبي هريرة: «من لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله» (٥). والحكم على الحديث بأنه مرفوع بمجرد هذا اللفظ لا يصح، وإنما هو لفظ الصحابي قطعًا، ولعله فهم من قول النبي ﷺ : «لا تَقَدَّموا رمضانَ بيوم ولا يومين» أن صيام يوم الشك تقدُّم، فهو معصية، كما فهم أبو هريرة من قوله ﷺ : «إذا دعا أحدُكم أخاه فليُجِبْه» (٦) أن ترْكَ الإجابة معصيةٌ لله

стр. 657

ورسوله. ولا يجوز أن يُقَوَّل رسولُ الله ﷺ ما لم يقله، والصحابي إنما يقول ذلك استنادًا منه إلى دليل فَهِم منه أن مخالفة مقتضاه معصية، ولعله لو ذكر ذلك الدليل لكان له محمل غيرَ ما ظنّه، فقد كان الصحابة يخالف بعضهم بعضًا في كثير من وجوه دلالة النصوص. ٨ - باب في كراهية ذلك (١) ٢٠٧/ ٢٢٣٧ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا انتَصَفَ شعبانُ فلا تصوموا». وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه (٢). وقال الترمذي: حسن صحيح، ومعنى هذا الحديث عند بعض أهل العلم: أن يكون الرجل مُفطرًا، فإذا بقي من شعبان شيء أخذ في الصوم لحال شهر رمضان. آخر كلامه (٣). قال ابن القيم ﵀: الذين رَدُّوا هذا الحديث لهم مأخذان: أحدهما: أنه لم يتابِع العلاءَ عليه أحد، بل انفرد به عن الناس (٤).

стр. 658

وكيف لا يكون هذا معروفًا عند أصحاب أبي هريرة مع أنه أمر تعمّ به البلوى ويتّصل به العمل؟! والمأخذ الثاني: أنهم ظنوه معارضًا لحديث عائشة (١) وأم سلمة (٢) في صيام النبي ﷺ شعبان كله، أو إلا قليلًا منه، وقوله «إلا أن يكون لأحدكم صوم فليصمه»، وسؤاله للرجل عن صوم سرر شعبان. قالوا: وهذه الأحاديث أصح منه. وربما ظن بعضهم أن هذا الحديث لم يسمعه العلاء من أبيه. وأما المصححون له فأجابوا عن هذا بأنه ليس فيه ما يقدح في صحته، وهو حديث على شرط مسلم، أخرج في «صحيحه» عدة أحاديث عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة. وتفرُّدُه به تفرد ثقةٍ بحديث مستقل، وله عدة نظائر في «الصحيح». قالوا: والتفرد الذي يعلل به: تفرُّدُ الرجل عن الناس بوَصْلِ ما أرسلوه، أو رفعِ ما وقفوه، أو زيادةِ لفظةٍ لم يذكروها. وأما الثقة العدل إذا روى حديثًا وتفرد به لم يكن تفرُّدُه علةً، فكم قد تفرد الثقات بسننٍ عن النبي ﷺ عملت بها الأمة؟ قالوا: وأما ظن معارضته بالأحاديث الدالة على صيام شعبان، فلا

стр. 659

معارضة بينهما، فإن تلك الأحاديث تدل على صوم نصفه مع ما قبله، وعلى الصوم المعتاد في النصف الثاني، وحديثُ العلاء يدل على المنع من تعمد الصوم بعد النصف لا لعادةٍ ولا مضافًا إلى ما قبله، ويشهد له حديث التقدُّم (١). وأما كون العلاء لم يسمعه من أبيه، فهذا لم نعلم أن أحدًا علّل به الحديث، فإن العلاء قد ثبت سماعه من أبيه، وفي «صحيح مسلم» عن العلاء عن أبيه بالعنعنة غير حديث (٢). وقد قال ..... (٣): لقيت العلاء بن عبد الرحمن وهو يطوف، فقلت له: بِرَبِّ هذا البيت، حدّثك أبوك عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: إذا انتصف شعبان فلا تصوموا؟ فقال: ورب هذا البيت سمعتُ أبي يحدث عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ــ فذكره ــ (٤). ٩ - باب في شهادة الواحد على رؤية هلال رمضان ٢٠٨/ ٢٢٤٠ - عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: إني رأيتُ الهلال ــ قال الحسن (وهو الحُلواني) في حديثه: يعني رمضان ــ فقال: «أتشهد أن لا إله إلا الله؟» قال: نعم، قال: «أتشهد أن محمدًا

стр. 660

رسول الله؟» قال: نعم، قال: «يا بلالُ أَذِّنْ في الناسِ فليصوموا غدًا». ٢٠٩/ ٢٢٤١ - وعن عكرمة: أنهم شَكُّوا في هلال رمضان مَرَّةً، فأرادوا أن لا يقوموا ولا يصوموا، فجاء أعرابي من الحَرَّةِ فشهد أنه رأى الهلال، فأُتي به النبيُّ ﷺ فقال: «أتشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله؟» قال: نعم، وشهد أنه رأى الهلال، فأمر بلالًا فنادى في الناس أن يقوموا وأن يصوموا». قال أبو داود: رواه جماعة عن سماك عن عكرمة مرسلًا، ولم يذكر القيام أحد إلا حماد بن سلمة. وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه (١) مسندًا ومرسلًا. وقال الترمذي: فيه اختلاف. وذكر النسائي (٢) أن المرسل أولى بالصواب وأن سِماكًا إذا انفرد بأصل لم يكن حجّةً، لأنه كان يُلَقَّن فيتلقَّن. ٢١٠/ ٢٢٤٢ - وعن ابن عمر قال: تَرَاءى الناسُ الهلالَ، فأخبرتُ رسول الله ﷺ أني رأيته، فصامه وأمر الناس بصيامه (٣). قال الدارقطني: تفرّد به مروان بن محمد عن ابن وهب، وهو ثقة (٤).

стр. 661

قال ابن القيم ﵀: وقد روى البيهقي في «سننه» (١) من حديث محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، عن أمه فاطمة بنت حسين: أن رجلًا شهد عند علي على رؤية هلال شهر رمضان فصام، وأحسبه قال: وأمر الناس أن يصوموا، [وقال: «أصومُ] يومًا من شعبان أحب إلي من [أن] أفطر (٢) يومًا من رمضان». وفي «سنن الدارقطني» (٣) من حديث أبي إسماعيل حفص بن عمر الأُبُلِّي، عن مسعر [ق ١١٥] بن كدام وأبي عوانة، عن عبد الملك بن ميسرة، عن طاوس، عن ابن عمر وابن عباس قالا: «إن رسول الله ﷺ أجاز شهادة رجل واحد على رؤية هلال شهر رمضان»، وقالا: «كان رسول الله ﷺ لا يجيز شهادة الإفطار إلا برجلين». وأبو إسماعيل هذا ضعيف جدًّا، وأبو حاتم يرميه بالكذب (٤). ١٠ - باب الرجل يسمع النداء والإناء على يده ٢١١/ ٢٢٤٩ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا سمع أحدُكم النداء والإناءُ على يده فلا يَضَعْهُ حتى يَقضيَ حاجتَه منه» (٥).

стр. 662

قال ابن القيم ﵀: هذا الحديث أعلّه ابن القطان (١) بأنه مشكوك في اتصاله، قال: لأن أبا داود قال: حدثنا عبدُ الأعلى بن حمّاد، أظنه عن حماد (٢)، عن محمد بن عمرو، عن [أبي سلمة، عن] أبي هريرة، فذكره. وقد روى النسائي (٣) عن زِرّ قال: «قلنا لحذيفة: أيَّ ساعة تسحّرتَ مع رسول الله ﷺ ؟ قال: هو النهار، إلا أن الشمس لم تطلع». وقد اختُلف في هذه المسألة، فروى إسحاق بن راهويه (٤) عن وكيع أنه سمع الأعمش يقول: «لو لا الشُّهْرة لصليت الغداة ثم تسحرت». ثم ذكر إسحاق عن أبي بكر الصديق وعلي وحذيفة نحو هذا (٥)، ثم قال: وهؤلاء لم يَرَوا فرقًا بين الأكل وبين الصلاة المكتوبة. آخر كلام إسحاق. وقد حكي ذلك عن ابن مسعود أيضًا (٦).

стр. 663

وذهب الجمهور إلى امتناع السحور بطلوع الفجر، وهو قول الأئمة الأربعة وعامَّةِ فقهاء الأمصار (١)، وروي معناه عن عمر وابن عباس (٢). واحتج الأولون بقول النبي ﷺ : «فكلوا واشربوا حتى يؤذّن ابنُ أم مكتوم» ولم يكن يؤذن إلا بعد طلوع الفجر. كذا في البخاري (٣). وفي بعض الروايات (٤): «وكان رجلا أعمى لا يؤذن حتى يقال: أصبحتَ أصبحتَ!». قالوا: وإن النهار إنما هو من طلوع الشمس. واحتج الجمهور بقوله تعالى ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وبقول النبي ﷺ : «كلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم»، وبقوله: «الفجر فجران، فأما الأول فإنه لا يُحرِّم الطعامَ ولا يُحِل الصلاة، وأما الثاني فإنه يُحرِّم الطعام ويحل الصلاة» رواه البيهقي في «سننه» (٥). قالوا: وأما حديث حذيفة فمعلول، وعلته الوقف، وأن زِرًّا هو الذي

стр. 664

تسحر مع حذيفة، ذكره النسائي (١). ١١ - باب الفطر قبل غروب الشمس ٢١٢/ ٢٢٥٨ - عن أسماء بنت أبي بكر ﵂ قالت: أفطرنا يومًا في رمضان في غَيْم، في عهد رسول الله ﷺ ، ثم طلعت الشمس. قال أبو أسامة ــ وهو حماد بن أسامة ــ: قلت لهشام ــ وهو ابن عروة ــ: أُمِرُوا بالقضاء؟ قال: وبُدٌّ من ذلك؟! وأخرجه البخاري والترمذي وابن ماجه (٢). قال البخاري: قال معمر: سمعتُ هشامًا يقول: لا أدري، أقضَوا أم لا. قال ابن القيم ﵀: واختلف الناس، هل يجب القضاء في هذه الصورة؟ فقال الأكثرون: يجب. وذهب إسحاق بن راهويه وأهل الظاهر إلى أنه لا قضاء عليهم، وحكمهم حكم من أكل ناسيًا (٣). وحكي ذلك عن الحسن (٤) ومجاهد (٥).

стр. 665

واختلف فيه على عمر، فروى زيد بن وهب قال: كنت جالسًا في مسجد رسول الله ﷺ في رمضان في زمن عمر، فأُتِينا بِعِساسٍ (١) فيها شراب من بيت حفصة، فشربنا ونحن نرى أنه من الليل، ثم انكشف السحاب فإذا الشمس طالعة، قال: فجعل الناس يقولون: نقضي يومًا مكانه، فسمع بذلك عمر فقال: والله لا نقضيه! وما تجانفنا لإثم» رواه البيهقي وغيره (٢). وقد روى مالك في «الموطأ» (٣) عن زيد بن أسلم: أن عمر بن الخطاب أفطر ذات يوم في رمضان في يوم ذي غيم، ورأى أنه قد أمسى وغابت الشمس، فجاءه رجل فقال له: يا أمير المؤمنين، قد طلعت الشمس، فقال عمر: «الخَطْب يسير، وقد اجتهدنا». قال مالك: يريد بقوله: «الخطب يسير» القضاءَ فيما نُرى. والله أعلم. وكذلك قال الشافعي (٤). وهذا لا يناقض الأثر المتقدم. وقوله: «وقد اجتهدنا» مُؤذِن بعدم القضاء، وقوله «الخطب يسير» إنما هو تهوين لما فعلوه وتيسير لأمره. ولكن قد رواه الأثرم والبيهقي (٥) عن عمر، وفيه: «من كان أفطر فليصم يومًا

стр. 666

مكانه»، وقدم البيهقي هذه الرواية على رواية زيد بن وهب وجعلها خطأً، وقال: تظاهرت الروايات بالقضاء. قال: وكان يعقوب بن سفيان الفارسي (١) يَحمِل على زيد بن وهب بهذه الرواية المخالفة للروايات المتقدمة. قال: وزيد ثقة إلا أن الخطأ غير مأمون. وفيما قاله نظر، فإن الرواية لم تتظاهر عن عمر بالقضاء، وإنما جاءت من رواية علي بن حنظلة عن أبيه، وكان أبوه صديقًا لعمر، فذكر القصة وقال فيها: «من كان أفطر فليصم يومًا مكانه». ولم أر الأمر بالقضاء صريحًا إلا في هذه الرواية (٢). وأما رواية مالك فليس فيها ذكر للقضاء ولا لعدمه، فتعارضت رواية حنظلة و [رواية] زيد بن وهب، وتَفْضُلُها رواية زيد بن وهب بقدرِ ما بين

стр. 667

حنظلة وبينه من الفضل (١). وقد روى البيهقي (٢) بإسناد فيه نظر عن صهيب أنه أمر أصحابه بالقضاء في قصة جرت لهم مثل هذه. فلو قُدّر تعارض الآثار عن عمر لكان القياس يقتضي سقوط القضاء، لأن الجهل ببقاء اليوم كنسيان نفس الصوم، ولو أكل ناسيًا لصومه لم يجب عليه قضاؤه. والشريعة لم تُفرّق بين الجاهل والناسي، فإنّ كل واحدٍ منهما قد فعل ما يعتقد جوازَه وأخطأ في فعله، وقد استويا في أكثر الأحكام وفي رفع الآثام، فما الموجب للفرق بينهما في هذا الموضع؟ وقد جعل أصحاب الشافعي وغيرهم الجاهل المخطئ أولى بالعذر من الناسي في مواضع متعددة. [ق ١١٦] وقد يقال: إنه في صورة الصوم أعذر منه، فإنه مأمور بتعجيل الفطر استحبابًا، فقد بادر إلى أداء ما أمر به واستحبه له الشارع، فكيف يفسد

стр. 668

صومه؟ وفساد صوم الناسي أولى منه، لأن فعله غير مأذون له فيه، بل غايته أنه عفو، فهو دون المخطئ الجاهل في العذر. وبالجملة: فلم يُفرَّق بينهما في الحج، ولا في مفسدات الصلاة، كحمل النجاسة وغير ذلك. وما قيل من الفرق بينهما بأن الناسي غير مكلف والجاهل مكلف؛ إن أريد به التكليف بالقضاء فغير صحيح، لأن هذا هو المتنازع فيه. وإن أريد به أن فعل الناسي لا ينتهض سببًا للإثم ولا يتناوله الخطاب الشرعي، فكذلك فعل المخطئ. وإن أريد أن المخطئ ذاكر لصومه مُقْدِم على قطعه، ففِعله داخل تحت التكليف بخلاف الناسي= فلا يصحّ أيضًا لأنه يعتقد خروج زمن الصوم، وأنه مأمور بالفطر، فهو مُقْدِم على فعل ما يعتقده جائزًا، وخطؤه في بقاء اليوم كنسيان الآكل في اليوم، فالفعلان سواء، فكيف يتعلق التكليف بأحدهما دون الآخر؟! وأجود ما فرق به بين المسألتين: أن المخطئ كان متمكّنًا من إتمام صومه بأن يؤخر الفطر حتى يتيقّن الغروب، بخلاف الناسي فإنه لا يضاف إليه الفعل، ولم يكن يمكنه الاحتراز. وهذا، وإن كان فرقًا في الظاهر، فهو غير مؤثر في وجوب القضاء، كما لم يؤثر في الإثم اتفاقًا. ولو كان منسوبًا إلى تفريط لَلَحِقَه الإثم، فلما اتفقوا على أن الإثم موضوع عنه دل على أن فعله غير منسوب فيه إلى تفريط، لا سيما وهو مأمور بالمبادرة إلى الفطر. والسبب الذي دعاه إلى الفطر غير منسوب إليه في الصورتين، وهو النسيان في مسألة الناسي، وظهورُ الظلمة وخفاءُ النهار في صورة المخطئ؛ فهذا أطعمه الله وسقاه بالنسيان، وهذا

стр. 669

أطعمه الله بإخفاء النهار، ولهذا قال صهيب: «هي طُعْمَة الله» (١)، ولكن هذا أولى، فإنها طعمة الله إذنًا وإباحةً، وإطعام الناسي طعمته عفوًا ورفعَ حرجٍ، فهذا مقتضى الدليل. ١٢ - باب السواك للصائم ٢١٣/ ٢٢٦٣ - عن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه ﵄ قال: «رأيت رسول الله ﷺ يَسْتَاك وهو صائم، ما لا أعُدُّ ولا أُحصِي». وأخرجه الترمذي (٢)، وقال: حسن. هذا آخر كلامه. وفي إسناده عاصم بن عبيد الله، وقد تكلم فيه غير واحد (٣). وذكر البخاري هذا الحديث في «صحيحه» (٤) معلقًا في الترجمة فقال: ويُذكر عن عامر بن ربيعة. قال ابن القيم ﵀: وقد روى ابن ماجه (٥) من حديث عائشة عن النبي ﷺ قال: «من خير خصال الصائم السواك». قال البخاري (٦): وقال ابن عمر: «يستاك أول النهار وآخره». وقال زياد بن حُدَير: «ما رأيت أحدًا أَدْأَبَ سواكًا وهو صائم مِن عمر

стр. 670

- ﵁، أراه قال: بعُودٍ قد ذَوِي» رواه البيهقي (١). ولو احتُجَّ عليه بعموم قوله ﷺ : «لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» (٢)، لكانت حجةً، وبقوله ﷺ : «السواك مطهرة للفم مرضاة للرب» (٣)، وسائرِ الأحاديث المُرغِّبة في السواك من غير تفصيل. ولم يجئ في منع الصائم منه حديث صحيح. قال البيهقي (٤): وقد روي عن علي بإسناد ضعيف: «إذا صمتم فاستاكوا بالغداة ولا تستاكوا بالعشيّ، فإنه ليس من صائم تَيْبَس شفتاه بالعشي إلا كانتا نورًا بين عينيه يوم القيامة». وروى عمر بن قيس (٥) عن عطاء عن أبي هريرة قال: لك السواك إلى العصر، فإذا صليتَ العصر فألْقِه، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول:

стр. 671

«لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك». وهذا لو صح عن أبي هريرة، فالثابت عن عمر وابن عمر يخالفه، والذين يكرهونه يخالفونه أيضًا، فإنهم يكرهونه من بعد الزوال، وأكثر أهل العلم لا يكرهونه. والله أعلم. ١٣ - باب في الصائم يحتجم ٢١٤/ ٢٢٦٦ - عن ثوبان عن النبي ﷺ قال: «أفطر الحاجم والمحجوم». وأخرجه النسائي وابن ماجه (١). ٢١٥/ ٢٢٦٧ - وعن شداد بن أوس ﵁: أن رسول الله ﷺ أتى على رجل بالبَقِيع وهو يحتجم، وهو آخذ بيدي، لِثَمَانِ عَشْرةَ خلتْ من رمضان، فقال: «أفطر الحاجم والمحجوم». وأخرجه النسائي وابن ماجه (٢). قال ابن القيم ﵀: ولفظ النسائي فيه عن شداد بن أوس قال: كنت أمشي مع النبي ﷺ عام فتح مكة، لثمانِ عشْرَةَ أو سبعَ (٣) عشرةَ مضت من رمضان، فمر برجل يحتجم فقال: «أفطر الحاجم والمحجوم». قال: وروى ابن ماجه (٤) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «أفطر

стр. 672

الحاجم والمحجوم». ورواه أحمد في «مسنده» (١). وروى أحمد (٢) أيضًا عن عائشة عن النبي ﷺ : «أفطر الحاجم والمحجوم». وروى أحمد (٣) أيضًا عن أسامة بن زيد عن النبي ﷺ : «أفطر الحاجم والمحجوم». وروى الحسن عن علي عن النبي ﷺ قال: «أفطر الحاجم والمحجوم» رواه النسائي (٤). وعن أبي موسى عن النبي ﷺ قال: «أفطر الحاجم والمحجوم» رواه النسائي (٥)، وأعله بالوقف.

стр. 673

وعن مَعْقِل بن سِنان الأشجعي أنه قال: مر عليَّ رسول الله ﷺ وأنا أحتجم في ثمان عشرة ليلة خلت من رمضان، فقال: «أفطر الحاجم والمحجوم»، رواه أحمد والنسائي (١) عن الحسن عن (٢) معقل. ورواه النسائي (٣) أيضًا عن الحسن عن معقل بن يسار عن النبي ﷺ . وعن الحسن عن غير واحد من أصحاب النبي ﷺ قال: «أفطر الحاجم والمحجوم» رواه النسائي (٤). وعن عطاء عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «أفطر الحاجم

стр. 674

والمحجوم» رواه النسائي (١). قال المنذري: قال أحمد (٢): أحاديث «أفطر الحاجم [ق ١١٧] والمحجوم» و «لا نكاح إلا بولي» يَشُدُّ بعضُها بعضًا، وأنا أذهب إليها. قال ابن القيم ﵀: وقال أبو زرعة: حديث عطاء عن أبي هريرة مرفوعًا: «أفطر الحاجم والمحجوم» (٣) حديث حسن، ذكره الترمذي (٤) عنه. وقال علي ابن المديني أيضًا في رواية عنه (٥): لا أعلم في: «أفطر الحاجم» حديثًا أصح من حديث رافع بن خديج (٦).

стр. 675

وقال (١) في حديث شدّاد: لا أرى الحديثين إلا صحيحين، وقد يمكن أن يكون أبو أسماء سمعه منهما (٢). وقال عثمان بن سعيد الدارمي (٣): صح عندي حديث: «أفطر الحاجم والمحجوم» ــ لحديث ثوبان وشداد بن أوس ــ وأقول به، وسمعتُ أحمد بن حنبل يقول به، وذكر أنه صح عنده حديث ثوبان وشداد. وقال إبراهيم الحربي (٤) في حديث شداد: هذا إسناد صحيح تقوم به الحجة، قال: وهذا الحديث صحيح بأسانيد، وبه نقول. وعن قتادة عن شهر عن بلال قال: قال رسول الله ﷺ : «أفطر الحاجم والمحجوم» رواه النسائي (٥).

стр. 676

وقال الترمذي في كتاب «العلل» (١): سألت البخاري، فقال: ليس في هذا الباب شيء أصح من حديث شداد بن أوس [وثوبان]، فقلتُ: وما فيه من الاضطراب؟ فقال: كلاهما عندي صحيح، لأن يحيى بن أبي كثير (٢) روى عن أبي قلابة عن أبي أسماء عن ثوبان، وعن أبي الأشعث عن شدّاد، الحديثين جميعًا. فقد حكم البخاري بصحة حديث ثوبان وشداد. ١٤ - الرخصة في ذلك ٢١٦/ ٢٢٦٨ - عن عكرمة عن ابن عباس: «أن رسول الله ﷺ احتجم وهو صائم». وأخرجه البخاري والترمذي والنسائي (٣). ولفظ الترمذي: «احتجم رسول الله ﷺ وهو محرم صائم». ٢١٧/ ٢٢٦٩ - وعن مِقْسَم عن ابن عباس: «أن رسول الله ﷺ احتجم وهو صائم محرم». وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه (٤)، وقال الترمذي: حسن صحيح.

стр. 677

٢١٨/ ٢٢٧٠ - وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: حدّثني رجل من أصحاب النبي ﷺ : أن رسول الله ﷺ نهى عن الحجامة والمواصَلة ــ ولم يُحَرِّمْهما ــ إبقاءً على أصحابه، فقيل له: يا رسول الله، إنك تواصل إلى السَّحَر؟ فقال: «إنّي أُوَاصِلُ إلى السَّحَر، وربِي يُطعمني ويسقيني» (١). ٢١٩/ ٢٢٧١ - وعن ثابت قال: قال أنس: «ما كنا نَدَع الحجامة للصائم إلَّا كراهية الجَهْد». وأخرجه البخاري (٢)، وقال: وزاد شَبابة قال: حدثنا شعبة: «على عهد النبي ﷺ ». قال ابن القيم ﵀: وروى الدارقطني في «سننه» (٣) عن أنس قال: أول ما كُرِهت الحجامة للصائم أن جعفر بن أبي طالب احتجم وهو صائم، فمر به النبي ﷺ ، فقال: «أفطر هذان»، ثم رخص النبي ﷺ بعدُ في الحجامة للصائم، وكان أنس يحتجم وهو صائم. قال الدارقطني: كلهم ثقات، ولا أعلم له علة. وعن أبي سعيد الخدري قال: «رخص رسول الله ﷺ في القبلة للصائم، ورخص في الحجامة» رواه النسائي (٤). فذهب إلى هذه الأحاديث جماعة من العلماء، ويُروى ذلك عن سعد بن أبي وقاص، وابن مسعود، وابن عباس، وعبد الله بن عمر،

стр. 678

والحسين بن علي، وزيد بن أرقم، وعائشة، وأم سلمة، وأبى سعيد الخدري، وأبي هريرة (١). وهو مذهب عروة بن الزبير، وسعيد بن جبير (٢)، وغيرهما. وقال به مالك والشافعي وأبو حنيفة (٣). وذهب إلى أحاديث الفطر بها جماعة، منهم علي بن أبي طالب، وأبو موسى الأشعري (٤). وروى المعتمر عن أبيه عن الحسن عن غير واحد من أصحاب النبي ﷺ قالوا: «أفطر الحاجم

стр. 679

والمحجوم» ذكره النسائي (١). وأما أبو هريرة، فروى عنه أبو صالح: «أفطر الحاجم والمحجوم» ذكره النسائي (٢). وروى عنه شقيق بن ثور عن أبيه أنه قال: «لو أحتجم ما بالَيتُ» ذكره عبد الرزاق والنسائي (٣) أيضًا. وأما عائشة فروى عطاء وعِياض بن عروة عنها: «أفطر الحاجم والمحجوم» ذكره النسائي (٤). وقال البيهقي (٥): رويت الرخصة عنها. وذهب إلى الفطر بها من التابعين: عطاء بن أبي رباح، والحسن، وابن سيرين (٦). وذهب إلى ذلك عبد الرحمن بن مهدي، والأوزاعي، والإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه، وأبو بكر بن المنذر، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة (٧). وأجاب المرخّصون عن أحاديث الفطر بأجوبة: أحدهما: القدح فيها وتعليلها. الثاني: دعوى النسخ فيها. الثالث: أن الفطر فيها لم يكن لأجل الحجامة، بل لأجل الغيبة، وذكر الحاجم والمحجوم للتعريف لا للتعليل. الرابع: تأويلها على معنى أنه قد تَعرَّض لأن يُفطِر، لِما يلحقه من الضعف، فـ «أفطَرَ» بمعنى يُفطر. الخامس: أنه على حقيقته، وأنهما أفطرا حقيقةً، ومرور النبي ﷺ بهما

стр. 680

كان مساءً في وقت الفطر، فأخبر ﷺ أنهما قد أفطرا، ودخلا في وقت الفطر، يعني فليصنعا ما أحبّا. السادس: أن هذا تغليظ ودعاء عليهما، لا أنه أخبر عن حكمٍ شرعي بفطرهما. السابع: أن إفطارهما بمعنى إبطال ثواب صومهما، كما جاء: «خمس يفطرن الصائم: الكذب، والغيبة، والنميمة، والنظرة السوء، واليمين الكاذبة» (١)، وكما جاء: «الحدث حدثان: [حدث الفَرْج، و] حدث اللسان، وهو أشدهما» (٢). الثامن: أنه لو قُدِّر تعارض الأخبار جملةً لكان الأخذ بأحاديث الرخصة أولى لتأيُّدها بالقياس، وشواهد أصول الشريعة لها، إذ الفطر إنما قياسه أن يكون بما يدخل الجوف لا بالخارج منه، كالفِصاد والتشريط ونحوه. قال المفطرون: ليس في هذه الأجوبة شيء يصح. أما جواب المعللين فباطل، فإن الأئمة العارفين بهذا الشأن قد تظاهرت أقوالهم بتصحيح بعضها كما تقدم. والباقي: إما حسن يصلح للاحتجاج به

стр. 681

وحده، وإما ضعيف، فهو يصلح للشواهد والمتابعات، وليس العمدة عليه، وممن صحح ذلك: أحمد، وإسحاق، وعلي ابن المديني، وإبراهيم الحربي (١)، وعثمان بن سعيد الدارمي، والبخاري، وابن المنذر (٢). وكل من له علم بالحديث يشهد بأن هذا الأصل محفوظ عن النبي ﷺ لتعدد طرقه، وثقة رواته واشتهارهم بالعدالة. قالوا: والعجب ممن يذهب إلى أحاديث الجهر بالبسملة، وهي دون هذه الأحاديث في الشهرة والصحة، ويترك هذه الأحاديث، وكذلك أحاديث الفطر [ق ١١٨] بالقيء مع ضعفها وقلّتها! وأين تقع من أحاديث الفطر بالحجامة؟! وكذلك أحاديث الإتمام في السفر، وأحاديث أقل الحيض وأكثره، وأحاديث تقدير المهر بعشرة دراهم، وأحاديث الوضوء بنبيذ التمر، وأحاديث الشهادة في النكاح، وأحاديث التيمم ضربتان، وأحاديث المنع من فسخ الحج إلى التمتع، وأحاديث تحريم القراءة على الجنب والحائض، وأحاديث تقدير الماء الذي يحمل النجاسة بالقلتين؛ قالوا: وأحاديث الفطر بالحجامة أقوى وأشهر وأعرف من هذه، بل ليست دون أحاديث نقض الوضوء بمس الذكر. وأما قول بعض أهل الحديث (٣): لا يصح في الفطر بالحجامة حديث، فمجازفة باطلة أنكرها أئمة الحديث، كالإمام أحمد، لما حكي له قول ابن

стр. 682

معين أنكره عليه (١). ثم في هذه الحكاية عنه أنه لا يصح في مس الذكر حديث، ولا في النكاح بلا ولي (٢)، ولم يلتفت القائلون بذلك إلى قوله. وأما تطرُّق التعليل إليها، فمَن نظر في عللها واختلاف طرقها، أفاده ذلك علمًا لا يشك فيه بأن الحديث محفوظ. وعلى قول جمهور الفقهاء والأصوليين لا يُلتفَت إلى شيء من تلك العلل، فإنها (٣) بين تعليل بوقف بعض الرواة وقد رفعها آخرون، أو إرسالِها وقد وصلها آخرون، وهم ثقات، والزيادة من الثقة مقبولة. قالوا: فعلى قول منازعينا هذه العلل باطلة، لا يلتفت إلى شيء منها. وقد ذكرت عللها والأجوبة عنها في مصنّف مفرد في المسألة (٤).

стр. 683

قالوا: وأما دعوى النسخ فلا سبيل إلى صحتها، ونحن نذكر ما احتجوا به على النسخ ثم نبين ما فيه. قالوا: قد صح عن ابن عباس: أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم محرم. قال الشافعي (١): وسماع ابن عباس (٢) عن النبي ﷺ عام الفتح، ولم يكن يومئذ مُحْرِمًا، ولم يَصْحبه محرمًا قبل حجة الإسلام. فذكر ابن عباس حجامة النبي ﷺ عام حجة الإسلام سنة عشر، وحديث «أفطر الحاجم والمحجوم» سنة ثمان، فإن كانا ثابتين فحديث ابن عباس ناسخ. قالوا: ويدل على النسخ حديثُ أنس في قصة جعفر، وقد تقدم. قالوا: ويدل عليه حديث أبي سعيد في الرخصة فيها، والرخصة لا تكون إلا بعد تقدم المنع. قال المفطرون: الثابت أن النبي ﷺ احتجم وهو محرم، وأما قوله: «وهو صائم» فإن الإمام أحمد قال: لا تصح هذه اللفظة، وبيّن أنها وهم، ووافقه غيره (٣) على ذلك، وقالوا: الصواب «احتجم وهو محرم»، وممن ذكر ذلك عنه الخلال في كتاب «العلل» (٤).

стр. 684

وقد روي هذا الحديث على أربعة أوجه: أحدها: «احتجم وهو محرم» فقط. وهذا في «الصحيحين» (١). الثاني: «احتجم وهو محرم، واحتجم وهو صائم». انفرد به البخاري (٢). الثالث: «احتجم وهو محرم صائم». ذكره الترمذي وصححه، والنسائي، وابن ماجه. الرابع: «احتجم وهو صائم» فقط. ذكره أبو داود (٣). وأما حديث: «احتجم وهو صائم» فهو مختصر من حديث ابن عباس في البخاري: «احتجم رسول الله ﷺ وهو محرم، واحتجم وهو صائم». وأما حديث «احتجم وهو محرم صائم» فهذا هو الذي تمسك به من ادّعى النسخ. وأما لفظ: «احتجم وهو صائم» فلا يدل على النسخ ولا تصح المعارضة به لوجوه: أحدها: أنه لا يُعلم تاريخه، ودعوى النسخ لا تثبت بمجرد الاحتمال. الثاني: أنه ليس فيه أن الصوم كان فرضًا، ولعله كان صوم نفل خرج منه. الثالث: حتى لو ثبت أنه صوم فرضٍ، فالظاهر أن الحجامة إنما تكون

стр. 685

للعذر، ويجوز الخروج من صوم الفرض بعذر المرض. والواقعة حكاية فعل، لا عموم لها. ولا يقال: قوله «وهو صائم» جملةُ حالٍ مقارنةٍ للعامل فيها، فدل على مقارنة الصوم للحجامة؛ لأن الراوي لم يذكر أن النبي ﷺ قال: إني باقٍ على صومي، وإنما رآه يحتجم وهو صائم، فأخبر بما شاهده ورآه، ولا علم له بِنيَّة النبي ﷺ ، ولا بما فعل بعد الحجامة، مع أن قوله: «وهو صائم» حال من الشروع في الحجامة وابتدائها، فكان ابتداؤها مع الصوم، وكأنه قال: احتجم في اليوم الذي كان صائمًا فيه، ولا يدل ذلك على استمرار الصوم أصلا. ولهذا نظائر منها: حديث الذي وقع على امرأته وهو صائم، وقوله في «الصحيحين» (١): وقعت على امرأتي وأنا صائم. والفقهاء وغيرهم يقولون: وإن جامع وهو محرم، وإن جامع وهو صائم، ولا يكون ذلك فاسدًا من الكلام، فلا تُعطَّل نصوص الفطر بالحجامة بهذا اللفظ المُحتمِل. وأما قوله: «احتجم وهو محرم صائم»، فلو ثبتت هذه اللفظة لم يكن فيها حجة لما ذكرناه، ولا دليل فيها أيضًا على أن ذلك كان بعد قوله: «أفطر الحاجم والمحجوم»، فإن هذا القول منه كان في رمضان سنة ثمان من الهجرة عام الفتح، كما جاء في حديث شداد، والنبي ﷺ أحرم بعمرة الحديبية سنة ست، وأحرم من العام القابل بعمرة القضية، وكلا العمرتين (٢) قبل ذلك، ثم دخل مكة عام الفتح ولم يكن محرمًا، ثم حج حجة الوداع،

стр. 686

فاحتجامه وهو صائم محرم لم يبيَّن [ق ١١٩] في أي إحراماته كان؟ وإنما تمكن دعوى النسخ إذا كان ذلك قد وقع في حجة الوداع أو في عمرة الجعرانة حتى يتأخر ذلك عن عام الفتح الذي قال فيه: «أفطر الحاجم والمحجوم»، ولا سبيل إلى بيان ذلك. وأما رواية ابن عباس له، وهو ممن صحب النبي ﷺ بعد الفتح، فلا تُثير ظنًّا، فضلًا عن النسخ به، فإن ابن عباس لم يقل: شهدت رسول الله ﷺ ، ولا: رأيته فعل ذلك، وإنما روى ذلك روايةً مطلقة، ومن المعلوم أن أكثر روايات ابن عباس إنما أخذها من الصحابة، والذي فيه سماعه من النبي ﷺ لا يبلغ عشرين قصة، كما قاله غير واحد من الحفاظ، فمن أين لكم أن ابن عباس لم يروِ هذا عن صحابي آخر، كأكثر رواياته؟ وقد روى ابن عباس أحاديث كثيرةً مقطوع بأنه لم يسمعها من النبي ﷺ ولا شهدها، ونحن نقول إنها حجة، لكن لا يثبت (١) بذلك تأخُّرُها ونسخها لغيرها، ما لم يُعلم التاريخ. وبالجملة، فدعوى النسخ إنما تثبت بشرطين: أحدهما: تعارض المَتْنين (٢)، والثاني: العلم بتأخر أحدهما. وقد تبين أنه لا سبيل إلى واحد منهما في مسألتنا، بل من المقطوع به أن هذه القصة لم تكن في رمضان، فإن النبي ﷺ لم يحرم في رمضان، فإن عُمَرَه كانت في ذي القعدة، وفتح مكة كان في رمضان، ولم يكن مُحرِمًا، فغايتها أنها في صوم تطوع في السفر، وقد كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ الفطر في السفر. ولما خرج في (٣)

стр. 687

الفتح صام حتى بلغ الكَدِيد، ثم أفطر، والناس ينظرون إليه (١). ثم لم يُحفظ عنه أنه صام بعد هذا في سفر قط. ولما شك الصحابة في صيامه يوم عرفة أرسلوا أمَّ الفضل إليه بقَدَح فشربه (٢)، فعلموا أنه لم يكن صائمًا. فقصة الاحتجام وهو صائم محرم إما غلط، كما قال الإمام أحمد وغيره، وإما قبل الفتح قطعًا، وعلى التقديرين فلا يُعارَض بها قوله عام الفتح: «أفطر الحاجم والمحجوم». وعلى هذا فحديث ابن عباس إما أن (٣) يدل على أنّ الحجامة لا تفطّر أو لا يدل. فإن لم يدل لم يَصلح للنسخ. وإن دل فهو منسوخ بما ذكرنا من حديث شدّاد، فإنه مؤرَّخ بعام الفتح، فهو متأخر عن إحرام النبي ﷺ صائمًا، وتقريره ما تقدم. وهذا القلب في دعوى كونه منسوخًا أظهر من ثبوت النسخ به. وعياذًا بالله من شر مقلّدٍ عصبيٍّ يرى العلم جهلًا، والإنصاف ظلمًا، وترجيح الراجح على المرجوح عدوانًا! وهذه المضايق لا يصحب السالك فيها إلا من صَدَقت في العلم نيتُه وعَلَت همَّتُه. وأما من أخلد إلى أرض التقليد، واستوعر طريق الترجيح، فيقال له: ما ذا عُشَّكِ فادرُجي (٤)!
следующие страницы →