← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 201

تهذيب سنن أبي داود - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 675 стр.). Показаны 683–722 · переход к 688.

стр. 683

قالوا: وأما دعوى النسخ فلا سبيل إلى صحتها، ونحن نذكر ما احتجوا به على النسخ ثم نبين ما فيه. قالوا: قد صح عن ابن عباس: أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم محرم. قال الشافعي (١): وسماع ابن عباس (٢) عن النبي ﷺ عام الفتح، ولم يكن يومئذ مُحْرِمًا، ولم يَصْحبه محرمًا قبل حجة الإسلام. فذكر ابن عباس حجامة النبي ﷺ عام حجة الإسلام سنة عشر، وحديث «أفطر الحاجم والمحجوم» سنة ثمان، فإن كانا ثابتين فحديث ابن عباس ناسخ. قالوا: ويدل على النسخ حديثُ أنس في قصة جعفر، وقد تقدم. قالوا: ويدل عليه حديث أبي سعيد في الرخصة فيها، والرخصة لا تكون إلا بعد تقدم المنع. قال المفطرون: الثابت أن النبي ﷺ احتجم وهو محرم، وأما قوله: «وهو صائم» فإن الإمام أحمد قال: لا تصح هذه اللفظة، وبيّن أنها وهم، ووافقه غيره (٣) على ذلك، وقالوا: الصواب «احتجم وهو محرم»، وممن ذكر ذلك عنه الخلال في كتاب «العلل» (٤).

стр. 684

وقد روي هذا الحديث على أربعة أوجه: أحدها: «احتجم وهو محرم» فقط. وهذا في «الصحيحين» (١). الثاني: «احتجم وهو محرم، واحتجم وهو صائم». انفرد به البخاري (٢). الثالث: «احتجم وهو محرم صائم». ذكره الترمذي وصححه، والنسائي، وابن ماجه. الرابع: «احتجم وهو صائم» فقط. ذكره أبو داود (٣). وأما حديث: «احتجم وهو صائم» فهو مختصر من حديث ابن عباس في البخاري: «احتجم رسول الله ﷺ وهو محرم، واحتجم وهو صائم». وأما حديث «احتجم وهو محرم صائم» فهذا هو الذي تمسك به من ادّعى النسخ. وأما لفظ: «احتجم وهو صائم» فلا يدل على النسخ ولا تصح المعارضة به لوجوه: أحدها: أنه لا يُعلم تاريخه، ودعوى النسخ لا تثبت بمجرد الاحتمال. الثاني: أنه ليس فيه أن الصوم كان فرضًا، ولعله كان صوم نفل خرج منه. الثالث: حتى لو ثبت أنه صوم فرضٍ، فالظاهر أن الحجامة إنما تكون

стр. 685

للعذر، ويجوز الخروج من صوم الفرض بعذر المرض. والواقعة حكاية فعل، لا عموم لها. ولا يقال: قوله «وهو صائم» جملةُ حالٍ مقارنةٍ للعامل فيها، فدل على مقارنة الصوم للحجامة؛ لأن الراوي لم يذكر أن النبي ﷺ قال: إني باقٍ على صومي، وإنما رآه يحتجم وهو صائم، فأخبر بما شاهده ورآه، ولا علم له بِنيَّة النبي ﷺ ، ولا بما فعل بعد الحجامة، مع أن قوله: «وهو صائم» حال من الشروع في الحجامة وابتدائها، فكان ابتداؤها مع الصوم، وكأنه قال: احتجم في اليوم الذي كان صائمًا فيه، ولا يدل ذلك على استمرار الصوم أصلا. ولهذا نظائر منها: حديث الذي وقع على امرأته وهو صائم، وقوله في «الصحيحين» (١): وقعت على امرأتي وأنا صائم. والفقهاء وغيرهم يقولون: وإن جامع وهو محرم، وإن جامع وهو صائم، ولا يكون ذلك فاسدًا من الكلام، فلا تُعطَّل نصوص الفطر بالحجامة بهذا اللفظ المُحتمِل. وأما قوله: «احتجم وهو محرم صائم»، فلو ثبتت هذه اللفظة لم يكن فيها حجة لما ذكرناه، ولا دليل فيها أيضًا على أن ذلك كان بعد قوله: «أفطر الحاجم والمحجوم»، فإن هذا القول منه كان في رمضان سنة ثمان من الهجرة عام الفتح، كما جاء في حديث شداد، والنبي ﷺ أحرم بعمرة الحديبية سنة ست، وأحرم من العام القابل بعمرة القضية، وكلا العمرتين (٢) قبل ذلك، ثم دخل مكة عام الفتح ولم يكن محرمًا، ثم حج حجة الوداع،

стр. 686

فاحتجامه وهو صائم محرم لم يبيَّن [ق ١١٩] في أي إحراماته كان؟ وإنما تمكن دعوى النسخ إذا كان ذلك قد وقع في حجة الوداع أو في عمرة الجعرانة حتى يتأخر ذلك عن عام الفتح الذي قال فيه: «أفطر الحاجم والمحجوم»، ولا سبيل إلى بيان ذلك. وأما رواية ابن عباس له، وهو ممن صحب النبي ﷺ بعد الفتح، فلا تُثير ظنًّا، فضلًا عن النسخ به، فإن ابن عباس لم يقل: شهدت رسول الله ﷺ ، ولا: رأيته فعل ذلك، وإنما روى ذلك روايةً مطلقة، ومن المعلوم أن أكثر روايات ابن عباس إنما أخذها من الصحابة، والذي فيه سماعه من النبي ﷺ لا يبلغ عشرين قصة، كما قاله غير واحد من الحفاظ، فمن أين لكم أن ابن عباس لم يروِ هذا عن صحابي آخر، كأكثر رواياته؟ وقد روى ابن عباس أحاديث كثيرةً مقطوع بأنه لم يسمعها من النبي ﷺ ولا شهدها، ونحن نقول إنها حجة، لكن لا يثبت (١) بذلك تأخُّرُها ونسخها لغيرها، ما لم يُعلم التاريخ. وبالجملة، فدعوى النسخ إنما تثبت بشرطين: أحدهما: تعارض المَتْنين (٢)، والثاني: العلم بتأخر أحدهما. وقد تبين أنه لا سبيل إلى واحد منهما في مسألتنا، بل من المقطوع به أن هذه القصة لم تكن في رمضان، فإن النبي ﷺ لم يحرم في رمضان، فإن عُمَرَه كانت في ذي القعدة، وفتح مكة كان في رمضان، ولم يكن مُحرِمًا، فغايتها أنها في صوم تطوع في السفر، وقد كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ الفطر في السفر. ولما خرج في (٣)

стр. 687

الفتح صام حتى بلغ الكَدِيد، ثم أفطر، والناس ينظرون إليه (١). ثم لم يُحفظ عنه أنه صام بعد هذا في سفر قط. ولما شك الصحابة في صيامه يوم عرفة أرسلوا أمَّ الفضل إليه بقَدَح فشربه (٢)، فعلموا أنه لم يكن صائمًا. فقصة الاحتجام وهو صائم محرم إما غلط، كما قال الإمام أحمد وغيره، وإما قبل الفتح قطعًا، وعلى التقديرين فلا يُعارَض بها قوله عام الفتح: «أفطر الحاجم والمحجوم». وعلى هذا فحديث ابن عباس إما أن (٣) يدل على أنّ الحجامة لا تفطّر أو لا يدل. فإن لم يدل لم يَصلح للنسخ. وإن دل فهو منسوخ بما ذكرنا من حديث شدّاد، فإنه مؤرَّخ بعام الفتح، فهو متأخر عن إحرام النبي ﷺ صائمًا، وتقريره ما تقدم. وهذا القلب في دعوى كونه منسوخًا أظهر من ثبوت النسخ به. وعياذًا بالله من شر مقلّدٍ عصبيٍّ يرى العلم جهلًا، والإنصاف ظلمًا، وترجيح الراجح على المرجوح عدوانًا! وهذه المضايق لا يصحب السالك فيها إلا من صَدَقت في العلم نيتُه وعَلَت همَّتُه. وأما من أخلد إلى أرض التقليد، واستوعر طريق الترجيح، فيقال له: ما ذا عُشَّكِ فادرُجي (٤)!

стр. 688

قالوا: وأما حديث أنس في قصة جعفر (١)، فجوابنا عنه من وجوه: أحدها: أنه من رواية خالد بن مَخْلَد، عن ابن المُثنّى. قال الإمام أحمد (٢): خالد بن مخلد له مناكير. قالوا: ومما يدل على أن هذا الحديث من مناكيره أنه لم يروه أحد من أهل الكتب المعتمدة، لا أصحاب الصحيح ولا أحد من أهل السنن، مع شهرة إسناده، وكونه في الظاهر على شرط البخاري، ولا احتج به الشافعي، مع حاجته إلى إثبات النسخ، حتى سلك ذلك المسلك في حديث ابن عباس، فلو كان هذا صحيحًا لكان أظهرَ دلالة وأبينَ في حصول النسخ. قالوا: وأيضًا فجعفر إنما قدم من الحبشة عام خيبر، أو آخر سنة ست وأول سنة سبع، وقُتل (٣) عام مؤتة قبل الفتح ولم يشهد الفتح، فصام مع النبي ﷺ رمضانًا واحدًا سنة سبع، وقول النبي ﷺ : «أفطر الحاجم والمحجوم» بعد ذلك في الفتح سنة ثمان. فإن كان حديث أنس محفوظًا، فليس فيه أن الترخيص وقع بعد عام الفتح، وإنما فيه أن الترخيص وقع بعد قصة جعفر. وعلى هذا فقد وقع الشك في الترخيص وقولِه في الفتح: «أفطر الحاجم والمحجوم»، أيهما هو المتأخر؟ ولو كان حديث أنس قد ذُكر فيه الترخيص بعد الفتح لكان حجةً، ومع وقوع الشك في التاريخ لا يثبت النسخ. قالوا: وأيضًا فالذي يبين أن هذا لا يصح عن أنس: ما رواه البخاري في

стр. 689

«صحيحه» (١) عن ثابت قال: «سئل أنس: أكنتم تكرهون الحجامة للصائم؟ قال: لا، إلا من أجل الضعف»، وفي رواية: «على عهد النبي ﷺ ». فهذا يدل على أن أنسًا لم يكن عنده رواية عن النبي ﷺ أنه فطّر بها، ولا أنه رخص فيها، بل الذي عنده كراهتها من أجل الضعف. ولو عَلِم أن النبي ﷺ رخّص فيها بعد الفطر بها، لم يَحتج أن يجيب بهذا مِن رأيه، ولم يَكره شيئًا رخّص فيه رسول الله ﷺ . وأيضًا فمن المعلوم أن أهل البصرة أشد الناس في التفطير بها. وذكر الإمام أحمد (٢) وغيره أن البصرة كانت إذا دخل شهر رمضان يُغلقون حوانيت الحجّامين. وقد تقدم مذهب الحسن وابن سيرين إمامَي البصرة أنهما كانا يفطّران بالحجامة، مع أن فتاوى أنس نُصْب أعينهم، وأنس آخر من مات بالبصرة من الصحابة، فكيف يكون عند أنس أن النبي ﷺ رخّص في الحجامة [ق ١٢٠] للصائم بعد نهيه عنها، والبصريون يأخذون عنه، وهم على خلاف ذلك؟! وعلى القول بالفطر بها، لا سيما وحديث أنس فيه أن ثابتًا سمعه منه، وثابت من أكبر مشايخ أهل البصرة ومن أخصّ أصحاب الحسن= فكيف تشتهر بين أهل البصرة السنّة المنسوخة، ولا يعلمون الناسخة ولا يعملون بها، ولا تُعرف بينهم ولا يتناقلونها، بل هم على خلافها؟! هذا محال. قالوا: وأيضًا فأبو قلابة من أخص أصحاب أنس، وهو الذي يروي قوله: «أفطر الحاجم والمحجوم» من طريق أبي أسماء عن ثوبان، ومن

стр. 690

طريق أبي الأشعث عن شداد (١). وعلى حديثه اعتمد أئمة الحديث وصححوه، وشهدوا أنه أصح أحاديث الباب. فلو كان عند أنس عن النبي ﷺ سنة تنسخ ذلك، لكان أصحابه أعلمَ بها، وأحرصَ على روايتها من أحاديث الفطر بها. والله أعلم. قالوا: وأما حديث أبي سعيد (٢) فجوابه من وجوه: أحدها: أنه حديث قد اختلف فيه عليه، فرواه أبو المتوكل عنه، واختلف عليه، فرفعه المعتمر عن حميد عن أبي المتوكل (٣)، ووقفه بِشر وإسماعيل وابن أبي عَدي عن حُمَيد (٤). ووقفه أبو نضرةَ عن أبي سعيد (٥)، وأبو نضرة من أروى الناس عنه وأعلمهم بحديثه. ووقفه قتادة عن أبي المتوكل (٦)، فالواقفون له أكثر وأشهر، فالحكم لهم عند المحدِّثين (٧).

стр. 691

الثاني: أن ذكر الحجامة فيه ليس من كلام النبي ﷺ . قال ابن خزيمة (١): الصحيح أن ذكر الحجامة فيه من كلام أبي سعيد، ولكن بعض الرواة أدرجه فيه. الثالث: أنه ليس فيه بيان للتاريخ، ولا يدل على أن هذا الترخيص كان بعد الفتح، وقولكم: «إن الرخصة لا تكون إلا بعد النهي» باطل بنفس الحديث، فإن فيه: «رخص رسول الله ﷺ في القبلة للصائم»، ولم يتقدّم منه نهي عنها، ولا قال أحد: إن هذا الترخيص فيها ناسخ لمَنْعٍ تقدَّم. وفي الحديث: «إن الماء من الماء كانت رخصة في أول الإسلام» (٢)، فسمى الحكم المنسوخ رخصة، مع أنه لم يتقدم حظره، بل المنع منه متأخر. وبالجملة، فهذه المآخذ لا تفيد مقاومةً لأحاديث الفطر، ولا تأخُّرًا عنها، فكيف تُنسخ بها؟! قالوا: وأما جوابكم الثالث بأن الفطر فيها لم يكن للحجامة، وذكر الحاجم للتعريف المحض، كزيد وعمرٍو= ففي (٣) غاية البطلان من وجوه: أحدها: أن ذلك يتضمن الإيهام (٤) والتلبيس، بأن يَذكر وصفًا يُرتِّب

стр. 692

عليه الحكم ولا يكون له فيه تأثير البتة. الثاني: أن هذا يُبطل عامة أحكام الشرع التي (١) رتّبها على الأوصاف، إذا تطرَّق إليها هذا الخيال والوهم الفاسد، كقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا﴾ [النور: ٢]، ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ﴾ [النساء: ١٨]. ومعلوم أنه ليس بأيدينا إلا أوصاف رُتِّبت عليها الأحكام، فإن جاز أن تكون تلك الأوصاف للتعريف لا للتعليل بطلت الأحكام. الثالث: أنه لا يَفهم قط (٢) أحدٌ من الخاصة والعامة مِن قول القائل: «القاتل لا يرث» و «العبد لا يرث» و «الكافر لا يرث» و «القاذف لا تُقبل شهادته» و «المُحْدِث لا تصحّ صلاته» وأمثال ذلك= إلا تَعلُّقَ الأحكام بتلك الأوصاف. ولهذا لا يَحسُن ذكر وصفٍ لا تأثير له في الحكم، كما لو قال: أفطر الخيّاط والمخيط له، وأفطر الحامل والمحمول له، وأفطر الشاهد والمشهود له!! ومن قال هذا عُدَّ كلامه سُخْفًا، وتعجَّب الناس من قوله، فكيف يضاف ذلك إلى الشارع؟! سبحانك هذا بهتان عظيم! الرابع: أن هذا قدح في أفهام الصحابة الذين هم أعرف الناس وأفهم الناس بمراد نبيهم، وبمقصوده من كلامه، وقد قال أبو موسى لرجل قال له:

стр. 693

ألا تحتجم نهارًا؟ أتأمرني أن أُهَرِيقَ دمي وأنا صائم وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أفطر الحاجم والمحجوم»؟ (١). والذين فطَّروا بذلك من الصحابة كعلي وأبي موسى وغيرهم إنما يحتجون بالحديث. وكان جماعة من الصحابة لا يحتجمون في الصيام إلا ليلًا، منهم عبد الله بن عمر وابن عباس وأبو موسى وأنس، ويحتجّون بالحديث (٢). الخامس: أن هذا يتضمن تعليق الحكم ــ وهو الفطر ــ بوصفٍ لا ذِكر له في الحديث أصلًا، وإبطالَ تعليقه بالوصف الذي علقه به الشارع، وهذا من أبطل الباطل. السادس: أنه لو صح ذلك ــ وحاشا لله ــ في قوله: «أفطر الحاجم والمحجوم»، فكيف يصح ذلك في حديث أنس الذي جعلتموه عمدتكم في الباب، وهو قوله لجعفر ــ وقد مرّ به وهو يحتجم ــ: «أفطَرَ هذان» ثم رخّص

стр. 694

في الحجامة بعدُ؟ وفي قوله: نهى عن الحجامة ولم يحرّمها؟ السابع: أنه كيف يتفق بضعةَ عشر صحابيًّا على رواية أحاديثَ كلُّها متفقة بلفظ واحد، ويكون النبي ﷺ قد ذكر الحجامة فيها ولا تأثير لها في الفطر، وكلهم يقول: «أفطر الحاجم والمحجوم»؟! الثامن: أنه كيف يجوز للصحابة أن يُفتوا بذلك، [ق ١٢١] ويقولوا: أفطر الحاجم والمحجوم؟ أفترى استمر التعريف بذلك دائمًا؟! ودَفْع الأحاديث متى وصل إلى هذا الحد ساء وقبُح جدًّا! التاسع: أنّا نقول: نعم، وهو للتعريف بلا شك، فإن أحكام الشارع إنما تُعرَّف بالأوصاف وتُرْبَط بها، وتعمّ الأمة لأجلها، فالوصف في الحديث المذكور لتعريف حكمه، وأنه مرتبط بهذا الوصفِ منوط به. العاشر: أن صاحب القصة التي جرت له قال: مر عليَّ النبي ﷺ وأنا أحتجم، فقال: «أفطر الحاجم والمحجوم»، فلو كان فطره بغير ذلك لبينه له الشارعُ لحاجته إليه، ولم يَخْفَ على الصحابي ذلك، ولم يكن لذكره الحجامةَ معنًى. وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، فكيف يترك الشارع بيان الوصف المفطِّر فلا يبينه للمكلَّف، ويذكر له وصفًا لا يفطّر بحال؟! وأما قولهم: إن الفطر بالغيبة، فهذا باطل من وجوه: أحدها: أن ذلك لا يثبت، وإنما جاء في حديث واحد من تلك الأحاديث: «وهما يغتابان الناس» (١)، مع أنها زيادة باطلة.

стр. 695

الثاني: أنه لو ثبت لكان الأخذ بعموم اللفظ الذي عَلَّق به الحكم، دون الغِيبة التي لم يُعلِّق بها الحكم. الثالث: أنه لو كان ما ذكروه صحيحًا لكان موجَب البيان أن يقول: أفطر المغتابان، على عادته وعُرْفه مِن ذكر الأوصاف المُؤثِّرة دون غيرها، فكيف يَعدِل عن الغيبة المؤثّرة إلى الحجامة المُهدَرة؟! الرابع: أن هذا يتضمن حمل الحديث على خلاف الإجماع وتعطيله، فإن المنازع لا يقول بأن الغيبة تفطِّر، فكيف يَحمل الحديثَ على ما يعتقد بطلانه؟! الخامس: أن سياق الأحاديث يُبطل هذا التأويل، كما تقدم. السادس: أن معقل بن سنان قال: مرَّ بي رسول الله ﷺ وأنا أحتجم، فقال: «أفطر الحاجم والمحجوم»، ولم يكن يغتاب أحدًا، ولا جرى للغيبة ذكر أصلًا. قالوا: وأما الجواب الرابع (١) بأن «أفطر» بمعنى سيفطر، ففاسد أيضًا

стр. 696

لتضمنه الإيهام بخلاف المراد، ولفهم الصحابة خلافه، ولاطِّراد (١) هذا اللفظ دون مجيئه بالمعنى الذي ذكروه، ولشدَّة مخالفته للوضع، ولذكر [الحاجم مع] (٢) المحجوم، فإنه وإن تعرَّض المحجوم للفطر بالضعف، فأي ضَعْف يلحق الحاجم؟ وكون الحاجم متعرِّضًا لابتلاع الدم، والمحجوم متعرضًا للضعف، هذا التعليل لا يُبطل الفطرَ بالحجامة، بل هو مقرِّر للفطر بها، وإلا فلا يجوز استنباط وصف من النص يعود عليه بالإبطال. بل هذا الوصف إن كان له تأثير في الفطر، وإلا فالتعليل به باطل. قالوا: وأما الجواب الخامس: أن النبي ﷺ مر بهما مساءً فقال ذلك، فمما لا يجوز أن يحمل الحديث عليه، وأي تأثير للحجامة؟ بل كل الناس قد أفطر. وأيضًا فهذا كذب، فإنه ليس في الحديث ما يدل على ذلك أصلًا، فقائله مُخبِر بالكذب. وأيضًا فأي حاجة إلى قول أنس: «ثم رخص بعدُ في الحجامة»؟! وأيضًا: فأي حاجة بالصحابة أن يؤخروا احتجامهم إلى الليل، وكيف يفتون الأمة بفطرهم بأمرٍ قد فُعِل مساءً لا تأثير له في الفطر؟! والحمد لله على المعافاة من رد الأحاديث بمثل هذه الخيالات! وأما جوابكم السادس: أن هذا تغليظ ودعاء عليهما، لا أنه حكم

стр. 697

شرعي، فالمجيب به كالمستجير من الرمضاء بالنار! فإنهما لم يفعلا محرَّمًا عندكم ولا مفطِّرًا، بل فعلا ما أباحه لهما الشارع عندكم، فكيف يُغلَّظ (١) عليهما ويُدعَى عليهما؟! ومتى عُهِد في عرف الشارع الدعاء على المكلف بالفطر وفساد العبادة؟! وسائر الوجوه المتقدمة تبطل هذا أيضًا. وأما جوابكم السابع بأن المراد إبطال أجر صومهما، فكذلك أيضًا، فإنكم لا تبطلون أجرهما بذلك، ولا تحرِّمون الحجامة، ثم لو كان المراد إبطال الأجر لكان ذلك مقرِّرًا لفساد الصوم لا لصحته، فإنه قد أَخبَر عن أمرٍ يتضمن بطلانَ أجرهما لزومًا واستنباطًا، وبطلانَ صومهما صريحًا ونصًّا، فكيف يُعطَّل ما دل عليه صريحُه ويُعتبر ما استُنبِط منه، مع أنه لا منافاة بينه وبين الصريح؟! بل المعنَيان حق، قد بطل صومهما وأجرهما إذا كانت الحجامة لغير مرض. وأما جوابكم الثامن أن الأحاديث لو قُدِّر تعارضها لكان الأخذ بأحاديث الرخصة أولى لموافقتها القياس، فجوابه: أولًا: أن الأحاديث ــ بحمد الله ــ ليست متعارضة، وقد بيّنا أنه لا معارِض لأحاديث المنع. ويقال ثانيًا: لو قُدِّر تعارضها فالأخذ بأحاديث الفطر متعيِّن، لأنها ناقلة عن الأصل، وأحاديث الإباحة موافِقة لما كان الأمر عليه قبل جعلها مُفطِّرةً، والناقل مقدَّم على المُبْقي.

стр. 698

ويقال ثالثًا: ليس في أحاديث الرخصة لفظ صريح، وإنما غايتها أن تكون فعلًا محتمِلًا للوجوه التي تقدمت، فكيف تُقدَّم على القول الصريح؟! ويقال رابعًا: أحاديث الفطر صريحة متعددة الطرق، رواها عن النبي ﷺ أربعة عشر نفسًا، وساق الإمام أحمد أحاديثهم كلها (١). وهُم: رافع بن خديج، وثوبان، وشداد بن أوس، وأبو هريرة، وعائشة، وبلال، وأسامة بن زيد، ومعقل بن سنان، وعلي بن أبي طالب (٢)، وسعد بن أبي وقاص، وأبو زيد الأنصاري (٣)، وأبو [ق ١٢٢] موسى، وابن عباس، وابن عمر (٤)؛ فكيف تُقدَّم عليها أحاديث هي بين أمرين: صحيح لا دلالة فيه، أو ما فيه دلالة ولكن هو غير صحيح؟! وقد تقدم ذكر ذلك في الكلام على الأحاديث وبينَّا أنه ليس فيها حديث واحد يصلح للمعارضة. وعلى هذا، فالقياس الذي أشرتم إليه فاسد الاعتبار. ثم نقول: بل القياس من جانبنا، لأن الشارع علّق الفطر بإدخال ما فيه قِوام البدن من الطعام والشراب، وبإخراجه من القيء واستفراغ المني، وجَعَل الحيض مانعًا من الصوم لِما فيه من خروج الدم المُضْعِف للبدن.

стр. 699

قالوا: فالشارع قد نهى الصائم عن أخذ ما يُقِيته (١)، وعن إخراج ما يُضعفه، وكلاهما مقصود له؛ لأن الشارع أمر بالاقتصاد في العبادات، ولا سيما في الصوم، ولهذا أمر بتعجيل الفطور وتأخير السحور، فله قصدٌ في حفظ قوة الصائم عليه كما له قصدٌ في منعه من إدخال المفطّرات. وشاهده الفطر بالقيء والحيض والاستمناء، فالحجامة كذلك أو أولى، وليس معنا في القيء ما يماثل أحاديث الحجامة، فكيف يفطر به دون الحجامة، مع أن الفطر بها أولى منه نصًّا وقياسًا واعتبارًا. قالوا: ولهذا سوّى (٢) بين الغالب منهما والمُستَدْعَى، فلا يُفطِر إذا ذرعه القيء، كما لا يفطر بالرُّعاف وخروج الدم من الدمل والجرح؛ وكما يفطر بالاستقاء عمدًا، كذلك يفطر بإخراج الدم عمدًا بالحجامة. قالوا: وشاهده أن دم الحيض لمّا كان يجري في وقت وينقطع في وقت جعل الشارع صومها في وقت الطهر مغنيًا عن صومها وقت الدم، ولمّا كان دم الاستحاضة لا ضابط له، ولعله أن يستمر، جوَّز لها الصوم مع جرَيانه، كصاحب الرعاف ونحوه. فليس القياس إلا مع النصوص، يدور معها حيث دارت. وأما قياسكم ذلك على الفِصاد ونحوه، فنقول: القائلون بأن الحجامة تفطِّر لهم فيها أربعة أقوال: أحدها: أن المحتجم يُفْطِر وحده دون الحاجم، وهذا ظاهر كلام

стр. 700

الخرقي (١)، فإنه قال في المفطِّرات: «أو احتجم»، ولم يقل: أو حجم. الثاني، وهو منصوص الإمام أحمد: أنه يُفطِر كل منهما، وهذا قول جمهور أصحابه المتقدمين والمتأخرين (٢). ثم اختلف هؤلاء في التشريط والفِصاد على ثلاثة أقوال، أحدها: أنه لا يُفْطِر بهما، والثاني: يفطر بهما، والثالث: يفطر بالتشريط دون الفصاد، لأن التشريط عندهم حجامة. واختلفوا في التشريط والفصاد: أيهما أولى بالفطر؟ والصواب: الفطر بالحجامة والفصاد والتشريط، وهو اختيار شيخنا أبي العباس ابن تيمية (٣)، واختيار صاحب «الإفصاح»، لأن المعنى الموجود في الحجامة موجود في الفِصاد طبعًا وشرعًا، وكذلك في التشريط، وقد بينّا أن الفطر بالحجامة هو مقتضى القياس، ولا فرق في ذلك بين الفصاد والتشريط؛ فبأيِّ وجهٍ أخرج الدم أفطر به، كما يفطر بالاستقاء بأي وجهٍ استَقاء: إما بإدخال يده في فيه، أو بشمّه ما يُقيئه، أو بوضع يده على بطنه وتَطامُنه، وغير ذلك؛ فالعبرة بخروج الدم عمدًا لا بكيفية الإخراج، كما استوى خروج الدم بذلك في إفساد الصلاة ونقض الطهارة عند القائلين به. وبهذا يتبين توافقُ النصوص والقياس، وشهادة أصول الشرع وقواعده،

стр. 701

وتصديقُ بعضها بعضًا. فإن قيل: فهب أن هذا يتأتّى لكم في المحجوم، فما الموجِب لفطر الحاجم؟ قلنا: لمّا كان الحاجم يجتذب الهواء الذي في القارورة بامتصاصه، والهواء يجتذب ما فيها من الدم، فربما صعد مع الهواء شيء من الدم، ودخل في حلقه وهو لا يشعر، والحكمة إذا كانت خفيَّةً عُلِّق الحكم بمظِنَّتها، كما أن النائم لما كان قد يخرج منه الريح ولا يشعر بها عُلِّق الحكم بالمظنة، وهو النوم وإن لم يخرج منه ريح. فإن قيل: فطرد هذا أن لا يُفْطِرَ الشارط. قلنا: نعم، ولا الحاجم الذي يشرط ولا يَمُصّ، أو يمصّه مفطر غيره، وليس في هذا مخالفة للنص، فإن كلام النبي ﷺ خرج على الحاجم المعتاد، وهو الذي يمصّ الدم، وكلامه إنما يعم المعتاد، فاستعمال اللفظ فيه فقَصْرُه (١) على الحاجم المعتاد لا يكون تعطيلًا للنص، والله أعلم. ١٥ - باب الصائم يحتلم نهارًا في رمضان ٢٢٠/ ٢٢٧٢ - عن زيد بن أسلم عن رجل من أصحابه عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يُفْطِرُ من قاء، ولا مَن احتلم، ولا من احتجم» (٢). (٣)

стр. 702

قال ابن القيم ﵀: هذا الحديث قد اختُلف في إسناده ووصله وإرساله، واختلف في متنه، فرواه هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن عطاء عن ابن عباس، وقال: «القيء والرُّعاف والاحتلام»، ذكره ابن عدي (١). ورواه الدارقطني (٢) من حديث هشام عن زيد بن أسلم عن عطاء عن أبي سعيد، وذكر فيه «الاحتجام» بدل «الرعاف». ورواه الترمذي (٣) من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد فقال: «الحجامة والقيء والاحتلام». قال الترمذي: حديث أبي سعيد غير محفوظ، وقد روى عبد الله بن زيد بن أسلم، وعبدُ العزيز بن محمد، وغيرُ واحد (٤) هذا الحديثَ [ق ١٢٣] عن زيد بن أسلم مرسلًا، لم يذكروا فيه: «عن أبي سعيد» (٥).

стр. 703

وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم يُضعَّف في الحديث، سمعتُ أبا داود السِّجْزي يقول: سألت أحمد بن حنبل عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، فقال: أخوه عبد الله بن زيد لا بأس به. قال: وسمعتُ محمدًا (١) يذكر عن علي بن عبد الله قال: عبد الله بن زيد بن أسلم ثقة، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيف. قال محمد: ولا أروي عنه شيئًا. ١٦ - باب الصائم يستقيء عامدًا ٢٢١/ ٢٢٧٥ - عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من ذَرَعه قيءٌ وهو صائم فليس عليه قضاء، وإن استقاء فليقض». وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه (٢). وقال الترمذي: حديث حسن غريب، لا نعرفه من حديث هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، إلا من حديث عيسى بن يونس. وقال محمد ــ يعني البخاري ــ: لا أراه محفوظًا. قال أبو عيسى: وقد رُوي هذا الحديث من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، ولا يصح إسناده. وقال أبو داود (٣): سمعت أحمد بن حنبل قال: ليس مِن ذا شيء. قال

стр. 704

الخطابي (١): يريد أن الحديث غير محفوظ. قال ابن القيم ﵀: هذا الحديث له علة، ولعِلّته علة! أما علته فوَقْفه على أبي هريرة، وقَفَه عطاء (٢) وغيره. وأما علة هذه العلة، فقد روى البخاري في «صحيحه» (٣) بإسناده عن أبي هريرة أنه قال: «إذا قاء فلا يُفطِر، إنما يُخرِج ولا يُولج» قال: ويُذكر عن أبي هريرة أنه يُفطر، والأول أصح. ٢٢٢/ ٢٢٧٦ - وعن مَعْدَان بن طلحة أن أبا الدرداء حدثه: أن رسول الله ﷺ قاء فأفْطَر، فلقيت ثوبان مولى رسول الله ﷺ في مسجد دمشق، فقلت: إنَّ أبا الدرداء حدثني أن رسول الله ﷺ قاء فأفطر؟ قال: صَدَقَ، وأنا صببتُ له وَضُوءَهُ. وأخرجه الترمذي والنسائي (٤). وقال الترمذي: وقد جَوَّد حسين المعلم هذا الحديث، وحديث حسين أصح شيء في هذا الباب. وقال الإمام أحمد بن حنبل (٥): حسين المعلم يُجوِّده.

стр. 705

قال ابن القيم ﵀: وقد روى البيهقي (١) من حديث فَضالة بن عُبَيد قال: أصبح رسول الله ﷺ صائمًا فقاء فأفطر، فسئل عن ذلك فقال: «إني (٢) قِئت». وروى أيضًا (٣) عن ابن عمر موقوفًا عليه: «من ذرعه القيء فلا قضاء عليه، ومن استقاء فعليه القضاء». قال: وعن أبي هريرة مثله (٤)، وروي مرفوعًا، والحفاظ لا يرونه محفوظًا (٥). ١٧ - باب القُبلة للصائم ٢٢٣/ ٢٢٧٧ - عن الأسود وعلقمة عن عائشة قالت: «كان رسول الله ﷺ يُقَبِّلُ وهو صائم، ويُباشِر وهو صائم، ولكنه كان أمْلَكَ لإِرْبه». وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي (٦) جمعًا وإفرادًا. وأخرجه ابن ماجه (٧) من حديث القاسم بن محمد عن عائشة. ٢٢٤/ ٢٢٧٨ - وعنها قالت: «كان النبي ﷺ يُقَبِّلُ في شهر الصوم».

стр. 706

وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه (١). ٢٢٥/ ٢٢٧٩ - وعنها قالت: «كان رسول الله ﷺ يُقَبلني وهو صائم، وأنا صائمة». وأخرجه النسائي (٢). ٢٢٦/ ٢٢٨٠ - وعن جابر بن عبد الله قال: قال عمر بن الخطاب: هَشَشْتُ فقبَّلت وأنا صائم، فقلت: يا رسول الله، صنعتُ اليوم أمرًا عظيمًا، قبلتُ وأنا صائم، قال: «أرأيتَ لو مَضمَضتَ من الماء وأنت صائم؟»، قلت: لا بأس به»، قال: «فمَهْ؟!». وأخرجه النسائي (٣). قال ابن القيم ﵀: وقد أخرجا في «الصحيحين» من حديث أم سلمة (٤) وحفصة (٥): «أن رسول الله ﷺ كان يُقبِّل وهو صائم».

стр. 707

وفي «صحيح مسلم» (١) عن عمر (٢) بن أبي سلمة أنه سأل رسول الله ﷺ : أيقبل الصائم؟ فقال رسول الله ﷺ : «سل هذه» لأم سلمة، فأخبرته أن رسول الله ﷺ يصنع ذلك، فقال: يا رسول الله، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال له رسول الله ﷺ : «إني لأتقاكم لله وأخشاكم له». ١٨ - كراهية ذلك للشَّاب (٣) ٢٢٧/ ٢٢٨٢ - عن أبي هريرة ﵁: «أن رجلًا سأل النبي ﷺ عن المباشرة للصائم؟ فرَخَّصَ له، وأتاه آخر فنهاه، فإذا الذي رخَّصَ له شيخ، والذي نهاه شابٌّ» (٤). قال ابن القيم ﵀: قال ابن حزم (٥): فيه أبو العَنْبَس عن الأَغَرّ، وأبو العنبس هذا مجهول. قال عبد الحق: ولم أجد أحدًا ذكره ولا سمّاه (٦). وروى البيهقي (٧) عن عائشة أن النبي ﷺ رخّص في القُبلة للشيخ وهو

стр. 708

صائم، ونهى عنها الشاب، وقال: «الشيخ يملك إربه، والشاب يُفسد صومَه». وأرخص فيها ابن عباس للشيخ وكرهها للشاب (١). وسأل فتًى عبدَ الله بن عمر عن القبلة وهو صائم؟ فقال: لا، فقال شيخ عنده: لِمَ تُحْرِج الناس وتُضيِّق عليهم؟ والله ما بذلك بأس. فقال ابن عمر: أما أنت فقبِّل، فليس عند استك خير! (٢). وروي إباحة القُبلة عن سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود (٣)، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس. وأما ما روي عن ابن مسعود أنه كان يقول في القُبلة قولًا شديدًا ــ يعني يصوم مكانه (٤) ــ فقال البيهقي: هذا محمول على ما إذا أنزل. وهذا

стр. 709

التفسير (١) من بعض الرواة لا من ابن مسعود. والله أعلم. ١٩ - باب الصائم يبتلع الريق ٢٢٨/ ٢٢٨١ - عن عائشة ﵂: «أن النبي ﷺ كان يُقَبِّلها وهو صائم ويَمُصُّ لسانها» (٢). في إسناده محمد بن دينار الطاحي البصري، قال يحيى بن معين: ضعيف، وفي رواية: ليس به بأس، ولم يكن له كتاب. وقال غيره: صدوق (٣). وقال ابن عدي الجرجاني (٤): قوله: «ويمص لسانها» في المتن لا يقوله إلا محمد بن دينار، وهو الذي رواه. وفي إسناده أيضًا سعد بن أوس، قال ابن معين (٥): بصري ضعيف. قال ابن القيم ﵀: وقال عبد الحق (٦): «لا تصح هذه الزيادة في مص اللسان، لأنها من حديث محمد بن دينار عن سعد بن أوس، ولا يحتج بهما. وقد قال ابن الأعرابي (٧): بلغني عن أبي داود أنه قال: هذا الحديث

стр. 710

ليس بصحيح». ٢٠ - من أصبح جنبًا في شهر رمضان ٢٢٩/ ٢٢٨٣ - عن عائشة وأم سلمة زَوْجَي النبي ﷺ أنهما قالتا: «كان رسول الله ﷺ يصبح جُنبًا في رمضان من جِماع غير احتلام، ثم يصوم». وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي (١) مختصرًا ومطولًا. وقال أبو داود: ما أقل من يقول هذه الكلمة، يعني: «يصبح جنبًا في رمضان»، وإنما الحديث: «كان يصبح جنبًا وهو صائم». هذا آخر كلامه. وقد وقعت هذه الكلمة في «صحيح مسلم» وفي كتاب النسائي (٢). ٢٣٠/ ٢٢٨٤ - وعن أبي يونس مولى عائشة، عن عائشة زوج النبي ﷺ : أن رجلًا قال لرسول الله ﷺ وهو واقف على الباب: يا رسول الله، إني أصبح جُنبًا وأنا أريد الصيام؟ فقال رسول الله ﷺ : «وأنا أصبح جنبًا وأنا أريد الصيام، فأغتسلُ وأصوم»، فقال الرجل: يا رسول الله، إنك لستَ مثلنا، قد غَفَر الله لك ما تَقدم من ذنبك وما تأخَّر، فغضب رسول الله ﷺ وقال: «والله إني لأرجو أن أكونَ أخشاكم لله وأعلمَكم بما أَتَّبع». وأخرجه مسلم والنسائي (٣). قال ابن القيم ﵀: اختلف السلف في هذه المسألة: فذهب بعضهم

стр. 711

إلى إبطال صومه إذا أصبح جنبًا واحتجوا بما في «صحيح مسلم» (١) عن أبي هريرة أنه كان يقول في قصصه: «من أدركه الفجر جنبًا فلا يصوم». واختلفت الرواية عن أبي هريرة، فالمشهور عنه أنه لا يصح صومه. وعنه رواية ثانية (٢): أنه إن علم بجنابته ثم نام حتى يُصبح فهو مفطر، وإن لم يعلم حتى أصبح فهو صائم. وروي هذا المذهب عن طاوس وعروة بن الزبير (٣). وذهبت طائفة إلى أن الصوم إن كان فرضًا لم يصح، وإن كان نفلًا صح، وروي هذا عن إبراهيم النخعي والحسن البصري (٤). وعن أبي هريرة رواية ثالثة: أنه رجع عن فتياه إلى قول الجماعة (٥). وذهب الجمهور إلى صحة صومه مطلقًا في الفرض والنفل، وقالوا: حديث أبي هريرة منسوخ. واستشكل طائفة ثبوتَ النسخ، وقالت: شرط النسخ أن يعلم تأخُّره بنقلٍ، أو تُجمِعَ الأمةُ على ترك الخبر المعارض له فيعلم أنه منسوخ، وكلا الأمرين منتفٍ هاهنا، فمِن أين لكم أن خبر أبي هريرة متقدّم على خبر عائشة؟!

стр. 712

والجواب عن هذا: أنه لا يصح أن يكون آخر الأمرين من رسول الله ﷺ إبطالَ الصوم بذلك، لأن أزواجه أعلم الأمة بهذا الحكم، وقد أخبرْنَ بعد وفاته ﷺ أنه كان يُصبح جنبًا ثم يصوم. [ق ١٢٤] ولو كان هذا هو المتقدم لكان المعروفُ عند أزواجه مثلَ حديث أبي هريرة، ولم يحتجَّ أزواجه بفعله الذي كان يفعله ثم نُسِخ، ومُحال أن يخفى هذا عليهن، فإنه كان يَقْسِم لهن إلى أن مات في الصوم والفطر. هذا مع أن الحديث في مسلم غير مرفوع، وإنما فيه: «كان أبو هريرة يقول في قصصه» حسب، وفي الحديث أن أبا هريرة لما حُوقِق على ذلك ردَّه إلى الفضل بن عباس، فقال: «سمعت ذلك من الفضل، ولم أسمعه من النبي ﷺ »، هذا الذي في مسلم (١)، وفي لفظ: «حدثني الفضل بن عباس» (٢). قال البخاري (٣): وقال همام وابن عبد الله بن عمر عن أبي هريرة: «كان النبي ﷺ يأمر بالفطر»، والأول أسند. ولكن رفعه صحيح، رواه سفيان عن عمرو عن (٤) يحيى بن جَعْدة قال: سمعتُ عبد الله بن عمرٍو القاريَّ قال: سمعت أبا هريرة يقول: «لا، وربِّ هذا البيت ما أنا قلته: من أدركه الصبح وهو جنب فلا يصم، محمد ﷺ

стр. 713

قاله» (١). ومع هذا فقد روى النسائي (٢) من حديث أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال: كنت مع عبد الرحمن عند مروان فذكروا أن أبا هريرة يقول: من احتلم وعلم باحتلامه ولم يغتسل حتى يصبح، فلا يصم ذلك اليوم، قال: اذهبْ فسَلْ أزواج النبي ﷺ عن ذلك. فذهب، وذهبت معه ــ فذكر الحديث ــ وقال: فأتيتُ مروان فأخبرتُه قولَهما ــ يعني أم سلمة وعائشة ــ فاشتد عليه اختلافهم تخوّفًا أن يكون أبو هريرة يُحدّث عن رسول الله ﷺ (٣)، فقال مروان لعبد الرحمن: عزمتُ عليك لمَّا أتيتَه فحدّثته: أعن رسول الله ﷺ تروي هذا؟ قال: لا، إنما حدّثني فلان وفلان. ولا ريب أن أبا هريرة لم يسمع ذلك من النبي ﷺ ، وقال مرة: «أخبرنيه الفضل بن عباس»، ومرة قال: «أخبرنيه أسامة بن زيد» (٤)، وفي رواية عنه: «أخبرنيه فلان وفلان»، وفي رواية: «أخبرني رجل» (٥)، وفي رواية: «أخبرنيه مخبر» (٦)، وفي رواية «هكذا كنت أحسب» (٧).

стр. 714

قال المنذري (١): قال الخطابي (٢): وأحسن ما سمعت في تأويل ما رواه أبو هريرة في هذا أن يكون ذلك محمولًا على النسخ، وذلك أن الجماع كان في أول الإسلام محرَّمًا على الصائم في الليل بعد النوم كالطعام والشراب. فلما أباح الله الجماع إلى طلوع الفجر جاز للجنب إذا أصبح قبل أن يغتسل أن يصوم ذلك اليوم لارتفاع الحظر المتقدم، فيكون تأويل قوله: «من أصبح جنبًا فلا صومَ له» أي مَن جامع في الصوم بعد النوم فلا يجزئه صومُ غدِه، لأنه لا يصبح جنبًا إلا وله أن يطأ قبل الفجر بطرفة [عين]، فكان أبو هريرة يفتي بما سمعه من الفضل بن العباس على الأمر الأول ولم يعلم بالنسخ، فلما سمع خبر عائشة وأم سلمة [صار إليه. وقال الشافعي (٣): أخذنا بحديث عائشة وأم سلمة] (٤) زوجَي النبي ﷺ دون ما روى أبو هريرة [عن رجل] عن رسول الله ﷺ لمعانٍ: منها: أنهما زوجتاه، وزوجتاه أعلم بهذا من رجل إنما يعرفه سماعًا أو خبرًا. ومنها: أن عائشة مقدَّمة في الحفظ، وأن أم سلمة حافظة، ورواية اثنين أكثر من واحد.

стр. 715

ومنها: أن الذي روتا عن النبي ﷺ المعروفُ في المعقول والأشبه [بالسنة]ــ وبسط الكلامَ في شرح هذا ــ، ومعناه: أن الغسل شيء وجب بالجماع وليس في فعله شيء محرَّم على من صام، فقد يحتلم بالنهار فيجب عليه الغسل ويُتم صومَه لأنه لم يجامع في نهار؛ وجَعَله شبيهًا بالمُحْرِم يُنهى عن الطيب، ثم يتطيب حلالًا ثم يُحْرِم وعليه لونُه وريحه، لأن نفس التطيُّب كان وهو مباح. ٢١ - باب كفارة من أتى أهله في نهار رمضان ٢٣١/ ٢٢٨٥ - عن أبي هريرة ﵁ قال: أتى رجل النبي ﷺ قال: هلكتُ، قال: ما شأنك؟ قال: وقعتُ على امرأتي في رمضان. قال: «فهل تجدُ ما تُعتِق رقبةً؟» قال: لا. قال: «فهل تستطيع أن تصومَ شهرين متتابعين؟» قال: لا. قال: «فهل تستطيع أن تُطعم ستّين مسكينًا؟» قال: لا. قال: «اجلسْ»، فأُتيَ النبي ﷺ بعَرَق فيه تمر، فقال: «تَصَدَّقْ به». فقال: يا رسول الله، ما بين لَابَتَيها أهلُ بيتٍ أفقرَ منّا، فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت ثناياه، قال: «فأطْعِمْه إيَّاهم». وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه (١)، بنحوه. وفي رواية (٢) زاد الزهري: وإنما كان هذا رخصة له خاصّة، فلو أن رجلًا فعل ذلك اليوم لم يكن له بُدّ من التكفير. وذكر أبو داود أن الأوزاعي زاد فيه: «واسْتَغفِر الله». ٢٣٢/ ٢٢٨٦ - وعنه: أن رجلًا أفطر في رمضان، فأمره رسول الله ﷺ أن يُعتق رقبةً، أو يصوم شهرين متتابعين، أو يُطعم ستين مسكينًا، قال: لا أجد، فقال

стр. 716

له رسول الله ﷺ : «اجلسْ»، فأُتي رسول الله ﷺ بعَرَق تمرٍ، فقال: «خذ هذا فتصدق به»، فقال: يا رسول الله ما أحدٌ أحوجَ مني، فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت أنيابه، وقال له: «كُلْه» (١). ٢٣٣/ ٢٢٨٧ - وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ أفطر في رمضان ــ بهذا الحديث ــ قال: فأُتي بِعَرَقٍ فيه تمر قَدْرُ خمسةَ عشرَ صاعًا، وقال فيه: «كُلْه أنت وأهلُ بيتك، وصم يومًا واسْتَغفِر الله» (٢). قال ابن القيم ﵀: هذه الزيادة، وهي الأمر بالصوم، قد طعن فيها غير واحد من الحفاظ، قال عبد الحق (٣): وطريق حديث مسلم أصح وأشهر، وليس فيها «صم يومًا» ولا مكيلةُ (٤) التمر، ولا الاستغفار، وإنما يصح حديث القضاء مرسلًا، وكذلك ذكره مالك في «الموطأ» (٥)، وهو من مراسيل سعيد بن المسيب. رواه مالك عن عطاء بن عبد الله الخراساني عن سعيد بالقصة، وقال: «كُلْه، وصُم يومًا مكان ما أصبت». والذي أنكره الحفاظ ذكر هذه اللفظة في حديث الزهري، فإن أصحابه الأثبات الثقات، كيُونُس، وعُقَيل، ومالك، واللَّيث بن سعد، وشعيب،

стр. 717

ومعمر، وعبد الرحمن بن خالد= لم يذكر أحد منهم هذه اللفظة (١). وإنما ذكرها (٢) الضعفاء عنه، كهشام بن سعد (٣) وصالح بن أبي الأخضر (٤) وأضرابهما. وقال الدارقطني (٥): رواتها ثقات، رواه ابن أبي أويس [عن أبيه] (٦) عن الزهري، وتابعه عبد الجبار بن عمر عنه، وتابعه أيضًا هشام بن سعد عنه، قال (٧): وكلهم ثقات. وهذا لا يفيد صحة هذه اللفظة، فإن هؤلاء إنما هم أربعة، وقد خالفهم

стр. 718

من هو أوثق منهم وأكثر عددًا، وهم أربعون نفسًا، لم يذكر أحد منهم هذه اللفظة، ولا ريب أن التعليل بدون هذا يؤثر (١) في صحتها. ولو انفرد بهذه اللفظة من هو أحفظ منهم وأوثق، وخالفهم هذا العدد الكثير، لوجب التوقف فيها، وثقة الراوي شرط في صحة الحديث لا مُوجِبةٌ، بل لا بد من انتفاء العلة والشذوذ، وهما غير مُنتفِيَين في هذه اللفظة. وقد اختلف الفقهاء في وجوب القضاء عليه، فمذهب مالك وأحمد وأبي حنيفة والشافعي في أظهر أقواله: يجب عليه القضاء (٢). وللشافعي قول آخر: إنه لا يجب عليه القضاء إذا كفّر. وله قول ثالث: إنه إن كفّر بالصيام فلا قضاء عليه، وإن كفر بالعتق أو بالإطعام قضى، وهذا قول الأوزاعي (٣). قال المنذري (٤): روي في بعض طرقه: «هلكتُ وأهلكت» (٥)، واستدل به

стр. 719

بعضهم على مشاركة المرأة إياه في الجناية. قال الخطابي (١): وهذه اللفظة غير موجودة في شيء من رواية هذا الحديث، وأصحاب سفيان لم يرووها عنه، وإنما ذكروا قوله: «هلكتُ» حسب، غير أن بعض أصحابنا حدثني أن المُعلّى بن منصور روى هذا الحديث عن سفيان فذكر هذا الحرف فيه، وهو غير محفوظ، والمعلّى ليس بذاك في الحفظ والإتقان. قال ابن القيم ﵀: قال البيهقي (٢): قوله «وأهلكت» ليس بمحفوظ، وضعّفها شيخُنا أبو عبد الله الحافظ، وحملها على أنها أُدخلت على محمد بن المسيب الأَرْغِياني (٣)، قال: فإن أبا علي الحافظ رواه عن محمد بن المسيب فلم يذكرها، والعباس بن الوليد رواه عن عُقبة بن علقمة دونها، ودُحَيم وغيره رووه عن الوليد بن مسلم دونها، وكافة أصحاب الأوزاعي رووه عنه دونها، ولم يذكرها أحد من أصحاب الزهري عن الزهري، إلا ما روي عن أبي ثور عن معلى بن منصور عن سفيان بن عيينة عن الزهري. قال: وكان أبو عبد الله أيضًا يستدل على كونها في تلك الرواية خطأً بأنه

стр. 720

نظر في كتاب الصوم تصنيف مُعلّى بن منصور بخط [ق ١٢٥] مشهور، فوجد فيه هذا الحديث دون هذه اللفظة، وبأن كافة أصحاب سفيان رووه عنه دونها. ثم قال ابن القيم ﵀: وقد روى مالك هذا الحديث في «الموطأ» (١) عن الزهري عن حُميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة: «أن رجلا أفطر في رمضان، فأمره رسول الله ﷺ أن يكفّر بعتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا» ثم ذكر الحديث. وحسبك بهذا الإسناد. وفيه أمران، أحدهما: وجوب الكفارة بأي مُفطِّر كان، والثاني: أنها على التخيير. وهو مذهب مالك في المسألتين (٢). قال البيهقي (٣): ورواية الجماعة عن الزهري مقيدة بالوطء، ناقلة للفظ صاحب الشرع، فهي أولى بالقبول، لزيادة حفظهم وأدائهم الحديثَ على وجهه. واتفقت رواياتهم على أن فطره كان بجماع، وأن النبي ﷺ أمره بالكفارة على اللفظ الذي يقتضي الترتيب. وقال أبو الحسن الدارقطني (٤): الذين رووا الكفارة في جماع رمضان على التخيير: مالك في «الموطأ»، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وابن جريج، وعبد الله بن أبي بكر، وأبو أويس، وفُلَيح بن سليمان، وعمر بن عثمان

стр. 721

المخزومي، ويزيد (١) بن عِياض، وشِبْل بن عبّاد، والليث بن سعد من رواية أشهَب بن عبد العزيز عنه، [وابن عيينة من رواية نعيم بن حمّاد عنه، وإبراهيم بن سعد من رواية عمّار بن مطر عنه] (٢)، وعبيد الله بن أبي زياد، إلا أنه أرسله عن الزهري؛ كل هؤلاء رووه عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة: «أن رجلا أفطر في رمضان»، وجعلوا كفارته على التخيير. قال: وخالفهم أكثر عددًا منهم، فرووه عن الزهري بهذا الإسناد: أن إفطار الرجل كان بجماع، وأن النبي ﷺ أمره أن يكفّر بعتق رقبةٍ، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا؛ منهم: عِراك بن مالك، وعبيد الله بن عمر، وإسماعيل بن أميَّة، ومحمد بن أبي عَتِيق، وموسى بن عُقبة، ومعمر، ويونس، وعُقَيل، وعبد الرحمن بن خالد بن مسافر، والأوزاعي، وشعيب (٣) بن أبي حمزة، ومنصور بن المعتمر، وسفيان بن عيينة، وإبراهيم بن سعد، والليث بن سعد، وعبد الله بن عيسى، ومحمد بن إسحاق، والنعمان بن راشد، وحجاج بن أرطاة، وصالح بن أبي الأخضر، ومحمد بن أبي حفصة، وعبد الجبار بن عمر، وإسحاق بن يحيى العَوْصي، وهبَّار (٤) بن عقيل، وثابت بن ثوبان،

стр. 722

وقُرّة (١) بن عبد الرحمن، وزمعة بن صالح، وبحر السقّاء، والوليد بن محمد، وشعيب بن خالد، ونوح بن أبي مريم، وغيرهم. آخر كلامه. ولا ريب أن الزهري حدث به هكذا وهكذا على الوجهين، وكلاهما محفوظ عنه بلا ريب، وإذا كان هكذا فرواية الترتيب المصرِّحة بذكر الجماع أولى أن يؤخذ بها لوجوه: أحدها: أن رُواتَها أكثر، وإذا قُدِّر التعارض رُجّح برواية الأكثر اتفاقًا، وفي الشهادة بخلاف (٢) معروف. الثاني: أن رواتها حكوا القصة، وساقوا ذكر المفطّر وأنه الجماع، وحكوا لفظ النبي ﷺ . وأما رواة التخيير فلم يفسروا بماذا أفطر؟ ولا حكوا أن ذلك من لفظ رسول الله ﷺ ، ولا من لفظ صاحب القصة، ولا حكوا أيضًا لفظ الرسول ﷺ (٣) في الكفارة. فكيف تُقدَّم روايتهم على رواية من ذكر لفظ رسول الله ﷺ في الترتيب ولفظَ الراوي في خبره عن نفسه بقوله: «وقعت على أهلي في رمضان»؟! الثالث: أن هذا صريح، وقوله: «أفطر» مجمل لم يذكر فيه بماذا أفطر، وقد فسّرتْه الرواية الأخرى بأن فِطره كان بجماع، فتعين الأخذ به. الرابع: أن حرف «أو» وإن كان ظاهرًا في التخيير، فليس بنص فيه، وقوله: «هل تستطيع كذا؟ هل تستطيع كذا؟» صريح في الترتيب، فإنه لم
следующие страницы →