← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 201

تهذيب سنن أبي داود - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 675 стр.). Показаны 718–757 · переход к 723.

стр. 718

من هو أوثق منهم وأكثر عددًا، وهم أربعون نفسًا، لم يذكر أحد منهم هذه اللفظة، ولا ريب أن التعليل بدون هذا يؤثر (١) في صحتها. ولو انفرد بهذه اللفظة من هو أحفظ منهم وأوثق، وخالفهم هذا العدد الكثير، لوجب التوقف فيها، وثقة الراوي شرط في صحة الحديث لا مُوجِبةٌ، بل لا بد من انتفاء العلة والشذوذ، وهما غير مُنتفِيَين في هذه اللفظة. وقد اختلف الفقهاء في وجوب القضاء عليه، فمذهب مالك وأحمد وأبي حنيفة والشافعي في أظهر أقواله: يجب عليه القضاء (٢). وللشافعي قول آخر: إنه لا يجب عليه القضاء إذا كفّر. وله قول ثالث: إنه إن كفّر بالصيام فلا قضاء عليه، وإن كفر بالعتق أو بالإطعام قضى، وهذا قول الأوزاعي (٣). قال المنذري (٤): روي في بعض طرقه: «هلكتُ وأهلكت» (٥)، واستدل به

стр. 719

بعضهم على مشاركة المرأة إياه في الجناية. قال الخطابي (١): وهذه اللفظة غير موجودة في شيء من رواية هذا الحديث، وأصحاب سفيان لم يرووها عنه، وإنما ذكروا قوله: «هلكتُ» حسب، غير أن بعض أصحابنا حدثني أن المُعلّى بن منصور روى هذا الحديث عن سفيان فذكر هذا الحرف فيه، وهو غير محفوظ، والمعلّى ليس بذاك في الحفظ والإتقان. قال ابن القيم ﵀: قال البيهقي (٢): قوله «وأهلكت» ليس بمحفوظ، وضعّفها شيخُنا أبو عبد الله الحافظ، وحملها على أنها أُدخلت على محمد بن المسيب الأَرْغِياني (٣)، قال: فإن أبا علي الحافظ رواه عن محمد بن المسيب فلم يذكرها، والعباس بن الوليد رواه عن عُقبة بن علقمة دونها، ودُحَيم وغيره رووه عن الوليد بن مسلم دونها، وكافة أصحاب الأوزاعي رووه عنه دونها، ولم يذكرها أحد من أصحاب الزهري عن الزهري، إلا ما روي عن أبي ثور عن معلى بن منصور عن سفيان بن عيينة عن الزهري. قال: وكان أبو عبد الله أيضًا يستدل على كونها في تلك الرواية خطأً بأنه

стр. 720

نظر في كتاب الصوم تصنيف مُعلّى بن منصور بخط [ق ١٢٥] مشهور، فوجد فيه هذا الحديث دون هذه اللفظة، وبأن كافة أصحاب سفيان رووه عنه دونها. ثم قال ابن القيم ﵀: وقد روى مالك هذا الحديث في «الموطأ» (١) عن الزهري عن حُميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة: «أن رجلا أفطر في رمضان، فأمره رسول الله ﷺ أن يكفّر بعتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا» ثم ذكر الحديث. وحسبك بهذا الإسناد. وفيه أمران، أحدهما: وجوب الكفارة بأي مُفطِّر كان، والثاني: أنها على التخيير. وهو مذهب مالك في المسألتين (٢). قال البيهقي (٣): ورواية الجماعة عن الزهري مقيدة بالوطء، ناقلة للفظ صاحب الشرع، فهي أولى بالقبول، لزيادة حفظهم وأدائهم الحديثَ على وجهه. واتفقت رواياتهم على أن فطره كان بجماع، وأن النبي ﷺ أمره بالكفارة على اللفظ الذي يقتضي الترتيب. وقال أبو الحسن الدارقطني (٤): الذين رووا الكفارة في جماع رمضان على التخيير: مالك في «الموطأ»، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وابن جريج، وعبد الله بن أبي بكر، وأبو أويس، وفُلَيح بن سليمان، وعمر بن عثمان

стр. 721

المخزومي، ويزيد (١) بن عِياض، وشِبْل بن عبّاد، والليث بن سعد من رواية أشهَب بن عبد العزيز عنه، [وابن عيينة من رواية نعيم بن حمّاد عنه، وإبراهيم بن سعد من رواية عمّار بن مطر عنه] (٢)، وعبيد الله بن أبي زياد، إلا أنه أرسله عن الزهري؛ كل هؤلاء رووه عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة: «أن رجلا أفطر في رمضان»، وجعلوا كفارته على التخيير. قال: وخالفهم أكثر عددًا منهم، فرووه عن الزهري بهذا الإسناد: أن إفطار الرجل كان بجماع، وأن النبي ﷺ أمره أن يكفّر بعتق رقبةٍ، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا؛ منهم: عِراك بن مالك، وعبيد الله بن عمر، وإسماعيل بن أميَّة، ومحمد بن أبي عَتِيق، وموسى بن عُقبة، ومعمر، ويونس، وعُقَيل، وعبد الرحمن بن خالد بن مسافر، والأوزاعي، وشعيب (٣) بن أبي حمزة، ومنصور بن المعتمر، وسفيان بن عيينة، وإبراهيم بن سعد، والليث بن سعد، وعبد الله بن عيسى، ومحمد بن إسحاق، والنعمان بن راشد، وحجاج بن أرطاة، وصالح بن أبي الأخضر، ومحمد بن أبي حفصة، وعبد الجبار بن عمر، وإسحاق بن يحيى العَوْصي، وهبَّار (٤) بن عقيل، وثابت بن ثوبان،

стр. 722

وقُرّة (١) بن عبد الرحمن، وزمعة بن صالح، وبحر السقّاء، والوليد بن محمد، وشعيب بن خالد، ونوح بن أبي مريم، وغيرهم. آخر كلامه. ولا ريب أن الزهري حدث به هكذا وهكذا على الوجهين، وكلاهما محفوظ عنه بلا ريب، وإذا كان هكذا فرواية الترتيب المصرِّحة بذكر الجماع أولى أن يؤخذ بها لوجوه: أحدها: أن رُواتَها أكثر، وإذا قُدِّر التعارض رُجّح برواية الأكثر اتفاقًا، وفي الشهادة بخلاف (٢) معروف. الثاني: أن رواتها حكوا القصة، وساقوا ذكر المفطّر وأنه الجماع، وحكوا لفظ النبي ﷺ . وأما رواة التخيير فلم يفسروا بماذا أفطر؟ ولا حكوا أن ذلك من لفظ رسول الله ﷺ ، ولا من لفظ صاحب القصة، ولا حكوا أيضًا لفظ الرسول ﷺ (٣) في الكفارة. فكيف تُقدَّم روايتهم على رواية من ذكر لفظ رسول الله ﷺ في الترتيب ولفظَ الراوي في خبره عن نفسه بقوله: «وقعت على أهلي في رمضان»؟! الثالث: أن هذا صريح، وقوله: «أفطر» مجمل لم يذكر فيه بماذا أفطر، وقد فسّرتْه الرواية الأخرى بأن فِطره كان بجماع، فتعين الأخذ به. الرابع: أن حرف «أو» وإن كان ظاهرًا في التخيير، فليس بنص فيه، وقوله: «هل تستطيع كذا؟ هل تستطيع كذا؟» صريح في الترتيب، فإنه لم

стр. 723

يجوِّزْ له الانتقال إلى الثاني إلا بعد إخباره بعجزه عما قبله، مع أنه صريح لفظ صاحب الشرع، وقوله: «فأمره أن يعتق رقبة أو يصوم» لم يحك فيه لفظه. الخامس: أن الأخذ بحديث الترتيب متضمن (١) العملَ بالحديث الآخر، لأنه يفسره ويبين المراد منه، والعمل بحديث التخيير لا يتضمن حديثَ الترتيب، ولا ريب أن العمل بالنصَّين أولى. السادس: أنا قد رأينا صاحب الشرع جعل نظير هذه الكفارة سواءً على الترتيب، وهي كفارة الظهار، وحكمُ النظيرِ حكم نظيره. ولا ريب أن إلحاق كفارة الجماع في رمضان بكفارة الظهار وكفارة القتل أولى وأشبه من إلحاقها بكفارة اليمين. ٢٢ - باب التغليظ فيمن أفطر عمدًا ٢٣٤/ ٢٢٩٠ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من أفطر يومًا من رمضان في غير رُخْصة رخَّصها الله له، لم يقض عنه صيامُ الدهر». وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه (٢). وذكره البخاري تعليقًا (٣) فقال: ويُذكر عن أبي هريرة رفعه: «من أفطر يومًا من رمضان من غير عذر ولا مرض، لم يقضه صيام الدهر، وإن صامه». وقال الترمذي (٤): لا نعرفه إلا من هذا الوجه،

стр. 724

وسمعت محمدًا ــ يعني البخاري ــ يقول: أبو المطوِّس اسمه يزيد بن المطوِّس، ولا أعرف له غير هذا الحديث. هذا آخر كلامه (١). قال ابن القيم ﵀: وقال الدارقطني (٢): «ليس في رُواته مجروح»، وهذه العبارة لا تنفي أن يكون فيهم مجهول لا يُعرف بجرح ولا عدالة. ويقال في هذا ثلاثة (٣) أقوال: أبو المطوس، وابن المطوس، والمطوس؛ تفرد بهذا الحديث، وتفرَّد به الحديث! قال ابن حبان (٤): لا يجوز الاحتجاج بما انفرد من الروايات. ٢٣ - باب من أكل ناسيًا ٢٣٥/ ٢٢٩١ - عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني أكلتُ وشربتُ ناسيًا وأنا صائم؟ فقال: «اللهُ أطعمك وسقاك». وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه (٥). قال ابن القيم ﵀: وفي «الصحيحين» (٦) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليُتمَّ صومه، فإنما

стр. 725

أطعمه الله وسقاه»، وعند البخاري «فأكل وشرب». وروى الدارقطني (١) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : «إذا أكل الصائم ناسيًا أو شرب ناسيًا، فإنما هو رزق ساقه الله إليه، ولا قضاء عليه». قال: هذا إسناد صحيح وكلهم ثقات. وفي طريق أخرى (٢): «لا قضاء عليه ولا كفارة». قال: وهو صحيح أيضًا. ٢٤ - باب تأخير قضاء رمضان ٢٣٦/ ٢٢٩٢ - عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه سمع عائشة ﵂ قالت: «إن كان ليكون عليَّ الصومُ من رمضان، فما أستطيع أن أقضيه حتى يأتي شعبان». وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه (٣). وأخرجه الترمذي (٤) من حديث عبد الله البَهِيّ عن عائشة، وقال: حسن صحيح.

стр. 726

واختلف فيما لو أخّره عن رمضان آخر: فقال جماعة من الصحابة والتابعين: يقضي ويطعم لكل يوم مسكينًا (١). قال ابن القيم ﵀: وهذا قول ابن عباس وابن عمر وأبي هريرة (٢)، ومجاهد وسعيد بن جبير والثوري والأوزاعي والإمام أحمد والشافعي ومالك وإسحاق (٣). وقال جماعة: يقضي ولا فدية عليه، وهذا يروى عن الحسن وإبراهيم النخعي، وهو مذهب أبي حنيفة (٤). وقالت طائفة، منهم قتادة: يطعم ولا يقضي (٥). ووقع في «الصحيحين» في هذا الحديث: «الشغل برسول الله ﷺ ، أو من رسول الله ﷺ »، ولكن هذه اللفظة مدرجة في الحديث من كلام

стр. 727

يحيى بن سعيد، بيَّن ذلك البخاري في «صحيحه» (١) قال: وقال يحيى: «الشغل من النبي ﷺ أو بالنبي ﷺ ». وفي لفظ (٢): «قال يحيى: فظننت أن ذلك لمكانها من رسول الله ﷺ ». وفي «الصحيحين» (٣) عن عائشة أيضًا قالت: «إن كانت إحدانا لَتُفطر في رمضان في زمان رسول الله ﷺ ، فما تقدر أن تقضيه مع رسول الله ﷺ حتى يأتي شعبان». ٢٥ - باب من مات وعليه صيام ٢٣٧/ ٢٢٩٣ - عن عائشة أن النبي ﷺ قال: «من مات وعليه صيامٌ صامَ عنه وليُّهُ». وأخرجه البخاري ومسلم (٤). ٢٣٨/ ٢٢٩٤ - (٥) وعن ابن عباس ﵄ قال: «إذا مرض الرجل في

стр. 728

رمضان ثم مات ولم يَصِحّ أُطْعِمَ عنه ولم يكن عليه قضاء. وإن نذر قضى عنه وليه» (١). قال ابن القيم ﵀: وفي «الصحيحين» (٢) عن ابن عباس قال: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صوم نذر، أفأصوم عنها؟ فقال: «أرأيتِ لو كان على أمك دين فقضيته، أكان يؤدي ذلك عنها؟». قالت: نعم. قال: «فصومي عن أمك» هذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري نحوه. وفي «الصحيحين» (٣) عنه أيضًا أن أمرأة جاءت فقالت: يا رسول الله، إن أختي ماتت وعليها صيام شهرين متتابعين» وذكر الحديث بنحوه. وفي «صحيح مسلم» (٤) عن بريدة قال: كنت جالسًا عند النبي ﷺ إذ أتته امرأة فقالت: إني تصدَّقتُ على أمّي بجارية، وإنها ماتت قال: «وجب أجركِ، وردّها عليك الميراث». قالت: يا رسول الله، إنه كان عليها صوم شهر، أفأصوم عنها؟ قال: «صومي عنها». قالت: يا رسول الله، إنها لم تحج،

стр. 729

أفأحج عنها؟ قال: «حُجّي عنها». قال البيهقي (١): فثبت بهذه الأحاديث جواز الصوم عن الميت. وقال الشافعي في القديم: وقد ورد في الصوم عن الميت شيء، فإن كان ثابتًا صِيمَ عنه، كما يُحَج عنه. وقال في الجديد: فإن قيل: فهل روي أن رسول الله ﷺ أمر أحدًا أن يصوم عن أحد؟ قيل: نعم، روي عن ابن عباس. فإن قيل: لم لا تأخذ به؟ قيل: حدّث (٢) الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس عن النبي ﷺ : «نذر نذرًا» ولم يسمّه، مع حفظ الزهري، وطول مجالسة (٣) عبيد الله لابن عباس، فلما جاء غيره: عن رجل عن ابن عباس بغير ما في حديث عبيد الله= أشبَهَ أن لا يكون محفوظًا. وأراد الشافعي ما روى مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله [عن ابن عبّاس] أن سعد بن عبادة استفتى رسول الله ﷺ فقال: إن أمي ماتت وعليها نذر، فقال النبي ﷺ : «اقضه عنها». وهذا حديث متفق عليه (٤) من حديث مالك وغيره عن الزهري، إلا أن في رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس: «أن امرأة سألت». وكذلك رواه الحكَم بن عُتَيبة وسلَمة بن كُهَيل عن مجاهد عن ابن عباس. وفي روايةٍ عن مجاهد وعطاء وسعيد بن جبير

стр. 730

عن ابن عباس: «أن امرأة سألت». ورواه عكرمة عن ابن عباس (١). ثم رواه بريدة بن حصيب عن النبي ﷺ . فالأشبه أن تكون هذه القصة التي وقع فيها السؤال [عن الصوم] نصًّا غير قصة سعد بن عبادة التي وقع السؤال فيها عن النذر مطلقًا. كيف، وقد روي عن عائشة عن النبي ﷺ بإسناد صحيح النصُّ على جواز الصوم عن الميت (٢). قال: وقد رأيت بعض أصحابنا يضعّف حديث ابن عباس بما روي عن يزيد بن زريع عن حجاج الأحول عن أيوب بن موسى عن عطاء عن ابن عباس أنه قال: «لا يصوم أحد عن أحد، ويطعم عنه» (٣)، وبما روي عنه في الإطعام عمن مات وعليه صيام شهر رمضان وصيام شهر النذر (٤). وضعَّف حديث عائشة بما روي عنها في امرأة ماتت وعليها الصوم، قالت: «يُطعَم عنها» (٥). وفي رواية عنها: «لا تصوموا عن موتاكم وأطعموا

стр. 731

عنهم» (١). قال: وليس فيما ذكروا ما يوجب للحديث ضعفًا، فمن يجوّز الصيام عن الميت يجوّز الإطعام عنه. وفيما روي عنها في النهي عن الصوم عن الميت نظر، والأحاديث المرفوعة أصح إسنادًا وأشهر رجالًا، وقد أودعها صاحبا الصحيح كتابيهما، ولو وقف الشافعي على جميع طرقها وتَظاهُرِها، لم يخالفها إن شاء الله. [ق ١٢٧] وممن رأى جواز الصيام عن الميت: طاوس والحسن البصري والزهري وقتادة. آخر كلام البيهقي. اختلف أهل العلم فيمن مات وعليه صوم هل يُقضى عنه؟ على ثلاثة أقوال (٢): أحدها: لا يُقضى عنه بحال، لا في النذر ولا في الواجب الأصلي. وهذا ظاهر مذهب الشافعي، ومذهب مالك وأبي حنيفة وأصحابه. الثاني: أنه يصام عنه فيهما. وهذا قول أبي ثور وأحد قولَي الشافعي. والثالث: أنه يصام عنه النذر دون الفرض الأصلي. وهذا مذهب أحمد المنصوص عنه (٣)، وقول أبي عبيد والليث بن سعد، وهو المنصوص عن

стр. 732

ابن عباس. روى الأثرم عنه (١) أنه سئل عن رجل مات وعليه نذر صوم شهر، وعليه صوم رمضان؟ قال: «أما رمضان فليُطعَم عنه، وأما النذر فيصام». وهذا أعدل الأقوال، وعليه يدل كلام الصحابة. وبهذا يزول الإشكال وتعليلُ حديث ابن عباس بأنه قال: «لا يصوم أحد عن أحد، ويطعم عنه»، فإن هذا إنما هو في الفرض الأصلي، وأما النذر فيصام عنه، كما صرح به ابن عباس، ولا معارضة بين فتواه وروايته. وهذا هو المروي عنه في قصة من مات وعليه صوم رمضان وصوم النذر، فرق بينهما، فأفتى بالإطعام في رمضان، وبالصوم عنه في النذر، فأي شيء في هذا ما يوجب تعليل حديثه؟ وكذلك ما روي عن عائشة من إفتائها في التي ماتت وعليها الصوم: أنه يطعم عنها، إنما هو في الفرض لا في النذر، لأن الثابت عن عائشة فيمن مات وعليه صيام رمضان أنه يطعم عنه في قضاء رمضان، ولا يصام، فالمنقول عنها كالمنقول عن ابن عباس سواء، فلا تعارض بين رأيها وروايتها. وبهذا يظهر اتفاق الروايات في هذا الباب، وموافقة فتاوى الصحابة لها، وهو مقتضى الدليل والقياس، لأن النذر ليس واجبًا بأصل الشرع، وإنما أوجبه العبد على نفسه، فصار بمنزلة الدَّين الذي استدانه، ولهذا شبهه النبي ﷺ بالدين في حديث ابن عباس. والمسؤول عنه فيه أنه كان صوم نذر، والدَّين تدخله النيابة. وأما الصوم الذي فرضه الله عليه ابتداء فهو أحد أركان الإسلام، فلا

стр. 733

تدخله النيابة بحال، كما لا تدخل الصلاةَ والشهادتين. فإن المقصود منها طاعة العبد بنفسه وقيامُه بحق العبودية التي خلق لها وأمر بها، وهذا أمر لا يؤدّيه عنه غيره، كما لا يُسْلِم عنه غيره، ولا يصلي عنه غيره. وهكذا من ترك الحجّ عمدًا مع القدرة عليه حتى مات، أو ترك الزكاة فلم يخرجها حتى مات، فإن مقتضى الدليل وقواعد الشرع: أن فعلهما عنه بعد الموت (١) لا يبرئ ذمته، ولا يقبل منه. والحق أحق أن يتبع. وسرّ الفرق: أن النذر التزام من المكلف لِما شغل به ذمته، لا أن الشارع ألزمه به ابتداء، فهو أخفّ حكمًا مما جعله الشارع حقًّا له عليه، شاء أم أبى. والذمة تسع المقدور عليه والمعجوز عنه، ولهذا تقبل أن يَشْغَلها المكلَّفُ بما لا قدرة له عليه، بخلاف واجبات الشرع، فإنها على قدر طاقة البدن، لا تجب على عاجز. فواجب الذمة أوسع من واجب الشرع الأصلي، لأن المكلف متمكّن من إيجاب واجبات كثيرة عليه لم يوجبها عليه الشارع، والذمة واسعة، وطريق أداء واجبها أوسع من طريق أداء واجب الشرع، فلا يلزم من دخول النيابة في واجبها بعد الموت دخولُها في واجب الشرع. وهذا يبين أن الصحابة أفقه الخلق، وأعمقهم علمًا، وأعرفهم بأسرار الشرع ومقاصده وحكمه. وبالله التوفيق. ٢٦ - باب اختيار الفطر (٢) ٢٣٩/ ٢٣٠٠ - عن جابر بن عبد الله ﵄: أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا

стр. 734

يُظَلَّلُ عليه، والزحام عليه. فقال: «ليس من البِرِّ الصيامُ في السفر». وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي (١). (٢) قال ابن القيم ﵀: وقد احتج به من يوجب الفطر في السفر. واحتجوا بأن الفطر كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ . وكانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمر الرسول ﷺ (٣). واحتجوا أيضًا بحديث دَِحْية بن خليفة الكلبي أنه لما سافر من قريته في رمضان وذلك ثلاثة أميال أفطَر، فأفطر معه الناس، وكره ذلك آخرون، فلما رجع إلى قريته قال: «والله لقد رأيت أمرًا ما كنت أظن أني أراه، إنّ قومًا رغبوا عن هدي رسول الله ﷺ وأصحابه»، يقول ذلك للذين صاموا. ثم قال عند ذلك: «اللهم اقبضني إليك». رواه أبو داود وغيره (٤). واحتجوا أيضًا بأن النبي ﷺ أمر بقبول رخصة الفطر. فروى النسائي (٥)

стр. 735

من حديث جابر يرفعه: «ليس من البر أن تصوموا في السفر، وعليكم برخصة الله التي رخّص لكم فاقبلوها». واحتجوا أيضًا بقوله ﷺ في الذين صاموا: «أولئك العصاة». رواه النسائي (١) في قصة فطره عام الفتح. واحتجوا أيضًا بقول عبد الرحمن بن عوف: «الصائم في السفر كالمفطر في الحضر». رواه النسائي (٢). ولا يصح رفعه، وإنما هو موقوف. واحتجوا أيضًا بأن الله تعالى إنما أمر المسافر بالعدة من أيام أخر، فهي فرضه الذي أمر به، فلا يجوز غيره. وحكي ذلك عن غير واحد من الصحابة (٣). وأجاب الأكثرون عن هذا بأنه ليس فيه ما يدل على تحريم الصوم في

стр. 736

السفر على الإطلاق، وقد أخبر أبو سعيد أنه صام مع النبي ﷺ بعد الفتح [ق ١٢٨] في السفر (١). قالوا: وأما قوله: «ليس من البر الصيام في السفر»، فهذا خرج على شخص معين، رآه رسول الله ﷺ قد ظُلِّل عليه وجهده الصوم، فقال هذا القول، أي ليس البر أن يَجهد الإنسان نفسه حتى يبلغ فيها (٢) هذا المبلغ، وقد فسح الله له في الفطر. فالأخذ بعموم اللفظ الذي يدل سياق الكلام على إرادته، فليس من البر هذا النوع من الصيام المشار إليه في السفر. وأيضًا فقوله: «ليس من البر» أي ليس هو أبر البر، لأنه قد يكون الإفطار أبرَّ منه إذا كان في حج أو جهاد يتقوَّى عليه. وقد يكون الفطر في السفر المباح برًّا، لأن الله تعالى أباحه ورخص فيه، وهو سبحانه يحب أن يؤخذ برُخَصه، وما يحبه الله فهو بر، فلم ينحصر البر في الصيام في السفر. وتكون «مِن» على هذا زائدةً، ويكون كقوله تعالى ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآية [البقرة: ١٧٧]، وكقولك: ما جاءني من أحد. وفي هذا نظر، وأحسن منه أن يقال: إنها ليست بزائدة، بل هي على بابها. والمعنى: أن الصوم في السفر ليس من البر الذي تظنونه وتنافسون عليه؛ فإنهم ظنّوا أن الصوم هو الذي يحبه الله ولا يحب سواه، وأنه وحدَه البر الذي لا أبرَّ منه، فأخبرهم أن الصوم في السفر ليس من هذا النوع الذي تظنونه، فإنه قد يكون الفطر أحبَّ إلى الله منه، فيكون هو البر. قالوا: وأما كون الفطر كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ، فالمراد به

стр. 737

واقعة معيَّنة، وهي غزاة الفتح، فإنه صام حتى بلغ الكديد، ثم أفطر، فكان فطره آخر أمريه، لا أنه حرَّم الصوم. ونظير هذا قول جابر: «كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مسّت النار» (١)، إنما هو في واقعة معينة دعي لطعامٍ فأكل منه، ثم توضأ وقام إلى الصلاة، ثم أكل منه وصلَّى ولم يتوضأ (٢)، فكان آخر الأمرين منه: ترك الوضوء مما مست النار. وجابر هو الذي روى هذا وهذا، فاختصره بعض الرواة، واقتصر منه على آخره، ولم يذكر جابر لفظًا من النبي ﷺ : إن هذا آخر الأمرين مني. وكذلك قصة الصيام، وإنما حكوا ما شاهدوه أنه فعل هذا وهذا، وآخرهما منه الفطر وترك الوضوء. وإعطاء الأدلة حقها يزيل الاشتباه والاختلاف عنها. وأما قصة دحية بن خليفة الكلبي، فإنما أنكر فيها على من صام رغبةً عن سنة النبي ﷺ وظنًّا أنه لا يسوغ الفطر، ولا ريب أن مثل هذا قد ارتكب منكرًا، وهو عاصٍ بصومه. والذين أمروهم (٣) الصحابة بالقضاء وأخبروا أن صومهم لا يُجزئهم

стр. 738

هم هؤلاء، فإنهم صاموا صومًا لم يشرعه الله، وهو أنهم ظنوا أنه حَتْم عليهم كالمقيم، ولا ريب أن هذا حكم لم يشرعه الله، فلم يمتثلوا ما أمروا به من الصوم، فأمرهم الصحابة بالقضاء. هذا أحسن ما حُمِل عليه قول من أفتى بذلك من الصحابة، وعليه يحمل قول من قال منهم: «الصائم في السفر كالمفطر في الحضر». وهذا من كمال فقههم، ودقة نظرهم ﵃. قالوا: وأما قول النبي ﷺ : «عليكم برخصة الله التي رخص لكم فاقبلوها»، فهذا يدل على أن قبول المكلف لرخصة الله واجب، وهذا حق، فإنه متى لم يَقبل الرخصة ردّها ولم يرَها رخصة، وهذا عدوان منه ومعصية، ولكن إذا قبلها، فإن شاء أخذ بها، وإن شاء أخذ بالعزيمة. هذا مع أن سياق الحديث يدل على أن الأمر بالرخصة لمن جهده الصوم وخاف على نفسه، ومثل هذا يؤمر بالفطر. فعن جابر أن رسول الله ﷺ مر برجل في ظل شجرة يُرَشُّ عليه الماء، قال: «ما بال صاحبكم هذا؟» قالوا: يا رسول الله صائم. قال: «إنه ليس من البر أن تصوموا في السفر وعليكم برخصة الله التي رخص لكم فاقبلوها» رواه النسائي (١). قالوا: وأما قول النبي ﷺ : «أولئك العصاة» فذاك في واقعة معيَّنة، أراد منهم الفطر فخالفه بعضهم فقال هذا. ففي النسائي (٢) عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر قال: خرج رسول الله ﷺ إلى مكة عام الفتح في رمضان فصام حتى بلغ كُراع الغَمِيم، فصام الناس معه، فبلغه أن الناس شقَّ عليهم الصيام، فدعا بقَدَح من ماءٍ بعد العصر فشرب، والناس ينظرون، فأفطر بعض

стр. 739

الناس وصام بعض، فبلغه أن ناسًا صاموا فقال: «أولئك العصاة». فالنبي ﷺ إنما أفطر بعد العصر ليقتدوا به، فلمّا لم يقتدِ به بعضهم قال: «أولئك العصاة» ولم يُرِد بذلك تحريم الصيام مطلقًا على المسافر. والدليل عليه ما روى النسائي (١) أيضًا عن أبي هريرة قال: أُتي النبي ﷺ [بطعام] (٢) بمَرِّ الظَّهْران، فقال لأبي بكر وعمر: «أَدْنِيا (٣)، فكلا»، فقالا: إنا صائمان، فقال: «ارْحَلُوا لصاحبَيكم (٤)،اعملوا لصاحبَيكم!»، وأعله بالإرسال. ومر الظهران أدنى إلى مكة من كُراع الغميم، فإن كراع الغميم بين يدي عُسفان بنحو ثمانية أميال، وبين عسفان ومكة (٥) ستة وثلاثون ميلًا. قالوا: وأما احتجاجكم بالآية، وأن الله أمر المسافر بالعدّة، فهي فرضه الذي لا يجوز غيره= فاستدلال باطل قطعًا، فإن الذي أنزلت عليه هذه الآية، وهو أعلم الخلق بمعناها والمراد منها، قد صام بعد نزولها بأعوام في السفر، ومحال أن يكون المراد منها ما ذكرتم، ولا يعتقده مسلم، فعلم أن المراد بها

стр. 740

غير [ق ١٢٩] ما ذكرتم. فإما أن يكون المعنى: فأفطَرَ فعدة من أيام أخر، كما قال الأكثرون؛ أو يكون المعنى: فعدة من أيام أخر تجزئ عنه وتُقبَل منه، ونحو ذلك. فما الذي أوجب تعيين التقدير بأنَّ عليه عدة من أيام أخر، أو ففَرْضُه، ونحو ذلك؟ وبالجملة فَفِعْل من أنزلت عليه يفسِّرها ويبيّن (١) المراد منها، وبالله التوفيق. وهذا موضع يَغْلَط فيه كثير من قاصري العلم، يحتجّون بعموم نص على حكم، ويغفُلون عن عمل صاحب الشريعة وعمل أصحابه الذي يبين مراده، ومن تدبر هذا علم به مراد النصوص وفهم معانيها. وكان يدور بيني وبين المكيين كلام في الاعتمار من مكة في رمضان وغيره، فأقول لهم: كثرة الطواف أفضل منها، فيذكرون قوله ﷺ : «عمرة في رمضان تعدل حجة» (٢)، فقلت لهم في أثناء ذلك: محال أن يكون مراد صاحب الشرع العمرة التي يُخرَج لها (٣) من مكة إلى أدنى الحل، وأنها تعدل حجة، ثم لا يفعلها هو مدة مقامه بمكة أصلًا، لا قبل الفتح ولا بعده، ولا أحد من أصحابه، مع أنهم أحرص الأمة على الخير، وأعلمهم بمراد

стр. 741

الرسول، وأقدرهم على العمل به. ثم مع ذلك يرغبون عن هذا العمل اليسير والأجر العظيم؟ يقدر أن يحج أحدهم في رمضان ثلاثين حجة أو أكثر، ثم لا يأتي منها بحجة واحدة، وتختصون أنتم عنهم بهذا الفضل والثواب، حتى يحصل لأحدكم ستون حجة أو أكثر؟! هذا مما لا يظنّه من له مُسْكة عقل. وإنما خرج كلام النبي ﷺ على العمرة المعتادة التي فعلها هو وأصحابه، وهي التي أنشؤوا لها السفر من أوطانهم، وبها أمر أُمَّ معقل، وقال لها: «عمرة في رمضان تعدل حجة»، ولم يقل لأهل مكة: اخرجوا إلى أدنى الحلّ فأكثروا من الاعتمار، فإن عمرة في رمضان تعدل حجة، ولا فهم هذا أحد منهم. وبالله التوفيق. ٢٧ - باب فيمن اختار الصيام ٢٤٠/ ٢٣٠٢ - عن أبي الدرداء ﵁ قال: «خرجنا مع رسول الله ﷺ في بعض غزواته في حَرٍّ شديد، حتى إنَّ أحدنا ليضَعُ يده على رأسه ــ أو كَفَّهُ على رأسه ــ من شدَّة الحر، ما فينا صائم إلا رسول الله ﷺ وعبد الله بن رواحة». وأخرجه البخاري ومسلم وابن ماجه (١). ٢٤١/ ٢٣٠٣ - وعن سِنان بن سلَمة بن المحبَّق الهُذَلي عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ كانت له حَمُولةٌ يأوِي إلى شِبَعٍ فَلْيَصُمْ رمضانَ حيث أدركه» (٢). في إسناده عبد الصمد بن حبيب الأزدي العَوذي البصري. قال ابن معين:

стр. 742

ليس به بأس. وقال أبو حاتم الرازي: يُكتب حديثه وليس بالمتروك، وقال: يُحَوَّل من كتاب الضعفاء (١). وقال البخاري (٢): ليِّن الحديث ضعَّفه أحمد. وقال البخاري أيضًا (٣): عبد الصمد بن حبيب منكر الحديث، ذاهب الحديث. ولم يَعُدَّ البخاري هذا الحديث شيئًا. وقال أبو حاتم الرازي: ليِّن الحديث، ضعَّفه أحمد بن حنبل. وذكر له أبو جعفر العُقَيلي هذا الحديث (٤)، وقال: لا يتابَع عليه، ولا يُعرَف إلا به. قال ابن القيم ﵀: واختلف أهل العلم في الأفضل من الصوم والفطر؛ فذهب عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وسعيد بن المسيب، والشعبي، والأوزاعي، وإسحاق، وأحمد إلى أن الفطر أفضل (٥). وذهب أنس وعثمان بن أبي العاص إلى أن الصوم أفضل (٦). وهو قول الشافعي وأبي حنيفة ومالك (٧). وذهب عمر بن عبد العزيز ومجاهد وقتادة إلى أن أفضل الأمرين

стр. 743

أيسرهما، لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] (١). وذهبت طائفة إلى أنهما سواء، لا يُرجَّح أحدهما على الآخر. وذهبت طائفة إلى تحريم الصوم في السفر، وأنه لا يجزئ. وقد علمتَ أدلة كل فريق مما تقدم. ٢٨ - باب متى يفطر المسافر إذا خرج ؟ ٢٤٢/ ٢٣٠٤ - عن عبيد بن جَبْر قال: كنت مع أبي بَصْرة الغِفاري صاحب النبي ﷺ في سفينة من الفُسطاط في رمضان، فرُفِع، ثم قَرَّب غَداءَه ــ قال جعفر (وهو ابن مُسافر) في حديثه: فلم يجاوز البيوت حتى دعا بالسُّفْرة ــ، قال: اقترب، قلت: ألستَ ترى البيوت؟ قال أبو بَصْرة: أترغبُ عن سنة رسول الله ﷺ ؟ قال جعفر في حديثه: فأكل (٢). قال ابن القيم ﵀: وقد روى الترمذي (٣) عن محة مد بن كعب قال:

стр. 744

أتيت أنس بن مالك في رمضان وهو يريد سفرًا، وقد رُحِلَت له راحلته، ولبس ثياب السفر، فدعا بطعام فأكل. فقلت له: سنة؟ فقال: «سنة»، ثم ركب. قال الترمذي: هذا حديث حسن. وفيه حجة لمن جوز للمسافر الفطر في يومٍ سافر في أثنائه. وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد (١)، وقول عمرو بن شرحبيل والشعبي (٢) وإسحاق، وحكاه عن أنس (٣). وهو قول داود وابن المنذر (٤). وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة: لا يفطر (٥). وهو قول الزهري والأوزاعي ومكحول (٦). وفي المسألة قول شاذ جدًّا لا يلتفت إليه، وهو أنه إن دخل عليه الشهر وهو مقيم، ثم سافر في أثنائه، لم يجز له الفطر، ولا يفطر حتى يدخل عليه رمضان مسافرًا. وهذا قول عَبِيدة السَّلْماني وأبي مِجْلَز (٧) وسُوَيد بن غَفَلة (٨).

стр. 745

وقد صح أن رسول الله ﷺ خرج إلى الفتح في رمضان فصام وأفطر (١). ٢٩ - باب مسيرة ما يفطر فيه ٢٤٣/ ٢٣٠٥ - عن منصور الكلبي، أن دِحْيَة بن خليفة خرج من قرية [من] دمشق مرَّة إلى قدر قرية عُقْبةَ من الفسطاط ــ وذلك ثلاثة أميال ــ في رمضان، ثم إنه أفطر وأفطر معه ناس، وكره آخرون أن يفطروا، فلما رجع إلى قريته قال: «والله لقد رأيت اليوم أمرًا ما كنت أظنُّ أنِّي أراه، إن قومًا رغبوا عن هدي رسول الله ﷺ وأصحابه»، يقول ذلك للذين صاموا، ثم قال عند ذلك: اللهم اقبضني إليك» (٢). قال الخطابي (٣): وليس الحديث بالقوي، وفي إسناده رجل ليس بالمشهور. وهو يشير إلى منصور الكلبي، فإن رجال الإسناد جميعهم ثقات محتجّ بهم في الصحيح سواه. وهو مصري، روى عنه أبو الخير مرثد بن عبد الله اليَزَني. ولم أجد من روى عنه سواه، فيكون مجهولًا، كما ذكره الخطابي. ولم يَزِدْ فيه البخاري (٤) على: «منصور الكلبي». وقال ابن يونس في «تاريخ المصريين» (٥): منصور بن سعيد بن الأصبغ الكلبي. وقال البيهقي (٦): والذي رُوينا عن دحية الكلبي ــ إن صح ذلك ــ فكأنه ذهب فيه إلى ظاهر الآية في الرخصة في السفر، وأراد بقوله: «رغبوا عن هدي رسول الله ﷺ وأصحابه» في قبول الرخصة، لا في تقدير السفر الذي أفطر فيه. والله أعلم.

стр. 746

قال ابن القيم ﵀: قال المجوزون للفطر في مطلق السفر: هب أن حديث دحية لم يثبت. فقد أطلق الله تعالى السفر، ولم يقيِّده بحد، كما أطلقه في آية التيمم، فلا يجوز حدّه إلا بنص من الشارع أو إجماع من الأمة، وكلاهما مما لا سبيل إليه. كيف وقد قصر أهل مكة مع النبي ﷺ بعرفة ومزدلفة (١)، ولا تأثير للنسك في القصر بحال، فإن الشارع إنما علّق القصر بالسفر، فهو الوصف المؤثر فيه، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه سمى مسيرة البريد سفرًا في قوله: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر بريدًا إلا مع ذي محرم» (٢). وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣]، وهذا يدخل فيه كل سفر طويل أو قصير. وقال ﷺ : «إذا سافرتم في الخِصْب فأعطُوا الإبل حقَّها (٣) من الأرض،

стр. 747

وإذا سافرتم [ق ١٣٠] في الجَدْب فبادِرُوا بها نِقْيَها» (١)، وهذا يعمّ كل سفر، ولم يفهم منه أحد اختصاصه باليومين فما زاد. ونهى أن يُسافر بالقرآن إلى أرض العدو (٢)، ونهى أن يسافر الرجل وحده (٣)، وأخبر أن دعوة المسافر مستجابة (٤)، وكان يتعوذ مِن وَعثاء السفر (٥)، وكان إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه (٦). ومعلوم أن شيئًا من هذه الأسفار لا يختص بالطويل. ولو سافر دون اليومين أقرع بين نسائه (٧)، ولم

стр. 748

يقضِ للمقيمات. فما الذي أوجب تخصيص اسم السفر بالطويل بالنسبة إلى القصر والفطر دون غيرهما؟ قالوا: وأين معنا في الشريعة تقسيم الشارع السفر إلى طويل وقصير، واختصاص أحدهما بأحكام لا يشاركه فيها الآخر. ومعلوم أن إطلاق السفر لا يدل على اختصاصه بالطويل، ولم يبين النبي ﷺ مقداره. وتأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع، فسكوته عن تحديده من أظهر الأدلة على أنه غير محدود شرعًا. قالوا: والذين حددوه ــ مع كثرة اختلافهم وانتشار أقوالهم ــ ليس معهم نص بذلك، وليس حدٌّ بأولى من حد، ولا إجماعَ في المسألة، فلا وجه للتحديد. وبالله التوفيق. ٣٠ - النهي أن يخص يوم الجمعة بصوم ٢٤٤/ ٢٣١٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يَصُم أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم قبله بيوم، أو بعده». وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه (١). (٢)

стр. 749

قال ابن القيم ﵀: وقد أخرجا في «الصحيحين» (١) عن محمد بن عباد بن جعفر قال: سألت جابرا: أنهى النبي ﷺ عن صوم يوم الجمعة؟ قال: نعم. وروى البخاري في «صحيحه» (٢) عن جويرية بنت الحارث أن النبي ﷺ دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة فقال: «أصمت أمس؟» قالت: لا. قال: «تريدين أن تصومي غدا؟» قالت: لا. قال: «فأفطري». وفي «صحيح مسلم» (٣) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي، ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام، إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم». وروى الإمام أحمد في «مسنده» (٤) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : «يوم الجمعة يوم عيد، فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم، إلا أن تصوموا قبله أو بعده».

стр. 750

وعند النسائي (١) عن عبد الله بن عمرو القاري قال: سمعت أبا هريرة يقول: «ما أنا نهيت عن صيام يوم الجمعة، محمدٌ ﷺ ــ ورَبّ البيت ــ نهى عنه». وروى النسائي (٢) أيضًا عن محمد بن سيرين عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : «يا أبا الدرداء، لا تخص يوم الجمعة بصيام دون الأيام، ولا تخص ليلة الجمعة بقيام دون الليالي». فذهب طائفة من أهل العلم إلى القول بهذه الأحاديث، منهم: أبو هريرة وسلمان (٣)، وقال به أحمد والشافعي (٤). وقال مالك وأبو حنيفة (٥): لا يكره. وفي «الموطأ» (٦) قال مالك: لم أسمع أحدًا من أهل العلم والفقه ومن يُقتدى به ينهى عن صيام يوم الجمعة، وصيامُه حسن، وقد رأيت بعض أهل العلم يصومه، وأراه كان يتحراه.

стр. 751

قال الداودي (١): لم يبلغ مالكًا هذا الحديث، ولو بلغه لم يخالفه. وقد روى النسائي (٢) عن زِرّ بن حُبَيش عن ابن مسعود: «أن رسول الله ﷺ كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، وقلّما رأيته يفطر يوم الجمعة». وإسناده صحيح. ولا معارضة بينه وبين أحاديث النهي، إذ ليس فيه: أنه كان يفرده بالصوم، والنهي إنما هو عن الإفراد، فمتى وصله زال النهي. ٣١ - النهي أن يُخصّ يوم السبت [بصوم] ٢٤٥/ ٢٣١٣ - عن عبد الله بن بُسْر السلمي، عن أخته الصَّمَّاء، أن النبي ﷺ قال: «لا تصوموا يوم السبت، إلا فيما افتُرض عليكم، وإن لم يجد أحدُكم إلَّا لِحاءَ عِنَب أو عُودَ شجرة فَلْيَمضَغْه». قال أبو داود: وهذا الحديث منسوخ. وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه (٣). وقال الترمذي: حديث حسن. هذا آخر كلامه. وقيل: إن الصماء أخت بُسر. وروي هذا الحديث من حديث عبد الله بن بُسر عن رسول الله ﷺ (٤)، ومن

стр. 752

حديث أبيه بُسر عن رسول الله ﷺ (١)، ومن حديث الصماء عن عائشة زوج النبي ﷺ عن النبي ﷺ (٢). وقال النسائي (٣): هذه أحاديث مضطربة. قال ابن القيم ﵀: حديث عبد الله بن بسر هذا رواه جماعة عن خالد بن مَعدان عن عبد الله بن بُسر عن أخته الصماء. ورواه النسائي عن عبد الله بن بُسر عن النبي ﷺ . ورواه أيضًا عن الصماء عن عائشة عن النبي ﷺ ، فهذه ثلاثة أوجه. وقد أشكل هذا الحديث على الناس قديمًا وحديثًا. فقال أبو بكر الأثرم (٤): سمعت أبا عبد الله يُسأل عن صيام يوم السبت يفترد به؟ فقال: أما صيام يوم السبت يفترد به فقد جاء فيه ذلك الحديث، حديث الصماء، يعني حديث ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن عبد الله بن بسر عن أخته الصماء عن النبي ﷺ : «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم». قال أبو عبد الله: يحيى بن سعيد يَنْفِيه (٥)، أبى أن يحدثني به. وقد كان سمعه من

стр. 753

ثور. قال: فسمعتُه من أبي عاصم (١). قال الأثرم (٢): حجة أبي عبد الله في الرخصة في صوم يوم السبت أن الأحاديث كلها مخالفة لحديث عبد الله بن بسر، منها: حديث أم سلمة حين سُئلت: أي الأيام كان رسول الله ﷺ أكثر صيامًا لها؟ فقالت: السبت والأحد (٣). ومنها حديث جويرية: [ق ١٣١] أن النبي ﷺ قال لها يوم الجمعة: «أصُمتِ أمس؟» قالت: لا. قال: «أتريدين أن تصومي غدًا؟» (٤)، فالغد: هو يوم السبت. وحديث أبي هريرة: نهى النبي ﷺ عن صوم يوم الجمعة، إلا بيوم قبله أو يوم بعده (٥). فاليوم الذي بعده: هو يوم السبت.

стр. 754

وقال: «من صام رمضان وأتبعه بست من شوال» (١)، وقد يكون فيها السبت. وأمر بصيام البيض (٢)، وقد يكون فيها السبت. ومثل هذا كثير. فقد فهم الأثرم من كلام أبي عبد الله أنه توقف عن الأخذ بالحديث، وأنه رخص في صومه، حيث ذكر الحديث الذي يُحتج به في الكراهة، وذكر أن الإمام في علل الحديث يحيى بنَ سعيد كان ينفيه (٣)، وأبى أن يحدث به، فهذا تضعيف للحديث. واحتج الأثرم بما ذكر من النصوص المتواترة على صوم يوم السبت. يبقى أن يقال: يمكن حمل النصوص الدالة على صومه على ما إذا صامه مع غيره، وحديثِ النهي على صومه وحده، وعلى هذا تتفق النصوص. وهذه طريقة جيدة، لو لا أن قوله في الحديث: «لا تصوموا يوم السبت إلا

стр. 755

فيما افترض عليكم» دليل على المنع من صومه في غير الفرض مفردًا أو مضافًا، لأن الاستثناء دليل التناول، وهو يقتضي أن النهي عنه يتناول كل صور صومه، إلا صورة الفرض. ولو كان إنما يتناول صورة الإفراد، لقال: لا تصوموا يوم السبت إلا أن تصوموا يومًا قبله أو يومًا بعده، كما قال في الجمعة. فلما خص الصورة المأذون في صومها بالفرضية عُلم تناول النهي لما قابلها. وقد ثبت صوم يوم السبت مع غيره بما تقدم من الأحاديث وغيرها، كقوله في يوم الجمعة: «إلا أن تصوموا يومًا قبله أو يومًا بعده»، فدل على أن الحديث غير محفوظ وأنه شاذ. وقد قال أبو داود (١): قال مالك: هذا كذب. وذكر (٢) بإسناده عن الزهري أنه كان إذا ذكر له النهي عن صيام يوم السبت، يقول: هذا حديث حِمصي، وعن الأوزاعي قال: ما زلت كاتمًا له حتى رأيته انتشر، يعني حديث ابن بسر هذا. وقالت طائفة، منهم أبو داود: هذا حديث منسوخ. وقالت طائفة، وهم أكثر أصحاب أحمد: الحديث محكم، وأخذوا به في كراهة إفراده بالصوم، وأخذوا بسائر الأحاديث في صومه مع ما يليه. قالوا: وجواب أحمد يدل على هذا التفصيل، فإنه سئل في رواية الأثرم عنه: فأجاب بالحديث. وقاعدة مذهبه: أنه إذا سئل عن حكم فأجاب فيه بنصّ يدل عليه، أن جوابه بالنص دليل على أنه قائل به، لأنه ذكره في معرض الجواب، فهو متضمن للجواب والاستدلال معًا.

стр. 756

قالوا: وأما ما ذكره عن يحيى بن سعيد، فإنما هو بيان لما وقع من الشبهة في الحديث. قالوا: وإسناده صحيح، ورواته غير مجروحين ولا متّهمين، وذلك يوجب العمل به، وسائرُ الأحاديث ليس فيها ما يعارضه، لأنها تدل على صومه مضافًا، فيحمل النهي على صومه مفردًا، كما ثبت في يوم الجمعة. ونظير هذا الحكمِ أيضًا كراهة إفراد رجب بالصوم، وعدم كراهته موصولًا بما قبله أو بعده. ونظيره أيضًا: ما حمل الإمام أحمد عليه حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة في النهي عن الصوم بعد انتصاف شعبان= أنه النهي عن ابتداء الصوم فيه، وأما صومه مع ما قبله من نصفه الأول، فلا يكره (١). قالوا: وقد جاء هذا مصرّحًا به في صوم يوم السبت، ففي «مسند الإمام أحمد» (٢)، من حديث ابن لَهِيعة: نا موسى بن وَرْدان، عن عُبيد الأعرج: حدثتني جدتي ــ يعني الصمّاء ــ أنها دخلت على رسول الله ﷺ يوم السبت، وهو يتغدى. فقال: «تعالي تغدَّي». فقالت: إني صائمة. فقال لها: «أصُمتِ أمس؟» قالت: لا. قال: «كُلِي، فإن صيام يوم السبت لا لك، ولا عليك». وهذا، وإن كان في إسناده من لا يحتج به إذا انفرد، لكن يدل عليه ما

стр. 757

تقدم من الأحاديث. وعلى هذا، فيكون معنى قوله ﷺ : «لا تصوموا يوم السبت» أي لا تقصدوا صومه بعينه إلا في الفرض، فإن الرجل يقصد صومه بعينه بحيث لو لم يجب عليه إلا صوم يوم السبت، كمن أسلم ولم يبق من الشهر إلا يوم السبت، فإنه يصومه وحده. وأيضًا فقصده بعينه في الفرض لا يكره، بخلاف قصده بعينه في النفل، فإنه يكره. ولا تزول الكراهة إلا بضم غيره إليه، أو موافقته عادة. فالمزيل للكراهة في الفرض مجرد كونه فرضًا، لا المقارنة بينه وبين غيره. وأما في النفل فالمزيل للكراهة ضم غيره إليه، أو موافقته عادة، ونحو ذلك. قالوا: وأما قولكم: إن الاستثناء دليل التناول ... إلى آخره، فلا ريب أن الاستثناء أخرج صورة الفرض من عموم النهي، وصورةُ الاقتران بما قبله أو بما بعده أُخرِجت بالدليل الذي تقدم. فكلا الصورتين (١) مُخرَج، أما الفرض فبالمُخرِج المتصل، وأما صومه مضافًا فبالمُخرِج المنفصل، فبقيت صورة الإفراد، واللفظ متناول لها، ولا مُخرِجَ لها من عمومه، فيتعين حمله عليها. ثم اختلف [ق ١٣٢] هؤلاء في تعليل الكراهة، فعلّلها ابنُ عَقيل بأنه يوم يُمسك فيه اليهود ويخصونه بالإمساك، وهو ترك العمل فيه، والصائم في مظنة ترك العمل فيصير صومه تشبُّهًا بهم، وهذه العلة منتفية في الأحد. ولا يقال: فهذه العلة موجودة إذا صامه مع غيره، ومع هذا فإنه لا يكره؛ لأنه إذا صامه مع غيره لم يكن قاصدًا إلى تخصيصه المقتضي للتشبّه، وشاهدُه استحباب ضمّ (٢) يومٍ قبلَ عاشوراء وبعده إليه لتنتفي صورة الموافقة.
следующие страницы →