← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 201

تهذيب سنن أبي داود - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 675 стр.). Показаны 788–827 · переход к 793.

стр. 788

فهذه ثلاث (١) مآخذ، ويقوّي هذا الجوابَ (٢) السؤالُ الثالث: وهو اختصاصها بهذا العدد، دون ما هو أقل وأكثر، فقد أشار في الحديث إلى حكمته، فقال في حديث أبي هريرة: «من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها؛ فثلاثين بثلاثمائة وستة بستِّين، وقد صام السنة» (٣). وكذلك في حديث ثوبان ولفظه: «من صام ستة أيام بعد الفطر كان تمام السنة، من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها» لفظ ابن ماجه (٤). وأخرجه صاحب «المختارة» (٥). ولفظ النسائي (٦) فيه: «صيام رمضان بعشرة أشهر، وصيام ستة أيام بشهرين. فذلك صيام سنة»، يعني صيام رمضان وستة أيام بعده. فهذه هي الحكمة في كونها ستة. وأما ما ذكره بعضهم (٧) من أن الستة عدد تام، فإنها إذا جُمِعت أجزاؤها قام منها عددُ الستة (٨)، فإن أجزاءها النصف والثلث والسدس ويَكْمُل بها، بخلاف الأربعة والاثني عشر وغيرهما= فهذا لا يَحْسُن ولا يليق أن يُذكر في أحكام الله ورسوله، و [ينبغي] (٩) أن يُصان الدين

стр. 789

عن التعليل بأمثاله. وأما السؤال الرابع، وهو تشبيه هذا الصيام بصيام الدهر، مع كونه عُشْرَه (١)، فقد أشكل هذا على كثير من الناس. وقيل في جوابه: المعنى أن من صام رمصان وستة من شوال من هذه الأمة فهو كمن صام السنة من الأمم المتقدمة. قالوا: لأن تضعيف الحسنات إلى عشر أمثالها من خصائص هذه الأمة. وأحسن من هذا أن يقال: العمل له بالنسبة إلى الجزاء اعتباران: اعتبار المقابلة والمساواة وهو الواحد بمثله، واعتبار الزيادة والفضل وهو المضاعفة إلى العشر، فالتشبيه وقع بين العمل المضاعَف ثوابُه، وبين العمل الذي يستحق به مثلَه. ونظير هذا قوله ﷺ : «من صلى عشاء الآخرة في جماعة فكأنما قام نصف ليلة، ومن صلى العشاء والفجر في جماعة فكأنما قام [ق ١٣٨] ليلة» (٢). أما السؤال الخامس، وهو الفرق بين أن يقول: «فكأنه قد صام الدهر» وبين قوله: «فكأنما صام الدهر»، هو أن المقصود تشبيه الصيام بالصيام. ولو قال: «فكأنه قد صام الدهر»، لكان بعيدًا عن المقصود، فإنه حينئذ يكون تشبيها للصائم بالصائم. فمحل التشبيه هو الصوم لا الصائم، ويجيء الفاعل لزومًا. ولو شبه الصائم لكان هو محل التشبيه، ويكون مجيء الصوم لزومًا، وإنما كان قصدُ تشبيه الصوم أبلغَ وأحسن لتضمُّنه تنبيهَ السامع على قدر

стр. 790

الفعل وعِظَمه وكثرةِ ثوابه، فتتوفر رغبته فيه. وأما السؤال السادس، وهو الاستدلال به على استحباب صيام الدهر، فقد استدل به طائفة ممن يرى ذلك. قالوا: ولو كان صوم الدهر مكروهًا لما وقع التشبيه به، بل هذا يدل على أنه أفضل الصيام. وهذا الاستدلال فاسد جدًّا من وجوه: أحدها: أن في الحديث نفسه أن وجه التشبيه هو أن الحسنة بعشر أمثالها، فستة وثلاثون يومًا بسنة كاملة، ومعلوم قطعًا أن صوم السنة الكاملة حرام بلا ريب، والتشبيه لا يتم إلا بدخول العيدين وأيام التشريق في السنة، وصومُها حرام، فعلم أن التشبيه المذكور لا يدل على جواز وقوع المشبَّه به فضلًا عن استحبابه، فضلًا أن (١) يكون أفضل من غيره. ونظير هذا قول النبي ﷺ لمن سأله عن عمل يعدل الجهاد؟ فقال: «لا تستطيعه. هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تقوم فلا تَفتُر، وتصوم فلا تُفطِر؟» قال: لا. قال: «فذلك مَثَل المجاهد» (٢). ومعلوم أن هذا المشبه به غير مقدور ولا مشروع. فإن قيل: يُحمل قوله: «فكأنما صام الدهر» على ما عدا الأيام المنهيَّ عن صومها. قيل: تعليلُه ﷺ حكمةَ هذه المقابلة، وذِكرُه الحسنة بعشر أمثالها، وتوزيعُ الستة والثلاثين يومًا على أيام السنة= يُبطل هذا الحمل.

стр. 791

الثاني: أن النبي ﷺ سئل عمن صام الدهر، فقال: «لا صام ولا أفطر» (١)، وفي لفظ: «لا صام من صام الأبد» (٢). فإذا كان هذا حال صيام الدهر فكيف يكون أفضلَ الصيام؟ الثالث: أن النبي ﷺ ثبت عنه في «الصحيحين» (٣) أنه قال: «أفضل الصيام صيام داود». وفي لفظ: «لا أفضل من صوم داود، كان يصوم يومًا ويفطر يومًا» (٤). فهذا النص الصحيح الصريح الرافع لكل إشكال يُبَيِّن أن صوم يوم وفطر يوم أفضلُ من سرد الصوم، مع أنه أكثر عملًا. وهذا يدل على أنه مكروه، لأنه إذا كان الفطر أفضل منه لم يمكن أن يقال بإباحته واستواء طرفيه، فإن العبادة لا تكون مستوية (٥) الطرفين، ولا يمكن أن يقال: هو أفضل من الفطر، لشهادة النص له بالإبطال، فتعين أن يكون مرجوحًا، وهذا بيِّن لكل منصف. ولله الحمد. ٣٦ - كيف كان النبي ﷺ يصوم ٢٥٢/ ٢٣٢٤ - عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها قالت: كان رسول الله ﷺ يصوم حتى نقول: لا يُفطِر، ويفطر حتى نقول لا يصوم، وما رأيت رسول الله ﷺ

стр. 792

استكمل صيام شهر قطُّ إلا رمضان، وما رأيته في شهر أكثرَ صيامًا منه في شعبان». وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي (١). قال ابن القيم ﵀: وفي صومه شعبان أكثر من غيره ثلاث معان (٢): أحدها: أنه كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، فربما شغل عن الصيام أشهرًا، فجمع ذلك في شعبان، ليدركه قبل صيام الفرض. الثاني: أنه فعل ذلك تعظيمًا لرمضان، وهذا الصوم يشبه [سنة] (٣) فرض الصلاة قبلها تعظيمًا لحقها. الثالث: أنه شهر تُرفَع فيه الأعمال، فأحبَّ ﷺ أن يرفع عمله وهو صائم (٤). ٣٧ - في صوم الاثنين والخميس ٢٥٣/ ٢٣٢٦ - عن مولى قدامة بن مَظعون، عن مولى أسامة بن زيد أنه انطلق مع أسامة إلى وادي القُرى في طلب مالٍ له، فكان يصوم الاثنين والخميس، فقال له مولاه: لِمَ تصوم يوم الاثنين ويوم الخميس، وأنت شيخ كبير؟ فقال: إن نبي الله ﷺ كان يصوم يوم الاثنين ويوم الخميس، وسُئل عن ذلك؟ فقال: «إنَّ

стр. 793

أعمال العباد تُعرض يوم الاثنين ويوم الخميس». وأخرجه النسائي (١). وفي إسناده رجلان مجهولان (٢). وقد أخرج النسائي (٣) من حديث أبي سعيد كَيْسان المقبري. قال: حدثني أسامة بن زيد قال: قلت: يا رسول الله، إنك تصوم حتى لا تكاد تُفطر، وتفطر حتى لا تكاد تصوم، إلا يومين إن دخلا في صيامك، وإلا صمتهما؟ قال: «وأي يومين؟» قلت: يوم الاثنين ويوم الخميس. قال: «ذانك يومان تعرض فيهما الأعمال على رب العالمين، فأحبُّ أن يُعرَض عملي وأنا صائم». وهو حديث حسن. وأخرج الترمذي والنسائي وابن ماجه (٤) من حديث ربيعة الجُرَشي عن عائشة قالت: «كان رسول الله ﷺ يتحرى صوم الاثنين والخميس». وقال الترمذي: حديث عائشة حديث حسن غريب من هذا الوجه. قال ابن القيم ﵀: وأخرج النسائي (٥) من حديث المسيب بن رافع

стр. 794

عن سَوَاءٍ الخزاعي عن عائشة قالت: «كان رسول الله ﷺ يصوم الاثنين والخميس». وأخرج (١) عن المسيب عن حفصة قالت: «كان رسول الله ﷺ يصوم الاثنين والخميس». وفي «صحيح مسلم» (٢) من حديث أبي قتادة قال: سئل رسول الله ﷺ عن صيام الاثنين؟ فقال: «ذاك يوم ولدتُ فيه، ويوم بعثتُ، أو أنزل علي فيه». وفيه (٣) من رواية شعبة: «وسئل عن صوم الاثنين والخميس؟»، قال مسلم: فسكتنا عن ذكر الخميس لِما نراه وَهمًا. ٣٨ - صوم العشر ٢٥٤/ ٢٣٢٧ - عن هُنيدة بن خالد، عن امرأته، عن بعض أزواج النبي ﷺ قالت: «كان النبي ﷺ يصوم تِسعَ ذي الحجَّة، ويومَ عاشوراء، وثلاثةَ أيام من كل شهر: أولَ اثنين من الشهر والخميس (٤)».

стр. 795

وأخرجه النسائي (١). واختلف على هنيدة بن خالد في إسناده، فروي عنه كما أوردناه. وروي عنه عن حفصة زوج النبي ﷺ (٢). وروي عنه عن أمه عن أم سلمة زوج النبي ﷺ مختصرًا (٣). ٢٥٥/ ٢٣٢٨ - وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «ما مِنْ أيامٍ العملُ الصالح فيها أحبُّ إلى الله من هذه الأيام»، يعني أيام العشر، قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: «ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجلٌ خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء». وأخرجه البخاري والترمذي وابن ماجه (٤). قال ابن القيم ﵀: وفي «مسند أحمد» و «سنن النسائي» (٥) عن حفصة

стр. 796

قالت: «أربع لم يكن يدعهن رسول الله ﷺ : صيام عاشوراء، والعشر، وثلاثة أيام من كل شهر والركعتين قبل الغداة». وفي «مسند أحمد» (١) أيضًا: عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «ما مِن أيام أعظمَ عند الله، ولا أحبَّ إليه العملُ فيهن، من هذه الأيام العشر، فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد». ٣٩ - في صوم عرفة بعرفة ٢٥٦/ ٢٣٣٠ - عن عكرمة ــ وهو مولى عبد الله بن عباس ــ قال: كنا عند أبي هريرة في بيته فحدَّثَنا أن رسول الله ﷺ نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة. وأخرجه النسائي وابن ماجه (٢). وفي إسناده مهدي الهجَري، قال يحيى بن معين: لا أعرفه (٣). وقال الخطابي (٤): هذا نهي استحباب، لا نهي إيجاب. قال ابن القيم ﵀: وقد ورد في النهي عن صيام يوم عرفة بعرفة آثار. منها: ما رواه النسائي (٥) عن عمرو بن دينار عن عطاء عن عبيد بن عمير قال: كان عُمَر ينهى عن صوم يوم عرفة.

стр. 797

[ق ١٣٩] ومنها ما رواه أيضًا (١) عن أبي السوداء (٢) قال: سألت ابن عمر عن صوم يوم عرفة؟ فنهاني. والمراد بذلك بعرفة، بدليل ما روى نافع قال: سئل ابن عمر عن صوم يوم عرفة بعرفة؟ فقال: لم يصمه رسول الله ﷺ ، ولا أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان (٣). وعن عطاء قال: دعا عبد الله بن عباس الفضلَ بن عباس يوم عرفة إلى الطعام، فقال: إني صائم. فقال عبد الله: لا تصم، فإن رسول الله ﷺ قُرِّب إليه حِلاب فيه لبن يوم عرفة فشرب منه. فلا تصم، فإن الناس يستنّون بكم (٤). رواهما النسائي. ٢٥٧/ ٢٣٣١ - وعن أم الفضل بنت الحارث: أن ناسًا تمَارَوْا عندها يوم عرفة في صوم رسول الله ﷺ ، فقال بعضهم: هو صائم، وقال بعضهم: ليس بصائم، فأرسلت إليه بقدَح لَبَنٍ وهو واقف على بعيره بعرفه، فشرب». وأخرجه البخاري ومسلم (٥).

стр. 798

قال ابن القيم ﵀: وقد أخرجا في «الصحيحين» (١) من حديث كُرَيب عن ميمونة بنت الحارث أنها قالت: إن الناس شَكُّوا في صيام رسول الله ﷺ يوم عرفة، فأرسلَتْ إليه ــ يعني ميمونة ــ بحِلاب اللبن، وهو واقف في الموقف فشرب منه، والناس ينظرون. فقيل: يَحتمِل أن تكون ميمونة أرسلت وأم الفضل أرسلت، كل منهما بقدح، ويحتمل أن تكونا مجتمعتين، فإنها أختها، فاتفقتا على الإرسال بقدح واحد، فينسب إلى هذه وإلى هذه. فقد صح عن رسول الله ﷺ أنه أفطر بعرفة، وصح عنه أن صيامه يكفر سنتين، فالصواب أن الأفضل لأهل الآفاق صومه، ولأهل عرفة فِطْرُه لاختياره ﷺ ذلك لنفسه، وعمل خلفائه بعده بالفطر، وفيه قوة على الدعاء الذي هو أفضل دعاء العبد، وفيه أن يوم عرفة عيد لأهل عرفة، فلا يستحب لهم صيامه. وبعض الناس يختار الصوم، وبعضهم الفطر، وبعضهم يفرق بين من يضعفه ومن لا يضعفه، وهو اختيار قتادة (٢). والصيام اختيار ابن الزبير وعائشة (٣). وقال عطاء: أصومه في الشتاء، ولا أصومه في الصيف (٤). وكان

стр. 799

بعض السلف لا يأمر به ولا ينهى عنه، ويقول: من شاء صام ومن شاء أفطر. ٤٠ - ما روي أن عاشوراء اليومُ التاسع ٢٥٨/ ٢٣٣٥ - عن ابن عباس قال: حين صام النبي ﷺ يوم عاشوراء وأمرَنا بصيامه، قالوا: يا رسول الله، إنه يومٌ تُعَظِّمه اليهود والنصارى، فقال رسول الله ﷺ : «فإذا كان العامُ المقبِل صُمنا يوم التاسع»، فلم يأتِ العامُ المقبل حتى تُوفِّي رسول الله ﷺ . وأخرجه مسلم (١). اختُلف في معناه، وهو يحتمل معنيين، أحدهما: نقل صيام عاشوراء إلى التاسع لأجل مخالفة أهل الكتاب، وهذا مقتضى المنقول عن ابن عباس، وقيل معناه: أن يصوم التاسع معه لتحصل المخالفة؛ فتوفي ﵇ ولم يبيّن مراده، فكان الاحتياط صومَ التاسع والعاشر (٢). ٢٥٩/ ٢٣٣٦ - وعن الحكَم بن الأعرج قال: أتيت ابنَ عباس وهو متوسِّد رداءَه في المسجد الحرام، فسألته عن صوم يوم عاشوراء، فقال: إذا رأيت هلال المحرَّم فاعْدُد، فإذا كان يومُ التاسع فأَصبِحْ صائمًا، فقلت: كذا كان محمد ﷺ يصوم؟ قال: كذلك كان محمد ﷺ يصوم. وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي (٣).

стр. 800

قال ابن القيم ﵀: والصحيح أن المراد صومُ التاسع مع العاشر لا نَقْلُ اليوم، لما روى أحمد في «مسنده» (١) من حديث ابن عباس، يرفعه إلى النبي ﷺ قال: «خالفوا اليهود، صوموا يوما قبله ويومًا (٢) بعده». وقال عطاء عن ابن عباس: «صوموا التاسع والعاشر، وخالفوا اليهود» ذكره البيهقي (٣). وهذا يبين أن قول ابن عباس: «إذا رأيت هلال المحرَّم فاعدد، فإذا كان يوم التاسع فأَصْبِح صائمًا» أنه ليس المراد به: أن عاشوراء هو التاسع، بل أمَره أن يصوم اليوم التاسع قبل عاشوراء. فإن قيل: ففي آخر الحديث: «قيل: كذلك كان يصومه محمد [ ﷺ ]؟ قال: نعم»، فدل على أن المراد به نقلُ الصوم، لا صومُ يوم قبله. قيل: قد صرح ابن عباس بأن النبي ﷺ قال: «لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع»، فدل على أن الذي كان يصومه هو العاشر، وابن عباس راوي الحديثين معًا، فقوله: «هكذا كان يصومه محمد [ ﷺ ]» أراد به ــ والله أعلم ــ قولَه: «لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع»، فلما عزم عليه وأخبر أنه يصومه إن بقي قال ابن عباس: «هكذا كان يصومه»، وصدق ﵁، هكذا

стр. 801

كان يصومه لو بقي. فتوافقت الروايات عن ابن عباس وعُلِم أن المخالفة المشار إليها تركُ إفراده، بل يُصام يومٌ قبله ويوم بعده، ويدل عليه أن في رواية الإمام أحمد (١) قال رسول الله ﷺ : «لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع ـ يعني لصوم عاشوراء ــ وخالفوا اليهود فصوموا قبله يومًا وبعده يومًا»، فذِكْر هذا عقب قوله: «لأصومن التاسع» يبين مراده. وبالله التوفيق. ٤١ - باب في فضل صومه ٢٦٠/ ٢٣٣٧ - عن عبد الرحمن بن مَسْلَمة، عن عمه: أن أسْلَمَ أتت النبيَّ ﷺ ، فقال: صُمْتُم يومكم هذا؟ قالوا: لا، قال: «فأتموا بقية يومكم، واقضوه». وأخرجه النسائي (٢)، وذكر البيهقي (٣) عبد الرحمن هذا فقال: وهو مجهول ومختلَف في اسم أبيه، ولا يُدرى من عمّه. هذا آخر كلامه. قال ابن القيم ﵀: قال عبد الحق (٤): ولا يصح هذا الحديث في القضاء. قال (٥): ولفظة «اقضوه» تفرد بها أبو داود، ولم يذكرها النسائي.

стр. 802

قال: واختلف الناس في يوم عاشوراء، هل كان صومه واجبًا أو تطوعًا؟ فقالت طائفة، كان واجبًا. وهذا قول أصحاب أبي حنيفة (١)، وروي عن أحمد (٢). وقال أصحاب الشافعي (٣): لم يكن واجبًا، وإنما كان تطوعًا، واختاره القاضي أبو يعلى، وقال (٤): هو قياس المذهب. واحتج هؤلاء بثلاث حجج: إحداها: ما أخرجا في «الصحيحين» (٥) عن حميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية بن أبي سفيان خطيبًا بالمدينة ــ يعني في قَدْمَةٍ قَدِمها ــ خطبهم يوم عاشوراء، فقال: أين علماؤكم، يا أهل المدينة؟ سمعت [ق ١٤٠] رسول الله ﷺ يقول لهذا اليوم: «هذا يوم عاشوراء، ولم يكتب الله عليكم صيامَه وأنا صائم، فمن أحبّ منكم أن يصومَ فليَصُم، ومن أحب منكم أن يُفطِرَ فليفطِرْ». الحجة الثانية: ما في «الصحيحين» (٦) أيضًا عن سلمة بن الأكوع قال: بعث رسول الله ﷺ رجلًا من أسلم يوم عاشوراء فأمره أن يؤذن في الناس:

стр. 803

«من كان لم يَصُم فَلْيَصُم». قالوا: فهذا أمرٌ بإنشاء الصيام من النهار، وهذا لا يجوز إلا في التطوع. وأما الصيام الواجب فلا يصح إلا بنية قبل الفجر. الحجة الثالثة: أن النبي ﷺ لم يأمر المفطرين فيه إذ ذاك بالقضاء. واحتج الأولون بحجج: إحداها: ما خرّجا في «الصحيحين» (١) عن عائشة قالت: كانت قريش تصوم عاشوراء في الجاهلية، وكان رسول الله ﷺ يصومه. فلما هاجر إلى المدينة صامه، وأمر بصيامه. فلما فرض شهر رمضان قال: «من شاء صامه، ومن شاء تركه». وفي «صحيح البخاري» (٢) عن ابن عمر قال: صام النبي ﷺ عاشوراء وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان تُرِك. قالوا: ومعلوم أن الذي تُرِك هو وجوب صومه لا استحبابه، فإن النبي ﷺ كان يرغّب فيه، ويخبر أن صيامه كفارة سنة. وقد أخبر ابن عباس أن النبي ﷺ كان يصومه إلى حين وفاته وأنه عزم قبل وفاته بعام على صيام التاسع، فلو كان المتروك مشروعيته لم يكن لقصد المخالفة بضم التاسع إليه معنى، فعلم أن المتروك هو وجوبه. الحجة الثانية: أن في «الصحيحين» (٣) أن النبي ﷺ أمر من كان أكل بأن

стр. 804

يمسك بقية يومه. وهذا صريح في الوجوب، فإن صوم التطوع لا يُتصوّر فيه إمساك بعد الفطر. الثالثة: ما في «الصحيحين» أيضًا عن عائشة قالت: كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية ــ فذكرت الحديث إلى أن قالت ــ: «فلما فرض رمضان كان هو الفريضة» الحديث، وهذه اللفظة في سياق البيهقي (١). فقولها: «كان هو الفريضة» دل على أن عاشوراء كان قبله واجبًا، وأن رمضان صار هو الفرض لا عاشوراء، وإلا لم يكن لقولها: «كان هو الفريضة» معنى. قال الموجبون: وأما حديث معاوية فمعناه: ليس مكتوبًا عليكم الآن، أو لم يكتبه بعد نزول رمضان، أو إنما نفى فيه الكَتْب، وهو الفرض المؤكد الثابت بالقرآن، ووجوبُ عاشوراء إنما كان بالسنة، ولا يلزم من نفي كَتْبه وفرضه نفيُ كونه واجبًا، فإن المكتوب أخص من مطلق الواجب. وهذا جارٍ على أصل من يفرق بين الفرض والواجب. وقد نص أحمد في إحدى الروايتين عنه (٢) على أنه لا يقال: «فرض» إلا لما ثبت بالقرآن، وأما ما ثبت بالسنة فإنه يسميه واجبًا.

стр. 805

قالوا: وأما تصحيحه بنية من النهار، فالجواب عنه من وجهين: أحدهما: أن هذا حجة لمن يقول بجواز صوم الفرض بنية من النهار. قالوا: وهو عمدتنا في المسألة. فليس لكم أن تنفوا وجوبه بناءً على بطلان هذا القول، فإنه دور ممتنع ومصادرة باطلة. وهذا جواب أصحاب أبي حنيفة. قال منازعوهم: إذا قلتم: إنه كان واجبًا، فقد ثبت نسخه اتفاقًا، وأنتم إنما جوزتم الصوم المفروض بنية من النهار بطريق الاستنباط منه، وأن ذلك من متعلقاته ولوازمه، والحكم إذا نُسِخ نسخت لوازمه ومتعلقاته ومفهومه وما ثبت بالقياس عليه، لأنها فرع في الثبوت على ثبوت الأصل، فإذا ارتفع الأصل امتنع بقاء الفرع بعده. قال الحنفية: الحديث دل على شيئين: أحدهما: إجزاء الصوم الواجب بنية من النهار، والثاني: تعيين الصوم الواجب بأنه يوم عاشوراء، فنُسِخ تعيين الواجب برمضان، وبقي الحكم الآخر لا معارض له، فلا يصح دعوى نسخه، إذ الناسخ إنما هو لتعيين الصوم وإبداله بغيره، لا لإجزائه بنية من النهار. الجواب الثاني: أن ذلك الصوم إنما صح بنية من النهار، لأن الوجوب إنما ثبت في حق المكلفين من النهار حين أمر النبي ﷺ المنادي أن ينادي بالأمر بصومه، فحينئذ تجدّد (١) الوجوب فقارنت النيةُ وقتَ وجوبه، وقبل هذا لم يكن واجبًا، فلم تكن نية التبييت واجبة.

стр. 806

قالوا: وهذا نظيره: الكافر يسلم في أثناء النهار أو الصبيُّ يبلغ، فإنه يمسك من حين ثبت (١) الوجوب في ذمته ولا قضاءَ عليه، كما قاله مالك وأبو ثور وابن المنذر وأحمد في إحدى الروايتين عنه (٢). ونظيره أيضًا: إذا أنشأ الصوم تطوعًا بنية من النهار ثم نذر إتمامه، فإنه تجزئه نيّتُه (٣) عند مقارنة الوجوب. قالوا: ولا يَرِد علينا: إذا قامت البينة برؤية هلال رمضان في أثناء النهار، حيث يلزم القضاء لمن لم يكن قد بيّت الصوم، لأن الوجوب هنا كان ثابتًا، وإنما خفي على بعض الناس، وتساوي المكلفين في العلم بالوجوب لا يُشترط، بخلاف ابتداء الأمر بصيام عاشوراء، فإنه حينئذ ابتُدِئ وجوبه. فالفرق إنما هو بين ابتداء الوجوب والشروع [ق ١٤١] في الإمساك عقبه، وبين خفاء ما تقدّم وجوبُه ثم تجدّد سبب العلم بوجوبه. فإن صح هذا الفرق، وإلا فالصواب التسوية بين الصورتين، وعدم وجوب القضاء. والله أعلم. وذكر الشافعي هذه الأحاديث في كتاب «مختلف الحديث» (٤)، ثم قال: وليس من هذه الأحاديث شيء مختلف عندنا ــ والله أعلم ــ إلا شيئًا ذكره في حديث عائشة، وهو مما وصفتُ من الأحاديث التي يأتي بها

стр. 807

المحدِّث ببعض دون بعض، فحديث ابن أبي ذئب عن عائشة: «كان رسول الله ﷺ يصوم عاشوراء، ويأمرنا بصيامه» لو انفرد كان ظاهره أن عاشوراء كان فرضًا. فذكر هشام عن أبيه عن عائشة أن النبي ﷺ صامه في الجاهلية، وأمر بصيامه، فلما نزل رمضان كان الفريضةَ، وترك عاشوراء. قال الشافعي: لا يحتمل قول عائشة «ترك عاشوراء» معنًى يصحّ إلا تَرْكَ إيجاب صومه، إذ علمنا أن كتاب الله بيَّن لهم أن شهر رمضان المفروضُ صومه، وأبان لهم ذلك رسول الله ﷺ ؛ أو تَرْكَ استحباب صومه (١)، وهو أولى الأمور عندنا، لأن حديث ابن عمر ومعاوية عن رسول الله ﷺ : «إن الله لم يكتب صوم يوم عاشوراء على الناس». ولعل عائشة ــ إن كانت ذهبت إليه: أنه كان واجبًا ثم نسخ ــ قالته لأنه يحتمل أن تكون رأت النبي ﷺ لمّا صامه وأمر بصومه كان صومه فرضًا، ثم نسَخَه تَرْكُ أمرِه من شاء أن يدع صومه. ولا أحسبها ذهبت إلى هذا، ولا ذهبت إلا إلى المذهب الأول، لأن الأول هو الموافق للقرآن: أن الله فرض الصوم فأبان أنه شهر رمضان، ودل حديث ابن عمر ومعاوية عن النبي ﷺ [على] مثل معنى القرآن، بأن لا فرض في الصوم إلا رمضان، وكذلك قول ابن عباس: «ما علمت رسول الله ﷺ صام يوما يتحرَّى فضله على الأيام إلا هذا اليوم، يعني يوم عاشوراء»، كأنه يذهب بتحرِّي فضله: في التطوع بصومه. آخر كلامه.

стр. 808

قالوا: وأما حجتكم الثالثة بأنه لم يأمرهم بالقضاء، فجوابه من وجهين: أحدهما: أنا قد ذكرنا حديث أبي داود: «أنهم أُمِروا بالقضاء»، وقد اختلف في هذا الحديث، فإن كان ثابتًا فهو دليل على الوجوب. وإن لم يكن ثابتًا، فإنما لم يؤمروا بالقضاء لعدم تقدُّم الوجوب (١)، إذ الوجوب إنما ثبت عند أمره، فاكتفى منهم بإمساك ما بقي، كالصبي يبلغ، والكافر يسلم، والله أعلم. ٤٢ - باب صوم الثلاث من كل شهر ٢٦١/ ٢٣٣٩ - عن ابن مِلْحان القَيسيِّ عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ يأمرنا أن نصومَ البِيضَ: ثلاثَ عَشْرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة، قال: وقال: «هُنَّ كهيئة الدَّهْر». وأخرجه النسائي وابن ماجه (٢). واختلف في ابن ملحان هذا، فقيل: هو قتادة بن ملحان القيسي، وله صحبة، والحديث في مسنده. وقيل: هو ملحان بن شِبل، والد عبد الملك بن ملحان، والحديث من

стр. 809

مسنده. وقال يحيى بن معين: وهو الصواب. وقيل: إنه منهال بن ملحان القيسي، والد عبد الملك، قال ابن معين: وهو خطأ. وقال أبو عمر النمري (١): وحديث همّام أيضًا خطأ، والصواب: ما قال شعبة، وليس همام ممن يعارَض به شعبة. وذكر خلاف هذا في موضع آخر فقال (٢): يقال: إن شعبة أخطأ في اسمه، إذ قال فيه: منهال بن ملحان. قال: وقال البخاري (٣): حديث همام أصح من حديث شعبة. قال: ومنهال بن ملحان لا يُعرف في الصحابة، والصواب: قتادة بن ملحان القيسي، تفرد بالرواية عنه ابنه عبد الملك بن قتادة، يُعَدُّ في أهل البصرة. وقال أبو القاسم البغوي في «معجم الصحابة» (٤): المنهال، أبو عبد الملك بن المنهال: رجل من بني قيس بن ثعلبة، نزل البصرة ــ وذكر عنه هذا الحديث. وقال في حرف القاف (٥): قتادة بن ملحان القيسي، سكن البصرة، وروى عن النبي ﷺ حديثًا ــ وذكر له هذا الحديث. فظاهر هذا أنهما عنده اثنان، غير أنه ذكر بعد هذا أن شعبة خالف همامًا، فقال فيه: عبد الملك بن منهال القيسي عن أبيه. وقال بعضهم: لعل أبا داود أسقط اسمه لأجل هذا الاضطراب.

стр. 810

قال ابن القيم ﵀: وقد روى الإمام أحمد والترمذي والنسائي (١) عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : «يا أبا ذر، إذا صمت من الشهر ثلاثةً، فَصُمْ ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة». وفي «صحيح مسلم» (٢) عن أبي قتادة يرفعه: «ثلاث من كل شهر، ورمضان إلى رمضان فهذا صيام الدهر كله». وروى النسائي (٣) عن جرير بن عبد الله عن النبي ﷺ قال: «صيام ثلاثة أيام من كل شهر صيامُ الدهر: أيام البيض صبيحةَ ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة». وروي أيضًا عن أبي هريرة قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ بأرنب قد شواها فوضعها بين يديه، فأمسك فلم يأكل وأمر القوم أن يأكلوا، وأمسك الأعرابي، فقال له النبي ﷺ : «ما منعك أن تأكل؟» قال: إني أصوم ثلاثة أيام

стр. 811

من كل شهر، قال: «إن كنت صائمًا فصم الغُرَّ» (١). ٤٣ - من قال: لا يُبالي مِن أيِّ الشهر (٢) ٢٦٢/ ٢٣٤١ - عن حفصة قالت: كان رسول الله ﷺ يصوم ثلاثة أيام من الشهر: الاثنين، والخميس، والاثنين من الجمعة الأخرى. وأخرجه النسائي (٣). قال ابن القيم ﵀: وقد روي صيامها على صفة أخرى، فعن عائشة قالت: «كان رسول الله ﷺ يصوم من الشهر السبت والأحد والاثنين، ومن الشهر الآخر: الثلاثاء والأربعاء والخميس» رواه الترمذي (٤) وقال: حديث

стр. 812

حسن. وقد روي فيها صفة أخرى: فعن ابن عمر أن رسول الله ﷺ كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر: يوم الاثنين من أول الشهر، ثم الخميس الذي يليه، ثم الخميس الذي يليه» رواه النسائي (١). وقد جاءت (٢) على صفة أخرى، فعن هنيدة الخزاعي [عن أمه] عن أم سلمة قالت: «كان رسول الله ﷺ يأمر بصيام ثلاثة أيام: أول خميس، والاثنين، والاثنين» رواه النسائي (٣).

стр. 813

٤٤ - باب النية في الصيام ٢٦٣/ ٢٣٤٤ - عن حفصة زوج النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ قال: «مَن لم يُجْمِع الصيامَ قبل الفجر فلا صيام له». وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه (١). وقال أبو داود: رواه الليث وإسحاق بن حازم أيضًا، جميعًا عن عبد الله بن أبي بكر مثله ــ يعني مرفوعًا ــ. ووقفه على حَفْصة: مَعْمَرٌ والزُّبَيدي وابن عُيينة ويونس الأيْلي، كلهم عن الزهري. وقال الترمذي: لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه، وقد روي عن نافع عن ابن عمر قولَه (٢)، وهو أصح (٣). وقال الدارقطني (٤): رفعه عبد الله بن أبي بكر عن الزهري، وهو من الثقات الرفعاء.

стр. 814

وقال الخطابي (١): عبد الله بن أبي بكر بن عمرو قد أسنده، وزيادات الثقات مقبولة. قال ابن القيم ﵀: قال النسائي (٢): الصواب عندنا موقوف، ولم يصح رفعه. ومدار رفعه على ابن جريج وعبد الله بن أبي بكر. فأما حديث عبد الله بن أبي بكر، فمِن رواية يحيى بن أيوب عنه. قال النسائي: «ويحيى بن أيوب ليس بالقوي (٣)، وحديث ابن جريج عن الزهري غير محفوظ (٤)». وقال البيهقي (٥): عبد الله بن أبي بكر أقام إسناده ورفعه، وهو من الثقات الأثبات. آخر كلامه. وقد روي من حديث عمرة عن عائشة، واختلف عليها في وقفه ورفعه، فرواه الدارقطني (٦) عنها مرفوعًا عن النبي ﷺ : «من لم يُبيِّت الصيامَ قبل طلوع الفجر [ق ١٤٢] فلا صيام له». قال الدارقطني: «تفرد به عبد الله بن عباد عن المفضل ــ يعني ابن

стр. 815

فضالة ــ بهذا الإسناد، وكلهم ثقات» (١)، وغيره يرويه موقوفًا على عائشة، قاله عبد الحق (٢). ٤٥ - باب في الرخصة فيه ٢٦٤/ ٢٣٤٥ - عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا دخل عليَّ قال: «هل عندكم طعام؟» فإذا قلنا: لا، قال: «إني صائم». زاد وكيع: فدخل علينا يومًا آخر، فقلنا: يا رسول الله، أُهْدِيَ لنا حَيْسٌ، فحبسناه لك، فقال: «أدْنيه» فأصبح صائمًا، وأفطر. وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي (٣). وفي رواية لمسلم (٤): «فإني إذًا صائم»، ولفظ البيهقي (٥): «فإني إذًا أصوم». قال ابن القيم ﵀: زاد النسائي (٦): فأكل وقال: «ولكن أصوم يومًا

стр. 816

مكانه»، ثم قال: هذا خطأ. قال عبد الحق (١): قد روى الحديث جماعة عن طلحة فلم يذكر أحد منهم: «ولكن أصوم يومًا مكانه»، وهذه الزيادة هي من رواية سفيان بن عيينة عن طلحة (٢). ولفظ النسائي (٣) فيه: عن مجاهد عن عائشة قالت: دخل عليّ رسول الله ﷺ يومًا، فقال: «هل عندكم شيء؟» فقلت: لا. فقال: «فإني صائم». ثم مرّ بي بعد ذلك اليوم، وقد أهدي لنا حيس فخَبَأْت له منه، وكان يحبّ الحيس، قالت: يا رسول الله، إنه أهدي لنا حيس، فخبأت لك منه، قال: «أَدْنيه، أما إني قد أصبحتُ وأنا صائم»، فأكل منه، ثم قال: «إنما مَثَل صوم المتطوّع مثل الرجل يخرج من ماله الصدقة، فإن شاء أمضاها، وإن شاء حبسها». وفي لفظ للنسائي (٤): «يا عائشة إنما منزلة من صام في غير رمضان، أو في غير قضاء رمضان، أو في التطوع، بمنزلة رجل أخرج صدقة ماله فجاد

стр. 817

منها بما شاء فأمضاه، وبخل بما بقي فأمسكه». وفي لفظ له (١) عن عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين قالت: جاء رسول الله ﷺ يومًا فقال: «هل عندكم من طعام؟» قلت: لا. قال: «إني إذًا أصوم». قالت: ثم دخل مرة أخرى، فقلت: قد أهدي لنا حَيس، فقال: «إذًا أُفطِر، وقد فرضتُ الصوم». وفيه حجة على المسألتين: جواز إنشاء صوم التطوع بنية من النهار، وجواز الخروج منه بعد الدخول فيه. وأما زيادة النسائي ــ تمثيله بالصدقة يخرجها الرجل ــ فهذا اللفظ قد رواه مسلم في «صحيحه» (٢) من قول مجاهد، قال طلحة بن يحيى: فحدَّثتُ مجاهدًا بهذا الحديث، فقال: «ذلك بمنزلة الرجل يخرج الصدقة من ماله، فإن شاء أمضاها، وإن شاء أمسكها». ٤٦ - باب من رأى عليه القضاء ٢٦٥/ ٢٣٤٧ - عن عائشة قالت: أُهْدِيَ لي ولحفصةَ طعامٌ، وكنا صائمتين، فأفطرنا، ثم دخل رسول الله ﷺ ، فقلنا له: يا رسول الله، إنا أُهديت لنا هدية فاشتهيناها فأفطرنا؟ فقال رسول الله ﷺ : «لا عليكما، صُومَا مَكانَهُ يومًا آخر». وأخرجه النسائي (٣).

стр. 818

وقال البخاري (١): لا نعرف لزُميل سماعًا من عروة، ولا ليزيد من زُميل، ولا تقوم به الحجة. (٢) وقال الخطابي (٣): إسناده ضعيف وزُميل مجهول. قال ابن القيم ﵀: وقد روى النسائي (٤) حديث الأمر بالقضاء من حديث جرير بن حازم، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة عن النبي ﷺ . وتابعه الفَرَج بن فضالة عن يحيى (٥)، قال الدارقطني (٦): وَهِم فيه جرير وفرج، وخالفهما حماد بن زيد، وعباد بن العوام، ويحيى بن أيوب، فرووه عن يحيى بن سعيد عن الزهري مرسلًا. وقد رواه النسائي (٧) أيضًا من حديث جعفر بن بُرقان، حدثنا الزهري عن عروة، عن عائشة به، وقال: «اقضيا يومًا آخر».

стр. 819

ومن حديث سفيان (١)، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة به، وفيه: «فأمرها (٢) رسول الله ﷺ أن تصوم يومًا مكانه» (٣). وذكر النسائي (٤) أنه أيضًا من رواية إسماعيل بن عقبة وصالح بن كيسان. فقد برئ زميل من عهدة التفرد به، وتابعهم أيضًا يحيى بن سعيد عن ابن شهاب. فهؤلاء: سفيان، وجعفر بن برقان، وصالح بن كيسان، وإسماعيل بن عقبة، ويحيى بن سعيد (على اختلاف عنه عن ابن شهاب الزهري وصلًا وإرسالًا) = كلهم يذكر الأمر بالقضاء زيادةً على رواية زميل، وجرير بن حازم وفَرَج بن فضالة عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة. فالذي يغلب على الظن أن اللفظة محفوظة في الحديث، وتعليلها بما ذُكر قد تبيّن ضعفُه. ولكن قد يقال: الأمر بالقضاء أمرُ ندبٍ، لا أمر إيجاب. وبالله التوفيق.

стр. 820

٤٧ - باب المرأة تصوم بغير إذن زوجها ٢٦٦/ ٢٣٤٩ - وعن أبي سعيد ــ وهو الخدري ــ قال: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ ونحن عنده، فقالت: يا رسول الله، إن زوجي صَفْوان بن المعطَّل السُّلَمي يضربني إذا صليتُ، ويُفطِّرني إذا صمت، ولا يصلي صلاة الفجر حتى تطلُع الشمس، قال: وصفوانُ عنده، قال: فسأله عما قالت، فقال: يا رسول الله، أمَّا قولها: يضربني إذا صليت، فإنها تقرأ بسورتَين (١)، وقد نهيتُها، قال: فقال: «لو كانت سورة واحدة لكفت الناسَ». وأمَّا قولها: يفطرني، فإنها تنطلق فتصوم، وأنا رجلٌ شاب فلا أصبر، فقال رسول الله ﷺ يومئذ: «لا تصوم امرأة إلا بإذن زوجها». وأمَّا قولها: إني لا أصلي حتى تطلُعَ الشمس، فإنَّا أهلُ بيتٍ قد عُرف لنا ذاك، لا نكاد نستيقظ حتى تطلع الشمس، قال: «فإذا استيقظت فصلِّ» (٢). قال أبو بكر البزار (٣): هذا الحديث كلام منكر عن النبي ﷺ . وكان صفوان من خيار الصحابة، وإنما أتى نُكرة هذا الحديث أن الأعمش لم يقُل: حدثنا أبو صالح، فأحتسب أخذه عن غير ثقةٍ وأمسك عن ذكر الرجل، فصار الحديث ظاهرُ

стр. 821

إسناده حَسَن، وكلامه منكر لما فيه، ورسول الله ﷺ كان يمدح هذا الرجل ويذكره بخير. وليس للحديث عندي أصل (١). قال ابن القيم ﵀: وقال غيره (٢): ويدل على أن الحديث وهم لا أصل له أن في حديث الإفك (٣) المتفق على صحته (٤) قالت عائشة: «وإن الرجل الذي قيل له ما قيل ليقول: سبحان الله! فوالذي نفسي بيده ما كشفت عن كَنَف أنثى قط! قالت: ثم قتل بعد ذلك في سبيل الله شهيدًا». وفي هذا نظر، فلعله تزوج بعد ذلك. والله أعلم. ٤٨ - الاعتكاف ٢٦٧/ ٢٣٥٣ - وعن أُبَيِّ بن كعب: أن النبي ﷺ كان يعتكفُ العشر الأواخر من رمضان حتى قبضه الله، فلم يعتكف عامًا، فلما كان في العام المقبل اعتكفَ عشرين ليلة. وأخرجه النسائي وابن ماجه (٥). قال ابن القيم ﵀: [قيل يحتمل أن يكون اعتكافه في ذلك العام عشرين لما عارضه جبريل بالقرآن في سنةٍ مرّتين، قال: «إني لا أرى الأجلَ

стр. 822

إلا قد اقترب» (١)، فاعتكف في ذلك العام عشرين يومًا اقتداء بما فعله جبريل من المعارضة ... (٢) عند قرب الأجل. وقد روى ابن ماجه في «سننه» (٣) عن أنس بن مالك: «كان رسول الله ﷺ إذا كان مقيمًا اعتكف العشر الأواخر، وإذا سافر اعتكف من العام المقبل عشرين»] (٤)، وإسناده حسن. وروى النسائي في «سننه» (٥) عن أُبيّ بن كعب أن رسول الله ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فسافر عامًا فلم يعتكف، فلما كان العام المقبل اعتكف عشرين. وفي رواية (٦): «ليلة». وهذا أولى من الاحتمال المذكور. وقال بعضهم: يحتمل أن يكون هذان العشران المذكورةُ (٧) في حديث أبي داود هي العشرَ الذي كان يعتكفه، والعشرَ الذي تركه من أجل

стр. 823

أزواجه (١)، ثم اعتكف من شوال عشرين ليلة. وهذا فاسد، فإن الحديث حديث أبي بن كعب، وقد أخبر أنه إنما تركه لسفره. وبالله التوفيق. ٢٦٨/ ٢٣٥٤ - وعن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يعتكفَ صلى الفجر ثم دخل مُعْتكَفَه، قالت: وإنه أراد مَرَّة أن يعتكف في العشر الأواخر من رمضان، قالت: فأمرَ بِبنائِه فضُربَ، فلما رأيتُ ذلك أمرتُ ببنائي فضُرب، قالت: وأمر غيري من أزواج النبي ﷺ ببنائه (٢) فضُرب، فلما صلّى الفجرَ نظر إلى الأبنية، فقال: ما هذه؟ آلْبِرَّ تُرِدن؟ قالت: فأمر ببنائه فَقُوِّض، وأمر أزواجُه بأبنيتهن فقوضت، ثم أخَّر الاعتكاف إلى العشر الأُوَل ــ تعني من شوال ــ (٣). وفي رواية: «عشرين من شوّال» (٤). وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه (٥). قال ابن القيم ﵀: [واحتجّ به من يرى أن النوافل لا تلزم بالشروع، وإلا لما قطعه. واحتج به من يقول بلزومها، قال: لأنه قضاه. ولا يدل على هذا لأنه ليس في الحديث أنه كان قد دخل معتكفه، وإنما فيه أنه لمّا صلّى

стр. 824

الفجر نظر إلى تلك الأبنية. قيل: إنه دخل معتكفه، فلمّا رآها ترك الدخول في الاعتكاف، لا أنه قطعه بعد الشروع. والله أعلم] (١). [ق ١٤٣] وقد احتج به من لا يرى الصوم شرطًا في الاعتكاف لدخول يوم العيد في اعتكافه. وهذا لا يدل، فإن الحديث رواه البخاري (٢) فقال (٣): «حتى اعتكف عشرًا من شوال» لم يذكر غيره. وفي «صحيح مسلم» (٤): «اعتكف في العشر الأول من شوال». وهذا لا يقتضي دخول يوم العيد فيه، كما يصح أن يقال: «صام في العشر الأول من شوال». وفي لفظ له (٥): «حتى اعتكف في آخر العشر من شوال»، وعدم الدلالة في هذا ظاهر (٦).

стр. 825

وقولها: «اعتكف العشر الأول من شوال»، ليس بنص في دخول يوم العيد في اعتكافه، بل الظاهر أنه لم يُدخله في اعتكافه، لاشتغاله فيه بالخروج إلى المصلى، وصلاةِ العيد وخطبته، ورجوعه إلى منزله لفطره. وفي ذلك ذهاب بعض اليوم، فلا يقوم بقية اليوم مقامَ جميعه. ٤٩ - المعتكف يعود المريض ٢٦٩/ ٢٣٦٣ - وعنها أنها قالت: «السُّنة على المعتكف أن لا يعود مريضًا، ولا يشهد جنازة، ولا يَمَسَّ امرأة، ولا يُباشرها، ولا يخرج لحاجة إلّا لما لابدَّ منه، ولا اعتكافَ إلا بصوم، ولا اعتكافَ إلّا في مسجد جامع» (١). قال أبو داود: غيرُ عبد الرحمن بن إسحاق لا يقول فيه: «قالت: السنَّة». وأخرجه النسائي (٢) من حديث يونس بن يزيد، وليس فيه «قالت: السنة». وأخرجه (٣) من حديث مالك، وليس فيه ذلك. وعبد الرحمن هذا هو القرشي المديني، يقال له: عَبَّاد. قد أخرج له مسلم في «صحيحه»، ووثقه يحيى بن معين، وأثنى عليه غيره، وتكلم فيه بعضهم (٤). قال ابن القيم ﵀: وقال الدارقطني (٥): يقال: إن قوله «والسنة على المعتكف» إلى آخره، من كلام الزهري، ومن أدرجه في الحديث فقد

стр. 826

وهم. [وقال البيهقي (١): وقد ذهب كثير من الحفّاظ إلى أن هذا الكلام مِن قول مَن دون عائشة، ومن أدرجه في الحديث فقد وهم] (٢) فيه. قلت: عبد الرحمن هذا قال فيه أبو حاتم: لا يحتج به (٣). وقال البخاري: ليس ممن يعتمد على حفظه (٤). وقال الدارقطني: ضعيف يُرمى بالقدر. وأيضًا فإن الحديث مختصر، وسياقه يدل على أنه ليس مجزومًا برفعه. وقال الليث: حدثني عقيل عن الزهري [عن عروة] (٥) عن عائشة: أن النبي ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده، والسنة في المعتِكف أن لا يخرج إلا لحاجته التي لا بد منها، ولا يعود مريضًا، ولا يمَس امرأته ولا يباشرها، ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع، والسنة فيمن اعتكف أن يصوم (٦).

стр. 827

قال الدارقطني (١): قوله: «والسنة في المعتكف» إلى آخره ليس من قول النبي ﷺ ، وإنما هو من قول الزهري، ومن أدرجه في الحديث فقد وهم. ولهذا ــ والله أعلم ــ ذكر صاحبا «الصحيح» أوله، وأعرضا عن هذه الزيادة. وقد رواه سويد بن عبد العزيز، عن سفيان بن حسين، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ترفعه: «لا اعتكاف إلا بصيام» (٢). وسويد قال فيه أحمد: متروك، وقال ابن معين: ليس بشيء، وقال النسائي وغيره: ضعيف (٣). وسفيان بن حسين في الزهري ضعيف. ٢٧٠/ ٢٣٦٤ - وعن ابن عمر: أن عمر ﵁ جعل عليه أن يعتكف في الجاهلية ليلةً أو يومًا عند الكعبة، فسأل النبيَّ ﷺ ، فقال: «اعتكف وصُمْ». وأخرجه النسائي (٤). ٢٧١/ ٢٣٦٥ - وفي رواية لأبي داود (٥): قال: فبينما هو معتكف إذ كبَّر
следующие страницы →