← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 201

تهذيب سنن أبي داود - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 675 стр.). Показаны 823–862 · переход к 828.

стр. 823

أزواجه (١)، ثم اعتكف من شوال عشرين ليلة. وهذا فاسد، فإن الحديث حديث أبي بن كعب، وقد أخبر أنه إنما تركه لسفره. وبالله التوفيق. ٢٦٨/ ٢٣٥٤ - وعن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يعتكفَ صلى الفجر ثم دخل مُعْتكَفَه، قالت: وإنه أراد مَرَّة أن يعتكف في العشر الأواخر من رمضان، قالت: فأمرَ بِبنائِه فضُربَ، فلما رأيتُ ذلك أمرتُ ببنائي فضُرب، قالت: وأمر غيري من أزواج النبي ﷺ ببنائه (٢) فضُرب، فلما صلّى الفجرَ نظر إلى الأبنية، فقال: ما هذه؟ آلْبِرَّ تُرِدن؟ قالت: فأمر ببنائه فَقُوِّض، وأمر أزواجُه بأبنيتهن فقوضت، ثم أخَّر الاعتكاف إلى العشر الأُوَل ــ تعني من شوال ــ (٣). وفي رواية: «عشرين من شوّال» (٤). وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه (٥). قال ابن القيم ﵀: [واحتجّ به من يرى أن النوافل لا تلزم بالشروع، وإلا لما قطعه. واحتج به من يقول بلزومها، قال: لأنه قضاه. ولا يدل على هذا لأنه ليس في الحديث أنه كان قد دخل معتكفه، وإنما فيه أنه لمّا صلّى

стр. 824

الفجر نظر إلى تلك الأبنية. قيل: إنه دخل معتكفه، فلمّا رآها ترك الدخول في الاعتكاف، لا أنه قطعه بعد الشروع. والله أعلم] (١). [ق ١٤٣] وقد احتج به من لا يرى الصوم شرطًا في الاعتكاف لدخول يوم العيد في اعتكافه. وهذا لا يدل، فإن الحديث رواه البخاري (٢) فقال (٣): «حتى اعتكف عشرًا من شوال» لم يذكر غيره. وفي «صحيح مسلم» (٤): «اعتكف في العشر الأول من شوال». وهذا لا يقتضي دخول يوم العيد فيه، كما يصح أن يقال: «صام في العشر الأول من شوال». وفي لفظ له (٥): «حتى اعتكف في آخر العشر من شوال»، وعدم الدلالة في هذا ظاهر (٦).

стр. 825

وقولها: «اعتكف العشر الأول من شوال»، ليس بنص في دخول يوم العيد في اعتكافه، بل الظاهر أنه لم يُدخله في اعتكافه، لاشتغاله فيه بالخروج إلى المصلى، وصلاةِ العيد وخطبته، ورجوعه إلى منزله لفطره. وفي ذلك ذهاب بعض اليوم، فلا يقوم بقية اليوم مقامَ جميعه. ٤٩ - المعتكف يعود المريض ٢٦٩/ ٢٣٦٣ - وعنها أنها قالت: «السُّنة على المعتكف أن لا يعود مريضًا، ولا يشهد جنازة، ولا يَمَسَّ امرأة، ولا يُباشرها، ولا يخرج لحاجة إلّا لما لابدَّ منه، ولا اعتكافَ إلا بصوم، ولا اعتكافَ إلّا في مسجد جامع» (١). قال أبو داود: غيرُ عبد الرحمن بن إسحاق لا يقول فيه: «قالت: السنَّة». وأخرجه النسائي (٢) من حديث يونس بن يزيد، وليس فيه «قالت: السنة». وأخرجه (٣) من حديث مالك، وليس فيه ذلك. وعبد الرحمن هذا هو القرشي المديني، يقال له: عَبَّاد. قد أخرج له مسلم في «صحيحه»، ووثقه يحيى بن معين، وأثنى عليه غيره، وتكلم فيه بعضهم (٤). قال ابن القيم ﵀: وقال الدارقطني (٥): يقال: إن قوله «والسنة على المعتكف» إلى آخره، من كلام الزهري، ومن أدرجه في الحديث فقد

стр. 826

وهم. [وقال البيهقي (١): وقد ذهب كثير من الحفّاظ إلى أن هذا الكلام مِن قول مَن دون عائشة، ومن أدرجه في الحديث فقد وهم] (٢) فيه. قلت: عبد الرحمن هذا قال فيه أبو حاتم: لا يحتج به (٣). وقال البخاري: ليس ممن يعتمد على حفظه (٤). وقال الدارقطني: ضعيف يُرمى بالقدر. وأيضًا فإن الحديث مختصر، وسياقه يدل على أنه ليس مجزومًا برفعه. وقال الليث: حدثني عقيل عن الزهري [عن عروة] (٥) عن عائشة: أن النبي ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده، والسنة في المعتِكف أن لا يخرج إلا لحاجته التي لا بد منها، ولا يعود مريضًا، ولا يمَس امرأته ولا يباشرها، ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع، والسنة فيمن اعتكف أن يصوم (٦).

стр. 827

قال الدارقطني (١): قوله: «والسنة في المعتكف» إلى آخره ليس من قول النبي ﷺ ، وإنما هو من قول الزهري، ومن أدرجه في الحديث فقد وهم. ولهذا ــ والله أعلم ــ ذكر صاحبا «الصحيح» أوله، وأعرضا عن هذه الزيادة. وقد رواه سويد بن عبد العزيز، عن سفيان بن حسين، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ترفعه: «لا اعتكاف إلا بصيام» (٢). وسويد قال فيه أحمد: متروك، وقال ابن معين: ليس بشيء، وقال النسائي وغيره: ضعيف (٣). وسفيان بن حسين في الزهري ضعيف. ٢٧٠/ ٢٣٦٤ - وعن ابن عمر: أن عمر ﵁ جعل عليه أن يعتكف في الجاهلية ليلةً أو يومًا عند الكعبة، فسأل النبيَّ ﷺ ، فقال: «اعتكف وصُمْ». وأخرجه النسائي (٤). ٢٧١/ ٢٣٦٥ - وفي رواية لأبي داود (٥): قال: فبينما هو معتكف إذ كبَّر

стр. 828

الناس، فقال: ما هذا يا عبد الله؟ قال: سَبْيُ هوازن أعتقهم النبيُّ ﷺ ، قال: وتلك الجاريةُ فأَرسِلْها معهم. فيه عبد الله بن بُديل بن وَرْقاء الخزاعي المكي، وهو ضعيف. وقال ابن عدي (١): ولا أعلم ذُكر في هذا الإسناد ذِكر الصوم مع الاعتكاف، إلا من رواية عبد الله بن بُديل عن عمرو بن دينار. وقال الدارقطني (٢): تفرد به ابن بُديل عن عمرو، وهو ضعيف الحديث. وقال أيضًا (٣): سمعت أبا بكر النيسابوري يقول: هذا حديث منكر، لأن الثقات من أصحاب عمرو لم يذكروه ــ يعني الصوم ــ منهم ابن جريج وابن عيينة وحماد بن سلمة وحماد بن زيد وغيرهم، وابن بُديل ضعيف الحديث، تمَّ كلامه. وقد أخرجاه في «الصحيحين» (٤)، وليس فيه ذكر الصوم. قال ابن القيم ﵀: وقد روى الدارقطني هذا الحديث في «سننه» (٥) عن نافع عن ابن عمر، أن عمر نذر أن يعتكف في الشرك ويصوم، فسأل النبي ﷺ عن ذلك بعد إسلامه، فقال: «أوف بنذرك». قال: هذا إسناد حسن، تفرد بهذا اللفظ سعيد بن بشير (٦).

стр. 829

وروى الدارقطني (١) أيضًا عن عائشة ترفعه: «لا اعتكاف إلا بصيام». قال: تفرد به سويد بن عبد العزيز، عن سفيان بن حسين، عن الزهري عن عروة عنها (٢). (٣) واختلف أهل العلم في اشتراط الصوم في الاعتكاف، فأوجبه أكثر أهل العلم، منهم عائشة أم المؤمنين وابن عباس وابن عمر (٤). وهو قول مالك وأبي حنيفة وأحمد (٥) في إحدى الروايتين عنه (٦).

стр. 830

وذهب الشافعي وأحمد في الرواية المشهورة عنه (١) أن الصوم فيه مستحب غير واجب. قال ابن المنذر (٢): وهو مروي عن علي وابن مسعود. واحتج هؤلاء بما في «الصحيحين» (٣) عن عمر أنه سأل النبي ﷺ ، فقال: إني نذرت أن أعتكف ليلة في الجاهلية، فقال له النبي ﷺ : «أَوفِ بنذرك». قالوا: والليل ليس بمحل الصيام، وقد جوّز الاعتكاف فيه. واحتجوا أيضًا بما رواه الحاكم في «مستدركه» (٤) من حديث أبي سهيل عن طاوس عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعله على نفسه»، وقال: صحيح الإسناد. واحتجوا أيضًا بما رواه مسلم في «صحيحه» (٥) عن عائشة قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر، ثم دخل معتكفه، وإنه أمر بخبائه فضُرِب ــ أراد الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان ــ فأمرت

стр. 831

زينب بخبائها فضرب، وأمر غيرُها من أزواج النبي ﷺ بخبائه فضرب، فلما صلى رسول الله ﷺ الفجر نظر فإذا الأخبية، فقال: «آلبرَّ تُرِدْن؟» فأمر بخبائه فقوِّض، وترك الاعتكاف في شهر رمضان، حتى اعتكف في (١) العشر الأول من شوال»، ويوم العيد داخل في جملة العشر، وليس محلًّا للصوم. واحتجوا أيضًا بأن الاعتكاف عبادة مستقلة بنفسها، فلم يكن الصوم شرطًا فيها كسائر العبادات من الحج والصلاة والجهاد والرباط؛ وبأنه لزوم مكان معيَّن لطاعة الله تعالى، فلم يكن الصوم شرطًا فيه كالرباط؛ وبأنه قربة بنفسه، فلا يشترط فيه الصوم كالحج. قال الموجبون: الكلام معكم في مقامين، أحدهما: ذكر ضعف أدلتكم، والثاني: ذكر الأدلة على اشتراط الصوم. فأما المقام الأول، فنقول: لا دلالة في شيء مما ذكرتم. أما حديث ابن عمر عن أبيه فقد اتُّفِق على صحته، لكن اختُلِف في لفظه كثيرًا، فرواه مسدد وزهير ويعقوب الدَّورَقي (٢) عن يحيى القطان، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، فقالوا: «ليلة». وكذلك رواه ابن المبارك وسليمان بن

стр. 832

بلال (١) عن عبيد الله. وهكذا رواه إسحاق بن راهويه (٢) عن حفص بن غياث عن عبيد الله. ورواه أبو بكر بن أبي شيبة (٣) عن حفص بن غياث فأبهم النذر، فقال: إني نذرت أن أعتكف عند المسجد الحرام؟ فقال: «أوف بنذرك». وكذلك رواه أبو أسامة [ق ١٤٤] عن عبيد الله مُبهمًا (٤). ورواه شعبة (٥) عن عبيد الله بن عمر فقال: «إني نذرت أن أعتكف يومًا». وكذلك اختُلف فيه على أيوب السَّخْتياني، فرواه حماد بن زيد عنه عن نافع قال: «ذُكِر عند ابن عمر عمرةُ رسول الله ﷺ من الجِعْرانة، فقال: لم يعتمر منها، وكان على عمر نذر اعتكاف ليلة في الجاهلية، فسأل رسول الله

стр. 833

- ﷺ ، فأمره أن يفي به، فدخل المسجد تلك الليلة، فلما أصبح إذا السَّبْي يَسْعَون ويقولون: أعتقَنا رسولُ الله ﷺ » متفق عليه (١). وكذلك رواه ابن عيينة عن أيوب (٢). وخالفهما معمر وجرير فقالا: «يومًا»، وكلاهما في «الصحيحين» (٣) بهذين اللفظين. قال النفاة: يجوز أن يكون عمر سأل النبي ﷺ عن اعتكاف ليلة وحدها فأمره به، وسأله مرة أخرى عن اعتكاف يوم فأمره به. قال الموجبون: هذا مما لا يَشكُّ عالم في بطلانه، فإن القصة واحدة، وعمر سأل النبي ﷺ عام الفتح سؤالًا واحدًا. وهذه الطريقة يسلكها كثير ممن لا تحقيق عنده، وهي احتمال التكرار في كل حديث اختلفت ألفاظه بحسب اختلافها، وهو مما يُقطع ببطلانه في أكثر المواضع؛ كالقَطْع ببطلان التعدد في اشتراء البعير من جابر مرارًا في أسفار (٤)؛

стр. 834

والقطع ببطلان التعدد في إنكاح (١) الواهبة نفسَها، بلفظ الإنكاح مرة، والتزويج مرة، والإملاك مرة (٢)؛ والقطع ببطلان الإسراء مرارًا (٣)، كل مرة تُفرض عليه خمسون صلاة، ثم يرجع إلى موسى فيرده إلى ربه، حتى تصير خمسًا، فيقول تعالى: «لا يبدل القول لدي، هي خمس، وهي خمسون في الأجر»، ثم يفرضها في الإسراء الثاني خمسين، فهذا مما يُجزم ببطلانه. ونظائره كثيرة، كقول بعضهم في حديث عمران بن حصين: «كان الله ولا شيء قبله» (٤)، و «كان ولا شيء غيره» (٥)، و «كان ولا شيء معه» (٦): إنه

стр. 835

يجوز أن تكون وقائع متعددة. وهذا القائل لو تأمل سياق الحديث لاستحيا من هذا القول، فإن سياقه: أنه أناخ راحلته بباب المسجد، ثم تفلَّتت فذهب يطلبها، ورسول الله ﷺ في هذا الحديث، فقال بعد ذلك: «وايم الله! وددت لو أني قعدت وتركتُها»، فيا سبحان الله! أفي كل مرة من المرار يتفق له هذا؟! وبالجملة، فهذه طريقة من لا تحقيق له. وإذا كان عمر إنما سأل النبي ﷺ مرة واحدة، فإن كان «يومًا» فلا دلالة فيه، وإن كان «ليلةً»، فالليالي قد تطلق ويراد بها الأيام استعمالًا فاشيًا في اللغة لا ينكر، كيف وقد روى سعيد بن بشير عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر أن عمر نذر أن يعتكف في الشرك ويصوم، فسأل النبي ﷺ ، فقال: «أوف بنذرك» (١). وسعيد بن بشير هذا، وإن كان قد ضعفه ابن المديني ويحيى بن معين والنسائي، فقد قال فيه شعبة: كان صدوق اللسان، وقال سفيان بن عيينة: كان حافظًا، وقال دُحَيم: هو ثقة، وقال: كان مشيختنا يوثقونه، وقال البخاري: يتكلمون في حفظه وهو يُحْتَمَل، وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سمعت أبي ينكر على من أدخله في كتاب الضعفاء وقال: محله الصدق، وقال ابن عدي: الغالب على حديثه الاستقامة (٢). وقد روى عبد الله بن بُديَل (٣)، عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر، عن

стр. 836

عمر هذا الحديث وفيه: «فأمره النبي ﷺ أن يعتكف ويصوم» (١). ولكن تفرّد به ابن بُدَيل، وضعَّفه الدارقطني. وقال ابن عدي (٢): له أحاديث مما ينكر عليه الزيادة في متنه أو إسناده. وقال أبو بكر النيسابوري (٣): هذا حديث منكر، لأن الثقات من أصحاب عمرو بن دينار لم يذكروه، منهم: ابن جريج وابن عيينة وحماد بن زيد وحماد بن سلمة، وابنُ بُدَيل ضعيف الحديث. فهذا مما لا حاجة بنا إلى الاستدلال به. وحديث سعيد بن بشير أجود منه. وأما حديث ابن عباس الذي رواه الحاكم (٤)، فله علتان: إحداهما: أنه من رواية عبدالله بن محمد الرَّمْلي، وليس بالحافظ (٥) حتى يُقبَل منه تفرده بمثل هذا. العلة الثانية: أن الحُمَيدي وعمرو بن زُرارة روياه عن الدَّراوَرْدي عن أبى سهيل عن طاوس عن ابن عباس موقوفًا عليه (٦)، وهذا هو الصواب،

стр. 837

وهو الثابت عن ابن عباس. وأما حديث عائشة وقصة اعتكاف النبي ﷺ العشر الأول من شوال، فهذا قد اختلف فيه لفظ «الصحيح». وفيه ثلاثة ألفاظ: أحدها: «عشرًا من شوال» (١). والثاني: «في العشر الأول من شوال» (٢). والثالث: «العشر الأول» (٣). ولا ريب أن هذا ليس بصريح في اعتكاف يوم العيد ولو كان الثابت قوله: «العشر الأول من شوال»، لأنه يصح أن يقال: اعتكف العشر الأول، وإن كان قد أخلَّ بيوم منه، كما يقال: قام ليالي العشر الأخير، وإن كان أخل بالقيام في جزء من الليل، ويقال: قام ليلة القدر، وإن أخل بقيامه في بعضها. وأما الأقيسة التي ذكرتموها، [ق ١٤٥] فمعارَضةٌ بأمثالها، أو بما هو من جنسها، فلا حاجة إلى التطويل بذكرها. وأما المقام الثاني: وهو الاستدلال على اشتراط الصوم فأمور: أحدها: أنه لم تُعرف مشروعية الاعتكاف إلا بصوم، ولم يثبت عن النبي

стр. 838

- ﷺ ولا أحد من أصحابه أنهم اعتكفوا بغير صوم، ولو كان هذا معروفًا عندهم لكانت شهرته تغني عن تكلفكم الاستدلال باعتكافه ﷺ العشر الأول من شوال. الثاني: حديث عائشة الذي ذكره أبو داود في الباب، وقولها: «السنة كذا ... ولا اعتكاف إلا بصوم». قال النفاة: الجواب عن هذا من وجوه: أحدها: أن راويه عبد الرحمن بن إسحاق قال فيه أبو حاتم: لا يحتج به، وقال البخاري: ليس ممن يعتمد على حفظه، وقال الدارقطني: ضعيف (١) يرمى بالقدر. الثاني: أن هذا الكلام من قول الزهري، لا من قول عائشة، كما ذكره أبو داود وغيره، قال الليث عن عُقَيل عن الزهري عن عروة عن عائشة: «أن النبي ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده، فالسنة في المعتكف أن لا يخرج إلا للحاجة التى لا بد منها، ولا يعودَ مريضًا، ولا يمَسَّ امرأته ولا يباشرها، ولا اعتكاف إلا فى مسجدِ جماعةٍ، والسنة فيمن اعتكف أن [يصوم] (٢)». قال الدارقطني: قوله: «والسنة في المعتكف» (٣) إلى آخره، ليس من قول النبي ﷺ ، وإنما هو من قول الزهري، ومن أدرجه في الحديث فقد وهم.

стр. 839

الثالث: أن غايته الدلالة على استحباب الصوم في الاعتكاف، فإن قوله: «السنة» إنما يفيد الاستحباب، وقوله: «لا اعتكاف إلا بصوم» نفي للكمال. قال الموجبون: الجواب عما ذكرتم: أما تضعيف عبد الرحمن بن إسحاق، فقد روى له مسلم في «صحيحه»، ووثقه يحيى بن معين وغيره. وأما قولكم: إنه من قول الزهري، ومن أدرجه فقد وهم، فجوابه من وجهين: أحدهما: أنّا لو تُرِكنا وهذا، لكان ما ذكرتم قادحًا، ولكن قد روى الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عن عطاء عن عائشة قالت: «من اعتكف فعليه الصوم» (١)، فهذا يقوِّي حديث الزهري. الثاني: أنه ولو ثبت أنه من كلام الزهري، فهو يدل على أن السنة المعروفة التي استمر عليها العمل أنه لا اعتكاف إلا بصوم، فهل عارض هذا سنةٌ غيرها حتى تُقابَل به؟ وأما قولكم: إن هذا إنما يدل على الاستحباب، فليس المراد بالسنة هاهنا مجرد الاستحباب، وإنما المراد طريقةُ الاعتكاف وسنةُ رسول الله ﷺ المستمرة فيه. وقوله: «ولا اعتكاف إلا بصوم» يبين ذلك. وقولكم: «إنه لنفي الكمال» صحيح، ولكن لنفي الكمال (٢) الواجب، أو المستحب؟ الأول مسلَّم، والثاني ممنوع، والحمل عليه بعيد جدًّا، إذ لا

стр. 840

يصلح النفي المطلق عند نفي بعض المستحبات، وإلا لصحّ النفيُ عن كل عبادةٍ تُرِك بعض مستحباتها، ولا يصح ذلك لغةً ولا عرفًا ولا شرعًا، ولا يعهد في الشريعة نفيٌ لِعبادة إلا لِترك واجبٍ فيها. (١) * * *

стр. 841

كتاب الجهاد ١ - سُكنى الشام ٢٧٢/ ٢٣٧٢ - عن شَهر بن حَوْشَب عن عبد الله بن عمرو قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «ستكون هجرةٌ بعد هجرة، فخيارُ أهل الأرض ألزَمُهم مُهاجَرَ إبراهيم، ويبقى في الأرض شِرارُ أهلها تَلْفِظُهم أرَضوهم، تَقْذَرُهم نَفْسُ الله، وتحشرهم النارُ مع القِرَدة والخنازير» (١). قال ابن القيم ﵀: [وروي من حديث ابن عمرٍو (٢) بإسنادٍ أمثلَ من هذا] (٣). ٢٧٣/ ٢٣٧٣ - وعن ابن حَوَالة ــ وهو عبد الله ــ قال: قال رسول الله ﷺ : «سيصير الأمرُ أن تكونوا أجنادًا مُجنَّدةً: جندٌ بالشام، وجند باليمن، وجند بالعراق»، قال ابن حوالة: خِرْ لي يا رسول الله إن أدركتُ ذلك، فقال: «عليك بالشام، فإنها خِيَرَةُ الله من أرضه، يَجْتبي إليها خِيَرَتَه من عباده، فأما إذ أبيتم فعليكم

стр. 842

بيَمَنِكم، واسْقُوا من غُدُرِكم، فإن الله توكَّلَ لي بالشام وأهله» (١). هذا الحديث قد روي من حديث واثلة بن الأسقع وأبي الدرداء والعِرباض بن سارية وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عبّاس (٢) وغيرهم، والمحفوظ من حديث ابن حوالة. وقال سعيد بن عبد العزيز (٣): وكان ابن حَوالة رجلًا من الأزد، وكان مسكنه الأردن، وكان إذا حدث بهذا الحديث قال: وما تكفل الله به، فلا ضيعة عليه (٤). قال ابن القيم ﵀: وقد رواه أبو حاتم (٥) ابن حبان في «صحيحه» (٦).

стр. 843

وروى الوليد بن مسلم عن عُفَير بن مَعْدان (١) أنه سمع سُلَيم بن عامر يحدث عن أبي أمامة عن النبي ﷺ قال: «رأيت عَمود الكتاب انتُزِع من تحت وسادتي، فأتبعته بصري فإذا هو نور ساطع حتى ظننت أنه قد هوى به، فعُمِد به إلى الشام، وإني أوَّلت أن الفتن إذا وقعت أن الإيمان بالشام». رواه أحمد في «مسنده» (٢). وروى شعبة عن معاوية بن قُرّة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم، لا تزال طائفة من أمتي منصورين لا يضرّهم من خذلهم حتى تقوم الساعة». رواه الترمذي (٣). وقال: قال محمد بن إسماعيل: قال علي ابن المديني: هم أصحاب الحديث، وهذا حديث حسن صحيح. وروى بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: قلت: يا رسول الله، أين تأمرني؟ قال: «ههنا ــ ونحا بيده نحو الشام ــ». قال الترمذي (٤): هذا حديث حسن صحيح.

стр. 844

وقال الإمام أحمد (١): حدثنا حسن، حدثنا ابن لَهِيعة، حدثنا يزيد بن أبي حبيب، عن ابن شِماسة، عن زيد بن ثابت قال: بينا (٢) نحن عند [ق ١٤٦] رسول الله ﷺ إذ قال: «طوبى للشام، طوبى للشام، طوبى للشام» (٣). قلت: ما بال الشام؟ قال: «الملائكة باسطُو أجنحتِها على الشام». ورواه أحمد (٤) أيضًا عن يحيى بن إسحاق السَّيْلَحِيني (٥)، حدثنا (٦) يحيى بن أيوب، عن يزيد بن أبي حبيب. ورواه ابن وهب: أخبرني عمرو، عن يزيد بن أبي حبيب، عن ابن شِماسة حدثه أنه سمع زيد بن ثابت ــ فذكره (٧). قال أبو عبد الله المقدسي (٨): وهذا الإسناد عندي على شرط مسلم.

стр. 845

وفي «صحيح البخاري» (١): عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا» فقالها مرارًا، فلما كان في الثالثة أو الرابعة قالوا: يا رسول الله، وفي عراقنا؟ قال: «بها الزلازلُ والفتن، وبها يَطْلُع قرن الشيطان». وفي «مسند الإمام أحمد» (٢) من حديث محمد بن عُبَيد، عن الأعمش، عن عبد الله بن ضِرار الأسدي، عن أبيه، عن عبد الله قال: «قَسَم الله الخير فجعله عشرة [أعشار]، فجعل تسعة أعشاره في الشام، وبقيتَه في سائر الأرض، وقسم الشرَّ فجعل عشرة أَعْشُرًا فجعل جزءًا منه في الشام وبقيَّته في سائر الأرض (٣)». وروى الإمام أحمد في «مسنده» (٤) من حديث الوليد بن عبد الرحمن،

стр. 846

عن جُبير بن نُفير، عن سلَمة بن نُفيل، أنه أخبرهم أنه أتى النبي ﷺ فقال: إني سَيَّمتُ (١) الخيل، وألقيتُ السلاحَ، ووضعتِ الحربُ أوزارها، [قلت: لا قتال،] قال: فقال له النبي ﷺ : «الآن جاء القتال، لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الناس، يرفع (٢) الله قلوبَ أقوامٍ فيقاتلونهم، ويرزقهم الله منهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك، ألا إن عُقْر دار المؤمنين الشام، والخيلُ معقود في نواصيها الخيرُ إلى يوم القيامة». ورواه النسائي. وفي «المسند» والترمذي (٣) من حديث أبي قلابة، عن سالم، عن أبيه

стр. 847

قال: قال رسول الله ﷺ : «ستخرج نار من حضرموت ــ أو بحضرموت ــ قبل يوم القيامة تحشر الناس»، قلنا: يا رسول الله فما تأمرنا؟ قال: «عليكم بالشام». قال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب من حديث ابن عمر. وفي «المسند» والترمذي والنسائي (١) من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: قلت: يا رسول الله، أين تأمرني؟ قال: «هاهنا ــ ونحا بيده نحو الشام ــ». قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. ومن حديث المُخلِّص (٢): «حدثنا يحيى بن صاعد، حدثنا محمد بن إسماعيل السُّلَمي، حدثنا أبو أيوب سليمان بن عبد الرحمن، حدثنا بِشر بن عَون القرشي أبو عون، حدثنا بكار بن تميم، عن مكحول، عن واثلة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول لحذيفة بن اليمان ومعاذ بن جبل، وهما يستشيرانه في المنزل؟ فأومأ إلى الشام، ثم سألاه؟ فأومأ إلى الشام، ثم سألاه؟ فأومأ إلى الشام، ثم قال: «عليكم بالشام، فإنها صفوة بلاد الله،

стр. 848

يسكنها خِيَرَتُه من عباده، فمن أبى فليلحق بيمنه، ويَسْتَقِ (١) من غُدُره، فإن الله تكفل لي بالشام وأهله». ورواه الطبراني في «المعجم» (٢) عن سليمان به. وذكر الطبراني (٣) من حديث الوليد بن مسلم، عن محمد بن أيوب بن مَيسرة بن حَلْبَس، عن أبيه، عن خُرَيم بن فاتِك الأسدي، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «أهل الشام سوط الله في أرضه ينتقم بهم ممن يشاء من عباده، وحرام على منافقيهم أن يَظهروا على مؤمنيهم، ولا يموتوا (٤) إلا غمًّا وهمًّا». ورواه الإمام أحمد في «مسنده» (٥) موقوفًا، وكذلك أبو يعلى المَوصِلي (٦). وقال أحمد في «مسنده» (٧): حدثنا عبد الصمد، حدثنا (٨) حماد، عن الجُرَيري، عن أبي المشَّاء ــ وهو لَقِيطُ ابن المشاء ــ عن أبي أمامة قال: لا

стр. 849

تقوم الساعة حتى يتحوّل خيار أهل العراق إلى الشام، ويتحوّل شرار أهل الشام إلى العراق، وقال رسول الله ﷺ : «عليكم بالشام»، كذا رواه أحمد أوَّلَه موقوفًا وآخرَه مرفوعًا. وروى الطبراني في «معجمه» من حديث [ ..... ] (١). ٢ - باب تضعيف الذكر في سبيل الله ٢٧٤/ ٢٣٨٨ - عن سهل بن معاذ عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : «إنَّ الصلاة والصيام والذكرَ يُضاعَف على النَّفَقة في سبيل الله بسبعمائة ضِعْف» (٢). وفيه زبَّان بن فائد عن سهل بن معاذ؛ ضعيف عن ضعيف (٣). (٤) قال ابن القيم ﵀: وقد روى الترمذي (٥) عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله ﷺ سئل: أي العباد (٦) أفضل درجةً عند الله يوم القيامة؟ قال: «الذاكرين (٧) الله كثيرًا»، قال: قلت: يا رسول الله، ومِن الغازين في سبيل

стр. 850

الله؟ قال: «لو ضرب بسيفه في الكفار والمشركين حتى ينكسر ويختَضِب دمًا، لكان الذاكرون الله أفضلَ منه درجة». ولكن هو من حديث درَّاج، وقد ضُعِّف، وقال الإمام أحمد (١): الشأن في دراج. ولكن روى الترمذي والحاكم في «المستدرك» (٢) عن أبي الدرداء قال: قال النبي ﷺ : «ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعِها في درجاتكم، وخيرٍ لكم من إنفاق الذهب والوَرِق، وخيرٍ لكم من أن تلقَوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟» قالوا: بلى، قال: «ذكر الله». وقد رواه مالك في «الموطأ» (٣) موقوفًا على أبي الدرداء قولَه. قال الترمذي: ورواه بعضهم فأرسله. والتحقيق في ذلك أن المراتب ثلاثة: ذكر وجهاد، وهي أعلى المراتب، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال:٤٥]. المرتبة الثانية: ذكرٌ بلا جهاد، فهذه دون الأولى. الثالثة: جهاد بلا ذكر، فهي دونهما، والذاكر أفضل من هذا.

стр. 851

وإنما وُضِع الجهاد لأجل ذكر الله، فالمقصود من الجهاد أن يُذكر الله ويُعبد وحدَه، فتوحيده وذكره وعبادته هو غاية الخلق التي خلقوا لها. [ق ١٤٧] وتبويب أبي داود إنما هو على المرتبة الأولى، والحديث إنما يدل على أن الذكر أفضل من الإنفاق في سبيل الله، فهو كحديث أبي الدرداء. وقد يحتمل الحديث أن يكون معناه أن الذكر والصلاة في سبيل الله تضاعف على النفقة في سبيل الله، فيكون الظرف متعلقًا بالجميع (١). والله أعلم. ٣ - باب في فضل الشهادة ٢٧٥/ ٢٤٠٩ - عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «لما أُصِيبَ إخوانُكم بأُحُد جعل الله أرواحهم في جوف طَير خُضْرٍ، تَرِد أنهارَ الجنة، تأكلُ من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب مُعلَّقةٍ في ظل العرش، فلما وجدوا طِيبَ مأكلهم ومشربهم ومَقِيلهم قالوا: مَن يُبلِّغ إخواننا عنَّا أنا أحياء في الجنة نُرزَق، لئلَّا يزهدوا في الجهاد، ولا يَنكُلُوا عند الحرب؟ فقال الله سبحانه: أنا أبلغهم عنكم، قال: فأنزل الله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ إلى آخر الآية» (٢). وأخرجه الحاكم في «صحيحه» (٣). وذكر الدارقطني أن عبد الله بن إدريس

стр. 852

تفرد به عن محمد بن إسحاق، وغيره يرويه عن ابن إسحاق لا يذكر فيه سعيد بن جبير (١). وقد أخرج مسلم في «صحيحه» (٢) معناه عن عبد الله بن مسعود. قال ابن القيم ﵀: فروى (٣) عن مسروق قال: سألنا عبدَ الله عن هذه الآية: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩] فقال: أما إنا قد سألنا عن ذلك، فقال: «إن أرواحهم في جوف طيرٍ خُضْرٍ، لها قناديلُ معلَّقة بالعرش، تَسْرح في الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطَّلع إليهم ربكم اطِّلاعة، فقال: هل تشتهون شيئًا؟ فقالوا: أيَّ شيء نشتهي ونحن نسرح في الجنة حيث شئنا؟ ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لم يُتركوا مِن أن يُسألوا، قالوا: يا رب، نريد أن تَرُدَّ أرواحنا في أجسادنا حتى نُقتلَ في سبيلك مرّة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجة تُرِكوا».

стр. 853

والظاهر ــ والله أعلم ــ أن المسؤول عن هذه الآية الذي أشار إليه ابن مسعود هو رسول الله ﷺ ، وحذفه لظهور العلم به، وأن الوهم لا يذهب إلى سواه. وقد كان ابن مسعود يشتد عليه أن يقول: «قال رسول الله ﷺ »، وكان إذا سمّاه أُرعِد وتغيّر لونُه، وكان كثيرًا ما يقول ألفاظ الحديث موقوفةً، وإذا رفع منها شيئًا تحرّى فيه، وقال: «أو شِبه هذا، أو قريبًا من هذا» (١). فكأنه ــ والله أعلم ــ جرى على عادته في هذا الحديث، وخاف أن لا يؤدِّيه بلفظه، فلم يذكر رسول الله ﷺ ؛ والصحابة إنما كانوا يسألون عن معاني القرآن رسولَ الله ﷺ . والله أعلم (٢). ٤ - باب في الرجل يغزو وأبواه كارهان ٢٧٦/ ٢٤١٩ - وعن أبي سعيد الخدري: أن رجلًا هاجر إلى رسول الله ﷺ من اليمن، فقال: «هل لك أحدٌ باليمن؟» فقال: أبوايَ، فقال: «أذِنَا لَكَ؟» قال: لا، قال: «ارجع إليهما فاستأذِنْهما، فإن أذِنا لك فجاهِدْ، وإلا فبِرَّهما» (٣). قال ابن القيم ﵀: أخرجه الحاكم في «المستدرك» (٤)، وليس مما يستدرك مثله، فإن فيه درّاجًا، وهو ضعيف.

стр. 854

٥ - باب النهي عن لعن البهيمة ٢٧٧/ ٢٤٥١ - عن عمران بن حصين: أن النبي ﷺ كان في سفرٍ، فسمع لَعْنَةً، فقال: «ما هذه؟» قالوا: هذه فلانةُ لعنت راحلتَها، فقال النبي ﷺ : «ضَعُوا عنها فإنها ملعونة»، فوضعوا عنها، قال عمران: فكأني أنظر إليها ناقة وَرْقاء. وأخرجه مسلم والنسائي (١). قيل: هذا مختصٌّ بتلك الناقة، لأنّا لا نعلم لحوق اللعنة لمن لعن ناقته أو غيرها، ورسول الله ﷺ علم ذلك فأمر بالحطّ عنها وأن لا تصحبه. وقيل: اللعن: البُعد والترك، فلمّا دعت عليها باللعنة وكانت غيرَ مكلَّفةٍ استُعمل فيها معنى اللعنة من الإبعاد والترك. والصواب أنه فعل ذلك عقوبةً لها، لئلا تعود إلى مثل قولها وتلعنَ ما لا يستحق اللعن (٢). قال ابن القيم ﵀: والعقوبة في المال لمصلحةٍ مشروعةٌ بالاتفاق، ولكن اختلفوا: هل نُسِخت بعد مشروعيتها؟ ولم يأت على نسخها حجة (٣). وقد حكى أبو عبد الله بن حامد (٤) عن بعض أصحاب أحمد أنه مَن لعن شيئًا من متاعه زال ملكه عنه. والله تعالى أعلم.

стр. 855

٦ - باب الوقوف على الدابة ٢٧٨/ ٢٤٥٧ - عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إيَّايَ أن تتخذوا ظهور دوابِّكم مَنابِرَ، فإن الله إنما سخَّرها لكم لِتُبَلِّغَكم إلى بلدٍ لم تكونوا بالغيه إلا بشِقِّ الأنفس، وجعل لكم الأرض فعليها فاقضوا حاجاتِكم» (١). فيه إسماعيل بن عيّاش. قال ابن القيم ﵀: وأما وقوف النبي ﷺ على راحلته وخطبته عليها، فذاك غير ما نهى عنه، فإن هذا عارِضٌ لمصلحةٍ عامة في وقتٍ ما، لا يكون دائمًا، ولا يلحق الدابةَ منه من التعب والكلال ما يلحقها من اعتياد ذلك لا لمصلحة، بل يستوطنها ويتخذها مقعدًا يناجي عليها الرجل، ولا ينزل إلى الأرض، فإن ذلك يتكرر ويطول، بخلاف خطبته ﷺ على راحلته ليُسمِع الناسَ، ويعلِّمَهم أمور الإسلام وأحكام النسك، فإن هذا لا يتكرر ولا يطول، ومصلحتُه عامة. ٧ - باب في المحلِّل ٢٧٩/ ٢٤٦٩ - عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «من أدخل فرسًا بين فَرَسَين ــ يعني ــ وهو لا يؤمَن أن يَسبِق فليس بقمار، ومن أدخل فرسًا بين فرسين وقد أَمِنَ أن يَسبِق فهو قمار». وأخرجه ابن ماجه (٢).

стр. 856

قال ابن القيم ﵀: قال أبو داود (١): ورواه معمر وشعيب وعُقَيل (٢) عن الزهري عن رجال من أهل العلم، قال أبو داود: وهذا أصح عندنا. وهذا الحديث معروف بسفيان بن حسين عن الزهري، وهو ثقة، لكن جمهور أئمة الحديث والحفاظ (٣) يضعّفونه في الزهري ولا يرونه فيه حجة. وقد تابعه مِثْلُه عن الزهري، وهو سعيد بن بشير (٤)، ضعيف أيضًا. وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم في كتاب «العلل» (٥) له: سألت أبي عن حديث سفيان بن حسين؟ فقال: خطأ، لم يعمل سفيان شيئًا، لا يُشبه أن يكون عن النبي ﷺ ، وأحسن أحواله أن يكون قول سعيدٍ، فقد رواه يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قولَه. وفي «تاريخ ابن أبي خيثمة» (٦) قال: سألت يحيى بن معين عن حديث سفيان هذا؟ فخطَّ على أبي هريرة. وقال الدارقطني في كتاب «العلل» (٧): يرويه سعيد بن بشير، واختلف عنه، فرواه عبيد بن شريك، عن هشام بن عمار، عن الوليد عنه، عن قتادة، عن سعيد، عن أبي هريرة، ووهم في قوله: قتادة، فغيره يرويه عن هشام

стр. 857

فيقول: عن الزهري، بدل قتادة. وكذلك رواه محمود بن خالد وغيره عن الوليد. وكذلك رواه سفيان بن حسين عن الزهري، وهو المحفوظ. قيل له: فإن الحسين بن السَّمَيدَع رواه عن موسى بن أيوب، عن الوليد، عن سعيد بن عبد العزيز، عن الزهري؟ فقال: غلط، بل هو ابن بشير. وقال ابن معين (١): حديث سفيان في الزهري ليس بذاك، إنما سمع منه بالموسم. وقال ابن حبان (٢): «لا يحتج به عن الزهري، وهو مثل ابن إسحاق [ق ١٤٨] وسليمان بن كثير». فلا تُقدَّم رواية سفيان بن حسين على رواية الأئمة الأثبات من أصحاب الزهري، وهم أعلم بحديثه. وقد روى أبو حاتم بن حبان في «صحيحه» (٣) من حديث ابن عمر أن رسول الله ﷺ سابق بين الخيل، وجعل بينهما سَبَقًا، وجعل بينهما محلِّلًا، وقال: «لا سبَقَ إلا في نصلٍ أو خُفٍّ أو حافر». ولكن أنكر عليه إدخالُه هذا الحديث في «صحيحه»، فإنه من رواية عاصم بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر، وهو ضعيف لا يحتج به، ضعّفه غير واحد من الأئمة (٤).

стр. 858

وذكره هو في كتابه «الضعفاء» (١). وقد ذكر أبو أحمد بن عدي هذا الحديث في كتابه (٢) مما أنكر على عاصم بن عمر. وضعفه عبد الحق (٣) وغيره. ٨ - باب السيف يُحلَّى ٢٨٠/ ٢٤٧١ - عن أنس قال: كانت قَبِيعة سيفِ رسول الله ﷺ فِضَّة. وأخرجه الترمذي والنسائي (٤). وقال الترمذي: حديث حسن غريب، وهكذا روي عن همام عن قتادة عن أنس، وقد رَوى بعضهم عن قتادة عن سعيد بن أبي الحسن قال: كانت قبيعةُ سيف رسول الله من فضة. وقال النسائي (٥): هذا حديث منكر، والصواب: قتادة عن سعيد. ٢٨١/ ٢٤٧٢ - وعن قتادة عن سعيد بن أبي الحسن قال: كانت قَبيعةُ سيفِ رسول الله ﷺ فضة. قال قتادة: وما علمت أحدًا تابعه على ذلك. وأخرجه النسائي (٦). وقد أشار إليه الترمذي.

стр. 859

٢٨٢/ ٢٤٧٣ - وعن عثمان بن سعد عن أنس بن مالك قال: «كانت ... »، فذكر مثله (١). عثمان هو: أبو بكر التَّميمي البصري الكاتب، تكلم فيه غير واحد. قال ابن القيم ﵀: هذا الحديث قد أسنده عمرو بن عاصم، عن همام وجرير، عن قتادة، عن أنس، ذكره النسائي (٢). وقال الدارقطني (٣): الصواب عن قتادة عن سعيد بن أبي الحسن مرسلًا. وروى النسائي في «سننه» (٤) عن أبي أمامة بن سهل بن حُنَيف قال: كانت قبيعة سيف رسول الله ﷺ من فضة. وفي الترمذي (٥) عن مَزِيدة العَصَري قال: دخل رسول الله ﷺ يوم الفتح وعلى سيفه ذهب وفضة. قال: هذا حديث حسن غريب (٦).

стр. 860

والصواب أن حديث قتادة عن أنس محفوظ [من رواية] الثقتَين (١) الضابِطَين الثَبْتَين (٢): جرير بن حازم وهمام، عن (٣) قتادة عن أنس. والذي رواه عن قتادة عن سعيد بن أبي الحسن مرسلًا هو هشام الدَّسْتُوائي؛ وهشام وإن كان مقدّمًا في أصحاب قتادة، فليس همام وجرير إذا اتفقا بدونه. والله أعلم. ٩ - باب ابن السبيل يأكل من الثمرة ويشرب من اللبن إذا مرَّ به ٢٨٣/ ٢٥٠٦ - عن الحسن، عن سَمُرة بن جُندَب، أن نبيَّ الله ﷺ قال: «إذا أتى أحدُكم على ماشية، فإن كان فيها صاحبُها فليستأذنْه، فإن أذن له فليحتَلِبْ وليشرب، وإن لم يكن فيها فَلْيُصَوِّت ثلاثًا، فإن أجابه فليستأذِنْه، وإلا فليحتَلِبْ وليشربْ، ولا يَحمِلْ». وأخرجه الترمذي (٤)، وقال: حسن صحيح غريب. وذكر أن علي ابن المديني قال: سماع الحسن من سَمُرة صحيح، وقال: وقد تكلم بعض أهل الحديث في رواية الحسن عن سَمُرة وقالوا: إنما يحدِّث عن صحيفة سمرة (٥).

стр. 861

قال ابن القيم ﵀: وقد روى البيهقي (١) من حديث يزيد بن هارون، عن سعيد الجُرَيري، عن أبي نَضْرة، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ قال: «إذا أتى أحدُكم على راعٍ فلينادِ: يا راعيَ الإبل ثلاثًا، فإن أجابه وإلا فلْيَحلبْ (٢) وليشرب ولا يحملنَّ. وإذا أتى أحدكم على حائطٍ فلينادِ ثلاثًا: يا صاحب الحائط، فإن أجابه وإلا فليأكلْ ولا يحملنّ». وهذا الإسناد على شرط مسلم. وإنما أعله البيهقي بأن سعيدًا الجُريري تفرد به، وكان قد اختلط في آخر عمره، وسماع يزيد بن هارون منه في حال اختلاطه. وأَعلَّ حديث سمرة بالاختلاف في سماع الحسن منه. وهاتان العلتان ــ بعد صحتهما ــ لا تُخرج (٣) الحديثين عن درجة الحسن المحتجِّ به في الأحكام عند جمهور الأمة. وقد ذهب إلى القول بهذين الحديثين الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه (٤). وقال الشافعي (٥): وقد قيل: مَن مرّ بحائط فليأكل ولا يتخذْ خُبْنة،

стр. 862

وروي فيه حديث لو كان ثبت عندنا لم نخالفه، والكتاب والحديث الثابت: أنه لا يجوز أكلُ مال أحدٍ إلا بإذنه. والحديث الذي أشار إليه الشافعي (١): رواه الترمذي (٢) من حديث يحيى بن سليم، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: «من دخل حائطًا فليأكل ولا يتخذ خُبْنة». قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث يحيى بن سليم. حدثنا (٣) قتيبة، حدثنا الليث، عن ابن عجلان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن النبي ﷺ سئل عن الثمر المعلق؟ فقال: «من أصاب منه من ذي حاجةٍ غيرَ متَّخذٍ خُبنةً فلا شيء عليه». قال: هذا حديث حسن. فاختلف الفقهاء في القول بموجَب هذه الأحاديث. فذهبت طائفة إلى أنها محكمة، وأنه يسوغ الأكلُ من الثمار، وشربُ اللبن لضرورةٍ وغيرِها،
следующие страницы →