← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 201

تهذيب سنن أبي داود - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 675 стр.). Показаны 858–897 · переход к 863.

стр. 858

وذكره هو في كتابه «الضعفاء» (١). وقد ذكر أبو أحمد بن عدي هذا الحديث في كتابه (٢) مما أنكر على عاصم بن عمر. وضعفه عبد الحق (٣) وغيره. ٨ - باب السيف يُحلَّى ٢٨٠/ ٢٤٧١ - عن أنس قال: كانت قَبِيعة سيفِ رسول الله ﷺ فِضَّة. وأخرجه الترمذي والنسائي (٤). وقال الترمذي: حديث حسن غريب، وهكذا روي عن همام عن قتادة عن أنس، وقد رَوى بعضهم عن قتادة عن سعيد بن أبي الحسن قال: كانت قبيعةُ سيف رسول الله من فضة. وقال النسائي (٥): هذا حديث منكر، والصواب: قتادة عن سعيد. ٢٨١/ ٢٤٧٢ - وعن قتادة عن سعيد بن أبي الحسن قال: كانت قَبيعةُ سيفِ رسول الله ﷺ فضة. قال قتادة: وما علمت أحدًا تابعه على ذلك. وأخرجه النسائي (٦). وقد أشار إليه الترمذي.

стр. 859

٢٨٢/ ٢٤٧٣ - وعن عثمان بن سعد عن أنس بن مالك قال: «كانت ... »، فذكر مثله (١). عثمان هو: أبو بكر التَّميمي البصري الكاتب، تكلم فيه غير واحد. قال ابن القيم ﵀: هذا الحديث قد أسنده عمرو بن عاصم، عن همام وجرير، عن قتادة، عن أنس، ذكره النسائي (٢). وقال الدارقطني (٣): الصواب عن قتادة عن سعيد بن أبي الحسن مرسلًا. وروى النسائي في «سننه» (٤) عن أبي أمامة بن سهل بن حُنَيف قال: كانت قبيعة سيف رسول الله ﷺ من فضة. وفي الترمذي (٥) عن مَزِيدة العَصَري قال: دخل رسول الله ﷺ يوم الفتح وعلى سيفه ذهب وفضة. قال: هذا حديث حسن غريب (٦).

стр. 860

والصواب أن حديث قتادة عن أنس محفوظ [من رواية] الثقتَين (١) الضابِطَين الثَبْتَين (٢): جرير بن حازم وهمام، عن (٣) قتادة عن أنس. والذي رواه عن قتادة عن سعيد بن أبي الحسن مرسلًا هو هشام الدَّسْتُوائي؛ وهشام وإن كان مقدّمًا في أصحاب قتادة، فليس همام وجرير إذا اتفقا بدونه. والله أعلم. ٩ - باب ابن السبيل يأكل من الثمرة ويشرب من اللبن إذا مرَّ به ٢٨٣/ ٢٥٠٦ - عن الحسن، عن سَمُرة بن جُندَب، أن نبيَّ الله ﷺ قال: «إذا أتى أحدُكم على ماشية، فإن كان فيها صاحبُها فليستأذنْه، فإن أذن له فليحتَلِبْ وليشرب، وإن لم يكن فيها فَلْيُصَوِّت ثلاثًا، فإن أجابه فليستأذِنْه، وإلا فليحتَلِبْ وليشربْ، ولا يَحمِلْ». وأخرجه الترمذي (٤)، وقال: حسن صحيح غريب. وذكر أن علي ابن المديني قال: سماع الحسن من سَمُرة صحيح، وقال: وقد تكلم بعض أهل الحديث في رواية الحسن عن سَمُرة وقالوا: إنما يحدِّث عن صحيفة سمرة (٥).

стр. 861

قال ابن القيم ﵀: وقد روى البيهقي (١) من حديث يزيد بن هارون، عن سعيد الجُرَيري، عن أبي نَضْرة، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ قال: «إذا أتى أحدُكم على راعٍ فلينادِ: يا راعيَ الإبل ثلاثًا، فإن أجابه وإلا فلْيَحلبْ (٢) وليشرب ولا يحملنَّ. وإذا أتى أحدكم على حائطٍ فلينادِ ثلاثًا: يا صاحب الحائط، فإن أجابه وإلا فليأكلْ ولا يحملنّ». وهذا الإسناد على شرط مسلم. وإنما أعله البيهقي بأن سعيدًا الجُريري تفرد به، وكان قد اختلط في آخر عمره، وسماع يزيد بن هارون منه في حال اختلاطه. وأَعلَّ حديث سمرة بالاختلاف في سماع الحسن منه. وهاتان العلتان ــ بعد صحتهما ــ لا تُخرج (٣) الحديثين عن درجة الحسن المحتجِّ به في الأحكام عند جمهور الأمة. وقد ذهب إلى القول بهذين الحديثين الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه (٤). وقال الشافعي (٥): وقد قيل: مَن مرّ بحائط فليأكل ولا يتخذْ خُبْنة،

стр. 862

وروي فيه حديث لو كان ثبت عندنا لم نخالفه، والكتاب والحديث الثابت: أنه لا يجوز أكلُ مال أحدٍ إلا بإذنه. والحديث الذي أشار إليه الشافعي (١): رواه الترمذي (٢) من حديث يحيى بن سليم، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: «من دخل حائطًا فليأكل ولا يتخذ خُبْنة». قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث يحيى بن سليم. حدثنا (٣) قتيبة، حدثنا الليث، عن ابن عجلان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن النبي ﷺ سئل عن الثمر المعلق؟ فقال: «من أصاب منه من ذي حاجةٍ غيرَ متَّخذٍ خُبنةً فلا شيء عليه». قال: هذا حديث حسن. فاختلف الفقهاء في القول بموجَب هذه الأحاديث. فذهبت طائفة إلى أنها محكمة، وأنه يسوغ الأكلُ من الثمار، وشربُ اللبن لضرورةٍ وغيرِها،

стр. 863

ولا ضمان عليه. وهذا [المشهور عن أحمد] (١). وقالت طائفة: لا يجوز له شيء من ذلك إلا لضرورة مع ثبوت العوض في ذمته. وهذا المنقول عن مالك والشافعي وأبي حنيفة (٢). واحتج لهذا القول بحجج: أحدها: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، والتراضي منتفٍ في هذه الصورة. الثاني: أن الحائط والماشية لو كانا ليتيم فأكل منه، كان قد أكل مال اليتيم ظلمًا، فيدخل تحت الوعيد. الثالث: ما خرَّجا في «الصحيحين» (٣) من حديث أبي بكرة أن النبي ﷺ قال في خطبته في حجة الوداع: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم (٤)، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا». ومثله في «صحيح مسلم» (٥) عن جابر.

стр. 864

الرابع: ما في «الصحيح» (١) عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: «كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه». الخامس: ما رواه البيهقي (٢) بإسناد صحيح من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ خطب في حجة الوداع، فذكر الحديث وفيه: «ولا يحل لامرئٍ من مال أخيه إلا ما أعطاه من طيبِ نفسٍ». السادس: ما رواه مسلم في «صحيحه» (٣): عن ابن عمر، عن النبي ﷺ أنه قام فقال: «لا يحلبنَّ أحدكم ماشية أخيه بغير إذنه، أَيحبُّ [ق ١٤٩] أحدكم أن تُؤتى مَشْرُبَتُه، فيكسر باب خزانته؟» الحديث. السابع: أن هذا مال من أمواله، فكان محترمًا كسائر أمواله. قال الأولون: ليس في شيء مما ذكرتم ما يعارِض أحاديث الجواز، إلا حديث ابن عمر، فإنه في الظاهر مخالف لحديث سمرة. وسيأتي بيان الجمع بينهما إن شاء الله. أما قوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء:٢٩]، فلا يتناول محل النزاع، فإن هذا أكل بإباحة الشارع، فكيف يكون باطلًا؟! وليس هذا من باب تخصيص العام في شيء، بل هذه الصورة لم تدخل في

стр. 865

الآية، كما لم يدخل فيها أكلُ الوالد مالَ ولده. وأيضًا: فالآية إنما تدل على تحريم الأكل بالباطل الذي لم يأذن فيه الشارع ولا المالك، فإذا وُجد الإذن الشرعي أو الإذن من المالك لم يكن باطلًا. ومعلوم أن إذن الشرع أقوى من إذن المالك، فما أذِن فيه الشرعُ أَحَلُّ مما أذن فيه المالك، ولهذا كانت الغنائم من أحل المكاسب وأطيبها (١)، ومالُ الولد بالنسبة إلى الأب من أطيب المكاسب، وإن لم يأذن الولد (٢). وأيضًا: فإنه من المستحيل أن يأذن النبي ﷺ فيما حرَّمه الله ومنع منه، فعُلم أن الآية لا تتناول محل النزاع أصلًا. وبهذا خرج الجواب عن الدليل الثاني، وهو كونه مالَ يتيمٍ، مع أن قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء:١٠] يدل على أنه إنما يستحق الوعيد مَن أكلها أكلًا غيرَ مأذونٍ فيه شرعًا، فأما ما أذن فيه الشارع منها فلا يتناوله الوعيد. ولهذا كان للفقير أن يأكل منها أقل الأمرين مِن حاجته أو قَدْرِ عمله، لمَّا لم يكن ذلك ظلمًا لإذن الشارع فيه. وهذا هو بعينه الجواب عن قوله ﷺ : «إن دماءكم وأموالكم عليكم

стр. 866

حرام»، فإن التحريم إنما يتناول (١) ما لم يقع فيه الإذن من الشارع ولا المالك، وأما ما أَذِن فيه منه فليس بحرام. ولهذا يُنتزع منه الشِّقْص المشفوع بغير رضاه، لإذن الشارع. ويُنتزع منه ما تدعو إليه ضرورة من طعام أو شراب، إما مجّانًا على أحد القولين، أو بالمعاوضة على القول الآخر. ويُكرَه على إخراج ماله لأداء ما عليه من الحقوق، وغير ذلك. وهذه الصور وأمثالها ليست مستثناةً من هذه النصوص، بل النصوص لم تتناولها، ولا أريدت بها قطعًا. وأما حديث ابن عمر: «لا يحلبنَّ أحدكم ماشية أخيه بغير إذنه»، فحديث صحيح متفق على صحته. وقد اختلفت الرواية عن الإمام أحمد في جواز احتلاب الماشية للشرب ــ ولا خلاف في مذهبه أنه لا يجوز احتلابها لغيره وهو كالخبنة في الثمار ــ فمنعه في إحدى الروايتين أخذًا بحديث ابن عمر، وجوّزه في الأخرى أخذًا بحديث سمرة (٢). ومن رجّح المنع قال: حديث ابن عمر أصح، فإن حديث سمرة من رواية الحسن عنه، وهو مختلف في سماعه منه. وأما حديث ابن عمر، فمِن رواية الليث وغيره عن نافع عنه، ولا ريب في صحته. قالوا: والفرق بينه وبين الثمرة أن اللَّبَن مخزون في الضرع، كخَزْن الأموال في خزائنها، ولهذا شبَّهها النبي ﷺ بذلك، وأخبر أن استخراجها

стр. 867

من الضروع كاستخراج الأموال من الخزائن بكسرها. وهذا بخلاف الثمرة، فإنها ظاهرة بادية في الشجرة غير مخزونة، فإذا صارت إلى الخِزانة حَرُم الأكل منها إلا بإذن المالك. قالوا: وأيضًا، فالشهوة تشتد إلى الثمار عند طِيبها، لأن العيون تراها والنفوس شديدة الميل إليها. ولهذا جوز النبي ﷺ فيها المُزابنة في خمسة أوسقٍ أو دونها في العَرايا لمَّا شَكَوا إليه شهوتهم لها، وأنه لا ثمن بأيديهم (١)، بخلاف اللبن فإنه لا يُرى ولا تشتد الشهوة له، كاشتدادها إلى الثمار. قالوا: وأيضًا، فالثمار لا صنع فيها للآدمي بحال، بل هي خلق الله سبحانه، لم تتولد من كسب آدميٍّ ولا فِعله، بخلاف اللبن فإنه يتولد من عين مال المالك، وهو العَلَف. وإن كانت سائمة، فلا بد من قيامه عليها ورَعْيه إياها، ومراعاته لها كل وقت. وهذا وإن كان في الثمار، إلا أنه بالنسبة إلى الماشية قليل جدًّا، فإنه لا يحتاج أن يقوم على الشجر كل يوم، فمؤنتها أقل من مؤنة الماشية بكثير. فهي بالمباحات أشبه من ألبان المواشي، إلا أن اختصاص أربابها بأرضها وشجرها أخرجها عن حكم المباحات المشتركة التي يسوغ أكلُها ونقلها، فعَمِلَ الشَّبَهُ في الأكل الذي لا يُجحِف بالمالك دون النقل المضرِّ له. فهذه الفروق إن صحت، بطل إلحاق الثمار بها في المنع، وكان المصير

стр. 868

إلى حديث المنع في اللبن أولى. وإن كانت غير مؤَثِّرة ولا فرق بين البابين، كانت الإباحة شاملةً لهما. وحينئذ فيكون حديث النهي متناولًا للمُحتَلِب غير الشارب، بل محتلبه كالمتخذ خبنةً من الثمار، وحديث الإباحة متناول للمحتلب الشارب فقط دون غيره. ويدل على هذا التفريق قوله ﷺ في حديث سمرة: «فليحتلب وليشرب ولا يحمل»، فلو احتلب للحمل كان حرامًا عليه. فهذا هو الاحتلاب المنهي عنه في حديث ابن عمر. والله أعلم. ويدل عليه أيضًا: أن في حديث المنع ما يشعر بأن النهي إنما هو عن نقل اللبن دون شربه، [ق ١٥٠] فإنه قال: «أيحب أحدكم أن تؤتى مَشْرُبَتُه فيُكسر باب خِزانته فينتقل طعامه؟». ومما يدل على الجواز: حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي ﷺ سئل عن الثمر المعلَّق؟ فقال: «من أصاب منه من ذي حاجةٍ غيرِ متخذ خبنة، فلا شيء عليه» (١). وهو من رواية محمد بن عجلان عن عمرو، ومحمد بن عجلان احتج به مسلم. والحديث حسن، خرجه أهل السنن. فإن قيل: فهذا دليل على جواز أكل المحتاج، ونحن نقول: له أن يأكل عند الضرورة وعليه القيمة، وقوله: «لا شيء عليه» هو نفي للعقوبة لا للغُرْم. فالجواب: أن هذا الحديث روي بوجهين: أحدهما: «وإن أكل بفيه ولم يأخذ فيتخذ خبنة، فليس عليه شيء» (٢).

стр. 869

وهذا صريح في أن الآكل لا شيء عليه، وإنما يجب الضمان على من اتخذ خبنة. ولهذا جعلهما قسمين. واللفظ الثاني قوله: «ومن أصاب بفيه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه، ومن خرج بشيءٍ منه فعليه غرامة مِثلَيه والعقوبة» (١). وهذا صريح في أن الآكل منه لحاجة لا شيء عليه، وأن الضمان إنما يجب على المُخْرِج منه غيرَ ما أكله. والمنازعون لا يفرِّقون، بل يوجبون الضمان على الآكل والمُخْرج معًا، ولا يفرّقون فيه بين المحتاج وغيره. وهذا جمع بين ما فرق الرسول بينه، والنص صريح في إبطاله. فالحديث حجة على اللفظين معًا. فإن قيل: فالمجوزون لا يخصّون الإباحة بحال الحاجة، بل يجوزون الأكل للمحتاج وغيره، فقد جمعوا بين ما فرَّق الشارع بينه. قيل: الحاجة المسوِّغة للأكل أعمُّ من الضرورة، والحكم معلَّق بها، ولا ذكر للضرورة فيه، وإنما الجواز دائر مع الحاجة، وهو نظير تعليق بيع العرايا بالحاجة، فإنها الحاجة إلى أكل الرطب، ولا تُعتبَر الضرورة اتفاقًا، فكذلك هنا. وعلى هذا، فاللفظ قد خرج مخرج الغالب، وما كان كذلك فلا مفهوم له اتفاقًا. ومما يدل على الجواز أيضًا: حديث رافع بن عمرو الذي ذكره أبو داود في الباب (٢)، وقد صححه الترمذي. ولا يصح حمله على المضطر لثلاثة

стр. 870

أوجه: أحدها: أن النبي ﷺ أطلق له الأكل، ولم يقل: كُلْ إذا اضطُرِرتَ، واتْرُك عند زوال الضرورة، كما قال تعالى في الميتة، وكما قال النبي ﷺ للذي سأله عن ركوب هَدْيه: «ارْكَبْها بالمعروف إذا أُلْجِئتَ إليها حتى تجد ظَهرًا» (١). الثاني: أنه لو كانت الإباحة إنما هي لأجل الضرورة فقط لثبت البدل في ذمته، كسائر الأموال، والنبي ﷺ لم يأمره ببدل، وتأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع. الثالث: أن لفظ الحديث في كتاب أبي داود ليس فيه للضرورة ذكر، فإنه قال: «يا غلام لِمَ ترمي النخلَ؟» قال: آكل، فقال: «لا ترم النخل، وكل ما يسقط». فأخبره أنه يرميها للأكل لا للحمل، فأباح له أكلَ المتساقط، ومنعه من الرمي لما فيه من كثرة الأذى. ورواه الترمذي، ولفظه: قال: «يا رافع لِمَ ترمي نخلهم؟» قال: قلت: يا رسول الله الجوع، قال: «لا ترمِ، وكل ما وقع، أشبعك الله». فهذا اللفظ ليس معارِضًا للأول. وكلاهما يدل على إباحة الأكل، وأن الإباحة عند الجوع أولى. ومما يدل على الجواز أيضًا: حديث عبّاد بن شُرَحبِيل، وقد ذكره

стр. 871

أبو داود في الباب (١)، وهو صحيح الإسناد، والاستدلال به في غاية الظهور. وقد تكلف بعض الناس رَدَّه بأنه لم يحدِّث به غيرُ (٢) أبي بِشر جعفر بن إياس. وهذا تكلّف بارد، فإن أبا بشر هذا من الحفاظ الثقات الذين لم تُغْمَز قناتهم. وتكلَّف آخرون ما هو أبعد من هذا فقالوا: الحديث رواه ابن ماجه والنسائي ولفظه: «فأمره النبي ﷺ ،فرد إليه ثوبه، وأمر له بوَسْقٍ من طعام» (٣). قالوا: فالمأمور له بالوَسْق هو الأنصاري صاحب الحائط، وكان هذا تعويضًا من النبي ﷺ عن سنبله. وهذا تَناكُدٌ بيِّن، فإن المأمور له بالوسق إنما هو آكل السنبل عبّاد بن شرحبيل، والسياق لا يدل إلا عليه، والنبي ﷺ رد إليه ثوبه وأطعمه وسقًا. ولفظ أبي داود صريح في ذلك، فإنه قال: «فرد عليَّ ثوبي وأعطاني وَسْقًا».

стр. 872

ومما يدل على الجواز أيضًا: ما رواه الترمذي (١): حدثنا ابن أبي الشوارب، حدثنا يحيى بن سُلَيم، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: «من دخل حائطًا فليأكل، ولا يتخذ خبنة». وهذا الحديث وإن كان معلولًا، كما (٢) قال الترمذي في كتاب «العلل الكبير» (٣) له: سألتُ محمدًا عن هذا الحديث؟ فقال: يحيى بن سليم يروي أحاديث عن عبيد الله يَهِم فيها. تم كلامه، وقال يحيى بن معين (٤): هذا الحديث غلط، وقال أبو حاتم الرازي (٥) في (٦) يحيى بن سليم هذا: محله الصدق وليس بالحافظ ولا يحتج به، وقال النسائي (٧): ليس به بأس وهو منكر الحديث عن عبيد الله بن عمر (٨) = ولكن لو حاكَمْنا منازعينا من الفقهاء إلى أصولهم، لكان هذا الحديث حجّةً على قولهم، لأن يحيى بن سليم من رجال «الصحيحين»، وهو لو انفرد بلفظةٍ أو رفعٍ أو اتصالٍ خالفه غيرُه فيه لحكموا له ولم يلتفتوا إلى من خالفه، [ق ١٥١] ولو كانوا (٩) أوثق وأكثر، فكيف إذا روى ما لم يخالَف فيه، بل له أصول ونظائر؟

стр. 873

ولكنا لا نرضى بهذه الطريقة، فالحديث عندنا معلول، وإنما سقناه اعتبارًا لا اعتمادًا. والله أعلم. فإن قيل: فما تصنعون بالحديث الذي رواه أبو عبيد القاسم في «الغريب» (١) عن ابن جريج عن عطاء قال: «رخّص رسول الله ﷺ للجائع المضطر إذا مرّ بالحائط أن يأكل منه ولا يتخذ خبنة»، وهذا التقييد يبين المراد من سائر الأحاديث؟ قيل: هذا من المراسيل التي لا يحتج بها، فضلًا عن أن يعارَض بها المسندات الصحيحة، ثم ولو كان حجة فهو لا يخالف ما ذكرنا من الأحاديث، بل منطوقه يوافقها (٢)، ومفهومه يدل على أن غير المضطر يخالف المضطر في ذلك، وهذا حق، والمفهوم لا عموم له، بل فيه تفصيل. ومما يدل على الجواز: حديث أبي سعيد وقد تقدّم، وإسناده على شرط مسلم، ورواه ابن حبان في «صحيحه». وأما تعليل البيهقي له بأن سعيدًا الجُرَيري تفرد به، وكان قد اختلط في آخر عمره، والذي رواه عنه يزيد بن هارون، وإنما روى عنه بعد (٣) الاختلاط= فجوابه من وجهين. أحدهما: أن حماد بن سلمة قد تابع يزيد بن هارون على روايته (٤). ذكره البيهقي (٥) أيضًا. وسماع حماد منه قديم.

стр. 874

الثاني: أن هذا إنما يكون علة إذا كان الراوي ممن لا يميز حديثَ الشيخ صحيحَه مِن سقيمِه. وأما يزيد بن هارون وأمثاله إذا رَوَوا عن رجل قد وقع في حديثه بعض الاختلاط فإنهم يميزون حديثه وينتقونه. هذا مع أن حديثه موافق لأحاديث الباب، كحديث سمرة، ورافع بن عمرٍو، وعبد الله بن عمرو، وعباد بن شرحبيل. وهذا يدل على أنه محفوظ، فإن (١) له أصلًا، ولهذا صححه ابن حبان وغيره. ١٠ - باب في الطاعة ٢٨٤/ ٢٥١١ - وعن علي: أن رسول الله ﷺ بعث جيشًا، وأمَّرَ عليهم رجلًا وأمرهم أن يسمعوا له ويُطيعوا، فأجَّجَ نارًا وأمرهم أن يَقْتَحِموا فيها، فأبى قومٌ أن يدخلوها، فبلغ ذلك النبيَّ ﷺ فقال: لو دَخَلُوها ــ أو دَخلَوا فيها ــ لم يزالوا فيها، وقال: لا طاعة في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف». وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي (٢). قال ابن جرير (٣): «الأخبار الواردة بالسمع والطاعة للأمراء ما لم يكن خلافًا لأمر الله ورسوله، فإذا كانت خلافًا لذلك فغير جائز أن يُطيع أحدًا في معصية الله ورسوله، وبنحو ذلك قال عامّة السلف»، وأشار إلى أن الأحاديث المجملة يفسرها الأحاديث المفسَّرة دفعًا للتضاد في الأحاديث (٤).

стр. 875

قال ابن القيم ﵀: وقد استُشكل قوله ﷺ : «ما خرجوا منها أبدًا» (١)، و «لم يزالوا فيها» مع كونهم لو فعلوا ذلك لم يفعلوه إلا ظنًّا منهم أنه من الطاعة الواجبة عليهم، وكانوا متأولين. والجواب عن هذا: أن دخولهم إياها معصية في نفس الأمر، وكان الواجب عليهم أن لا يبادروا، ويتثبَّتوا حتى يعلموا: هل ذلك طاعةٌ لله ورسوله أم لا؟ فأقدموا على الهجوم والاقتحام من غير تثبت ولا نظر، فكان عقوبتهم أنهم لم يزالوا فيها. وقوله: «أبدًا» لا يعطي خلودهم في نار جهنم، فإن الإخبار إنما هو عن نار الدنيا (٢)، و «الأبد» كثيرًا ما يُراد به أبد الدنيا؛ قال تعالى في حق اليهود: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ [البقرة:٩٥]، وقد أخبر عن الكفار أنهم يتمنون الموت في النار ويسألون ربهم أن يقضي عليهم (٣). وقد جاء في بعض الروايات: أن هذا الرجل كان مازحًا، وكان معروفًا بكثرة المزاح (٤)، والمعروف أنهم أغضبوه حتى فعل ذلك.

стр. 876

وفي الحديث دليل على عقوبة من أطاع ولاة الأمر في معصية الله (١)، وأن ذلك لا يُمهِّد له عذرًا عند الله، بل إثم المعصية لاحِق له، وإن كان لولا الأمرُ لم يرتكبها. وعلى هذا يدل هذا الحديث، وهو وجهه. وبالله التوفيق. ١١ - باب علامَ يقاتل ؟ ٢٨٥/ ٢٥٣٠ - وعن جرير بن عبد الله قال: بعث رسول الله ﷺ سَرِيَّة إلى خَثْعَمَ، فاعتصم ناسٌ منهم بالسجود، فأسرعَ فيهم القتل، قال: فبلغ ذلك النبيَّ ﷺ ، فأمر لهم بنصف العَقْل، وقال: «أنا بريء من كلِّ مسلم يُقيم بين أظهر المشركين»، قالوا: يا رسول الله، لم؟ قال: «لا تَرايا نَارَاهُما». وأخرجه الترمذي والنسائي (٢). وذكر أبو داود أن جماعة رووه مرسلًا.

стр. 877

وأخرجه الترمذي أيضًا مرسلًا، وقال: هذا أصح، وذكر أن أكثر أصحاب إسماعيل بن أبي خالد لم يذكروا فيه جريرًا، وذكر عن البخاري أنه قال: الصحيح مرسل. ولم يخرجه النسائي إلا مرسلًا. قال ابن القيم ﵀: قال بعض أهل العلم (١): إنما أمر لهم بنصف العقل بعد علمه بإسلامهم، لأنهم قد أعانوا على أنفسهم بمقامهم بين ظهرانَي الكفار، فكانوا كمن هلك بجناية نفسه وجناية غيره. وهذا حسن جدًّا. [وفيه دليل على أنه إذا كان أسيرًا في أيديهم فأمكنه الخلاص بالانفلات منهم لم يحلَّ له المقام معهم. وقوله: «لا تترايا (٢) ناراهما» قيل: لا يستوي حُكماهما. وقيل: إن الله تعالى قد فرق بين دار الإسلام ودار الكفر، فلا يجوز للمسلم أن يُساكن الكفار حتى إذا أوقدوا نارًا كان منهم بحيث يراها (٣). وقيل: لا يتَّسِم المسلم بسِمَة المشرك ولا يتشبه به في هديه وشكله. وقيل: لا يجتمعان في الآخرة. وفيه دليل على كراهية دخول المسلم دار الحرب للتجارة والمقام بها أكثرَ من ثلاثة أيام] (٤).

стр. 878

قال ابن القيم ﵀: والذي يظهر من معنى الحديث: أن النار هي شعار القوم النزول (١) وعلامتهم، وهي تدعو إليهم، والطارق يأنس بها، فإذا ألمّ بها جاور أهلَها وسالمهم، فنار المشركين تدعو إلى الشيطان وإلى نار الآخرة، فإنها إنما توقد في معصية الله، ونار المؤمنين تدعو إلى الله وإلى طاعته وإعزاز دينه، فكيف تتفق الناران، وهذان (٢) شأنهما؟ وهذا من أفصح الكلام وأجزله، المشتملِ على المعنى الكثير الجليل بأوجز عبارة. وقد روى النسائي (٣) من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: قلت: يا رسول الله ما أتيتك حتى حلفت أكثر من عددهن ــ لأصابع يديه ــ أن لا آتيك، ولا آتي دينَك، وإني كنت امرأً لا أعقل شيئًا إلا ما علمني الله ورسوله، وإني أسألك بوجه الله: بم بعثك ربنا إلينا؟ قال: «بالإسلام». قلت: وما آيات الإسلام؟ قال: «أن تقول: أسلمت وجهي إلى الله وتخلَّيتُ (٤)، وتقيمَ الصلاة، وتؤتيَ الزكاة. كل مسلم على (٥) مسلم محرَّم، أخَوان نصيران، لا يقبل الله من مشركٍ بعد ما يسلم عملًا، أو يفارقَ المشركين إلى

стр. 879

المسلمين». وقد ذكر أبو داود (١) من حديث سمرة عن النبي ﷺ : «من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله». وفي «المراسيل» (٢) لأبي داود عن مكحول عن النبي ﷺ : «لا تتركوا الذرية بإزاء العدو». ١٢ - [ق ١٥٢] باب في التفريق بين السبي ٢٨٦/ ٢٥٨١ - عن ميمون بن أبي شَبِيب عن علي أنه فرَّق بين جارية وولدها، فنهاه النبي ﷺ عن ذلك، ورَدّ البيع (٣). قال أبو داود: ميمون لم يدرك عليًّا. وذكر الخطابي (٤) أن إسناده غير متّصل كما ذكره أبو داود. قال ابن القيم ﵀: وروى عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي قال: قَدِم على النبي ﷺ سَبْيٌ فأمرني ببيع أخوين فبعتهما وفرَّقتُ بينهما، ثم أتيت النبي ﷺ وأخبرته، فقال: «أدرِكْهما وارتَجِعهما، وبِعْهما جميعًا، ولا تفرق

стр. 880

بينهما». أخرجه الحاكم (١) وقال: هو صحيح على شرطهما ولم يخرجاه. وفي «جامع الترمذي» (٢) من حديث أبي أيوب الأنصاري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من فرَّق بين الجارية وولدها فرَّق الله بينه وبين أحبَّته يوم القيامة». قال الترمذي: حسن غريب. وأخرجه الحاكم وقال: «صحيح على شرط مسلم ولم يخرجه»، وليس كما قاله، فإن في إسناده حُيَي (٣) بن عبد الله، ولم يخرَّج له في «الصحيحين» شيء (٤). وقال الإمام (٥) أحمد: في حديثه مناكير. وقال

стр. 881

البخاري: فيه نظر (١). ولفظ الترمذي فيه: «من فرق بين والدة وولدها». ١٣ - باب الرخصة في البالغين (٢) ٢٨٧/ ٢٥٨٢ - عن إياس بن سلمة، قال: حدثني أبي، قال: خرجنا مع أبي بكر ــ وأمَّرَه علينا رسول الله ﷺ ــ فغزونا فَزارة، فَشَنَنَّا الغارة، ثم نظرتُ إلى عُنْقٍ من الناس فيه الذُّرية والنساء، فرميت بسهمٍ فوقع بينهم وبين الجبل، فقاموا، فجئتُ بهم إلى أبي بكر، فيهم امرأة من فَزارة عليها قِشْعٌ من أَدَمٍ، معها بنت لها من أحسن العرب، فنفَّلني أبو بكر ابنتها، فقدمتُ المدينة فلقيني رسول الله ﷺ فقال لي: «يا سلمة هَبْ لي المرأة»، فقلت: والله لقد أعجَبْتني، وما كشفت لها ثوبًا، فسكت، حتى إذا كان من الغد لقيني رسول الله ﷺ في السوق فقال: «يا سلمة، هَبْ لي المرأة، للهِ أبوك». فقلت: يا رسول الله، والله ما كشفت لها ثوبًا وهي لك، فبعث بها إلى أهل مكة وفي أيديهم أسرى، ففداهم بتلك المرأة.

стр. 882

وأخرجه مسلم (١) (٢). قال ابن القيم ﵀: وفي «صحيح الحاكم» (٣) من حديث عُبادة بن الصامت قال: نهى رسول الله ﷺ أن يُفرَّق بين الأم وولدها، فقيل يا رسول الله إلى متى؟ قال: «حتى يبلغ الغلام وتحيضَ الجارية». وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ١٤ - باب في عقوبة الغالِّ ٢٨٨/ ٢٥٩٨ - عن صالح بن محمد بن زائدة قال: دخلت مع مَسْلَمة أرضَ الروم، فأتي برجل قد غَلَّ، فسأل سالمًا عنه، فقال: سمعت أبي يحدّث عن عمر بن الخطاب عن النبي ﷺ قال: «إذا وجدتم الرجل قد غَلَّ فأَحْرِقوا متاعَه، واضربوه». قال: فوجدنا في متاعه مصحفًا، فسأل سالمًا عنه، فقال: بِعْهُ وتصدَّقْ بثمنه. وأخرجه الترمذي (٤)، وقال: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وقال (٥):

стр. 883

سألتُ محمدًا عن هذا الحديث، فقال: إنما روى هذا صالح بن محمد بن زائدة، وهو أبو واقدٍ اللَّيثي، وهو منكر الحديث. قال محمد: وقد رُوي في غير حديث عن النبي ﷺ في الغالِّ، فلم يأمر فيه بحرق متاعه. آخر كلامه. وصالح بن محمد بن زائدة: تكلم فيه غير واحد من الأئمة (١). وقد قيل: إنه تفرد به. وقال البخاري (٢): وعامة أصحابنا يحتجون بهذا في الغلول، وهو باطل ليس بشيء. وقال الدارقطني (٣): أنكروا هذا الحديث على صالح بن محمد. قال: وهذا حديث لم يتابَع عليه، ولا أصل لهذا الحديث عن رسول الله ﷺ (٤). قال ابن القيم ﵀: وقد ذكر أبو عمر بن عبد البر (٥) هذا الحديث وزاد فيه: «واضربوا عنقه» بدل «واضربوه».

стр. 884

قال عبد الحق (١): هذا حديث يدور على صالح بن محمد، وهو منكر الحديث ضعيفُه لا يحتج به، ضعفه البخاري وغيره. انتهى. ٢٨٩/ ٢٦٠٠ - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر حرَّقوا متاع الغالِّ وضربوه (٢). قال أبو داود: وزاد فيه علي بن بَحْر عن الوليد ــ ولم أسمعه منه ــ: «ومنعوه سهمه». قال ابن القيم ﵀: وعلة هذا الحديث أنه من رواية زهير بن محمد عن عمرو بن شعيب، وزهير هذا ضعيف. قال البيهقي (٣): وزهير هذا يقال: هو مجهول، وليس بالمكي (٤). وقد رواه (٥) أيضًا مرسلًا. ١٥ - باب في المرأة والعبد يُحْذَيان من الغنيمة ٢٩٠/ ٢٦١٣ - وعن حَشْرَج بن زياد، عن جَدَّته أمِّ أبيه، أنها خرجت مع رسول الله ﷺ في غزوة خيبر سادسَ سِتِّ نِسْوَةٍ، فبلغ رسولَ الله ﷺ فبعث إلينا،

стр. 885

فجئنا فرأينا فيه الغضبَ، فقال: «مع مَن خَرَجْتُنَّ؟ وبِإِذنِ مَن خَرَجْتُنَّ؟» فقلنا: يا رسول الله، خرجنا نَغْزِلُ الشَّعَرَ، ونُعِين في سبيل الله، ومعنا دواء للجرحى، ونُناولُ السهامَ، ونَسْقِي السَّويق، فقال: «قُمْنَ»، حتى إذا فتح الله عليه خيبر أسهمَ لنا كما أسهم للرجال، قال: فقلتُ لها: يا جَدَّةُ، وما كان ذلك؟ قالت: تمرًا. وأخرجه النسائي (١). وجدة حشرج: هي أم زياد الأشجعية، وليس لها في كتابيهما سوى هذا الحديث. وذكر الخطابي (٢): أن الأوزاعي قال: يُسهم لهن. قال: وأحسبه ذهب إلى هذا الحديث (٣). وإسناده ضعيف، لا تقوم به الحجة (٤). آخر كلامه (٥). قال ابن القيم ﵀: ويَحتمِل قولُها: «أسهم لنا كما أسهم للرجال» أن (٦) تعني به أنه أشرك بينهم في أصل العطاء لا في قَدْره، فأرادت أنه أعطانا مثل ما أعطى الرجال، لا أنه أعطاهن بقدره سواء. والله أعلم.

стр. 886

٢٩١/ ٢٦١٥ - وعن جابر ــ وهو ابن عبد الله ــ قال: «كنت أُمِيحُ أصحابي الماءَ يوم بدر» (١). المايح بالياء: الذي في أسفل البئر، والماتح بالتاء ثالث الحروف: الذي هو في أعلى البئر (٢). قال ابن القيم ﵀: الأعلى للأعلى والأسفل للأسفل. ونظيره في ذلك: الجِنازة بالكسر للسرير، والجَنازة بالفتح للميت (٣). قال بعضهم: من ذلك الدَّجاج بالفتح للديكة، والدِّجاج بالكسر للإناث (٤). ١٦ - باب في سجود الشكر ٢٩٢/ ٢٦٥٧ - عن أبي بكرة عن النبي ﷺ أنه كان إذا جاءه أمْرُ سُرورٍ أو بُشِّرَ به خَرَّ ساجدًا شُكرًا لله». وأخرجه ابن ماجه والترمذي (٥)، وقال: حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث بكار بن عبد العزيز. هذا آخر كلامه.

стр. 887

وبكار بن عبد العزيز بن أبي بكرة فيه مقال (١). وقد جاء حديث سجدة الشكر من حديث البراء بن عازب بإسناد صحيح (٢)، ومن حديث كعب بن مالك (٣). ٢٩٣/ ٢٦٥٨ - وعن عامر بن سعد عن أبيه قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ من مكة نريد المدينة، فلما كنا قريبًا من عَزُورَا نزل، ثم رفع يديه فدعا الله ساعة، ثم خرَّ ساجدًا فمكث طويلًا، ثم قام فرفع يديه ساعة، ثم خرَّ ساجدًا فمكث طويلًا، ثم قام فرفع يديه ساعة، ثم خر ساجدًا ــ ذكره أحمد (يعني: ابن صالح) ثلاثًا ــ، قال: «إني سألت ربي وشفعت لأمتي فأعطاني ثُلُثَ أمتي فخررتُ ساجدًا شكرا لربي، ثم رفعت رأسي فسألت ربي لأمتي فأعطاني ثلث أمتي فخررت ساجدًا لربي شكرًا، ثم رفعت رأسي فسألت ربي لأمتي فأعطاني الثلث الآخَر فخررت ساجدًا لربي» (٤). في إسناده موسى بن يعقوب الزَّمْعي، وفيه مقال. قال ابن القيم ﵀: وقد روى الإمام أحمد في «مسنده» (٥) عن

стр. 888

أبي بكرة: أنه شهد النبي ﷺ أتاه بشير يبشِّره بظَفَر جند له على عدوهم ورأسه في حِجر عائشة فقام فخرَّ ساجدًا. وفي «المسند» (١) أيضًا عن عبد الرحمن بن عوف قال: خرج النبي ﷺ فتوجَّه نحو صدَقَته فدخل فاستقبل القبلة فخرّ ساجدًا فأطال السجود، ثم رفع رأسه وقال: «إن جبريل أتاني فبشّرني فقال: إن الله يقول لك: من صلَّى عليك صلَّيت عليه، ومن سلَّم عليك سلَّمتُ عليه، فسجدتُ لله شكرا». وفي «مسند الإمام أحمد» (٢) أيضًا: أن عليًّا سجد حين وجد ذا الثُدَيَّة في الخوارج مقتولًا. وفي «سنن سعيد بن منصور» (٣): أن أبا بكر الصديق سجد حين جاءه قتلُ مسيلمةَ الكذّاب.

стр. 889

كتاب الأضاحي ١ - باب ما جاء في وجوب الأضاحي ٢٩٤/ ٢٦٧٠ - عن مِخنَف بن سُليم قال: ونحن وقوف مع رسول الله ﷺ بعرفات قال: «يا أيها الناس، إنَّ على أهلِ كلِّ بيت في كلِّ عام أُضحية وعَتيرَة، أتدْرونَ ما العَتيرَة؟ هذه التي يقول الناس الرَّجَبِية». وأخرجه النسائي وابن ماجه والترمذي (١)، وقال: حسن غريب، ولا نعرف هذا الحديث مرفوعًا إلا من هذا الوجه من حديث ابن عون. وقال الخطابي (٢): ضعيف المخرج، وأبو رملة مجهول. وقال أبو بكر المعافري (٣): هوحديث ضعيف لا يحتج به (٤). قال ابن القيم ﵀: وقال عبد الحق (٥): إسناد هذا الحديث ضعيف. وقال ابن القطان (٦): يرويه حبيب بن مخنف ــ وهو مجهول ــ عن أبيه (٧).

стр. 890

وفيه أبو رَمْلة عامر بن أبي رملة لا يعرف إلا به. انتهى. [وقال البيهقي (١): هذا إن صحّ فهو على طريق الاستحباب، وقد جَمَع بين الأضحية والعتيرة، والعتيرة غيرُ واجبةٍ بالإجماع. وقال غيره: هذا الحديث منسوخ بقوله ﷺ : «لا فرَعَ ولا عتيرة» (٢). وقيل: «لا» لنفي الوجوب، والحديث يدل على الاستحباب ليكون جمعًا بين الحديثين. قال الخطّابي (٣): وكان ابن سيرين من بين أهل العلم يذبح العتيرة في شهر رجب، ويروي فيها شيئًا (٤). وقال أبو داود (٥): العتيرة منسوخة. وقال غيره (٦): قال بعض السلف ببقاء حكمها] (٧).

стр. 891

وقد روى أحمد في «مسنده» (١) عن أبي رزين العقيلي أنه قال: يا رسول الله، إنا كنا نذبح في رجبٍ ذبائحَ فنأكل منها ونُطعم مَن جاءنا، فقال: «لا بأس بذلك». وفي «المسند» أيضًا و «سنن النسائي» (٢) عن الحارث بن عمرو أنه لقي رسول الله ﷺ في حجة الوداع، قال: فقال رجل: يا رسول الله، الفرائع والعتائر؟ قال: «مَن شاء فَرَّع ومن شاء لم يُفرِّع، ومن شاء عَتَر ومن شاء لم يَعتِر، في الغنم أضحيةٌ». وسيأتي بعد هذا في باب العتيرة (٣) [ق ١٥٣] قول النبي ﷺ : «في كل

стр. 892

سائمة من الغنم فَرَع» فهذه الأحاديث تدل على مشروعيته. وقال ابن المنذر (١): ثبت أن عائشة قالت: أمر النبي ﷺ في الفَرَعة من كل خمسين بواحدة (٢). قال: وروينا عن نُبَيشة قال: سئل رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله، إنا كنا نَعتِر عتيرةً في الجاهلية في رجب، فما تأمرنا؟ فقال: «في كل سائمة فَرَع»، اختصر الحديث، وسيأتي لفظه. قال: وخبر عائشة وخبر نبيشة ثابتان. قال: وقد كانت العرب تفعل ذلك في الجاهلية، ويفعلها بعض أهل الإسلام، فأمر النبي ﷺ بهما، ثم نهى عنهما رسول الله ﷺ فقال: «لا فرع ولا عتيرة»، فانتهى الناس عنهما لنهيه إياهم عنهما.

стр. 893

ومعلوم أن النهي لا يكون إلا عن شيء قد كان يُفعَل، ولا نعلم أن أحدًا من أهل العلم يقول: إن النبي ﷺ كان ينهاهم عنهما ثم أذن فيهما. والدليل على أن الفعل كان قبل النهي: قوله في حديث نبيشة: «إنا كنا نَعتِر عتيرة في الجاهلية، وإنا كنا نُفرِّع فَرَعًا في الجاهلية». وفي إجماع عوامّ علماء الأمصار أن استعمالهما (١) ذلك وقوف عن الأمر بهما، مع ثبوت النهي عن ذلك= بيانٌ لما قلنا. وقد كان ابن سيرين من بين أهل العلم يذبح العتيرة في شهر رجب، وكان يروي فيها شيئًا. وكان الزهري يقول: «الفرعة أول نتاج، والعتيرة شاة كانوا يذبحونها في رجب» (٢). آخر كلام ابن المنذر. وقال أبو عبيد (٣): هذا منسوخ. وكان إسحاق بن راهويه يحمل قوله: «لا فرع ولا عتيرة» أي لا يجب ذلك، ويحمل هذه الأحاديث على الإذن فيها (٤). قال الحازمي (٥): وهذا أولى مما سلكه ابن المنذر.

стр. 894

وقال الشافعي (١): الفرَعة شيء كان أهل الجاهلية يطلبون به البركة في أموالهم، فكان أحدهم يذبح بِكر ناقته لا يَغذُوه رجاء البركة فيما يأتي بعده، فسألوا النبي ﷺ فقال: «افرعوا إن شئتم» (٢) أي اذبحوا إن شئتم. وكانوا يسألونه عما يصنعونه في الجاهلية خوفًا أن يُكره في الإسلام، فأعلمهم أنهم لا بركة لهم فيه، وأمرهم أن يغذوه، ثم يحملون عليه في سبيل الله. قال البيهقي: أو يذبحونه ويُطعمونه، كما في حديث نبيشة. قال الشافعي: وقوله: «الفرَعة حق» (٣) أي ليست بباطل، ولكنه كلام عربي يخرج على جواب السائل. قال الشافعي: وروي عنه ﷺ أنه قال: «لا فرَع ولا عتيرة»، وليس باختلاف من الرواة، إنما هو: لا فرَعة ولا عتيرة واجبة. والحديث الآخر في الفرعة والعتيرة يدل على معنى هذا أنه أباح

стр. 895

الذبح، واختار له أن يُعطِيه أرملةً، أو يحمل عليه في سبيل الله. والعتيرة هي الرجبية، وهي ذبيحة كان أهل الجاهلية يتبرّرون بها في رجب، فقال النبي ﷺ : «لا عتيرة» على معنى: لا عتيرة لازمة. وقوله حين سُئل عن العتيرة: «اذْبحوا لله في أي شهر ما كان، وبروا لله وأطعموا» (١) أي اذبحوا (٢) إن شئتم واجعلوا الذبح لله لا لغيره في أي شهر ما كان، لا أنها في رجب دون ما سواه من الشهور. آخر كلامه. وقال أصحاب أحمد (٣): لا يسنّ شيء من ذلك، وهذه الأحاديث منسوخة. قال الشيخ أبو محمد (٤): «ودليل النسخ أمران، أحدهما: أن أبا هريرة هو الذي روى حديث «لا فرع ولا عتيرة» وهو متفق عليه. وأبو هريرة متأخر الإسلام، أسلم في السنة السابعة من الهجرة. والثاني: أن الفرع والعتيرة كان فِعلهما أمرًا متقدمًا على الإسلام. فالظاهر بقاؤهم عليه إلى حين نَسْخه واستمرارُ النسخ من غير رفع له. قال: ولو قدرنا تقدم النهي على الأمر بها، لكانت قد نسخت ثم نسخ ناسخها، وهذا خلاف الظاهر. فإذا ثبت هذا، فإن المراد بالخبر نفيُ كونها سنة، لا تحريمُ فعلها ولا

стр. 896

كراهته. فلو ذبح إنسان ذبيحةً في رجب، أو ذبح ولد الناقة لحاجته إلى ذلك أو الصدقةِ به أو إطعامه، لم يكن ذلك مكروهًا». ٢ - باب الرجل يأخذ من شَعَره في العشر وهو يريد أن يضحي ٢٩٥/ ٢٦٧٣ - عن أم سلمة قالت: قال رسول الله ﷺ : «من كان له ذِبْحٌ يَذبَحُهُ فإذا أهلَّ هلالُ ذي الحِجة فلا يأخُذَنَّ من شعره ولا من أظفاره شيئًا، حتى يُضَحِّي». وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه بمعناه (١). وفي لفظٍ لمسلم (٢): «فلا يمَسَّ من شعره وبَشَره شيئًا». وفي لفظ لابن ماجه: «فلا يمَسَّ من شعره ولا بَشره شيئًا». قال ابن القيم ﵀: وقد اختلف الناس في هذا الحديث وفي حكمه: فقالت طائفة: لا يصح رفعه، وإنما هو موقوف. قال الدارقطني في كتاب «العلل» (٣): ووقَفه عبد الله بن عامر الأسلمي، ويحيى القطان، وأبو ضمرة، عن عبد الرحمن بن حميد عن سعيد. ووقفه عُقَيل على سعيدٍ قولَه (٤). ووقفه

стр. 897

يزيد بن عبد الله بن قُسَيط عن سعيد عن أم سلمة قولَها. ووقفه ابن أبي ذئب عن الحارث بن عبد الرحمن عن أبي سلمة عن أم سلمة قولَها. ووقفه عبد الرحمن بن حرملة وقتادة وصالح بن حسان عن سعيد قولَه. والمحفوظ عن [ق ١٥٤] مالك موقوف (١). قال الدارقطني: والصحيح عندي قول من وقفه. ونازعه في ذلك آخرون فصححوا رفعه، منهم مسلم بن الحجاج رواه في «صحيحه» مرفوعًا. ومنهم أبو عيسى الترمذي، قال: هذا حديث حسن صحيح. ومنهم ابن حبان خرّجه في «صحيحه» (٢). ومنهم أبو بكر البيهقي، قال (٣): هذا حديث قد ثبت مرفوعًا من أوجه لا يكون مثلها غلطًا، وأودعه مسلم في كتابه. وصححه غير هؤلاء. وقد رفعه سفيان بن عيينة عن عبد الرحمن بن حميد عن سعيد عن أم سلمة عن النبي ﷺ (٤). ورفعه شعبة عن مالك عن عمرو بن مسلم عن سعيد عن أم سلمة عن النبي ﷺ (٥).
следующие страницы →