← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 201

تهذيب سنن أبي داود - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 675 стр.). Показаны 893–932 · переход к 898.

стр. 893

ومعلوم أن النهي لا يكون إلا عن شيء قد كان يُفعَل، ولا نعلم أن أحدًا من أهل العلم يقول: إن النبي ﷺ كان ينهاهم عنهما ثم أذن فيهما. والدليل على أن الفعل كان قبل النهي: قوله في حديث نبيشة: «إنا كنا نَعتِر عتيرة في الجاهلية، وإنا كنا نُفرِّع فَرَعًا في الجاهلية». وفي إجماع عوامّ علماء الأمصار أن استعمالهما (١) ذلك وقوف عن الأمر بهما، مع ثبوت النهي عن ذلك= بيانٌ لما قلنا. وقد كان ابن سيرين من بين أهل العلم يذبح العتيرة في شهر رجب، وكان يروي فيها شيئًا. وكان الزهري يقول: «الفرعة أول نتاج، والعتيرة شاة كانوا يذبحونها في رجب» (٢). آخر كلام ابن المنذر. وقال أبو عبيد (٣): هذا منسوخ. وكان إسحاق بن راهويه يحمل قوله: «لا فرع ولا عتيرة» أي لا يجب ذلك، ويحمل هذه الأحاديث على الإذن فيها (٤). قال الحازمي (٥): وهذا أولى مما سلكه ابن المنذر.

стр. 894

وقال الشافعي (١): الفرَعة شيء كان أهل الجاهلية يطلبون به البركة في أموالهم، فكان أحدهم يذبح بِكر ناقته لا يَغذُوه رجاء البركة فيما يأتي بعده، فسألوا النبي ﷺ فقال: «افرعوا إن شئتم» (٢) أي اذبحوا إن شئتم. وكانوا يسألونه عما يصنعونه في الجاهلية خوفًا أن يُكره في الإسلام، فأعلمهم أنهم لا بركة لهم فيه، وأمرهم أن يغذوه، ثم يحملون عليه في سبيل الله. قال البيهقي: أو يذبحونه ويُطعمونه، كما في حديث نبيشة. قال الشافعي: وقوله: «الفرَعة حق» (٣) أي ليست بباطل، ولكنه كلام عربي يخرج على جواب السائل. قال الشافعي: وروي عنه ﷺ أنه قال: «لا فرَع ولا عتيرة»، وليس باختلاف من الرواة، إنما هو: لا فرَعة ولا عتيرة واجبة. والحديث الآخر في الفرعة والعتيرة يدل على معنى هذا أنه أباح

стр. 895

الذبح، واختار له أن يُعطِيه أرملةً، أو يحمل عليه في سبيل الله. والعتيرة هي الرجبية، وهي ذبيحة كان أهل الجاهلية يتبرّرون بها في رجب، فقال النبي ﷺ : «لا عتيرة» على معنى: لا عتيرة لازمة. وقوله حين سُئل عن العتيرة: «اذْبحوا لله في أي شهر ما كان، وبروا لله وأطعموا» (١) أي اذبحوا (٢) إن شئتم واجعلوا الذبح لله لا لغيره في أي شهر ما كان، لا أنها في رجب دون ما سواه من الشهور. آخر كلامه. وقال أصحاب أحمد (٣): لا يسنّ شيء من ذلك، وهذه الأحاديث منسوخة. قال الشيخ أبو محمد (٤): «ودليل النسخ أمران، أحدهما: أن أبا هريرة هو الذي روى حديث «لا فرع ولا عتيرة» وهو متفق عليه. وأبو هريرة متأخر الإسلام، أسلم في السنة السابعة من الهجرة. والثاني: أن الفرع والعتيرة كان فِعلهما أمرًا متقدمًا على الإسلام. فالظاهر بقاؤهم عليه إلى حين نَسْخه واستمرارُ النسخ من غير رفع له. قال: ولو قدرنا تقدم النهي على الأمر بها، لكانت قد نسخت ثم نسخ ناسخها، وهذا خلاف الظاهر. فإذا ثبت هذا، فإن المراد بالخبر نفيُ كونها سنة، لا تحريمُ فعلها ولا

стр. 896

كراهته. فلو ذبح إنسان ذبيحةً في رجب، أو ذبح ولد الناقة لحاجته إلى ذلك أو الصدقةِ به أو إطعامه، لم يكن ذلك مكروهًا». ٢ - باب الرجل يأخذ من شَعَره في العشر وهو يريد أن يضحي ٢٩٥/ ٢٦٧٣ - عن أم سلمة قالت: قال رسول الله ﷺ : «من كان له ذِبْحٌ يَذبَحُهُ فإذا أهلَّ هلالُ ذي الحِجة فلا يأخُذَنَّ من شعره ولا من أظفاره شيئًا، حتى يُضَحِّي». وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه بمعناه (١). وفي لفظٍ لمسلم (٢): «فلا يمَسَّ من شعره وبَشَره شيئًا». وفي لفظ لابن ماجه: «فلا يمَسَّ من شعره ولا بَشره شيئًا». قال ابن القيم ﵀: وقد اختلف الناس في هذا الحديث وفي حكمه: فقالت طائفة: لا يصح رفعه، وإنما هو موقوف. قال الدارقطني في كتاب «العلل» (٣): ووقَفه عبد الله بن عامر الأسلمي، ويحيى القطان، وأبو ضمرة، عن عبد الرحمن بن حميد عن سعيد. ووقفه عُقَيل على سعيدٍ قولَه (٤). ووقفه

стр. 897

يزيد بن عبد الله بن قُسَيط عن سعيد عن أم سلمة قولَها. ووقفه ابن أبي ذئب عن الحارث بن عبد الرحمن عن أبي سلمة عن أم سلمة قولَها. ووقفه عبد الرحمن بن حرملة وقتادة وصالح بن حسان عن سعيد قولَه. والمحفوظ عن [ق ١٥٤] مالك موقوف (١). قال الدارقطني: والصحيح عندي قول من وقفه. ونازعه في ذلك آخرون فصححوا رفعه، منهم مسلم بن الحجاج رواه في «صحيحه» مرفوعًا. ومنهم أبو عيسى الترمذي، قال: هذا حديث حسن صحيح. ومنهم ابن حبان خرّجه في «صحيحه» (٢). ومنهم أبو بكر البيهقي، قال (٣): هذا حديث قد ثبت مرفوعًا من أوجه لا يكون مثلها غلطًا، وأودعه مسلم في كتابه. وصححه غير هؤلاء. وقد رفعه سفيان بن عيينة عن عبد الرحمن بن حميد عن سعيد عن أم سلمة عن النبي ﷺ (٤). ورفعه شعبة عن مالك عن عمرو بن مسلم عن سعيد عن أم سلمة عن النبي ﷺ (٥).

стр. 898

وليس شعبة وسفيان بدون هؤلاء الذين وقفوه، ولا مثل هذا اللفظ من ألفاظ الصحابة، بل هو المعتاد من خطاب النبي ﷺ في قوله: «لا يؤمن أحدكم» (١)، «أيعجِز أحدكم» (٢)، «أيحب أحدكم» (٣)، «إذا أتى أحدكم الغائط» (٤)، «إذا جاء أحدكم خادمه بطعامه» (٥) ونحو ذلك. وأما اختلافهم في متنه (٦): فذهب إليه طائفة من التابعين ومن بعدهم، فذهب إليه سعيد بن المسيب، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وإسحاق بن راهويه، والإمام أحمد وغيرهم.

стр. 899

وذهب آخرون إلى أن ذلك مكروه لا محرّم، وحملوا الحديث على الكراهة، منهم مالك وطائفة من أصحاب أحمد، منهم أبو يعلى وغيره. وذهبت طائفة إلى الإباحة، وأنه غير مكروه، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه. والذين لم يقولوا به، منهم من أعله بالوقف، وقد تقدّم ضعفُ هذا التعليل. ومنهم من قال: هذا خلاف الحديث الثابت عن عائشة المتفق على صحته: أن رسول الله ﷺ كان يبعث بهَدْيه ويقيم حلالًا، لا يحرم عليه شيء (١). قال الشافعي (٢): فإن قال قائل: ما دل على أنه اختيار لا واجب؟ قيل له: روى مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن عمرة عن عائشة قالت: «أنا فتلتُ قلائدَ هدي النبي ﷺ بيدي، ثم قلّدها رسول الله ﷺ ، ثم بعث بها مع أبي بكر، فلم يحرم على رسول الله ﷺ شيء أحلّه الله له حتى نحر الهدي». قال الشافعي: وفي هذا دلالة على ما وصفت، وعلى أن المرء لا يُحْرِم بالبِعثة بهديه؛ يقول: البِعثة بالهدي أكبر من إرادة الأضحية. ومنهم من رد هذا الحديث بخلافه للقياس، لأنه لا يَحْرُم عليه الوطء واللباس والطِّيب، فلا يحرم عليه حلق الشعر وتقليم الظفر. وأسعد الناس بهذا الحديث مَن قال بظاهره لصحته وعدم ما يعارضه.

стр. 900

وأما حديث عائشة، فهو إنما يدل على أن من بعث بهديه وأقام في أهله فإنه يقيم حلالًا، ولا يكون مُحرِمًا بإرسال الهدي، ردًّا على من قال: يكون بذلك مُحرِمًا من السلف، ولهذا روت عائشة لمّا حكي لها هذا (١). وحديث أم سلمة يدل على أن من أراد أن يضحّي أمسك في العشر عن شعره وظفره خاصة، فأي منافاة بينهما؟ ولهذا أحمد وغيره يعمل بكلا الحديثين: هذا في موضعه، وهذا في موضعه. وقد سأل الإمام أحمد (٢) أو غيره عبدَ الرحمن بن مهدي عن هذين الحديثين؟ فقال: هذا له وجه، وهذا له وجه. ولو قُدِّر بطريق الفرض تعارضهما لكان حديث أم سلمة خاصًّا وحديث عائشة عامًّا، ويجب تنزيل العام على ما عدا مدلول الخاص توفيقًا بين الأدلة، ويجب حمل حديث عائشة على ما عدا ما دل عليه حديث أم سلمة؛ أن (٣) النبي ﷺ لم يكن ليفعل ما نهى عنه، وإن كان مكروهًا. وأيضًا: فعائشة إنما تعلم ظاهرًا ما يباشرها به، أو يفعله ظاهرًا من اللباس والطيب. وأما ما يفعله نادرًا، كقص الشعر وتقليم الظفر، مما لا يُفعل في الأيام العديدة إلا مرة = فهي لم تُخبر بوقوعه في عشر ذي الحجة منه ﷺ ، وإنما قالت: «لم يحرم عليه شيء»، وهذا غايته أن يكون شهادة على نفيٍ، فلا يعارِض حديث أم سلمة. والظاهر أنها لم ترد ذلك بحديثها، وما

стр. 901

كان كذلك فاحتمال تخصيصه قريب، فيكفي فيه أدنى دليل. وخبر أم سلمة صريح في النهي، فلا يجوز تعطيله. وأيضًا: فأم سلمة تخبر عن قوله وشرعه لأمته، فيجب امتثاله. وعائشة تخبر عن نفيٍ مستنِدٍ إلى رؤيتها، وهي إنما رأت أنه لا يصير بذلك مُحرِمًا يَحرُم عليه ما يحرم على المحرم، ولم تخبر عن قوله: إنه لا يحرم على أحدكم بذلك شيء، وهذا لا يعارض صريح لفظه. وأما رد الحديث بالقياس، فلو لم يكن فيه إلا أنه قياس فاسد مصادم للنص لكفى ذلك في رد القياس، ومعلوم أن رد القياس بصريح السنة أولى من رد السنة بالقياس، وبالله التوفيق. كيف وإن تحريم النساء والطيب واللِّبس أمر يختص بالإحرام، لا يتعلق بالضحية! وأما تقليم الظفر وأخذ الشعر فإنه من تمام التعبد بالأضحية، وقد تقدم حديث عبد الله بن عمرو أول الباب، وقوله: «تأخذ من شعرك، وتحلق عانتَك، فتلك تمامُ ضحيَّتِك (١) عند الله» (٢)، فأحب النبي ﷺ توفير الشعر والظفر في العشر ليأخذه مع [ق ١٥٥] الضحية، فيكون ذلك من تمامها عند الله. وقد شهد لذلك أيضًا: أنه ﷺ شرع لهم إذا ذبحوا عن الغلام عقيقته أن يحلقوا رأسه، فدل على أن حَلْق رأسه مع الذبح أفضل وأولى، وبالله التوفيق.

стр. 902

٣ - باب ما يجوز من السن في الضحايا ٢٩٦/ ٢٦٨٠ - وعن زيد بن خالد الجُهني، قال: قَسَم رسول الله ﷺ في أصحابه ضحايا، فأعطاني عَتُودًا جَذَعًا، قال: فرجعتُ به إليه. فقلت: إنه جَذَع، قال: «ضَحِّ به»، فضحَّيتُ به (١). في إسناده محمد بن إسحاق، وقد تقدم الكلام عليه. ورواه أحمد بن خالد الوهبي عن ابن إسحاق، وقال فيه: «فقلت: إنه جَذَع من المعز» (٢). وقد أخرج البخاري ومسلم في «صحيحيهما» (٣) من رواية عقبة بن عامر الجهني أن رسول الله ﷺ أعطاه غنمًا يقسمها على أصحابه ضحايا فبقي عَتُود، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ . فقال: «ضحِّ به أنت». وقد وقع لنا حديث عقبة هذا من رواية يحيى بن بُكير عن الليث بن سعد، وفيه: «لا رخصة لأحد فيها بعدك» (٤).

стр. 903

قال البيهقي (١): وهذه الزيادة إذا كانت محفوظةً كانت رخصة له، كما رخّص لأبي بُردة بن نِيار، وعلى مثل هذا يُحمَل معنى حديث زيد بن خالد الجهني الذي أخرجه أبو داود هاهنا. وقال غيره: حديث عُقبة منسوخ بحديث أبي بردة، لقوله: «ولن تَجزي عن أحد بعدك». وفيما قاله نظر، فإن في حديث عقبة أيضًا: «ولا رخصة لأحد فيها بعدك». وأيضًا فإنه لا يُعرف المتقدّم منهما من المتأخر. وقد أشار البيهقي (٢) إلى أن الرخصة ايضًا لعقبة وزيد بن خالد، كما كانت لأبي بُردة. قال ابن القيم ﵀: وهذا لا يصح، فإن قوله لأحد هؤلاء: «ولن تَجزي عن أحد بعدك» (٣) و «لا رخصة فيها لأحد بعدك» ينفي تعدد الرخصة. وقد كنا نستشكل هذه الأحاديث إلى أن يسر الله بإسفارِ صُبْحِها (٤) وزوالِ إشكالها، فله الحمد، فنقول: أما حديث أبي بردة بن نيار فلا ريب في صحته، وأن النبي ﷺ قال له: في الجَذَعة من المعز: «ولن تَجزي عن أحدٍ بعدك»، وهذا قطعًا ينفي أن

стр. 904

تكون مُجزئةً عن أحد بعده. وأما حديث عقبة بن عامر، فإنما وقع فيه الإشكال أنه جاء في بعض ألفاظه أنه بقيتْ له جَذَعة (١). وقد ثبت في «الصحيحين»: أن النبي ﷺ أعطاه غنمًا يَقسِمها على صحابته ضحايا فبقي عَتُود، فذكره للنبي ﷺ فقال: «ضحِّ به أنت»، فظن من ظن: أن العتود: هو الجَذَع من ولد المعز، فاستشكله وقَوَّى هذا الإشكالَ عنده روايةُ يحيى بن بُكَير عن الليث في هذا الحديث: «ولا رخصة فيها لأحد بعدك». ولكن العتود من ولد المعز: ما قوي ورَعَى، وأتى عليه حول، قاله الجوهري (٢)، وكذلك كلام غيره من أئمة اللغة قريب منه. قال بعضهم (٣): ما بلغ السِّفاد. وقال بعضهم (٤): ما قوي وشبَّ. وعلى هذا فيكون هو الثَنِيُّ من المعز، فتجوز الضحية به. ومن رواه «فبقي جذَع» لم يقل: فيه جذع من المعز، ولعله ظن أن العتود هو الجذع من المعز فرواه كذلك، والمحفوظ: «فبقي عتود»، وفي لفظ «فأصابني جذع»، وليس في «الصحيح» إلا هاتان اللفظتان. وأما «جذع من المعز»، فليس في حديث عقبة، فلا إشكال فيه. فإن قيل: فما وجه قوله: «ولا رخصة فيها لأحد بعدك»؟ قيل: هذه الزيادة غير محفوظة في حديثه، ولا ذكرها أحد من أصحاب «الصحيحين»، ولو كانت في الحديث لذكروها ولم يحذفوها، فإنه لا يجوز

стр. 905

اختصار مثلها، وأكثر الرواة لا يذكرون هذه اللفظة. وأما حديث زيد بن خالد الجهني فهو ــ والله أعلم ــ حديث عقبة بن عامر الجهني بعينه، واشتبه على ابن إسحاق أو من حدثه به (١) اسمُه، وأن قصة العتود وقسمة الضحايا إنما كانت مع عقبة بن عامر الجهني، وهي التي رواها أصحاب الصحيح. ثم إن الإشكال في حديثه: إنما جاء من قوله: «فقلت: إنه جَذَع من المعز»، وهذه اللفظة إنما ذكرها عن ابن إسحاق (٢): أحمدُ بن خالد الوَهبي عنه (٣). ٢٩٧/ ٢٦٨١ - وعن عاصم بن كُلَيب، عن أبيه، قال: كُنَّا مع رجل من أصحاب النبيِّ ﷺ ، يقال له: مُجاشِعٌ من بني سُليم، فَعزَّت الغنمُ، فأمر مناديًا فنادى: إن رسول الله ﷺ يقول: «إنَّ الجذَعَ يُوَفِّيممّا يُوَفّي منه الثَّنِيُّ». وأخرجه ابن ماجه (٤).

стр. 906

عاصم بن كليب، قال ابن المديني: لا يُحتج بحديثه إذا انفرد. قال الإمام أحمد: لا بأس به. وقال أبو حاتم الرازي: صالح، وأخرج له مسلم (١). قال ابن القيم ﵀: وقد روى ابن حزم (٢) من طريق سليمان بن يسار (٣) عن مكحول أن رسول الله ﷺ قال: «ضحوا بالجذَعة من الضأن، والثنيَّة من المعز»، وهذا مرسل. ٤ - باب ذبائح أهل الكتاب ٢٩٨/ ٢٧٠١ - وعن ابن عباس (٤) قال: جاءت اليهود إلى النبي ﷺ فقالوا: نأكل مما قتلَ الله؟ فأنزل الله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ إلى آخر الآية [الأنعام: ١٢١]. وأخرجه الترمذي (٥)، وقال: حسن غريب، ورواه بعضهم عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن النبي ﷺ مرسلًا (٦).

стр. 907

قال ابن القيم ﵀: هذا الحديث له علل: إحداها (١): أن عطاء بن السائب اضطرب فيه، فمرةً وصله، ومرةً أرسله. الثانية: أن عطاء بن السائب اختلط في آخر عمره (٢)، واختلف في الاحتجاج بحديثه، وإنما أخرج له البخاري (٣) مقرونًا بأبي بشر. الثالثة: فيه عمران بن عيينة، أخو سفيان بن عيينة، قال أبو حاتم الرازي (٤): لا يحتج بحديثه فإنه يأتي بالمناكير (٥). الرابعة: أن سورة الأنعام مكية باتفاق، ومجيء اليهود إلى النبي ﷺ ومجادلته إنما كان بعد مقدمه المدينة، وأما بمكة فإنما كان جداله مع المشركين عباد الأصنام (٦).

стр. 908

٥ - باب ما جاء في ذكاة الجنين ٢٩٩/ ٢٧٠٩ - عن أبي سعيد ــ وهو الخدري ــ قال: سألت رسول الله ﷺ عن الجنين، فقال: «كُلُوهُ إن شئتم». وقال مسدد: قال: قلنا: يا رسول الله، ننحر الناقة ونذبح البقرة والشاة، في بطنها الجنينُ، أنُلْقيه أم نأكله؟ فقال: «كلوه إن شئتم، فإنّ ذكاتَه ذكاةُ أمِّه». وأخرجه ابن ماجه والترمذي (١) وقال: حسن. آخر كلامه. وفي إسناده مُجالد بن سعيد الهَمْداني، تكلم فيه غير واحد (٢). ٣٠٠/ ٢٧١٠ - وعن جابر بن عبد الله، عن رسول الله ﷺ قال: «ذكاة الجنين ذكاةُ أمه» (٣). فيه عبيد الله بن أبي زياد المكي القداح، وفيه مقال (٤). وأخرجه الإمام أحمد في «المسند» (٥) عن أبي عُبيدة الحدَّاد عن يونس بن أبي إسحاق عن أبي الودّاك عن أبي سعيد مرفوعًا: «ذكاة الجنين ذكاة أمّه». وهذا إسناد حسن، ويونس وإن تُكلِّم فيه فقد احتجَّ به مسلم في «صحيحه» (٦).

стр. 909

والبراء بن عازب. وقوله في بعض ألفاظه (١): «فإن ذكاته ذكاة أمه» مما يبطل تأويل من رواه بالنصب وقال: ذكاة الجنين ذكاةَ أمه (٢). قال ابن القيم ﵀: وهذا باطل من وجوه: أحدها: أن سياق الحديث يبطله، فإنهم [ق ١٥٦] سألوه عن الجنين الذي يوجد في بطن الشاة: أيأكلونه أم يُلقونه؟ فأفتاهم بأكله ورفع عنهم ما توهَّموه من كونه ميتة بأنّ ذكاةَ أمه ذكاةٌ له، لأنه جزء من أجزائها كيَدِها (٣) ورأسها، وأجزاءُ المذبوح لا تفتقر إلى ذكاة مستقلة. والحمل ما دام جنينًا فهو كالجزء منها، لا يُفرَد (٤) بحكم، فإذا ذُكِّيت الأم أتت الذكاة على جميع أجزائها التي من جملتها الجنين. فهذا هو القياس الجلي لو لم يكن في المسألة نص. الثاني: أن السؤال لابد وأن يقع عنه (٥) الجوابُ، والصحابة لم يسألوا عن كيفية ذكاته، ليكون قوله: «ذكاته كذكاة أمّه» جوابًا لهم، وإنما سألوا عن

стр. 910

أكل الجنين الذي يجدونه بعد الذبح، فأفتاهم بأكله معلِّلًا جَرَيان (١) ذكاة أمه عليه، وأنه لا يحتاج إلى أن يُفرد بالذكاة. الثالث: أن أصحاب رسول الله ﷺ أعظم الخلق فهمًا لمراده بكلامه، وقد فهموا من هذا الحديث اكتفاءَهم بذكاة الأم عن ذكاة الجنين، وأنه لا يحتاج أن يُفرد بذكاة، بل يؤكل. قال عبد الله بن كعب بن مالك: كان أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: «إذا أشعر الجنين فذكاته ذكاة أمّه» (٢)، وهذا إشارة إلى جميعهم. قال ابن المنذر (٣): كان الناس على إباحته، لا نعلم أحدًا منهم خالف ما قالوه، إلى أن جاء النعمان (٤)، فقال: لا يحل، لأن ذكاة نفسٍ لا تكون ذكاة نفسَين. الرابع: أن الشريعة قد استقرت على أن الذكاة تختلف بالقدرة والعجز،

стр. 911

فذكاة الصيد الممتنع: بجَرْحه في أي موضعٍ كان، بخلاف المقدور عليه، وذكاة المتردية لا يمكن إلا بطعنها في أي موضع كان، ومعلوم أن الجنين لا يتوصل إلى ذبحه بأكثر من ذبح أمه، فيكون «ذكاةُ أمه ذكاةٌ له» هو محضَ القياس. الخامس: أن قوله: «ذكاة الجنين ذكاة أمه» جملة خبرية، جُعل الخبر فيها نفسَ المبتدأ، فهي كقولك: غذاء الجنين غذاء أمه. ولهذا جُعلت الجملةُ اسمَ (١) «إن» وخبرَها في قوله: «فإن ذكاتَه ذكاةُ أمه». وإذا كان هكذا لم يَجُز في «ذكاة أمه» إلا الرفع، ولا يجوز نصبه لبقاء المبتدأ بغير خبر، فيخرج الكلام عن الإفادة والتمام، إذ الخبرُ محل الفائدة، وهو غير معلوم. السادس: أنه إذا نصب «ذكاة أمه» فلا بد وأن يُجعل الأول في تقدير فعلٍ لينتصب عنه المصدر، ويكون تقديره: يُذكَّى الجنينُ ذكاةَ أمه، أو: ذكُّوا الجنينَ ذكاةَ أمه، ونحوه. ولو أريد هذا المعنى لقيل: ذكوا الجنين ذكاة أمه، أو يُذكَّى، كما يقال: اضربْ زيدًا ضربَ عمرٍو، أو: يُضرب، ونحوه. فأما أن يقال: ضَرْبُ زيدٍ ضَرْبَ عمروٍ، ويُنصب الثاني على معنى: اضربْ زيدًا ضربَ عمرٍو= فهذا لا يجوز، وليس كلامًا عربيًّا، إلا إذا نُصِب الجُزءان معًا، فتقول: ذكاةَ الجنين ذكاةَ أمه، وهذا مع أنه خلاف رواية الناس وأهل الحديث قاطبة، فهو أيضًا ممتنع، فإن المصدر لا بد له من فعل يعمل فيه، فيؤول التقدير إلى: ذكوا ذكاةَ الجنين ذكاةَ أمه، ويصير نظير قولك: «ضَرْبَ زيدٍ ضربَ عمرٍو» بنصبهما، وتقديره: اضربْ ضربَ زيدٍ ضربَ

стр. 912

عمرٍو، وهذا إنما يكون فيه المصدر بدلًا من اللفظ بالفعل إذا كان مُنَكَّرًا، نحو «ضربًا زيدًا» أي اضربْ زيدًا. ولهذا كان قولك: «ضربًا زيدًا» كلامًا تامًّا، وقولك: «ضَرْبَ زيدٍ» ليس بكلام تام، فإن الأول يتضمن: اضربْ زيدًا ــ بخلاف الثاني فإنه مفرد فقط ــ، فيعطي ذلك معنى الجملة، فأما إذا أضفته وقلتَ: ضرْبَ زيدٍ، فإنه يصير مفردًا ولا يجوز تقديره باضرِبْ زيدًا، ويدل على بطلانه: الوجه السابع: وهو أن الجنين إنما يُذكَّى مثلَ ذكاةِ أمه إذا خرج حيًّا، وحينئذ فلا يؤكل حتى يذكى ذكاةً مستقلة، لأنه حينئذ له حكم نفسه. وهم لم يسألوا عن هذا، ولا أجيبوا به، فلا السؤال دل عليه، ولا هو جواب مطابق لسؤالهم، فإنهم قالوا: نذبح البقرة أو الشاة في بطنها الجنين أنلقيه أم نأكله؟ فقال: «كلوه إن شئتم، فإن ذكاته ذكاة أمه». فهم إنما سألوه عن أكله: أيحل لهم أم لا؟ فأفتاهم بأكله، وأزال عنهم ما عَلِم أنه يقع في أوهامهم من كونه ميتةً بأنه ذُكِّيَ بذكاة الأم. ومعلوم أن هذا الجواب والسؤال لا يطابق: «ذَكُّوا الجنين مثلَ ذكاة أمه»، بل كان الجواب حينئذ: لا تأكلوه إلا أن يخرج حيًّا، فتذكُّونه ذكاةً (١) مثلَ ذكاةِ أمه، وهذا ضد مدلول الحديث، والله أعلم. وبهذا يُعلم فساد ما سلكه أبو الفتح ابن جِنِّي (٢) وغيرُه في إعراب هذا الحديث، حيث قالوا: «ذكاةُ أمه»، على تقدير مضاف محذوف، أي ذكاة الجنين مثلُ ذكاةِ أمّه، وحَذْفُ المضاف وإقامةُ المضاف إليه كثير. وهذا إنما

стр. 913

يكون حيث لا لَبْس، وأما إذا أوقع في اللبس فإنه يمتنع، وما تقدّم كافٍ في فساده. وبالله التوفيق. ٦ - باب العقيقة ٣٠١/ ٢٧١٩ - وعن الحسن، عن سمرة، عن رسول الله ﷺ قال: «كلُّ غُلامٍ رَهينةٌ بعقيقته تُذبح عنه يوم السابع، ويُحلَق رأسُه ويُدَمَّى». فكان قتادة إذا سُئل عن الدم كيف يصنع به؟ قال: إذا ذبحتَ العقيقة أخذتَ منها صُوفةً واستقبلتَ به أوْدَاجَهَا ثم توضع على يافوخ الصَّبِيِّ حتى يَسيل على رأسه مثلُ الخيط، ثم يُغْسَل رأسُه بعدُ ويُحلق (١). قال أبو داود: وهذا وهم من همّام ــ يعني ابن يحيى ــ: «ويُدمَّى». ٣٠٢/ ٢٧٢٠ - وعنه أن رسول الله ﷺ قال: «كلُّ غلام رَهينة بعقيقته: تُذبَحُ عنه يومَ سابعه، ويُحْلَق، ويُسمَّى». قال أبو داود: «ويسمَّى» أصح. وأخرجه النسائي وابن ماجه والترمذي (٢)، وقال: حسن صحيح. وقال غير واحد من الأئمة (٣): حديث الحسن عن سمُرة كتاب إلا حديثَ العقيقة، وتصحيح الترمذي له يدل على ذلك. وقد حكى البخاري في

стр. 914

«صحيحه» (١) ما يدل على سماع الحسن من سمُرة حديثَ العقيقة. قال ابن القيم ﵀: [ق ١٥٧] فإنه حكى: أن محمد بن سيرين قال لحَبِيب بن الشهيد: اذهب إلى الحسن فسَلْه ممن سمع حديث العقيقة؟ فذهب إليه فسأله فقال: سمعتُه من سمرة. وهذا يرد على من قال: إنه لم يسمع منه. [وقوله ﷺ : «رهينة بعقيقته» قال الإمام أحمد: مرتهَن عن الشفاعة لوالِدَيه، يعني إذا مات طفلًا. وقال غيره: إنما معناه أنه مرهون بعقيقته، أي بأذى شعره. قال: والدليل عليه قوله: «فأميطوا عنه الأذى»، وهو ما يعلَق به من دم الرحم؛ قاله الخطابي (٢). و «رهينته» قيل: الهاء فيه للمبالغة، وإنما هو رهين بمعنى مرتهَن (٣). والصواب أنها للتأنيث، فذهب به مذهب النفس المؤنثة، فهو كقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨]. وقال آخرون: معناه (٤) أن العقيقة لازمة له لا ينفكُّ منها، فشبَّهه في لزومها وعدم انفكاكه منها بالرهن في يد المرتهن. فقال بعض العلماء: وهذا يدل أن من لم (٥) يعقَّ عنه أبواه عقَّ هو عن

стр. 915

نفسه، ليفكَّ ما عليه من ذلك الارتهان. واحتجَّ بذلك من يوجبها، وهو الليث وأهل الظاهر، ويُروى عن الحسن (١). واحتجُّوا بحديث سلمان، وسيأتي. وقوله: «ويُدمَّى» اختُلف في هذه اللفظة، فكان همَّام يقول: «يُدمَّى». قال أحمد] (٢): قال فيه ابن أبي عروبة: «ويُسمَّى»، وقال همّام: «ويُدمَّى» وما أُراه إلا خطأ (٣). تمّ كلامه (٤). وقال سلّام بن أبي مطيع عن قتادة: «ويُسمَّى» ذكره أبو داود (٥)، وهو الذي صححه. وقال إياس بن دغفل عن الحسن: «ويُسمَّى» (٦). واختلف في حكمها أيضًا، فكان قتادة يستحب تدميتَه، كما ذكر أبو داود. وهذا يدل على أن همّامًا لم يَهِم في هذه اللفظة فإنه رواها عن قتادة وهذا مذهبه، فهو ــ والله أعلم ــ بريء من عهدتها. وقد روي عن الحسن مثل قول قتادة (٧).

стр. 916

وكره آخرون التدمية منهم أحمد ومالك والشافعي وابن المنذر (١). قال ابن عبد البر (٢): لا أعلم أحدا قال هذا ــ يعني: التدمية ــ إلا الحسن وقتادة، وأنكره سائر أهل العلم وكرهوه. وقال مهنَّا بن يحيى الشامي (٣): ذكرت لأبي عبد الله حديث يزيد بن عبدٍ المزني عن أبيه أن النبي ﷺ قال: «يُعَقّ عن الغلام ولا يُمَسّ رأسُه بدم» فقال أحمد: ما أظرفه! ورواه ابن ماجه في «سننه» (٤)، ولم يقل: «عن أبيه». واحتجوا بأن النبي ﷺ قال: «أميطوا عنه الأذى» (٥) والدم أذى، فكيف يؤمر بأن يصاب بالأذى ويلطخ به؟! واحتجوا بأن الدم نجس، فلا يشرع إصابة الصبي به، كسائر النجاسات من البول وغيره.

стр. 917

واحتجوا أيضًا بحديث بريدة الذي ذكره أبو داود في آخر الباب، وسيأتي. واحتجوا بأن هذا كان من فِعل الجاهلية، فلما جاء الإسلام أبطله، كما قاله بريدة. وقوله: «ويسمّى» ظاهره: أن التسمية تكون يوم سابعه. وقد ثبت في «الصحيح» (١) عن النبي ﷺ أنه سمَّى ابنه إبراهيم ليلة وِلادِه. وثبت عنه أنه سمى الغلام الذي جاء به أنس وقت ولادته، فحنَّكه وسماه عبد الله (٢). وثبت في «الصحيحين» (٣) من حديث سهل بن سعد: أن النبي ﷺ سمّى المنذر بن [أبي] أُسَيد: «المنذر» حين ولد. وقد روى الترمذي (٤) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: «أن النبي ﷺ أمر بتسمية المولود يوم سابعه، ووَضْعِ الأذى عنه، والعقِّ». قال: «هذا حديث حسن غريب». والأحاديث التي ذكرناها أصح منه، فإنها متفق عليها كلها. ولا تعارض بينها، فالأمران جائزان.

стр. 918

وقوله: «ويُحلق رأسه» قد جاء هذا أيضًا في «مسند الإمام أحمد» (١): أن النبي ﷺ قال لفاطمة لما ولدت الحسن: «احْلقي رأسه، وتصدَّقي بزِنَةِ شعره فضةً على المساكين والأوفاض» يعني أهل الصفة. وروى سعيد بن منصور في «سننه» (٢): أن فاطمة ــ ﵍ ــ كانت إذا ولدت ولدًا حلقتْ شعره وتصدقت بوزنه وَرِقًا. ٣٠٣/ ٢٧٢١ - وعن سلمان بن عامر الضبِّي قال: قال رسول الله ﷺ : «مع الغلام عقيقتُه، فأهريقوا عنه دمًا وأميطوا عنه الأذى». وأخرجه البخاري موقوفًا، وأخرجه مسندًا تعليقًا، وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه (٣) مسندًا، وقال الترمذي: صحيح ٣٠٤/ ٢٧٢٢ - وعن الحسن ــ وهو البصري ــ أنه كان يقول: «إماطة الأذى حلق الرأس» (٤).

стр. 919

٣٠٥/ ٢٧٢٣ - وعن ابن عباس «أن رسول الله ﷺ عقَّ عن الحسن والحسين كَبْشًا كَبْشًا» (١). وأخرجه النسائي (٢). قال ابن القيم ﵀: احتج بهذا من يقول: الذكر والأنثى في العقيقة سواء لا يفضل أحدهما على الآخر، وأنها كبش كبش، كقول مالك وغيره (٣). واحتج الأكثرون بحديث أم كُرْزٍ المتقدم (٤). واحتجوا بحديث عائشة: أن رسول الله ﷺ أمرهم عن الغلام شاتان مكافأتان (٥)، وعن الجارية شاة.

стр. 920

رواه الترمذي (١)، وقال: حديث حسن صحيح. ورواه أحمد (٢) بهذا اللفظ، وله فيه لفظ آخر: «أمرنا رسول الله ﷺ أن نعقّ عن الجارية شاةً وعن الغلام شاتين». وهذا اللفظ لابن ماجه (٣) أيضًا. واحتجوا أيضًا بما رواه أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه ــ أُراه عن جده ــ وفيه: «ومن وُلد له فأحب أن يَنْسُك عنه فلينسك؛ عن الغلام شاتان مكافأتان، وعن الجارية شاة»، وسيأتي. قالوا: وأما قصة عَقِّه عن الحسن والحسين، فذلك يدل على الجواز، وما ذكرناه من الأحاديث صريح في الاستحباب. وقال آخرون: مولد الحسن والحسين كان قبل قصة أم كرز، فإن الحسن ولد عامَ أُحُد والحسين في العام القابل، وأما حديث أم كرز فكان سماعها له من النبي ﷺ عام الحديبية، ذكره النسائي (٤)، فهو متأخر عن قصة الحسن والحسين. قالوا: وأيضًا فإنا قد رأينا الشريعة (٥) على أن الأنثى على النصف من

стр. 921

الذكر في ميراثها وشهادتها ودِيَتها وعِتقها، كما روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي (١) وصححه من حديث أبي أمامة وغيره من أصحاب النبي ﷺ [عن النبي ﷺ ] (٢) قال: «أيما امرئ مسلم أعتق امرأً مسلمًا كان فِكاكَه من النار؛ يُجزَى بكل عضو منه عضوا منه. وأيما امرئ مسلم أعتق امرأتين مسلمتين كانتا فِكاكَه من النار؛ يُجزَى بكل عضوٍ منهما عضوًا منه» اللفظ للترمذي. فحكم العقيقة موافق لهذه الأحكام، كما أنه مقتضى النصوص. والله الموفق. ٣٠٦/ ٢٧٢٤ - وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه ــ أُراه عن جده ــ قال: سئل رسول الله ﷺ عن العقيقة؟ فقال: «لا يُحِبُّ الله العُقُوقَ» ــ كأنه كره الاسم ــ وقال: «ومَنْ وُلد له فأحبَّ أن يَنْسُكَ عنه فلينسك؛ عن الغلام شاتان مكافأتان، وعن الجارية شاة». وسئل عن الْفَرَع؟ قال: «والفَرَع حق، وأن تَتْرُكُوه حتى يكون بَكْرًا شُغْزُبًا ابنَ مخَاضٍ، أو ابنَ لَبون، فتُعطيَه أرْمَلةً أو تَحمِلَ عليه في سبيل الله= خَيْرٌ من أن تذبحه فيَلزَقَ لحمُه بِوَبَرِه، وتَكْفَأ إناءَك، وتُوَلِّهَ نَاقَتَك». وأخرجه النسائي (٣).

стр. 922

قال ابن القيم ﵀: وقال ابن عبد البر (١) في حديث مالك (٢) عن زيد بن أسلم، عن رجل من بني ضمرة، عن أبيه: أنه سأل رسول الله ﷺ عن العقيقة؟ فقال: «لا أحب العقوق»، وكأنه كره الاسم. قال أبو عمر: «ولا أعلم روي معنى هذا الحديث عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه، ومن حديث عمرو بن شعيب. وقد اختلف فيه على عمرو. أحسن [ق ١٥٨] أسانيده ما ذكره عبد الرزاق (٣) قال: حدثنا (٤) داود بن قيس قال: سمعت عمرو بن شعيب يحدث عن أبيه عن جده قال: سئل رسول الله ﷺ عن العقيقة؟ فذكره». وهذا سالم من العلّتين، أعني الشك في جَدِّه، ومِن ابن واقد (٥). [وقوله: «شُغزُبًا» بالشين والغين والزاي المعجمات، والباء الموحّدة من تحت، أي: غليظًا. ورواه أبو عبيد (٦): «زخزبًا» بالزاي والخاء. قال بعضهم: وهو الصواب، والرواية الأولى وهم. قال إبراهيم الحربي: والذي عندي أنه زخزبًا، وهو الذي اشتدَّ لحمُه وغلُظ] (٧).

стр. 923

٣٠٧/ ٢٧٢٥ - وعن بريدة ــ وهو ابن الحُصَيب ــ قال: كنا في الجاهلية إذا وُلِدَ لأحدنا غلامٌ ذبح شاةً، ولَطَخ رأسَه بدَمِها، فلما جاء الله بالإسلام كُنَّا نَذبَحُ شاةً، ونَحلِق رأسه، ونَلْطَخُه بزَعْفران (١). في إسناده علي بن حسين بن واقد، وفيه مقال (٢). قال ابن القيم ﵀: ولكن قد رواه البزار في «مسنده» (٣) من حديث عائشة بمثله، وقالت: فأمرهم النبي ﷺ أن يجعلوا مكان الدم خَلوقًا. وقد روى أبو أحمد بن عدي (٤) من حديث إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «الخلوق بمنزلة الدم» يعني في العقيقة. وإبراهيم هذا قال عبد الحق (٥):

стр. 924

لا أعلم أحدًا وثَّقه إلا أحمد بن حنبل، وأما الناس فضعفوه (١). ٧ - باب في الصيد ٣٠٨/ ٢٧٣٠ - وعن عامر ــ وهو الشعبي ــ عن عدي بن حاتم قال: سألت النبي ﷺ قلتُ: إنا نَصيدُ بهذه الكلاب، فقال لي: «إذا أرسلتَ كلابَك المعلَّمة وذكرتَ اسم الله عليها، فكُلْ ممَّا أمسَكن عليك وإن قَتَلَ، إلا أن يأكلَ الكلبُ، فإن أكل فلا تأكل فإني أخافُ أن يكون إنّما أمسَكَهُ على نفسه» (٢). وأخرجه البخاري ومسلم وابن ماجه (٣). ٣٠٩/ ٢٧٣٤ - وعن أبي ثعلبة ــ وهو الخشني ــ قال: قال رسول الله ﷺ في صيد الكلب: «إذا أرسلتَ كلبك وذكرت اسم الله، فكل وإن أكلَ منه، وكل ما رَدَّت يَدُك» (٤). في إسناده داود بن عمرو الأَوْدي الدمشقي عامل واسط. وثَّقه يحيى بن معين. وقال الإمام أحمد: حديثه مقارب. وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال ابن عدي: ولا أرى برواياته بأسًا. وقال أحمد بن عبد الله العِجْلي: ليس بالقوي. وقال

стр. 925

أبو حاتم الرازي: هو شيخ (١). قال ابن القيم ﵀: ويُروى مثل ذلك من حديث عبد الله بن عمرو، وسيأتي آخر الباب والكلام عليه (٢). وفي «مسند الإمام أحمد» (٣) من حديث إبراهيم عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أرسلتَ الكلب فأَكَل من الصيد فلا تأكل، فإنما أَمْسَك على نفسه، وإذا أرسلت فقتل ولم يأكل فكُلْ فإنما أمسك على صاحبه». فاختُلف في إباحة ما أكل منه الكلب من الصيد: فمنعه ابن عباس، وأبو هريرة، وعطاء، وطاوس، والشعبي، والنخعي، وعبيد بن عمير، وسعيد بن جبير، وأبو بردة، وسُوَيد بن غفَلة، وقتادة

стр. 926

وغيرهم (١). وهو قول إسحاق (٢) وأبي حنيفة وأصحابه (٣)، وهو أصح الروايتين عن أحمد وأشهرهما (٤)، وأحد قولي الشافعي (٥). وأباحه طائفة، يُروى ذلك عن سعد بن أبي وقاص وسلمان، ويروى عن أبي هريرة أيضًا، وعن ابن عمر، رواه أحمد عنهم (٦). وبه قال مالك (٧) والشافعي في القول الآخر، وأحمد في إحدى الروايتين عنه. واحتجوا بحديث أبي ثعلبة المتقدم وحديث عبد الله بن عمرو الذي ذكره أبو داود في آخر الباب. واحتجوا بما رواه عبد الملك بن حبيب (٨) عن أسد بن موسى ــ وهو

стр. 927

أسد السنة ــ عن ابن أبي زائدة، عن الشعبي، عن عدي بن حاتم عن النبي ﷺ ــ فذكر نحو حديث أبي ثعلبة في جواز الأكل منه إذا أكل. واحتجوا أيضًا بما رواه الثوري عن سماك عن مُرِّي بن قَطَري (١) عن عدي عن النبي ﷺ قال: «ما كان من كلب ضارٍ أمسك عليك فكل»، قلت: وإن أكل؟ قال: «نعم» (٢).

стр. 928

ذكر هذين الحديثين ابن حزم (١)، وتعلَّق على عبد الملك في الأول، وعلى أسد بن موسى. وتعلق في الثاني على سماك، وأنه كان يقبل التلقين ــ ذكره النسائي (٢) ــ، وعلى مُرِّي بن قَطَري. وقد تقدم تعليل حديث أبي ثعلبة بداود بن عمرو. وهو ليس بالحافظ، قال فيه ابن معين مرة: مستور (٣). قال أحمد (٤): يختلفون في حديث أبي ثعلبة على هُشَيم، وحديث الشعبي عن عدي مِن أصحِّ ما روي عن النبي ﷺ ، الشعبي يقول: كان جاري وربيطي فحدّثني (٥)، والعمل عليه. وسلكت طائفة مسلك الجمع بين الحديثين، فقال الخطابي (٦): يمكن

стр. 929

أن يوفق بين الحديثين [بأن يُجعل حديث أبي ثعلبة أصلًا في الإباحة، وأن يكون النهي في حديث عديِّ بن حاتم على معنى التنزيه دون التحريم. ويحتمل أن يكون الأصل في ذلك حديث عدي بن حاتم، ويكون النهي على التحريم الباتِّ، ويكون المراد بقوله: «وإن أكل» فيما مضى من الزمان وتقدّم منه، لا في هذه الحال. آخر كلامه]. والصواب في ذلك أنه لا تعارض بين الحديثين على تقدير الصحة، ومحمل حديث عدي في المنع على ما إذا أكل منه حال صيده، لأنه إنما صاده لنفسه، ومحمل حديث أبي ثعلبة على ما إذا أكل منه بعد أن صاده وقتَله ولَهِيَ عنه (١)، ثم أقبل عليه فأكل منه فإنه لا يَحْرُم، لأنه أمسكه لصاحبه، وأَكْلُه منه بعدَ ذلك كأكلِه من شاةٍ ذكّاها صاحبها أو من لحمٍ عنده. فالفرق بين أن يصطاد ليأكل، أو يصطاد ثم يعطف عليه فيأكل منه. فهذا أحسن ما يُجمع به بين الحديثين. والله تعالى أعلم. * * *

стр. 930

كتاب الوصايا ١ - باب متى ينقطع اليتم ٣١٠/ ٢٧٥٣ - عن علي بن أبي طالب قال: حفظت عن رسول الله ﷺ : «لا يُتْمَ بعد احتلامٍ، ولا صُماتَ يومٍ إلى الليل» (١). في إسناده يحيى بن محمد المدني الجاري. قال البخاري (٢): يتكلمون فيه. وقال ابن حبان (٣): يجب التنكب عما انفرد به من الروايات. وذكر العقيلي (٤) هذا الحديث، وذكر أن هذا الحديث لا يُتابَعُ عليه يحيى الجاري. هذا آخر كلامه. وهو منسوب إلى الجار بالجيم والراء المهملة: بُليدة على الساحل بقرب مدينة رسول الله ﷺ (٥). وقد رُوي هذا الحديث من رواية جابر بن عبد الله (٦) وأنس بن

стр. 931

مالك (١)، وليس فيها شيء يثبت. قال ابن القيم ﵀: وقال عبد الحق (٢): المحفوظ موقوف على علي. وقد روي من حديث جابر، ولكن في إسناده حرام بن عثمان. وقال ابن القطان (٣): علة حديث علي: أنه من رواية عبدالرحمن بن رُقَيش (٤)، ولا يعرف في رواة الأخبار. قال: «وعلته أيضًا أنه سمع شيوخًا من بني عمرو بن عوف، [ومن خاله] (٥) عبد الله بن أبي أحمد قال: قال علي.

стр. 932

فخالد بن سعيد وابنه عبد الله بن خالد مجهولان، ولم أجد لعبد الله ذكرًا إلا في رسم ابن له يقال له: إسماعيل بن عبد الله بن خالد بن سعيد بن أبي مريم، ذكره أيضًا أبو حاتم (١)، وهو مجهول الحال. فأما جده سعيد بن أبي مريم فثقة. ويحيى بن محمد المدني: إما مجهول، وإما ضعيف إن كان ابنَ هانئ». وهذا سهو، فإن يحيى هذا هو يحيى بن محمد بن قيس أبو زُكَير، روى له مسلم في «الصحيح» (٢). قال ابن القطان: «وعبد الله بن أبي أحمد بن جحش بن رئاب مجهول الحال أيضًا، وليس بوالد بكير بن عبد الله بن الأشج كما ظنه ابن أبي حاتم
следующие страницы →