← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 201

تهذيب سنن أبي داود - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 675 стр.). Показаны 928–967 · переход к 933.

стр. 928

ذكر هذين الحديثين ابن حزم (١)، وتعلَّق على عبد الملك في الأول، وعلى أسد بن موسى. وتعلق في الثاني على سماك، وأنه كان يقبل التلقين ــ ذكره النسائي (٢) ــ، وعلى مُرِّي بن قَطَري. وقد تقدم تعليل حديث أبي ثعلبة بداود بن عمرو. وهو ليس بالحافظ، قال فيه ابن معين مرة: مستور (٣). قال أحمد (٤): يختلفون في حديث أبي ثعلبة على هُشَيم، وحديث الشعبي عن عدي مِن أصحِّ ما روي عن النبي ﷺ ، الشعبي يقول: كان جاري وربيطي فحدّثني (٥)، والعمل عليه. وسلكت طائفة مسلك الجمع بين الحديثين، فقال الخطابي (٦): يمكن

стр. 929

أن يوفق بين الحديثين [بأن يُجعل حديث أبي ثعلبة أصلًا في الإباحة، وأن يكون النهي في حديث عديِّ بن حاتم على معنى التنزيه دون التحريم. ويحتمل أن يكون الأصل في ذلك حديث عدي بن حاتم، ويكون النهي على التحريم الباتِّ، ويكون المراد بقوله: «وإن أكل» فيما مضى من الزمان وتقدّم منه، لا في هذه الحال. آخر كلامه]. والصواب في ذلك أنه لا تعارض بين الحديثين على تقدير الصحة، ومحمل حديث عدي في المنع على ما إذا أكل منه حال صيده، لأنه إنما صاده لنفسه، ومحمل حديث أبي ثعلبة على ما إذا أكل منه بعد أن صاده وقتَله ولَهِيَ عنه (١)، ثم أقبل عليه فأكل منه فإنه لا يَحْرُم، لأنه أمسكه لصاحبه، وأَكْلُه منه بعدَ ذلك كأكلِه من شاةٍ ذكّاها صاحبها أو من لحمٍ عنده. فالفرق بين أن يصطاد ليأكل، أو يصطاد ثم يعطف عليه فيأكل منه. فهذا أحسن ما يُجمع به بين الحديثين. والله تعالى أعلم. * * *

стр. 930

كتاب الوصايا ١ - باب متى ينقطع اليتم ٣١٠/ ٢٧٥٣ - عن علي بن أبي طالب قال: حفظت عن رسول الله ﷺ : «لا يُتْمَ بعد احتلامٍ، ولا صُماتَ يومٍ إلى الليل» (١). في إسناده يحيى بن محمد المدني الجاري. قال البخاري (٢): يتكلمون فيه. وقال ابن حبان (٣): يجب التنكب عما انفرد به من الروايات. وذكر العقيلي (٤) هذا الحديث، وذكر أن هذا الحديث لا يُتابَعُ عليه يحيى الجاري. هذا آخر كلامه. وهو منسوب إلى الجار بالجيم والراء المهملة: بُليدة على الساحل بقرب مدينة رسول الله ﷺ (٥). وقد رُوي هذا الحديث من رواية جابر بن عبد الله (٦) وأنس بن

стр. 931

مالك (١)، وليس فيها شيء يثبت. قال ابن القيم ﵀: وقال عبد الحق (٢): المحفوظ موقوف على علي. وقد روي من حديث جابر، ولكن في إسناده حرام بن عثمان. وقال ابن القطان (٣): علة حديث علي: أنه من رواية عبدالرحمن بن رُقَيش (٤)، ولا يعرف في رواة الأخبار. قال: «وعلته أيضًا أنه سمع شيوخًا من بني عمرو بن عوف، [ومن خاله] (٥) عبد الله بن أبي أحمد قال: قال علي.

стр. 932

فخالد بن سعيد وابنه عبد الله بن خالد مجهولان، ولم أجد لعبد الله ذكرًا إلا في رسم ابن له يقال له: إسماعيل بن عبد الله بن خالد بن سعيد بن أبي مريم، ذكره أيضًا أبو حاتم (١)، وهو مجهول الحال. فأما جده سعيد بن أبي مريم فثقة. ويحيى بن محمد المدني: إما مجهول، وإما ضعيف إن كان ابنَ هانئ». وهذا سهو، فإن يحيى هذا هو يحيى بن محمد بن قيس أبو زُكَير، روى له مسلم في «الصحيح» (٢). قال ابن القطان: «وعبد الله بن أبي أحمد بن جحش بن رئاب مجهول الحال أيضًا، وليس بوالد بكير بن عبد الله بن الأشج كما ظنه ابن أبي حاتم

стр. 933

حين [ق ١٥٩] جمع بينهما (١)، والبخاري قد فصل بينهما، فجعل الذي يروي عن علي في ترجمة (٢)، والذي يروي عن ابن عباس ــ وهو والد بكير ــ في ترجمة أخرى (٣)، وأيهما كان فحاله مجهول أيضًا». * * *

стр. 934

كتاب الفرائض ١ - باب في ميراث ذوي الأرحام ٣١١/ ٢٧٧٩ - عن المقدام ــ وهو ابن معديْكَرب الكِنْدي ــ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَن تَرك كَلًّا فإليَّ ــ وربما قال: إلى الله وإلى رسوله ــ ومن ترك مالًا فلورثته، وأنا وارثُ مَن لا وارث له، أَعْقِلُ له وأرثه، والخال وارثُ مَن لا وَارث له، يَعْقِلُ عنه ويرثه». وأخرجه النسائي وابن ماجه (١). واختلف في هذا الحديث. فروي عن راشد بن سعد، عن أبي عامر الهَوْزني عن المقدام. وروي عن راشد بن سعد أن رسول الله ﷺ قال ــ مرسلًا (٢). وقال أبو بكر البيهقي (٣) في هذا الحديث: كان يحيى بن معين يضعفه، ويقول: ليس فيه حديث قوي. وقال أيضًا (٤): «وقد أجمعوا على أن الخال الذي لا يكون ابنَ عم أو مولى لا يَعْقِل بالخؤولة، فخالفوا الحديث الذي احتجوا به في العقل. فإن كان ثابتًا

стр. 935

فيشبه أن يكون في وقت كان يُعْقَل بالخؤولة، ثم صار الأمر إلى غير ذلك. أو أراد خالًا يعقل بأن يكون ابن عم أو مولًى، أو اختار وَضْع ماله فيه إذا لم يكن له وارث سواه. قال بعضهم: «الخال وراث من لا وارث له» يحتمل أن يكون على وجه السلب والنفي، كما قالوا: الصبر حيلةُ من لا حيلةَ له. ويحتمل أن يريد به: إذا كان عصبةً. ويحتمل أن يريد به السلطان، فإنه يُسمَّى خالًا (١). قال ابن القيم ﵀: فهذا ما رُدَّ به حديث الخال وهي بأسرها وجوه ضعيفة: أما قولهم: إن أحاديثه ضعاف، فكلام فيه إجمال، فإنْ أريد بها أنها ليست في درجة الصحاح التي لا علة فيها فصحيح، ولكن هذا لا يمنع الاحتجاج بها، ولا يوجب انحطاطها عن درجة الحسن، بل هذه الأحاديث وأمثالها هي الأحاديث الحسان، فإنها قد تعددت طرقها ورويت من وجوه مختلفة، وعُرفت مخارجها، ورواتها ليسوا بمجروحين ولا متّهمين. وقد أخرجها أبو حاتم بن حبان في «صحيحه» وحكم بصحتها. وليس في أحاديث الأصول ما يعارضها. وقد رويت من حديث المقدام بن معديكرب هذا، ومن حديث عمر بن الخطاب، ذكره الترمذي (٢) عن حكيم بن حكيم، عن أبي أمامة بن سهل بن

стр. 936

حنيف قال: كتب عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة: إن رسول الله ﷺ قال: «الله ورسوله مولى من لا مولى له، والخال وارث من لا وارث له». قال الترمذي: هذا حديث حسن، ورواه ابن حبان في «صحيحه». ولم يصنع من أعلّ هذا الحديث بحكيم بن حكيم، وأنه مجهول= شيئًا، فإنه قد روى عنه سهيل بن أبي صالح، وعبد الرحمن بن الحارث، وعثمان بن حكيم أخوه، ولم نَعلم أن أحدًا جرحه (١)، ومِثْلُ هذا ترتفع عنه الجهالة ويُحتَج بحديثه. ومن حديث عائشة، ذكره الترمذي (٢) أيضًا عن ابن جريج، عن عمرو بن مسلم، عن طاوس، عن عائشة ترفعه: «الخال وارث من لا وارث له». قال الترمذي: حسن غريب. قال: وإلى هذا الحديث ذهب أكثر أهل العلم في توريث ذوي الأرحام، وأما زيد بن ثابت فلم يورثهم. وقد أرسله بعضهم ولم يذكر فيه: عن عائشة (٣). تم كلامه. وهذا على طريقة منازعينا لا يضر الحديث شيئًا لوجهين: أحدهما: أنهم يحكمون بزيادة الثقة، والذي وَصَله ثقة وقد زاد، فيجب

стр. 937

عندهم قبول زيادته. الثاني: أنه مرسل قد عمل به أكثر أهل العلم كما قال الترمذي، ومثل هذا حجة عند من لا يرى المرسل حجة، كما نص عليه الشافعي (١). وأما حمل الحديث على الخال الذي هو عَصَبة، فباطل يُنزَّه كلام الرسول عن أن يحمل عليه، لِما يتضمنه من اللبس، فإنه إنما علق الميراث بكونه خالًا. فإذا كان سبب توريثه كونَه ابنَ عمٍّ أو مولى، فعدل عن هذا الوصف الموجِب للتوريث إلى وصفٍ لا يوجب التوريث، وعلق به الحكم= فهذا ضد البيان، وكلامُ الرسول ﷺ منزه عن ذلك. وأما قوله: قد أجمعوا أن الخال الذي لا يكون ابنَ عم أو مولى لا يعقل بالخؤولة، فلا إجماع في ذلك أصلًا، وأين الإجماع؟ ثم لو قدر أن الإجماع انعقد على خلافه في التعاقل، فلم ينعقد على عدم توريثه، بل جمهور العلماء يورِّثونه، وهو قول أكثر الصحابة، فكيف يُترك القول بتوريثه لأجل القول بعدم تحمُّله في العاقلة؟ وهذا حديث المسح على الجوربين والخمار (٢)، والمسح على العصائب والتساخين (٣)، والمسح على الناصية

стр. 938

والعمامة (١) = قد أخذوا منه ببعضه دون بعض. وكذلك حديث بُصْرَة بن أبي بُصْرة في الذي تزوج امرأة فوجدها حبلى (٢) أخذوا ببعضه دون بعض. وهذا موجود في غير حديث. وقوله: لو كان ثابتًا يكون في وقت كان الخال يعقل بالخؤولة، فهو إشارة إلى النسخ الذي لا يمكن إثباته إلا بعد أمرين، أحدهما: ثبوت معارضة المقاوِم له، والثاني: تأخره عنه، ولا سبيل هنا إلى واحد من الأمرين. وقوله: اختار وضع ماله فيه ــ يعني على سبيل الطُّعْمة لا الميراث ــ، فباطل لثلاثة أوجه: أحدها: أن لفظ الحديث يبطله فإنه قال: «يرث ماله»، وفي لفظ «يرثه».

стр. 939

الثاني: أنه سماه وارثًا، والأصل في التسمية الحقيقة، فلا يُعدَل عنها إلا بعد أمور أربعة: أحدها: قيام دليل على امتناع إرادتها. الثاني: بيان احتمال اللفظ للمعنى الذي عَيَّنه مجازًا له، ولا يكفي ذلك إلا بالثالث، وهو: بيان استعماله فيه لغةً، حتى لا يكون لنا وضع نحمل عليه لفظ النص. وكثير من الناس يغفل عن هذه الثلاثة، ويقول: يُحمل على كذا وكذا، وهذا غلط، فإن الحمل ليس بإنشاء، وإنما هو إخبار عن استعمال اللفظ في ذلك المعنى الذي حمله عليه، وإن لم يكن مطابِقًا كان خبرًا كاذبًا. وإن أراد به أني أنشئ حمله على هذا المعنى، كما يظن كثير ممن لا تحقيق عنده، فهو باطل قطعًا لا يَحِلُّ لأحد أن يرتكبه ثم يحمل كلام الشارع عليه. الرابع: الجواب عن المعارِض، وهو دليل إرادة الحقيقة، ولا يكفيه دليل امتناع إرادتها ما لم يُجِبْ عن دليل الإرادة. الثالث (١): أن المخاطبين بهذا اللفظ فهموا منه الميراث دون غيره، وهم الصحابة [ق ١٦٠]﵃، ولهذا كتب به عمر ﵁ جوابًا لأبي عبيدة حين سأله في كتابه عن ميراث الخال، وهم أحق الخلق بالإصابة في الفهم. وقد عُلِم بهذا بطلان حمل الحديث على أن الخال السلطان، وعلى أن

стр. 940

المراد به السَّلْب. وكل هذه وجوه باطلة. وأسعد الناس بهذه الأحاديث من ذهب إليها، وبالله التوفيق. ٢ - باب ميراث ابن الملاعَنة ٣١٢/ ٢٧٨٦ - عن واثلة بن الأسقع، عن النبي ﷺ قال: «المرأة تَحُوزُ ثلاثةَ مواريث: عَتِيقَها، ولَقِيطَها، وولدَها الذي لاعَنَتْ عنه». وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه (١)، وقال الترمذي: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث محمد بن حرب. هذا آخر كلامه. وفي إسناده عمر بن رُؤبة التَّغلِبي، قال البخاري: فيه نظر. وسئل عنه أبو حاتم الرازي، فقال: صالح الحديث، قيل: تقوم به الحجة؟ فقال: لا، ولكن صالح (٢). وقال الخطابي (٣): وهذا الحديث غير ثابت عند أهل النقل. وقال البيهقي (٤): لم يُثبت البخاري ولا مسلم هذا الحديث لجهالة بعض رواته. قال ابن القيم ﵀: وأُعِلَّ أيضًا بعبد الواحد بن عبد الله بن بسر

стр. 941

النَّصْري، راويه عن واثلة، قال ابن أبي حاتم (١): صالح لا يحتج به (٢). وقد اشتمل على ثلاث جمل: ميراث المرأة عتيقَها، وهو متفق عليه. الثانية: ميراثها ولدَها الذي لاعنت عليه، وقد اختُلف فيه؛ فكان زيد بن ثابت يجعل ميراثها منه كميراثها من الولد الذي لم تلاعن عليه، وروي عن ابن عباس نحوه (٣). وهو قول جماعة من التابعين (٤). وهو قول مالك والشافعي وأبي حنيفة وأصحابهم (٥)، وعندهم لا تأثير لانقطاع نسبه من أبيه في ميراث الأم منه. وكان الحسن وابن سيرين وجابر بن زيد وعطاء والنخعي والحكم وحماد والثوري والحسن بن صالح وغيرهم يجعلون عصبةَ أمِّه عصبةً

стр. 942

له (١). وهذا مذهب أحمد في إحدى الروايتين عنه (٢). وهو إحدى الروايتين عن علي وابن عباس (٣). وكان ابن مسعود، وعلي في الرواية الأخرى عنه (٤) يجعلون أمه نفسها عصبة، وهي قائمة مقام أمه وأبيه، فإن عدمت فعصبتها عصبته. وهذا هو الرواية الأخرى (٥) عن أحمد نقلها عنه أبو الحارث ومهنا، ونقل الأولى الأثرم وحنبل، وهو مذهب مكحول والشعبي (٦). وأصح هذه الأقوال: أن أمَّه نفسها عَصَبتُه (٧)، وعصباتها (٨) من بعدها عصبةٌ له. هذا مقتضى الآثار والقياس.

стр. 943

أما الآثار، فمنها حديث واثلة هذا. ومنها ما ذكره أبو داود (١) في الباب عن مكحول [الشامي قال: «جعل رسول الله ﷺ ميراث ابنِ الملاعنة لأمِّه ولورثتها من بعدها». وهذا مرسل يتأيّد بالمسند] (٢). ومنها ما رواه أيضًا (٣) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ مثله. ومنها ما رواه أبو داود أيضًا عن عبد الله بن عبيدٍ عن رجل من أهل الشام: أن رسول الله ﷺ قال لولد الملاعنة: «عصبته عصبة أمه» ذكره في «المراسيل» (٤). وفي لفظ له (٥) عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: كتبتُ إلى صديق لي

стр. 944

من أهل المدينة من بني زُرَيق أسأله عن ولد الملاعنة، لمن قضى به رسول الله ﷺ ؟ فكتب إليّ: إني سألتُ فأُخبِرت أنه قضى به لأمه، هي (١) بمنزلة أبيه وأمه. وهذه آثار يشدُّ بعضها بعضًا. وقد قال الشافعي (٢): «إن المرسل إذا روي من وجهين مختلفين أو روي مسندًا، أو اعتضد بعمل بعض الصحابة فهو حجة». وهذا قد روي من وجوهٍ متعددة، وعمل به من ذكرنا من الصحابة. والقياس معه، فإنها لو كانت معتَقةً كان عصبتها من الولاء عصبةً لأولادها يرثونهم بتعصيب الولاء، والولاء فرع النسب، فكيف يكون عصبتها من الولاء عصبةً (٣) لولدها ولا يكون عصبتها من النسب عصبةً لهم؟! ومعلوم أن تعصيب الولاء الثابتَ لغير المباشِر بالعتق فرعٌ على ثبوت تعصيب النسب، فكيف يثبت الفرع مع انتفاء أصله؟! وأيضًا: فإن الولاء في الأصل لموالي الأب، فإذا انقطع من جهتهم رجع إلى موالي الأم، فإذا عاد من جهة الأب انتقل من موالي الأم إلى موالي الأب. وهكذا النسب: هو في الأصل للأب وعصباته، فإذا انقطع من جهته باللعان عاد إلى الأم وعصباتها، فإذا عاد إلى الأب باعترافه بالولد وإكذابه نفسَه رجع النسب إليه كالولاء سواء، بل النسب هو الأصل في ذلك والولاءُ

стр. 945

مُلحَق به. وهذا من أوضح القياس وأبينه، وأَدَلِّه على دقَّة أفهام الصحابة وبُعدِ غَورهم في فهم (١) مآخذ الأحكام. وقد أشار إلى هذا في قوله في الحديث: «هي بمنزلة أمه وأبيه». حتى لو لم ترد هذه الآثار لكان هذا محضَ القياس الصحيح. وإذا ثبت أن عصبة أمه عصبة له، فهي أولى أن تكون عصبتَه، لأنهم فرعها وهم إنما صاروا عصبةً له بواسطتها، ومن جهتها استفادوا تعصيبهم، فأن تكون هي نفسها عصبةً أولى وأحرى. فإن قيل: لو كانت أمه بمنزلة أمه وأبيه لحجبت إخوتَه ولم يرثوا معها شيئًا، وأيضًا: فإنهم إنما يرثون منه بالفرض، فكيف يكونون عصبةً له؟ فالجواب: أنها إنما لم تحجب إخوته من حيث إن تعصيبها مفرَّع على انقطاع تعصيبه من جهة الأب، كما أن تعصيب الولاء مفرَّع على انقطاع التعصيب من جهة النسب، فكما لا يحجب عصبةُ الولاء أحدًا من أهل النسب، كذلك لا تحجب الأم الإخوة لضعف تعصيبها وكونِه إنما صار إليها ضرورةَ تعذُّرِه من جهة أصله، وهو بِعُرْض الزوال، بأن يُقرّ به الملاعن فيزول. وأيضًا: فإن الإخوة استفادوا من جهتها أمرين: أخوة ولد الملاعنة وتعصيبه، فهم يرثون أخاهم معها بالأُخوَّة لا بالتعصيب، وتعصيبها إنما يدفع تعصيبهم لا أُخوَّتهم، ولهذا وَرِثوا معها بالفرض لا بالتعصيب، وبالله

стр. 946

التوفيق. الجملة الثالثة في حديث واثلة: «ميراث اللقيط» . وهذا قد اختلف فيه، فذهب الجمهور إلى أنه لا توارث بينه [ق ١٦١] وبين ملتقطه بذلك. وذهب إسحاق بن راهويه إلى أن ميراثه لملتقطه عند عدم نسبه (١)، لظاهر حديث واثلة. وإن صح الحديث فالقول ما قال إسحاق، لأن إنعام الملتقط على اللقيط بتربيته والقيام عليه والإحسان إليه، ليس بدون إنعام المُعتِق على العبد بعتقه. فإذا كان الإنعام بالعتق سببًا لميراث المعتق، مع أنه لا نسب بينهما، فكيف يستبعد أن يكون الإنعام بالالتقاط سببًا له مع أنه قد يكون أعظم موقعًا وأتم نعمةً؟ وأيضًا فقد ساوى هذا الملتقط المسلمين في مال اللقيط، وامتاز عنهم بتربية اللقيط والقيام بمصالحه وإحيائه من الهلكة، فمِن محاسن الشرع ومصلحته وحكمته: أن يكون أحقَّ بميراثه. وإذا تدبَّرتَ هذا وجدته أصحَّ من كثير من القياسات التي يبنون عليها الأحكام، والعقولُ أشدُّ قبولًا له. فقول إسحاق في هذه المسألة في غاية القوة، والنبي ﷺ كان يدفع الميراث بدون هذا، كما دفعه إلى العتيق مرة (٢)،

стр. 947

وإلى الكُبْر من خُزاعة مرة (١)، وإلى أهل سِكَّة الميت ودَرْبه مرة (٢)، وإلى من أسلم على يديه مرة (٣). ولم يُعرَف عنه ﷺ شيء يَنسخ ذلك، ولكن الذي استقر عليه شرعُه تقديمُ النسب على هذه الأمور كلها، وأما نسخُها عند عدم النسب فممّا لا سبيل إلى إثباته أصلًا، وبالله التوفيق. ٣ - باب فيمن أسلم على ميراث ٣١٣/ ٢٧٩٤ - عن ابن عباس، قال: قال النبي ﷺ : «كلُّ قَسْمٍ قُسِمَ في الجاهلية فهو على مَا قُسِم، وكل قَسْم أدركه الإسلامُ فإنه على قَسْم الإسلام». وأخرجه ابن ماجه (٤).

стр. 948

وفيه دليل على أن أحكام الأموال والأنساب والأنكحة التي كانت في الجاهلية ماضية على ما وقع الحكم فيها أيام الجاهلية، لا يُردّ منها شيء في الإسلام، وما وُجِدَ من هذه الأمور في الإسلام يُستأنف فيه حكمه (١). قال ابن القيم ﵀: وقد دل على هذا قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٨]، فأمرهم بترك ما لم يُقبَض من الربا، ولم يتعرَّض لما قبضوه، بل أمضاه لهم. وكذلك الأنكحة لم يتعرض فيها لما مضى، ولا لكيفية عقدها، بل أمضاها وأبطل منها ما كان موجب إبطاله قائمًا في الإسلام، كنكاح الأختين والزائد على الأربع، فهو نظير الباقي من الربا. وكذلك الأموال: لم يسأل النبي ﷺ أحدًا بعد إسلامه عن ماله ووَجْه أخذه، ولا تعرَّض لذلك. وكذلك الأنساب كما تقدم في المستلحق في بابه (٢). وهذا أصل من أصول الشريعة ينبني عليه أحكام كثيرة. وأما الرجل يسلم على الميراث قبل أن يُقْسَم، فروي عن عمر بن الخطاب، وعثمان، وعبد الله بن مسعود، والحسن بن علي: أنه يرث (٣).

стр. 949

وقال به جابر بن زيد، والحسن، ومكحول، وقتادة، وحميد، وإياس بن معاوية، وإسحاق بن راهويه (١)، والإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه، اختارها أكثر أصحابه (٢). وذهب عامة الفقهاء إلى أنه لا يرث، كما لو أسلم بعد القسمة، وهذا مذهب الثلاثة. وذكر ابن عبد البر في «التمهيد» (٣): أن عمر قضى أن من أسلم على ميراث قبل أن يقسم فله نصيبه، وقضى به عثمان. واحتُجَّ لهذا القول الأول بما روى سعيد بن منصور في «سننه» (٤) عن عروة عن النبي ﷺ أنه قال: «من أسلم على شيء فهو له». ورواه أيضًا (٥) عن ابن أبي مليكة عن النبي ﷺ . واحتجوا أيضًا بحديث أبي داود هذا.

стр. 950

واحتجوا بأنه قضاء انتشر في الصحابة من عمر وعثمان، ولم يعلم لهما مخالف (١). وفيه نظر، فإن المشهور عن علي أنه لا يرث (٢). واحتجوا أيضًا بأن التركة إنما يتحقّق انتقالُها إليهم بقسمتها وحَوزها، واختصاصِ كل من الوارثين بنصيبه، وما قبل ذلك فهي بمنزلة ما قبل الموت. والتحقيق: أنها بمنزلة ما قبل الموت من وجه، وبمنزلة ما بعد القسمة من وجه، فإنهم ملكوها بالموت ملْكا قهريًّا ونماؤها لهم، وابتدأ حولُ الزكاة من حين الموت، ولكن هي قبل القسمة كالباقي على ملك الموروث، ولو نَمَتْ لضوعف منها وصاياه، وقُضِيت منها ديونه، فهي في حكم الباقي على ملكه من بعض الوجوه. ولو تجدد للميت صَيد بعد موته بأن يقع في شبكةٍ نصبها قبل موته ثبت ملكه عليه. ولو وقع إنسان في بئر حفرها لتعلَّق ضمانُه بتركته بعد موته. فإذا قُسِمت التركة وتعيَّن حقُّ كل وارثٍ انقطعت علاقة الميت عنها، والله أعلم. ٤ - باب الولاء ٣١٤/ ٢٧٩٧ - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن رِيابَ بن حُذيفة تزوج امرأة فولدتْ له ثلاثة غِلْمةٍ، فماتت أمُّهم، فوَرِثوها رِباعَها وولاءَ مواليها، وكان عمرو بن العاص عَصَبَةَ بَنِيها فأخرجهم إلى الشام فماتوا، فقَدِم عمرو بن العاص، ومات مَوْلًى لها وترك مالاً، فخاصمه إخوتها إلى عمر بن الخطاب، فقال عمر: قال رسول الله ﷺ : «ما أحْرَزَ الولدُ أو الوالدُ فهو لِعَصَبتِه مَن

стр. 951

كان». قال: فكتب له كتابًا فيه شهادة عبد الرحمن بن عوف، وزيد بن ثابت، ورجلٍ آخر، فلما استُخْلِف عبد الملك اختصموا إلى هشام بن إسماعيل، أو إلى إسماعيل بن هشام، فرفعهم إلى عبد الملك فقال: هذا من القضاء الذي ما كنتُ أَراه (١)، قال: فقضى لنا بكتاب عمر بن الخطاب، فنحن فيه إلى الساعة. وأخرجه النسائي وابن ماجه (٢). وأخرجه النسائي (٣) أيضًا مرسلًا. وقد تقدم الكلام على اختلاف الأئمة في الاحتجاج بعمرو بن شعيب (٤). قال ابن القيم ﵀: وقال ابن عبد البر (٥): «هذا حديث حسن صحيح غريب ... ». وذكر توثيق الناس لعمرو بن شعيب، وأنه إنما أُنكِر من حديثه وضُعِّف ما كان عن قومٍ ضعفاء عنه، وهذا الحديث قد رواه أبو بكر بن أبي شيبة (٦)، نا أبو أسامة، عن حسين المعلم عن عمرو، فذكره.

стр. 952

٥ - باب من أسلم على يدي رجل ٣١٥/ ٢٧٩٨ - عن تميم الداري أنه قال: يا رسول الله ــ وقال يزيد، وهو ابن خالد: إن تميمًا قال: يا رسول الله ــ ما السُّنة في الرجل يُسْلِم على يدي الرجل من المسلمين؟ قال: «هو أَولى الناس بمَحْيَاه ومَماتِه». وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه (١). وقال الترمذي: لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن وهب ــ ويقال: ابن مَوهَب ــ عن تميم الداري. وقد أدخل بعضهم بين عبد الله بن مَوهَب وبين تميم الداري قَبِيصةَ بن ذُؤيب. وهو عندي ليس بمتصل. هذا آخر كلامه. وقال الشافعي (٢) في هذا الحديث: إنه ليس بثابت، إنما يرويه عبد العزيز بن عمر عن ابن موهَب عن تميم الداري. وابن موهب ليس بالمعروف عندنا، ولا نعلمه لقي تميمًا. ومثل هذا لا يثبت عندنا ولا عندك، من قِبَل أنه مجهول، ولا أعلمه متصلًا. وقال الخطابي (٣): وضعَّف أحمد بن حنبل حديث تميم الداري هذا، وقال: عبد العزيز ــ راويه ــ ليس من أهل الحفظ والإتقان. وقال البخاري في «الصحيح» (٤): واختلفوا في صحة هذا الخبر.

стр. 953

وقال ابن المنذر (١): لم يروه غير عبد العزيز بن عمر. وهو شيخ ليس من أهل الحفظ، وقد اضطربت روايته له. هذا آخر كلامه. وقال أبو مسهر (٢): عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز ضعيف الحديث. قلت: وقد احتج البخاري في «صحيحه» بحديث عبد العزيز هذا، وأخرج له عن نافع مولى ابن عمر حديثًا واحدًا (٣). وذكر الحاكم أبو عبد الله النيسابوري وأبو الحسن الدارقطني: أن البخاري ومسلمًا أخرجا له (٤). وقال يحيى بن معين: عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز: ثقة. وقال أيضًا: روى شيئًا يسيرًا. وقال أبو زرعة الرازي: لا بأس به. وقال أبو نعيم: ثقة. وقال ابن عمار: ثقة، ليس بين الناس فيه اختلاف (٥). هكذا قال، وقد ذكرنا الخلاف فيه. قال ابن القيم ﵀: والذين ردوا هذا الحديث منهم من ردَّه لِضَعفه، ومنهم من رده لكونه منسوخًا، ومنهم من قال: لا دلالة فيه على [ق ١٦٢] الميراث، بل لو صح كان معناه: هو أحق به، يواليه وينصره، ويبَرُّه ويَصِله، ويرعى ذِمامه، ويغسله ويصلي عليه ويدفنه، فهذه أولويَّته به، لا أنها أولويته بميراثه، وهذا التأويل (٦). وقال بهذا الحديث آخرون، منهم: إسحاق بن راهويه (٧)، وأحمد بن

стр. 954

حنبل في إحدى الروايتين عنه (١)، وطاوس، وربيعة، والليث (٢). وهو قول عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز (٣). وفيها مذهب ثالث: أنه إن عقل عنه ورثه وإن لم يعقل عنه لم يرثه، وهو مذهب سعيد بن المسيب (٤). وفيها مذهب رابع: أنه إن أسلم على يديه ووالاه فإنه يرثه ويعقل عنه، وله أن يتحوّل عنه إلى غيره ما لم يعقل عنه، فإذا عقل عنه لم يكن له أن يتحول عنه إلى غيره. وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد (٥). وفيها مذهب خامس: أن هذا الحكم ثابت فيمن كان من أهل الحرب دون الذمة، وهو مذهب يحيى بن سعيد (٦). فلا إجماع في المسألة مع [مخالفة] (٧) هؤلاء الأعلام. وأما تضعيف الحديث، فقد رويت له شواهد:

стр. 955

منها: حديث أبي أمامة (١). وأمّا رده بجعفر بن الزبير، فقد رواه سعيد بن منصور (٢): نا عيسى بن يونس، نا معاوية بن يحيى الصَّدَفي، عن القاسم عن أبي أمامة مرفوعًا. ورواه أيضًا (٣) من حديث راشد بن سعد (٤) عن النبي ﷺ مرسلًا. وحديث تميم وإن لم يكن في رتبة الصحيح، فلا ينحطّ عن أدنى درجات الحسن، وقد عضده المرسل، وقضاءُ عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز. وآية الفرائض إنما (٥) تقتضي تقديم الأقارب عليه، ولا تدل على عدم توريثه إذا لم يكن له نسب، والله أعلم.

стр. 956

٦ - باب في المولود يستهل [ثم يموت] ٣١٦/ ٢٨٠٠ - عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «إذا استهلَّ المولودُ ورث» (١). في إسناده محمد بن إسحاق، وقد تقدم الكلام عليه. وقوله: «استهل» معناه: رفع صوتَه بأن يصرخ أو يبكي، وكلُّ من رفع صوتَه بشيء فقد استهلّ به. ومعنى الاستهلال هاهنا أن يُوجد مع المولود أمارة الحياة. ولو لم يتّفق أن يكون منه الاستهلال، وكان منه حركة أو عطاس أو تنفُّس أو بعضُ ما لا يكون ذلك إلا من حيّ= فإنه يُورَّث لوجود ما فيه من دلالة الحياة. وإلى هذا ذهب الثوري والأوزاعي والشافعي. وقال مالك: لا ميراث له وإن تحرّك أو عطس، ما لم يستهلّ. وروي عن محمد بن سيرين والشعبي والزهري وقتادة أنهم قالوا: «لا يورَّث المولود حتى يستهلّ» (٢). قال ابن القيم ﵀: وروى النسائي (٣) من حديث أبي الزبير عن جابر

стр. 957

عن النبي ﷺ قال: «الصبي إذا استهلَّ وَرِث وصُلِّي عليه». ورواه الترمذي (١)، وقال: «هذا حديث قد روي موقوفًا على جابر، وكأنّ الموقوف أصح»، ولفظه (٢): «الطفل لا يُصلَّى عليه، ولا يَرِث ولا يُورَث حتى يستهل». وفي «مسند البزار» (٣) من حديث ابن عمر يرفعه: «استهلال الصبي العُطاس». فيه ابن البَيْلَماني عن أبيه (٤). ٧ - باب في الحِلْفِ ٣١٧/ ٢٨٠٥ - عن جُبير بن مُطْعِم قال: قال رسول الله ﷺ : «لا حِلْفَ في الإسلام، وَأَيُّما حِلْفٍ كان في الجاهلية لم يَزِده الإسلامُ إلَّا شدَّةً». وأخرجه مسلم (٥). ٣١٨/ ٢٨٠٦ - وعن أنس بن مالك قال: حالف رسول الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار في دارنا، فقيل له: أليس قال رسول الله ﷺ : «لا حلف في الإسلام»، فقال: «حالف رسول الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار في دارنا، مرَّتين

стр. 958

أو ثلاثا. وأخرجه البخاري ومسلم (١) بنحوه. قال سفيان بن عيينة (٢): معنى «حالف» آخى، ولا حِلف في الإسلام كما جاء به الحديث. وقال غيره: أصل الحِلف المعاقدةُ والمعاهدة على التعاضد والتساعد والاتفاق، وهو من الحلف التي هي اليمين، فما كان منه في الجاهلية على القتال بين القبائل والغارات فذلك الذي ورد النهي عنه في الإسلام بقوله ﵇: «لا حِلف في الإسلام»، وما كان منه في الجاهلية على نصر المظلوم وصِلة الأرحام كحِلف المطيبين (٣) وما جرى مجراه، فذلك الذي قال فيه ﷺ : «وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزِده الإسلام إلا شِدَّةً»، يريد من المعاقدة على الخير ونصرة الحق. فبذلك يُجمَع الحديثان. وقيل: المُحالفة كانت قبل الفتح، وقوله: «لا حلف في الإسلام» قاله زمنَ الفتح فكان ناسخًا (٤). قال ابن القيم ﵀: فالظاهر ــ والله أعلم ــ أن المراد بالحديث: أن الله

стр. 959

تعالى قد ألَّف بين المسلمين بالإسلام، وجعلهم به إخوةً متناصرين متعاضدين يدًا (١) واحدة بمنزلة الجسد الواحد، فقد أغناهم بالإسلام عن الحلف. بل الذي توجبه أخوّةُ الإسلام لبعضهم على بعضٍ أعظمُ مما يقتضيه الحلف. فالحلف إن اقتضى شيئًا يخالف الإسلام فهو باطل، وإن اقتضى ما يقتضيه الإسلام فلا تأثير له، فلا فائدة فيه. وإذا كان قد وقع في الجاهلية ثم جاء الإسلام بمقتضاه لم يزده إلا شدةً وتأكيدًا. وأما قول النبي ﷺ : «شهدت حِلْفًا في الجاهلية ما أحب أن لي به حُمْرَ النَّعَم، لو دُعِيتُ إلى مثله في الإسلام لأجبت» (٢)، فهذا ــ والله أعلم ــ هو حلف المُطيَّبين (٣)، حيث تحالفت قريش على نصر المظلوم، وكفِّ الظالم

стр. 960

ونحوه، فهذا إذا وقع في الإسلام كان تأكيدًا لموجَب الإسلام وتقوية. وأما الحلف الذي أبطله فهو تحالف القبائل بأن يقوم بعضها مع بعض وينصره، ويحارب من حاربه، ويسالم من سالمه. فهذا لا يُعقَد في الإسلام. وما كان منه قد وقع في الجاهلية، فإن الإسلام يؤكده ويشده، إذْ صار موجَبُه في الإسلام التناصرَ والتعاضدَ والتساعد على إعلاء كلمة الله تعالى وجهاد أعدائه، وتألّف (١) الكلمة، وجمع الشمل. ٣١٩/ ٢٨٠٦ - وعن أنس بن مالك قال: حالَف رسولُ الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار في دارِنا، فقيل له: أليس قال رسول الله ﷺ : «لا حِلْفَ في الإسلام؟»، فقال: حالفَ رسول الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار في دارنا ــ مرتين أو ثلاثًا ــ. وأخرجه البخاري ومسلم (٢) بنحوه. قال ابن القيم ﵀: وقد تبين أن الحِلف الذي نفاه رسول الله ﷺ ليس

стр. 961

هو الحلفَ والإخاء الذي عقده بين المهاجرين والأنصار، ويشبه أن يكون أنس فَهِم من السائل له: أن النهي عن الحلف متناول لمثل ما عقده النبي ﷺ ، فرد عليه أنس بحلف النبي ﷺ بين أصحابه في دارهم، والله أعلم. * * *

стр. 962

كتاب الخراج والإمارة ١ - باب في اتخاذ الكاتب ٣٢٠/ ٢٨١٦ - عن ابن عباس قال: السِّجِلُّ كاتِبٌ كان للنبي ﷺ (١). قال ابن القيم ﵀: سمعت شيخنا أبا العباس ابن تيمية يقول: هذا الحديث موضوع، ولا يُعرف لرسول الله ﷺ كاتب اسمه «السجل» قطّ. وليس في الصحابة من اسمه السجل، وكُتَّاب النبي ﷺ معروفون لم يكن فيهم من يُقال له: السجل. قال: والآية مكية (٢)، ولم يكن لرسول الله ﷺ كاتب بمكة. والسجل هو الكتاب المكتوب، واللام في قوله ﴿لِلكِتَاب﴾ بمعنى «على»، والمعنى: نطوي السماء كطي السجل على ما فيه من الكتاب، كقوله: ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾

стр. 963

[الصافات:١٠٣]، وقولِ الشاعر (١): فخرَّ صريعًا لليدين وللفم أي على اليدين وعلى الفم، والله أعلم. ٢ - باب في حكم أرض اليمن ٣٢١/ ٢٩٠٩ - عن أبيض بن حَمَّال: أنه كلّم رسول الله ﷺ في الصدقة، حين وَفَد عليه، فقال: «يا أخا سَبأ، لا بُدَّ من صَدَقةٍ». فقال: إنما زرْعُنا القطن يا رسول الله، وقد تبدَّدتْ سبأ، ولم يبقَ منهم إلا قليل بمأربَ، فصالح نبيَّ الله ﷺ على سبعين حُلَّةً من قيمة وَفاءِ بَزِّ المعافر كلَّ سنة عمّن بقي من سَبأٍ بمأربَ، فلم يزالوا يؤدُّونها حتى قُبض رسول الله ﷺ ، وإن العمال انتقضوا عليهم بعد قبض رسول الله ﷺ فيما صالح أبيضُ بن حَمَّال رسولَ الله ﷺ في الحُلل السبعين، فردَّ ذلك أبو بكر على ما وَضَعه رسول الله ﷺ ، حتى ماتَ أبو بكر، فلما مات أبو بكر ﵁ انتقض ذلك وصارت على الصدقة» (٢). قال ابن القيم ﵀: قال عبد الحق (٣): «لا يحتج بإسناد هذا الحديث فيما أعلم، لأن [ق ١٦٢] سعيدًا لم يروِ عنه فيما أدري إلا ثابت، وثابت مثله في الضعف»، يعني هذا الحديث من رواية ثابت بن سعيد بن أبيض بن حمال، عن أبيه، عن جده.

стр. 964

٣ - باب إخراج اليهود من جزيرة العرب ٣٢٢/ ٢٩١٢ - وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تكون قِبْلَتان في بلدٍ واحدٍ». وأخرجه الترمذي (١)، وقال: إنه روي مرسلًا (٢). قال ابن القيم ﵀: هو (٣) من رواية قابوس بن أبي ظبيان [عن أبيه] (٤) عن ابن عباس. وثّقه ابن معين مرة وضعّفه مرة، وضعفه غيره، وحدث عنه يحيى بن سعيد (٥). ٤ - باب تعشير أهل الذمة ٣٢٣/ ٢٩٢٤ - عن حرب بن عبيد الله، عن جَدِّه أبي أُمِّه، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : «إنَّما العُشُور على اليهود والنَّصارى، وليس على المسلمين عُشُور» (٦).

стр. 965

قال ابن القيم ﵀: وقال عبد الحق (١): في إسناده اختلاف، ولا أعلمه من طريق يُحتجّ به. * * *

стр. 966

كتاب الجنائز ١ - باب في العيادة ٣٢٤/ ٢٩٦٧ - وعن أسامة بن زيد قال: خرج رسول الله ﷺ يعود عبد الله بن أُبي في مرضه الذي مات فيه، فلما دخل عليه عَرَفَ فيه الموت. فقال: «قد كنتُ أَنهاك عن حُبِّ يهود». قال: قد أبغَضَهم أسعدُ بن زُرارةَ، فَمَهْ؟ فلما مات أتاه ابنُه فقال: يا رسول الله، إنَّ عبد الله بن أُبيّ قد مات، فأعْطِني قميصك أُكَفِّنْه فيه، فنزع رسول الله ﷺ قميصه فأعطاه إياه (١). قد أخرج البخاري ومسلم في «صحيحيهما» (٢) من حديث عبد الله بن عمر: أن ابنه عبد الله جاء إلى رسول الله ﷺ فسأله أن يعطيه قميصه يكفّن فيه أباه، فأعطاه. وأخرج البخاري ومسلم في «صحيحيهما» (٣) من حديث جابر بن عبد الله قال: أتى النبيُّ ﷺ قبرَ عبد الله بن أُبيّ فأخرجه من قبره، فوضعه على ركبتيه ونفث عليه من ريقه، وألبسه قميصه». والله أعلم. قيل: يجوز أن يكون جابر شاهَد مِن ذلك ما لم يشاهده ابن عمر، ويجوز أن يكون أعطاه قميصين، قميصًا للكفن، ثم أخرجه فألبسه آخر.

стр. 967

واختلفوا: لِمَ أعطاه ذلك؟ على أربعة أقوال. أحدها: أن يكون أراد بذلك إكرام ولده، فقد كان مسلمًا بريئًا من النفاق. والثاني: أنه ﷺ ما سُئل شيئًا قطّ فقال: لا. والثالث: أنه كان قد أعطى العباس عم رسول الله ﷺ قميصًا لمّا أُسِرَ يوم بدر، ولم يكن على العباس ثياب يومئذ، فأراد أن يكافئه على ذلك لئلا يكون لمنافق عنده يد لم يُجازِه عليها (١). والرابع: أنه يَحتمِل أن يكون النبي ﷺ إنما فعل ذلك قبل أن ينزل قوله : ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤] (٢). قال ابن القيم ﵀: ولا تعارض بين هذين الحديثين بوجه، فإن حديث أسامة صريح بأنه أعطاه القميص وقت موته، فكفنه فيه، وحديث جابر بن عبد الله (٣) لم يقل فيه: إنه ألبسه قميصه حين أخرجه من قبره، وإنما فيه: «أنه نفث عليه من ريقه، وأجلسه على ركبتيه، وألبسه قميصه»، فأخبر بثلاث جُمَل متباينة: الأُولَيان منها يتعين أن تكونا بعد الإخراج من القبر، والثالثة لا يتعيّن فيها ذلك، ولعل جابرًا (٤) لما رأى عليه القميص في تلك الحال ظن أنه ألبسه إياه حينئذ. ٢ - باب العيادة من الرمد ٣٢٥/ ٢٩٧٤ - عن زيد بن أرقم، قال: عادني رسول الله ﷺ من وَجَع كان
следующие страницы →