إفريقيا، بينما يبقى متمركزًا على المحيط الأطلسي حول جزر أزورس، ويمتد منه على الرغم من ذلك ذراع طويل فوق سطح البحر المتوسط والأطراف الشمالية من إفريقية والأطراف الغربية من آسيا.
ويحدث التحول من الضغط المنخفض الشتوي على البحر المتوسط إلى الضغط المرتفع الصيفي فوقه تدريجيًّا، ففي أواسط إبريل يكون قد تكون لسان من الضغط الجوي المرتفع على أراضي البحر المتوسط الإفريقية، بينما يظل الضغط منخفضًا على البحر نفسه حتى أواسط شهر مايو، ثم يأخذ في الاختفاء خلال الأيام العشرة الأخيرة منه ليحل محله ضغط مرتفع ممتد من الضغط المرتفع الذي سبق تكونه على شمالي إفريقيا، إلا أن الضغط المرتفع الآزوري لا يتمكن من السيطرة تمامًا على كل حوض البحر المتوسط إلا بعد ٢٥ يونيو، وقد كان لهذا التأخر آثار مناخية مهمة، حيث إن شهر يونيو يكون في معدل حرارته أقرب إلى أشهر الربيع منه إلى أشهر الصيف وأن الجفاف الصيفي الحقيقي لا يبدأ في هذا الشهر بل يتأخر حتى أوائل شهر يوليو١.
٤- الضغط المرتفع وراء مدار الجدي، وهو يتزحزح شمالًا في هذا الفصل بحيث يمتد بين خطي عرض ٢٥ ْو٣٠ ْ جنوبًا على الماء واليابس، ويلاحظ أن هذا الفصل يكون شتاء في الجنوب، ولكن نظرًا لصغر مساحة اليابس بالنسبة للماء نطاق الضغط المرتفع يمتد عليهما بشكل نطاق متصل ولكنه يكون أعلى نسبيًّا على أستراليا وجنوبي إفريقيا حيث تكون البرود أشد منها على المحيطات.
ومن هذا النطاق تهب الرياح التجارية الجنوبية الشرقية التي تعبر خط الاستواء لتتحول إلى جنوبية غربية، وتصل في هبوبها التي شمالي السودان والصومال وجنوبي شبه الجزيرة العربية وخصوصًا اليمن وتكون رطبة أو جافة على حسب طبيعة المناطق التي تجيء منها أو تمر عليها.
وفي فصل الشتاء "يناير" تظل الضغوط الصيفية موجودة، ولكنها تتعرض لتغيرات أساسية كما يأتي:
стр. 492
شكل رقم "١٠٠" الضغط والرياح خلال الشتاء على العالم العربي
شكر رقم "١٠١" الضغط والرياح خلال الصيف على العالم العربي
стр. 493
١- يتزحزح نطاق الضغط المنخفض الاستوائي نحو الجنوب فيقع أغلبه إلى الجنوب من خط الاستواء، وعلى الرغم من أنه يمتد بدون انقطاع على الماء واليابس إلا أن أعمق مراكزه تكون على أستراليا وجنوبي إفريقيا بسبب شدة حرارتهما في هذا الفصل "وهو الصيف الجنوبي" وفي إفريقيا بالذات نلاحظ أن هذا النطاق لا ينتقل بأكمله إلى الجنوب من خط الاستواء، بل ويظل قسم منه واقعًا إلى الشمال منه، ويرجع ذلك إلى اتساع القسم الشمالي من القارة وبقاء درجة حرارته مرتفعة إلى حد ما. وتكون الجبهة الاستوائية ITCZ ممتدة عندئذ حوالي خط عرض ٥ ْجنوبًا.
٢- الضغط المرتفع وراء مدار السرطان، وهو يتزحزح قليلًا نحو الجنوب، ويتكون منه نطاق متصل على المحيط الأطلسي وكتلة أوراسيا وشمالي الصحراء الكبرى، وتساعد برودة آسيا في هذا الفصل على تكون مرتفع جوي موسمي فوقها، وبالتقاء هذا الضغط بالضغط المرتفع وراء مدار السرطان يتكون منهما معًا أعظم نطاق من الضغط المرتفع في العالم، وهذا النطاق هو الذي يسيطر على مناخ كل أوراسيا ومعظم إفريقيا.
٣- الضغط المنخفض الذي يتكون على البحر المتوسط بسبب دفئه بالنسبة لليابس المحيط به، ويكون الامتداد العام لهذا الضغط بين الشمال الغربي والجنوب الشرقي، فيفصل في هذه الحالة بين الضغط المرتفع الآسيوي والضغط المرتفع الآزوري، ويعتبر البحر المتوسط عندئذ ممرًا رئيسيًّا للمنخفضات الجوية١.
الضغط المرتفع وراء مدار الجدي، وهو يتزحزح جنوبًا في هذا الفصل حتى يقع في جملته بين خطي عرض ٣٠ ْ و٣٥ ْ جنوبًا، وليس لهذا الضغط تأثير كبير على مناخ العالم العربي في هذا الفصل، إلا أن بعض التيارات الهوائية قد تندفع منه نحو جنوبي الصومال وجنوبي السودان حيث تصلها.
стр. 494
بشكل رياح جنوبية غربية، بعد أن كانت جنوبية شرقية قبل عبورها لخط الاستواء.
٥- المنخفضات الجوية، ويقصد بها المنخفضات التي تتكون في العروض المعتدلة في نصف السنة الشتوي، وهي المسئولية عن معظم التقلبات الجوية في معظم البلاد العربية في نصف السنة الشتوي، وعلى الرغم من أن هذه المنخفضات تتحرك عادة من الغرب إلى الشرق، وأن خطوط سيرها توجد غالبًا على جنوبي أوروبا وحوض البحر المتوسط فإن تأثير بعضها قد يمتد نحو الجنوب حتى شمال السودان وجنوب شبه الجزيرة العربية، ويعتبر البحر المتوسط نفسه منطقة رئيسية من مناطق نشأة هذه المنخفضات، وإن كان بعضها قد ينشأ على الأراضي المجاورة له أو يغزوه من ناحية الغرب.
وقد دل إحصاء المنخفضات الجوية خلال عشر سنوات من ١٩٢٩ حتى ١٩٣٩ على أن مجموع ما ظهر منها في الأشهر المبتدئة بأكتوبر والمنتهية بمايو من هذه السنوات بلغ ٤٤٢ منخفضًا وأن ٧٤ منها نشأ في المنطقة الواقعة بين تونس وإيطاليا بينما نشأ ٣٠ منها جنوب جبال أطلس، وقد لوحظ أن المنخفضات التي تنشأ إلى الجنوب من جبال أطلس تنشأ غالبًا في الربيع بل وينشأ بعضها في فصل الصيف١.
стр. 495
١٣- ٤- الدورات الهوائية والرياح المترتبة على الضغوط الجوية:
في ضوء الدراسة السابقة للضغوط الجوية, وتوزيع مناطقها وما يطرأ عليها من تغير بين الصيف والشتاء يمكننا أن نرسم صورة عامة لنظام الرياح السائدة على مختلف أجزاء العالم العربي فيما يلي: من الطبيعي أن تكون الرياح التجارية التي تهب من الاتجاهات الشمالية عمومًا هي أوسع أنواع الرياح العامة انتشارًا في العالم العربي بسبب وقوع القسم الأكبر منه في نطاقها، وهي في جملتها رياح منتظمة ذات تأثير ملطف وخصوصًا في الصيف، إلا أن تزحزح الجبهة.
стр. 496
الاستوائية ITCZ نحو الشمال في هذا الصيف ونحو الجنوب في فصل الشتاء يترتب عليه تغير في موقع الحد الجنوبي للنطاق الذي تسوده هذه الرياح من فصل إلى آخر.
ففي فصل الصيف تكون الجبهة الاستوائية ممتدة على شمال إفريقيا وغربي آسيا مع خط عرض ١٥ْ شمالًا تقريبًا، ويكون هذا الخط هو الحد الجنوبي لنطاق الرياح التجارية والحد الشمالي لنطاق الرياح الموسمية الجنوبية الغربية التي كانت في الأصل تجارية جنوبية شرقية ثم انحرفت بعد عبورها لخط الاستواء أما في فصل الشتاء فيتغير الوضع حيث تأخذ الجبهة ITCZ في التزحزح تدريجيًّا نحو الجنوب حتى تصل إلى الجنوب من خط الاستواء، وهكذا فإن الحد الجنوبي لنطاق الرياح التجارية يتمشى في هذا الفصل مع خط الاستواء تقريبًا، بينما يتزحزح الضغط المرتفع الآزوري في نفس الاتجاه, ويمتد على شمال إفريقيا وغربي آسيا كما سبق أن بينا، ونتيجة لهذا يدخل شمال الوطن العربي "حتى خط عرض ٢٩ْ شمالًا تقريبًا" في منطقة الانتقال بين الرياح الغربية والرياح التجارية ويكون معرضًا للتقلبات التي يسببها النشاط الإعصاري على البحر المتوسط الذي يكون عندئذ مركزًا لضغط منخفض. ولذلك فإن اتجاهات الرياح تكون متقلبة.
وبناء على التوزيع السابق للضغط الجوي والرياح يمكننا أن نقسم العالم العربي على أساس اتجاهات الرياح السائدة إلى ثلاثة نطاقات هي:
١- النطاق الواقع شمالي خط عرض ٢٩ْ شمالًا، وهو الخط الذي تقع عليه مدينة الكويت ويمر إلى الشمال من حائل وتبوك في المملكة العربية السعودية وبمدينة بني سويف على نهر النيل وواحة سيوة بصحراء مصر العربية وواحات جغبوب وجالو وغدامس في شمال ليبيا. ففي كل المناطق الواقعة شمال هذا الخط تكون الرياح التجارية سائدة في فصل الصيف، ويتوقف اتجاهها على موقع المنطقة بالنسبة لمركز الضغط الآزوري في الشمال وللمنخفضات الواقعة على امتداد الجبهة الاستوائية ITCZ في الجنوب، وأهمها منخفض
стр. 497
السودان الموسمي ومنخفض الهند الموسمي، إلا أن أغلبها يكون شماليًّا غربيًّا أو شماليًّا، ففي مدينة الإسكندرية مثلًا تكون النسبة المئوية للرياح الشمالية الغربية في شهر يوليو ٥٢% والنسبة المئوية للرياح الشمالية ٢٩% بينما لا تكاد تهب رياح تذكر من الاتجاهات الجنوبية "راجع جدول ٣٨".
أما في فصل الشتاء فتكون الرياح في هذا النطاق متقلبة الاتجاه وتكون موزعة على جميع الاتجاهات بنسب متقاربة مع ميل إلى زيادة نسب مرات الهبوب من الاتجاهات الشمالية والغربية، ويرجع ذلك إلى أن هذا النطاق يقع في المنطقة الانتقالية بين النطاق الذي تسوده الرياح التجارية في الجنوب والنطاق الذي تسوده الرياح الغربية "العكسية" في الشمال، وإلى أنه يتعرض في هذا الفصل لغزو كثير من المنخفضات الجوية التي تعبره من ناحية الغرب، والتي تؤدي إلى تقلبات كثيرة في اتجاهات الرياح.
٢- النطاق المحصور بين خطي عرض ٢٩ْ و١٨ْ شمالًا تقريبًا، وهو يضم معظم النطاق الصحراوي المداري من الوطن العربي من الخليج العربي في الشرق حتى ساحل المحيط الأطلسي في الغرب، وفيه تسود الرياح التجارية التي تهب من الاتجاهات الشمالية بصفة دائمة تقريبًا ومعظمها يهب من الشمال والشمال الشرقي، فإذا راجعنا اتجاهات الرياح في وادي حلفا مثلًا "الجدول ٣٨" نجد أن ٣٢% منها اتجاهها شمالي، و٩% اتجاهها شمالي غربي كما نجد أن نسب مرات السكون في نفس الشهر مرتفعة جدًّا حيث تصل إلى ٤٥%، ولا يتغير الوضع كثيرًا في شهر يوليو عنه في شهر يناير حيث تظل الرياح التجارية هي السائدة، إلا أن التغيرات التي تطرأ على توزيع مناطق الضغط الجوي الرئيسية في الصيف تؤدي إلى زيادة مرات هبوب الرياح الشمالية الغربية والغربية على حساب الرياح الشمالية والشمالية الشرقية، كما أن تزحزح الجبهة الاستوائية ITCZ نحو الشمال في هذا الفصل يؤدي إلى وصول بعض الرياح الجنوبية الغربية إلى الأجزاء الجنوبية من هذا النطاق في بعض الأحيان
стр. 498
جدول "٣٨" النسبة المئوية لاتجاهات الرياح على بعض بلاد مصر والسودان في شهري يناير ويوليو
النطاق الواقع إلى الجنوب من خط عرض ١٨ْ شمالًا حتى خط الاستواء، وهو نطاق يتميز بنظامه الموسمي الذي يسببه انتقال الجبهة الاستوائية ITCZ نحو الشمال في الصيف ونحو الجنوب في الشتاء، ولهذا فإن الرياح الشتوية تهب كلها تقريبًا من الاتجاهات الشمالية، أما الرياح الصيفية فيهب أغلبها من الاتجاهات الجنوبية، ففي مدينة الخرطوم مثلًا نجد أن ٥٦% من رياح شهر يناير تهب من الشمال و٢٠% منها تهب من الشمال الشرقي و١٣% من الشمال الغربي، بينما نجد في شهر يوليو أن ٣٦% من الرياح تهب من الجنوب الغربي و٣١% من الجنوب و٩% من الغرب، بينما يندر هبوبها من الاتجاهات الشمالية.
стр. 499
١٣- ٥- الرياح المحلية والزوابع الترابية:
لا يمكننا أن نترك موضوع الرياح في العالم العربي دون أن نشير إلى الرياح المحلية ذات الصفات الخاصة، والتي تسببها عادة تغيرات عارضة في الضغط الجوي، ومن أهمها المنخفضات الجوي التي سبقت الإشارة إليها، أو نشير إلى الزوابع
стр. 500
الترابية التي تشتهر بها معظم البلاد الواقعة في قلب الصحاري أو على أطرافها، والتي لا يكاد يخلو منها بلد عربي تقريبًا.
ففي العالم العربي تتمثل كل أنواع الرياح المحلية سواء في ذلك الرياح اليومية التي تشتمل على نسيمي البر والبحر ونسيمي الجبل والوادي، أو الرياح التي تسببها تغيرات في الضغط الجوي وأهمها رياح الخماسين في شمال مصر ورياح القبلي في شمال ليبيا والسموم في المغرب العربي وشبه الجزيرة العربية، وكلها رياح صحراوية حارة تهب في مقدمة المنخفضات الجوية الربيعية، وكثيرًا ما تكون محملة بالأتربة والرمال الناعمة، وهي المسئولة غالبًا عن الموجات الحرارية الشاذة التي تسجل في أثنائها أعلى النهايات الحرارية العظمى.
وتظهر في العالم العربي كذلك رياح جبلية من نوع "الفهن" التي تشتهر بها المنحدرات الشمالية لجبال الألب والتي تكتسب حرارتها نتيجة لانضغاطها عند هبوطها على جوانب الجبال، ولهذا فإن ظهورها يقتصر على الأقاليم الجبلية في المغرب العربي وشمالي ليبيا وجبال سوريا ولبنان وشمالي العراق، وفي هذه المناطق يظهر كذلك نسيما الجبل والوادي، ولكن ظهورها يكون عادة مقصورًا على الأيام التي لا تسودها رياح قوية.
وفي كل البلاد الساحلية في العالم العربي يظهر نسيما البر والبحر واضحين، وخصوصًا في فصل الصيف، ويستفيد صيادو السمك في المياه الساحلية بهذه الظاهرة، حيث تبدأ زوارقهم في التحرك نحو داخل البحر عندما يبدأ نسيم البر بعد الغروب ثم تبدأ رحلة العودة إلى البر في الصباح مع بدء نسيم البحر.
أما الزوابع الترابية والرملية فهي من الظاهرات المألوفة في كل البلاد العربية تقريبًا، ومع ذلك فإن ظهورها نادر في بعض المناطق التي تتميز بكثرة أمطارها وكثافة غطائها النباتي الطبيعي أو الزراعي وبعدها عن مناطق الرمال والأتربة المفككة، ومن أمثلها سهول جنوب السودان ودلتا نهر النيل، وتكثر هذه الزوابع بصفة خاصة في البلاد الواقعة على أطراف الصحاري، عندما ينقطع
стр. 501
المطر ويزول الغطاء النباتي الذي يكسو التربة، ويختلف موسمها في البلاد المتأثرة بمناخ البحر المتوسط عنه في البلاد المتأثرة بالمناخ المداري الممطر صيفًا، ففي البلاد الأولى تكثر الزوابع الترابية عادة في أواخر الربيع وأوائل الصيف وأواسطه، وقد يمتد موسمها حتى بداية الخريف، أما في البلاد الثانية مثل سهول وسط السودان وشماله فإنها تكثر بصفة خاصة في الربيع وأوائل الصيف.
وتتوقف شدة الزوابع الترابية والرملية على عدة عوامل أهمها:
١- كثرة الأتربة أو الرمال الناعمة المفككة على سطح الأرض وانتشارها في مساحات واسعة.
٢- جفاف الجو، حيث إن هذا الجفاف يساعد على تفكك الرمال والأتربة.
٣- نشاط التيارات الهوائية الصاعدة مما يؤدي إلى ارتفاع الأتربة والرمال الناعمة.
٤- هبوب الرياح سطحية تحمل معها الأتربة والرمال الصاعدة، وتحدث العمليتان الأخيرتان عادة عندما تمر جبهة هوائية باردة على أرض دافئة، ففي هذه الحالة تسخن الأجزاء السفلى من الهواء البارد وترتفع بشكل تيارات صاعدة تحمل معها الأتربة والرمال الناعمة التي تدفعها الرياح أمامها.
ومن الزوابع الترابية ذات الصفات المميزة في الوطن العربي تلك الزوابع التي تشتهر بها السهول الوسطى والشمالية للسودان والتي تعرف محليًّا باسم "الهبوب haboob" وهي تظهر بصفة خاصة في أواخر الربيع وأوائل الصيف، حيث يكون الجو عندئذ حارًا جافًّا وتكون التربة مفككة وخالية من الحشائش، ويتقدم الهبوب عادة بشكل جبهة متصلة يسهل تمييزها عن بعد، وقد يستطيع المراقب في بعض الأحيان أن يلاحظ مولد الهبوب وتجمعه في منطقة نشأته، وعندما يمر الهبوب على أي مكان فإنه يؤدي إلى انخفاض مدى الرؤية عند سطح الأرض إلى الصفر، كما يؤدي إلى ترسيب طبقة سميكة من الغبار الناعم على كل ما يقع في طريقه، وكثيرًا ما يعقب مروره سقوط بعض الأمطار مما يساعد على تنظيف الجو من الغبار، ويكثر حدوث الهبوب بصفة خاصة في منطقة الخرطوم ومنطقتي توكر وكسلا في شمال شرقي السودان.
стр. 502
أنواع الهواء "الكتل الهوائية "
مدخل
...
١٣- ٦- أنواع الهواء "الكتل الهوائية":
إن الموقع الجغرافي للعالم العربي يعرضه لتأثير كل أنواع الهواء المعروفة تقريبًا، ولكن أكثر الأنواع انتشارًا وتأثيرًا هي الأنواع الآتية:
стр. 503
١- الهواء المداري القاري "ct ":
وهو أهم الأنواع وأعظمها تأثيرًا، ويرجع ذلك إلى وقوع العالم العربي في العروض المدارية والمعتدلة الدافئة، وإلى طبيعة أرضه وموقعه القاري، ويكاد هذا النوع يكون هو نوع الهواء الوحيد الذي يسيطر في فصل الصيف على مناخ معظم البلاد العربية الواقعة إلى الشمال من خط عرض ١٥ْ شمالًا، بل إن هذا العالم يعتبر من أهم مناطق نشأة هذا الهواء، ولكنه كثيرًا ما يصل إليه كذلك من الأقاليم القارية الواقعة في شماله أو في شماله الشرقي، حيث يصل عادة بشكل رياح شمالية أو شمالية شرقية ذات تأثير ملطف على حرارة فصل الصيف، إلا أن صفاته تتباين بعض الشيء من مكان إلى آخر على حسب طبيعة السطح الذي يمر فوقه، فإذا كن مروره على مسطحات مائية فإنه يكتسب بعض الرطوبة في أجزائه السفلى بينما تظل قطاعاته العليا جافة، وكثيرًا ما يؤدي هذا الهواء إلى تكون الضباب أو الشابورة على بعض السواحل في ساعات الصباح، ولكن على الرغم من أن الرطوبة النسبية لمثل هذا الهواء تصل أحيانًا إلى مائة في المائة فإنها لا تؤدي عادة إلى تكون سحب كثيفة؛ لأن الطبقة الهوائية الرطبة تكون عادة رقيقة.
стр. 504
الهواء المدارى البحري "mt ":
وأهم مصادره هي المحيطان الأطلسي والهندي، فالمحيط الأطلسي هو مصدر الهواء الذي تحمله الرياح الغربية إلى المغرب الغربي وشمال ليبيا وشمال مصر، كما أنه هو مصدر الهواء الرطب الذي يصل إلى أواسط السودان وشماله في فصل الصيف وإلى أجزائه الجنوبية في معظم شهور السنة، وهو مصدر الأمطار التي تسقط على كل هذه المناطق، كما أن بعض هذا الهواء يعبر هضبة الحبشة والبحر الأحمر في فصل الصيف
стр. 505
الهواء القطبي القاري "cp ":
ومصدره المعتاد هو السهول الشمالية لأوروبا وآسيا، ويرتبط وصوله إلى الأجزاء المختلفة للوطن العربي بمرور المنخفضات الجوية التي تتكون على حوض البحر المتوسط أو على جنوبي أوروبا أو شمالي إفريقيا، ولهذا فإن كثرة وصوله وشدة تأثيره تتوقفان على كثرة هذه المنخفضات وعلى طبيعتها من حيث العمق وشدة انحدار الضغط الجوي نحو
стр. 506
مركزها. كما أن طبيعة هذا الهواء تختلف من فصل إلى آخر، فالهواء الذي يصل في فصل الشتاء يكون عادة شديد البرودة، فيؤدي إلى حدوث موجات باردة غير عادية، وقد تنخفض درجة الحرارة عند وصوله إلى ما دون درجة التجمد حتى في الأجزاء الوسطى والشمالية من شبه الجزيرة العربية، وفي جنوب العراق وشمالي الخليج العربي، وقد تصحبه في بعض الأحيان عواصف ثلجية مدمرة في البلاد الشمالية من المشرق العربي وخصوصًا في سوريا ولبنان، أما في البلاد الواقعة إلى الجنوب من البحر المتوسط فإن موجات البرد التي يجلبها هذا الهواء تكون أقل قسوة منها في البلاد الواقعة إلى الشرق منه؛ لأن مروره على مياه البحر المتوسط الدافئة نسبيًّا يساعد على تخفيف حدة برودته، وعلى زيادة نسبة الرطوبة في قطاعاته السفلى بدرجة تجعله شبيهًا بالهواء القطبي البحري، ولهذا فإنه يؤدي إلى تكوين الضباب والسحب المنخفضة، وقد يؤدي إلى سقوط الأمطار.
وتتوقف المدة التي يستمر فيها غزو الهواء القطبي لأي مكان على مدة بقاء المنخفض الجوي الذي أدى إلى وصوله متمركزًا في مكانه، فعلى الرغم من أن معظم المنخفضات الجوية تواصل تحركها من الغرب إلى الشرق فإن بعضها قد يتوقف في مكان واحد لبضعة أيام، وتعتبر جزيرة قبرص من أشهر المراكز التي تتوقف عندها المنخفضات الجوية في بعض الأحيان لبضعة أيام، فيؤدي هذا إلى استمرار الاضطرابات الجوية المرتبطة بها طول مدة توقفها، وتختلف هذه الاضطرابات من مكان إلى آخر على حسب موقع كل مكان منها بالنسبة لمركز المنخفض الجوي، وقد يؤدي تمركز أحد المخفضات النشطة على هذه الجزيرة لعدة أيام إلى اندفاع الهواء القطبي في مؤخرتها نحو الجنوب حتى أواسط السودان وأواسط شبه الجزيرة العربية حيث يحمل إليها موجات من البرد الشديد.
والهواء القطبي القاري هو أحد العوامل المهمة التي تؤدي إلى حدوث الزوابع الترابية والرملية في أشهر الربيع وأوائل الصيف في المناطق الصحراوية
стр. 507
المناطق الواقعة على أطرافها إذ إن سخونة سطح هذه المناطق تؤدي إلى حدوث حالة عدم استقرار في الأجزاء السفلى من الهواء مما يساعد على نشاط التيارات الصاعدة التي تحمل الأتربة والرمال الناعمة إلى أعلى، ويساعدها على ذلك أن سطح الأرض عندئذ جافًّا وفقيرًا حياته النباتية وتكون الرمال والأتربة مفككة وسهلة الحركة.
стр. 508
الهواء القطبي البحري "mp ":
يصل هذا النوع من الهواء إلى الوطن العربي من المحيط الأطلسي الشمالي، وكما هي الحال بالنسبة للنوع القطبي القاري فإن وصوله يرتبط بنشاط المنخفضات الجوية في حوض البحر المتوسط والمناطق المحيطة به، وباستثناء البلاد المغربية والموريتانية التي قد يصلها هذا الهواء من شمالي المحيط الأطلسي مباشرة فإن وصوله إلى بقية الوطن العربي يكون عن طريق أوروبا والبحر المتوسط، ولهذا فإن صفاته تكون معدلة بعض الشيء، ولكنه يظل مع ذلك محتفظًا بمعظم صفاته الرئيسية من حيث شدة البرودة وارتفاع نسبة الرطوبة، ويصل هذا الهواء عادة عند مرور الجبهة الباردة أو بعد مرورها مباشرة. وهو المسئول عن تكون السحب وسقوط الأمطار التي تتميز بها هذه المرحلة من مراحل المنخفضات الجوية، حيث إن مرورها على سطح مياه البحر المتوسط الدافئة يساعد على زيادة رطوبته وعلى خلق حالة عدم استقرار بها، والموسم الرئيسي لوصول هذا الهواء هو فصل الشتاء وأوائل الخريف.
стр. 509
الأحوال الحرارية في العالم العربي
مدخل
...
١٣- ٧- الأحوال الحرارية في العالم العربي:
راجع إحصاءات الحرارة والمطر لبعض محطات الدول العربية في الملحق رقم ٤.
إن تعدد العوامل التي تتحكم في درجة الحرارة وتباين أهمية الدور الذي يلعبه كل عامل منها في الأماكن المختلفة قد خلق في العالم العربي نماذج حرارية مختلفة، على حسب الظروف المحلية بكل مكان، وأن امتداد هذا العالم من خط عرض ٢ ْجنوب خط الاستواء تقريبًا إلى خط عرض ٣٧ ْشماله يعني أنه يمتد عبر حوالي ٣٩ درجة عرضية، وأن بعض أجزائه يقع في العروض الحارة بينما يقع بعضها الآخر في العروض المعتدلة، وقد ترتب على هذا وجود فروق حرارية كبيرة بين أطرافه الشمالية من ناحية وأطرافه الجنوبية من ناحية أخرى. فبينما نجد مثلًا أن المعدل الحراري السنوي في مدينة بربرة الصومالية على خليج عدن يزيد على ٣٠ ْم فإننا نجد أنه لا يزيد على ١٥ ْفي مدينة حلب بشمالي سوريا، وبينما يرتفع معدل شهر يوليو في بربرة إلى ٣٧ ْفإنه يبلغ ٢٩ ْفي حلب، وبينما لا ينخفض معدل شهر يناير في بربرة عن ٢٤ْ ْفإنه ينخفض إلى ٦ ْفي حلب، ومن هذا يظهر أن الفرق الحراري بين هاتين المدينتين يكون صغيرًا في الصيف حيث يبلغ ٨ درجات فقط بينما يكون كبيرًا في الشتاء حيث يصل إلى ١٨ درجة، ومعنى هذا أن كل البلاد العربية تقريبًا، ما عدا البلاد الجبلية والبلاد الواقعة على سواحل البحر المتوسط، تكون حارة في الصيف ولا توجد فروق كبيرة بين بعضها وبعض، أما في الشتاء فإن الأطراف الشمالية وخصوصًا الجبلية منها تكون شديدة البرودة، بينما تظل الأطراف الجنوبية دافئة، وهذا يعني أن أهم الاختلافات الحرارية بين شمالي العالم العربي وجنوبيه ترجع بصفه خاصة إلى شدة برودة الشتاء في الشمال أكثر من رجوعها إلى شدة حرارة الصيف في الجنوب، وذلك لأن الحرارة الشديدة تكون عامة في كل البلاد العربية.
وترجع شدة حرارة الصيف عمومًا إلى صفاء الجو وطول ساعات سطوع الشمس وكبر زاوية سقوط الأشعة، وجفاف التربة بسبب جفاف الهواء وانعدام الأمطار
стр. 510
شكل رقم "١٠٢" خطوط الحرارة المتساوية في شهر يناير في العالم العربي
شكل رقم "١٠٣" خطوط الحرارة المتساوية في شهر يوليو في العالم العربي
стр. 511
تقريبًا وقلة مظاهر التكثف الأخرى وخصوصًا الندى، بحيث لا تحد التربة أي مصدر يعوضها عما تفتقده من مياه بالتبخر. ولهذا فإن سطح الأرض نفسه يسخن بسرعة في أثناء النهار حتى ترتفع درجة حرارته في الأماكن المكشوفة إلى أكثر من ٤٠ ْم، بل وكثيرًا ما تصل درجة حرارة سطح رمال الصحراء في أواسط النهار إلى ٧٠ ْم أو أكثر، ومما يذكر أن سخونة الرمال بهذا الشكل مع سكون الهواء يترتب عليهما انطلاق الإشعاعات الحرارية بكثرة من سطح الرمال إلى الجو فيؤدي ذلك إلى ظهور "السراب" الذي تشتهر به الصحاري الحارة عمومًا.
وباستثناء المناطق الممطرة صيفًا مثل جنوب السودان ووسطه فإن أشد الشهور حرارة في كل أجزاء العالم العربي الأخرى هي شهرا يوليو وأغسطس، أما في المناطق الممطرة صيفًا فإن معدلات هذين الشهرين تكون قليلة الارتفاع نوعًا ما بسبب كثرة السحب والأمطار بالنسبة للأشهر الجافة التي تسبقها أو التي تعقبها مباشرة، ففي هذه المناطق تكون الحرارة عادة قمتان إحداهما قبل موسم المطر مباشرة والثانية بعدها مباشرة، وتكون القمة الأولى غالبًا أوضح من القمة الثانية، في مدينة الخرطوم مثلًا تكون أشد أيام السنة حرارة هي الأيام الواقعة بين منتصف مايو ومنتصف يونيو، وتليها الأيام الواقعة بين منتصف سبتمبر ومنتصف أكتوبر.
والسبب في ارتفاع القمة الأولى عن القمة الثانية هو أن موسم المطر ينتهي بشكل تدريجي وتظل التربة محتفظة ببعض رطوبتها وبكثير من غطائها النباتي لمدة أسبوعين أو ثلاثة بعد انتهاء موسم المطر، فهذه العوامل كلها تساعد على تخفيف قسوة القمة الثانية نوعًا ما عن القمة الأولى التي تأتي في وقت تكون فيه التربة قي أشد حالات جفافها، وفي أشد حالات فقرها في الغطاء النباتي، ولكن ما إن تبدأ الأمطار في السقوط حتى تتبلل التربة وتبدأ الحشائش في النمو فتنخفض درجة الحرارة بشكل ملحوظ.
ونظرًا لأن طول فصل المطر يزداد كلما اتجهنا جنوبًا فإن قمتي المنحنى
стр. 512
الحراري تتباعدان تبعًا لذلك. ففي بلدة المالاكال التي تقع إلى الجنوب من الخرطوم بنحو ٦ درجات عرضية تظهر القمة الحرارية الأولى قبل نظيرتها في الخرطوم بحوالي ثلاثين يومًا، كما تظهر القمة الثانية بعد نظيرتها في الخرطوم بنفس المدة تقريبًا، إلا أن القمة الثانية في الماكال لا تكون واضحة بدرجة وضوحها في الخرطوم بسبب كثرة المطر وزيادة رطوبة التربة وكثافة الغطاء النباتي ووجود كثير من المسطحات المائية، وتلعب التضاريس دورًا مهمًّا في توزيع الحرارة، ولا يقتصر أثرها على التناقص الذي يحدث عادة بالارتفاع، بل إن هذا الأثر يظهر كذلك بأشكال أخرى من بينها التأثير الذي يحدثه نسيم الجبل ونسيم الوادي، والتأثير الذي يحدث انضغاط الهواء عند هبوطه على جوانب الجبال أو ارتفاعه عليها حيث يسخن في الحالة الأولى لانضغاطه، كما هي الحال بالنسبة لرياح الفهن المشهورة، بينما يبرد في الحالة الثانية نتيجة لتخلخله عند اندفاعه إلى أعلى.
وتحدث ظاهرة "الفهن" في معظم المناطق الجبلية في الوطن العربي مثل المنحدرات الشمالية لجبال طرابلس في ليبيا، فعندما تهبط الرياح الصحراوية على هذه المنحدرات في بعض أيام الربيع ترتفع درجة الحرارة في السهول المجاورة لها إلى أكثر من ٥٠ ْم. وقد سجلت في هذه السهول بالفعل درجات حرارية لا تعادلها في الارتفاع إلا الدرجات التي سجلت في وادي الموت بكاليفورنيا، وقد وصلت درجة الحرارة في بلدة العزيزية الواقعة في سهل الجفارة إلى الشمال من حافة جبال طرابلس بليبيا في أحد الأيام إلى ٥٦ ْم، وتتكرر نفس الظاهرة تقريبًا في المناطق الجبلية الأخرى وأهمها جبال أطلس وجبال لبنان.
وتلعب الأودية التي تقطع الجبال دورًا مهمًا في توجيه الرياح، التي تؤثر بدورها تأثيرًا واضحًا على درجة الحرارة، كما أن اتجاه المنحدرات الأودية له علاقة مباشرة بتوزيع الإشعاع الشمسي سواء على امتداد ساعات النهار أو على امتداد أشهر السنة.
стр. 513
أولًا- فصل الصيف:
في الفصل تشتد الحرارة في معظم البلاد العربية، ما عدا المناطق الساحلية حول البحر المتوسط، ومناطق الجبال المرتفعة، وعلى أساس شدة الحرارة يمكننا أن نقسم العالم العربي إلى ثلاثة أقسام هي:
١- مناطق الصيف القائظ، وفيها تزيد معدلات شهرين على الأقل من أشهر الصيف على ٣٢ ْم "٩٠ ْف" وقد تصل إلى ٣٧ ْأو أكثر، وفي أمثلتها البلاد الواقعة في قلب الصحراء الكبرى مثل بلدة عين صالح في الجزائر، وبعض بلاد وسط وشمال السودان مثل مدينة بور سودان والمناطق الصحراوية والسهلية في شبه الجزيرة العربية بما في ذلك إمارات الخليج العربي، وتمثلها معدلات الكويت والظهران.
٢- مناطق الصيف الحار، وفيها تتراوح معدلات أشهر هذا الفصل بين ٢٧ ْو٣٢ ْم، وتضم المناطق الواقعة إلى الجنوب من الصحاري الحارة، وفيها تسقط الأمطار صيفًا فتلطف نوعًا ما من شدة الحرارة، كما هي الحال في سهول وسط وجنوب السودان واليمن والبلاد المحيطة بخليج عدن وتمثلها معدلات مدن الأبيض وجوبا والخرطوم وصنعاء وبربرة بالصومال.
٣- مناطق الصيف المعتدل، وفيها لا تزيد معدلات أشهر الصيف عادة عن ٢٧ ْم، وتشمل كل المناطق المحيطة بالبحر المتوسط، ومرتفعات العراق والمرتفعات المحيطة بالبحر الأحمر، وفي هذه المناطق توجد المنتجعات الصيفية المشهورة في العالم العربي.
стр. 514
ثانيًا: فصل الشتاء:
هذا الفصل الدافئ نسبيًّا في أغلب أجزاء العالم العربي، ولا يستثنى من ذلك إلا الأجزاء الشمالية من المشرق العربي، وخصوصًا المناطق الجبلية التي تشتد البرودة في بعضها بدرجات تتناسب مع
стр. 515
شكل "١٠٤" معدل المدى الحراري اليومي في العالم العربي
شكل "١٠٥" معدل النباتات العظمى للحرارة في العالم العربي
стр. 516
وارتفاعاتها، فباستثناء هذه المناطق، فإن المعدلات الحرارية الشهرية الشتوية لا تنخفض في معظم الأجزاء الشمالية من العالم العربي عن ٥ْ مئوية، وأبرد الشهور عادة هو شهر يناير الذي يبلغ معدله في حلب ٥.٥ْم وفي دمشق ٦.٦ْ وفي الموصل ٦.٦ْ، أما على الجبال المرتفعة مثل بعض جبال لبنان وبعض جبال أطلس فقد تنخفض المعدلات إلى ما دون درجة التجمد فتتغطى هذه الجبال بالثلوج خلال شهر أو أكثر من أشهر الشتاء.
أما في باقي أجزاء العالم العربي بما في ذلك السواحل المشرفة على البحر المتوسط نفسه فإن الحرارة تكون عادة معتدلة في هذا الفصل، بل إن كل المناطق الواقعة إلى الجنوب من مدار السرطان تقريبًا تكون دافئة أو مائلة للحرارة، كما هي الحال في جنوب السودان والصومال واليمن الجنوبية، حيث لا تنخفض المعدلات الشهرية فيها جميعًا عن ٢٤ْم، كما يتضح من أرقام محطات واو وجوبا والمالاكال في السودان، وأرقام بربرة ومقديشيو وجيبوتي وعدن.
стр. 517
ثالثًا- الفصلان الانتقاليان "الربيع والخريف ":
يلاحظ أن الانتقال بين الصيف والشتاء يحدث في بعض المناطق بصورة سريعة بينما يحدث في بعضها الآخر بشكل تدريجي، ويكون الانتقال سريعًا بصفة خاصة في المناطق الصحراوية وشبه الصحراوية، وفي المناطق الواقعة على أطراف الضغوط الموسمية الكبرى، وأهمها الضغط المرتفع الذي يتكون على آسيا في الشتاء، والضغط المنخفض الذي يتكون عليها وعلى كل شمال إفريقيا في الصيف، وتعتبر العراق وإمارات الخليج العربي وشمالي المملكة العربية السعودية ووسطها من أوضح الأمثلة على ذلك، ويبدو هذا واضحًا بمجرد النظر إلى المنحنيات الحرارية لبعض محطاتها مثل محطات الكويت والبصرة، ويرجع هذا الانتقال السريع إلى أن الضغط المرتفع يأخذ في الارتفاع بسرعة على آسيا بعد انتهاء فصل الصيف بوقت قصير، وإلى أن الضغط المنخفض على نفس القارة وامتداده على شمال إفريقيا يأخذان كذلك في التعمق بسرعة بمجرد
стр. 518
شكل "١٠٦" مواسم سقوط المطر في العالم العربي
انتهاء فصل الشتاء، وهكذا فإن التيارات الهوائية الباردة سرعان ما تخرج من آسيا نحو العراق والخليج العربي بعد انتهاء فصل الصيف بوقت قصير، كما تبدأ التيارات الصحراوية الحارة في الوصول إليها في أثناء تحركها نحو الضغط المنخفض على آسيا بمجرد انتهاء فصل الشتاء.
стр. 519
رابعًا: المدى الحراري والطبيعة القارية للمناخ:
تتميز معظم أقاليم الوطن العربي بارتفاع المدى الحراري، سواء في ذلك المدى اليومي أو المدى الفصلي بسبب الطبيعة القارية للمناخ، ولكن هذا الحكم العام لا ينطبق على معظم المناطق الساحلية أو المناطق التي يسقط مطرها طول العام أو في معظم الأشهر مثل سهول وهضاب جنوب السودان. ففي هذه المنطقة بالذات يكون المدى الحراري الفصلي أقل منه في أي منطقة أخرى من العالم العربي بسبب كثرة الأمطار وطول فصل سقوطها وكثافة الحياة النباتية وكثرة المستنقعات والبحيرات والمجاري المائية, وهو يتراوح هنا بين ٤ و٦
стр. 520
درجات مئوية فقط، كما يتضح من أرقام محطات جوبا وواو والمالاكال وغيرها من محطات جنوبي السودان، أما في البلاد الساحلية فإن المدى الفصلي يرتفع عن ذلك كثيرًا ولكنه يظل أقل بكثير منه في المناطق القارية، فهو يتراوح في معظم البلاد الساحلية بين ١٠ و١٥ درجة، أما في المناطق البعيدة عن المؤثرات البحرية فقد يرتفع إلى ٢٥ْ، ويكون هذا المدى مرتفعًا بصفة خاصة في سوريا والأردن وشمالي العراق، ويرجع ذلك إلى اشتداد برودة الشتاء في هذه المناطق أكثر من رجوعه إلى اشتداد حرارة الصيف, والسبب في ذلك هو أن هذه المناطق تكون في هذا الفصل خاضعة لنفوذ الضغط الآسيوي والكتل القطبية القارية التي تنشأ في نطاقه والتي يصل هواؤها في كثير من الأحيان إلى هذه المناطق فيؤدي إلى هبوط الحرارة إلى درجة التجمد، ففي شمالي العراق، ووسطه مثلًا نجد أن المدى الحراري الفصلي يبلغ ٢٦ درجة في الموصل و٢٤ درجة في بغداد، كما يبلغ في حلب بشمال سوريا ٢٣ درجة.
وعلى الرغم من أن المدى الحراري الفصلي يكون على السواحل منخفضًا بالنسبة للداخل فإن الظروف المحلية لبعض المناطق الساحلية تؤدي إلى ارتفاع هذا المدى, وينطبق هذا بصفة خاصة على السواحل الصحراوية أو شبه الصحراوية التي تسودها المؤثرات الصحراوية في فصل من الفصول بينما تسودها المؤثرات البحرية في فصل آخر، وكذلك السواحل التي تخضع في الشتاء لنفوذ الضغط المرتفع الآسيوي الذي يؤدي إلى كثرة وصول الهواء القطبي القاري بينما تخضع في الصيف للنفوذ الصحراوي بهوائه القاري الحار.
ومثال ذلك سواحل شبه الجزيرة العربية المشرفة على الخليج العربي، وخصوصًا في أجزائها الشمالية مثل سواحل الكويت، حيث نجد أن المدى الحراري الفصلي يرتفع هنا إلى حوالي ٢٣.٥ درجة مئوية، أي أنه لا يختلف في هذه الناحية عنه في قلب الصحراء.
стр. 521
خامسًا: الموجات الباردة والموجات الحارة غير العادية:
تتعرض البلاد الغربية الواقعة حول البحر المتوسط أو المتأثرة بمناخه
стр. 522
وخصوصًا في غربي آسيا من البرد القارص غير العادية في بعض أيام الشتاء وموجات من الحر القائظ غير العادية في بعض أيام الربيع وأوائل الصيف، والسبب الرئيسي للموجات الباردة هو وصول هواء قطبي قاري شديد البرودة لعدة أيام في مؤخرة المنخفضات الجوية العميقة إذا ما تمركز أحدها على شرقي البحر المتوسط أو غربي آسيا, وكثيرًا ما تكون الموجات الباردة على الأجزاء الشمالية من المشرق العربي في سوريا ولبنان وشمالي العراق وشمالي الأردن مصحوبة بعواصف ثلجية تتغطى المناطق الجبلية بسببها بالثلوج وتتعطل المواصلات وتتلف كثير من المحاصيل. أما الموجات الحارة فيكون سببها غالبًا هو وصول هواء مداري حار من الصحراء في مقدمة المنخفضات الجوية، حيث تحمله الرياح المحملة التي تشتهر من بينها رياح الخماسين في مصر والسموم في شبه الجزيرة العربية والمغرب العربي والقبلي في ليبيا.
ويبن الجدول "٣٩" النهايات الصغرى والنهايات العظمى المطلقة التي سجلت في بعض البلاد العربية التي تتعرض لموجات البرد وموجات الحر غير العادية، وفيه يتبين أن موجات البرد القارص قد تصل جنوبًا إلى أواسط السودان حيث وصلت النهاية الصغرى المطلقة في مدينة الأبيض مثلًا إلى ٠.٥ ْم تحت الصفر، ومنه يتبين كذلك أن أشد الموجات الباردة هي التي تحدث في شرقي البحر المتوسط، كما تدل على ذلك النهاية الصغرى المطلقة التي سجلت في بلدة الرطوبة على الحدود الأردنية العراقية وهي ١٤.٤ ْم تحت الصفر.
стр. 523
جدول "٣٩" النهايات العظمى والصغرى المطلقة١ في بعض المحطات العربية "بالدرجات المئوية":
стр. 524
الأمطار
مدخل
...
١٣- ٨- الأمطار
إن الأقاليم التي يمكن وصفها بالمطيرة لا تشغل من العالم العربي إلا نسبة لا تزيد على ٥% من مساحته الكلية بينما تمثل الصحاري أكثر من٨٥% هذه المساحة، وفيما بين هذين النوعين توجد مناطق متوسطة يمكن أن توصف بأنها شبه جافة أو شبه صحراوية. وأكثر أجزاء العالم العربي مطرًا هي جنوب السودان الذي تتراوح معدلاته السنوية بين ٨٠ و١١٠ سم. وتأتي بعد ذلك المنحدرات الجبلية المواجهة للبحر المتوسط في سوريا ولبنان وفلسطين والمغرب العربي وشمال برقة في ليبيا, وتتراوح المعدلات السنوية للأمطار فيها بين ٧٠ و١٠٠ سنتيمتر.
ونظام المطر السائد في العالم هو نظام البحر المتوسط، ولا يقتصر وجود هذا النظام على المناطق المحيطة بالبحر المتوسط نفسه بل إن بعض مظاهره يمتد نحو الشرق حتى العراق ودول الخليج العربي ونحو الجنوب حتى شمال شرق السودان واريتريا والمناطق المقابلة لها في الحجاز وعسير، وأهم هذه المظاهر هي سقوط كميات محدودة من الأمطار الشتوية التي تسببها المنخفضات الجوية التي تأتي من ناحية البحر المتوسط، فالمعروف أن أمطار البحر المتوسط في جملتها أمطار إعصارية وأنها تأتي مع المنخفضات التي تتحرك عادة من الغرب إلى الشرق, ويزداد نشاط هذه المنخفضات بصفة خاصة في فصل الشتاء، ولكنها تظهر كذلك ولكن بصورة أقل في فصلي الربيع والخريف, وتكون مسارات منخفضات الربيع واقعة في الغالب على طول السواحل الجنوبية للبحر المتوسط أو إلى الجنوب منها، وقد ينحرف بعضها نحو الجنوب أو الجنوب الشرقي ويسير على طول البحر الأحمر حتى أواسطه قبل أن يعود للاتجاه شرقًا عبر شبه الجزيرة العربية إلى منطقة الخليج العربي. وهذه المنخفضات هي التي تسبب معظم الاضطرابات الجوية الربيعية في هذه المناطق. ومن أهمها حدوث موجات حرارية شديدة أو حدوث زوابع
стр. 525
ترابية كثيفة ولئن سقطت بسببها بعض الأمطار فإنها تكون غالبًا أمطارًا قليلة. أما أكثر الأمطار فتأتي في الشتاء بسبب زيادة نشاط المنخفضات الجوية في هذا الفصل عنها في أي فصل آخر.
وتلعب ظروف الموقع الفلكي والمواقع بالنسبة للبحار واتجاه السواحل والمنحدرات بالنسبة لاتجاه الرياح الممطرة وغير ذلك من العوامل الجغرافية أدوارًا متباينة في تحديد كمية الأمطار ونوعها ونظام سقوطها وطول فصل سقوطها ووقت ظهور قمتها، ولذلك فإن الدراسة العامة لأمطار العالم العربي لا يمكن أن تغني عن الدراسة التفصيلية لظروف كل منطقة.
ويتباين فصل سقوط المطر وطوله في الوطن العربي على حسب الموقع بالنسبة للبحر المتوسط من جهة وبالنسبة للنطاق الاستوائي أو الموسمي سواء في إفريقيا أو آسيا من جهة أخرى. ومع ذلك فإننا سنقسم المناطق الممطرة في العالم العربي بصفة عامة إلى قسمين هما:
أ- مناطق ممطرة شتاء.
ب- مناطق ممطرة صيفًا.
стр. 526
أولًا- المناطق الممطرة شتاء:
توجد هذه المناطق بصفة خاصة على امتداد السواحل الجنوبية والشرقية للبحر المتوسط، ولكنها تشمل كذلك معظم المشرق العربي بما في ذلك كل أراضي الخليج العربي وشمال شبه الجزيرة العربية. ووسطها، ولكن ما يستلفت النظر أنه بينما تسقط معظم أمطار مرتفعات اليمن ومرتفعات عسير في جنوب غرب المملكة السعودية في نصف السنة الصيفي فإن معظم الأمطار التي تسقط في كل المناطق السهلية المحيطة بها تسقط في الشتاء. وينطبق هذا على سواحل اليمن الجنوبي وسواحل عمان والسواحل الإفريقية المطلة على جنوب البحر الأحمر وخليج عدن وتشمل سواحل شمال شرقي السودان وسواحل اريتريا وجيبوتي وأجزاء من ساحل الصومال والسبب الرئيسي للأمطار الشتوية في هذه المناطق هو المنخفضات الجوية التي تتقدم عمومًا من الغرب
стр. 527
إلى الشرق والتي يصل تأثيرها أحيانًا إلى الأطراف الجنوبية للبحر الأحمر، وذلك عندما ينحرف أحدها نحو الجنوب على امتداد البحر الأحمر حتى يصل إلى أواسط هذا البحر قبل أن يعود للاتجاه شرقًا.
وبالنظر إلى خرائط توزيع المطر في المناطق المحيطة بالبحر المتوسط ومقارنتها بخرائط الرياح والتضاريس، نلاحظ الحقائق العامة الآتية:
١- أنه حيثما تتشابه العوامل المحلية التي تتحكم في سقوط المطر وتوزيعه، وخصوصًا ما يتعلق منها بالتضاريس واتجاه السواحل فإن الأمطار تتناقص عمومًا على طول سواحل هذا البحر. وعبر المشرق العربي من الغرب إلى الشرق فبينما يبلغ معدلها السنوي في مدينة الجزائر مثلًا ٧٥ سم فإنه يبلغ ٤٣ سم في طرابلس الغرب و١٩ سم في الإسكندرية و٦سم في بورسعيد و٥سم في بغداد و٥ سم في الكويت، إلا أن عامل التضاريس واتجاه المنحدرات والسواحل بالنسبة للرياح الممطرة قد يؤدي إلى زيادة الأمطار في أماكن خاصة وسط أقاليم أقل منها مطرًا بكثير.
بالإضافة إلى التناقص العام للمطر من الغرب إلى الشرق فإنه يتناقص تدريجيًّا كذلك كلما اتجهنا من الأطراف الشمالية للوطن العربي نحو النطاق الصحراوي، والذي يعتبر حاجزًا مناخيًّا كبيرًا يفصل بين الأقاليم الممطرة شتاء في الشمال والأقاليم الممطرة صيفًا في الجنوب.
٢- أن تعاريج السواحل واختلاف اتجاهاتها بالنسبة لاتجاه الرياح الممطرة يؤدي أحيانًا إلى تباين توزيع المطر تباينًا كبيرًا في قطاعات متجاورة من الساحل، فبغض النظر عن وجود الجبال بجوار بعض السواحل فإن أي تغيير في اتجاه الساحل بالنسبة لاتجاه الرياح الممطرة كفيل بأن يؤدي إلى تغير واضح في كمية المطر، ففي شمال إفريقيا مثلًا نجد أن السواحل المواجهة للشمال الغربي أو الغرب هي أكثر السواحل مطرًا، وخصوصًا إذا كانت تكتنفها جبال مرتفعة، أما أقلها مطرًا فهي السواحل المقوسة نحو الجنوب مثل سواحل
стр. 528
الخلجان المتسعة، والسواحل المواجهة للشرق أو الشمال الشرقي أو الجنوب الشرقي، وخصوصًا إذا كانت الجبال تكتنفها من ناحية الغرب لأنها تكون في هذه الحالة واقعة في ظل المطر. فعلى سواحل المغرب العربي مثلًا يتراوح معدل المطر السنوي على السواحل التونسية والجزائرية المقوسة نحو الشمال بين ٦٠ و٨٠ سم، بينما يتراوح بين ٣٠ و٥٠ سم على سواحل المملكة المغربية الممتدة إلى الشرق من منطقة الريف الجبلية ما عدا بعض أشباه الجزر البارزة في البحر مثل شبه الجزيرة التي تقع عليها مدينة مليلة، والتي تعرف باسم رأس السواري. كما تقل الأمطار بصورة أوضح على الساحل الشرقي لتونس، وفي شمال ليبيا نجد أن أقل السواحل مطرًا هي ساحل سهل الجفارة الذي يبدأ من حدود تونس في الغرب حتى مدينة الزاوية تقريبًا في الشرق، وكذلك ساحل خليج سرت بين ميناء مصراته في الغرب ومدينة أجدابية في الشرق، وساحل خليج بمبه الواقع في ظل المطر بالنسبة لمرتفعات شبه جزيرة برقة وامتداده نحو الشرق حتى الحدود المصرية، فعلى كل هذه السواحل تتراوح معدلات المطر السنوية بين ١٠ و١٥ سم. ولهذا السبب فإن الصحاري تمتد عندها حتى تصل إلى شاطئ البحر نفسه. وعلى العكس من ذلك نجد أن الأمطار تزيد بصورة واضحة على النتوء الساحلي الذي تقع عليه مدينة طرابلس وعلى كل السواحل الأخرى البارزة نحو الشمال والمتجه نحو الغرب أو الشمال الغربي ومنها الساحل الممتد بين مدينتي طرابلس والخمس والساحل الشمالي والشمالي الغربي لشبه جزيرة برقة. وتتراوح معدلات الأمطار على كل هذه السواحل بين ٤٠ و٦٠ سم. وهي تزداد بصفة خاصة على السواحل التي تكتنفها نطاقات جبلية مثل سواحل شبه جزيرة برقة.
وفي شمال مصر تكثر الأمطار نوعًا ما على سواحل الدلتا وعلى ساحل الإسكندرية وساحل سيدي براني، وهي المناطق التي تتقوس سواحلها نحو الشمال، وفيها تتراوح المعدلات السنوية بين ١٥ و٢٠سم، بينما لا تزيد على ١٥ سم في المناطق الأخرى التي تتقوس سواحلها نحو الجنوب مثل الساحل
стр. 529
الذي يمتد بين بلدة العامرية ومدينة مرسى مطروح، والذي تقع عليه بلدة الحمام، وكذلك الساحل الذي يمتد بين دمياط والعريش.
وإذا انتقلنا إلى سواحل فلسطين وسوريا ولبنان نجد أن امتدادها بين الشمال والجنوب يضعها في مواجهة الرياح الممطرة مباشرة تقريبًا, ولذلك فإنها تكون أكثر مطرًا من سواحل شمال مصر وليبيا بصفة عامة، وتزيد الأمطار على سواحل لبنان وسوريا بصفة خاصة بسبب وجود سلاسل الجبال بحذاء الساحل بينما تقل نوعًا ما في جنوب فلسطين لسببين هما: عدم وجود مثل هذه الجبال من ناحية والاقتراب من النطاق; الصحراوي الواقع إلى الجنوب منها من ناحية ثانية.
٣- أن تأثير التضاريس على توزيع الأمطار يبدو واضحًا في كل العالم العربي، فحيثما تكون الجبال ممتدة بموازاة السواحل المواجهة للرياح القادمة من البحر فإن معظم الأمطار تسقط على المنحدرات والسهول الساحلية المواجهة لها وتقل كثيرًا بل وربما تنعدم على المنحدرات والسهول الواقعة على الجانب المضاد، أي في ظل المطر، ويظهر هذا التوزيع بوضوح في كل المناطق الجبلية المجاورة للبحر المتوسط في سوريا ولبنان وشمال ليبيا والمغرب العربي، كما أن التضاريس المعقدة وانقسام المناطق الجبلية إلى كتل أو سلاسل تفصل بعضها عن بعض وديان أو أحواض منخفضة يؤدي إلى ظهور أنواع مناخية متباينة في مناطق متجاورة، وينطبق هذا بوضوح على نفس الأقاليم الجبلية السابقة، فعلى معظم المنحدرات الشمالية لسلاسل جبال أطلس التل مثلًا يزيد المعدل السنوي للأمطار على ٨٠ سم، بينما لا يزيد على المنحدرات الجنوبية لنفس السلاسل وفي هضبة الشطوط عن ٣٠ سم، ولكنه يعود فيزيد قليلًا على المنحدرات الشمالية لأطلس الصحراء التي لا تلبث المظاهر الصحراوية الحقيقية أن تسود على منحدراتها الجنوبية, ومن الطبيعي أن ينعكس توزيع الأمطار على كل مظاهر الحياة الطبيعية والبشرية التي تتباين كثيرًا في بعض المناطق المتجاورة، فعلى المنحدرات الشمالية لجبال أطلس التل تتكون الحياة النباتية عن غابات دائمة
стр. 530
الخضرة، بينما تتكون على منحدراتها الجنوبية وعلى هضبة الشطوط والمنحدرات الشمالية لسلاسل أطلس الصحراء من حشائش الإستبس.
وكذلك في شمال ليبيا تسقط معظم الأمطار على المنحدرات الشمالية والشمالية الغربية لجبال برقة وجبال طرابلس. ولكنها تكثر بصفة خاصة على جبال برقة بسبب مجاورتها للبحر وبروزها فيه بشكل شبه جزيرة كبيرة بينما تقل نوعًا ما على جبال طرابلس التي يفصل قطاعها الأوسط والغربي عن البحر سهل متسع هو سهل الجفارة الذي يبلغ أقصى اتساعه في الغرب، ولهذا فإن القسم المطير فعلًا من جبال طرابلس هو قسمها الشرقي المجاور للبحر. ففي هذا القسم وكذلك على المنحدرات الشمالية والغربية لجبال برقة تتراوح معدلات المطر السنوية بين ٢٥ و٤٥ سم وفيها تكون الحياة النباتية السائدة عبارة عن غابات أو أحراج دائمة الخضرة بينما تتناقص النباتات كلما ابتعدنا عن البحر حتى تنتهي في النطاق الصحراوي الممتد إلى الجنوب من الجبال.
وتتكرر نفس الصورة كذلك في المناطق الجبلية في شرقي البحر المتوسط، حيث تستأثر المنحدرات الغربية في سوريا ولبنان بمعظم الأمطار وتكون الحياة النباتية الطبيعية في جملتها مكونة من غابات وأحراج دائمة الخضرة, وتتناقص الأمطار بسرعة كلما اتجهنا شرقًا حيث تظهر مناطق من الحشائش على المنحدرات الشرقية وفي السهول القريبة منها وفي بعض الأحواض المحصورة بين الجبال ثم تتناقص الأمطار وتنتشر المظاهر الصحراوية بسرعة نحو الشرق.