Полный текст (2 180 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
لوارث خبر واحد إذ لو قلنا إنه كان متواترا لوجب أن يكون الآن متواترا لأنه خبر في واقعة مهمة تتوفر الدواعي على نقله وما كان كذلك وجب بقاؤه متواترا وحيث لم يبق الآن متواترا علمنا أنه ما كان متواترا في الأصل فالقول بأن الآية صارت منسوخة به يقتضي نسخ القرآن بخبر الواحد وإنه غير جائز بالإجماع واحتج الشافعي ﵁ بأمور الأول قوله تعالى ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها والاستدلال من وجوه أربعة أحدها أنه تعالى أخبر أن ما ينسخه من الآيات يأت بخير منه وذلك يفيد أنه تعالى يأتي بما هو من جنسه كما إذا قال للإنسان ما أخذ منك من ثوب آتك بخير منه أنه يأتيه بثوب من جنسه خير منه وأذا ثبت أنه لا بد وأن يكون من جنسه فجنس القرآن قرآن وثانيها أن قوله تعالى نأت بخير منها يفيد أنه هو المتفرد بالإتيان
стр. 1087
بذلك الخير وذلك هو القرآن الذي هو كلام الله تعالى دون السنة التي يأتي بها الرسول ﵇ وثالثها أن قولتعالى نأت بخير منها يفيد أن المأتي به خير من الآية
والسنة لا تكون خيرا من القرآن ورابعها أنه تعالى قال ألم تعلم أن الله على كل شئ قدير دل على أن الذي يأتي بخير منها هو المختص بالقدرة على إنزاله وهذا هو القرآن دون غير الثاني قوله تعالى لتبين للناس ما نزل إليهم فوصفه بأنه مبين للقرآن ونسخ العبادة رفعها ورفعها ضد بيانها الثالث قوله تعالى وإذا بدلنا آية مكان آية أخبر تعالى بأنه هو الذي يبدل الآية بالآية الرابع أنه تعالى حكى عن المشركين أنهم قالوا عند تبديل الآية بالآية إنما أنت مفتر ثم إنه تعالى أزال هذا الإبهام بقوله قل نزله روح
стр. 1088
القدس من ربك وهذا يقتضي أن ما لم ينزله روح القدس من ربه لا يكون مزيلا للإبهام الخامس قوله تعالى قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي وهذا يدل على أن القرآن لا تنسخه السنة السادس
أن ذلك يوجب التهمة والنفرة والجواب عن الوجوه التي تمسكوا بها في الآية الأولى بوجه عام ثم بما يخص كل واحد من تلك الوجوه أما العام فهو أن قوله تعالى نأت بخير منها ليس فيه أن ذلك الخير يجب أن يكون ناسخا بل لا يمتنع أن يكون ذلك الخير شيئا مغايرا للناسخ يحصل بعد حصول النسخ والذي يدل على تحقق هذا الاحتمال أن هذه الآية صريحة في أن الإتيان بذلك الخير مرتب على نسخ
стр. 1089
الآية الأولى فلو كان نستلك الآية مرتبا على الإتيان بذلك الخير لزم ترتب كل واحد منهما على الآخر وهو دور وأما الوجوه الخاصة فالجواب عن الأول لا نسلم أن ذلك الخير لا بوأن يكون من جنس الآية المنسوخة فليس تعلقهم بالمثال الذي ذكروه أولى من مثاآخر وهو أن يقول القائل من يلقني بحمد وثناء جميل محمد ألقه بخير منه في أنه لا يقتضي أن الذي يلقاه به من جنس الحمد والثناء أو من قبيل المنحة والعطاء وعن الثاني وهو أن قوله نأت بخير منها يفيد أنه هو المتفرد بالإتيان بذلك الخير أن نقول المراد بالإتيان شرع الحكم وإلزامه والسنة في ذلك كالقرآن في أن المثبت لهما هو الله تعالى
وعن الثالث وهو قوله السنة لا تكون خيرا من القرآن أن نقول
стр. 1090
إذا كان المراد بالخير الأصلح في التكليف والأنفع في الثواب لم يمتنع أن يكون مضمون السنة خيرا من مضمون الآية وعن الرابع أن النسخ رفع الحكم سواظهر ذلك بالقرآن أو بالسنة وعلى التقديرين فالله تعالى هو المتفرد به والجواب عن الحجة الثانية أن النسخ لا ينافي البيان لأنه تخصيص للحكم بالأزمان كما أن التخصيص تخصيص للحكم بالأعيان والجواب عن الحجة الثالثة أن الناسخ سواء كان قرآنا أو خبرا فالمبدل في الحقيقة هو الله تعالى والجواب عن الحجة الرابعة أن من يتهم الرسول ﵊ فإنما يتهمه لأنه يشك
стр. 1091
في نبوته ومن تكن هذه حاله فالنبي ﵊ مفتر عنده سواء نسخ الكتاب بالكتاب أو بالسنة والمزيل لهذه التهمة التمسك بمعجزاته والجواب عن الحجة الخامسة وهي قوله تعالى ائت بقرآن غير هذا أو بدله إنه يدل على أنه ﵊ لا ينسخ إلا بوحي ولا يدل على أن الوحي
لا يكون إلا قرآنا والجواب عن الحجة السادسة أن النفرة زائلة بالدليل الدال على أنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى والله أعلم المسألة الرابعة في كون الإجماع منسوخا وناسخا الإجماع إنما ينعقد دليلا بعد وفاة الرسول ﵊ لأنه ما دام ﵊ حيا لم ينعقد الإجماع من دونه لأنه ص سيد المؤمنين ومتى وجد قوله ﵊ فلا عبرة بقول غيره
стр. 1092
فإذن الإجماع إنما ينعقد دليلا بعد وفاة الرسول ﵊ إذا ثبت هذا فنقول لو انتسخ الإجماع لكان انتساخه إما بالكتاب أو بالسنة أو بالإجماع أو بالقياس الكل باطل أما بالكتاب والسنة فلأنه لا يخلو إما أن يقال إنهما كانا موجودين وقت انعقاد ذلك الإجماع أو ما كانا موجودين في ذلك الوقت فإن كانا موجودين مع أن الأمة حكمت على خلافهما كانت الأمة مجمعة على الخطأ ذاهبة عن الحق وإنه غير جائز وإن لم يكونا موجودين استحال حدوثهما بعد ذلك لاستحالة أن يحدث كتاب أو سنة بعد وفاة الرسول ﵊ وأما بالإجماع فلأن انعقاد هذا الإجماع الثاني إما أن يكون لا عن دليل
стр. 1093
أو عن دليل فإن لم يكن عن دليل كان ذلك إجماعا على الخطأ وإنه غير جائز وإن كان عن دليل عاد التقسيم الأول من أن يقال إن ذلك الدليل أما أن يكون حال انعقاد الإجماع الأول أو حدث بعده وقد بينا فساد هذين القسمين فإن قلت أليس أن الأمة إذا اختلفت على قولين فقد جوزت للعامي أن يأخذ بأيهما شاء ثم إذا اتفقت بعذ ذلك على أحدهما فقد منعت العامي من الأخذ بذلك القول الثاني فها هنا الإجماع الثاني ناسخ لحكم الإجماع الأول قلت الأمة إنما جوز ت للعامي الأخذ بأي القولين شاء بشرط أن لا يحصل الإجماع على أحد القولين فكان الإجماع الأول مشروطا بهذا الشرط فإذا وجد الإجماع فقد زال شرط الإجماع الأول فانتفى الإجماع الأول لانتفاء شرطه لا لأن الثاني نسخه
стр. 1094
وأما بالقياس فلأن شرط صحة القياس عدم الإجماع فإذا وجد الإجماع لم يكن القياس صحيحا فلم يجز نسخه به وأما كون الإجماع ناسخا فقد جوزه عيسى بن أبان والحق أنه لا يجوز لنا أن المنسوخ بالإجماع إما أن يكون نصا أو إجماعا أو قياسا
والأول يقتضي وقوع الإجماع على خلاف النص وخلاف النص خطأ والإجماع لا يكون خطأ والثاني أيضا باطل لأن الإجماع المتأخر إما أن يقتضي أن الإجماع الأول حين وقع وقع خطأ أو يقتضي أنه كان صوابا ولكن إلى هذه الغاية والأول باطل لأن الإجماع لا يكون خطأ ولو جاز ذلك لما كان المنسوخ به أولى من الناسخ وإن كان صوابا حين وقع ولكن كان مؤقتا فلا يخلو ذلك الإجماع المتقدم المفيد للحكم المؤقت من أن يكون مطلقا أو مؤقتا فإن كان مطلقا استحال أن يفيد الحكم مؤقتا
стр. 1095
وإن كان مؤقتا إلى غاية فذلك الإجماع ينتهي عند حصول تلك الغاية بنفسه فلا يكون الإجماع المتأخر رافعا له والثالث باطل لأن هذه المسألة لا تتصور إلا إذا اقتضي القياس حكما ثم أجمعوا على خلاف حكم ذلك القياس فحينئذ يزول حكم ذلك القياس بعد ثبوته لتراخي الإجماع عنه وهذا محال لأن شرط صحة القياس عدم الإجماع فإذا وجد الإجماع فقد زال شرط صحة القياس وزوال الحكم لزوال شرطه لا يكون نسخا المسألة الخامسة في كون القياس منسوخا وناسخا أما كونه منسوخا فنقول نسخ القياس إما أن يكون في زمان حياة الرسول ﵊ أو بعد وفاته فإن كان حال حياته فلا يمتنع رفعه بالنص أو بالإجماع أو
بالقياس أما بالنص فبأن ينص الرسول ﵊ في الفرع على خلاف الحكم الذي يقتضيه القياس بعد استقرار التعبد بالقياس
стр. 1096
وأما بالإجماع فلأنه إذا اختلفت الأمة على قولين قياسا ثم أجمعوا على أحد القولين كان إجماعهم على أحد القولين رافعا لحكم القياس الذي اقتضاه القول الآخر وأما بالقياس فبأن ينص في صورة على خلاف ذلك الحكم ويجعله معللا بعلة موجودة في ذلك الفرع وتكون أمارة عليتها أقوى من أمارة علية الوصف للحكم الأول في الأصل الأول ويكون كل ذلك بعد استقرار التعبد بالقياس الأول وأما بعد وفاة الرسول ﵊ فإنه يجوز نسخه في المعنى وإن كان ذلك لا يسمى نسخا في اللفظ أما بالنص فكما إذا اجتهد إنسان في طلب النصوص ثم لم يظفر بشئ أصلا ثم اجتهد فحرم شيئا بقياس ثم ظفر بعذ ذلك بنص أو إجماع أو قياس أقوى من القياس الأول على خلافه فإن قلنا كل مجتهد مصيب كان هذا الوجدان ناسخا لحكم القياس
стр. 1097
الأول لكنه لا يسمى ناسخا لأن القياس إنما يكون معمولا به بشرط أن لا يعارضه شئ من ذلك وإن قلنا المصيب واحد لم يكن القياس الأول متعبدا به فلم يكن النص الذي وجده أخرا ناسخا لذلك القياس
وأما كون القياس ناسخا فهو إما أن ينسخ كتابا أو سنة أو إجماعا أو قياسا والأقسام الثلاثة الأول باطلة بالإجماع وأما الرابع وهو كونه ناسخا لقياس آخر فقد تقدم القول فيه والله أعلم المسألة السادسة في كون الفحوى منسوخا وناسخا أما كونه منسوخا فقد اتفقوا على جواز نسخ الأصل والفحوى معا وأما نسخ الأصل وحده فإنه يقتضي نسخ الفحوى لأن الفحوى تبع الأصل وإذا زال المتبوع زال التبع لا محالة وأما نسخ الفحوى مع بقاء الأصل فاختيار أبي الحسين ﵀ إنه لا يجوز قال لأن فحوى القول لا يرتفع مبقاء الأصل إلا
стр. 1098
وينتقض الغرض لأنه إذا حرم علينا التأفيف على سبيل الإعظام للأبوين كانت إباحة ضربهما نقضا للغرض وأما كونه ناسخا فمتفق عليه لأن دلالته إن كانت لفظية فلا كلام وإن كانت عقلية فهي يقينية فتقتضي النسخ لا محالة والله أعلم
стр. 1099
القسم الثالث فيما ظن أنه ناسخ وليس كذلك وفيه مسائل المسألة الأولى اتفق العلماء على أن زيادة عبادة على العبادات لا يكون نسخا
للعبادات ولا زيادة صلاة على الصلوات وإنما جعل أهل العراق زيادة صلاة على الصلوات الخمس نسخا لقوله تعالى حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين لأنه يجعل ما كان وسطى غير وسطى فقيل لهم ينبغي أن تكون زياردة إلى عبادة على آخر العبادات نسخا لأنه يجعل العبادة الأخيرة غير أخيرة ولو كان عدد كل الواجبات قبل الزيادة عشرة فبعد الزيادة لا يبقى ذلك فيكون نسخا أما الزيادة التي لا تكون كذلك فقد اختلفوا فيها
стр. 1100
فمذهب الشافعي ﵁ أنها ليست نسخا وهو قول أبي علي وأبي هاشم وقالت الحنفية إنها نسخ ومنهم من فصل ونذكر فيه وجهين أحدهما أن النص إن أفاد من جهة دليل الخطاب أو الشرط خلاف ما أفادته الزيادة كانت الزيادة نسخا وإلا فلا وثانيهما قول القاضي عبد الجبار إن كانت الزيادة قد غيرت المزيد عليه تغييرا شديدا حتى صار المزيد عليه لو فعل بعد الزيادة على حد ما كان يفعل قبلها كان وجوده كعدمه ووجب استئنافه فإنه يكون نسخا نحو زيادة ركعة على ركعتين وإن كان المزيد عليه لو فعل على حد ماكان يفعل قبل الزيادة
صح فعله واعتد به ولم يلزم استئناف فعله وإنما يلزم أيضم إليه غيره
стр. 1101
لم يكن نسخا نحو زيادة التغريب على الجلد وزيادة عشرين على حد القذف واعلم أن لأبي الحسين البصري ﵀ طريقة في هذه المسألة هي أحسن من كل ما قيل فيها فقال النظر في هذه المسألة يتعلق بأمور ثلاثة أحدها أن الزيادة على النص هل تقتضي زوال أمر أم لا والحق أنه يقتضيه لأن إثبات كل شئ أقل من أن يقتضي زوال عدمه الذي كان وثانيها أن هذه الإزالة هل تسمى نسخا والحق أن الذي يزول بسبب هذه الزيادة إن كان حكما شرعيا وكانت الزيادة متراخية عنه سميت تلك الإزالة نسخا وإن كان حكما عقليا وهو البراءة الأصلية لم تسم تلك الإزالة نسخا وثالثها أنه هل تجوز الزيادة على النص بخبر الواحد والقياس أم لا
стр. 1102
والحق أنه إن كان الزائل حكم العقل وهو البراءة الأصلية جاز ذلك إلا أن يمنع منه مانع خارجي كما لو قيل خبر الواحد لا يكون حجة
فيما تعم به البلوى والقياس لا يكون حجة في الحدود والكفارات إلا أن هده الموانع لا تعلق لها بالنسخ من حيث هو نسخ وأما إن كان الحكم الزائل شرعيا فلينظر في دليل الزيادة فإن كان بحيث يجوز أن يكون ناسخا لدليل الحكم الزائل جاز إثبات الزيادة وإلا فلا فهذا حظ البحث الأصولي ولنحقق كان ذلك في المسائل الفقهية المفرعة على هذا الأصل وهي ثمانية الحكم الأول زيادة التغريب أو زيادة عشرين على جلد ثمانين لا يزيل إلا نفي وجوب ما زاد على الثمانين وهذا النفي غير معلوم بالشرع لأن إيجاب الثمانين قدر مشترك بين إيجاب الثمانين مع نفي الزائد وبين إيجابه مع ثبوت الزيادة وما به الاشتراك لا اشعار له بما به الامتياز فإيجاب الثمانين لا اشعار له ألبتة بالزائد لا نفيا ولا إثباتا إلا أن نفي الزيادة معلوم بالعقل فإن البراءة الأصلية معلومة بالعقل ولم ينقلنا عنه دليل شرعي
стр. 1103
وإذا كان ذلك حكما عقليا جاز قبول خبر الواحد والقياس فيه إلا أن يمنع مانع سوى النسخ وأما كون الثمانين وحدها مجزية وكونها وحدها كمال الحد وتعليق رد الشهادة عليها فكل ذلك تابع لنفي وجوب الزيادة فلما كان ذلك النفي معلوما بالعقل جاز قبول خبر الواحد والقياس فيه فكما أن الفروض لو كانت خمسا لتوقف على أدائها الخروج عن عهدة التكليف وقبول الشهادة فلو زيد فيها شئ آخر لتوقف الخروج عن عهدة
التكليف وقبول الشهادة على أداء ذلك المجموع مع أنه يجوز إثباته بخبر الواحد والقياس فكذا ها هنا أما لو قال الله تعالى الثمانون كمال الحد وعليها وحدها يتعلق رد الشهادة لم نقبل في الزيادة ها هنا خبر الواحد والقياس لأن نفي وجوب الزيادة ثبت بدليل شرعي متواتر وأيضا لو كان إيجاب الثمانين يقتضي على سبيل المفهوم نفي الزائد وثبت أن مفهوم المتواتر لا يجوز نسخه بخبر الواحد والقياس لكنا لا نثبت ذلك بخبر الواحد والقياس
стр. 1104
الحكم الثاني تقييد الرقبة بالإيمان هو في معنى التخصيص لأنه يخرج عتق الكافرة من الخطاب فإن كان المقتضي لهذا التقييد خبر واحد أو قياسا وكان متراخيا لم يقبل لأن عموم الكتاب أجاز عتق الكافرة فتأخير حظر عتقها في الكفارة هو النسخ بعينه فلم يقبل فيه خبر واحد ولا قياس وإن كانا متقارنين فهو تخصيص والتخصيص بخبر الواحد والقياس يجوز الحكم الثالث إذا قطعت يد السارق وإحدى رجليه ثم سرق فإباحة قطع رجله الأخرى رفع لحظر قطعها وذلك الحظر إنما ثبت بالعقل فجاز رفعه بخبر الواحد والقياس ولم يسم نسخا الحكم الرابع
إذا أمرنا الله تعالى بفعل أو قال هو واجب عليكم ثم خيرنا بين
стр. 1105
فعله وبين فعل آخر فهذا التخيير يكون نسخا لحظر ترك ما أوجبه علينا إلا أن حظر تركه كان معلوما بالبقاء على حكم العقل وذلك لأن قوله أوجبت عليكم هذا الفعل يقتضي أن للإخلال به تأثيرا في استحقاق الذم وهذا لا يمنع من أن يقوم مقامه واجب آخر وإنما نعلم أن غيره لا يقوم مقامه لأن الأصل أن غيره غير واجب ولو كان واجبا بالشرع لدل عليه دليل شرعي فصار علمنا بنفي وجوبه موقوفا على أن الأصل نفي وجوبه مع نفي دليل شرعي فالمثبت لوجوبه إنما رفع حكما عقليا فجاز أن يثبته بقياس أو خبر واحد مثال ذلك أن يوجب الله تعالى علينا غسل الرجلين ثم يخيرنا بينه وبين المسح على الخفين وكذلك إذا خيرنا الله تعالى بين شيئين ثم أثبت معهما ثالثا فأما إذا قال الله تعالى هذا الفعل واجب وحده أو قال لا يقوم غيره مقامه فإن إثبات بدل له فيما بعد رافع لما علمناه بدليل شرعي لأن قوله هذا واجب وحده صريح في نفي وجوب غيره
стр. 1106
فالمثبت لغيره رافع لحكم شرعي فلم يجز كونه خبر واحد ولا قياسا فأما قوله تعالى واستشهدو شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان فهو تخيير بين استشهاد رجلين أو رجل وامرأتين والحكم بالشاهد واليمين زيادة في التخيير وقد بينا أن الزيادة في التخيير ليس بنسخ يمنع من قبول خبر الواحد
والقياس فيه ومن قال الحكم بالشاهد واليمين نسخ لهذه الآية يلزمه أن يكون الوضوء بالنبيذ نسخا لقوله تعالى فلم تجدوا ماء فتيمموا الحكم الخامس إذا كانت الصلاة ركعتين فقط فزيد عليها ركعة أخرى قبل التشهد فإن ذلك يكون ناسخا لوجوب التشهد عقيب الركعتين وذلك حكم شرعي معلوم بطريقة معلومة فلا يثبت بخبر واحد ولا قياس وليس ذلك نسخا للركعتين لأن النسخ لا يتناول الأفعال ولا هو نسخ لوجوبهما فإنه ثابت ولا هو نسخ لإجزائهما لأنهما مجزيتان
стр. 1107
أبو وإنما كانتا مجزيتين أو من دون رفعة أخرى والآن لا يجزيان إلا مع ركعة أخرى وذلك تابع لوجوب ضم ركعة أخرى ووجوب ركعة أخرى ليس يرفع إلا نفي وجوبها ونفي وجوبها إنما حصل بالعقل فلم يمتنع من هذه الجهة إن يقبل فيه خبر الواحد والقياس وأما إذا زيدت الركعة بعد التشهد وقبل التحلل فإنه يكون نسخا لوجوب التحلل بالتسليم أو يكون ناسخا لكونه ندبا وذلك حكم شرعي معلوم فلم يجز إن يقبل فيه خبر الواحد ولا القياس فأما كونه ناسخا للركعتين أو لوجوبهما أو لإجزائهما فالقول فيه ما ذكرناه الآن الحكم السادس زيادة غسل عضو في الطهارة ليس بنسخ لإجزائها ولا لوجوبها وإنما هو رفع لنفي وجوب غسل ذلك العضو وذلك النفي معلوم
بالعقل وكذا زيادة شرط آخر في الصلاة لا يقتضي نسخ وجوب الصلاة فأما كون الصلاة غير مجزية بعد زيادة الشرط الثاني فهو تابع لوجوب ذلك الشرط وإجزاؤها تابع وجوبه ونفي وجوبه لم يعلم بالشرع فكذلك لنفي ما يتبعه فجاز قبول خبر الواحد والقياس فيه
стр. 1108
هذا إن لم نكن قد علمنا نفي وجوب هذه الأشياء من دين النبي ﵊ باضطرار فأما إن علمناه باضطرار فقد صار معلوما بالشرع مقطوعا به فلم يجز بخبر الواحد والقياس الحكم السابع قوله تعالى ثم أتموا الصيام إلى الليل فإنه يفيد كون أول الليل طرفا وغاية للصيام كما يفيده لو قال تعالى آخر الصيام وغايته الليل لأن لفظة إلى موضوعة للغاية فإيجاب الصوم إلى غيبوبة الشفق يخرج أوله عن أن يكون طرفا مع أن الخطاب يفيده وفي ذلك كونه حقيقة فلا يقبل فيه خبر واحد ولا قياس لأن نفي وجوب صوم أول الليل معلوم بدليل قاطع أما لو قال صوموا النهار ثم جاء الخبر بإتمام الصوم إلى غيبوبة الشفق لم يكن ذلك نسخا لأن الخبر لم يثبت ما نفاه النص لأن النص لم يتعرض لليل وإنما نفينا الصوم بالليل لأن الأصل أن لا صوم وقامت الدلالة في النهار خاصة على وجوب الصوم فبقي الليل على حكم العقل
стр. 1109
الحكم الثامن لو قال الله تعالى صلوا إن كنتم متطهرين فإنه لا يمتنع أن يقبل خبر الواحد والقياس في إثبات شرط آخر للصلاة لأن إثبات بدل الشرط لا يخرجه عن أن يكون شرطا إذ لا يمتنع أن يكون للحكم شرطان وليس كذلك إثبات صوم جزء من الليل لأن ذلك يخرج أول الليل من أن يكون له غاية وأما نفي كون الشرط الآخر شرطا فلم يعلم إلا بالعقل فلم يكن رفعه رفعا لحكم شرعي والله أعلم المسألة الثانية شك في أن النقصان من العبادة نسخ لما أسقط ولا شك في أن مالا تتوقف عليه صحة العبادة لا يكون نسخه نسخا للعبادة كما لو قال أوجبت الصلاة والزكاة ثم قال نسخت الزكاة أما الذي تتوقف صحة العبادة عليه فذلك قد يكون جزءا من ماهية العبادة وقد يكون خارجا عنها واختلفوا فيه
стр. 1110
فقال الكرخي نقصان ما تتوقف العبادة عليه سواء كان جزءا أو خارجا لا يقتضي نسخ العبادة وهو المختار وقال القاضي عبد الجبار نقصان الجزء يقتضي نسخ الباقي ونقصان الشرط المنفصل لا يقتضي نسخ الباقي فنقول الدليل عليه أن نسخ أحد الجزأين لا يقتضي نسخ الجزء الآخر وذلك لأن الدليل المقتضي للكل كان متناولا للجزأين فخروج أحد الجزأين لا يقتضي خروج الجزء الآخر كسائر أدلة التخصيص
واحتجوا بأن نقصان الركعة من الصلاة يقتضي رفع وجوب تأخير التشهد ونفي إجزائها من دون الركعة لأن قبل النسخ ما كان تجوز الصلاة من دون هذه الركعة وأيضا إن كانت الركعة لما نسخت أوحبت) علينا أن نخلي الصلاة منها فقد ارتفع إجزاء الصلاة إذا فعلناها مع الركعة المنسوخة وإجزاء الصلاة مع الركعة قد يكون حكما شرعيا فجاز أن يكون رفعه نسخا
стр. 1111
والجواب أن هذه احكام للركعة الباقية مغايرة لذاتها فكان نسخها مغايرا لنسخ تلك الذات وأما نقصان الشرط المنفصل من العبادة فلا يقتضي نسخ العبادة لأنهما عبادتان فإذا نسخ إحداهما لدليل مقصور عليها لم يجز نسخ الآخرى فعلى هذا نسخ الوضوء لا يكون نسخا للصلاة بل نفي الإجزاء مع فقد الطهارة قد زال وذلك لأن الصلاة ما كانت تجزئ بلا طهارة فإذا نسخ وجوب الطهارة صارت مجزية وارتفع نفي إجزائها فإن أراد الإنسان بقوله إن نسخ الوضوء يقتضي نسخ الصلاة هذا المعنى فصحيح لكن الكلام موهم لأن إطلاق القول بأالصلاة منسوخة هو أنه قد خرجت عن الوجوب أو عن أن تكون عبادة والله أعلم
стр. 1112
القسم الرابع في الطريق الذي به يعرف كون الناسخ ناسخا والمنسوخ منسوخا قد يعلم عبد ذلك باللفظ تارة وبغيره اخرى أما اللفظ فهو أن يوجد لفظ النسخ أما بأن يقول هذا منسوخ أو يقول ذاك ينسخ هذا وأما غير اللفظ فهو أن يأتي بنقيض الحكم الأول أو بضده مع العلم بالتاريخ مثال النقيض قوله تعالى الآن خفف الله عنكم فإنه نسخ لثبات الواحد للعشرة لأن التخفيف نفي للثقل المذكور ومثال الضد التحويل من قبلة إلى أخرى لأن التوجه إلى
стр. 1113
الكعبة ضد التوجه إلى بيت المقدس وأما التاريخ فقد يعلم باللفظ أو بغيره أما اللفظ فكما إذا قال أحد الخبرين قبل الآخر وأما غير اللفظ فعلى وجوه أحدها أن يقول هذا الخبر ورد سنة كذا وهذا في سنة كذا وثانيها أن يعلق أحدهما على زمان معلوم التقدم والآخر بالعكس كما لو قال كان هذا في غزاة بدر والآخر في غزاة أحد وهذه الآية نزلت قبل
الهجرة والأخرى بعدها وثالثها أن يروي أحدهما رجل متقدم الصحبة لرسول الله ﷺ ويروي الآخر رجل متأخر الصحبة وانقطعت صحبة الأول للرسول ﵇ عند ابتداء الآخر بصحبته فهذا يقتضي أن يكون خبر الأول متقدما
стр. 1114
أما لو دامت صحبة المتقدم مع الرسول ﵊ لم يصح هذا الاستدلال ويتفرع على هذا الأصل مسائل مسألة قال القاضي عبد الجبار الصحابي إذا قال في أحد الخبرين
стр. 1115
المتواترين إنه كان قبل الآخر قبل ذلك وإن لم يقبل قوله في نسخ المعلوم كما تقبل شهادة الشاهدين في الإحصان الذي يترتب عليه الرجم وإن لم يقبل في إثبات الرجم وكما يقبل قول القابلة في الولد إنه من إحدى المرأتين وإن كان يترتب على ذلك ثبوت نسب الولد من صاحب الفراش مع أن شهادة المرأة لا تقبل في ثبوت النسب قال أبو الحسين ﵀ هذا يقتضي الجواز العقلي في قبول خبر الواحد في تاريخ الناسخ ولا يقتضي وقوعه إلا إذا تبين أنه يلزم من ثبوت أحد الحكمين ثبوت الآخر مسألة اذا قال الصحابي كان هذا الحكم ثم نسخ كقولهم إن خبر الماء
стр. 1116
المتواترين إنه كان قبل الآخر قبل ذلك وإن لم يقبل قوله في نسخ المعلوم كما تقبل شهادة الشاهدين في الإحصان الذي يترتب عليه الرجم وإن لم يقبل في إثبات الرجم وكما يقبل قول القابلة في الولد إنه من إحدى المرأتين وإن كان يترتب على ذلك ثبوت نسب الولد من صاحب الفراش مع أن شهادة المرأة لا تقبل في ثبوت النسب قال أبو الحسين ﵀ هذا يقتضي الجواز العقلي في قبول خبر الواحد في تاريخ الناسخ ولا يقتضي وقوعه إلا إذا تبين أنه يلزم من ثبوت أحد الحكمين ثبوت الآخر مسألة اذا قال الصحابي كان هذا الحكم ثم نسخ كقولهم إن خبر الماء
стр. 1117
من الماء نسخ بخبر التقاء الختانين لم يكن ذلك حجة لأنه يجوز أن يكون قاله اجتهادا فلا يلزمنا وعن الكرخي أن الراوي إذا عين الناسخ فقال هذا نسخ هذا جاز أن يكون قاله اجتهادا فلا يجب الرجوع إليه وإلم يعين الناسخ بل قال هذا منسوخ وجب قبوله لأنه لولا ظهور النسخ فيه لما أطلق النسخ اطلاقا وهذا ضعيف فلعله قاله لقوة ظنه في أن الأمر كذلك وإن كان قد أخطأ فيه والله أعلم بالصواب وبهذا انتهي المجلد الاول من المخطوطات التي تم تحقيق الكتاب عليها بحسب تقسيم المصنف ومن نقلوا عنه.
стр. 1118
بسم الله الرحمن الرحيم جميع الحقوق محفوظة للناشر الطبعة الثالثة ١٤١٨ هـ / ١٩٩٧ م
стр. 1119
المحصول في علم أصول الفقه للامام الاصولي النظار المفسر فخر الدين محمد بن عمر بن الحسين الرازي ٥٤٤ - ٦٠٦ هـ / ١١٤٩ - ١٢٠٩ م دراسة وتحقيق الدكتور طه جابر فياض العلواني الجزء الرابع مؤسسة الرسالة
стр. 1120
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 1121
نموذج لورقة الغلاف من نسخة دار الكتب المصرية أصول والتي رمزنا لها ب (س)
стр. 1122
نموذج للورقة الاولى من نسخة دار الكتب المصرية أصول والتي رمزنا لها ب (س) .
стр. 1123
نموذج الورقة الاخيرة من نسخة دار الكتب المصرية أصول والتي رمزنا لها ب (س) .
стр. 1124
نموذج من الورقة التي تبدأ بها نسخة سوهاج والتي رمزنا لها ب (ج) .
стр. 1125
نموذج الورقة الثانية من النسخة سوهاج التي رمزنا لها ب (ج) وتلاحظ آثار الرطوبة عليها.
следующие страницы →