Полный текст (2 180 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.
стр. 1156
دون القلب مجاز فإذا جاز لكم حمل الآية على هذا المجاز فلم لا يجوز لنا حملها على مجاز آخر وهو أن نقول المراد إيجاب متابعة السبيل الذي من شأنه أن يكون سبيلا للمؤمنين كما إذا قيل اتبع سبيل الصالحين لا يراد به وجوب اتباع سبيل من يعتقد فيه كونه صالحا بل وجوب اتباع السبيل الذي يجب أن يكون سبيلا للصالحين سلمنا دلالة الآية على كون الإجماع حجة لكن دلالة قطيعة أم ظنية الأول ممنوع والثاني مسلم لكن المسألة قطعية فلا يجوز التمسك فيها بالدلائل الظنية بيانه ما تقدم في كتاب اللغات أن التمسك بالدلائل اللفظية لا يفيد اليقين ألبتة فإن قلت أنا نجعل هذه المسألة ظنية قلت إن أحدا من الأمة لم يقل إن الإجماع المنعقد بصريح القول دليل ظني بل كلهم نفوا ذلك فإن منهم من نفى كونه دليلا أصلا ومنهم من جعله دليلا قاطعا فلو أثبتناه دليلا ظنيا لكان هذا تخطئه لكل الأمة وذلك يقدح في الإجماع
стр. 1157
والعجب من الفقهاء أنهم أثبتوا الإجماع بعمومات الآيات والأخبار وأجمعوا على أن المنكر لما تدل عليه هذه العمومات لا يكفر ولا يفسق إذا كان ذلك الإنكار لتأويل ثم يقولون الحكم الذي دل عليه الإجماع مقطوع به ومخالفه كافر أو فاسق فكأنهم قد جعلوا الفرع أقوى من الأصل وذلك غفلة عظيمة
سلمنا دلالة هذه الآية على أن الإجماع حجة لكنها معارضة بالكتاب والسنة والمعقول أما الكتاب فكل ما فيه منع لكل الأمة من القول الباطل والفعل الباطل كقوله وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل والنهي عن الشئ لا يجوز إلا إذا كان المنهي عنه متصورا وأما السنة فكثيرة
стр. 1158
أحدها قصة معاذ وأنه لم يجر فيها ذكر الإجماع ولو كان ذلك مدركا شرعيا لما جاز الإخلال بذكره عند اشتداد الحاجة إليه لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز وثانيها قوله ﵊ لا تقوم الساعة إلا على شرار أمتي وثالثها قوله ﵇ لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ورابعها قوله ﵊ أن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينترعه (من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء
стр. 1159
جهالا فسئلوا فافتوا بغير علم فضلوا وأضلوا
وخامسها قوله ﵊ تعلموا الفرائض وعلموها الناس فإنها أول ما ينسى وسادسها قوله ﵊ من أشراط الساعة أن يرتفع العلم ويكثر الجهل
стр. 1160
وهذه الأحاديث بأسرها تدل على خلو الزمان عمن يقوم بالواجبات وأما المعقول فمن وجهين الأول أن كل واحد من الأمة جاز الخطأ عليه فوجب جوازه على الكل كما أنه لو كان كل واحد من الزنج أسود كان الكل سودا الثاني أن ذلك الإجماع إما أن يكون لدلالة أو لأمارة أو لا لدلالة ولا لأمارة فإن كان لدلالة فالواقعة التي أجمع عليها كل علماء العلم تكون واقعة عظيمة ومثل هذه الواقعة مما تتوفر الدواعي على نقل الدليل القاطع الذي لأجله أجمعوا فكان ينبغي اشتهار تلك الدلالة وحينئذ لا تبقى للتمسك بالإجماع فائدة وإن كان لأمارة فهو محال لأن الأمارات يختلف حال الناس فيها فيستحيل اتفاق الخلق على مقتضاها ولأن في الأمة من لم يقل بكون الأمارة حجة فلا يمكن اتفاقهم لأجل الأمارة على حكم وإن كان لا لدلالة ولا لأمارة كان ذلك خطأ فادحا في الإجماع
ولو اتفقوا عليه لكانوا متفقين على الباطل وذلك قادح في الإجماع
стр. 1161
والجواب قوله الآية تقتضي التوعد على اتباع غير سبيل المؤمنين بشرط المشاقة قلنا هذا باطل لأن المغلق على الشرط إن لم يكن عدما عند عدم الشرط فقد حصل غرضنا وإن كان عدما عند عدم الشرط فلو كان التوعد على اتباع غير سبيل المؤمنين مشروطا بالمشاقة ل كان عند عدم المشاقة اتباع غير سبيل المؤمنين جائزا مطلقا وهذا باطل لأن مخالفة الإجماع إن لم تكن خطأ لكن لا شك في أنه لا يكون صوابا مطلقا فبطل ما ذكروه قوله تحريم اتباع غير سبيل المؤمنين مشروط بتبين الهدى قلنا لا نسلم لأن تبين الهدى شرط في الوعيد عند المشاقة لا عند اتباع غير سبيل المؤمنين ولا نسلم إنه يلزم من العطف اشتراك إحدى الجملتين بما كانت الجملة الأخرى مشروطه به سلمنا أن العطف يقتضي الاشتراك في الاشتراط لكن الهدى الذي نتبينه شرطا في حصول الوعيد عند مشاقة الرسول هو الدليل الدال على التوحيد والنبوة لا الدليل الدال على أحكام الفروع وإذا لم يكن تبين
стр. 1162
الدليل على مسائل الفروع شرطا في لحوق الوعيد على مشاقة الرسول ﷺ وجب أن لا يكون ذلك شرطا أيضا في لحوق الوعيد على اتباع غير سبيل المؤمنين وإلا لم تكن الجملة الثانية مشروطة بالشرط المعتبر في الجملة الأولى بل بشرط لم يدل عليه الدليل أصلا سلمنا أن مقتضى العطف ما ذكرتموه لكن معنا دليل يمنع منه من
وجهين الأول أن هذه الآية خرجت مخرج المدح للمؤمنين وتمييزهم عن غيرهم ولو حملناه على ما ذكره السائل لبطل ذلك ألا ترى أن اليهود والنصارى إذا عرفنا أن قولا من أقاويلهم هدى فإنه يلزمنا أن نقول بمثله مع أنه لا تبعية لهم فيه الثاني أن اتباع المؤمنين هو الرجوع إلى قولهم لأجل أنهم كانوا هـ لا لأنه صح ذلك بالدليل ألا ترى أنا لا نكون متبعين لليهود والنصارى في قولنا بإثبات الصانع ونبوة موسى وعيسى ﵉ وإن شاركناهم في ذلك الاعتقاد لأجل أنا لم نذهب إلى ذلك لأجل قولهم قوله لفظ الغير والسبيل ليس للجمع فلا يقتضي تحريم كل ما كان غيرا لكل ما كان سبيلا للمؤمنين قلنا العموم حاصل من حيث اللفظ ومن حيث الإيماء
стр. 1163
أما اللفظ فلوجهين الأول أن القائل إذا قال من دخل غير داري ضربته فهم منه العموم بدليل صحة الاستثناء لكل واحد من الدور المغايرة لداره الثاني أنا لو حملنا الآية على سبيل واحد مع أنه غير مذكور صارت الآية مجملة ولو حملناها على العموم لم يلزم ذلك وحمل كلام الله عز
وجل على ما هو أكثر فائدة أولى لا سيما إذا كانت هذه اللفظة إنما تستعمل في العرف لإفادة العموم أما الإيماء فلما سيأتي في باب القياس إن شاء الله أن ترتيب الحكم على الاسم مشعر بكون المسمى علة لذلك الحكم فكانت عله التهديد كونه اتباعا لغير سبيل المؤمنين فيلزم عموم الحكم لعموم هذا المقتضي قوله إذا حملناه على الكل سقط الاستدلال قلنا ذلك إنما يلزم لو حملناه على الكل من حيث هو كل أما لو حملناه على كل واحد لم يلزم ذلك ولا شك أنه هو المتبادر إلى الفهم لأن من قال من دخل غير دارى فله كذا لا يفهم منه أنه أراد به من دخل جميع الدور المغايره لداره قوله المراد منه المنع من متابعة غير سبيل المؤمنين فيما به صاروا غير
стр. 1164
مؤمنين وهو الكفر قلنا لا نسلم بل الأصل اجراء الكلام على عمومه وايضا فلأنة لا معنى لمشاقة الرسول الا اتباع سبيل المؤمنين فيما به صاروا غير مؤمنين فلو حملنا قوله ويتبع غير سبيل المؤمنين على ذلك لزم التكرار قوله نزلت في رجل ارتد قلنا تقدم بيان أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب قوله السبيل هو الطريق الذي يحصل المشي فيه قلنا لا نسلم لقوله تعالى قل هذه سبيلي وقوله ادع إلى
سبيل ربك سلمناه لكنا نعلم بالضرورة أن ذلك غير مراد ها هنا ولا نزاع في أن أهل اللغة يطلقون لفظ السبيل على ما يختاره الإنسان لنفسه في القول والعمل وإذا كان ذلك مجازا ظاهرا وجب حمل اللفظ عليه لأن الأصل عدم المجاز الآخر
стр. 1165
وحينئذ يحمل اللفظ على هذا المعنى إلى أن يذكر الخصم دليلا معارضا وبه نجيب عن قولهم لا مناسبة بين الأتفاق على الحكم وبين الطريق الذي يحصل المشي فيه قوله لم لا يجوز أن يكون المراد وجوب متابعتهم في الاستدلال بالدليل الذي لأجله أثبتوا ذلك الحكم قلنا هب أن الأمر كذلك ولكن لما أمر الله تعالى باتباع سبيلهم في الاستدلال بدليلهم ثبت أن كل ما اتفقوا عليه صواب وأيضا فمن أثبت الحكم لدليل لم يكن متبعا لغيره قوله لم قلت إن لفظة من والمؤمنين للعموم قلنا لما تقدم في باب العموم قوله لم قلت إنه يلزم من حظر اتباع غير سبيلهم وجوب اتباع سبيلهم قلت لأنه يفهم في العرف من قول القائل لا تتبع غير سبيل الصالحين الأمر بمتابعة سبيل الصالحين حتى لو قال لا تتبع غير
سبيل الصالحين ولا تتبع سبيلهم أيضا لكان ذلك ركيكا بلى لو قال لا تتبع سبيل غير الصالحين فإنه لا يفهم منه الأمر بمتابعة سبيلهم ولذلك
стр. 1166
لا يستقبح أن يقال لا تتبع سبيل غير الصالحين ولا سبيلهم وبالجملة فالفرق معلوم بالضرورة في العرف بين قولنا لا تتبع غير سبيل الصالحين وبين قولنا لا تتبع سبيل غير الصالحين قوله يجب اتباع سبيل المؤمنين في كل الأمور أو في بعضها قلنا بل في كلها ولذلك يصح الاستثناء لأنه لما ثبت النهي عن متابعة كل ما هو غير سبيل المؤمنين وثبت أنه لا واسطة بينها وبين اتباع سبيل المؤمنين لزم أن يكون اتباع سبيل المؤمنين واجبا في كل شئ قوله يلزم وجوب اتباعهم في فعل المباحات قلنا هب أن هذه الصورة مخصوصة للضرورة التي ذكرتموها فتبقى حجة فيما عداها قوله الناس قبل حصول الإجماع كانوا مجمعين على التوقف في الحكم وطلب الدليل قلنا الإجماع على ذلك مشروط بأن لا يحصل الاتفاق قوله عدم الإجماع هو الاختلاف فيلزم أن يكون جواز الاختلاف مشروطا بوقوع الاختلاف قلنا هب أنه كذلك فأي محال يلزم منه قوله لو جاز أن يكون هذا الاجماع مشروطا لجاز مثله في سائر الإجماعات قلنا ذلك جائز ولكن أهل الإجماع حذفوا هذا الشرط عند
стр. 1167
حصول الاتفاق على الحكم ولم يحذفوه عند الاتفاق على جواز الاختلاف قوله أهل الإجماع أثبتوا ذلك الحكم بغير الإجماع وإثباته بالإجماع مغاير لسبيل المؤمنين قلنا لما أثبتوا الحكم بدليل سوى الإجماع فقد فعلوا أمرين أحدهما أنهم أثبتوا ذلك الحكم بدليل والآخر أنهم تسمكوا بغير الاجماع والآية لما دلت على وجوب متابعتهم في كل الأمور كانت متناولة للصورتين إلا أنه ترك العمل بمقتضى الآية في إحدى الصورتين لانعقاد الإجماع على أنه لا يجب علينا الاستدلال بما استدل به أهل الإجماع فبقى العمل بها في الباقي قوله إذا قال اتبع سبيل الصالحين فهم منه إيجاب اتباع سبيلهم فيما به صاروا صالحين قلنا لا نسلم لأن سبيل الصالح شئ مضاف إلى الصالح
стр. 1168
والمضاف إلى الشئ خارج عنه والصلاح جزء من ماهية الصالح وداخل فيها والخارج عن الشئ لا يكون نفس الداخل فيه سلمنا لكن المتابعة في الصلاح ممكنة أما في الإيمان فلا لأنه لا يحصل بالتقليد وقد بينا أن الاتباع هو الإتيان بمثل فعل الغير لأجل أن ذلك الغير فعله
قوله إذا حملناه على الإيمان كان ذلك السبيل حاصلا في الحال ولو حملناه على الإجماع لم يكن حاصلا في الحال قلنا لما دللنا على إنه لا يجوز حمله على الإيمان وجب حمله على ذلك غايته أنه يفضي إلى المجاز لكنه مجاز سائغ لأن تسمية الشئ باسم ما يؤول إليه مشهور قوله السلطان إذا قال ومن يشاقق وزيري ويتبع غير سبيل فلان ويعني به المطيعين لذلك الوزير فهم منه أنه أراد بذلك سبيلهم في طاعته قلنا لا نسلم فإن اللفظ يقتضي العموم وما ذكرتموه قرينة عرفية تقتضي الخصوص والدلالة اللفظية راجحة على القرينة العرفية قوله المراد إيجاب اتباع كل المؤمنين أو بعضهم قلنا الكل قوله كل المؤمنين هم الذين يوجدون إلى قيام الساعة
стр. 1169
قلنا هذا مدفوع لوجهين الأول أن جميع المؤمنين هم الذين دخلوا في الوجود لأن المؤمن هو المتصف بالإيمان والمتصف بالإيمان يجب ان يكون موجودا وما س يوجد في المستقبل ولم يوجد في الحال فهو غير موجود قوله الموجودون في العصر الأول لا يصدق عليهم في العصر الثاني أنهم كل المؤمنين
قلنا لكن لما صدق عليهم في العصر الأول أنهم كل المؤمنين وهم في العصر الأول اتفقوا على أنه لا يجوز لأحد من سائر الأعصار مخالفتهم وجب أن يكون ذلك الحكم منهم صدقا في العصر الأول فإذا ثبت في العصر الأول أن ذلك الحكم حق في كل الأعصار ثبت ذلك في كل الأعصار إذ لو لم يكن حقا في العصر الثاني لما صدق في العصر الأول أنه حق في كل الأعصار مع أنا فرضنا أن ذلك حق الثاني إن الله علق العقاب على مخالفة كل المؤمنين زجرا عن مخالفتهم وترغيبا في الأخذ بقولهم فلا يجوز أن يكون المراد جميع المؤمنين إلى قيام الساعة لأنه لا فائدة في التمسك بقولهم بعد قيام الساعة قوله إذا كان المراد من المؤمنين الموجودين في ذلك العصر كانت
стр. 1170
الآية دالة على أن إجماع الموجودين في وقت نزول الآية حجة قلنا لا يجوز أن يكون مراد الله تعالى إيجاب اتباع مؤمني ذلك العصر لأن قول المؤمنين حال حياة الرسول ﷺ إن كان مطابقا لقوله كانت الحجة في قوله لا في قولهم فيصير قولهم لغوا ولما بطل ذلك ثبت أن المراد إيجاب العمل بقول المؤمنين في أي عصر كان قوله المراد كل مؤمني العصر أو بعضهم قلنا ظاهره الكل إلا ما أخرجه الدليل المنفصل وهم العوام والأطفال والمجانين فبقى غيرهم وهم جمهور العلماء داخلا تحت الآية قوله نحمله على الإمام المعصوم قلنا هذا باطل لأن الوعيد على مخالفة المؤمنين فحمله على الواحد
ترك للظاهر قوله المراد بالمؤمن المصدق في الباطن وهو غير معلوم الوجود قلنا المؤمن في اللغة هو المصدق باللسان فوجب حمله عليه إلى قيام المعارض والذي يدل عليه أنه تعالى لما أوجب علينا اتباع سبيلهم فلابد وأن نكون متمكنين من معرفتهم والاطلاع على الأحوال الباطنة ممتنع فوجب حمله على التصديق باللسان قوله لم لا يجوز أن يكون المراد إيجاب اتباع السبيل الذي من شأنه
стр. 1171
أن يكون سبيلا للمؤمنين قلنا هذا عدول عن الظاهر من غير ضرورة قوله هذه الدلالة ظنية فلا يجوز إثبات الحكم القطعي بها قلنا عندنا أن هذه المسألة ظنية ولا نسلم انعقاد الإجماع عن أنها ليست ظنية قوله أعطيتم الفرع من القوة ما ليس للأصل قلنا نحن لا نقول بتكفير مخالف الإجماع ولا بتفسيقه ولا نقطع أيضا به وكيف وهو عندنا ظني قوله هذه الدلالة معارضة بالآيات الدالة على النهي عن الباطل قلنا لا نسلم أن ذلك النهي خطاب مع الكل بل خطاب مع كل واحد منهم والفرق بين الكل وبين كل واحد منهم معلوم ونحن إنما ندعي عصمة الكل لا عصمة كل واحد سلمنا كونه خطابا للكل لكن النهي لا يقتضي إمكان المنهى عنه من من!
كل وجه لأن الله ينهى المؤمن عن الكفر مع علمه بأنه لا يفعله وما علم أنه لا يوجد فهو محال الوجود وأما حديث معاذ فهو إنما ترك ذكر الإجماع لأنه لا يكون حجة في زمان
стр. 1172
حياة الرسول ﷺ وأما قوله ﷺ لا تقوم الساعة إلا على شرار أمتي فهو يدل على حصول الشرار في ذلك الوقت فأما أن يكونوا بأسرهم شرارا فلا وكذا القول في سائر الحديث وأما قوله ﷺ لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ففي صحته كلام سلمناه لكن لعلة خطاب مع قوم مخصوصين قوله جاز الخطأ على كل واحد فيجوز على الكل قلنا لا نسلم أن حكم المجموع مساو لحكم الآحاد والمثال الذي ذكره يدل على أن ذلك قد يكون كذلك ولا يدل على أنه لابد وأن يكون كذلك سلمنا أن حكم المجموع مساو لحكم الآحاد ولكن عندنا يجوز الخطأ على الكل أيضا لكن ليس كل ما جاز وقع والله تعالى لما أخبر عنهم أن ذلك لا يقع علمنا أنهم لا يتفقون على الخطأ قوله اتفاقهم إما أن يكون لدلالة أو لأمارة
стр. 1173
قلنا لم لا يجوز أن يكون لدلالة إلا أنهم ما نقلوها اكتفاء منهم بالإجماع فإنه متى حصل الدليل الواحد كان الثاني غير محتاج إليه والله
أعلم المسلك الثاني التمسك بقوله وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس الله تعالى أخبر عن كون هذه الأمة وسطا والوسط من كل شئ خياره فيكون الله قد أخبر عن خيرية هذه الأمة فلو أقدموا على شئ من المحظورات لما اتصفوا بالخيرية وإذا ثبت أنهم لا يقدمون على شئ من المحظورات وجب أن يكون قولهم حجة فإن قيل الآية متروكة الظاهر لأن وصف الأمة بالعدالة يقتضي اتصاف كل واحد منهم بها وخلاف ذلك معلوم بالضرورة فلا بد من حملها على البعض ونحن نحملها على الأئمة المعصومين سلمنا أنها ليست متروكة الظاهر لكن لا نسلم أن الوسط من كل شئ خياره ويدل عليه وجهان الأول أن عدالة الرجل عبارة عن أداء الواجبات واجتناب المحرمات وهذا من فعل الرجل وقد أخبر الله تعالى أنه جعلهم وسطا فاقتضى ذلك أن
стр. 1174
كونهم وسطا من فعله تعالى وذلك يقتضي أن يكون ذلك غير عدالتهم التي ليست من فعل الله تعالى الثاني أن الوسط اسم لما يكون متوسطا بين شيئين فجعله حقيقة في العدل يقتضي الاشتراك وهو خلاف الأصل سلمنا أن الوسط من كل شئ خياره فلم قلتم أن خبر الله
تعالى عن خيرية قوم يقتضي اجتنابهم عن كل المحظورات ولم لا يجوز أن يقال إنه يكفي فيه اجتنباهم ما عن الكبائر فأما عن الصغائر فلا وإذا كان كذلك فيحتمل أن الذي أجمعوا عليه وإن كان خطأ لكنه من الصغائر فلا يقدح ذلك في خيريتهم ومما يؤكد هذا الاحتمال أنه تعالى حكم بكونهم عدولا ليكونوا شهداء على الناس وفعل الصغائر لا يمنع الشهادة سلمنا اجتنابهم عن الصغائر والكبائر ولكن الله تعالى بين أن أتصافهم بذلك إنما كان لكونهم شهداء على الناس ومعلوم أن هذه الشهادة إنما تكون في الآخرة فيلزم وجوب تحقق عدالتهم هناك لأن عدالة الشهود إنما تعتبر حالة الأداء لا حالة التحمل وذلك مما لا نزاع فيه لأن الأمة تصير معصومة في الآخرة فلم قلتم إنهم في الدنيا كذلك سلمنا وجوب كونهم عدولا في الدنيا لكن المخاطبين بهذا الخطاب هم
стр. 1175
الذين كانوا موجودين عند نزول هذه الآية لأن الخطاب مع من لم يوجد بعد محال وإذا كان كذلك فهذا يقتضي عدالة أولئك الذين كانوا موجودين في ذلك الوقت ولا يقتضي عدالة غيرهم فهذه الآية تدل على أن إجماع أولئك حق فيجب أن لا نتمسك بالإجماع إلا إذا علمنا حصول قول كل أولئك فيه لكن ذلك يقضي حصول العلم بأعيانهم والعلم ببقاءهم لا إلى ما بعد وفاة النبي ﷺ ولما كان ذلك مفقودا تعذر التمسك بشئ من الإجماعات والجواب
قوله الآية متروكة الظاهر قلنا لا نسلم قوله لأنها تقتضي كون كل واحد منهم عدلا قلنا لما ثبت إنه لا يجوز إجراؤها على الظاهر وجب أن يكون المراد منه امتناع خلو هذه الأمة من! العدول قوله تحمله على الإمام المعصوم قلنا قوله وكذلك جعلناكم أمة وسطا صيغة جمع فحمله على
стр. 1176
الواحد خلاف الظاهر قوله لم قلت إن الوسط في كل شئ خياره قلنا للآية والخبر والشعر والنقل والمعنى أما الآية فقوله قال أوسطهم أي أعدلهم وأما الخبر فقوله ﷺ خير الأمور أوسطها أي أعدلها
стр. 1177
وقيل كان النبي ﷺ أوسط قريش نسبا وقال ﵇ عليكم بالنمط الأوسط
стр. 1178
وأما الشعر فقوله هموا وسط يرضى الأنام بحكمهم وأما النقل فقال الجوهري في الصحاح وكذلك جعلناكم أمة وسطا أي عدولا وأما المعني فلأن الوسط حقيقة في البعد عن الطرفين فالشئ
стр. 1179
الذي يكون بعيدا عن طرفي الإفراط والتفريط الذين هما رديان أن كان متوسطا فكان فضيلة ولهذا سمي الفاضل في كل شئ وسطا قوله عدالتهم من فعلهم لا من فعل الله تعالى قلنا هذا ممنوع على مذهبنا قوله لم قلت إن إخبار الله تعالى عن عدالتهم يقتضي اجتنابهم عن الصغائر قلنا من الناس من قال لا صغير على الإطلاق بل كل ذنب فهو صغير بالنسبة إلى ما فوقه كبير بالنسبة إلى ما تحته فسقط عنه هذا السؤال وأما من اعترف بذلك فجوابه أن الله تعالى عالم بالباطن والظاهر فلا يجوز أن يحكم بعدالة أحد وصحة شهادته إلا والمخبر عنه مطابق للخبر فلما أطلق الله تعالى القول بعدالتهم وجب أن يكونوا عدولا في كل شئ بخلاف شهود الحاكم حيث تجوز شهادتهم وأن جاز عليهم الصغائر لأنه لا سبيل للحاكم إلى معرفة الباطن فلا جرم اكتفى بالظاهر قوله الغرض من هذه العدالة أداء الشهادة في الآخرة وذلك يوجب
стр. 1180
عدالتهم في الآخرة لا في الدنيا قلنا لو كان المراد صيرورتهم عدولا في الآخرة لقال سنجعلكم أمة وسطا ولأن جميع الأمم عدول في الآخرة فلا يبقى في الآية تخصيص
لأمة محمد ﷺ بهذه الفضيلة قوله المخاطب بهذ الخطاب هم الذين كانوا موجودين عند نزول هذه الآية قلنا مر الجواب عن مثل هذا السؤال في المسلك الأول والله أعلم وأحكم المسلك الثالث قوله تعالى كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ولام الجنس تقتضي الاستغراق فدل على أنهم أمروا بكل معروف ونهوا عن كل منكر فلو أجمعوا على خطأ قولا لكان قد أجمعوا على منكر قولا ولو كانوا كذلك لكانوا آمرين بالمنكر ناهين عن المعروف وهو يناقض مدلول الآية فإن قيل الآية متروكة الظاهر لأن قوله كنتم خير أمة خطاب معهم وهو يقتضي اتصاف كل واحد منهم بهذا الوصف والمعلوم خلافة فثبت أنه لا يمكن إجراؤها على ظاهرها فنحملها على أن المراد
стр. 1181
من الأمة بعضهم وعندنا أن ذلك البعض هو الإمام المعصوم سلمنا أنه يمكن إجراء الآية على ظاهرها لكن لا نسلم أنهم كانوا يأمرون بكل معروف لما مر في باب العموم أن المفرد المعرف لا يفيد الاستغراق سلمنا العموم لكن الآية تقتضي اتصافهم بالأمر بالمعروف في الماضي أو الحاضر
الأول مسلم والثاني ممنوع فلم قلتم بأنهم بقوا على هذه الصفة في الحال فإن قلت لأن هذه الآية خرجت مخرج المدح لهم في الحال ولا يجوز أن يمدح إنسان في الحال بما فعله من قبل إذا عدل عنه إلى ضده فإن الناهي عن المنكر إذا صار آمرا به استحق الذم قلت لا نسلم أن هذه الآية خرجت مخرج المدح ولم لا يجوز أن يقال ليس فيها إلا بيان أن هذه الأمة كانوا قبل ذلك خيرا من سائر الأمم ومجرد الإخبار لا يقتضي المدح سلمنا دلالتها على المدح لكن لم لا يجوز أن يدمح على الإنسان
стр. 1182
في الحال بما صدر عنه في الماضي وإن كان يستحق الذم في الحال بما صدر عنه في الحال فإن عندنا الجمع بين استحقاق الذم والمدح غير ممتنع على ما ثبت في مسألة الاحتياط سلمنا دلالة الآية على حصول هذا الوصف في الحال لكن قوله كنتم خير أمة صريح في أن هذا الوصف إنما حصل لهم في الزمان الماضي ومفهومه يدل على عدم حصوله في الحال سلمنا دلالة الآية على اتصافهم بتلك الصفة في الحال ف لم لا يجوز خروجهم عنها بعد ذلك فإنه لا نزاع في أنه يحسن مدح الإنسان بما له من الصفات في الحال وإن كان يعلم زوالها في المستقبل فإن قلت ف يلزم أن يكون إجماعهم حجة في ذلك الزمان قلت هب أنه كذلك لكنا لا نقطع على شئ من الإجماعات بإنه حصل في ذلك الزمان واذا وقع الشك في الكل خرج الكل عن كونه
حجة سلمنا اتصافهم بهذا الوصف في الماضي والحال والمستقبل لكن الآية خطاب مع الموجودين في ذلك الوقت فيكون إجماعهم حجة أما
стр. 1183
إجماع غيرهم فلا يكون حجة على ما مر من تقرير هذا السؤال في المسلكين الأولين والجواب قوله الآية متروكة الظاهر قلنا لا نسلم قوله لأنها تقتضي أن يكون كل واحد منهم آمرا بالمروف وليس كذلك قلنا المخاطب بقوله تعالى كنتم خير أمة ليس كل واحد من الأمة أما أولا فلأنه تعالى وصف المخاطب بهذا الخطاب بكونه خير أمة فلو كان المخاطب بهذا الخطاب كل واحد من الأمة لزم وصف كل واحد من الأمة بأنه خير أمة وذلك غير جائز لأن الشخص الواحد لا يوصف بأنه أمه إلا على سبيل المجاز كما في قوله تعالى إن إبراهيم كان أمة بدليل أن المتبادر إلى الفهم من قوله حكمت الأمة بكذا المجموع وأما ثانيا فلأنه يلزم في كل واحد أن يكون خير أمة أخرجت للناس وإن كان كل واحد خير أمة وجب أن يكون كل واحد خيرا من صاحبه ولما بطل ذلك ثبت أن المجموع هو المخاطب بهذ الخطاب وهو
стр. 1184
يجري مجرى قول الملك لعسكره أنتم خير عسكر في الدينا تفتحون القلاع وتكسرون الجيوش فإن هذا الكلام لا يفهم منه أن الملك وصف كل واحد من آحاد العسكر بذلك بل إنه وصف المجموع بذلك بمعنى أن في العسكر من هو كذلك فكذا ها هنا وصف الله تعالى مجموع الأمة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمعنى أن منهم من هو كذلك وحمله على الإمام المعصوم غير جائز لأنه واحد ولفظ الأمة لفظ الجمع قوله المفرد المعرف لا يفيد الاستغراق قلنا كثير من الناس ذهب إلى أنه يقتضيه وأيضا فلفظ المعرف لو لم نحمله على الاستغراق لوجب حمله على الماهية ويكفي في العمل به ثبوته في صورة واحدة فيكون معناه أنهم أمروا بمعروف واحد ونهوا عن منكر واحد وهذا القدر حاصل في سائر الأمم لأن كل واحد منهم قد كان آمرا بمعروف واحد وهو الدين الذي قبله وناهيا عن منكر واحد وهو الكفر الذي رده وحينئذ لا يثبت بذلك كون هذه الأمة خيرا من سائر الأمم لكن الله تعالى ذكره لبيان ذلك الحكم فعلمنا أنه وجب حمله على الاستغراق
стр. 1185
تحصيلا للغرض فإنا لو لم نحمله على الاستغراق ولا نحمله على الماهية كان ذلك مخالفا للغة قوله الآية تقتضي الاتصاف بهذا الوصف في الماضي أو الحاضر قلنا بل في الحاضر لأن قوله تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر لا يتناول الماضي قولة لفظة كنتم تدل على الماضي
قلنا لا نسلم ل أن قوله كنتم إما أن تكون ناقصة أو زائدة أو تامة فإن كنت ناقصة فنقول إنه وان أفاد تقدم كونهم كذلك لكن قوله تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر يقتضي كونهم كذلك في المستقبل ودلالة قوله تعالى كنتم على تقدم هذا الوصف لا يمنع من حصوله في المستقبل فتبقى دلالة قوله تأمرون بالمعروف على كونهم كذلك في المستقبل سليمة عن المعارض وأما الوجهان الآخران فالاستدلال معهما ظاهر
стр. 1186
قوله لم قلت إنهم يكونون في الزمان المستقبل كذلك على هذه الصفة قلنا لأن صيغة المضارع بالنسبة إلى الحال والاستقبال كاللفظ العام فوجب تناولها لهما معا قوله هذه الآية خطاب مع الحاضرين قلنا مر الجواب عنه في المسلك الأول والله أعلم المسلك الرابع التمسك بما روي عن النبي ﷺ أن أمته لا تجتمع على خطأ والكلام ها هنا يقع في موضعين أحدهما إثبات متن الخبر والثاني كيفية الاستدلال به أما الأول فللناس فيه طرق ثلاثة
الفريق الأول ادعاء الضرورة في تواتر معنى هذا الخبر قالوا لأنه نقل هذا المعنى بألفاظ مختلفة بلغت حد التواتر
стр. 1187
الأول روي عنه ﵊ انه قال أمتي لا تجتمع على خطأ الثاني ما رأه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن الثالث لا تجتمع أمتي على ضلالة الرابع يد الله على الجماعة رواه ابن عمر ﵄ الخامس سألت ربي أن لا تجتمع أمتي على الضلالة فأعطيتها السادس لم يكن الله ليجمع أمتي على الضلالة وروى ولا على خطأ وروي عن الحسن البصري وابن أبي ليلى أن رسول الله ﷺ قال
стр. 1188
الخبر وكان الحسن يقول إذا حدثني أربعة من الصحابة تركتهم وقلت قال رسول الله ﷺ وهذا الخبر من مراسليه السابع عليكم بالسواد الأعظم وذلك جماعة الأمة لأن كل من دونهم فالأمة بأسرها أعظم منه الثامن أبو سعيد مرفوعا يد الله على الجماعة ولا نبالي بشذوذ من شذ التاسع من خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الاسلام عن عنقه
العاشر من خرج من الطاعة وفارق الجماعة مات ميتة جاهلية
стр. 1189
الحادي عشر أبو أمامة مرفوعا لا تزال طائفة من أمتي على الحق لا يضرهم من خالفهم الثاني عشر عمران بن الحصين مرفوعا لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق حتى يقاتلها الدجال الثالث عشر قام ابن عمر في الناس خطيبا وقال إن نبي الله ﷺ كان يقول لا تزال طائفة من أمتي على الحق حتى يأتي أمر الله الرابع عشر ثلاث لا يغل عليهن قلب المؤمن إخلاص العمل لله والنصح لأئمة المسلمين ولزوم الجماعة فإن دعوتهم تحيط من ورائهم رواه جبير بن مطعم وجابر الخامس عشر من سره أن يسكن بحبوحه الله الجنة فليلزم الجماعة فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد خطب به رسول الله ﷺ وخطب به أيضا عمر بن الخطاب ﵁ في جماعة من
стр. 1190
الصحابة ﵃ السادس عشر لا تزال طائفة من أمتي على الحق لا يضرهم من ناوأهم إلى يوم القيامة السابع عشر ثوبان مرفوعا لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله الثامن عشر أنس وقوم آخرون عنه ﵊ ستفترق أمتي كذا وكذا فرقة كلها في النار إلا فرقة واحدة قيل ومن تلك
الفرقة قال هي الجماعة وهذه الأخبار كلها مشتركة في الدلالة على معنى واحد وهو أن الأمة بأسرها لا تتفق على الخطأ وإذا اشتركت الأخبار الكثيرة في الدلالة على شئ واحد ثم إن كل واحد من تلك الأخبار يرويه جمع كثير صار ذلك المعنى مرويا بالتواتر من جهة المعنى
стр. 1191
الطريق الثاني الاستدلال وهو من وجهين أحدهما أن هذه الأخبار لو صحت لثبت بها أصل عظيم مقدم على الكتاب والسنة وما هذا شأنه كانت الدواعي متوفرة على البحث عنه بأقصى الوجوه أما الأولياء فلتصحح قال هذا الأصل العظيم بها وأما الأعداء فلدفع مثل هذا الأصل العظيم فلو كان في متنها خلل لاستحال ذهولهم عنه مع شدة بحثهم عنه وطلبهم له فلما لم يقدر أحد على الطعن فيها علمنا صحتها وثانيهما أنه قد ظهر من التابعين إجماعهم على أن الإجماع حجة وظهر منهم استدلالهم على ذلك بهذه الأخبار والاستقراء دل على أن أمتنا لا يجمعون على موجب خبر لأجل ذلك الخبر إلا ويكونون قاطعين بصحة ذلك الخبر فهذا يدل على قطعهم بصحة هذا الخبر
стр. 1192
الطريق الثالث أنا نسلم أن هذه الأخبار من باب الآحاد وندعي الظن بصحتها وذلك مما لا يمكن النزاع فيه
ثم نقول إنها تدل على أن الإجماع حجة فيحصل حينئذ ظن أن الإجماع حجة وإذا كان كذلك وجب العمل به لأن دفع الضرر المظنون واجب وهذا الطريق أجود الطرق فنقول أما الطريق الأول وهو ادعاء التواتر فبعيد فإنا لا نسلم بلوغ مجموع هذه الأخبار إلى حد التواتر لأن العشرين بل الآلف لا يكون متواترا لأنه ليس يستبعد في العرف إقدام عشرين إنسانا على الكذب في واقعة معينة بعبارات مختلفة وبالجملة فهم مطالبون بإقامة الدلالة على أن مجموع هذه الروايات يستحيل صدوره عن الكذب سلمنا حصول القطع بهذه الأخبار في الجملة لكنكم إما أن تدعوا القطع بلفظها أو بمعناها أما القطع بلفظها فهو أن يقال إنا وإن جوزنا في كل واحد من هذه الأحاديث أن يكون كذبا إلا أنا نقطع بأن مجموعها يستحيل أن يكون كذبا بل لا بد أن يكون بعضها صحيحا
стр. 1193
وأما القطع بمعناها فهو أن يقال أن هذه الألفاظ على اختلافهما مشتركة في إفادة معنى واحد فذلك المشترك يصير مرويا بكل هذه الألفاظ فيصير ذلك المشترك منقولا بالتواتر فنقول إن أردتم الأول فهو مسلم لكن المقصود لا يتم إلا إذا بينتم أن كل واحد من هذه الألفاظ يدل على أن الإجماع حجة دلالة قاطعة إذ لو وجد فيها ما يدل على المطلوب لا على هذا الوجه لم يحصل الغرض
لأن الذي ثبت عندكم ليس إلا صحه أحد هذه الأخبار فيحتمل أن يكون الصحيح هو ذلك الخبر الذي لا يدل دلالة قاطعة على حقية الإجماع لكنا نرى المستدلين بهذه الأخبار بعد فراغهم من تصحيح المتن يتمسكون بواحد منها على التعيين كقوله ﵊ لا تجتمع أمتي على خطأ ويبالغون فيه سؤالا وجوابا ومعلوم أنه باطل وأما إن أردتم الثاني فنقول ذلك المعنى المشترك بين الأخبار إما أن يكون هو أن الإجماع حجة أو معنى يلزم منه كون الإجماع حجة فإن كان الأول فقد ادعيتم أنه نقل نقلا متواترا عن رسول الله ﷺ أن الإجماع حجة ومعلوم أن ذلك باطل وإلا لكان العلم بكون الإجماع حجة جاريا مجرى العلم بغزوة بدر وأحد ولما وقع الخلاف فيه
стр. 1194
وأيضا فإنا نراكم بعد الفراغ من تصحيح متن هذه الأخبار تتمسكون بلفظ خبر واحد وتوردون عن عليه الأسئلة والأجوبة ولو كان ذلك منقولا على سبيل التواتر لكان ذلك الاستدلال عبثا وبهذا يظهر الفرق بين علمنا بشجاعة علي وسخاوة حاتم بسبب الأخبار المتفرقة وبين هذه المسألة فإنا بعد سماع تلك الأخبار المتفرقة لا نحتاج إلى الاستدلال ببعض تلك الأخبار على شجاعة علي بل يحصل العلم الضروري بذلك أما ها هنا فقد سلمتم أن بعد سماع هذه الأخبار نفتقر إلى الاستدلال ببعضها على هذا المطلوب فعلمنا أن كون الإجماع حجة ليس جزءا من مفهوم هذه الألفاظ
وإن ادعتيم من أن هذه الأخبار دالة على معنى مشترك بين كلها وذلك المعنى يقتضي كون الإجماع حجة فلا بد من الإشارة إلى ذلك المعنى ثم من إقامة الدليل على أنه يلزم من ذلك المشترك كون الإجماع حجة وأنتم ما فعلتم ذلك فإن قلت القدر المشترك بين هذه الأخبار تعظيم أمر هذه الأمة وبعدها عن الخطأ وما يجري هذا المجرى قلت تدعون التواتر في مطلق التعظيم أو في تعظيم ينافي إقدامهم
стр. 1195
على الخطأ في شئ ما الأول مسلم ولا يفيد الغرض والثاني إدعاء للتواتر في نفس كون الإجماع حجة وقد تقدم إبطاله وأما الطريق الثاني وهو الاستدلال فضعيف قوله لو كانت هذه الأحاديث ضعيفة لطعنوا فيها قلت وقد طعنوا فيها بأنها من الآحاد فإن قلت إن أحدا من الصحابة والتابعين لم يقل إنها من الآحاد بل اتفقوا على أنها متواترة سلمنا أنهم طعنوا فيها من هذا الوجه لكن كان يجب أن يطعنوا فيها على سبيل التفصيل قلت الجواب عن الأول إن النقل عن المؤمنين أنهم جعلوها من باب التواتر ثبت بالتواتر أو
بالآحاد
следующие страницы →