← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 2022

المحصول للرازي

الفخر الرازي

Полный текст (2 180 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

الطريق الثاني الاستدلال وهو من وجهين أحدهما أن هذه الأخبار لو صحت لثبت بها أصل عظيم مقدم على الكتاب والسنة وما هذا شأنه كانت الدواعي متوفرة على البحث عنه بأقصى الوجوه أما الأولياء فلتصحح قال هذا الأصل العظيم بها وأما الأعداء فلدفع مثل هذا الأصل العظيم فلو كان في متنها خلل لاستحال ذهولهم عنه مع شدة بحثهم عنه وطلبهم له فلما لم يقدر أحد على الطعن فيها علمنا صحتها وثانيهما أنه قد ظهر من التابعين إجماعهم على أن الإجماع حجة وظهر منهم استدلالهم على ذلك بهذه الأخبار والاستقراء دل على أن أمتنا لا يجمعون على موجب خبر لأجل ذلك الخبر إلا ويكونون قاطعين بصحة ذلك الخبر فهذا يدل على قطعهم بصحة هذا الخبر

стр. 1192

الطريق الثالث أنا نسلم أن هذه الأخبار من باب الآحاد وندعي الظن بصحتها وذلك مما لا يمكن النزاع فيه ثم نقول إنها تدل على أن الإجماع حجة فيحصل حينئذ ظن أن الإجماع حجة وإذا كان كذلك وجب العمل به لأن دفع الضرر المظنون واجب وهذا الطريق أجود الطرق فنقول أما الطريق الأول وهو ادعاء التواتر فبعيد فإنا لا نسلم بلوغ مجموع هذه الأخبار إلى حد التواتر لأن العشرين بل الآلف لا يكون متواترا لأنه ليس يستبعد في العرف إقدام عشرين إنسانا على الكذب في واقعة معينة بعبارات مختلفة وبالجملة فهم مطالبون بإقامة الدلالة على أن مجموع هذه الروايات يستحيل صدوره عن الكذب سلمنا حصول القطع بهذه الأخبار في الجملة لكنكم إما أن تدعوا القطع بلفظها أو بمعناها أما القطع بلفظها فهو أن يقال إنا وإن جوزنا في كل واحد من هذه الأحاديث أن يكون كذبا إلا أنا نقطع بأن مجموعها يستحيل أن يكون كذبا بل لا بد أن يكون بعضها صحيحا

стр. 1193

وأما القطع بمعناها فهو أن يقال أن هذه الألفاظ على اختلافهما مشتركة في إفادة معنى واحد فذلك المشترك يصير مرويا بكل هذه الألفاظ فيصير ذلك المشترك منقولا بالتواتر فنقول إن أردتم الأول فهو مسلم لكن المقصود لا يتم إلا إذا بينتم أن كل واحد من هذه الألفاظ يدل على أن الإجماع حجة دلالة قاطعة إذ لو وجد فيها ما يدل على المطلوب لا على هذا الوجه لم يحصل الغرض لأن الذي ثبت عندكم ليس إلا صحه أحد هذه الأخبار فيحتمل أن يكون الصحيح هو ذلك الخبر الذي لا يدل دلالة قاطعة على حقية الإجماع لكنا نرى المستدلين بهذه الأخبار بعد فراغهم من تصحيح المتن يتمسكون بواحد منها على التعيين كقوله ﵊ لا تجتمع أمتي على خطأ ويبالغون فيه سؤالا وجوابا ومعلوم أنه باطل وأما إن أردتم الثاني فنقول ذلك المعنى المشترك بين الأخبار إما أن يكون هو أن الإجماع حجة أو معنى يلزم منه كون الإجماع حجة فإن كان الأول فقد ادعيتم أنه نقل نقلا متواترا عن رسول الله ﷺ أن الإجماع حجة ومعلوم أن ذلك باطل وإلا لكان العلم بكون الإجماع حجة جاريا مجرى العلم بغزوة بدر وأحد ولما وقع الخلاف فيه

стр. 1194

وأيضا فإنا نراكم بعد الفراغ من تصحيح متن هذه الأخبار تتمسكون بلفظ خبر واحد وتوردون عن عليه الأسئلة والأجوبة ولو كان ذلك منقولا على سبيل التواتر لكان ذلك الاستدلال عبثا وبهذا يظهر الفرق بين علمنا بشجاعة علي وسخاوة حاتم بسبب الأخبار المتفرقة وبين هذه المسألة فإنا بعد سماع تلك الأخبار المتفرقة لا نحتاج إلى الاستدلال ببعض تلك الأخبار على شجاعة علي بل يحصل العلم الضروري بذلك أما ها هنا فقد سلمتم أن بعد سماع هذه الأخبار نفتقر إلى الاستدلال ببعضها على هذا المطلوب فعلمنا أن كون الإجماع حجة ليس جزءا من مفهوم هذه الألفاظ وإن ادعتيم من أن هذه الأخبار دالة على معنى مشترك بين كلها وذلك المعنى يقتضي كون الإجماع حجة فلا بد من الإشارة إلى ذلك المعنى ثم من إقامة الدليل على أنه يلزم من ذلك المشترك كون الإجماع حجة وأنتم ما فعلتم ذلك فإن قلت القدر المشترك بين هذه الأخبار تعظيم أمر هذه الأمة وبعدها عن الخطأ وما يجري هذا المجرى قلت تدعون التواتر في مطلق التعظيم أو في تعظيم ينافي إقدامهم

стр. 1195

على الخطأ في شئ ما الأول مسلم ولا يفيد الغرض والثاني إدعاء للتواتر في نفس كون الإجماع حجة وقد تقدم إبطاله وأما الطريق الثاني وهو الاستدلال فضعيف قوله لو كانت هذه الأحاديث ضعيفة لطعنوا فيها قلت وقد طعنوا فيها بأنها من الآحاد فإن قلت إن أحدا من الصحابة والتابعين لم يقل إنها من الآحاد بل اتفقوا على أنها متواترة سلمنا أنهم طعنوا فيها من هذا الوجه لكن كان يجب أن يطعنوا فيها على سبيل التفصيل قلت الجواب عن الأول إن النقل عن المؤمنين أنهم جعلوها من باب التواتر ثبت بالتواتر أو بالآحاد

стр. 1196

الأول يقتضي كونها متواترة عندنا لأنه متى كان الخبر متواترا وصح عندكم بالتواتر كونها متواترة عندهم لزم كونها متواترة عندكم لكنكم في هذا المقام سلمتم أنها ليست كذلك والثاني يقتضي أن تكون هذه الأخبار من الآحاد لأن كونها متواترة عن الصحابة والتابعين لما لم يثبت عندنا إلا بالآحاد كانت عندنا من باب الآحاد لأن استواء الطرفين والواسطة معتبر في التواتر وعن الثاني أن نقول ليس كل من لا يعلم صحته وجب أن يعلم فساده فالصحابة والتابعون ما عرفوا صحة هذه الأخبار ولا فسادها بل ظنوا صحتها فلا يجب عليهم في هذه الحالة أن يطعنوا فيها على سبيل التفصيل وأما الوجه الثاني في الاستدلال وهو قوله الصحابة والتابعون اجمعوا على صحة الإجماع وانما اجمعوا على صحته لهذا الأخبار وعادة امتنا انهم لا يجمعون على موجب خبر لأجل ذلك الخبر إلا وكان الخبر مقطوعا به

стр. 1197

قلنا المقدمات الثلاثة ممنوعة فلا نسلم إجماع الصحابة والتابعين على صحة الإجماع سلمناه لكن لا نسلم أنهم إنما ذهبوا إلى ذلك لأجل هذه الأخبار بل إنما قالوا به لأجل الآيات فإن ادعوا التواتر في هذين المقامين كان ذلك مكابرة فإن تلك الأخبار أظهر بكثير من ادعاء هذين المقامين ولما لم يدعوا التواتر في تلك الأخبار فلأن لا يجوز ادعاؤه في هذين المقامين كان أولى سلمنا هما لكن لا نسلم أن عادتهم جارية بأنهم لا يجمعون على موجب خبر لأجل ذلك الخبر إلا وقد قطعوا بصحته ألا ترى أن الصحابة أجمعوا على حكم المجوس بخبر عبد الرحمن وأجمعوا على أن المرأة لا تنكح على عمتها ولا خالتها بخبر واحد وبالجملة فهم مطالبون بالدلالة على هذه العادة التي ادعوها فثبت بما ذكرنا ضعف هذه الوجوه وثبت أن الصحيح هو الطريق الثالث وهو أن نجعلها من أخبار الآحاد

стр. 1198

وعلى هذا لا نحتاج إلى تكثيرها بل كل واحد منها يكفي في الاستدلال المقام الثاني في كيفية الاستدلال التمسك بقوله ﷺ لا تجتمع أمتي على خطأ فإن قيل إن كان المراد بقوله أمتي كل من يؤمن به إلى يوم القيامة خرج الإجماع عن كونه حجة وإن كان المراد به الموجودين وقت نزول ذلك الخبر دل ذلك على أن إجماعهم حجة لكنا إنما نعرف إجماعهم إذا عرفناهم بأعيانهم وعرفنا بقاءهم إلى ما بعد وفاة الرسول ﷺ وذلك غير معلوم فحينئذ يخرج الإجماع عن كونه حجة سلمنا أن المراد بالأمة أهل كل عصر لكن لم قلت إن هذه اللفظة تدل على نفي الخطأ عنهم لاحتمال أن قوله لا تجتمع أمتي على خطأ جاء بسكون العين على أن يكون ذلك نهيا منه ﷺ لأمته عن أن يجتمعوا على خطأ فاشتبه ذلك على الراوي فنقله مرفوعا على أن يكون خبرا

стр. 1199

سلمنا كونه خبرا لكن لم قلت إنه يدل على نفي الخطأ بأسره عنهم ولا نسلم أن النكرة في النفي تعم وإذا كان كذلك فإما أن نحمله على نفي السهو أن نفي الكفر جمعا بينه وبين الحديث المروي في هذا الباب وهو قوله ﷺ أمتي لا تجتمع على ضلالة سلمنا كون الأمة مصيبين في كل أقوالهم وأفعالهم فلم لا يجوز مخالفتهم فإن المجتهد قد يكون مصيبا مع أن المجتهد الآخر يكون متمكنا من مخالفته والجواب أما السؤال الأول فمدفوع بسائر الأحاديث الواردة في هذا الباب وهي قوله ﷺ لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق وقوله ما رأه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن وقوله من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الاسلام من عنقه قوله لعل هذا الحديث ورد على صيغة النهي قلنا عدالة الراوي تفيد ظن صحة تلك الرواية ومطلوبنا ها هنا الظن وإلا لو فتحنا هذا الباب لا نسد باب الاستدلال بأكثر النصوص

стр. 1200

ثم إنه مدفوع بسائر الأحاديث وأما أن النكرة في النفي تعم فقد تقدم بيانه في باب العموم قوله نحمله نفي السهو قلنا اجتماع الجمع العظيم على عدم السهو ممتنع ف لا يمكن ذكره في معرض التعظيم ولأنه لا يكون في تخصيص أمته بذلك فضيلة قوله نحمله على نفي الكفر كقوله ﷺ لا تجتمع أمتي على ضلالة قلنا كل حديث مستقل بنفسه ولأن الضلال لا يقتضي الكفر قال الله تعالى ووجدك ضالا فهدى وقال فعلتها إذن وأنا من الضالين قوله هب أن الأمة مصيبون في إجماعهم فلم لا تجوز مخالفتهم قلت لأن الأمة على قولين منهم من قال إن الإجماع حجة لا تجوز مخالفته

стр. 1201

ومنهم من قال أنه ليس بحجة فلو قلنا إنه حجة تجوز مخالفتها لكان قولا خارجا عن أقول الأمة فلو كان الحق ذلك لكانت الأمة متفقين على الخطأ وذلك باطل بالحديث المسلك الخامس دليل العقل وهو الذي عول عليه إمام الحرمين ﵀ فقال إجماع الخلق العظيم على الحكم الواحد يستحيل أن يكون إلا لدلالة أو أمارة فإن كان لدلالة فقد كشف الإجماع عن وجود تلك الدلالة فيكون خلاف الإجماع خلافا لتلك الدلالة وإن كان لأمارة فقد رأينا التابعين قاطعين بالمنع عن مخالفة هذا الإجماع فلولا اطلاعهم على دلالة قاطعة مانعة من مخالفة هذا الإجماع وإلا لاستحال اتفاقهم على المنع من مخالفته وهذه الدلالة ضعيفة جدا لاحتمال أن يقال إنهم قد اتفقوا على الحكم لا لدلالة ولا لأمارة بل لشبهة وكم من المبطلين من

стр. 1202

كثرتهم وتفرقهم في الشرق والغرب قد اتفقت كلمتهم لأجل الشبهة سلمنا الحصر فلم لا يجوز أن يكون لأمارة تفيد الظن قوله رأينا الصحابة مجمعين على المنع من مخالفة هذا الإجماع وذلك يدل على اطلاعهم على دليل قاطع مانع من مخالفة هذا الإجماع قلنا لا نسلم اتفاق الصحابة على ذلك سلمناه لكنك لما جوزت حصول الإجماع لأجل الأمارة فلعلهم أجمعوا على المنع من مخالفة الإجماع الصادر عن الأمارة لأمارة أخرى فإن قلت إنهم لا يتعصبون في الإجماع الصادر عن الأمارة وقد تعصبوا في هذا الإجماع فدل على أن هذا الإجماع ما كان عن أمارة قلت إذا سلمت إنهم لا يتعصبون في الإجماع الصادر عن الأمارة ف قد بطل قولك إنهم منعوا من مخالفة هذا الإجماع المسألة الرابعة أما الشيعة فقد استدلوا على أن الإجماع حجة بأن زمان التكليف لا يخلو عن الإمام المعصوم ومتى كان كذلك كان الإجماع حجة

стр. 1203

بيان الأول يتوقف على إثبات أمرين الأول أنه لا بد من الإمام والدليل عليه أن الإمام لطف وكل لطف واجب فالإمام واجب وإنما قلنا أن الإمام لطف لأنا نعلم أن الخلق إذا كان لهم رئيس قاهر يمنعهم عن القبائح ويحثهم على الواجبات كان حالهم في الإتيان بالواجب والاجتناب عن القبيح أتم من حالهم إذا لم يكن لهم هذا الرئيس والعلم بذلك بعد استقراء العادة ضروري وإنما قلنا إن اللطف واجب لوجهين الأول أن اللطف كالتمكين في كونه إزاحة لعذر المكلف فإذا كان التمكين واجبا فكذا اللطف إنما قلنا إن اللطف كالتمكين لأنه يثبت في الشاهد أن أحدنا إذا دعا غيره إلى طعام وكان غرضه نفع ذلك الغير وبقي على ذلك الغرض إلى وقت التناول ولم يبدله وعلم أنه متى تواضع له فإنه يتناول طعامه ومتى لم يفعل ذلك لم يتناوله فإنه تركه التواضع في هذه الحال يجرى مجرى رد الباب عليه والعلم به ضروري الثاني أن المكلف لو لم يجب عليه فعل اللطف لم يقبح منه فعل المفسدة

стр. 1204

أيضا لأنه لا فرق في العقل بين فعل ما يختار المكلف عنده القبيح وبين ترك ما يخل المكلف عنده بالواجب فثبت إن اللطف واجب وثبت أنه لا بد في زمان التكليف من الإمام الثاني أن ذلك الإمام يجب أن يكون معصوما والدليل عليه أنه إنما احتاج الخلق إلى الإمام لصحة القبيح عليهم فلو تحققت هذه الصحة في الأمام لافتقر الإمام إلى إمام اخر ولزم التسلسل وهو محال فثبت أنه يجب أن يكون معصوما وثبت أنه لا بد في زمان التكليف من إمام معصوم وإذا ثبت هذا وجب كون الإجماع حجة لأنه مهما اتفق العلماء على حكم فلا بد وأن يوجد في أثناء قولهم قول ذلك المعصوم لأنه أحد

стр. 1205

العلماء بل هو سيدهم وإلا لم يكن ذلك قولا لكل الأمة وقول المعصوم حق فإذن إجماع الأمة يكشف عن قول المعصوم الذي هو حق فلا جرم قلنا الإجماع حجة قالوا وظهر بهذا أن العلم بكون الإجماع حجة لا يتوقف على العلم بالنبوة أصلا وأن إجماع كل الأمم حجة كما أن إجماع أمتنا حجة والسؤال عليه أنا لا نسلم أنه لا بد من إمام ولا نسلم أنه لطف ولا نسلم أن الخلق إذا كان لهم رئيس يمنعهم عن القبائح ويحثهم على الطاعات كانوا أقرب إليها مما إذا لم يكن لهم هذا الرئيس بيانه أنكم تزعمون إن الله ما أخلى العالم قط من رئيس فقولكم وجدنا متى خلا عن الرئيس حصلت المفاسد باطل لأنكم إذا لم تجدوا العالم خاليا عنه قط ف كيف يمكنكم أن تقولوا إنا وجدنا العالم متى خلا عن الإمام حصلت المفاسد بل الذي جربناه أنه متى كان الإمام في الخوف والتقية حصلت المفاسد لكنكم لا توجبون ظهوره

стр. 1206

وقوته فالذي تريدونه من أن ظهور المفسدة عند عدمه أزيد مما وجدتموه عند خوفه وتستره شئ ما جربتموه والذي جربتموه وهو ظهور المفسدة عند ضعفه وخوفه فأنتم لا تقولون به فظهر فساد قولكم سلمنا إمكان هذه التجربة لكنا نقول تدعون اندفاع هذه المفاسد بوجود الرئيس كيف كان أو بوجود الرئيس القاهر الأول ممنوع فلا بد من الدلالة واستقراء العرف لا يشهد لهم البتة لأن الخلق إنما ينزجرون من السلطان القاهر فأما السلطان الضعيف فلا بل الشخص الذي لا يرى ولا يعرف ولا يظهر منه في الدنيا أثر ولا خبر فإنه لا يحصل بسببه انزجار عن القبائح ولا رغبة في الطاعات فلم قلتم إن مثل هذا الإمام يكون لطفا وإن أرددتم في الثاني فهو مسلم لكنكم لا توجبونه فالحاصل أن الذي عرف بالاستقراء كونه لطفا أنتم لا توجبونه والذي توجبونه لا يعرف بالاستقراء كونه لطفا

стр. 1207

فإن قلت نحن الآن في إثبات وجوب أصل الإمام فأما البحث عن كيفية فذاك يتعلق بالفضل ونحن الآن لا نتكلم فيه ثم السبب في تستره ظاهر وهو أن الإمام لو أزيل عنه الخوف لظهر ولزجر بن الناس عن القبائح ورغبهم في الطاعات فحيث أخافوه كان الذنب من قبلهم قلت إنكم ادعيتم وجوب نصب الإمام كيف كان سواء كان ظاهرا أو مخفيا ودللتم على وجوبه بكونه لطفا ودللتم على كونه لطفا بتفاوت حال الخلق معه في الطاعات والمعاصي فلا بد من إثبات هذه المقدمة عند وجود الإمام كيف كان الإمام حتى يمكن الاستدلال به على وجود الأمام كيف كان ونحن نمنع ذلك فإن تمسكتم باستقراء أحوال العالم قلنا ذلك التفاوت إنما يحصل من الإمام القاهر وأنت محتاج إلى بيان حصول التفاوت من وجود الإمام كيف كان فما لم تشتغلوا بإثبات هذه المقدمة لا يتم دليلكم فأي نفع لكم ها هنا في أن تذكروا السبب في غيبته وخوفه سلمنا أن نصب الإمام يقتضي تفاوت حال الخلق من الوجه الذي ذكرتموه لكنه متى يجب نصبه إذا خلا عن جميع جهات القبح أو إذا لم يخل

стр. 1208

الأول مسلم ولكن دليلكم لا يتم إلا إذا أقمتم الدلالة على خلوه عن جميع جهات المفسدة وأنتم ما فعلتم ذلك والثاني ممنوع لأن بتقدير اشتماله على جهة واحدة من جهات القبح لا يجوز نصبه لأنه يكفي في كون الشئ قبيحا اشتماله على جهة من جهات القبح ولا يكفي في حسنه اشتماله على جهة واحدة من جهات الحسن ما لم يعرف انفكاكه عن كل جهات القبح فإن قلت ما ذكرته مدفوع من أربعة أوجه أحدها أنه لو جاز القدح في كون الإمام لطفا بما ذكرته جاز القدح في كون معرفة الله تعالى لطفا بذلك لأن الذي يمكننا في بيان أن معرفة الله تعالى لطف هو أنها باعثة على أداء الواجبات والاحتراز عن القبائح العقلية فأما بيان خلوها عن جميع جهات القبح فمما لو يوجبه أحد فلو قدح هذا في كون الإمامة لطفا لقدح في كونه معرفة الله تعالى لطفا وثانيها أن ما ذكرته يفضي إلى تعذر القطع بوجوب شئ على الله تعالى

стр. 1209

لكونه لطفا لأنه لا شئ يدعى كونه لطفا إلا والاحتمال المذكور قائم فيه وثالثها أنه لا دليل على اشتمال الإمامة على جهة قبح وما لا دليل عليه وجب نفيه ورابعها أن جهات القبح محصورة وهي كون الفعل كذبا وظلما وجهلا وغيرها من الجهات وهي بأسرها زائلة عن الإمامة فوجب القطع ينفي اشتمالها على جهة من جهات القبح قلنا أما الأول فغير لازم لأن هذا الاحتمال الذي ذكرناه في الإمامة إن كان بعينه قائما في المعرفة من غير فرق وجب الجواب عنه في الموضعين ولا يلزم من تعذر الجواب عنه في الصورتين الحكم بسقوطه من غير جواب وإن حصل الفرق بين الصورتين بطل ما ذكرتموه ثم إن الفرق أن معرفة الله من الألطاف التي يجب علينا فعلها فإذا علمنا اشتمال المعرفة على جهة مصلحة ولم نعلم اشتمالها على جهة مفسدة غلب على ظننا كونها لطفا والظن في حقنا قائم مقام

стр. 1210

العلم في اقتضاء العمل فإنه كما يقبح الجلوس تحت الجدار المائل الذي يعلم سقوطه كذلك يقبح إذا ظن ذلك فلا جرم وجب علينا فعل المعرفة أما الإمامة فهي من الألطاف التي توجبونها على الله ولا يكفي في الإيجاب على الله تعالى ظن كونها لطفا لأنه عالم بجميع المعلومات فما لم يثبت خلو الفعل عن جميع جهات القبح لا يمكن إيجابه على الله فظهر الفرق وعن الثاني أنا لا نقول في فعل معين إنه لطف فيكون واجبا على الله عز وجل لأن الاحتمال المذكور قائم فيه بل نقول الذي يكون لطفا في نفسه فإنه يجب فعله على الله وذلك لا يقدح فيه الاحتمال المذكور وعن الثالث أن نقول ما المراد من قولك ما لا دليل عليه وجب نفيه إن عنيت به أن ما لا يعلم عليه دليل وجب نفيه فهذا باطل وإلا وجب على العوام نفي أكثر الأشياء لعدم علمهم بأدلتها

стр. 1211

وإن عنيت أن ما لا يوجد دليل عليه في نفس الأمر في نفس الآمر! وجب نفيه فهذا أيضا ممنوع وبتقدير التسليم لكن لا نسلم أنه لم يوجد عليه دليل فلعله وجد وأنتم لا تعلمونه فإن قلت سبرت وبحثت فما وجدت قلت أقم الدلالة على أن عدم الوجدان يدل على عدم الوجود وعن الرابع أن صوم أول يوم من شوال لم يشتمل على كونه ظلما وجهلا وكذبا مع أنه قبيح فجوز ها هنا مثله وبالجملة فالتقسيم الذي يكون حجة هو المنحصر أما غيره فلا سلمنا أنه لا بد في القدح في كونه لطفا من تعيين جهة المفسدة لكن ها هنا جهتان أحداهما أن نصب الإمام يقتضي كون المكلف تاركا للقبيح لا لكونه قبيحا بل للخوف من الإمام

стр. 1212

وإما عند عدم الإمام فالمكلف إنما يتركه لقبحه لا للخوف من الإمام فإن قلت هذا باطل بترتب العقاب على فعل القبيح فإنه يقتضي أن يكون المكلف تاركا للقبيح لا لقبحه بل للخوف من العقاب قلت أنا سائل فيكفيني أن أقول لم لا يجوز أن تكون هذه الجهة مفسدة مانعة وعليك الدلالة على أنها ليست كذلك ولا يلزم من قولنا ترتيب العقاب عليه لا يقتضي هذه الجهة من المفسدة أن يكون نصب الإمام غير مقتض لها لاحتمال أن يكون حال كل واحدة منهما بخلاف حال الآخر والذي يحقق ذلك أن ترتيب العقاب على فعل القبيح لا يعلم إلا بالشرع فقبل ورود الشرع يجوز أن تكون فيه مفسدة من هذه الجهة فلما ورد الشرع به علمنا أنه لا مفسدة فيه من هذه الجهة لأن الشرع لا يأتي بالمفسدة فنظيره في مسألتنا أن تقولوا يجوز قبل ورود الشرع أن يكون نصب الإمام مفسدة من هذه الجهة فلما ورد الشرع به علمنا أنه لم يكن مفسدة من هذه الجهة لكن على هذا التقدير يصير وجوب الإمامة شرعيا

стр. 1213

وثانيهما أن يقال فعل الطاعة وترك المعصية عند عدم الإمام أشق منهما عند وجوده فيكون نصب الإمام سببا لنقصان الثواب من هذا الوجه وبتقدير هذا الاحتمال فلا نسلم أنه يحسن نصب الإمام فضلا عن وجوبه سلمنا أن الإمام لطف لكن في كل الأزمنة أو في بعضها الأول ممنوع والثاني مسلم بيانه أن من الجائز أن يتفق في بعض الأزمنة وجود قوم يستنكفون عن طاعة الغير ويعلم الله تعالى منهم أنه متى نصب لهم رئيسا قصدوه بالقتل وإثاره الفتن العظيمة وإذا لم ينصب لهم رئيسا فإنهم لا يقدمون على القبائح ولا يتركون الواجبات فيكون نصب الرئيس في ذلك الوقت مفسدة ثم هذا وإن كان نادرا إلا أنه لا زمان إلا ويجوز أن يكون هو ذلك الزمان النادر وحينئذ لا يمكن الجزم بوجوب نصب الإمام في شئ من الأزمنة

стр. 1214

فإن قلت هذا مدفوع من وجهين الأول إن الاستنكاف إنما يكون عن الرئيس المعين وليس الكلام الآن فيه بل في مطلق الرئيس الثاني أن هذه مفسدة نادرة والمفاسد الحاصلة عند عدم الإمام غالبة وإذا تعارض الغالب والنادر كان الغالب أولى بالدفع قلت الجواب عن الأول أنه كما يتفق الاستنكاف عن طاعة رئيس معين فقد يتفق الاستنكاف عن طاعة مطلق الرئيس وأيضا فإذا سلمتم أن الاستنكاف قد يقع عن طاعة الرئيس المعين فيكون نصب ذلك المعين مفسدة ثم إذا لم يمكن تحصيل المطلق إلا في ذلك المعين كما هو قولكم في الإمامة في أشخاص معينين كان ذلك المطلق أيضا مفسدة وعن الثاني هب أن الزمان الذي يقع فيه ذلك الاحتمال نادر إلا أن كل زمان لما

стр. 1215

احتمل أن يكون هو ذلك النادر لم يمكنا القطع بوجوب نصبه في شئ من الأزمنة سلمنا أن الإمامة لطف في كل الأزمنة لكنها لطف يقوم غيرها مقامها أو لا يقوم الأول مسلم ولكن لما قام غيرها مقامها لم يمكن الجزم بوجوبها على التعين والثاني ممنوع فلا بد من الدلالة عليه ثم إنا نبين إمكان البدل على الإجمال تبرعا فنقول إنكم توجبون عصمة الإمام ولسيت عصمة الإمام بإمام اخر معصوم وإلا وقع التسلسل فإذن له شئ سوى الإمام وقع لطفا في الاحتراز عن القبائح وأداء الواجبات وإذا ثبت ذلك في الجملة فلم لا يجوز أن يحصل للأمة لطف قائم مقام الإمام وحينئذ لا يكون نصب الإمام واجبا عينا سلمنا كون الإمام لطفا على التعين لكن في المصالح الدنيوية أو الدينية

стр. 1216

الأول مسلم والثاني ممنوع بيانه أن ما ذكرتموه من منفعة وجود الأمام ليس إلا في حصول نظام العالم واندفاع الهرج والمرج وذلك كله مصلحة دنيوية وتحصيل الأصلح في الدنيا غير واجب على الله تعالى فما يكون لطفا فيه أولى أن لا يجب أو في إقامة الصلوات وأخذ الزكوات وذلك كله مصالح شرعية فما يكون لطفا فيه لا يجب وجوده عقلا وإن ادعيتم كونه لطفا في شئ آخر وراء ذلك فهو ممنوع فإن قلت الإمام لطف في المصالح الدينية العقلية لأنه إذا زجرهم عن القبائح وأمرهم بالواجبات العقلية مرة بعد أخرى تمرنت نفوسهم عليها وإذا تمرنت نفوسهم عليها تركوا القبائح لقبحها وأتوا بالواجبات لوجه وجوبها وذلك مصلحة دينية قلت لا نسلم تفاوت حال الخلق بسبب وجود الإمام في هذا المعنى فإن بوجود الإمام ربما وقعت أحوال القلوب على ما ذكرتموه وربما صارت بالضد من ذلك لأنهم إذا أبغضوه بقلوبهم وعاندته نفوسهم ازدادت المفسدة وربما أقدموا على الأفعال والتروك لمحض الخوف منه وبالجملة فالتفاوت الحاصل في أحوال الخلق إنما يظهر فيما عددناه من المصالح الدنيوية أو فيما عددناه من المصالح الشرعية

стр. 1217

فأما فيما تعدونه من المصالح الدينية العقلية فهذا التفاوت ممنوع فيه فإن الاحتمالات متعارضة فيها سلمنا أنه لطف فلم قلتم إن كل لطف واجب قوله في الوجه الأول فعل اللطف جار مجرى التمكين قلنا هذا قياس وقد بينا أنه لا يفيد اليقين ثم نقول لا نسلم أن فعل اللطف جار مجرى التمكين قوله من قدم الطعام إلى إنسان وأراد منه تناوله إلى اخره قلنا لا نسلم أن ترك التواضع في تلك الحالة يقدح في تلك الإرادة على الإطلاق بيانه أن الإرادات مختلفة فقد يريد الإنسان من غيره أن يتناول طعامه إرادة في الغاية حتى يقرر مع نفسه أنه يفعل كل ما يعلم أن ذلك الضيف لا يتناول طعامه إلا عند فعله وقد تكون الإرادة لا إلى ذلك الحد كمن يقول أريد أن تأكل طعامي لكن لا إلى حيث أنك لو لم تأكل طعامي إلا عند تقبيلي هذه رجلك فعلته بل إرادة دون ذلك إذا لبث هذا فنقول الإرادة إن كانت على الوجه الأول كان ترك التواضع قادحا في تحققها لكن لو كانت على الوجه الثاني لم يلزم من عدم التواضع عدمها

стр. 1218

إذا ثبت هذا فنقول لم قلت أن الله أراد من المكلفين فعل الطاعات والاجتناب عن القبائح إرادة على الوجه الأول حتى يلزمه فعل اللطف بيانه أن التكليف تفضل وإحسان والمتفضل لا يجب عليه أن يأتي بجميع مراتب التفضل قوله في الوجه الثاني أن ترك اللطف كفعل المفسدة قلنا إنه قياس فلا يفيد اليقين لاحتمال أن ما به وقع التغاير يكون شرطا أو مانعا ثم نقول الفرق أن فعل المفسدة إضرار وترك اللطف ترك للإنفاع سنة وليس يلزم من قبح الإضرار قبح ترك الإنفاع فإنه يقبح منا الإضرار بالغير ولا يقبح ترك إنفاعه عمرو سلمنا أنه يجب فعل اللطف لكن يجب فعل اللطف المحصل أو فعل اللطف المقرب الأول مسلم والثاني ممنوع فلم قلتم إن الإمام لطف محصل

стр. 1219

بيانه أنه لا يمكن القطع بأنه عند وجود الإمام يقدم الإنسان على الطاعة ويحترز عن المعصية لا محالة بل الذي يمكن ادعاوه قبل أن الإنسان عند وجود الإمام يكون أقرب إلى الطاعة وأبعد عن المعصية فيكون الإمام لطفا مقربا وإذا كان كذلك فلم قلت بوجوبه على الله تعالى وخرج على هذه المسألة مسألة الضيف فإن المضيف إنما يجب عليه التواضع للضيف إذا علم أنه لو تواضع له لأجابه إلى المقصود أو ظن ذلك فأما إذا علم قطعا أنه لا يجيب به إليه فلا نسلم أنه يحسن منه فعل ذلك التواضع فضلا عن الوجوب وعلى هذا لا يبعد أن يوجد زمان علم الله أن نصب الإمام في ذلك الزمان لا يكون لهم لطفا محصلا فلم قلت يجب على الله نصب الإمام في ذلك الزمان سلمنا أن اللطف واجب مطلقا لكن متى إذا أمكن فعله أو إذا لم يمكن الأول مسلم والثاني ممنوع

стр. 1220

بيانه إذا علم الله أن كل من خلقه في ذلك الزمان فإنه يكون كافرا أو فاسقا فحينئذ لا يكون خلق المعصوم في ذلك الزمان مقدورا له وإذا كان كذلك فلم قلت أنه لا يحسن التكليف في هذه الحالة وإذا حسن هذا التكليف جوزنا في كل زمان أن يكون هو ذلك الزمان فلا يمكننا القطع بوجوب الإمام في شئ من الأزمنة وخرج عليه مسألة الضيف فإن هناك إنما يجب عليه التواضع إذا كان ذلك التواضع مقدورا له فأما إذا لم يكن مقدورا له لم يتوقف التماس المضيف تناول الطعام على فعل التواضع بل حسن ذلك الالتماس بدون التواضع سلمنا كل ما ذكرتموه ولكنه بناء على التحسين والتقبيح العقليين وإنه باطل على ما ثبت في الكتب الكلامية فهذا هو الاعتراض على مقدمات دليلهم على الترتيب ثم نقول دليلكم منقوض بصور

стр. 1221

إحداها أنه لو كان القضاة والأمراء والجيوش معصومين لكان حال الخلق في الاجتناب عن القبائح أقرب مما إذا لم يكن كذلك وثانيتها أنه لو وجد في كل بلد امام معصوم وثالثتها لو كان الإمام عالما بالغيوب وقادرا على التصرف في الشرق والغرب والسماء والأرض ورابعتها لو كان بحيث لو شاء لاختفى يحيى عن الاعين ولطار الرحمن مع الملائكة فإن خوف المكلفين ها هنا يشتد منه لأن كل أحد يقول لعله معي وإن كنت لا أراه فكان انزجاره عن القبيح أشد ولا خلاص عن هذه الإلزامات إلا بأحد أمرين الأول أن يقال إن هذه الأشياء وإن حصلت فيها هذه المنافع لكن علم الله تعالى فيها وجه مفسدة لا نعلمه نحن ولذلك لم يجب على الله تعالى فعلها الثاني أن يقال إنها وإن كانت خالية عن جميع جهات المفسدة لكن لا

стр. 1222

يجب على الله تعالى فعلها ثم أن كل واحد من هذين الاحتمالين قائم فيما ذكروه فيبطل به أصل دليلهم سلمنا أنه لا بد من الإمام فلم قلت إنه معصوم قوله ولو لم يكن معصوما لافتقر إلى لطف اخر قلنا نعم لكن لم لا يجوز أن يكون ذلك اللطف هو الأمة فإنا قبل قيام الدلالة على أن الإجماع حجة نجوز كونه حجة وذلك التجويز يكفينا في ذلك المقام لأنهم هم المستدلون فيكفينا أن نقول لم لا يجوز أن يكون الإمام لطفا لكل واحد من آحاد الأمة ويكون مجموع الأمة لطفا للإمام فعليهم إقامة الدليل على أنه لا يجوز أن يكون مجموع الأمة معصوما ومعلوم أنه لا يكفي في ذلك قدحهم في أدلتنا على أن الإجماع حجة سلمنا كونه معصوما فلم قلت إن الإجماع يشتمل على قوله وتقريره ما بيناه في أول الباب أن العلم باتفاق كل الناس بحيث

стр. 1223

يقطع بأنه لم يشد واحد منهم في الشرق والغرب متعذر لا سبيل اليه سلمنا وجود قوله لكن لا نسلم أن قوله صواب لأن عندهم يجوز أن يفتي الإمام بالكفر والبدعة على سبيل التقية والخوف ويحلف بالله تعالى والأيمان التي لا مخرج منها أن الأمر كذلك وإذا كان كذلك فلعله لما رأى أهل العالم متفقين على ذلك القول خاف من مخالفتهم فأظهر الموافقة على ذلك الباطل كيف وعندهم قد أظهر علي بن أبي طالب ﵁ مع جميع رهط الهاشميين والأمويين والأنصار التقية خوفا من أبي بكر ومن عمر ﵄ مع قلة أنصارهما وكان وأعوانهما فإذا جاز الخوف والتقية في هذه الصورة فكيف لا يخاف الرجل الواحد جميع أهل العالم عند اتفاقهم على الباطل

стр. 1224

سلمنا أنه افتى به عن اعتقاد فلم لا يجوز أن يكون ذلك خطأ

стр. 1225

من باب الصغائر وعند ذلك يحتاجون إلى إقامة الدلالة على أنه لا تجوز الصغيرة على الأئمة فإن عولوا فيه على حديث التنفير فهو ضعيف لأن العجز الشديد والفتوى بالكفر والفسق وإباحة الدماء والفروج مع الأيمان الغليظة أدخل في باب التنفير من وقوع الصغيرة فإذا جاز أن لا يكون منزها عنه فلم لا يجوز أن لا يكون منزها عن الصغيرة فهذا ما على هذه الطريقة من الاعتراضات ومن أحاط بها تمكن من القدح في جميع مذاهب الشيعة أصولا وفووعا روى! لأن أصولهم في الإمامة مبنية على هذه القاعدة ومذاهبهم في فروع الشريعة مبنية على التمسك بهذا الإجماع والله أعلم

стр. 1226

القسم الثاني فيما أخرج من الإجماع وهو منه المسألة الأولى كل مسألة فالحكم فيها إما أن يكون بالإيجاب الكلي أو بالسلب الكلي أوبالإيجاب في البعض والسلب في البعض فهذه احتمالات ثلاثة لا مزيد عليها فإذا اختلف أهل العصر الأول على قولين من هذه الثلاثة فهل لمن بعدهم أن يذكروا الثالث الأكثرون منعوه وأهل الظاهر جوزوه

стр. 1227

والحق أن إحداث القول الثالث إما أن يلزم منه الخروج عما أجمعوا عليه أو لا يلزم فإن كان الأول لم يجز إحداث القول الثالث مثاله الأمة اختلفت في الجد مع الأخ على قولين منهم من جعل المال كله للحد ومنهم من قال إنه يقاسم الأخ فالقول الثالث وهو صرف المال كله إلى الأخ غير جائز لأن أهل العصر الأول القائلين بالقولين الأولين اتفقوا على أن للجد قسطا من المال فالقول بصرف المال كله إلى الأخ يبطل ذلك

стр. 1228

وأما الثاني فإن إحداث القول الثالث فيه جائز لأن المحذور مخالفة الإجماع أو القول بما يلزم منه مخالفته فأما إذا لم يكن إحداث القول كذلك وجب جوازه واحتج المانعون بأمرين أحدهما أن الأمة لما اختلفت على قولين فقد أوجب كل واحد من الفريقين الأخذ إما بقوله أو بقول صاحبه وتجويز القول الثالث يبطل ذلك فإن قلت إنهم إنما أوجبوا ذلك بشرط أن لا يظهر وجه ثالث فإذا ظهر فقد زال شرط ذلك الإجماع قلت لو جوزنا هذا الاحتمال لجوزنا أن يقال إنما أوجبوا التمسك بالإجماع على القول الواحد بشرط أن لا يظهر وجه القول الثاني فإذا ظهر فقد زال شرط ذلك الإجماع فيجوز الخلاف وثانيهما أن الذهاب إلى القول الثالث إنما يجوز لو أمكن كونه حقا ولا يمكن كونه حقا إلا عند كون الأولين باطلين ضرورة أن الحق واحد وحينئذ يلزم إجماع الأمة على الباطل

стр. 1229

والجواب عن الأول أن ايجاب الأخذ بأحد ذينك القولين مشروط بأن لا يظهر الثالث قوله لو جاز ذلك لجاز مثله في القول الواحد قلنا إنه جائز لكنهم منعوا من اعتباره فليس لنا أن نتحكم عليهم بوجوب التسوية وعن الثاني أن هذا الإشكال غير وارد على القول بأن كل مجتهد مصيب فإنه لا يلزم من حقية أحد الأقسام فساد الباقي وأما على القول بأن المصيب واحد فلا يلزم من التمكن من إظهار القول الثالث كونه حقا لأن المجتهد قد تمكن من العمل بالإجتهاد الخطأ والله أعلم المسألة الثانية الأمة إذا لم تفصل بين مسألتين فهل لمن بعدهم أن يفصل بينهما واعلم أن هذا يقع على وجهين أحدهما أن يقولوا لا فصل بين هاتين المسألتين في كل الأحكام أو في

стр. 1230

الحكم الفلاني والآخر أن لا ينصوا على ذلك لكن ما كان فيهم من فرق بينهما أما القسم الأول فإنه لا يجوز الفصل بينهما ثم إنه على ثلاثة أقسام أحدها أن تحكم الأمة في المسألتين بحكم واحد إما ب التحليل أو بالتحريم وثانيها أن يحكم بعض الأمة فيهما بالتحريم والبعض الآخر بالتحليل وثالثها أن لا ينقل الينا عنهم حكم فيهما ففي هذه الصورة الثالثة متى دل الدليل في إحدى المسألتين على تحليل أو تحريم وجب أن يكون الحال في الأخرى كذلك وأما القسم الثاني فقيل فيه إن علم أن طريقة الحكم في المسألتين واحدة فذلك جار مجرى أن يقولوا لا فصل بينهما فمن فصل بينهما فقد خالف ما اعتقدوه
следующие страницы →